«إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٧٧

الحديث رقم ٨٧٧ من كتاب «كتاب الجمعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٨٧٧ في صحيح البخاري

«إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».

إسناد حديث البخاري رقم ٨٧٧

٨٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٨٧٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِمَكَّةَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِقَامَتِهَا، ثُمَّ فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ بِهِمْ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ حَصَلَتِ الْهِدَايَةُ لِلْجُمُعَةِ بِجِهَتَيِ الْبَيَانِ وَالتَّوْفِيقِ. وَقِيلَ فِي الْحِكْمَةِ فِي اخْتِيَارِهِمُ الْجُمُعَةَ: وُقُوعُ خَلْقِ آدَمَ فِيهِ، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ فِيهِ الْمَوْجُودَاتِ وَأَوْجَدَ فِيهِ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهَا فَنَاسَبَ أَنْ يَشْكُرَ عَلَى ذَلِكَ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: فَهُوَ لَنَا، وَلِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَالنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَنَا بِهِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُمْ بِاعْتِبَارِ اخْتِيَارِهِمْ وَخَطَئِهِمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: غَدًا هُنَا مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيرُهُ: الْيَهُودُ يُعَظِّمُونَ غَدًا، وَكَذَا قَوْلُهُ: بَعْدَ غَدٍ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ لِأَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ لَا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الْجُثَّةِ. انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِظَرْفِ الزَّمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَعَانِي كَقَوْلِكَ: غَدًا، لِلتَّأَهُّبِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلرَّحِيلِ، فَيُقَدَّرُ هُنَا مُضَافَانِ يَكُونُ ظَرْفَا الزَّمَانِ خَبَرَيْنِ عَنْهُمَا، أَيْ تَعْيِيدُ الْيَهُودِ غَدًا وَتَعْيِيدُ النَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ اهـ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ عِيَاضٌ، وَهُوَ أَوْجَهُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ، لِقَوْلِهِ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْنَا فَضَلُّوا وَهُدِينَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: كُتِبَ عَلَيْنَا. وَفِيهِ أَنَّ الْهِدَايَةَ وَالْإِضْلَالَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنَّ سَلَامَةَ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْخَطَأِ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّ اسْتِنْبَاطَ مَعْنًى مِنَ الْأَصْلِ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدٌ، وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ جَائِزٌ، وَأَنَّ الْجُمُعَةَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ شَرْعًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَسْمِيَةُ الْأُسْبُوعِ كُلِّهِ جُمُعَةً وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأُسْبُوعَ سَبْتًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِسْقَاءِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُجَاوِرِينَ لِلْيَهُودِ فَتَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ لِمَزِيدِ فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى.

٢ - بَاب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ

٨٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ.

[الحديث ٨٧٧ - طرفاه في: ٩١٩، ٨٩٤]

٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فَنَادَاهُ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ قَالَ إِنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ فَقَالَ وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ "

[الحديث ٨٧٨ - طرفه في: ٨٨٢]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«فالنَّاس لنا تَبَعٌ» (اليَهُودُ) أي: تعييد اليهود (غَدًا) يوم السَّبت (وَ) تعييد (النَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) يوم الأحد، كذا قدَّره ابن مالكٍ ليسلم من الإخبار بظرف الزَّمان عن الجثَّة، ووجه اختيار اليهود يومَ السَّبت لزعمهم أنَّه يومٌ فرغ الله فيه (١) من خلق الخلق، قالوا: فنحن نستريح فيه عن العمل، ونشتغل بالعبادة والشُّكر، والنَّصارى: الأحدَ لأنَّه أوَّل يومٍ بدأ الله فيه بخلق الخلق، فاستحقَّ التَّعظيم، وقد هدانا الله تعالى للجمعة لأنَّه خلق فيه آدم ، والإنسان إنَّما خُلِق للعبادة، وهو اليوم الَّذي فرضه الله تعالى عليهم (٢)، فلم يهدِهم له، وادَّخره لنا، واستدلَّ به النَّوويُّ رحمه الله تعالى على فرضيَّة الجمعة لقوله: «فُرِض عليهم، فهدانا الله له» فإنَّ التَّقدير: فُرِض عليهم وعلينا، فضلُّوا وهُدِينا، ويؤيِّده رواية مسلمٍ عن سفيان عن أبي الزِّناد: «كتب علينا».

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.

(٢) (بابُ: فَضْلِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهَلْ عَلَى الصَّبِي شُهُودُ يَوْمِ الجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ؟).

٨٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولابن عساكر: «عن ابن عمر» (: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِذَا جَاءَ) أي: إذا أراد (أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ) بإضافة «أحد» إلى ضمير

الجمع ليعمَّ (١) الرجال والنِّساء والصِّبيان، واستُشكِل دلالة الحديث على ما ترجم له من شهود الصَّبيِّ والمرأة للجمعة (٢)، فإنَّ القضيَّة الشَّرطيَّة لا تدلُّ على وقوع المجيء، وأُجيب بأنَّه استُفِيد من «إذا» فإنَّها لا تدخل إلَّا في مجزومٍ بوقوعه، وتُعقِّب بأنَّه خرج بقوله في ثالث حديث الباب [خ¦٨٧٩] «على كلِّ محتلمٍ»: الصَّبيُّ، وبعموم النَّهي في منع النِّساء من المساجد إلَّا بالليل: حضورُهنَّ الجمعة. وفي بعض طرق حديث نافعٍ عند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، لكنَّه ليس على شرط المصنِّف، عن طارق بن شهابٍ مرفوعًا: «لا جمعة على امرأةٍ ولا صبيٍّ»، نعم لا بأس بحضور العجائز بإذن الأزواج، وليحترزن من الطِّيب والزِّينة. وظاهر قوله: «إذا جاء … فليغتسل» أنَّ الغسل يعقب المجيء، وليس كذلك، وإنَّما التَّقدير: إذا أراد أحدكم … كما مرَّ، وقد وقع ذلك صريحًا عند مسلمٍ في رواية اللَّيث عن نافعٍ، ولفظه (٣): «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة … »، فهو كآية الاستعاذة، وفي حديث أبي هريرة: «من اغتسل يوم الجمعة، ثمَّ راح … »

وهو صريحٌ في تأخُّر الرَّواح عن الغسل، وقد عُلِم من تقييد الغسل بالمجيء (١): أنَّ الغسل للصَّلاة لا لليوم، وهو مذهب الشَّافعيِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفة ، فلو اغتسل بعد الصَّلاة لم يكن للجمعة، ولو اغتسل بعد الفجر أجزأه عند الشَّافعيَّة والحنفيَّة، خلافًا للمالكيَّة والأوزاعيِّ، وفي حديث إسماعيل بن أميَّة عن نافعٍ عند أبي عَوانة وغيره: «كان النَّاس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاؤوا وعليهم ثيابٌ متغيِّرةٌ، فشكوا ذلك إلى رسول الله ، فقال: من جاء منكم الجمعة فليغتسل» فأفادَ سببَ الحديث، واستدل به المالكيَّة (٢) في أنَّه يُعتبَر أن يكون الغسل متَّصلًا بالذَّهاب لئلَّا يفوت الغرض وهو رعاية الحاضرين من (٣) التَّأذِّي بالرَّوائح حال (٤) الاجتماع، وهو غير مختصٍّ بمن تلزمه، قالوا: ومن اغتسل ثمَّ اشتغل عن الرَّواح إلى أن بَعُدَ ما بينهما عرفًا فإنَّه يعيد الغسل لتنزيل البعد منزلة التَّرك، وكذا إذا نام اختيارًا بخلاف من غلبه النَّوم، أو أكل أكلًا كثيرًا بخلاف القليل. انتهى. ومقتضى النَّظر أنَّه إذا عرف أنَّ الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة التَّنظيف (٥) رعايةً للحاضرين -كما مرَّ- فمن خشي أن يصيبه في أثناء النَّهار ما يزيل تنظيفه استُحِبَّ له أن يؤخِّر الغسل لوقت ذهابه -كما مرَّ- عن المالكيَّة، وبه صرَّح في «الرَّوضة» وغيرها. ومفهوم الحديث أنَّ الغسل لا يُشرَع لمن لا يحضرها كالمسافر والعبد، وقد صرَّح به في رواية عثمان بن واقدٍ عند أبي عَوانة، وابني خزيمة وحبَّان في «صحاحهم»، ولفظه: «من أتى الجمعة من الرِّجال والنِّساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسلٌ» وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، وبه قال الجمهور خلافًا لأكثر الحنفيَّة، وذكر المجيء في قوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة» للغالب، وإلَّا فالحكم شاملٌ لمجاور الجامع ومن هو مقيمٌ به.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِمَكَّةَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِقَامَتِهَا، ثُمَّ فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ بِهِمْ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ حَصَلَتِ الْهِدَايَةُ لِلْجُمُعَةِ بِجِهَتَيِ الْبَيَانِ وَالتَّوْفِيقِ. وَقِيلَ فِي الْحِكْمَةِ فِي اخْتِيَارِهِمُ الْجُمُعَةَ: وُقُوعُ خَلْقِ آدَمَ فِيهِ، وَالْإِنْسَانُ إِنَّمَا خُلِقَ لِلْعِبَادَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ فِيهِ الْمَوْجُودَاتِ وَأَوْجَدَ فِيهِ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهَا فَنَاسَبَ أَنْ يَشْكُرَ عَلَى ذَلِكَ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: فَهُوَ لَنَا، وَلِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَالنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَنَا بِهِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُمْ بِاعْتِبَارِ اخْتِيَارِهِمْ وَخَطَئِهِمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: غَدًا هُنَا مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيرُهُ: الْيَهُودُ يُعَظِّمُونَ غَدًا، وَكَذَا قَوْلُهُ: بَعْدَ غَدٍ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ لِأَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ لَا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الْجُثَّةِ. انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِظَرْفِ الزَّمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَعَانِي كَقَوْلِكَ: غَدًا، لِلتَّأَهُّبِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلرَّحِيلِ، فَيُقَدَّرُ هُنَا مُضَافَانِ يَكُونُ ظَرْفَا الزَّمَانِ خَبَرَيْنِ عَنْهُمَا، أَيْ تَعْيِيدُ الْيَهُودِ غَدًا وَتَعْيِيدُ النَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ اهـ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ عِيَاضٌ، وَهُوَ أَوْجَهُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ، لِقَوْلِهِ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: فُرِضَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْنَا فَضَلُّوا وَهُدِينَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: كُتِبَ عَلَيْنَا. وَفِيهِ أَنَّ الْهِدَايَةَ وَالْإِضْلَالَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنَّ سَلَامَةَ الْإِجْمَاعِ مِنَ الْخَطَأِ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّ اسْتِنْبَاطَ مَعْنًى مِنَ الْأَصْلِ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدٌ، وَأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ جَائِزٌ، وَأَنَّ الْجُمُعَةَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ شَرْعًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَسْمِيَةُ الْأُسْبُوعِ كُلِّهِ جُمُعَةً وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأُسْبُوعَ سَبْتًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِسْقَاءِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُجَاوِرِينَ لِلْيَهُودِ فَتَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ لِمَزِيدِ فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى.

٢ - بَاب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ

٨٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ.

[الحديث ٨٧٧ - طرفاه في: ٩١٩، ٨٩٤]

٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ فَنَادَاهُ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ قَالَ إِنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ فَقَالَ وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ "

[الحديث ٨٧٨ - طرفه في: ٨٨٢]

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«فالنَّاس لنا تَبَعٌ» (اليَهُودُ) أي: تعييد اليهود (غَدًا) يوم السَّبت (وَ) تعييد (النَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) يوم الأحد، كذا قدَّره ابن مالكٍ ليسلم من الإخبار بظرف الزَّمان عن الجثَّة، ووجه اختيار اليهود يومَ السَّبت لزعمهم أنَّه يومٌ فرغ الله فيه (١) من خلق الخلق، قالوا: فنحن نستريح فيه عن العمل، ونشتغل بالعبادة والشُّكر، والنَّصارى: الأحدَ لأنَّه أوَّل يومٍ بدأ الله فيه بخلق الخلق، فاستحقَّ التَّعظيم، وقد هدانا الله تعالى للجمعة لأنَّه خلق فيه آدم ، والإنسان إنَّما خُلِق للعبادة، وهو اليوم الَّذي فرضه الله تعالى عليهم (٢)، فلم يهدِهم له، وادَّخره لنا، واستدلَّ به النَّوويُّ رحمه الله تعالى على فرضيَّة الجمعة لقوله: «فُرِض عليهم، فهدانا الله له» فإنَّ التَّقدير: فُرِض عليهم وعلينا، فضلُّوا وهُدِينا، ويؤيِّده رواية مسلمٍ عن سفيان عن أبي الزِّناد: «كتب علينا».

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.

(٢) (بابُ: فَضْلِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهَلْ عَلَى الصَّبِي شُهُودُ يَوْمِ الجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ؟).

٨٧٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولابن عساكر: «عن ابن عمر» (: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِذَا جَاءَ) أي: إذا أراد (أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ) بإضافة «أحد» إلى ضمير

الجمع ليعمَّ (١) الرجال والنِّساء والصِّبيان، واستُشكِل دلالة الحديث على ما ترجم له من شهود الصَّبيِّ والمرأة للجمعة (٢)، فإنَّ القضيَّة الشَّرطيَّة لا تدلُّ على وقوع المجيء، وأُجيب بأنَّه استُفِيد من «إذا» فإنَّها لا تدخل إلَّا في مجزومٍ بوقوعه، وتُعقِّب بأنَّه خرج بقوله في ثالث حديث الباب [خ¦٨٧٩] «على كلِّ محتلمٍ»: الصَّبيُّ، وبعموم النَّهي في منع النِّساء من المساجد إلَّا بالليل: حضورُهنَّ الجمعة. وفي بعض طرق حديث نافعٍ عند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ، لكنَّه ليس على شرط المصنِّف، عن طارق بن شهابٍ مرفوعًا: «لا جمعة على امرأةٍ ولا صبيٍّ»، نعم لا بأس بحضور العجائز بإذن الأزواج، وليحترزن من الطِّيب والزِّينة. وظاهر قوله: «إذا جاء … فليغتسل» أنَّ الغسل يعقب المجيء، وليس كذلك، وإنَّما التَّقدير: إذا أراد أحدكم … كما مرَّ، وقد وقع ذلك صريحًا عند مسلمٍ في رواية اللَّيث عن نافعٍ، ولفظه (٣): «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة … »، فهو كآية الاستعاذة، وفي حديث أبي هريرة: «من اغتسل يوم الجمعة، ثمَّ راح … »

وهو صريحٌ في تأخُّر الرَّواح عن الغسل، وقد عُلِم من تقييد الغسل بالمجيء (١): أنَّ الغسل للصَّلاة لا لليوم، وهو مذهب الشَّافعيِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفة ، فلو اغتسل بعد الصَّلاة لم يكن للجمعة، ولو اغتسل بعد الفجر أجزأه عند الشَّافعيَّة والحنفيَّة، خلافًا للمالكيَّة والأوزاعيِّ، وفي حديث إسماعيل بن أميَّة عن نافعٍ عند أبي عَوانة وغيره: «كان النَّاس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاؤوا وعليهم ثيابٌ متغيِّرةٌ، فشكوا ذلك إلى رسول الله ، فقال: من جاء منكم الجمعة فليغتسل» فأفادَ سببَ الحديث، واستدل به المالكيَّة (٢) في أنَّه يُعتبَر أن يكون الغسل متَّصلًا بالذَّهاب لئلَّا يفوت الغرض وهو رعاية الحاضرين من (٣) التَّأذِّي بالرَّوائح حال (٤) الاجتماع، وهو غير مختصٍّ بمن تلزمه، قالوا: ومن اغتسل ثمَّ اشتغل عن الرَّواح إلى أن بَعُدَ ما بينهما عرفًا فإنَّه يعيد الغسل لتنزيل البعد منزلة التَّرك، وكذا إذا نام اختيارًا بخلاف من غلبه النَّوم، أو أكل أكلًا كثيرًا بخلاف القليل. انتهى. ومقتضى النَّظر أنَّه إذا عرف أنَّ الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة التَّنظيف (٥) رعايةً للحاضرين -كما مرَّ- فمن خشي أن يصيبه في أثناء النَّهار ما يزيل تنظيفه استُحِبَّ له أن يؤخِّر الغسل لوقت ذهابه -كما مرَّ- عن المالكيَّة، وبه صرَّح في «الرَّوضة» وغيرها. ومفهوم الحديث أنَّ الغسل لا يُشرَع لمن لا يحضرها كالمسافر والعبد، وقد صرَّح به في رواية عثمان بن واقدٍ عند أبي عَوانة، وابني خزيمة وحبَّان في «صحاحهم»، ولفظه: «من أتى الجمعة من الرِّجال والنِّساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسلٌ» وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، وبه قال الجمهور خلافًا لأكثر الحنفيَّة، وذكر المجيء في قوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة» للغالب، وإلَّا فالحكم شاملٌ لمجاور الجامع ومن هو مقيمٌ به.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد