«اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7510

الحديث رقم 7510 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «اجتمعنا ناس من أهل البصرة، فذهبنا إلى أنس…

«اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ إِلَيْهِ، يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ، فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَّا فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، جَاؤُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ

⦗١٤٧⦘

فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ. فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ، قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا: لَوْ مَرَرْنَا بِالْحَسَنِ، وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ، بِمَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَحَدَّثْنَاهُ بِالْحَدِيثِ، فَانْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ: هِيهْ، فَقُلْنَا: لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي، وَهُوَ جَمِيعٌ، مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا، قُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا: فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ، حَدَّثَنِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.»

سند حديث: ٧٥١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ…

٧٥١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «اجتمعنا ناس من أهل البصرة، فذهبنا إلى أنس…

كَانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في دَعْوةِ طعام، فقُدّمت إليه ذراع الشاة وكانت أعْجب لحمِها إليه، فقَضَمَ منها قَضْمة بأطراف أسنانه ثم حدّثهم، فقال:

أنا سيد ولد آدم يوم القيامة؛ وذلك تَحَدُّثًا بنعمة الله تعالى.

ثم قال: أتدرون مم ذاك؟ قال: بأن الناس يُجْمَعون يوم القيامة في أرض واسعة مستوية ممدودة مدًّا واحدًا، والذين فيها يسمعهم الداعي ويحيط بهم الناظر لا يخفى عليه منهم شيء؛ لاستواء الأرض ليس فيها ما يَستتر به أحد عن الناظرين، وينفذهم البصر، يعني لو تكلم الإنسان يسمعهم آخر واحد، والبصر يراهم، وتدنو الشمس من الخلائق على قدر مِيْل، ويَلحقهم من الغم والكَرْب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيطلبون الخلاص بالشفاعة.

فيُلْهِم اللهُ عز وجل أهلَ الإيمان أن يأتوا إلى آدم أبي البشر، فيأتون إليه ويذكرون فضله، لعله يشفع لهم عند الله عز وجل، يقولون له: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعَلَّمَك أسماء كل شيء، ونفخ فيك من روحه، فيعتذر ويقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ثم يذكر خطيئته، وهي أن الله سبحانه وتعالى نهاه أن يأكل من شجرة فأكل، ويقول: نفسي هي التي تستحق أن يُشفَع لها، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح.

فيأتون إلى نوح؛ ويقولون: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وأنّ الله سماك عبدًا شكورًا، ولكنه يعتذر: بأن الله عز وجل غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت له دعوة دعاها على قومه، نفسي هي التي تستحق أن يُشفع لها، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم.

فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت خليل الله في الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات؛ وهي قوله: إني سقيم، وقوله: فعله كبيرهم هذا، وقوله: لامرأته سارة أخبريه أني أخوك ليَسْلَم مِن شرّه.

والحق أن الكلمات الثلاث إنما كانت من مَعَارِيْض الكلام، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استصغارًا لنفسه عن الشفاعة؛ لأن مَن كان أَعرف بالله وأقرب منزلةً كان أعظم خوفًا، ويقول: نفسي هي التي تستحق أن يُشفع لها، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى.

فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضَّلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قَتَلتُ نفسًا لم أُوْمَر بقتلِها، نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى ابن مريم.

فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وكلَّمتَ الناسَ في المهد صبيًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد.

فيأتون محمدًا فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا، لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فتُقْبَل شفاعتُه.

ويُقَال له: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب.

ثم قال: والذي نفسي بيده، إن ما بين جانبي الباب من باب الجنة، كما بين مكة وصنعاء اليمن، أو كما بين مكة وبُصرى الشام وهي مدينة حوران.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وتلبيته للدعوة، والأكل مع عامة أصحابه.
  • تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الناس.
  • قال القاضي عياض: قيل: السيد الذي يَفُوق قومَه ويُفزَع إليه في الشدائد، والنبي صلى الله عليه وسلم سيدهم في الدنيا والآخرة، وإنما خَصّ يوم القيامة لارتفاع السُّؤْدَد فيها، وتسليم جميعهم له، ولكون آدم وجميع أولاده تحت لوائه صلى الله عليه وسلم.
  • الحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم، ومن بعده في الابتداء، ولم يلهموا سؤال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لإظهار فضيلته، فهو النهاية في ارتفاع المنزلة، وكمال القرب.
  • يشرع لمن أراد من عبد حاجة أن يقدِّم ين يديه وصف المسؤول بأحسن صفاته؛ ليكون أدعى للإجابة.
  • يجوز لمن سئل عن أمر لايقدر عليه أن يعتذر بما يُقبَل منه، ويستحب أن يُرْشَد لمن يظن أنه أقدر على ذلك.
  • بيان هول الموقف واشتداد المحشر على العباد يوم القيامة.
  • تواضع الأنبياء حيث تذكّروا ما مضى منهم؛ ليشعروا بأنهم دون هذا الموقف.
  • إثبات الشفاعة العظمى يوم القيامة، وهو للفَصْل بين الخلائق.
  • إثبات الوسيلة والمقام المحمود لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • محامد الله تعالى لا تنتهي، ولذلك يفتح الله على رسوله في هذا المقام من حسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحد قبله.
  • بيان أن أمة محمد خير الأمم، فلهم خصائص في دخول الجنة حيث يدخل من ليس عليهم حساب من باب خاص بهم، ويشاركون الناس في بقية الأبواب.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «اجتمعنا ناس من أهل البصرة، فذهبنا إلى أنس…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء، الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الإمام أبو إسماعيل قال: (حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ) بفتح الميم والموحَّدة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ (العَنَزِيُّ) بفتح العين المهملة وكسر الزَّاي (قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ) بيانٌ لقوله: «اجتمعنا» وهو مرفوعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: اجتمعنا نحن ناسٌ (مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ) أي: ليس فيهم أحدٌ من غير أهلها (فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (وَذَهَبْنَا مَعَنَا) بفتح العين (بِثَابِتٍ إِلَيْهِ) إلى أنسٍ (يَسْأَلُهُ) و «ثابتٌ» بالمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بثابتٍ البُنانيِّ» نسبةً إلى بُنَانة -بضمِّ الموحَّدة وتخفيف النُّون- أَمَةٌ لسعد بن لؤيٍّ كانت تحضنه، أو زوجته ونُسِب إليها، أو لأنَّه كان ينزل سكَّة (١) بُنانة بالبصرة، قال السَّفاقسيُّ: فيه تقديم الرَّجل الذي هو من خاصَّة العالم ليسأله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فسأله» أي: ثابتٌ (لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ) بالزَّاوية على نحو فرسخين من البصرة (فَوَافَقْنَا) بسكون القاف وحذف الضَّمير، وللكشميهنيِّ: «فوافقناه» (يُصَلِّي الضُّحَى فَاسْتَأْذَنَّا) في الدُّخول عليه (فَأَذِنَ لَنَا، وَهْوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ) قال الكِرمانيُّ: أي: أسبق، وفيه إشعارٌ بأنَّه «أفعل» لا «فوعل» وفيه اختلافٌ بين علماء التَّصريف (فَقَالَ) ثابتٌ: (يَا أَبَا حَمْزَةَ) وهي كنية أنسٍ (هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ) معبدٌ وأصحابه (مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ جَاؤُوكَ) وسقط الكاف من «جاؤوك» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ) أنسٌ ﵁: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ) بالجيم (بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) أي: اضطربوا من هول ذلك اليوم، يُقال: ماج

البحر إذا اضطربت أمواجه (فَيَأْتُونَ آدَمَ) ﵇ (فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ) (١) ليريحنا ممَّا نحن فيه، وسقط «لنا» لأبي ذرٍّ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا) أي: ليست لي هذه المرتبة (وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ) ﵇ وفي الأحاديث السَّابقة: «فيقول آدم: عليكم بنوحٍ» [خ¦٣٣٤٠] ولم يذكر هنا نوحًا (فَيَقُولُ) إبراهيم: (لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ) ولأبي ذرٍّعن الكُشْمِيهَنيِّ: «فإنَّه كلَّم الله» بلفظ الماضي (فَيَأْتُونَ مُوسَى) ﵇ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى) ﵇ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِي) ولأبي ذرٍّ: «فيأتونني» (فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا) أي: للشَّفاعة (فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي) أي: في الشَّفاعة الموعود بها في فصل القضاء، ففيه حذفٌ، وفي «مُسنَد البزَّار» أنَّه ﷺ يقول: «يا ربِّ عجّل على الخلق الحساب». انتهى. ثمَّ تذهب كلُّ أمةٍ مع من كانت تعبد، ويُؤتَى بجهنَّم والموازين والصِّراط وتتناثر الصُّحف وغير ذلك، ثمَّ من هنا ابتدأ ببيان الشَّفاعة الأخرى الخاصَّة بأمَّته ﷺ (٢) (وَيُلْهِمُنِي) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فيلهمني» أي: الله (مَحَامِدَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «لمحامد (٣)» (أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ) سؤلك، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «تعطهْ» بهاء السَّكت (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي) أي: شفِّعني في أمَّتي، فيتعلَّق بمحذوفٍ حُذِف لضيق المقام وشدَّة الاهتمام. قال الدَّاوديُّ: قوله: «أمَّتي أمَّتي» لا أراه محفوظًا؛ لأنَّ الخلائق اجتمعوا واستشفعوا، ولو كان المراد هذه الأمَّة خاصَّةً لم تذهب إلى غير نبيِّها (٤)، فدلَّ على أنَّ المراد الجميع، وإذا كانت الشَّفاعة لهم في فصل القضاء فكيف يخصُّها بقوله: «أمَّتي» ثمَّ قال: وأوَّل الحديث ليس متَّصلًا بآخره، بل بقي بين طلبهم الشَّفاعة وبين قوله: «فاشفع» أمورٌ كثيرةٌ (٥). انتهى. وأُجيب بأنَّه وقع في حديث حذيفة المقرون بحديث أبي هريرة بعد قوله: «فيأتون محمَّدًا فيقوم ويُؤذَن له في الشَّفاعة، ويرسل الأمانة

والرَّحم فيقومان جنبي الصِّراط يمينًا وشمالًا، فيمرُّ أوَّلهم كالبرق … » الحديث، فبهذا يتَّصل الكلام؛ لأنَّ الشَّفاعة التي يلجأ (١) النَّاس إليه فيها هي الإراحة من كرب الموقف، ثمَّ تجيء الشَّفاعة في الإخراج فيقول ﷺ: «يا ربِّ أمَّتي أمَّتي» (فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ منْها) أي: من النَّار (من كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ) ما أُمِرت به من الإخراج (ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ) تعالى (بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) بالذَّال المعجمة والرَّاء المشدَّدة (أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ) ولأبي ذرٍّ: «فأخرجه» بالجزم على الأمر (فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ) وللأَصيليِّ: «فيُقال»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ) منها (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى) مرَّتين، وللكشميهنيِّ: «أدنى» مرَّةً ثالثةً، وفائدة التَّكرار التَّأكيد (مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ (٢) خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ (٣)) فهي ثلاث تأكيداتٍ لفظيَّةٍ، فهو بالغٌ أقصى المبالغة باعتبار الأدنى البالغ هذا المبلغ في الإيمان الذي هو التَّصديق، ويحتمل أن يكون التَّكرار للتَّوزيع على الحبَّة والخردلة، أي: أقلَّ حبَّةٍ من أقلِّ خردلةٍ من الإيمان، ويُستفاد منه صحَّة القول بتجزُّؤ الإيمان وزيادته ونقصانه، ولأبي ذرٍّ: «من النَّار من النَّار من النَّار (٤)» بالتَّكرير ثلاثًا كقوله: «أدنى أدنى أدنى» (فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ).

قال معبدٌ: (فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا) البصريِّين: (لَوْ مَرَرْنَا بِالحَسَنِ) البصريِّ (وَهْوَ مُتَوَارٍ) مختفٍ (فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ) الطَّائيِّ البصريِّ خوفًا من الحجَّاج بن يوسف الثَّقفيِّ (بِمَا) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فحدَّثنا» وللكشميهنيِّ والأَصيليِّ: «فحدَّثناه بما» (حَدَّثَنَا) بفتح المثلَّثة (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ:

يَا أَبَا سَعِيدٍ) وهي كنية الحسن (جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ) في الدِّين (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا) بفتح المثلَّثة (فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهِ) بكسر الهاءين (١) من غير تنوينٍ وقد تُنوَّن، كلمة استزادةٍ، أي: زيدوا من الحديث (فَحَدَّثْنَاهُ) بسكون المثلَّثة (بِالحَدِيثِ) الذي حدَّثنا به أنسٌ (فَانْتَهَى (٢) إِلَى هَذَا المَوْضِعِ فَقَالَ: هِيهِ) أي: زيدوا (فَقُلْنَا: لَمْ) وللأَصيليِّ: «فقلنا له: لم» (يَزِدْ لَنَا) أنسٌ (عَلَى هَذَا فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي) بالإفراد، أنسٌ (وَهْوَ جَمِيعٌ) أي: وهو مجتمعٌ، أي: حين كان شابًّا مجتمع العقل، وهو إشارةٌ إلى أنَّه كان حينئذٍ لم يدخل في الكِبَر الذي هو مظنَّة تفرُّق الذِّهن وحدوث اختلاط الحفظ (مُنْذُ) بالنُّون (عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا) على الشَّفاعة فتتركوا العمل (قُلْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فقلنا»: (يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا) بسكون المثلَّثة (فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ) لكم (إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ: حَدَّثَنِي) أنسٌ (كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ) ﵊: (ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ، ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بتلك المحامد، ثمَّ» (أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ) لك (وَسَلْ تُعْطَهْ) بهاء السَّكت (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَقُولُ) ﷿: (وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ) بضمِّ الهمزة (مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: مع: محمَّدٍ رسول الله، وفي «مسلمٍ»: «ائذن لي فيمن قال: لا إله إلَّا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزَّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي (٣) لأخرجنَّ من قال: لا إله إلى الله»، أي: ليس هذا لك، وإنَّما أفعل ذلك تعظيمًا لاسمي، وإجلالًا لتوحيدي.

وفي الحديث: الإشعار بالانتقال من التَّصديق القلبيِّ إلى اعتبار المقال من قوله ﷺ: «ائذن لي فيمن قال: لا إله إلَّا الله» واستُشكِل؛ لأنَّه (٤) إن اعتُبِر تصديق القلب اللِّسان فهو كمال الإيمان (٥)، فما وجه التَّرقِّي من الأدنى المؤكَّد، وإن لم يُعتَبر التَّصديق القلبيُّ بل مجرَّد

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥١٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الرَّاء، الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي: ابن درهمٍ الإمام أبو إسماعيل قال: (حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ) بفتح الميم والموحَّدة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ (العَنَزِيُّ) بفتح العين المهملة وكسر الزَّاي (قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ) بيانٌ لقوله: «اجتمعنا» وهو مرفوعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: اجتمعنا نحن ناسٌ (مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ) أي: ليس فيهم أحدٌ من غير أهلها (فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) ﵁ (وَذَهَبْنَا مَعَنَا) بفتح العين (بِثَابِتٍ إِلَيْهِ) إلى أنسٍ (يَسْأَلُهُ) و «ثابتٌ» بالمثلَّثة، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بثابتٍ البُنانيِّ» نسبةً إلى بُنَانة -بضمِّ الموحَّدة وتخفيف النُّون- أَمَةٌ لسعد بن لؤيٍّ كانت تحضنه، أو زوجته ونُسِب إليها، أو لأنَّه كان ينزل سكَّة (١) بُنانة بالبصرة، قال السَّفاقسيُّ: فيه تقديم الرَّجل الذي هو من خاصَّة العالم ليسأله، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فسأله» أي: ثابتٌ (لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ) بالزَّاوية على نحو فرسخين من البصرة (فَوَافَقْنَا) بسكون القاف وحذف الضَّمير، وللكشميهنيِّ: «فوافقناه» (يُصَلِّي الضُّحَى فَاسْتَأْذَنَّا) في الدُّخول عليه (فَأَذِنَ لَنَا، وَهْوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ) قال الكِرمانيُّ: أي: أسبق، وفيه إشعارٌ بأنَّه «أفعل» لا «فوعل» وفيه اختلافٌ بين علماء التَّصريف (فَقَالَ) ثابتٌ: (يَا أَبَا حَمْزَةَ) وهي كنية أنسٍ (هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ) معبدٌ وأصحابه (مِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ جَاؤُوكَ) وسقط الكاف من «جاؤوك» لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ) أنسٌ ﵁: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ) بالجيم (بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ) أي: اضطربوا من هول ذلك اليوم، يُقال: ماج

البحر إذا اضطربت أمواجه (فَيَأْتُونَ آدَمَ) ﵇ (فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ) (١) ليريحنا ممَّا نحن فيه، وسقط «لنا» لأبي ذرٍّ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا) أي: ليست لي هذه المرتبة (وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ) ﵇ وفي الأحاديث السَّابقة: «فيقول آدم: عليكم بنوحٍ» [خ¦٣٣٤٠] ولم يذكر هنا نوحًا (فَيَقُولُ) إبراهيم: (لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ) ولأبي ذرٍّعن الكُشْمِيهَنيِّ: «فإنَّه كلَّم الله» بلفظ الماضي (فَيَأْتُونَ مُوسَى) ﵇ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى) ﵇ (فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَيَأْتُونِي) ولأبي ذرٍّ: «فيأتونني» (فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا) أي: للشَّفاعة (فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي) أي: في الشَّفاعة الموعود بها في فصل القضاء، ففيه حذفٌ، وفي «مُسنَد البزَّار» أنَّه ﷺ يقول: «يا ربِّ عجّل على الخلق الحساب». انتهى. ثمَّ تذهب كلُّ أمةٍ مع من كانت تعبد، ويُؤتَى بجهنَّم والموازين والصِّراط وتتناثر الصُّحف وغير ذلك، ثمَّ من هنا ابتدأ ببيان الشَّفاعة الأخرى الخاصَّة بأمَّته ﷺ (٢) (وَيُلْهِمُنِي) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «فيلهمني» أي: الله (مَحَامِدَ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «لمحامد (٣)» (أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ) سؤلك، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «تعطهْ» بهاء السَّكت (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي) أي: شفِّعني في أمَّتي، فيتعلَّق بمحذوفٍ حُذِف لضيق المقام وشدَّة الاهتمام. قال الدَّاوديُّ: قوله: «أمَّتي أمَّتي» لا أراه محفوظًا؛ لأنَّ الخلائق اجتمعوا واستشفعوا، ولو كان المراد هذه الأمَّة خاصَّةً لم تذهب إلى غير نبيِّها (٤)، فدلَّ على أنَّ المراد الجميع، وإذا كانت الشَّفاعة لهم في فصل القضاء فكيف يخصُّها بقوله: «أمَّتي» ثمَّ قال: وأوَّل الحديث ليس متَّصلًا بآخره، بل بقي بين طلبهم الشَّفاعة وبين قوله: «فاشفع» أمورٌ كثيرةٌ (٥). انتهى. وأُجيب بأنَّه وقع في حديث حذيفة المقرون بحديث أبي هريرة بعد قوله: «فيأتون محمَّدًا فيقوم ويُؤذَن له في الشَّفاعة، ويرسل الأمانة

والرَّحم فيقومان جنبي الصِّراط يمينًا وشمالًا، فيمرُّ أوَّلهم كالبرق … » الحديث، فبهذا يتَّصل الكلام؛ لأنَّ الشَّفاعة التي يلجأ (١) النَّاس إليه فيها هي الإراحة من كرب الموقف، ثمَّ تجيء الشَّفاعة في الإخراج فيقول ﷺ: «يا ربِّ أمَّتي أمَّتي» (فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ منْها) أي: من النَّار (من كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ) ما أُمِرت به من الإخراج (ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ) تعالى (بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) بالذَّال المعجمة والرَّاء المشدَّدة (أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ) ولأبي ذرٍّ: «فأخرجه» بالجزم على الأمر (فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فيقول»: (يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ) وللأَصيليِّ: «فيُقال»: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ) منها (مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى) مرَّتين، وللكشميهنيِّ: «أدنى» مرَّةً ثالثةً، وفائدة التَّكرار التَّأكيد (مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ (٢) خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ (٣)) فهي ثلاث تأكيداتٍ لفظيَّةٍ، فهو بالغٌ أقصى المبالغة باعتبار الأدنى البالغ هذا المبلغ في الإيمان الذي هو التَّصديق، ويحتمل أن يكون التَّكرار للتَّوزيع على الحبَّة والخردلة، أي: أقلَّ حبَّةٍ من أقلِّ خردلةٍ من الإيمان، ويُستفاد منه صحَّة القول بتجزُّؤ الإيمان وزيادته ونقصانه، ولأبي ذرٍّ: «من النَّار من النَّار من النَّار (٤)» بالتَّكرير ثلاثًا كقوله: «أدنى أدنى أدنى» (فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ).

قال معبدٌ: (فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا) البصريِّين: (لَوْ مَرَرْنَا بِالحَسَنِ) البصريِّ (وَهْوَ مُتَوَارٍ) مختفٍ (فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ) الطَّائيِّ البصريِّ خوفًا من الحجَّاج بن يوسف الثَّقفيِّ (بِمَا) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فحدَّثنا» وللكشميهنيِّ والأَصيليِّ: «فحدَّثناه بما» (حَدَّثَنَا) بفتح المثلَّثة (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَنَا فَقُلْنَا لَهُ:

يَا أَبَا سَعِيدٍ) وهي كنية الحسن (جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ) في الدِّين (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا) بفتح المثلَّثة (فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: هِيهِ) بكسر الهاءين (١) من غير تنوينٍ وقد تُنوَّن، كلمة استزادةٍ، أي: زيدوا من الحديث (فَحَدَّثْنَاهُ) بسكون المثلَّثة (بِالحَدِيثِ) الذي حدَّثنا به أنسٌ (فَانْتَهَى (٢) إِلَى هَذَا المَوْضِعِ فَقَالَ: هِيهِ) أي: زيدوا (فَقُلْنَا: لَمْ) وللأَصيليِّ: «فقلنا له: لم» (يَزِدْ لَنَا) أنسٌ (عَلَى هَذَا فَقَالَ: لَقَدْ حَدَّثَنِي) بالإفراد، أنسٌ (وَهْوَ جَمِيعٌ) أي: وهو مجتمعٌ، أي: حين كان شابًّا مجتمع العقل، وهو إشارةٌ إلى أنَّه كان حينئذٍ لم يدخل في الكِبَر الذي هو مظنَّة تفرُّق الذِّهن وحدوث اختلاط الحفظ (مُنْذُ) بالنُّون (عِشْرِينَ سَنَةً، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا) على الشَّفاعة فتتركوا العمل (قُلْنَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فقلنا»: (يَا أَبَا سَعِيدٍ فَحَدِّثْنَا) بسكون المثلَّثة (فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلِقَ الإِنْسَانُ عَجُولًا، مَا ذَكَرْتُهُ) لكم (إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ: حَدَّثَنِي) أنسٌ (كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ) ﵊: (ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ، ثُمَّ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «بتلك المحامد، ثمَّ» (أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ) لك (وَسَلْ تُعْطَهْ) بهاء السَّكت (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَقُولُ) ﷿: (وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ) بضمِّ الهمزة (مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) أي: مع: محمَّدٍ رسول الله، وفي «مسلمٍ»: «ائذن لي فيمن قال: لا إله إلَّا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزَّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي (٣) لأخرجنَّ من قال: لا إله إلى الله»، أي: ليس هذا لك، وإنَّما أفعل ذلك تعظيمًا لاسمي، وإجلالًا لتوحيدي.

وفي الحديث: الإشعار بالانتقال من التَّصديق القلبيِّ إلى اعتبار المقال من قوله ﷺ: «ائذن لي فيمن قال: لا إله إلَّا الله» واستُشكِل؛ لأنَّه (٤) إن اعتُبِر تصديق القلب اللِّسان فهو كمال الإيمان (٥)، فما وجه التَّرقِّي من الأدنى المؤكَّد، وإن لم يُعتَبر التَّصديق القلبيُّ بل مجرَّد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.1 / 29.5
الإضاءة 30%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56