تفسير سورة النساء الآية ١٧١ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ١٧١

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا ١٧١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يريد النصارى (١) ومعنى ﴿ لَا تَغْلُوا ﴾ لا تتجاوزوا حد الحق في دينكم، يقال: غلا يغلو غلوًا، إذا جاوز الحق، ومنه يقال: غلا السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة (٢) قال ابن عباس: ﴿ لَا تَغْلُوا ﴾ لا تشددوا فتفتروا (٣) ﴿ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ فليس لله ولد ولا زوجة ولا شريك.

وهذا هو الحق.

وقوله تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ﴾ ذكرنا تفسير الكلمة في سورة آل عمران (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ اختلفوا فيه: فقال أبي بن كعب: خلق الله تعالى أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، وكان روح فيهم، ثم ردها إلى صُلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى، فكان روح عيسى عنده إلى أن أراد خلقه، ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فكان منه عيسى (٥) ﴿ مِنْهُ ﴾ أي من عنده.

ويدل على هذا التأويل قول السدي: ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ أي مخلوق منه أي من عنده (٦) ويجوز أن يكون معنى ﴿ مِنْهُ ﴾ على هذا القول: من خلقه وإحداثه وإنشائه، كما قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ  ﴾ أي من خلقه وإيجاده.

وقال جماعة من أهل المعاني: معنى الروح ههنا النفخ، ويسمى النفخ في كلام العرب روحًا؛ لأنه ريح تخرج من الروح (٧) فقلتُ له ارفَعْها إليك وأحْيِها ...

بروحِكَ واجعله لها قيتةً قدْرًا (٨) أحيها بروحك أي: بنفخك (٩) وروي أن جبريل  نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله (١٠) ومعنى قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ على هذا التأويل: بأمره، لأن نفخ جبريل كان بأمر الله تعالى وإذنه، فهو منه.

وهذا كقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا  ﴾ (١١) وقيل: الروح الرحمة، وعيسى كان رحمة من الله لمن اتبعه وأطاعه (١٢) وقيل في تفسير قوله: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ  ﴾ أي: برحمة كذلك قال المفسرون (١٣) وكذلك قراءة من قرأ: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ (١٤)  : "إنما أنا رحمة مهداة" (١٥) وقيل: الروح ههنا جبريل، وهو عطف على الضمير في ﴿ أَلْقَاهَا ﴾ ، وتأويله ألقاها الله إلى مريم وجبريل.

معنى ﴿ مِنْهُ ﴾ أي: بإذنه وأمره، كقولك: قلت لفلان منك قولًا، أي بإذنك في ذلك (١٦) وهذه أوجه صحيحه في تأويل قوله: ﴿ وَرُوحٌ مِنْه ﴾ (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد قولهم: الله وصاحبته وأبيه (١٨) قال الفراء: معناه (ولا تقولوا): هم ثلاثة، كقوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ  ﴾ (١٩) وقال الزجاج: (ولا تقولوا) آلهتنا ثلاثة ﴿ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ  ﴾ (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه أن يكون له ولد (٢١) وقال القراءة يصلح في (أن) من وعن، فإذا أُلقيتا كانت (أن) في موضع نصب.

وكان الكسائي يقول: هو (٢٢) (٢٣) وذكرنا هذه المسألة قديمًا.

وقوله تعالى: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ .

فيه حجة على بطلان قول النصارى، لأن تأويله: أن ذلك له ملكًا وخلقًا من غير شريك في ذلك، إذ لو كان له شريك لم يبعد وجود التمانع بينهما، فيفسد ملك السموات والأرض، وإذا استحال الشريك في وصفه استحال الولد.

وقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ أي: مفوضًا إليه القيام بتدبير ملكه الذي لا ملك أوسع منه.

(١) انظر: الطبري 6/ 34، و"بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشف والبيان" 4/ 146 أ، و"زاد المسير" 2/ 260، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.

(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 133، والطبري 6/ 34، و"تهذيب اللغة" 3/ 2682 (غلا)، و"المفردات" ص 364.

(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 260، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.

(٤) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ  ﴾ .

(٥) أخرجه بنحوه الطبري 6/ 36.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) انظر: الطبري 6/ 35، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، و"النكت والعيون" 1/ 546 - 547، و"زاد المسير" 2/ 261.

(٨) "ديوانه" ص 176، والطبري 6/ 36، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، ومعنى "اجعله لها قيئةً قدرًا" أي اجعل فوقها من الحطب قليلًا قليلًا، فالشاعر يتحدث عن نار موقدة.

(٩) الطبري 6/ 36، و"ديوان ذي الرمة" ص 176.

(١٠) انظر: الطبري 6/ 35، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، و"النكت والعيون" 1/ 546.

(١١) المرجع السابق.

(١٢) الطبري 6/ 36، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب.

(١٣) انظر: "زاد المسير" 8/ 200.

(١٤) القراءة بضم الراء من (روح) وهي ليعقوب من العشرة.

انظر: "المبسوط" ص 361، و"النشر" 2/ 283.

(١٥) صححه الألباني، وعزاه إلى ابن سعد والحكيم الترمذي عن أبي صالح مرسلًا، كما عزاه إلى الحاكم، ولم أجده عنده.

انظر: "صحيح الجامع" رقم (2345).

(١٦) انظر: الطبري 6/ 36، وانظر: "زاد المسير" 2/ 261.

(١٧) قال الطبري 6/ 36: "ولكل هذِه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب".

(١٨) هكذا في المخطوط، والصواب: وابنه.

انظر: "تنوير المقباس" ص 105.

(١٩) "معاني القرآن" 1/ 296.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 135.

(٢١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.

(٢٢) هكذا في المخطوط، وعند الفراء: "هي".

(٢٣) "معاني القرآن" 1/ 296.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل