الآية ١٧١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٧١ من سورة النساء

يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا ١٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 193 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء ، وهذا كثير في النصارى ، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى ، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه ، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ، ممن زعم أنه على دينه ، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه ، سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا ، أو صحيحا أو كذبا ; ولهذا قال تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) [ التوبة : 31 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم قال : زعم الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس ، عن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد الله ورسوله " .

ثم رواه هو وعلي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري كذلك .

وقال علي بن المديني : هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري ، عن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، به .

ولفظه : " فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك : أن رجلا قال : محمد يا سيدنا وابن سيدنا ، وخيرنا وابن خيرنا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها الناس ، عليكم بقولكم ، ولا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد بن عبد الله ، عبد الله ورسوله ، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل " .

تفرد به من هذا الوجه .

وقوله : ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) أي : لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدا - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته - فلا إله إلا هو ، ولا رب سواه ; ولهذا قال : ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) أي : إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه ، قال له : كن فكان ، ورسول من رسله ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، أي : خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ، عليه السلام ، إلى مريم ، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ، عز وجل ، فكان عيسى بإذن الله ، عز وجل ، وصارت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها ، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم والجميع مخلوق لله ، عز وجل ; ولهذا قيل لعيسى : إنه كلمة الله وروح منه ; لأنه لم يكن له أب تولد منه ، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها : كن ، فكان .

والروح التي أرسل بها جبريل ، قال الله تعالى : ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) [ المائدة : 75 ] .

وقال تعالى : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) [ آل عمران : 59 ] .

وقال تعالى : ( والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ) [ الأنبياء : 91 ] وقال تعالى : ( ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها [ فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ] ) [ التحريم : 12 ] .

وقال تعالى إخبارا عن المسيح : ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه [ وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ] ) [ الزخرف : 59 ] .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( وكلمته ألقاها إلى مريم ) هو كقوله : ( كن ) [ آل عمران : 59 ] فكان وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال : سمعت شاذ بن يحيى يقول : في قول الله : ( وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) قال : ليس الكلمة صارت عيسى ، ولكن بالكلمة صار عيسى .

وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله : ( ألقاها إلى مريم ) أي : أعلمها بها ، كما زعمه في قوله : ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ) [ آل عمران : 45 ] أي : يعلمك بكلمة منه ، ويجعل ذلك كما قال تعالى : ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) [ القصص : 86 ] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم ، فنفخ فيها بإذن الله ، فكان عيسى ، عليه السلام .

وقال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، حدثنا الوليد ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني عمير بن هانئ ، حدثني جنادة بن أبي أمية ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " .

قال الوليد : فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن عمير بن هانئ ، عن جنادة زاد : " من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء " .

وكذا رواه مسلم ، عن داود بن رشيد ، عن الوليد ، عن ابن جابر ، به ومن وجه آخر ، عن الأوزاعي ، به .

فقوله في الآية والحديث : ( وروح منه ) كقوله ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) [ الجاثية : 13 ] أي : من خلقه ومن عنده ، وليست " من " للتبعيض ، كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة - بل هي لابتداء الغاية ، كما في الآية الأخرى .

وقد قال مجاهد في قوله : ( وروح منه ) أي : ورسول منه .

وقال غيره .

ومحبة منه .

والأظهر الأول أنه مخلوق من روح مخلوقة ، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف ، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله ، في قوله : ( هذه ناقة الله ) [ هود : 64 ] .

وفي قوله : ( وطهر بيتي للطائفين ) [ الحج : 26 ] ، وكما ورد في الحديث الصحيح : " فأدخل على ربي في داره " أضافها إليه إضافة تشريف لها ، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد .

وقوله : ( فآمنوا بالله ورسله ) أي : فصدقوا بأن الله واحد أحد ، لا صاحبة له ولا ولد ، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله ; ولهذا قال : ( ولا تقولوا ثلاثة ) أي : لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وهذه الآية والتي تأتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ) [ المائدة : 73 ] .

وكما قال في آخر السورة المذكورة : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني [ وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ] ) الآية [ المائدة : 116 ] ، وقال في أولها : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) الآية [ المائدة : 72 ] ، فالنصارى - عليهم لعنة الله - من جهلهم ليس لهم ضابط ، ولا لكفرهم حد ، بل أقوالهم وضلالهم منتشر ، فمنهم من يعتقده إلها ، ومنهم من يعتقده شريكا ، ومنهم من يعتقده ولدا .

وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة ، وأقوال غير مؤتلفة ، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال : لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا .

ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير ، وهو سعيد بن بطريق - بترك الإسكندرية - في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية ، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم ، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة ، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة ، وأنهم اختلفوا عليه اختلافا لا ينضبط ولا ينحصر ، فكانوا أزيد من ألفين أسقفا ، فكانوا أحزابا كثيرة ، كل خمسين منهم على مقالة ، وعشرون على مقالة ، ومائة على مقالة ، وسبعون على مقالة ، وأزيد من ذلك وأنقص .

فلما رأى عصابة منهم قد زادوا على الثلاثمائة بثمانية عشر نفرا ، وقد توافقوا على مقالة ، فأخذها الملك ونصرها وأيدها - وكان فيلسوفا ذا هيئة - ومحق ما عداها من الأقوال ، وانتظم دست أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر ، وبنيت لهم الكنائس ، ووضعوا لهم كتبا وقوانين ، وأحدثوا الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار - ليعتقدوها - ويعمدونهم عليها ، وأتباع هؤلاء هم الملكية .

ثم إنهم اجتمعوا مجمعا ثانيا فحدث فيهم اليعقوبية ، ثم مجمعا ثالثا فحدث فيهم النسطورية .

وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح ، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم !

هل اتحدا ، أو ما اتحدا ، بل امتزجا أو حل فيه ؟

على ثلاث مقالات ، وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى ، ونحن نكفر الثلاثة ; ولهذا قال تعالى : ( انتهوا خيرا لكم ) أي : يكن خيرا لكم ( إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ) أي : تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا ( له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) أي : الجميع ملكه وخلقه ، وجميع ما فيها عبيده ، وهم تحت تدبيره وتصريفه ، وهو وكيل على كل شيء ، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد ؟

كما قال في الآية الأخرى : ( بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ) [ الأنعام : 101 ] ، وقال تعالى : ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا .

لقد جئتم شيئا إدا .

[ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا .

أن دعوا للرحمن ولدا .

وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا .

إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا .

لقد أحصاهم وعدهم عدا .

وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ] ) [ مريم : 88 : 95 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أهل الكتاب "، يا أهل الإنجيل من النصارى=" لا تغلوا في دينكم "، يقول: لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، ولا تقولوا في عيسى غير الحق، فإن قيلكم في عيسى إنه ابن الله، قول منكم على الله غير الحق.

لأن الله لم يتخذ ولدًا فيكون عيسى أو غيره من خلقه له ابنًا=" ولا تقولوا على الله إلا الحق ".

* * * وأصل " الغلو "، في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حدّه.

يقال منه في الدين: " قد غلا فهو يغلو غلوًّا "، و " غَلا بالجارية عظمها ولحمها "، إذا أسرعت الشباب فجاوزت لِدَاتها=" يغلو بها غُلُوًّا، وغَلاءً"، ومن ذلك قول الحارث بن خالد المخزومي: خُمْصَانَـــةٌ قَلِـــقٌ مُوَشَّـــحُها رُؤْدُ الشَّــبَابِ غَــلا بِهَــا عَظْـمُ (1) * * * وقد:- 10853- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، &; 9-417 &; عن أبيه، عن الربيع قال: صاروا فريقين: فريق غلَوا في الدين، فكان غلوهم فيه الشك فيه والرغبة عنه، وفريق منهم قصَّروا عنه، ففسقوا عن أمر ربهم.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ قال أبو جعفر: يعني ثناؤه بقوله: " إنما المسيح عيسى ابن مريم "، ما المسيح، أيها الغالون في دينهم من أهل الكتاب، بابن الله، كما تزعمون، ولكنه عيسى ابن مريم، دون غيرها من الخلق، لا نسب له غير ذلك.

ثم نعته الله جل ثناؤه بنعته ووصفه بصفته فقال: هو رسول الله أرسله الله بالحق إلى من أرسله إليه من خلقه.

* * * وأصل " المسيح "،" الممسوح "، صرف من " مفعول " إلى " فعيل ".

وسماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب.

وقيل: مُسِح من الذنوب والأدناس التي تكون في الآدميين، كما يمسح الشيء من الأذى الذي يكون فيه، فيطهر منه.

ولذلك قال مجاهد ومن قال مثل قوله: " المسيح "، الصدّيق.

(2) * * * وقد زعم بعض الناس أنّ أصل هذه الكلمة عبرانية أو سريانية " مشيحا "، فعربت فقيل: " المسيح "، كما عرب سائر أسماء الأنبياء التي في القرآن مثل: " إسماعيل " و " إسحاق " و " موسى " و " عيسى ".

* * * قال أبو جعفر: وليس ما مثَل به من ذلك لـ" المسيح " بنظير.

وذلك أن " إسماعيل " و " إسحاق " وما أشبه ذلك، أسماء لا صفات، و " المسيح " صفة.

وغير جائز أن تخاطب العرب، وغيرها من أجناس الخلق، في صفة شيء إلا بمثل ما تفهم عمَّن خاطبها.

ولو كان " المسيح " من غير كلام العرب، ولم تكن العرب تعقل معناه، ما خوطبت به.

وقد أتينا من البيان عن نظائر ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية عن إعادته.

(3) * * * وأما " المسيح الدجال "، فإنه أيضًا بمعنى: الممسوح العين، صرف من " مفعول " إلى " فعيل ".

فمعنى: " المسيح " في عيسى صلى الله عليه وسلم: الممسوح البدن من الأدناس والآثام= ومعنى: " المسيح " في الدجال: الممسوح العين اليمنى أو اليسرى، كالذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.

(4) * * * وأما قوله: " وكلمته ألقاها إلى مريم "، فإنه يعني: بـ " الكلمة "، الرسالة التي أمرَ الله ملائكته أن تأتي مريم بها، بشارةً من الله لها، التي ذكر الله جل ثناؤه في قوله: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [سورة آل عمران: 45]، يعني: برسالة منه، وبشارة من عنده.

* * * وقد قال قتادة في ذلك ما:- 10854- حدثنا به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " وكلمته ألقاها إلى مريم "، قال: هو قوله: " كن "، فكان.

* * * وقد بينا اختلاف المختلفين من أهل الإسلام في ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(5) * * * وقوله: " ألقاها إلى مريم "، يعني: أعلمها بها وأخبرها، كما يقال: " ألقيت إليك كلمة حسنة "، بمعنى: أخبرتك بها وكلّمتك بها.

(6) * * * وأما قوله: " وروح منه "، فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معنى قوله: " وروح منه "، ونفخة منه، لأنه حدث عن نفخة جبريل عليه السلام في دِرْع مريم بأمر الله إياه بذلك، (7) فنسب إلى أنه " روح من الله "، لأنه بأمره كان.

قال: وإنما سمي النفخ " روحًا "، لأنها ريح تخرج من الرُّوح، واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها: فَلَمَّــا بَـدَتْ كَفَّنْتُهـا, وَهْـيَ طِفْلَـةٌ بِطَلْسَـاءَ لَـمْ تَكْمُـلْ ذِرَاعًـا وَلا شِبْرَا (8) وَقُلْـتُ لَـهُ ارْفَعْهَـا إِلَيْـكَ, وَأَحْيِهَـا بِرُوحِـكَ, وَاقْتَتْـهُ لَهَـا قِيتَـةً قَـدْرَا وَظَـاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِس الشَّخْتِ, وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَـا الصَّبَـا, وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا [وَلَمَّا تَنَمَّـتْ تَـأْكُلُ الـرِّمَّ لَـمْ تَـدَعْ ذَوَابِـلَ مِمَّـا يَجْـمَعُونَ ولا خُـضْرَا] فَلَمَّـا جَـرَتْ فـي الْجَـزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ سَـنَا الـبَرْقِ, أَحْدَثْنَـا لِخَالِقِهَـا شُكْرَا وقالوا: يعني بقوله: " أحيها بروحك "، أي: أحيها بنفخك.

* * * وقال بعضهم يعني بقوله: " وروح منه " إنه كان إنسانًا بإحياء الله له بقوله: " كن ".

قالوا: وإنما معنى قوله: " وروح منه "، وحياة منه، بمعنى إحياءِ الله إياه بتكوينه.

* * * وقال آخرون: (9) معنى قوله: " وروح منه "، ورحمة منه، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [سورة المجادلة: 22].

قالوا: ومعناه في هذا الموضع: ورحمة منه.

(10) قالوا: فجعل الله عيسى رحمة منه على من اتبعه وآمن به وصدّقه، لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: وروح من الله خلقها فصورها، ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها، فصيَّرها الله تعالى روحَ عيسى عليه السلام.

* * * *ذكر من قال ذلك: 10855- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد قال، أخبرني أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، [سورة الأعراف: 172]، قال: أخذهم فجعلهم أرواحًا، ثم صوَّرهم، ثم &; 9-422 &; استنطقهم، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخِذ عليها العهد والميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها، فحملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى عليه السلام.

(11) * * * وقال آخرون: معنى " الروح " ههنا، جبريل عليه السلام.

قالوا: ومعنى الكلام: وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها أيضًا إليها روح من الله.

قالوا: فـ" الروح " معطوف به على ما في قوله: " ألقاها " من ذكر الله، بمعنى: أنّ إلقاء الكلمة إلى مريم كان من الله، ثم من جبريل عليه السلام.

* * * قال أبو جعفر: ولكل هذه الأقوال وجه ومذهب غير بعيدٍ من الصواب.

* * * القول في تأويل قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فآمنوا بالله ورسله "، فصدِّقوا، يا أهل الكتاب، بوحدانية الله وربوبيته، وأنه لا ولد له، وصدِّقوا رسله فيما جاءوكم به من عند الله، وفيما أخبرتكم به أن الله واحد لا شريك له، ولا صاحبة له، لا ولد له =" ولا تقولوا ثلاثة "، يعني: ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثة.

* * * ورفعت " الثلاثة "، بمحذوف دلّ عليه الظاهر، وهو " هم ".

ومعنى الكلام: ولا تقولوا هم ثلاثة.

وإنما جاز ذلك، لأن " القول " حكاية، والعرب تفعل ذلك في الحكاية، ومنه قول الله: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ، [سورة الكهف: 22].

وكذلك كل ما ورد من مرفوع بعد " القول " لا رافع معه، ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم.

* * * ثم قال لهم جل ثناؤه: متوعدًا لهم في قولهم العظيم الذي قالوه في الله: " انتهوا "، أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة، عما تقولون من الزور والشرك بالله، فإن الانتهاء عن ذلك خير لكم من قِيله، لما لكم عند الله من العقاب العاجل لكم على قِيلكم ذلك، إن أقمتم عليه، ولم تُنيبوا إلى الحق الذي أمرتكم بالإنابة إليه= والآجلِ في معادكم.

(12) * * * القول في تأويل قوله : إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (171) قال أبو جعفر: يعني بقوله: " إنما الله إله واحد "، ما الله، أيها القائلون: الله ثالث ثلاثة، كما تقولون، لأن من كان له ولد، فليس بإله.

وكذلك من كان له صاحبة، فغير جائز أن يكون إلهًا معبودًا.

ولكن الله الذي له الألوهة والعبادة، إله واحد معبود، لا ولد له، ولا والد، ولا صاحبة، ولا شريك.

ثم نـزه جل ثناؤه نفسه وعظَّمها ورفعها عما قال فيه أعداؤه الكَفرة به فقال: " سبحانه أن يكون له ولد "، يقول: علا الله وجل وعز وتعظمَّ وتنـزه عن أن يكون له ولد أو صاحبة.

(13) ثم أخبر جل ثناؤه عباده: أن عيسى وأمَّه ومن في السموات ومن في الأرض، عبيدُه وإماؤه وخلقه، (14) وأنه رازقهم وخالقهم، وأنهم أهل حاجة وفاقة إليه= احتجاجًا منه بذلك على من ادّعى أن المسيح ابنه، وأنه لو كان ابنه كما قالوا، لم يكن ذا حاجة إليه، ولا كان له عبدًا مملوكًا، فقال: " له ما في السموات وما في الأرض "، يعني: لله ما في السموات وما في الأرض من الأشياء كلها ملكًا وخلقًا، وهو يرزقهم ويَقُوتهم ويدبِّرهم، فكيف يكون المسيح ابنًا لله، وهو في الأرض أو في السموات، غيرُ خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن؟

وقوله: " وكفى بالله وكيلا "، يقول: وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قَيِّمًا ومدبِّرًا ورازقًا، من الحاجة معه إلى غيره.

(15) ----------------- الهوامش : (1) الأغاني 9 : 226 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 143 ، اللسان (غلا).

وفي الأغاني"علا" بالعين المهملة ، وهو خطأ يصحح.

وقد مضى بيت من هذه القصيدة في 1 : 116 ، تعليق: 3 ، وذكرت خبرها هناك ، وهو من أبيات يذكر فيها صاحبته وما مضى من أيامه وأيامها: إِذْ وُدُّهَـــا صَـــافٍ، وَرُؤْيَتُهَــا أُمْنِيّــــةٌ، وَكَلامُهَـــا غُنْـــمُ لَفَّــــاءُ مَمْلُـــوءُ مُخَلْخَلُهَـــا عَجْـــزاءُ لَيْسَ لِعَظْمِهَــا حَجْــمُ خُمْصَانَـــــــةٌ ................

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وَكَــــأَنَّ غَالِيَـــةً تُبَاشِـــرُها تَحْــتَ الثِّيَــابِ، إِذَا صَغَـا النَّجْـمُ وهو شعر جيد ، وصفة حسنة للمرأة."لفاء" ، ملتفة الفخذين ، مكتنز لحمها ، وهو حسن في النساء ، قبيح في الرجال."مملوء مخلخلها" ، موضع خلخالها ، خفيت عظامها تحت اللحم ، وهو صفة حسنة ، لم تظهر عظامها كأنها دقت بالمسامير."عجزاء": حسنة العجيزة."خمصانة" (بفتح الخاء وضمها): ضامرة البطن."قلق موشحها" ، قد استوى خلقها ، فالوشاح يجول عليها من ضمورها ، لم يمتلئ لحمًا يجعلها لحمة واحدة!!"رؤد الشباب": شابة حسنة تهتز من النعمة وإشراق اللون.

و"الغالية": ضرب من الطيب."صغا النجم": مال للمغيب ، وذلك في مطلع الفجر ، حين تتغير أفواه البشر وأبدانهم ، وتظهر لها رائحة لا تستحب.

وقل في الناس من يكون بهذه الصفة!!

(2) انظر ما سلف 6 : 414 ، فهناك تجد قول مجاهد هذا.

وقد علقت هناك ، وأشرت إلى اختصار أبي جعفر ، ورجحت ما في الكلام نقص.

وهذا الموضع من كلامه يدل على أن أبا جعفر نفسه هو الذي اختصر الكلام اختصارًا هناك ، من النسيان فيما أرجح ، أو لأنه ألف تفسيره على فترات تباعدت عليه.

ولولا ذلك لأشار هنا -كعادته- إلى الموضع السالف الذي فسر فيه معنى"المسيح".

(3) انظر ما سلف 1 : 13-24.

(4) هو ما جاء في الأحاديث الصحاح عن جماعة من الصحابة في صفة المسيح الدجال ، أعاذنا الله من فتنته.

من ذلك حديث حذيفة (مسلم 18 : 60) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدَجَّالُ أعورُ العَيْنِ اليُسْرَى ، جُفَال الشَّعَرَ ، معهُ جنَّةٌ ونارٌ ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ ، وجَنَّتُه نارٌ).

وحديث ابن عمر: (أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكر الدجّال بين ظَهْرَانَي الناس فقال: إِنَّ الله ليسَ بأَعْور ، أَلا وإنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ العين اليُمْنَى ، كأَن عينه عِنَبَةٌ طَافيةٌ).

وأحاديث الدجال كثيرة ، مختلفة الألفاظ ، مختصرة ومطولة.

فاللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال.

(5) انظر تفسير"الكلمة" فيما سلف 6 : 411 ، 412.

(6) هذا معنى يقيد في كتب اللغة ، فإنك قلما تصيبه فيها ، وهو بيان واضح جدًا.

(7) "درع المرأة": قميصها الذي يحميها أعين الفساق ، كما تحمي الدرع لابسها.

وبعيد أن يسمى شيء من لباس المرأة اليوم"درعًا" ، فإنها لا تدرع من شيء ، والرجل لا يتورع عن شيء!!

والله المستعان.

(8) ديوانه: 176 ، واللسان (روح) ، والمزهر 1 : 556 ، وغيرها.

هذا ، وليس في المخطوطة غير الأبيات الثلاثة الأولى ، وزادت المطبوعة ، بيتًا رابعًا ، لكن قبله في شعر ذي الرمة بيت ، فزدته من ديوانه ، ووضعته بين قوسين ، لأنه من تمام معنى الأبيات.

وقبل هذه الأبيات ، أبيات في صفة استخراج سقط النار من الزند بالقدح ، فلما اقتدحها كفنها كما ذكر في سائر الشعر.

فقوله: "فلما بدت" ، أي بدا سقط النار من الزند الأعلى عند القدح ، "كفنها" ضمنها خرقة وسخة ، لم تبلغ ذراعًا ولا شبرًا ، وهي التي سماها"طلساء" ، لسوادها من وسخها.

وكانت"طفلة" لأنها سقطت من أمها لوقتها فتلقاها في الخرقة التي جعلها لها كفنًا.

وإنما جعلها"كفنًا": لها ، لأن السقط يسقط من الزند يزهر ويضيء حيًا ، فإذا وقع في قلب القطنة ، لم تر له ضوءًا ، فكأنه السقط قد مات.

ولكنه عاد يتابع السقط حتى يحييه مرة أخرى فقال لصاحبه: "ارفعها إليك" ، أي خذها بيدك ، وارفعها إلى فمك ، ثم"أحيها بروحك" ، أي انفخ لها نفخًا يسيرًا ، "واقتته لها قيتة قدرًا" ، يأمره بالرفق والنفح القليل شيئًا فشيئًا ، كأنه جعل النفخ قوتًا لهذا الوليد ، يقدر له تقديرًا ، شيئًا بعد شيء حتى يكتمل.

ثم لما فرغ من ذلك ، ونمت النار بعض النمو ، قال له: "ظاهر لها من يابس الشخت" ، أي اجعل دقيق الحطب اليابس بعضه على بعض ، وأطعم هذا الوليد= و"الشخت": الدقيق من كل شيء ، = وذلك لتكون النار فيه أسرع.

ثم يقول له: استقبل بها ريح الصبا ليكون ذلك لها نماء ، "واجعل يديك لها سترًا" ، أي: ليسترها من النواحي الأخرى حتى تضربها الصبا ، فلا تموت مرة أخرى.

ثم عاد فوصف نموها يقول: "ولما تنمت" وارتفعت ، "تأكل الرم" ، تأكل ما يبس من أعواد الشجر ، لم تدع بعد ذلك يابسًا ولا أخضر مما ظلوا يجمعونه لها ، وذلك حين استوت وبلغت أشدها.

فلما رأوا النار تجري بعد ذلك في"الجزل" - وهو ما غلظ من الحطب ويبس - كأن ضوءها سنا البرق ، رفعوا أيديهم شكرًا للذي خلقهم وخلق النار.

وهذا شعر جيد مستقيم على النهج.

ومما يقيد هنا ، ما رواه السيوطي في المزهر ، عن أبي عبيد في الغريب المصنف أن الأصمعي قال: أخبرني عيسى بن عمر ، قال: أنشدني ذو الرمة: وَظَـاهِرْ لَهَـا مـن يَـابِس الشَّـخْتِ ثم أنشد بعد هذا: مِــــنْ بَــــائِسِ الشَّـــخْتِ قال أبو عبيد: فقلت له: إنك أنشدتني"من يابس الشخت"؟

فقال: اليبس من البؤس.

قال السيوطي: وذلك إسناد متصل صحيح ، فإن أبا عبيد سمعه من الأصمعي.

وكان في المطبوعة: "جرت للجزل" و"لخالقها" ، وأثبت رواية الديوان.

(9) في المطبوعة: "وقال بعضهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(10) في المطبوعة: "قال" بالإفراد ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11) في المطبوعة: "فحملت ، والذي خاطبها هو روح عيسى ..." حذف ، الواو من آخر الجملة ، وأثبتها في أولها ، فرددته إلى أصله في المخطوطة ، وهو الصواب.

ويعني قوله تعالى في سورة مريم 24: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا).

وهذا الأثر لم يرد في تفسير آية الأعراف في موضعه هناك ، وهو أحد الأدلة على اختصار أبي جعفر تفسيره ، وأحد وجوه منهجه في الاختصار.

(12) قوله: "والآجل في معادكم" معطوف على قوله: "من العقاب العاجل لكم ..." (13) انظر تفسير"سبحان" فيما سلف 1 : 474-476 ، 495 / 2 : 537.

(14) في المطبوعة: "وملكه وخلقه" ، وفي المخطوطة: "وإماله وخلقه" فرجحت قراءتها كما أثبتها.

(15) انظر تفسير"الوكيل" فيما سلف: ص: 297 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا[ ص: 382 ] قوله تعالى : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم نهي عن الغلو .

والغلو التجاوز في الحد ؛ ومنه غلا السعر يغلو غلاء ؛ وغلا الرجل في الأمر غلوا ، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها ؛ ويعني بذلك فيما ذكره المفسرون غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم ، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا ؛ فالإفراط والتقصير كله سيئة وكفر ؛ ولذلك قال مطرف بن عبد الله : الحسنة بين سيئتين ؛ وقال الشاعر :وأوف ولا تستوف حقك كله وصافح فلم يستوف قط كريم ولا تغل في شيء من الأمر واقتصدكلا طرفي قصد الأمور ذميموقال آخر :عليك بأوساط الأمور فإنها نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعباوفي صحيح البخاري عنه عليه السلام : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى وقولوا عبد الله ورسوله .قوله تعالى : ولا تقولوا على الله إلا الحق أي لا تقولوا إن له شريكا أو ابنا .

ثم بين تعالى حال عيسى عليه السلام وصفته فقال : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته وفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : إنما المسيح المسيح رفع بالابتداء ؛ و عيسى بدل منه وكذا ابن مريم .

ويجوز أن يكون خبر الابتداء ويكون المعنى : إنما المسيح ابن مريم .

ودل بقوله : عيسى ابن مريم على أن من كان منسوبا بوالدته كيف يكون إلها ، وحق الإله أن يكون قديما لا محدثا .

ويكون رسول الله خبرا بعد خبر .[ ص: 383 ] الثانية : لم يذكر الله عز وجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران ؛ فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ ؛ فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملإ ، ولا يبتذلون أسماءهن ؛ بل يكنون عن الزوجة بالعرس والأهل والعيال ونحو ذلك ؛ فإن ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها ؛ فلما قالت النصارى في مريم ما قالت وفي ابنها صرح الله باسمها ، ولم يكن عنها بالأموة والعبودية التي هي صفة لها ؛ وأجرى الكلام على عادة العرب في ذكر إمائها .الثالثة : اعتقاد أن عيسى عليه السلام لا أب له واجب ، فإذا تكرر اسمه منسوبا للأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه ، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله ، والله أعلم .قوله تعالى : وكلمته ألقاها إلى مريم أي هو مكون بكلمة " كن " فكان بشرا من غير أب ؛ والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان صادرا عنه .

وقيل : كلمته بشارة الله تعالى مريم عليها السلام ، ورسالته إليها على لسان جبريل عليه السلام ؛ وذلك قوله : إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه .

وقيل : " الكلمة " هاهنا بمعنى الآية ؛ قال الله تعالى : وصدقت بكلمات ربها و ما نفدت كلمات الله .

وكان لعيسى أربعة أسماء ؛ المسيح وعيسى وكلمة وروح ، وقيل غير هذا مما ليس في القرآن .

ومعنى ألقاها إلى مريم أمر بها مريم .قوله تعالى : وروح منه هذا الذي أوقع النصارى في الإضلال ؛ فقالوا : عيسى جزء منه فجهلوا وضلوا ؛ وعنه أجوبة ثمانية : الأول : قال أبي بن كعب : خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق ؛ ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى عليه السلام ؛ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليه السلام ؛ فلهذا قال : وروح منه .

وقيل : هذه الإضافة للتفضيل وإن كان جميع الأرواح من خلقه ؛ وهذا كقوله : وطهر بيتي للطائفين ، وقيل : قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا ، وتضاف إلى الله تعالى فيقال : هذا روح من الله أي من خلقه ؛ كما يقال في النعمة إنها من الله .

وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى فاستحق هذا الاسم .

وقيل : يسمى روحا بسبب نفخة [ ص: 384 ] جبريل عليه السلام ، ويسمى النفخ روحا ؛ لأنه ريح يخرج من الروح .

قال الشاعر - هو ذو الرمة :فقلت له ارفعها إليك وأحيها بروحك واقتته لها قيتة قدراوقد ورد أن جبريل نفخ في درع مريم فحملت منه بإذن الله ؛ وعلى هذا يكون وروح منه معطوفا على المضمر الذي هو اسم الله في ألقاها التقدير : ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم .

وقيل : روح منه أي من خلقه ؛ كما قال : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه أي من خلقه .

وقيل : روح منه أي رحمة منه ؛ فكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه ؛ ومنه قوله تعالى : وأيدهم بروح منه أي برحمة ، وقرئ : " فروح وريحان " .

وقيل : وروح منه وبرهان منه ؛ وكان عيسى برهانا وحجة على قومه صلى الله عليه وسلم .قوله تعالى : فآمنوا بالله ورسوله أي آمنوا بأن الله إله واحد خالق المسيح ومرسله ، وآمنوا برسله ومنهم عيسى فلا تجعلوه إلها .

ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة عن الزجاج .

قال ابن عباس : يريد بالتثليث الله تعالى وصاحبته وابنه .

وقال الفراء وأبو عبيد : أي لا تقولوا هم ثلاثة ؛ كقوله تعالى : سيقولون ثلاثة .

قال أبو علي : التقدير ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة ؛ فحذف المبتدأ والمضاف .

والنصارى مع فرقهم مجمعون على التثليث ويقولون : إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم ؛ فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم ، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس ؛ فيعنون بالأب الوجود ، وبالروح الحياة ، وبالابن المسيح ، في كلام لهم فيه تخبط بيانه في أصول الدين .

ومحصول كلامهم يئول إلى التمسك بأن عيسى إله بما كان يجريه الله سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات على حسب دواعيه وإرادته ؛ وقالوا : قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر ، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهية ؛ فيقال لهم : لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرهم عنه من مقدوراته ، وليس كذلك ؛ فإن اعترفت النصارى بذلك فقد سقط قولهم ودعواهم أنه كان يفعلها مستقلا به ؛ وإن لم يسلموا ذلك فلا حجة لهم أيضا ؛ لأنهم معارضون بموسى عليه السلام ، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام ، مثل قلب العصا ثعبانا ، وفلق البحر واليد البيضاء والمن والسلوى ، وغير ذلك ؛ وكذلك ما جرى [ ص: 385 ] على يد الأنبياء ؛ فإن أنكروا ذلك فننكر ما يدعونه هم أيضا من ظهوره على يد عيسى عليه السلام ، فلا يمكنهم إثبات شيء من ذلك لعيسى ؛ فإن طريق إثباته عندنا نصوص القرآن وهم ينكرون القرآن ، ويكذبون من أتى به ، فلا يمكنهم إثبات ذلك بأخبار التواتر .

وقد قيل : إن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رفع عيسى ؛ يصلون إلى القبلة ؛ ويصومون شهر رمضان ، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس ، قتل جماعة من أصحاب عيسى فقال : إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا وجحدنا وإلى النار مصيرنا ، ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ؛ وإني أحتال فيهم فأضلهم فيدخلون النار ؛ وكان له فرس يقال لها العقاب ، فأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب وقال للنصارى : أنا بولس عدوكم قد نوديت من السماء أن ليست لك توبة إلا أن تتنصر ، فأدخلوه في الكنيسة بيتا فأقام فيه سنة لا يخرج ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل ؛ فخرج وقال : نوديت من السماء أن الله قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطورا وأعلمه أن عيسى ابن مريم إله ، ثم توجه إلى اللاهوت والناسوت وقال : لم يكن عيسى بإنس فتأنس ولا بجسم فتجسم ولكنه ابن الله .

وعلم رجلا يقال له يعقوب ذلك ؛ ثم دعا رجلا يقال له الملك فقال له ؛ إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ؛ فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا وقال له : أنت خالصتي ولقد رأيت المسيح في النوم ورضي عني ، وقال لكل واحد منهم : إني غدا أذبح نفسي وأتقرب بها ، فادع الناس إلى نحلتك ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ؛ فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته ، فتبع كل واحد منهم طائفة ، فاقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا ، فجميع النصارى من الفرق الثلاث ؛ فهذا كان سبب شركهم فيما يقال ؛ والله أعلم .

وقد رويت هذه القصة في معنى قوله تعالى : فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسيأتي إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : انتهوا خيرا لكم خيرا منصوب عند سيبويه بإضمار فعل ؛ كأنه قال : ائتوا خيرا لكم ، لأنه إذا نهاهم عن الشرك فقد أمرهم بإتيان ما هو خير لهم ؛ قال سيبويه : ومما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره انتهوا خيرا لكم لأنك إذا قلت : ائته فأنت تخرجه من أمر وتدخله في آخر ؛ وأنشد :فواعديه سرحتي مالك أو الربا بينهما أسهلاومذهب أبي عبيدة : انتهوا يكن خيرا لكم ؛ قال محمد بن يزيد : هذا خطأ ؛ لأنه يضمر [ ص: 386 ] الشرط وجوابه ، وهذا لا يوجد في كلام العرب .

ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف ؛ قال علي بن سليمان : هذا خطأ فاحش ؛ لأنه يكون المعنى : انتهوا الانتهاء الذي هو خير لكم .قوله تعالى : إنما الله إله واحد هذا ابتداء وخبر ؛ وواحد نعت له .

ويجوز أن يكون إله بدلا من اسم الله عز وجل وواحد خبره ؛ التقدير إنما المعبود واحد .سبحانه أن يكون له ولد أي تنزيها عن أن يكون له ولد ؛ فلما سقط " عن " كان أن في محل النصب بنزع الخافض ؛ أي كيف يكون له ولد ؟

وولد الرجل مشبه له ، ولا شبيه لله عز وجل .

له ما في السماوات وما في الأرض فلا شريك له ، وعيسى ومريم من جملة ما في السماوات وما في الأرض ، وما فيهما مخلوق ، فكيف يكون عيسى إلها وهو مخلوق !

وإن جاز ولد فليجز أولاد حتى يكون كل من ظهرت عليه معجزة ولدا له .

وكفى بالله وكيلا أي لأوليائه ؛ وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين وهو مجاوزة الحد والقدر المشروع إلى ما ليس بمشروع.

وذلك كقول النصارى في غلوهم بعيسى عليه السلام، ورفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق بغير الله، فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك، ولهذا قال: { وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } وهذا الكلام يتضمن ثلاثة أشياء: أمرين منهي عنهما، وهما قول الكذب على الله، والقول بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه ورسله، والثالث: مأمور به وهو قول الحق في هذه الأمور.

ولما كانت هذه قاعدة عامة كلية، وكان السياق في شأن عيسى عليه السلام نصَّ على قول الحق فيه، المخالف لطريقة اليهودية والنصرانية فقال: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ } أي: غاية المسيح عليه السلام ومنتهى ما يصل إليه من مراتب الكمال أعلى حالة تكون للمخلوقين، وهي درجة الرسالة التي هي أعلى الدرجات وأجلّ المثوبات.

وأنه { كَلِمَتُهُ } التي { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ } أي: كلمة تكلم الله بها فكان بها عيسى، ولم يكن تلك الكلمة، وإنما كان بها، وهذا من باب إضافة التشريف والتكريم.

وكذلك قوله: { وَرُوحٌ مّنْهُ } أي: من الأرواح التي خلقها وكملها بالصفات الفاضلة والأخلاق الكاملة، أرسل الله روحه جبريل عليه السلام فنفخ في فرج مريم عليها السلام، فحملت بإذن الله بعيسى عليه السلام.

فلما بيّن حقيقة عيسى عليه السلام، أمر أهل الكتاب بالإيمان به وبرسله، ونهاهم أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة أحدهم عيسى، والثاني مريم، فهذه مقالة النصارى قبحهم الله.

فأمرهم أن ينتهوا، وأخبر أن ذلك خير لهم، لأنه الذي يتعين أنه سبيل النجاة، وما سواه فهو طريق الهلاك، ثم نزه نفسه عن الشريك والولد فقال: { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: هو المنفرد بالألوهية، الذي لا تنبغي العبادة إلا له.

{ سُبْحَانَهُ } أي: تنزه وتقدس { أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } لأن { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } فالكل مملوكون له مفتقرون إليه، فمحال أن يكون له شريك منهم أو ولد.

ولما أخبر أنه المالك للعالم العلوي والسفلي أخبر أنه قائم بمصالحهم الدنيوية والأخروية وحافظها، ومجازيهم عليها تعالى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ) نزلت في النصارى وهم أصناف : اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية فقالت اليعقوبية : عيسى هو الله ، وكذلك الملكانية ، وقالت النسطورية : عيسى هو ابن الله ، وقالت : المرقوسية ثالث ثلاثة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

ويقال الملكانية يقولون : عيسى هو الله ، واليعقوبية يقولون : ابن الله ، والنسطورية يقولون : ثالث ثلاثة .

علمهم رجل من اليهود يقال له بولس ، سيأتي في سورة التوبة إن شاء الله تعالى .

وقال الحسن : يجوز أن تكون نزلت في اليهود والنصارى ، فإنهم جميعا غلوا في أمر عيسى ، فاليهود بالتقصير ، والنصارى بمجاوزة الحد ، وأصل الغلو : مجاوزة الحد ، وهو في الدين حرام .

قال الله تعالى : ( لا تغلوا في دينكم ) لا تشددوا في دينكم فتفتروا على الله ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) لا تقولوا إن له شريكا وولدا ( إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ) وهي قوله " كن " فكان بشرا من غير أب ، [ وقيل غيره ] ، ( ألقاها إلى مريم ) أي أعلمها وأخبرها بها ، كما يقال : ألقيت إليك كلمة حسنة ، ( وروح منه ) قيل : هو روح كسائر الأرواح إلا أن الله تعالى أضافه إلى نفسه [ تشريفا ] .

وقيل : الروح هو النفخ الذي نفخه جبريل عليه السلام في درع مريم فحملته بإذن الله تعالى ، سمي النفخ روحا لأنه ريح يخرج من الروح وأضافه إلى نفسه لأنه كان بأمره .

وقيل : " روح منه " أي ورحمة ، فكان عيسى عليه السلام رحمة لمن تبعه وأمن به .

وقيل : الروح : الوحي ، أوحى إلى مريم بالبشارة ، وإلى جبريل عليه السلام بالنفخ ، وإلى عيسى أن كن فكان ، كما قال الله تعالى : ينزل الملائكة بالروح من أمره ( النحل - 2 ) يعني : بالوحي ، وقيل : أراد بالروح جبريل عليه السلام ، معناه : وكلمته ألقاها إلى مريم ، وألقاها إليها أيضا روح منه بأمره وهو جبريل عليه السلام ، كما قال : تنزل الملائكة والروح ( القدر - 4 ) يعني : جبريل فيها ، وقال : " فأرسلنا إليها روحنا " ( مريم - 17 ) ، يعني : جبريل .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أنا صدقة بن الفضل ، أنا الوليد ، عن الأوزاعي ، حدثنا عمرو بن هاني ، حدثني جنادة بن أمية ، عن عبادة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأن الجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " .

( فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ) أي : ولا تقولوا هم ثلاثة ، وكانت النصارى تقول : أب وابن وروح قدس ، ( انتهوا خيرا لكم ) تقديره : انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم ، ( إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ) واعلم أن التبني لا يجوز لله تعالى ، لأن التبني إنما يجوز لمن يتصور له ولد ، ( له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أهل الكتاب» الإنجيل «لا تغلوا» تتجاوزوا الحد «في دينكم ولا تقولوا على الله إلا» القول «الحق» من تنزيهه عن الشريك والولد «إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها» أرسلها الله «إلى مريم وروح» أي ذو روح «منه» أضيف إليه تعالى تشريفا له وليس كما زعمتم ابن الله أو إلها معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه «فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا» الآلهة «ثلاثة» الله وعيسى وأمه «انتهوا» عن ذلك وأتوا «خيرا لكم» منه وهو التوحيد «إنما الله إله واحد سبحانه» تنزيها له عن «أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض» خلقا وملكا وعبيدا، والملكية تنافي النبوة «وكفى بالله وكيلا» شهيدا على ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أهل الإنجيل لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم، ولا تقولوا على الله إلا الحق، فلا تجعلوا له صاحبةً ولا ولدًا.

إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله بالحق، وخَلَقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، وهي قوله: "كن"، فكان، وهي نفخة من الله تعالى نفخها جبريل بأمر ربه، فَصدِّقوا بأن الله واحد وأسلموا له، وصدِّقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند الله واعملوا به، ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين.

انتهوا عن هذه المقالة خيرًا لكم مما أنتم عليه، إنما الله إله واحد سبحانه.

ما في السموات والأرض مُلْكُه، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟

وكفى بالله وكيلا على تدبير خلقه وتصريف معاشهم، فتوكَّلوا عليه وحده فهو كافيكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجهت السورة الكريمة بعد ذلك نداء إلى أهل الكتاب حذرتهم فيه من المغالاة فى شأن عيسى - عليه السلام - وبينت لهم وللناس أن عيسى إنما هو عبد الله ورسوله ، وبشرت المؤمنين بالأجر الجزيل ، وأنذرت المستكبرين بالعذاب الأليم .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يرشد إلى كل ذلك فيقول : ( ياأهل .

.

.

.

صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ) .وقوله : ( لاَ تَغْلُواْ ) أى : لا تتجاوزوا الحد المشروع .

مأخوذ من الغلو ، وهو - كما يقول القرطبى - التجاوز فى الحد ومنه : غلا السعر يغلو غلاء .

وغلا الرجل فى الأمر غلوا .

وغلا الجارية لحمها وعظمها ، إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها - أى : أترابها - .وقد تجاوز أهل الكتاب الحد وغالوا فى شأن عيسى .

أما اليهود فقد أنكروا رسولته واتهموا أمه مريم بما هى منه بريئة .وأما النصارى فقد رفعوا عيسى - عليه السلام - إلى مرتبة فوق مرتبة البشرية ، واعتبروا بعضهم إلها ، واعتبره بعض آخر منهم ابنا لله ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .والمعنى : يا أهل الكتاب لا تتجاوزوا الحد المشروع والمعقول فى شأن دينكم ، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الذى شعره الله - تعالى - ، وارتضته العقول السليمة .وقد ناداهم - سبحانه - بعنوان أهل الكتاب .

للتعريض بهم ، حيث إنهم خالفوا كتبهم التى بين أيديهم .والخطاب هنا وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى ، إلا أن النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا ، بدليل سياق الآية الكريمة ، فقد ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى فى شأن عيسى ، ولذا قال ابن كثير ما ملخصه : قوله - تعالى - ( ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ ) : ينهى - سبحانه - أهل الكتاب عن الغلو والإِطراء .

وهذا كثير فى النصارى ، فإنهم تجاوزا الحد فى عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التى أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه .

بل قد غلوا فى أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم فى كل ما قالوه سواء أكان حقا أم باطلا ، أم ضلالا أم رشادا ، ولهذا قال - تعالى - ( اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله ) وفى الصحيح عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولا : عبد الله ورسوله " .وقوله : ( وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ) من باب عطف الخاص على العام ، للاهتمام بالنهى عن الافتراء الشنيع الذى افتروه على الله .أى : لا تصفوه - سبحانه - بما يستحيل اتصافه به من الحلول والاتحاد واتخاذ الصاحبة والولد ، ولا تقولوا عليه - سبحانه - إلا القول الحق الثابت القائم على الدليل المقنع ، والبرهان الواضح .وعدى - سبحانه - قولهم بحرف على ، لتضمنه معنى الافتراء والكذب ، فقد قالوا قولا وزعموا أنه من دينهم ، مع أن الأديان السماوية بريئة مما زعموه وافتروه .ثم بين - سبحانه - القول الفصل فى شأن عيسى فقال : ( إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ) .أى : إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله .

أرسله - سبحانه - لهداية الناس إلى الحق ، ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ) أى : أن عيسى مكون ومخلوق بكلمة من الله وكلمة ( كن ) من غير واسطة أب ولا نطفة .

وهذه الكلمة ألقاها - سبحانه - إلى مريم ، أى : أوصلها إليها بنفخ جبريل فيها فكان عيسى بإذن الله بشراً سويا .وقوله : ( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) أى : ونفخة منه ، لأن عيسى حدث بسبب نفخة جبريل فى درع مريم فكان عيسى بإذن الله .

فنسب إلى أنه روح من الله ، لأنه بأمره كان .

وسمى النفخ روحاً لأنه ريح تخرج من الروح .

قال - تعالى - : ( والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ) وقيل المراد بقوله : ( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) أى : وذو روح من أمر الله ، لأنه - سبحانه - خلقه كما يخلق سائر الأرواح .وقيل : الروح هنا بمعنى الرحمة .

كما فى قوله - تعالى - ( وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ) أى : برحمة منه .

وصدر - سبحانه الجملة الكريمة بأداة القصر ( إنما ) للتنبيه على أن عيسى - عليه السلام - ليس إلا رسولا أرسله الله لهداية الناس إلى الحق .وذكره - سبحانه بلقبه وباسمه وببنوته لمريم ، للاشارة إلى أنه إنسان كسائر الناس ، وبشر كسائر البشر ، فهو مولود خرج من رحم انثى كما يخرج الأولاد من أمهاتهم .

وإذا كان لم يخرج من صلب أب ، فيكفى أنه قد خرج من رحم أم ، وكفى بذلك دليلا على بشريته .قال بعض العلماء ما ملخصه : وقوله : ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ) أى : خلقه بكلمة منه وهى ( كن ) كما خلق آدم .

وكان عيسى بهذا كلمة الله لأنه خلقه بها ، فقد خلق من غير بذر ببذر فى رحم أمه ، فما كان تكوينه نماء لبذر وجد ، وللأسباب التى تجرى بين الناس ، بل كان السبب هو إرادة الله وحده وكلمته ( كن ) وبذلك سمى كلمة الله .وتعلق النصارى بأن كون عيسى كلمة الله دليل على ألوهيته - تعلق باطل - فما كانت الكلمة من الله إلها يعبد .

وإنما سمى بذلك ، لأنه نشأ بكلمة لا بمنى من الرجل يمنى .

.وقوله : ( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) أى أنه - سبحانه - أنشأه بروح مرسل منه وهو جبريل الأمين .

وقد يقال : إنه نشأ بروح منه - سبحانه - أنه أفاض بروحه فى جسمه كما أفاض بها على كل إنسان كما قال - تعالى - : ( الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ) والرأى الأول أولى .

وعلى ذلك يكون معنى قوله : ( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) أى : أنه نشأ بنفخ الله الروح فيه من غير توسيط سلالة بشرية ، ونطفة تتكشل إنسانا ، وذلك بالملك الذى أرسله وهو جبريل ..وسمى الله - تعالى - عيسى روحا باعتباره نشأ من الروح مباشرة ، ولأنه غلبت عليه الروحانية .

.وبهذا يزول الوهم الذى سيطر على عقول من غالوا فى شأن عيسى فنحلوه ما ليس له ، وما ليس من شأنه ، إذ جعلوه إلها ، أو ابن إله .

.

.وقوله ( المسيح ) مبتدأ ، و ( عِيسَى ) عطف بيان أو بدل منه .

وقوله ( ابن مَرْيَمَ ) صفة له وقوله ( رَسُولُ الله ) خبر للمبتدأ .

.

وقوله ( وَكَلِمَتُهُ ) معطوف على ما قبله وهو رسول الله .

أو قوله ( أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ) جملة حالية من الضمير المجرور فى ( كَلِمَتُهُ ) بتقدير قد ، والعامل فيها معنى الإِضافة .

والتقدير .

وكلمته ملقيا إياها إلى مريم .وقوله ( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) معطوف على ( كَلِمَتُهُ ) والجار والمجرور متعلق بمحذف صفة لروح .

ومن لابتدائه الغاية مجازا وليست بتبعيضية ، أى أن الروح كائن من عند الله - تعالى - ونافخ بإذنه .وبعد أن بين - سبحانه - القول الحق فى شأن عيسى ، دعا أهل الكتاب إلى الإِيمان به وبجميع رسله .

ونهاهم عن التمسك بالضلال والوهم فقال - تعالى - ( فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً ) .والفاء فى قوله : ( فَآمِنُواْ ) للافصاح عن جواب شرط مقدر .أى : إذا كان ذلك هو الحق فى شأن عيسى ، فآمنوا بالله إيمانا حقا بأن تفردوه بالألوهية والعبادة ، وآمنوا برسله جميعا بدون تفريق بينهم ، ولا تغالوا فى أحدهم منهم بأن تخرجوه عن طبيعته وعن وظيفته .

.وقوله : ( وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ) نهى لهم عن النطق بالكلام بالباطل .أى : ولا تقولوا الآلهة ثلاثة ، أو المعبودات ثلاثة .

فثلاثة خبر لمبتدأ محذوف وغبر - سبحانه - بقوله : ( وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ) بدل قوله - مثلا - : ولا تؤمنن بثلاثة؛ لأن أمر الثلاثة قول يقولونه ، فإن سألتهم عن معناه قالوا تارة معناه : الآب والإِبن والروح والقدس ، أى أنهم ثلاثة متفرقون .

وتارة يقولون معناه : أن القانيم ثلاثة والذات واحدة .

.

إلى غير ذلك من الأقوال التى ما أنزل الله بها من سلطان .قال صاحب الكشاف : والذى يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة .

وأن المسيح ولد الله من مريم .

ألا ترى إلى قوله - تعالى - : ( أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ) ( وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ) والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون : فى المسيح لاهوتيه وناسوتيه من جهة الأب والأم .

.هذا ، وقد أفاض بعض العلماء فى الرد على مزاعم أهل الكتاب فى عقائدهم .

.وقوله : ( انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ) أمر لهم بسلوك الطريق الحق ، والإِقلاع عن الضلالات والأوهام .أى : انتهوا عما أنتم فيه من ضلال يا معشر أهل الكتاب ، واتركوا القول بالتثليث ، يكن انتهاؤكم خيرا لكم ، بعبادتكم لله وحده تكونون قد خرجتم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية .وقوله : ( إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ ) إثبات لوحدانية الله - تعالى - بأقوى طريق .

أى : إن المعبود بحق ليس إلا واحد ، وهو الله - تعالى - ذو الجلال والإِكرام ، الخالق لهذا الكون ، والمدبر لأمره .وقوله : ( سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) تنزيه له - جل وعلا - عن صفات المخلوقين ، وتوبيخ لمن وصفه بصفات لا تليق به .وسبحان منصوب بفعل مقدر من لظفه : أى : أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها عن أن يكون له ولد ، لأن الأبوة والبنوة من صفات المخلوقين ، وهو - سبحانه - منزله عن صفات المخلوقين ، قال - تعالى - : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير ) وقوله : ( لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ) جملة مستأنفة مسبوقة لتعليل التنزيه أى أنه - سبحانه - مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها ، ولا يخرج من ملكه منها شئ .قال - تعالى - ( إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً ) ومن كان شأنه كذلك تنزه عن أن يلد أو يولد أو يكون له شريك فى ملكه .وقوله : ( وكفى بالله وَكِيلاً ) تذييل قصد به بيان سعة قدرته - سبحانه وهيمنته على هذا الكون .

والوكيل : هو الحافظ والمدبر لأم غيره .أى : وكفى بالله وكيى يكل إليه الخلق كلهم أمورهم ، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه .ومفعول كفى محذوف للعموم .

أى : كفى كل أحد وكالة الله وحفظه وتدبيره ، فتوكلوا عليه وحده ، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية، والتقدير يا أهل الكتاب من النصارىلا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم، فلهذا قال للنصارى ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه، ونزهوه عن هذه الأحوال.

ولما منعهم عن طريق الغول أرشدهم إلى طريق الحق، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده وأما قوله: ﴿ وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ .

فاعلم أنا فسرنا (الكلمة) في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح  ﴾ والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  ﴾ أما قوله: ﴿ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ ففيه وجوه: الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئاً بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله: ﴿ مِنْه ﴾ التشريف والتفضيل كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة.

الثاني: أنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روح.

قال تعالى في صفة القرآن ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ الثالث: روح منه أي رحمة منه، قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ  ﴾ أي برحمة منه، وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما أنا رحمة مهداة» فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحاً منه.

الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب، فإن الروح والريح متقاربان، فالروح عبارة عن نفخة جبريل وقوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه، وهذا كقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا  ﴾ الخامس: قوله: ﴿ رُوحُ ﴾ أدخل التنكير في لفظ ﴿ رُوحُ ﴾ وذلك يفيد التعظيم، فكان المعنى: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية، وقوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم.

ثم قال تعالى: ﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي أن عيسى من رسل الله فآمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً.

ثم قال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى: ولا تقولوا إن الله سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم.

وأعلم أن مذهب النصارى مجهول جداً، والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتاً موصوفة بصفات ثلاثة، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، وإلا لما جوزوا عليها أن تحل في الغير وأن تفارق ذلك الغير مرة أخرى، فهم وإن كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعددة قائمة بأنفسها، وذلك محض الكفر، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا ﴾ فأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يثبتون صفات ثلاثة، فهذا لا يمكن إنكاره، وكيف لا نقول ذلك وإنا نقول: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد، ونفهم من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللفظ الآخر، ولا معنى لتعدد الصفات إلا ذلك، فلو كان القول بتعدد الصفات كفراً لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل من حيث إنا نعلم بالضرورة أن المفهوم من كونه تعالى عالماً غير المفهوم من كونه تعالى قادراً أو حياً.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف، ثم اختلفوا في تعيين ذلك المبتدأ على وجوه: الأول: ما ذكرناه، أي ولا تقولوا الأقانيم ثلاثة.

الثاني: قال الزجاج: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وذلك لأن القرآن يدل على أن النصارى يقولون: إن لله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله  ﴾ الثالث: قال الفراء ولا تقولوا هم ثلاثة كقوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة  ﴾ وذلك لأن ذكر عيسى ومريم مع الله تعالى بهذه العبرة يوهم كونهما إلهين، وبالجملة فلا نرى مذهباً في الدنيا أشد ركاكة وبعداً عن العقل من مذهب النصارى.

ثم قال تعالى: ﴿ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وقد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ .

ثم أكد التوحيد بقوله: ﴿ إِنَّمَا الله إله واحد ﴾ ثم نزّه نفسه عن الولد بقوله: ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ ودلائل تنزيه الله عن الولد قد ذكرناها في سورة آل عمران وفي سورة مريم على الاستقصاء.

وقرأ الحسن: إن يكون، بكسر الهمزة من ﴿ إن ﴾ ورفع النون من يكون، أي سبحانه ما يكون له ولد، وعلى هذا التقدير فالكلام جملتان.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ .

واعلم أنه سبحانه في كل موضع نزّه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكاً ومالكاً لما في السموات وما في الأرض فقال في مريم ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ آتِى الرحمن عَبْداً  ﴾ والمعنى: من كان مالكاً لكل السموات والأرض ولكل ما فيها كان مالكاً لما هو أعظم منهما فبأن يكون مالكاً لهما أولى، وإذا كانا مملوكين له فكيف يعقل مع هذا توهم كونهما له ولداً وزوجة.

ثم قال: ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر، وهو إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات قادراً على كل المقدورات كان كافياً في الإلهية، ولو فرضنا إلهاً آخر معه لكان معطلاً لا فائدة فيه، وذلك نقص، والناقص لا يكون إلهاً.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: لن يستنكف أي لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك، فتأويل ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ﴾ أي لن يتنغص ولم يمنع، وقال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس وقد سئل عن الاستنكاف فقال: هو من النكف، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا كف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف إذا دفع ذلك السوء عنه.

المسألة الثانية: روي أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا قال: «ومن صاحبكم؟» قالوا: عيسى، قال: «وأي شيء قلت؟» قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله، قال: «إنه ليس بعار أن يكون عبد الله»، فنزلت هذه الآية، وأنا أقول: إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن عيسى عبد الله، ولا يجوز أن يكون ابناً له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم وأجاب عنها، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو أنه كان يخبر عن المغيبات وكان يأتي بخوارق العادات من الإحياء والإبراء، فكأنه تعالى قال: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح ﴾ بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبادة الله تعالى فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه في العلم بالمغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ، وأعلى حالاً منه في القدرة لأن ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته، ثم إن الملائكة مع كمال حالهم في العلوم والقدرة لا يستنكفوا عن عبودية الله، فكيف يستنكف المسيح عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة، وإذا حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة كاملة، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى.

المسألة الثالثة: استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر.

وقد ذكرنا استدلالهم بها في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ  ﴾ وأجبنا عن هذا الاستدلال بوجوه كثيرة، والذي نقول هاهنا: إنا نسلم أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليها ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر، كيف ويقال: إن جبريل قلع مدائن قوم لوط بريشة واحدة من جناحه إنما النزاع في أن ثواب طاعات الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر، وهذه الآية لا تدل على ذلك ألبتة، وذلك لأن النصارى إنما أثبتوا إلهية عيسى بسبب أنه أخبر عن الغيوب وأتى بخوارق العادات.

فإيراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشبهة إنما يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالاً في هذا العلم، وفي هذه القدرة من البشر، ونحن نقول بموجبه.

فأما أن يقال: المراد من الآية تفضيل الملائكة على المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق به، فظهر أن هذا الاستدلال إنما قوي في الأوهام لأن الناس ما لخصوا محل النزاع والله أعلم.

المسألة الرابعة: في الآية سؤال، وهو أن الملائكة معطوفون على المسيح فيصير التقدير: ولا الملائكة المقربون في أن يكونوا عبيداً لله وذلك غير جائز.

والجواب فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد ولا كل واحد من المقربين.

الثاني: أن يكون المراد ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً فحذف ذلك لدلالة قوله: ﴿ عَبْداً للَّهِ ﴾ عليه على طريق الإيجاز.

المسألة الخامسة: قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه (عبيد الله) على التصغير.

المسألة السادسة: قوله: ﴿ وَلاَ الملئكة المقربون ﴾ يدل على أن طبقات الملائكة مختلفة في الدرجة والفضيلة فالأكابر منهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، وقد شرحنا طبقاتهم في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ والمعنى أن من استنكف عن عبادة الله واستكبر عنها فإن الله يحشرهم إليه أي يجمعهم إليه يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه يحشر هؤلاء المستنكفين المستكبرين لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين.

فقال: ﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ ﴾ ثم ذكر آخراً عقاب المستنكفين المستكبرين.

فقال: ﴿ وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ والمعنى ظاهر لا إشكال فيه، وإنما قدم ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين لأنهم إذا رأوا أولاً ثواب المطيعين ثم شاهدوا بعده عقاب أنفسهم كان ذلك أعظم في الحسرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَئَامِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ وكذلك ﴿ انتهوا خَيْراً لَّكُمْ ﴾ انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال: ﴿ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ أي اقصدوا، أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث.

وهو الإيمان والتوحيد ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حيث جعلته مولوداً لغير رشدة.

وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه إلها ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ وهو تنزيهه عن الشريك والولد.

وقرأ جعفر بن محمد ﴿ إنما المسيح ﴾ بوزن السِّكيت.

وقيل لعيسى (كلمة الله) (وكلمة منه) لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة أب ولا نطفة.

وقيل له: روح الله، وروح منه، لذلك، لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحيِّ وإنَّما اخترع اختراعاً عند الله وقدرته خالصة.

ومعنى ﴿ ألقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف، فإن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون: هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس.

وأنهم يريدون بأقنوم الأب: الذات، وبأقنوم الابن: العلم، وبأقنوم روح القدس: الحياة، فتقديره الله ثلاثة؛ وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة.

والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، وأنّ المسيح ولد الله من مريم.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ [المائدة: 116] ، ﴿ وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله ﴾ [التوبة: 30] والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون: في المسيح لاهوتية وناسوتية من جهة الأب والأم.

ويدل عليه قوله: ﴿ إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد بأمّهاتها، وأن اتصاله بالله تعالى من حيث أنه رسوله، وأنه موجود بأمره وابتداعه جسداً حياً من غير أب، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء.

وقوله: ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ وحكاية الله أوثق من حكاية غيره.

ومعنى ﴿ سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ سبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد.

وقرأ الحسن: ﴿ إن يكونُ ﴾ ، بكسر الهمزة ورفع النون: أي سبحانه ما يكون له ولد.

على أنّ الكلام جملتان ﴿ لَّهُ وما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ بيان لتنزهه عما نسب إليه، يعني أنَّ كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه، على أنَّ الجزء إنَّما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض ﴿ وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغني عنهم وهم الفقراء إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ الخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ، غَلَتِ اليَهُودُ في حَطِّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى رَمَوْهُ بِأنَّهُ وُلِدَ مِن غَيْرِ رِشْدَةٍ، والنَّصارى في رَفْعِهِ حَتّى اتَّخَذُوهُ إلَهًا.

وقِيلَ الخِطابُ لِلنَّصارى خاصَّةً فَإنَّهُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَعْنِي تَنْزِيهَهُ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.

﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ أوْصَلَها إلَيْها وحَصَّلَها فِيها.

﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ وذُو رُوحٍ صَدَرَ مِنهُ لا بِتَوَسُّطِ ما يَجْرِي مَجْرى الأصْلِ والمادَّةِ لَهُ، وقِيلَ سُمِّيَ رُوحًا لِأنَّهُ كانَ يُحْيِي الأمْواتَ أوِ القُلُوبَ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ أيِ الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ اللَّهُ والمَسِيحُ ومَرْيَمُ، ويَشْهَدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أوِ اللَّهُ ثَلاثَةٌ إنْ صَحَّ أنَّهم يَقُولُونَ اللَّهُ ثَلاثَةُ أقانِيمَ الأبُ والِابْنُ ورُوحُ القُدُسِ، ويُرِيدُونَ بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ العِلْمَ، وبِرُوحِ القُدُسِ الحَياةَ.

﴿ انْتَهُوا ﴾ عَنِ التَّثْلِيثِ.

﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ نَصْبُهُ كَما سَبَقَ.

﴿ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ أيْ واحِدٌ بِالذّاتِ لا تَعَدُّدَ فِيهِ بِوَجْهٍ ما.

﴿ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴾ أيْ أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ لِمَن يُعادِلُهُ مِثْلٌ، ويَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَناءٌ.

﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَيَتَّخِذُهُ ولَدًا.

﴿ وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى غِناهُ عَنِ الوَلَدِ فَإنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ لِيَكُونَ وكِيلًا لِأبِيهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قائِمٌ بِحِفْظِ الأشْياءِ كافٍ في ذَلِكَ مُسْتَغْنٍ عَمَّنْ يَخْلُقُهُ أوْ يُعِينُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)

{يا أهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ} لا تجاوزوا الحد فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته حتى قالوا إنه ابن الزنا وغلت النصارى فى رفعه عن مقدراه حيث جعلوه ابن الله {وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق} وهو تنزيهه عن الشريك والولد {إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ} لا ابن الله {رَسُولُ الله} خبر المبتدأ وهو المسيح وعيسى عطف بيان أو بدل {وَكَلِمَتُهُ} عطف على رسول الله وقيل له كلمة لأنه يهتدي به كما يهتدي بالكلام {ألقاها إلى مَرْيَمَ} حال وقد معه مرادة أي أوصلها إليها وحصلها فيها {وَرُوحٌ} معطوف على الخبر أيضاً وقيل له روح لأنه كان يحيي الموتى كما سمى القرآن روحا بقوله وكذلك أوحنيا اليك روحا من أمرنا لما أنه يحيي القلوب {مِّنْهُ} أي بتخليقه وتكوينه كقوله تعالى {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض جميعا} منه وبه أجاب عليّ بن الحسين بن واقد غلاماً نصرانياً كان للرشيد في مجلسه حيث زعم أن

في كتابكم حجة على أن عيسى من الله {فآمنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة} خبر مبتدأ محذوف أي ولا تقولوا الآلهة ثلاثة {انتهوا} عن التثلث {خيرا لكم} والذى يدل عليه القرآن والتصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم

النساء (١٧١ _ ١٧٢)

ثلاثة آلهة وأن المسيح ولد الله من مريم ألا ترى إلى قوله أأنت قُلتَ للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله وقالت النصارى المسيح ابن الله {إِنَّمَا الله} مبتدأ {إِلَهٌ} خبرة {واحد} توكيد {سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} أسبحه تسبيحاً من أن يكون له ولد {لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِى الأرض} بيان لتنزهه مما نسب إليه بمعنى أن كل مافيهما خلقه وملكه فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه إذ النبوة والملك لا يجتمعان على أن الجزء إنما يصح في الأجسام وهو يتعالى عن أن يكون جسماً {وكفى بالله وَكِيلاً} حافظاً ومدبراً لهما ولما فيهما ومن عجز عن كفاية أمر يحتاج إلى ولد يعينه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالنَّصارى زَجْرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ البَعِيدِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ، وأبُو مُسْلِمٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ خِطابٌ لَهم ولِلْيَهُودِ؛ لِأنَّ الغُلُوَّ أيْ: مُجاوَزَةَ الحَدِّ والإفْراطَ المَنهِيَّ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ وقَعَ مِنهم جَمِيعًا، أمّا النَّصارى فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبَعْضُهم أنَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وآخَرُونَ: ثالِثٌ ثَلاثَةٍ، وأمّا اليَهُودُ فَقالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ لِغَيْرِ رُشْدِهِ، ورُجِّحَ ما عَلَيْهِ الجَماعَةُ بِأنَّ قَوْلَ اليَهُودِ قَدْ نُعِيَ فِيما سَبَقَ وبِأنَّهُ أوْفَقُ بِما بَعْدُ.

﴿ ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ أيْ: لا تَذْكُرُوا ولا تَعْتَقِدُوا إلّا القَوْلَ الحَقَّ دُونَ القَوْلِ المُتَضَمِّنِ لِدَعْوى الِاتِّحادِ والحُلُولِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وهو مُتَّصِلٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.

وادَّعى بَعْضٌ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَقِّ هُنا تَنْزِيهُهُ تَعالى عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، والأشْبَهُ بِالِاسْتِثْناءِ الِانْقِطاعُ؛ لِأنَّ التَّنْزِيهَ لا يَكُونُ مَقُولًا عَلَيْهِ، بَلْ لَهُ وفِيهِ؛ لِأنَّ مَعْنى ( قالَ عَلَيْهِ ) افْتَرى، وهو مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ الأكْثَرُ في الِاسْتِثْناءِ المُفْرِغِ، فافْهَمْ.

﴿ إنَّما المَسِيحُ ﴾ بِالتَّخْفِيفِ وقَدْ مَرَّ مَعْناهُ، وقُرِئَ ( المِسِّيحُ ) بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كالسِّكِّيتِ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ عِيسى ﴾ ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ ) صِفَةٌ لَهُ مُفِيدَةٌ بُطْلانَ ما زَعَمُوهُ فِيهِ مِن بُنُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ الباطِلِ المُسْتَلْزِمِ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ، أيْ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَقْصُورٌ عَلى رُتْبَةِ الرِّسالَةِ لا يَتَخَطّاها إلى ما تَقُولُونَ، ( ﴿ وكَلِمَتُهُ ﴾ ) عَطْفٌ عَلى ( رَسُولُ اللَّهِ ) ومَعْنى كَوْنِهِ كَلِمَةً أنَّهُ حَصَلَ بِكَلِمَةِ ( كُنْ ) مِن غَيْرِ مادَّةٍ مُعْتادَةٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وقالَ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: لِكُلِّ مَوْلُودٍ سَبَبٌ قَرِيبٌ وبَعِيدٌ، فالأوَّلُ المَنِيُّ، والثّانِي قَوْلُ ( كُنْ ) ولَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى عَدَمِ القَرِيبِ في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أضافَهُ إلى البَعِيدِ، وهو قَوْلُ ( كُنْ ) إشارَةً إلى انْتِفاءِ القَرِيبِ، وأوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ أيْ: أوْصَلَها إلَيْها، وحَصَّلَها فِيها، فَجَعَلَهُ كالمَنِيِّ الَّذِي يُلْقى في الرَّحِمِ، فَهو اسْتِعارَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِشارَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي بَشَّرَ بِها مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ ﴾ وجُمْلَةُ ( ﴿ ألْقاها ﴾ ) حالٌ عَلى ما قِيلَ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( كَلِمَتُهُ ) بِتَقْدِيرِ قَدْ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: وكَلِمَتُهُ مُلْقِيًا إيّاها، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُسْتَكِنِّ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ ( ﴿ وكَلِمَتُهُ ﴾ ) مِن مَعْنى المُشْتَقِّ الَّذِي هو العامِلُ فِيها، وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِ ( كانَ ) مَقُدَّرَةً مَعَ إذِ المُتَعَلِّقَةِ بِالكَلِمَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِها المُكَوَّنُ، والتَّقْدِيرُ: إذْ كانَ ( ﴿ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ ).

﴿ ورُوحٌ مِنهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وسُمِّيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رُوحًا؛ لِأنَّهُ حَدَثَ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِرْعِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وجاءَ تَسْمِيَةُ النَّفْخِ رُوحًا في كَلامِهِمْ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ في نارٍ: وأحْيِها بِرُوحِكَ.

و( مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ( رُوحٌ ) وهي لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا لا تَبْعِيضِيَّةٌ كَما زَعَمَتِ النَّصارى.

يُحْكى أنَّ طَبِيبًا نَصْرانِيًّا حاذِقًا لِلرَّشِيدِ ناظَرَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ الواقِدِيَّ المَرْوَزِيَّ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ لَهُ: إنَّ في كِتابِكم ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - جُزْءٌ مِنهُ تَعالى، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَقَرَأ الواقِدِيُّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ ﴾ فَقالَ: إذَنْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأشْياءِ جُزْءًا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ، فَأسْلَمَ، وفَرِحَ الرَّشِيدُ فَرَحًا شَدِيدًا، ووَصَلَ الواقِدِيَّ بِصِلَةٍ فاخِرَةٍ.

وقِيلَ: سُمِّيَ رُوحًا؛ لَأنَّ النّاسَ يَحْيَوْنَ بِهِ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا بِمَعْنى الرَّحْمَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ عَلى وجْهٍ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالرُّوحِ الوَحْيُ الَّذِي أُوحِيَ إلى مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - بِالبِشارَةِ، وقِيلَ: جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهم إذا أرادُوا وصْفَ شَيْءٍ بِغايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ قالُوا: إنَّهُ رُوحٌ، فَلَمّا كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَكَوِّنًا مِنَ النَّفْخِ لا مِنَ النُّطْفَةِ وُصِفَ بِالرُّوحِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالرُّوحِ السِّرُّ، كَما يُقالُ: رُوحُ هَذِهِ المَسْألَةِ كَذا، أيْ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِرٌّ مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى، وآيَةٌ مِن آياتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ ذُو رُوحٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ أوِ اسْتِعْمالِ الرُّوحِ في مَعْنى ذِي الرُّوحِ، والإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى لِلتَّشْرِيفِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما في التَّوْراةِ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلُ اللَّهِ، وعَصاهُ قَضِيبُ اللَّهِ، وأُورْشَلِيمُ بَيْتُ اللَّهِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الرُّوحِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والعَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في ( ﴿ ألْقاها ﴾ ) والمَعْنى: ألْقاها اللَّهُ تَعالى وجِبْرِيلَ إلى مَرْيَمَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وعَلى العِلّاتِ لا حُجَّةَ لِلنَّصارى عَلى شَيْءٍ مِمّا زَعَمُوا في تَشْرِيفِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنِسْبَةِ الرُّوحِ إلَيْهِ؛ إذْ لِغَيْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُشارَكَةٌ لَهُ في ذَلِكَ، فَفي إنْجِيلِ لُوقا: قالَ يَسُوعُ لِتَلامِيذِهِ: إنَّ أباكُمُ السَّماوِيَّ يُعْطِي رُوحَ القُدُسِ الَّذِينَ يَسْألُونَهُ، وفي إنْجِيلِ مَتّى: إنَّ يُوحَنّا المَعْمَدانِيَّ امْتَلَأ مِن رُوحِ القُدُسِ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، وفي التَّوْراةِ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتَرْ سَبْعِينَ مِن قَوْمِكَ حَتّى أُفِيضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرُّوحِ الَّتِي عَلَيْكَ، فَيَحْمِلُوا عَنْكَ ثِقَلَ هَذا النَّعْتِ، فَفَعَلَ، فَأفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رُوحِهِ فَتَبَنُّوا لِساعَتِهِمْ، وفِيها في حَقِّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يَقُولُ المَلِكُ: هَلْ رَأيْتُمْ مِثْلَ هَذا الفَتى الَّذِي رُوحَ اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ حالٌ فِيهِ، وفِيها أيْضًا: إنَّ رُوحَ اللَّهِ تَعالى حَلَّتْ عَلى دانْيالَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ولَعَلَّ الرُّوحَ في جَمِيعِ ذَلِكَ أمْرٌ قُدْسِيٌّ وسِرٌّ إلَهِيٌّ، يُفِيضُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ حَسْبَما يَشاءُ، وفي أيِّ وقْتٍ يَشاءُ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بابِ المُبالَغَةِ، عَلى حَدِّ ما قِيلَ فِي: ( زَيْدٌ عَدْلٌ ) ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الرُّوحَ الَّذِي بِهِ الحَياةُ أصْلًا، وقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ بِصُورَةٍ كَما يَظْهَرُ القُرْآنُ بِصُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ، والمَوْتُ بِصُورَةِ الكَبْشِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ ما في إنْجِيلِ مَتّى في تَمامِ الكَلامِ عَلى تَعْمِيدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إنَّ يَسُوعَ لَمّا تَعَمَّدَ، وخَرَجَ مِنَ الماءِ انْفَتَحَتْ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ، ونَظَرَ، رُوحُ اللَّهِ تَعالى جاءَتْ لَهُ في صِفَةِ حَمامَةٍ، وإذا بِصَوْتٍ مِنَ السَّماءِ: هَذا ابْنُ الحَبِيبِ الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي، فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَهْدِمُ ما يَزْعُمُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَجَسَّدَ بِرُوحِ القُدُسِ في بَطْنِ أُمِّهِ، وما فِيهِ مِن وصْفِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنُّبُوَّةِ سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الجَوابُ عَنْهُ.

﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ وخُصُّوهُ بِالأُلُوهِيَّةِ ﴿ ورُسُلِهِ ﴾ أجْمَعِينَ، ولا تُخْرِجُوا أحَدًا مِنهم إلى ما يَسْتَحِيلُ وصْفُهُ بِهِ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ ﴿ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ﴾ أيِ: الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، والمَسِيحُ، ومَرْيَمُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ إذْ مَعْناهُ إلَهَيْنِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُونَ مَعَهُ ثَلاثَةً، وحُكِيَ هَذا التَّقْدِيرُ عَنِ الزَّجّاجِ.

أوِ اللَّهُ سُبْحانَهُ ثَلاثَةٌ - إنْ صَحَّ عَنْهم - أنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ تَعالى جَوْهَرٌ واحِدٌ َثَلاثَةُ أقانِيمَ، أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِالأوَّلِ الذّاتَ أوِ الوُجُودَ، وبِالثّانِي العِلْمَ أيِ الكَلِمَةَ، وبِالثّالِثِ الحَياةَ، كَذا قِيلَ.

وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النَّصارى اتَّفَقُوا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَوْهَرٌ بِمَعْنى: قائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا مُخْتَصٍّ بِجِهَةٍ، ولا مُقَدَّرٍ بِقَدْرٍ، ولا يَقْبَلُ الحَوادِثَ بِذاتِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ الحُدُوثُ والعَدَمُ، وأنَّهُ واحِدٌ بِالجَوْهَرِيَّةِ ثَلاثَةٌ بِالأُقْنُومِيَّةِ، والأقانِيمُ صِفاتٌ لِلْجَوْهَرِ القَدِيمِ، وهي الوُجُودُ والعِلْمُ والحَياةُ، وعَبَّرُوا عَنِ الوُجُودِ بِالأبِ، والحَياةِ بِرُوحِ القُدُسِ، والعِلْمِ بِالكَلِمَةِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ المَلْكانِيَّةُ أصْحابُ مَلْكا الَّذِي ظَهَرَ بِالرُّومِ واسْتَوْلى عَلَيْها إلى أنَّ الأقانِيمَ غَيْرُ الجَوْهَرِ القَدِيمِ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها إلَهٌ، وصَرَّحُوا بِإثْباتِ التَّثْلِيثِ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ، وأنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ، وتَدَرَّعَتْ بِناسُوتِهِ، وامْتَزَجَتْ بِهِ امْتِزاجَ الماءِ بِالخَمْرِ، وانْقَلَبَتِ الكَثْرَةُ وحْدَةً، وأنَّ المَسِيحَ ناسُوتٌ كُلِّيُّ لا جُزْئِيٌّ، وهو قَدِيمٌ أزَلِيٌّ، وأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا أزَلِيًّا، مَعَ اخْتِلافِهِمْ في مَرْيَمَ أنَّها إنْسانٌ كُلِّيٌّ أوْ جُزْئِيٌّ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ اتِّحادَ اللّاهُوتِ بِالمَسِيحِ دُونَ مَرْيَمَ، وأنَّ القَتْلَ والصَّلْبَ وقَعَ عَلى النّاسُوتِ واللّاهُوتِ مَعًا، وأطْلَقُوا لَفْظَ الأبِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والِابْنِ عَلى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.

وذَهَبَ نُسْطُورُ الحَكِيمُ - في زَمانِ المَأْمُونِ - إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ، والأقانِيمَ الثَّلاثَةَ لَيْسَتْ غَيْرَ ذاتِهِ ولا نَفْسَ ذاتِهِ، وأنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ لا بِمَعْنى الِامْتِزاجِ بَلْ بِمَعْنى الإشْراقِ، أيْ: أشْرَقَتْ عَلَيْهِ كَإشْراقِ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ عَلى بِلَّوْرٍ.

ومِنَ النُّسْطُورِيَّةِ مَن قالَ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ حَيٌّ ناطِقٌ مَوْجُودٌ، وصَرَّحُوا بِالتَّثْلِيثِ كالمَلْكانِيَّةِ، ومِنهم مِن مَنَعَ ذَلِكَ، ومِنهم مَن أثْبَتَ صِفاتٍ أُخَرَ كالقُدْرَةِ والإرادَةِ ونَحْوَها، لَكِنْ لَمْ يَجْعَلُوها أقانِيمَ، وزَعَمُوا أنَّ الِابْنَ لَمْ يَزَلْ مُتَوَلِّدًا مِنَ الأبِ، وإنَّما تَجَسُّدُهُ وتَوَحُّدُهُ بِجَسَدِ المَسِيحِ حِينَ وُلِدَ، والحُدُوثُ راجِعٌ إلى النّاسُوتِ، فالمَسِيحُ إلَهٌ تامٌّ وإنْسانٌ تامٌّ، وهُما قَدِيمٌ وحادِثٌ، والِاتِّحادُ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِقِدَمِ القَدِيمِ ولا لِحُدُوثِ الحادِثِ، وقالُوا: إنَّ الصَّلْبَ ورَدَ عَلى النّاسُوتِ دُونَ اللّاهُوتِ.

وذَهَبَ بَعْضُ اليَعْقُوبِيَّةِ إلى أنَّ الكَلِمَةَ انْقَلَبَتْ لَحْمًا ودَمًا، فَصارَ الإلَهُ هو المَسِيحَ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ورَوَوْا عَنْ يُوحَنّا الإنْجِيلِيِّ أنَّهُ قالَ في صَدْرِ إنْجِيلِهِ: إنَّ الكَلِمَةَ صارَتْ جَسَدًا، وحَلَّتْ فِينا، وقالَ: في البَدْءِ كانَتِ الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى هو الكَلِمَةُ.

ومِنهم مَن قالَ: ظَهَرَ اللّاهُوتُ بِالنّاسُوتِ، بِحَيْثُ صارَ هو هُوَ، وذَلِكَ كَظُهُورِ المَلَكِ في الصُّورَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ .

ومِنهم مَن قالَ: جَوْهَرُ الإلَهِ القَدِيمِ وجَوْهَرُ الإنْسانِ المُحْدَثِ تَرَكَّبا تَرَكُّبَ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مَعَ البَدَنِ وصارا جَوْهَرًا واحِدًا، وهو المَسِيحُ، وهو الإلَهُ، ويَقُولُونَ: صارَ الإلَهُ إنْسانًا، وإنْ لَمْ يَصِرِ الإنْسانُ إلَهًا، كَما يُقالُ في الفَحْمَةِ المُلْقاةِ في النّارِ: صارَتْ نارًا، ولا يُقالُ: النّارُ فَحْمَةٌ.

ويَقُولُونَ: إنَّ اتِّحادَ اللّاهُوتِ بِالإنْسانِ الجُزْئِيِّ دُونَ الكُلِّيِّ، وأنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، وأنَّ القَتْلَ والصَّلْبَ واقِعٌ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ جَمِيعًا؛ إذْ لَوْ كانَ عَلى أحَدِهِما بَطَلَ الِاتِّحادُ.

ومِنهم مَن قالَ: المَسِيحُ مَعَ اتِّحادِ جَوْهَرِهِ قَدِيمٌ مِن وجْهٍ، مُحْدَثٌ مَن وجْهٍ.

ومِنَ اليَعْقُوبِيَّةِ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ لَمْ تَأْخُذْ مِن مَرْيَمَ شَيْئًا، وإنَّما مَرَّتْ بِها كَمُرُورِ الماءِ بِالمِيزابِ.

ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الكَلِمَةَ كانَتْ تُداخِلُ جَسَدَ المَسِيحِ فَتَصْدُرُ عَنْهُ الآياتُ الَّتِي كانَتْ تَظْهَرُ عَنْهُ وتُفارِقُهُ تارَةً فَتُحِلُّهُ الآفاتُ والآلامُ.

ومِنَ النَّصارى مَن زَعَمَ أنَّ مَعْنى اتِّحادِ اللّاهُوتِ بِالنّاسُوتِ ظُهُورُ اللّاهُوتِ عَلى النّاسُوتِ، وإنْ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ اللّاهُوتِ إلى النّاسُوتِ شَيْءٌ ولا حَلَّ فِيهِ، وذَلِكَ كَظُهُورِ نَقْشِ الطّابَعِ عَلى الشَّمْعِ والصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ في المِرْآةِ.

ومِنهم مَن قالَ: إنَّ الوُجُودَ والكَلِمَةَ قَدِيمانِ والحَياةَ مَخْلُوقَةٌ.

ومِنهم مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ، وسَمّاهُ أبًا، وأنَّ المَسِيحَ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى وابْنُهُ عَلى طَرِيقِ الِاصْطِفاءِ، وهو مَخْلُوقٌ قَبْلَ العالَمِ، وهو خالِقٌ لِلْأشْياءِ كُلِّها.

وحَكى المُؤَرِّخُونَ وأصْحابُ النَّقْلِ أنَّ أرَيُوسَ أحَدَ كِبارِ النَّصارى كانَ يَعْتَقِدُ هو وطائِفَتُهُ تَوْحِيدَ البارِي، ولا يُشْرِكُ مَعَهُ غَيْرَهُ، ولا يَرى في المَسِيحِ ما يَراهُ النَّصارى، بَلْ يَعْتَقِدُ رِسالَتَهُ، وأنَّهُ مَخْلُوقٌ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ، فَفَشَتْ مَقالَتُهُ في النَّصْرانِيَّةِ، فَتَكاتَبُوا واجْتَمَعُوا بِمَدِينَةِ نِيقِيَةَ عِنْدَ المَلِكِ قُسْطَنْطِينَ، وتَناظَرُوا فَشَرَحَ أرَيُوسُ مَقالَتَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الإكْصَيْدُرُوسُ بِطْرِيقُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ وشَنَّعَ عَلى مَقالَتِهِ عِنْدَ المَلِكِ، ثُمَّ تَناظَرُوا فَطالَ تَنازُعُهُمْ، فَتَعَجَّبَ المَلِكُ مِنِ انْتِشارِ مَقالَتِهِمْ، وكَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ، وقامَ لَهُمُ البُتْرُكُ، وأمَرَهم أنْ يَبْحَثُوا عَنِ القَوْلِ المَرْضِيِّ، فاتَّفَقَ رَأْيُهم عَلى شَيْءٍ، فَحَرَّرُوهُ وسَمَّوْهُ بِالأمانَةِ، وأكْثَرُهُمُ اليَوْمَ عَلَيْها، وهِيَ: نُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى الواحِدِ الأبِ صانِعِ كَلِّ شَيْءٍ، مالِكِ كُلِّ شَيْءٍ، صانِعِ ما يُرى وما لا يُرى، وبِالرَّبِّ الواحِدِ المَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ، بِكْرِ الخَلائِقِ كُلِّها، الَّذِي وُلِدَ مِن أبِيهِ قَبْلَ العَوالِمِ كُلِّها، ولَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إلَهٍ حَقٍّ مِن إلَهٍ حَقٍّ، مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ، وخُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ، الَّذِي مِن أجْلِنا مَعاشِرَ النّاسِ ومِن أجْلِ خَلاصِنا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ ومَرْيَمَ، وصارَ إنْسانًا، وحُبِلَ بِهِ، ووُلِدَ مِن مَرْيَمَ البَتُولِ، واتَّجَعَ، وصُلِبَ أيّامَ فِيلاطِسَ، ودُفِنَ، وقامَ في اليَوْمِ الثّالِثِ كَما هو مَكْتُوبٌ، وصَعِدَ إلى السَّماءِ، وجَلَسَ عَلى يَمِينِ أبِيهِ، وهو مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِئِ تارَةً أُخْرى لِلْقَضاءِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ، ونُؤْمِنُ بِرُوحِ القُدُسِ الواحِدِ رُوحِ الحَقِّ، الَّذِي يَخْرُجُ مِن أبِيهِ، وبِعَمُودِيَّةٍ واحِدَةٍ لِغُفْرانِ الخَطايا، والجَماعَةُ واحِدَةٌ قُدْسِيَّةٌ كاطُولِكِيَّةٌ، وبِالحَياةِ الدّائِمَةِ إلى أبَدِ الآبِدِينَ، انْتَهى.

وهَذِهِ جُمْلَةُ الأقاوِيلِ، وما لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ الأباطِيلِ، وهي مَعَ مُخالَفَتِها لِلْعُقُولِ ومُزاحَمَتِها لِلْأُصُولِ مِمّا لا مُسْتَنَدَ لَها، ولا مُعَوَّلَ لَهم فِيها غَيْرُ التَّقْلِيدِ لِأسْلافِهِمْ، والأخْذِ بِظَواهِرِ ألْفاظٍ لا يُحِيطُونَ بِها، عَلى أنَّ ما سَمَّوْهُ أمانَةً لا أصْلَ لَهُ في شَرْعِ الإنْجِيلَ، ولا مَأْخُوذَةً مِن قَوْلِ المَسِيحِ، ولا مِن أقْوالِ تَلامِيذِهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُضْطَرِبٌ مُتَناقِضٌ مُتَهافِتٌ، يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ويُعارِضُهُ، ويُناقِضُهُ، وإذْ قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ فاسْتَمِعْ لِما يُتْلى عَلَيْكَ في رَدِّهِمْ تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ وتَأْكِيدًا لِإبْطالِ تِلْكَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ.

أمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَوْهَرٌ بِالمَعْنى المَذْكُورِ فَلا نِزاعَ لَنا مَعَهم فِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى، بَلْ مِن جِهَةِ الإطْلاقِ اللَّفْظِيِّ سَمْعًا، والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وأمّا حَصْرُهُمُ الأقانِيمَ في ثَلاثَةٍ؛ صِفَةِ الوُجُودِ وصِفَةِ الحَياةِ وصِفَةِ العِلْمِ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ صِفَةَ الوُجُودِ زائِدَةٌ لَوْ طُولِبُوا بِدَلِيلِ الحَصْرِ لَمْ يَجِدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا سِوى قَوْلِهِمْ: بَحَثْنا فَلَمْ نَجِدْ غَيْرَ ما ذَكَرْناهُ، وهو غَيْرُ يَقِينِيٍّ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ هو باطِلٌ بِما تَحَقَّقَ في مَوْضِعِهِ مِن وُجُوبِ صِفَةِ القُدْرَةِ والإرادَةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ، فَإنْ قالُوا: الأقانِيمُ هي خَواصُّ الجَوْهَرِ وصِفاتُ نَفْسِهِ، ومِن حُكْمِها أنْ تَلْزَمَ الجَوْهَرَ ولا تَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الوُجُودِ والحَياةِ إذْ لا تَعَلُّقَ لِوُجُودِ الذّاتِ القَدِيمَةِ وحَياتِها بِغَيْرِها، وكَذَلِكَ العِلْمُ إذِ العِلْمُ مُخْتَصٌّ بِالجَوْهَرِ مِن حَيْثُ هو مَعْلُومٌ بِهِ، وهَذا بِخِلافِ القُدْرَةِ والإرادَةِ، فَإنَّهُما لا اخْتِصاصَ لَهُما بِالذّاتِ القَدِيمَةِ، بَلْ يَتَعَلَّقانِ بِالغَيْرِ مِمّا هو مَقْدُورٌ ومُرادٌ، والذّاتُ القَدِيمَةُ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ ولا مُرادَةٍ، وأيْضًا فَإنَّ الحَياةَ لا تُجْزِئُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الحَيَّ لا يَخْلُو عَنْهُما بِخِلافِ العِلْمِ، فَإنَّهُ قَدْ يَخْلُو عَنْهُ، ولِأنَّهُ يَمْتَنِعُ إجْزاءُ الحَياةِ عَنِ العِلْمِ لِاخْتِصاصِ الحَياةِ بِامْتِناعِ جَرَيانِ المُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ بِخِلافِ العِلْمِ قُلْنا: أمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الوُجُودَ والحَياةَ مُخْتَصَّةٌ بِذاتِ القَدِيمِ ولا تَعَلُّقَ لَهُما بِغَيْرِهِ فَمُسَلَّمٌ، ولَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ لا يَكُونَ العِلْمُ أُقْنُومًا لِتَعَلُّقِهِ بِغَيْرِ ذاتِ القَدِيمِ، إذْ هو مَعْلُومٌ بِهِ، فَلَئِنْ قالُوا: العِلْمُ إنَّما كانَ أُقْنُومًا مِن حَيْثُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِذاتِ القَدِيمِ لا مِن حَيْثُ كانَ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ فَيَلْزَمُهم أنْ يَكُونَ البَصَرُ أُقْنُومًا لِتَعَلُّقِهِ بِذاتِ القَدِيمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَرى نَفْسَهُ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ، ويَلْزَمْهم مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَقاءُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى أُقْنُومًا لِاخْتِصاصِ البَقاءِ بِنَفْسِهِ وعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ، كَما في الوُجُودِ والحَياةِ، فَلَئِنْ قالُوا: البَقاءُ هو نَفْسُ الوُجُودِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ في زَمانِ حُدُوثِهِ باقِيًا، وهو مُحالٌ.

وقَوْلُهُمْ: بِأنَّ الإرادَةَ تُجْزِئُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ، إمّا أنْ يُرِيدُوا أنَّ القُدْرَةَ والإرادَةَ نَفْسُ الحَياةِ، أوْ أنَّهُما خارِجَتانِ عَنْها لازِمَتانِ لَها لا تُفارِقانِها، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ نَقَضُوا مَذْهَبَهم حَيْثُ قالُوا: إنَّ الحَياةَ أُقْنُومٌ لِاخْتِصاصِها بِجَوْهَرِ القَدِيمِ، والقُدْرَةُ والإرادَةُ غَيْرُ مُخْتَصَّتَيْنِ بِذاتِ القَدِيمِ تَعالى، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالمُغايَرَةِ ولا اتِّحادَ مَعَها، وإنْ قالُوا: إنَّها لازِمَةٌ لَها مَعَ المُغايَرَةِ فَهو مَمْنُوعٌ، فَإنَّهُ كَما يَجُوزُ خُلُوُّ الحَيِّ عَنِ العِلْمِ فَكَذَلِكَ قَدْ يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ كَما في حالَةِ النَّوْمِ والإغْماءِ مَثَلًا.

وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ إجْزاءُ الحَياةِ عَنِ العِلْمِ لِاخْتِصاصِ العِلْمِ بِالمُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا تَكُونَ مُجْزِئَةً عَنِ القُدْرَةِ أيْضًا لِاخْتِصاصِها بِهَذا النَّوْعِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّفْضِيلِ.

وأمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ الكَلِمَةَ حَلَّتْ في المَسِيحِ وتَدَرَّعَتْ بِهِ، فَهو باطِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ امْتِناعُ حُلُولِ صِفَةِ القَدِيمِ في غَيْرِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ القَوْلُ بِحُلُولِ الكَلِمَةِ أوْلى مِنَ القَوْلِ بِحُلُولِ الرُّوحِ، وهي الحَياةُ، ولَئِنْ قالُوا: إنَّما اسْتَدْلَلْنا عَلى حُلُولِ العِلْمِ فِيهِ لِاخْتِصاصِهِ بِعُلُومٍ لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، قُلْنا: أوَّلًا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوى النَّصارى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُئِلَ عَنِ القِيامَةِ فَلَمْ يُجِبْ، وقالَ: لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ.

وثانِيًا سَلَّمْنا، لَكِنَّهُ قَدِ اخْتَصَّ عِنْدَكم بِإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وبِأُمُورٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ بِزَعْمِكُمْ، والقُدْرَةُ عِنْدَكم في حُكْمِ الحَياةِ إمّا بِمَعْنى أنَّها عَيْنُها أوْ مُلازِمَةٌ لَها، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ بِحُلُولِ الحَياةِ فِيهِ، ولَمْ تَقُولُوا بِهِ.

وأمّا قَوْلُ المَلْكانِيَّةِ بِالتَّثْلِيثِ في الآلِهَةِ، وأنَّ كُلَّ أُقْنُومٍ إلَهٌ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَقُولُوا: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الإلَهِ تَعالى مِنَ الوُجُودِ والحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، أوْ ألّا يَقُولُوا بِهِ، فَإنْ قالُوا بِهِ فَهو خِلافُ أصْلِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى امْتِناعِ إلَهَيْنِ.

وأيْضًا فَإنَّهم إمّا أنْ يَقُولُوا: بِأنَّ جَوْهَرَ القَدِيمِ أيْضًا إلَهٌ أوْ ألّا يَقُولُوا، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَقَدْ أبْطَلُوا مَذْهَبَهُمْ؛ فَإنَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الثّالُوثِ، وبِقَوْلِهِمْ هَذا يَلْزَمُ التَّرْبِيعُ، وإنْ كانَ الثّانِي لَمْ يَجِدُوا إلى الفَرْقِ سَبِيلًا، مَعَ أنَّ جَوْهَرَ القَدِيمِ أصْلٌ والأقانِيمَ صِفاتٌ تابِعَةٌ، فَكانَ أوْلى أنْ يَكُونَ إلَهًا، وإنْ قالُوا بِالثّانِي فَحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى مُنازَعَةٍ لَفْظِيَّةٍ، والمَرْجِعُ فِيها إلى وُرُودِ الشَّرْعِ بِجَوازِ إطْلاقِ ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُمْ: بِأنَّ الكَلِمَةَ امْتَزَجَتْ بِجَسَدِ المَسِيحِ فَيُبْطِلُهُ امْتِناعُ حُلُولِ صِفاتِ القَدِيمِ بِغَيْرِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، ودَعْواهُمُ الِاتِّحادَ مُمْتَنِعَةٌ مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ والإلْزامِ، أمّا الأوَّلُ فَإنَّهُما عِنْدَ الِاتِّحادِ إمّا أنْ يُقالَ: بِبَقائِهِما أوْ بِعَدَمِهِما، أوْ بِبَقاءِ أحَدِهِما وعَدَمِ الآخَرِ، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَهُما اثْنانِ كَما كانا، وإنْ كانَ الثّانِي فالواحِدُ المَوْجُودُ غَيْرُهُما، وإنْ كانَ الثّالِثُ فَلا اتِّحادَ لِلْاثِنَيْنِيَّةِ وعَدَمِ أحَدِهِما، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَمِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنَّهُ إذا جازَ اتِّحادُ أُقْنُومِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِالحادِثِ فَما المانِعُ مِنِ اتِّحادِ صِفَةِ الحادِثِ بِالجَوْهَرِ القَدِيمِ، فَلَئِنْ قالُوا: المانِعُ أنَّ اتِّحادَ صِفَةِ الحادِثِ بِالجَوْهَرِ القَدِيمِ يُوجِبُ نَقْصَهُ وهو مُمْتَنِعٌ، واتِّحادَ صِفَةِ القَدِيمِ بِالحادِثِ يُوجِبُ شَرَفَهُ، وشَرَفُ الحادِثِ بِالقَدِيمِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، قُلْنا: فَكَما أنَّ ذاتَ القَدِيمِ تَنْقُصُ بِاتِّحادِ صِفَةِ الحادِثِ بِها فالأُقْنُومُ القَدِيمُ يَنْقُصُ بِاتِّحادِهِ بِالنّاسُوتِ الحادِثِ، فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا.

الثّانِي أنَّهُ قَدْ وقَعَ الِاتِّفاقُ عَلى امْتِناعِ اتِّحادِ أُقْنُومِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِغَيْرِ ناسُوتِ المَسِيحِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ ناسُوتٍ وناسُوتٍ؟!

فَلَئِنْ قالُوا: إنَّما اتَّحَدَ بِالنّاسُوتِ الكُلِّيِّ دُونَ الجُزْئِيِّ رَدَدْناهُ بِما سَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

الثّالِثُ أنَّ مَذْهَبَهم أنَّ الأقانِيمَ زائِدَةٌ عَلى ذاتِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ، مَعَ اخْتِصاصِها بِهِ، ولَمْ يُوجِبْ قِيامَها بِهِ الِاتِّحادُ، فَأنْ لا يُوجِبَ اتِّحادَ الأُقْنُومِ بِالنّاسُوتِ أوْلى.

الرّابِعُ أنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ أُقْنُومَ الجَوْهَرِ القَدِيمِ مُخالِفٌ لِلنّاسُوتِ، كَما أنَّ صِفَةَ نَفْسِ الجَوْهَرِ تُخالِفُ نَفْسَ العَرَضِ، وصِفَةَ نَفْسِ العَرَضِ تُخالِفُ الجَوْهَرِ، فَإنْ قالُوا بِجَوازِ اتِّحادِ صِفَةِ الجَوْهَرِ بِالعَرَضِ أوْ صِفَةِ العَرَضِ بِالجَوْهَرِ، حَتّى أنَّهُ يَصِيرُ الجَوْهَرُ في حُكْمِ العَرَضِ، والعَرَضُ في حُكْمِ الجَوْهَرِ فَقَدِ التَزَمُوا مَجالًا مُخالِفًا لِأُصُولِهِمْ.

وإنْ قالُوا بِامْتِناعِ اتِّحادِ صِفَةِ نَفْسِ الجَوْهَرِ بِالعَرَضِ ونَفْسِ العَرَضِ بِالجَوْهَرِ مَعَ أنَّ العَرَضَ والجَوْهَرَ أقْبَلُ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ فَلِأنْ يَمْتَنِعَ في القَدِيمِ والحادِثِ أوْلى.

وقَوْلُهُمْ: إنَّ المَسِيحَ إنْسانٌ كُلِّيٌّ باطِلٌ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أنَّ الإنْسانَ الكُلِّيَّ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِجُزْئِيٍّ دُونَ جُزْئِيٍّ مِنَ النّاسِ، وقَدِ اتَّفَقَتِ النَّصارى أنَّ المَسِيحَ مَوْلُودٌ مِن مَرْيَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وعِنْدَ ذَلِكَ فَإمّا أنْ يُقالَ أنَّ إنْسانَ مَرْيَمَ أيْضًا كُلِّيٌّ كَما حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أوْ جُزْئِيٌّ، فَإنْ كانَ كُلِّيًّا فَإمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنَ إنْسانِ المَسِيحِ أوْ غَيْرِهِ، فَإنْ كانَ عَيْنَهُ لَزِمَ أنْ يُولَدَ الشَّيْءُ مِن نَفْسِهِ وهو مُحالٌ، ثُمَّ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ مَرْيَمَ ومَرْيَمُ المَسِيحَ، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ فالإنْسانُ الكُلِّيُّ ما يَكُونُ عامًّا مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمِيعٍ، وطَبِيعَتُهُ جُزْءٌ مِن مَعْنى كُلِّ إنْسانٍ ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إنْسانُ المَسِيحِ بِطَبِيعَتِهِ جُزْءًا مِن مَفْهُومِ إنْسانِ مَرْيَمَ وبِالعَكْسِ، وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ كانَ إنْسانُ مَرْيَمَ جُزْئِيًّا فَمِن ضَرُورَةِ كَوْنِ المَسِيحِ مَوْلُودًا عَنْها أنْ يَكُونَ الكُلِّيُّ الصّالِحُ لِاشْتِراكِ الكَثْرَةِ مُنْحَصِرًا في الجُزْئِيِّ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِذاتِهِ وهو مُمْتَنِعٌ.

الثّانِي أنَّ النَّصارى مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ المَسِيحَ كانَ مَرْئِيًّا ومُشارًا إلَيْهِ، والكُلِّيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ.

الثّالِثُ أنَّهم قائِلُونَ: إنَّ الكَلِمَةَ حَلَّتْ في المَسِيحِ إمّا بِجِهَةِ الِاتِّحادِ أوْ لا بِجِهَةِ الِاتِّحادِ، فَلَوْ كانَ المَسِيحُ إنْسانًا كُلِّيًّا لَما اخْتَصَّ بِهِ بَعْضُ أشْخاصِ النّاسِ دُونَ البَعْضِ، ولَما كانَ المَوْلُودُ مِن مَرْيَمَ مُخْتَصًّا بِحُلُولِ الكَلِمَةِ دُونَ غَيْرِهِ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ.

الرّابِعُ أنَّ المَلْكانِيَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ القَتْلَ وقَعَ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ، ولَوْ كانَ ناسُوتُ المَسِيحِ كُلِّيًّا لَما تُصُوِّرَ وُقُوعُ الجُزْئِيِّ عَلَيْهِ.

وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ نُسْطُورُ مِنَ أنَّ الأقانِيمَ ثَلاثَةٌ فالكَلامُ مَعَهُ في الحَصْرِ عَلى طِرْزِ ما تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ: لَيْسَتْ عَيْنَ ذاتِهِ ولا غَيْرَ ذاتِهِ فَإنْ أرادَ بِذَلِكَ ما أرادَ بِهِ الأشْعَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنَّ الصِّفاتِ لا عَيْنَ ولا غَيْرَ فَهو حَقٌّ، وإنْ أرادَ غَيْرَهُ فَغَيْرُ مَفْهُومٍ، وأمّا تَفْسِيرُهُ العِلْمَ بِالكَلِمَةِ فالنِّزاعُ مَعَهُ في هَذا الإطْلاقِ لَفْظِيٌّ، ثُمَّ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُرِيدَ بِالكَلِمَةِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ أوِ الكَلامَ اللِّسانِيَّ، والكَلامُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ.

وقَوْلُهُ: إنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِالمَسِيحِ بِمَعْنى أنَّها أشْرَقَتْ عَلَيْهِ لا حاصِلَ لَهُ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرِيدَ بِإشْراقِ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو مَفْهُومٌ مِن مِثالِهِ وهُوَ أنْ يَكُونَ مَطْرَحًا لِشُعاعِها عَلَيْهِ، أوْ يُرِيدُ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ كَتَعَلُّقِ العِلْمِ القَدِيمِ بِالمَعْلُوماتِ، أوْ يُرِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ذاتَ شُعاعٍ، وفي جِهَةٍ مِن مَطْرَحِ شُعاعِها، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ جِسْمًا، وأنْ لا تَكُونَ صِفَةً لِلْجَوْهَرِ القَدِيمِ، وهو مُحالٌ.

وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو حَقٌّ غَيْرَ أنَّ تَعَلُّقَ الأُقْنُومِ بِالمَسِيحِ بِهَذا التَّفْسِيرِ لا يَكُونَ خاصَّةً.

وإنْ كانَ الثّالِثَ فَلا بُدَّ مِن تَصْوِيرِهِ لِيَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ.

وأمّا قَوْلُ بَعْضِ النُّسْطُورِيَّةِ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأقانِيمِ الثَّلاثَةِ إلَهٌ حَيٌّ ناطِقٌ فَهو باطِلٌ بِأدِلَّةِ إبْطالِ التَّثْلِيثِ.

وأمّا مَن أثْبَتَ مِنهم لِلَّهِ تَعالى صِفاتٍ أُخَرَ كالقُدْرَةِ والإرادَةِ ونَحْوِهِما فَقَدْ أصابَ، خَلا أنَّ القَوْلَ بِإخْراجِها عَنْ كَوْنِها مِنَ الأقانِيمِ مَعَ أنَّها مُشارِكَةٌ لَها في كَوْنِها مِنَ الصِّفاتِ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ، والفَرْقُ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ باطِلٌ، كَما عَلِمْتَ.

وأمّا قَوْلُهُمُ: المَسِيحُ إنْسانٌ تامٌّ، وإلَهٌ تامٌّ، وهُما جَوْهَرانِ: قَدِيمٌ وحادِثٌ فَطَرِيقُ رَدِّهِ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: التَّعَرُّضُ لِإبْطالِ كَوْنِ الأُقْنُومِ المُتَّحِدِ بِجَسَدِ المَسِيحِ إلَهًا، وذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: إمّا أنْ يَقُولُوا: بِأنَّ ما اتَّحَدَ بِجَسَدِ المَسِيحِ هو إلَهٌ فَقَطْ، أوْ أنَّ كُلَّ أُقْنُومٍ إلَهٌ كَما ذَهَبَتْ إلَيْهِ المَلْكانِيَّةُ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ: فَهو مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ الأوْلَوِيَّةِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو مُمْتَنِعٌ أيْضًا لِما تَقَدَّمَ.

الثّانِي أنَّهُ إذا كانَ المَسِيحُ مُشْتَمِلًا عَلى الأُقْنُومِ والنّاسُوتِ الحادِثِ، فَإمّا أنْ يَقُولُوا بِالِاتِّحادِ أوْ بِحُلُولِ الأُقْنُومِ في النّاسُوتِ أوْ حُلُولِ النّاسُوتِ في الأُقْنُومِ، أوْ أنَّهُ لا حُلُولَ لِأحَدِهِما في الآخَرِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو باطِلٌ بِما سَبَقَ في إبْطال الِاتِّحادِ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو باطِلٌ بِما يُبْطِلُ حُلُولَ الصِّفَةِ القَدِيمَةِ في غَيْرِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وحُلُولَ الحادِثِ في القَدِيمِ، وإنْ كانَ الثّالِثَ فَإمّا أنْ يُقالَ بِتَجاوُرِهِما واتِّصالِهِما أوْ لا، فَإنْ قِيلَ بِالأوَّلِ فَإمّا أنْ يُقالَ بِانْفِصالِ الأُقْنُومِ القَدِيمِ عَنِ الجَوْهَرِ الحادِثِ أوْ لا يُقالَ بِهِ، فَإنْ قِيلَ بِالِانْفِصالِ فَهو مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ ما يَدُلُّ عَلى إبْطال انْتِقالِ الصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ، الثّانِي أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ قِيامُ صِفَةٍ حالَ مُجاوَرَتِها لِلنّاسُوتِ بِنَفْسِها، وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَقِلْ بِانْفِصالِ الأُقْنُومِ عَنِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذاتُ الجَوْهَرِ القَدِيمِ مُتَّصِلَةً بِجَسَدِ المَسِيحِ ضَرُورَةَ اتِّصال أُقْنُومِها بِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ اتِّحادُ الأُقْنُومِ بِالنّاسُوتِ أوْلى مِنِ اتِّحادِ الجَوْهَرِ القَدِيمِ بِهِ، ولَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ، وإنْ لَمْ يَقُلْ بِتَجاوُرِهِما واتِّصالِهِما فَلا مَعْنى لِلِاتِّحادِ بِجَسَدِ المَسِيحِ، ولَيْسَ القَوْلُ بِالِاتِّحادِ مَعَ عَدَمِ الِاتِّصالِ بِجَسَدِ المَسِيحِ أوْلى مِنَ العَكْسِ.

وأمّا قَوْلُ مَن قالَ مِنهُمْ: إنَّ الإلَهَ واحِدٌ، وإنَّ المَسِيحَ وُلِدَ مِن مَرْيَمَ، وأنَّهُ عَبْدٌ صالِحٌ مَخْلُوقٌ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَّفَهُ بِتَسْمِيَتِهِ ابْنًا فَهو كَما يَقُولُ المُوَحِّدُونَ ولا خِلافَ مَعَهم في غَيْرِ إطْلاقِ اسْمِ الِابْنِ.

وأمّا قَوْلُ بَعْضِ اليَعْقُوبِيَّةِ: إنَّ الكَلِمَةَ انْقَلَبَتْ لَحْمًا ودَمًا، وصارَ الإلَهُ هو المَسِيحَ فَهو أظْهَرُ بُطْلانًا مِمّا تَقَدَّمَ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ لَوْ جازَ انْقِلابُ الأُقْنُومِ لَحْمًا ودَمًا مَعَ اخْتِلافِ حَقِيقَتِهِما لَجازَ انْقِلابُ المُسْتَحِيلِ مُمْكِنًا، والمُمْكِنِ مُسْتَحِيلًا، والواجِبِ مُمْكِنًا أوْ مُمْتَنِعًا، والمُمْكِنِ أوِ المُمْتَنِعِ واجِبًا، ولَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ وُثُوقٌ بِشَيْءٍ مِنَ القَضايا البَدِيهِيَّةِ، ولِجازَ انْقِلابُ الجَوْهَرِ عَرَضًا والعَرَضِ جَوْهَرًا، واللَّحْمِ والدَّمِ أُقْنُومًا، والأُقْنُومِ ذاتًا، والذّاتِ أُقْنُومًا، والقَدِيمِ حادِثًا، والحادِثِ قَدِيمًا، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ.

الثّانِي أنَّهُ لَوِ انْقَلَبَ الأُقْنُومُ لَحْمًا ودَمًا فَإمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنَ الدَّمِ واللَّحْمِ اللَّذَيْنِ كانا لِلْمَسِيحِ أوْ زائِدًا عَلَيْهِ مُنْضَمًّا إلَيْهِ، والأوَّلُ ظاهِرُ الفَسادِ، والثّانِي لَمْ يَقُولُوا بِهِ.

وأمّا ما نُقِلَ عَنْ يُوحَنّا مِن قَوْلِهِ: في البَدْءِ كانَتِ الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ هو الكَلِمَةُ، فَهو مِمّا انْفَرَدَ بِهِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَيْءٍ مِنَ الأناجِيلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ كَذِبٌ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ: الدِّينارُ عِنْدَ صَيْرَفِيٍّ، والصَّيْرَفِيُّ هو الدِّينارُ، ولا يَكادُ يَتَفَوَّهُ بِهِ عاقِلٌ، وكَذا قَوْلُهُ: إنَّ الكَلِمَةَ صارَتْ جَسَدًا وحَلَّتْ فِينا غَيْرُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ، وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يَحْتَمِلُ التَّقْدِيمَ والتَّأْخِيرَ أيْ: إنَّ الجَسَدَ الَّذِي صارَ بِالتَّسْمِيَةِ كَلِمَةً حَلَّ فِينا، وعَنى بِذَلِكَ الجَسَدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى بُطْرُسَ كَبِيرِ التَّلامِيذِ، ووَصِيِّ المَسِيحِ، فَإنَّهُ أقامَ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَدْبِيرِ دِينِهِ، وكانَتِ النَّصارى تَفْزَعُ إلَيْهِ عَلى ما تَشْهَدُ بِهِ كُتُبُهُمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ ذَهَبَتِ الكَلِمَةُ أيْ: عِيسى الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ مِن بَيْنِنا فَإنَّها لَمْ تَذْهَبْ حَتّى صارَتْ جَسَدًا وحَلَّ فِينا، يُرِيدُ أنَّ تَدْبِيرَها حاضِرٌ في جَسَدٍ بَيْنَنا، وهو بُطْرُسُ.

ومِنَ النّاسِ مَن خَرَّجَ كَلامَهُ عَلى إسْقاطِ هَمْزَةِ الإنْكارِ عِنْدَ إخْراجِهِ مِنَ العِبْرانِيِّ إلى اللِّسانِ العَرَبِيِّ، والمُرادُ: أصارَتْ، وفِيهِ بُعْدٌ.

ومِنَ العَجَبِ العَجِيبِ أنَّ يُوحَنّا ذَكَرَ أنَّ المَسِيحَ قالَ لِتَلامِيذِهِ: إنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدِي وتَشْرَبُوا دَمِي فَلا حَياةَ لَكم بَعْدِي؛ لِأنَّ جَسَدِي مَأْكَلُ حَقٍّ، ودَمِي مَشْرَبُ حَقٍّ، ومَن يَأْكُلْ جَسَدِي ويَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وأثْبُتْ فِيهِ، فَلَمّا سَمِعَ تَلامِيذُهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ قالُوا: ما أصْعَبَها!

مَن يُطِيقُ سَماعَها؟!

فَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنهم عَنْ صُحْبَتِهِ، فَإنَّ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الكَلِمَةُ، والكَلِمَةُ صارَتْ جَسَدًا في غايَةِ الإشْكالِ؛ إذْ فِيهِ أمْرُ الحادِثِ بِأكْلِ اللَّهِ تَعالى القَدِيمِ الأزَلِيِّ وشُرْبِهِ، والحَقُّ أنَّ شَيْئًا مِنَ الكَلامَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ، فَلا نَتَحَمَّلُ مُؤْنَةَ التَّأْوِيلِ.

وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللّاهُوتَ ظَهَرَ بِالنّاسُوتِ فَصارَ هو هُوَ، فَإمّا أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّ اللّاهُوتَ صارَ عَيْنَ النّاسُوتِ كَما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُمْ: صارَ هو هُوَ، فَيَرْجِعُ إلى تَجْوِيزِ انْقِلابِ الحَقائِقِ، وهو مُحالٌ كَما عَلِمْتَ، وإمّا أنْ يُرِيدُوا بِهِ أنَّ اللّاهُوتَ اتَّصَفَ بِالنّاسُوتِ فَهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِما ثَبَتَ مِنِ امْتِناعِ حُلُولِ الحادِثِ بِالقَدِيمِ، أوْ أنَّ النّاسُوتَ اتَّصَفَ بِاللّاهُوتِ وهو أيْضًا مُحالٌ؛ لِامْتِناعِ حُلُولِ القَدِيمِ بِالحادِثِ.

وأمّا مَن قالَ مِنهُمْ: بِأنَّ جَوْهَرَ الإلَهِ القَدِيمِ وجَوْهَرَ الإنْسانِ المُحْدَثِ تَرَكَّبا وصارا جَوْهَرًا واحِدًا هو المَسِيحُ فَباطِلٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ ما ذُكِرَ مِن إبْطالِ الِاتِّحادِ.

الثّانِي أنَّهُ لَيْسَ جَعْلُ النّاسُوتِ لاهُوتًا بِتَرَكُّبِهِ مَعَ اللّاهُوتِ أوْلى مِن جَعْلِ اللّاهُوتِ ناسُوتًا مِن جِهَةِ تَرَكُّبِهِ مَعَ النّاسُوتِ، ولَمْ يَقُولُوا بِهِ، وأمّا جَوْهَرُ الفَحْمَةِ إذا أُلْقِيَتْ في النّارِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ صارَ بِعَيْنِهِ جَوْهَرَ النّارِ، بَلْ صارَ مُجاوِرًا لِجَوْهَرِ النّارِ، وغايَتُهُ أنَّ بَعْضَ صِفاتِ جَوْهَرِ الفَحْمَةِ وأعْراضِها بَطَلَتْ بِمُجاوَرَةِ جَوْهَرِ النّارِ، أمّا أنَّ جَوْهَرَ أحَدِهِما صارَ جَوْهَرَ الآخَرِ فَلا.

وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الِاتِّحادَ بِالنّاسُوتِ الجُزْئِيِّ دُونَ الكُلِّيِّ فَمُحالٌ لِأدِلَّةِ إبْطالِ الِاتِّحادِ وحُلُولِ القَدِيمِ بِالحادِثِ، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلَهُمْ: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا، وقَوْلُهُمُ: القَتْلُ وقَعَ عَلى اللّاهُوتِ والنّاسُوتِ مَعًا عَلى أنَّهُ يُوجِبُ مَوْتَ الإلَهِ وهو بَدِيهِيُّ البُطْلانِ.

وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَسِيحَ مَعَ اتِّحادِ جَوْهَرِهِ قَدِيمٌ مِن وجْهٍ، مُحْدَثٌ مِن وجْهٍ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ جَوْهَرُ المَسِيحِ مُتَّحِدًا لا كَثْرَةَ فِيهِ فالحُدُوثُ إمّا أنْ يَكُونَ لِعَيْنِ ما قِيلَ بِقِدَمِهِ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو مُحالٌ، وإلّا لَكانَ الشَّيْءُ الواحِدُ قَدِيمًا لا أوَّلَ لَهُ، حادِثًا لَهُ أوَّلُ وهو مُتَناقِضٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو خِلافُ المَفْرُوضِ.

وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ مَرَّتْ بِمَرْيَمَ كَمُرُورِ الماءِ في المِيزابِ فَيَلْزَمُ مِنهُ انْتِقالُ الكَلِمَةِ، وهو مُمْتَنِعٌ كَما لا يَخْفى، وبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الكَلِمَةَ كانَتْ تَدْخُلُ جَسَدَ المَسِيحِ تارَةً وتُفارِقُهُ أُخْرى.

وقَوْلُهُمْ: إنَّ ما ظَهَرَ مِن صُورَةِ المَسِيحِ في النّاسُوتِ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا بَلْ خَيالًا كالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ في المِرْآةِ باطِلٌ؛ لِأنَّ مِن أصْلِهِمْ أنَّ المَسِيحَ إنَّما أحْيا المَيِّتَ وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِما فِيهِ مِنَ اللّاهُوتِ، فَإذًا كانَ ما ظَهَرَ فِيهِ مِنَ اللّاهُوتِ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هو خَيالٌ مَحْضٌ لا يَصْلُحُ لِحُدُوثِ ما حَدَثَ عَنِ الإلَهِ عَنْهُ.

والقَوْلُ بِأنَّ أُقْنُومَ الحَياةِ مَخْلُوقٌ حادِثٌ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى قِدَمِ الصِّفاتِ، فَهو قَدِيمٌ أزَلِيٌّ كَيْفَ وأنَّهُ لَوْ كانَ حادِثًا لَكانَ الإلَهُ قَبْلَهُ غَيْرَ حَيٍّ؟!

ومَن لَيْسَ بِحَيٍّ لا يَكُونُ عالِمًا ولا ناطِقًا.

وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَسِيحَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ العالَمِ وهو خالِقٌ لِكُلِّ شَيْءٍ باطِلٌ؛ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ كانَ اللَّهُ تَعالى ولا شَيْءَ غَيْرُهُ.

وأمّا الأمانَةُ الَّتِي هم بِها مُتَقَرِّبُونَ وبِما حَوَتْهُ مُتَعَبِّدُونَ فَبَيانُ اضْطِرابِها وتَناقُضِها وتَهافُتِها مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ أنَّ قَوْلَهُمْ: نُؤْمِنُ بِالواحِدِ الأبِ صانِعِ كُلِّ شَيْءٍ يُناقِضُ قَوْلَهُمْ: وبِالرَّبِّ الواحِدِ المَسِيحِ إلَخْ، مُناقِضَةً لا تَكادُ تَخْفى.

الثّانِي أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ تَعالى بِكْرُ الخَلائِقِ مُشْعِرٌ بِحُدُوثِ المَسِيحِ؛ إذْ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ ابْنَهُ إلّا تَأخُّرُهُ عَنْهُ، إذِ الوالِدُ والوَلَدُ لا يَكُونانِ مَعًا في الوُجُودِ، وكَوْنُهُما مَعًا مُسْتَحِيلٌ بِبَداهَةِ العُقُولِ؛ لِأنَّ الأبَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ ولَدَ ولَدًا لَمْ يَزَلْ أوْ لَمْ يَكُنْ، فَإنْ قالُوا: ولَدَ ولَدًا لَمْ يَزَلْ، قُلْنا: فَما ولَدَ شَيْئًا، إذِ الِابْنُ لَمْ يَزَلْ، وإنْ ولَدَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فالوَلَدُ حادِثٌ مَخْلُوقٌ، وذَلِكَ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِهِمْ: إلَهٌ حَقٌّ، مِن إلَهٍ حَقٍّ، مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، وأنَّهُ أتْقَنَ العَوالِمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

الثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إلَهٌ حَقٌّ مِن إلَهٍ حَقٍّ مِن جَوْهَرِ أبِيهِ يُناقِضُهُ قَوْلُ المَسِيحِ في الإنْجِيلِ - وقَدْ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ - فَقالَ: لا أعْرِفُهُ ولا يَعْرِفُهُ إلّا الأبُ وحْدَهُ، فَلَوْ كانَ مِن جَوْهَرِ الأبِ لَعَلِمَ ما يَعْلَمُهُ الأبُ، عَلى أنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَكُونَ إلَهٌ ثانٍ مِن إلَهٍ أوَّلَ لَجازَ أنْ يَكُونَ إلَهٌ ثالِثٌ مِن إلَهٍ ثانٍ، ولَما وقَفَ الأمْرُ عَلى غايَةٍ، وهو مِحالٌ.

الرّابِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ أتْقَنَ العَوالِمَ بِيَدِهِ، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ باطِلٌ مُكَذِّبٌ لِما في الإنْجِيلِ؛ إذْ يَقُولُ مَتّى: هَذا مَوْلِدُ يَسُوعَ المَسِيحِ بْنِ داوُدَ، وأيْضًا خالِقُ العالَمِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ سابِقًا عَلَيْهِ، وأنّى بِسَبْقِ المَسِيحِ وقَدْ ولَدَتْهُ مَرْيَمُ ؟!

وأيْضًا في الإنْجِيلِ: إنَّ إبْلِيسَ قالَ لِلْمَسِيحِ: اسْجُدْ لِي وأُعْطِيَكَ جَمِيعَ العالَمِ، وأُمَلِّكَكَ كُلَّ شَيْءٍ، ولا زالَ يَسْحَبُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ، ويَطْمَعُ في تَعَبُّدِهِ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ خالِقُ العالَمِ مَحْصُورًا في يَدِ بَعْضِ العالَمِ؟!

نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الضَّلالَةِ.

الخامِسُ أنَّ قَوْلَهُمُ: المَسِيحُ الإلَهُ الحَقُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لِخَلاصِ النّاسِ، وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ وصارَ إنْسانًا وحُبِلَ بِهِ ووُلِدَ فِيهِ عِدَّةُ مَفاسِدَ: مِنها أنَّ المَسِيحَ لا يَخُصُّ مُجَرَّدَ الكَلِمَةِ ولا مُجَرَّدَ الجَسَدِ، بَلْ هو اسْمٌ يَخُصُّ هَذا الجَسَدَ الَّذِي ولَدَتْهُ مَرْيَمُ - عَلَيْها السَّلامُ - ولَمْ تَكُنِ الكَلِمَةُ في الأزَلِ مَسِيحًا، فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ هو الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ.

ومِنها أنَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الكَلِمَةَ أوِ النّاسُوتَ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّ الَّذِي نَزَلَ هو النّاسُوتُ فَكَذِبٌ صُراحٌ؛ لِأنَّ ناسُوتَهُ مِن مَرْيَمَ، وإنْ زَعَمُوا أنَّهُ اللّاهُوتُ فَيُقالُ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الذّاتَ أوِ العِلْمَ المُعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ لُحُوقُ النَّقائِصِ لِلْبارِي عَزَّ اسْمُهُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ لَزِمَ انْتِقالُ الصِّفَةِ وبَقاءُ البارِي بِلا عِلْمٍ، وذَلِكَ باطِلٌ.

ومِنها أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّما نَزَلَ لِخَلاصِ مَعْشَرِ النّاسِ يُرِيدُونَ بِهِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَصى أوْثَقَ سائِرَ ذُرِّيَّتِهِ في حِبالَةِ الشَّيْطانِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الخُلُودَ في النّارِ، فَكانَ خَلاصُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ وصَلْبِهِ والتَّنْكِيلِ بِهِ، وذَلِكَ دَعْوى لا دَلالَةَ عَلَيْها، هَبْ أنّا سَلَّمْناها لَهُمْ، لَكِنْ يُقالُ: أخْبِرُونا مِمَّ هَذا الخَلاصُ الَّذِي تَعَنّى الإلَهُ الأزَلِيُّ لَهُ؟

وفَعَلَ ما فَعَلَ بِنَفْسِهِ لِأجْلِهِ؟

ولِمَ خَلَّصَكُمْ؟

ومِمَّنْ خَلَّصَكُمْ؟

وكَيْفَ اسْتَقَلَّ بِخَلاصِكم دُونَ الأبِ والرُّوحِ، والرُّبُوبِيَّةُ بَيْنَهُمْ؟!

وكَيْفَ ابْتُذِلَ وامْتُهِنَ في خَلاصِكم دُونَ الأبِ والرُّوحِ؟!

فَإنْ زَعَمُوا أنَّ الخَلاصَ مِن تَكالِيفِ الدُّنْيا وهُمُومِها أكْذَبَهُمُ الحِسُّ، وإنْ كانَ مِن تَكالِيفِ الشَّرْعِ وأنَّهم قَدْ حُطَّ عَنْهُمُ الصَّلاةُ والصَّوْمُ مَثَلًا أكْذَبَهُمُ المَسِيحُ والحَوارِيُّونَ بِما وضَعُوهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ، وإنْ زَعَمُوا أنَّهم قَدْ خَلَصُوا مِن أحْكامِ الدّارِ الآخِرَةِ فَمَنِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا مِنهم لَمْ يُؤاخَذْ أكْذَبَهُمُ الإنْجِيلُ والنُّبُوّاتُ؛ إذْ يَقُولُ المَسِيحُ في الإنْجِيلِ: إنِّي أُقِيمُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ يَمِينِي وشِمالِي فَأقُولُ لِأهْلِ اليَمِينِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا فاذْهَبُوا إلى النَّعِيمِ المُعَدِّ لَكم قَبْلَ تَأْسِيسِ الدُّنْيا، وأقُولُ لِأهْلِ الشِّمالِ: فَعَلْتُمْ كَذا وكَذا، فاذْهَبُوا إلى العَذابِ المُعَدِّ لَكم قَبْلَ تَأْسِيسِ العالَمِ.

السّادِسُ أنَّ قَوْلَهُمْ: وتَجَسَّدَ مِن رُوحِ القُدُسِ باطِلٌ بِنَصِّ الإنْجِيلِ؛ إذْ يَقُولُ مَتّى في الفَصْلِ الثّانِي مِنهُ: إنَّ يُوحَنّا المَعْمَدانِيَّ حِينَ عَمَّدَ المَسِيحَ جاءَتْ رُوحُ القُدُسِ إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ في صِفَةِ حَمامَةٍ، وذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثِينَ مِن عُمُرِهِ.

السّابِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ المَسِيحَ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وحَمَلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وسَكَنَ في رَحِمَها مُكَذَّبٌ بِقَوْلِ لُوقا الإنْجِيلِيِّ إذْ يَقُولُ في قَصَصِ الحَوارِيِّينَ في الفَصْلِ الرّابِعَ عَشَرَ مِنهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى هو خالِقُ العالَمِ بِما فِيهِ، وهو رَبُّ السَّماءِ والأرْضِ، لا يَسْكُنُ الهَياكِلَ، ولا تَنالُهُ أيْدِي الرِّجالِ، ولا يَحْتاجُ إلى أيِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي أعْطى النّاسَ الحَياةَ، فَوُجُودُنا بِهِ وحَياتُنا وحَرَكاتُنا مِنهُ، فَقَدْ شَهِدَ لُوقا بِأنَّ البارِيَ وصِفاتِهِ لا تَسْكُنُ الهَياكِلَ ولا تَنالُهُ الرِّجالُ بِأيْدِيها، وهَذا يُنافِي كَوْنَ الكَلِمَةِ سَكَنَتْ في هَيْكَلِ مَرْيَمَ، وتَحَوَّلَتْ إلى هَيْكَلِ المَسِيحِ.

الثّامِنُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ قُتِلَ وصُلِبَ قامَ مِن بَيْنِ الأمْواتِ وصَعِدَ إلى السَّماءِ، وجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أبِيهِ مِنَ الكَذِبِ الفاحِشِ المُسْتَلْزِمِ لِلْحُدُوثِ.

التّاسِعُ أنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ يَسُوعَ هَذا الرَّبُّ الَّذِي صُلِبَ وقُتِلَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تارَةً أُخْرى لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ: لَألْفَيَنَّكَ بَعْدَ المَوْتِ تَنْدُبُنِي وفي حَياتِي ما زَوَّدْتَنِي زادا إذْ زَعَمُوا أنَّهُ في المَرَّةِ الأُولى عَجَزَ عَنْ خَلاصِ نَفْسِهِ حَتّى تَمَّ عَلَيْهِ مِن أعْدائِهِ ما تَمَّ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلى خَلاصِهِمْ بِجُمْلَتِهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.

العاشِرُ أنَّ قَوْلَهُمْ: ونُؤْمِنُ بِمَعْمُودِيَّةٍ واحِدَةٍ لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ فِيهِ مُناقَضَةٌ لِأُصُولِهِمْ؛ وذَلِكَ أنَّ اعْتِقادَ النَّصارى أنَّهُ لَمْ تُغْفَرْ خَطاياهم بِدُونِ قَتْلِ المَسِيحِ ولِذَلِكَ سَمَّوْهُ جَمَلَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ الخَطايا، ودَعَوْهُ مُخَلِّصَ العالَمِ مِنَ الخَطِيئَةِ، فَإذا آمَنُوا بِأنَّ المَعْمُودِيَّةَ الواحِدَةَ هي الَّتِي تَغْفِرُ خَطاياهم وتُخَلِّصُ مِن ذُنُوبِهِمْ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى قَتْلِ المَسِيحِ لِاسْتِقْلالِ المَعْمُودِيَّةِ بِالخَلاصِ والمَغْفِرَةِ، فَإنْ كانَ التَّعْمِيدُ كافِيًا لِلْمَغْفِرَةِ فَقَدِ اعْتَرَفُوا أنَّ وُقُوعَ القَتْلِ عَبَثٌ، وإنْ كانَتْ لا تَحْصُلُ إلّا بِقَتْلِهِ فَما فائِدَةُ التَّعْمِيدِ، وما هَذا الإيمانُ؟!

فَهَذِهِ عَشَرَةُ وُجُوهٍ كامِلَةٍ في رَدِّ تِلْكَ الأمانَةِ، وإظْهارِ ما لَهم فِيها مِنَ الخِيانَةِ، ومَن أمْعَنَ نَظَرَهُ رَدَّها بِأضْعافِ ذَلِكَ، وقالَ أبُو الفَضْلِ المالِكِيُّ بَعْدَ كَلامٍ: بَطَلَتْ أمانَتُهم فَمِن مَضْمُونِها ∗∗∗ ظَهَرَتْ خِيانَتُها خِلالَ سُطُورِها بَدَأُوا بِتَوْحِيدِ الإلَهِ وأشْرَكُوا ∗∗∗ عِيسى بِهِ فالخُلْفُ في تَعْبِيرِها قالُوا بِأنَّ إلَهَهم عِيسى الَّذِي ∗∗∗ ذَرَّ الوُجُودَ عَلى الخَلِيقَةِ كُلِّها خَلَقَ أُمَّهُ قَبْلَ الحُلُولِ بِبَطْنِها ∗∗∗ ما كانَ أغْنى ذاتِهِ عَنْ مِثْلِها هَلْ كانَ مُحْتاجًا لِشُرْبِ لِبانِها ∗∗∗ أوْ أنْ يُرَبّى في مَواطِنِ حِجْرِها جَعَلُوهُ رَبًّا جَوْهَرًا مِن جَوْهَرٍ ∗∗∗ ذَهَبُوا لِما لا يَرْتَضِيهِ أُولُو النُّهى قالُوا وجاءَ مِنَ السَّماءِ عِنايَةً ∗∗∗ لِخَلاصِ آدَمَ مِن لَظاهُ وحَرِّها قَدْ تابَ آدَمُ تَوْبَةً مَقْبُولَةَ ∗∗∗ فَضَلالُهم جَعَلَ الفِداءَ بِغَيْرِها لَوْ جاءَ في ظُلَلِ الغَمامِ وحَوْلَهُ ∗∗∗ شَرَفًا مَلائِكَةُ السَّماءِ بِأسْرِها وفَدى الَّذِي بِيَدَيْهِ أحْكَمَ طِينَهُ ∗∗∗ بِالعَفْوِ عَنْ كُلِّ الأُمُورِ وسَتْرِها ثُمَّ اجْتَباهُ مُحَبَّبًا ومُفَضَّلًا ∗∗∗ ووَقاهُ مِن غَيِّ النُّفُوسِ وشَرِّها كُنْتُمْ تُحِلُّونَ الإلَهَ مَقامَهُ ∗∗∗ فِيما تَراهُ نُفُوسُكم مِن شِرْكِها مِن غَيْرِ أنْ يَحْتاجَ في تَخْلِيصِهِ ∗∗∗ كُلُّ الخَلائِقِ أنْ تَبُوءَ بِضُرِّها ويُشِينُهُ الأعْدا بِما لا يَرْتَضِي ∗∗∗ مِن كَيْدِها وبِما دَهى مِن مَكْرِها هَذِي أمانَتُهم وهَذا شَرْحُها ∗∗∗ اللَّهُ أكْبَرُ مِن مَعانِي كُفْرِها ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لِلنَّصارى القائِلِينَ بِالتَّثْلِيثِ بِما رُوِيَ عَنْ مَتّى التِّلْمِيذِ أنَّهُ قالَ: إنَّ المَسِيحَ عِنْدَما ودَّعَهم قالَ: اذْهَبُوا وعَمِّدُوا الأُمَمَ بِاسْمِ الرَّبِّ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ، ومِن هُنا جَعَلُوا مُفْتَتَحَ الإنْجِيلِ ذَلِكَ، كَما أنَّ مُفْتَتَحَ القُرْآنِ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضٍ مِنّا أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ كالبَسْمَلَةِ عِنْدَنا؛ لِأنّا نَقُولُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ - ودُونَها خَرْطُ القَتادِ -: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأبِ المَبْدَأُ؛ فَإنَّ القُدَماءَ كانُوا يُسَمُّونَ المَبادِيَ بِالآباءِ، ومِنَ الِابْنِ الرَّسُولُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا وإكْرَمًا كَما سُمِّيَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيلًا، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهم يُسَمُّونَ الآثارَ أبْناءً، وقَدْ رَوَوْا عَنِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمْ، وقالَ: لا تُعْطُوا صَدَقاتِكم قُدّامَ النّاسِ لِتُراءُوهُمْ؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ لَكم أجْرٌ عِنْدَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماءِ.

ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الِابْنَ بِمَعْنى الحَبِيبِ أوْ نَحْوِهِ، ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما رَوَوْهُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ عَقِيبَ وصِيَّةٍ وصّى بِها الحَوارِيِّينَ: لِكَيْ تَكُونُوا أبْناءَ أبِيكُمُ الَّذِي في السَّماءِ وتَكُونُوا تامِّينَ كَما أنَّ أباكُمُ الَّذِي في السَّماءِ تامٌّ، ويُرادُ بِرُوحِ القُدُسِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَعْنى عَمِّدُوا بِبَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والمَلَكِ المُؤَيِّدِ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى تَبْلِيغِ أوامِرِ رَبِّهِمْ.

وفِي كَشْفِ الغَيْنِ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ البَسْمَلَتَيْنِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الغَنِيِّ النّابُلُسِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ بَسْمَلَةَ النَّصارى مُشِيرَةٌ إلى ثَلاثِ حَضَراتٍ لِلْأمْرِ الإلَهِيِّ الواحِدِ الأحَدِ الغَيْبِ المُطْلَقِ، فالأبُ إشارَةٌ إلى الرُّوحِ الَّذِي هو أوَّلُ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى، كَما في الخَبَرِ، وهو المُسَمّى بِالعَقْلِ والقَلَمِ والحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى فَيُقالُ: رُوحُ اللَّهِ تَعالى؛ لِلتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ، كَناقَةِ اللَّهِ تَعالى، ورُوحُ القُدُسِ إشارَةً إلَيْهِ أيْضًا، بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ بِصُورَةِ البَشَرِ السَّوِيِّ النّافِخِ في دِرْعِ مَرْيَمَ، عَلَيْها السَّلامُ.

والِابْنُ إشارَةٌ إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ابْنٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ بِاعْتِبارِ أنَّ تَكَوُّنَهُ بِسَبَبِ نَفْخِهِ.

والأبُ هو الِابْنُ، والِابْنُ هو رُوحُ القُدُسِ في الحَقِيقَةِ، والغَيْبُ المُطْلَقُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنِ الثَّلاثَةِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مِن حَيْثُ هو لا شَيْءَ مَعَهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ، فَبَسْمَلَةُ الإنْجِيلِ مِن مَقامِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ والأسْماءِ الرَّبّانِيَّةِ لا مِن مَقامِ الذّاتِ الأقْدَسِيَّةِ.

ثُمَّ لا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أنَّ كَلِماتِ سادَتِنا الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم - تُدَنْدِنُ حَوْلَ كَلِماتِ النَّصارى، كَما يَزْعُمُهُ مَن لا اطِّلاعَ لَهُ عَلى تَحْقِيقِ كَلامِهِمْ ولا ذَوْقَ لَهُ في مَشْرَبِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ - نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ - مُبَرَّءُونَ عَمّا نَسَبَهُ المَحْجُوبُونَ إلَيْهِمْ مِنِ اعْتِقادِ التَّجْسِيمِ والعَيْنِيَّةِ والِاتِّحادِ والحُلُولِ.

أمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالتَّجْسِيمِ فَلِما تَقَرَّرَ عِنْدَهم مِن أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ هو الوُجُودُ المَحْضُ، المَوْجُودُ بِذاتِهِ، القائِمُ بِذاتِهِ، المُتَعَيِّنُ بِذاتِهِ، وكُلُّ جِسْمٍ فَهو صُورَةٌ في الوُجُودِ المُنْبَسِطِ عَلى الحَقائِقِ، المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالعَماءِ، مُتَعَيِّنَةٌ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِ ماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ ولا شَيْءَ مِنَ الوُجُودِ المُجَرَّدِ مِنَ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ بِالصُّورَةِ المُتَعَيَّنَةِ في الوُجُودِ المُنْبَسِطِ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ فَلا شَيْءَ مِنَ الجِسْمِ بِالوُجُودِ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ، وتَنْعَكِسُ إلى لا شَيْءَ مِنَ الوُجُودِ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ وهو المَطْلُوبُ.

وأمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالعَيْنِيَّةِ؛ فَلِأنَّ الحَقَّ تَعالى هو ما عَلِمْتَ مِنَ الوُجُودِ المَحْضِ إلَخْ، والمَخْلُوقُ هو الصُّورَةُ الظّاهِرَةُ في الوُجُودِ، المُنْبَسِطُ عَلى الحَقائِقِ، المُتَعَيَّنُ بِحَسَبِ ماهِيَّتِهِ المَعْدُومَةِ، ولا شَيْءَ مِنَ المُجَرَّدِ عَنِ الماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ بِالمُقْتَرِنِ بِالماهِيَّةِ المُتَعَيَّنِ بِحَسَبِها، ومِمّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في البابِ الثّامِنِ والخَمْسِينَ وخَمْسِمِائَةِ مِنَ الفُتُوحاتِ في حَضْرَةِ البَدِيعِ بَعْدَ بَسْطٍ: وهَذا يَدُلُّكَ عَلى أنَّ العالَمَ ما هو عَيْنُ الحَقِّ، وإنَّما ظَهَرَ في الوُجُودِ الحَقِّ، إذْ لَوْ كانَ عَيْنَ الحَقِّ ما صَحَّ كَوْنُهُ بَدِيعًا.

وقَوْلُهُ في هَذا البابِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ انْفَرَدَ سُبْحانَهُ بِعِلْمِها ونَفى العِلْمَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَأثْبَتَكَ في هَذِهِ الآيَةِ وأعْلَمَكَ أنَّكَ لَسْتَ هُوَ؛ إذْ لَوْ كُنْتَ هو لَعَلِمْتَ مَفاتِحَ الغَيْبِ بِذاتِكَ وما لا تَعْلَمُهُ إلّا بِمَوْقِفٍ فَلَسْتَ عَيْنَ المَوْقِفِ، وكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ إسْماعِيلُ بْنُ سُودِكِينَ في شَرْحِ التَّجَلِّياتِ نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ أيْضًا: لَمّا ظَهَرَتِ المُمَكَّناتُ بِإظْهارِ اللَّهِ تَعالى لَها وتَحَقَّقَ ذَلِكَ تَحَقُّقًا لا يُمْكِنُ لِلْمُمَكَّنِ أنْ يُزِيلَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ أبَدًا فَبَقِيَ مُتَواضِعًا لِكِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى خاشِعًا لَهُ، وهَذِهِ سَجْدَةُ الأبَدِ، وهي عِبارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ العَبْدِ بِحَقِيقَتِهِ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ««كُنْتُ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ»» الحَدِيثَ، ولَمّا لاحَ مِن هَذا المَشْهَدِ لِبَعْضِ الضُّعَفاءِ لائِحٌ قالَ: أنا الحَقُّ، فَسَكِرَ وصاحَ، ولَمْ يَتَحَقَّقْ لِغَيْبَتِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، انْتَهى.

وأمّا أنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالِاتِّحادِ؛ فَلِأنَّ الِاتِّحادَ إمّا بِصَيْرُورَةِ الوُجُودِ المَحْضِ المُجَرَّدِ المُتَعَيَّنِ بِذاتِهِ وجُودًا مُقْتَرِنًا بِالماهِيَّةِ المَعْدُومَةِ مُتَعَيَّنًا بِحَسَبِها أوْ بِالعَكْسِ، وذَلِكَ مُحالٌ بِوَجْهَيْهِ؛ لِأنَّ التَّجَرُّدَ عَنِ الماهِيَّةِ ذاتِيٌّ لِلْحَقِّ تَعالى، والِاقْتِرانَ بِها ذاتِيٌّ لِلْمُمَكَّنِ، وما بِالذّاتِ لا يَزُولُ.

وفِي كِتابِ المَعْرِفَةِ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ: إذا كانَ الِاتِّحادُ مُصَيِّرَ الذّاتَيْنِ واحِدَةً فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ عَيْنُ كُلٍّ مِنهُما مَوْجُودًا في حالِ الِاتِّحادِ فَهُما ذاتانِ، وإنْ عُدِمَتِ العَيْنُ الواحِدَةُ وثَبَتَتِ الأُخْرى فَلَيْسَتْ إلّا واحِدَةً.

وقالَ في كِتابِ الياءِ - وهو كِتابُ الهَوِّ -: الِاتِّحادُ مُحالٌ، وساقَ الكَلامَ، إلى أنْ قالَ: فَلا اتِّحادَ البَتَّةَ لا مِن طَرِيقِ المَعْنى، ولا مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ.

وقالَ في البابِ الخامِسِ مِنَ الفُتُوحاتِ خِطابًا مِنَ الحَقِّ تَعالى لِلرُّوحِ الكُلِّيِّ: وقَدْ حَجَبْتُكِ عَنْ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ إمْدادِي لَكِ بِالأسْرارِ الإلَهِيَّةِ إذْ لا طاقَةَ لَكِ بِحَمْلِ مُشاهَدَتِها، إذْ لَوْ عَرَفْتِها لا تَحْدُثُ الإنْيَةُ واتِّحادُ الإنْيَةِ مُحالٌ، فَمُشاهَدَتُكِ لِذَلِكَ مُحالٌ، هَلْ تَرْجِعُ إنْيَةُ المُرَكَّبِ إنْيَةَ البَسِيطِ، لا سَبِيلَ إلى قَلْبِ الحَقائِقِ.

وأمّا إنَّهم لَمْ يَقُولُوا بِالحُلُولِ؛ فَلِأنَّهم فَسَّرُوا الحُلُولَ تارَةً بِأنَّهُ الحُصُولُ عَلى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، وتارَةً بِأنَّهُ كَوْنُ المَوْجُودِ في مَحَلٍّ قائِمًا بِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الواجِبَ تَعالى - وهو الوُجُودُ المَحْضُ القائِمُ بِذاتِهِ المُتَعَيَّنُ كَذَلِكَ - يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ القِيامُ بِغَيْرِهِ.

قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الثّانِي والتِّسْعِينَ ومِائَتَيْنِ مِنَ الفُتُوحاتِ: نُورُ الشَّمْسِ إذا تَجَلّى في البَدْرِ يُعْطِي مِنَ الحِكَمِ ما لا يُعْطِيهِ مِنَ الحِكَمِ بِغَيْرِ البَدْرِ لا شَكَّ في ذَلِكَ، كَذَلِكَ الِاقْتِدارُ الإلَهِيُّ إذا تَجَلّى في العَبْدِ يُظْهِرُ الأفْعالَ عَنِ الخَلْقِ، فَهو وإنْ كانَ بِالِاقْتِدارِ الإلَهِيِّ لَكِنْ يَخْتَلِفُ الحُكْمُ؛ لِأنَّهُ بِواسِطَةِ هَذا المُجَلّى الَّذِي كانَ مِثْلَ المِرْآةِ لِتَجَلِّيهِ، وكَما يُعْلَمُ عَقْلًا أنَّ القَمَرَ في نَفْسِهِ لَيْسَ فِيهِ مِن نُورِ الشَّمْسِ شَيْءٌ، وأنَّ الشَّمْسَ ما انْتَقَلَتْ إلَيْها بِذاتِها وإنَّما كانَ لَها مُجَلًّى، كَذَلِكَ العَبْدُ لَيْسَ فِيهِ مِن خالِقِهِ شَيْءٌ ولا حَلَّ فِيهِ، وإنَّما هو مُجَلًّى لَهُ وخاصَّةٌ ومَظْهَرٌ لَهُ، انْتَهى.

وهَذا نَصٌّ في نَفْيِ الحُلُولِ، ومَنشَأُ غَلَطِ المَحْجُوبِينَ المُنْكِرِينَ عَدَمُ الفَهْمِ لِكَلامِ هَؤُلاءِ السّادَةِ - نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ - عَلى وجْهِهِ، وعَدَمُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحُلُولِ والتَّجَلِّي، ولَمْ يَعْمَلُوا أنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُجَلّى لِشَيْءٍ لَيْسَ كَوْنَهُ مُحِلًّا لَهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ في المِرْآةِ خارِجٌ عَنِ المِرْآةِ بِذاتِهِ قَطْعًا بِخِلافِ الحالِّ في مَحَلٍّ فَإنَّهُ حاصِلٌ فِيهِ، فالظُّهُورُ غَيْرُ الحُلُولِ فَإنَّ الظُّهُورَ في المَظاهِرِ لِلْواسِعِ القُدُّوسِ يُجامِعُ التَّنْزِيهَ بِخِلافِ الحُلُولِ، نَعَمْ، وقَعَ في كَلامِهِمُ التَّعْبِيرُ بِالحُلُولِ، ومُرادُهم بِهِ الظُّهُورَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يا قِبْلَتِي قابِلِينِي بِالسُّجُودِ فَقَدْ ∗∗∗ رَأيْتُ شَخْصًا لِشَخْصٍ فِيَّ قَدْ سَجَدا لاهُوتُهُ حَلَّ ناسُوتِي فَقَدَّسَنِي ∗∗∗ إنِّي عَجِبْتُ لِمِثْلِي كَيْفَ ما عُبِدا وكانَ الأوْلى بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَدَمُ التَّعْبِيرِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ولَكِنْ لِلْقَوْمِ أحْوالٌ ومَقاماتٌ لا تَصِلُ إلَيْها أفْهامُنا، ولَعَلَّ عُذْرَهم واضِحٌ عِنْدَ المُنْصِفِينَ.

إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ وتَحَقَّقْتَ اخْتِلافَ النَّصارى في عَقائِدِهِمْ فاعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما حَكى في بَعْضِ الآياتِ قَوْلَ بَعْضٍ مِنهم وفي بَعْضٍ آخَرَ قَوْلَ آخَرِينَ، وحِكايَةُ دَعْواهم أُلُوهِيَّةَ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - كَدَعْواهم أُلُوهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا نَطَقَ بِها القُرْآنُ، ولَمْ يُشَعْ ذَلِكَ عَنْهم صَرِيحًا، لَكِنْ يَلْزَمُهم ذَلِكَ بِناءً عَلى ما حَقَّقَهُ الإمامُ الرّازِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

والنَّصارى اليَوْمَ يُنْكِرُونَهُ، واللَّهُ تَعالى أصْدَقُ القائِلِينَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مُدَّعِيَ أُلُوهِيَّتَها - عَلَيْها السَّلامُ - صَرِيحًا طائِفَةٌ مِنهم هَلَكَتْ قَدِيمًا، كالطّائِفَةِ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي تَقُولُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قِيلَ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بالِغَ في زَجْرِ القائِلِينَ، فَأرْدَفَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ انْتَهُوا ﴾ عَنِ القَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ في أوْجُهِ انْتِصابِهِ ﴿ إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ أيْ: بِالذّاتِ، مُنَزَّهٌ عَنِ التَّعَدُّدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا عَنْ، أوْ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، أوْ سَبِّحُوهُ عَنْ أوْ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يُشابِهُ الأبَ، ويَكُونُ مِثْلَهُ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّشْبِيهِ والمَثَلِ، وأيْضًا الوَلَدُ إنَّما يُطْلَبُ لِيَكُونَ قائِمًا مَقامَ أبِيهِ إذا عُدِمَ ولِذا كانَ التَّناسُلُ، واللَّهُ تَعالى باقٍ لا يَتَطَرَّقُ ساحَتَهُ العَلِيَّةَ فَناءٌ، فَلا يَحْتاجُ إلى ولَدٍ، ولا حِكْمَةَ تَقْتَضِيهِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما أوْقَعَ النَّصارى في اعْتِقادِهِمْ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ اللَّهِ تَعالى.

ومِنَ الِاتِّفاقاتِ الغَرِيبَةِ ما نَقَلَهُ مَوْلانا راغِبُ باشا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، مُلَخَّصًا مِن تَعْرِيفاتِ أبِي البَقاءِ قالَ: قالَ الإمامُ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّهِيرُ بِالبُوصِيرِيِّ - نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى ضَرِيحَهُ -: إنَّ بَعْضَ النَّصارى انْتَصَرَ لِدِينِهِ وانْتَزَعَ مِنَ البَسْمَلَةِ الشَّرِيفَةِ دَلِيلًا عَلى تَقْوِيَةِ اعْتِقادِهِ في المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصِحَّةِ يَقِينِهِ بِهِ، فَقَلَّبَ حُرُوفَها، ونَكَّرَ مَعْرُوفَها، وفَرَّقَ مَأْلُوفَها، وقَدَّمَ فِيها وأخَّرَ، وفَكَّرَ وقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ، ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ، فَقالَ: قَدِ انْتَظَمَ مِنَ البَسْمَلَةِ ابْنُ اللَّهِ المُحَرَّرُ، فَقُلْتُ لَهُ: حَيْثُ رَضِيتَ البَسْمَلَةَ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا، وحُزْتَ مِنها أحْكامًا وحُكْمًا، فَلَتَنْصُرَنَّ البَسْمَلَةُ مِنّا الأخْيارَ عَلى الأشْرارِ، ولَتُفَضِّلَنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ عَلى أصْحابِ النّارِ، إذْ قَدْ قالَتْ لَكَ البَسْمَلَةُ بِلِسانِ حالِها: إنَّما اللَّهُ رَبُّ المَسِيحِ، راحِمُ النَّحْرِ لا مِمَّ لَها المَسِيحُ رَبُّ، ما بَرِحَ اللَّهُ راحِمَ المُسْلِمِينَ، سَلِ ابْنَ مَرْيَمَ أحَلَّ لَهُ الحَرامُ، لا المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ المُحَرَّرُ، لا مَرْحَمَ لِلِئامِ أبْناءِ السَّحَرَةِ رَحْمَ حُرٍّ مُسْلِمٍ أنابَ إلى اللَّهِ، لِلَّهِ نَبِيٌّ مُسْلِمٌ حَرامُ الرّاحِ، رَبِحَ رَأْسُ مالِ كَلِمَةِ الإيمانِ، فَإنْ قُلْتَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَسُولٌ صَدَّقْتُكَ.

وقالَتْ: إيلُ أرْسَلَ الرَّحْمَةَ بِلَحْمٍ، وإيلُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى بِلِسانِ كُتُبِهِمْ، وتَرْجَمَةُ بِلَحْمٍ بِبَيْتِ لَحْمٍ، وهو المَكانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ النَّصارى.

ثُمَّ انْظُرْ إلى البَسْمَلَةِ قَدْ تُخْبَرُ أنَّ مِن وراءِ حَلِّها خُيُولًا ولُيُوثًا ومِن دُونِ طَلِّها سُيُولًا وغُيُوثًا، وتَحْسَبُنِي اسْتَحْسَنْتُ كَلِمَتَكَ البارِدَةَ فَنَسَجْتُ عَلى مِنوالِها وقابَلْتُ الواحِدَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها، بَلْ أتَيْتُكَ بِما يُغْنِيكَ فَيَبْهَتُكَ، ويُسْمِعُكَ ما يُصِمُّكَ عَنِ الإجابَةِ فَيُصْمِتُكَ، فَتَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ البَسْمَلَةَ مُسْتَقَرٌّ لِسائِرِ العُلُومِ والفُنُونِ، ومُسْتَوْدَعٌ لِجَوْهَرِ سِرِّها المَكْنُونِ، ألا تَرى أنَّ البَسْمَلَةَ إذا حَصَّلْتَ جُمْلَتَها كانَ عَدَدُها سَبْعَمِائَةٍ وسِتَّةً وثَمانِينَ، فَوافَقَ جُمَلَها، إنَّ مَثَلَ عِيسى كَآدَمَ، لَيْسَ لِلَّهِ مِن شَرِيكٍ بِحِسابِ الألْفِ الَّتِي بَعْدَ لامَيِ الجَلالَةِ، ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ بِإسْقاطِ ألِفِ الجَلالَةِ، فَقَدْ أجابَتْكَ البَسْمَلَةُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، وجاءَكَ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْها صَبْرًا، انْتَهى.

وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ في الباقِي بَعْدَ إسْقاطِ المُكَرَّرِ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ في أوائِلِ السُّوَرِ، حَيْثُ رَتَّبَ الشِّيعِيُّ مِنهُ ما ظَنَّهُ مُقَوِّيًا لِما هو عَلَيْهِ أعَنِي: صِراطُ عَلِيٍّ حَقًّا نُمْسِكُهُ، وقابَلْناهُ بِما يَبْهَتُهُ مُرَتَّبًا مِن هَذِهِ الحُرُوفِ أيْضًا، فَتَذَكَّرْ.

وقَرَأ الحَسَنُ ( إنْ يَكُونُ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ ورَفْعِ النُّونِ، أيْ: سُبْحانَهُ ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ عَلى أنَّ الكَلامَ جُمْلَتانِ.

﴿ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ التَّنْزِيهِ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكٌ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها، لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، ولَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ مِثْلَهُ في المالِكِيَّةِ فَلا يَكُونُ مالِكًا لِجَمِيعِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلٍ آخَرَ؛ لِأنَّ الوَكِيلَ بِمَعْنى الحافِظِ، فَإذا اسْتَقَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى في الحِفْظِ لَمْ يَحْتَجْ إلى الوَلَدِ، فَإنَّ الوَلَدَ يُعِينُ أباهُ في حَياتِهِ ويَقُومُ مَقامَهُ بَعْدَ وفاتِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ هَذا، فَلا يُتَصَوَّرُ لَهُ ولَدٌ عَقْلًا، ويَكُونُ افْتِراؤُهُ حُمْقًا وجَهْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا النَّاسُ قال ابن عباس: يعني أهل مكة قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ أي بشهادة أن لا إله إلا الله، ويقال: ببيان الحق.

ويقال: للحق، يعني للعرض والحجة وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمُ على وجه المجاز، لأن رسول الله  قد كان فيهم، ولكن معناه أنه قد ظهر فيكم رسول الله  كما قال في آية أخرى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [سورة التوبة: 128] أي ظهر فيكم ثم قال: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ أي صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن الذي جاءكم به محمد  خيراً لكم من عبادة الأوثان، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئاً.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تَكْفُرُوا أي إن تجحدوا بالله وبمحمد  ، فَإِنَّ الله غنيٌّ عَنكُمْ فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كلهم عبيده وإماؤه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في أمره.

ثم قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ قال الضحاك: أي لا تكذبوا في دينكم.

وقال بعض أهل اللغة: الغلو مجاوزة القدر في الظلم.

ويقال: الغلو أن تجاوز ما حدَّ لك.

وقال القتبي: يعني لا تفرطوا في دينكم، فإن دين الله بين المقصر والغالي.

وغلا في القول إذا تجاوز المقدار.

وقال ابن عباس: وذلك أن اليعقوبية وهم صنف من النصارى قالوا: عيسى هو الله.

وقالت النسطورية: هو ابن الله.

وقالت المرقوسية- ويقال لهم الملكانية-: هو ثالث ثلاثة، فنزل يا أَهْلَ الْكِتابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ.

قال مقاتل: الغلو في الدين أن يقول على الله غير الحق.

ويقال: لا تتعمقوا في دينكم.

ثم قال تعالى: وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ يعني: لا تصنعوا بالله بما لا يليق بصفاته، فإن الله تعالى واحد لا شريك له ولا ولد له.

ثم قال تعالى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وهو قوله كُنْ فَيَكُونُ [سورة النحل: 40] ثم قال: وَرُوحٌ مِنْهُ قال ابن عباس في رواية الكلبي: يعني أمر منه فأتاها جبريل، فنفخ في جيب درعها فدخلت تلك النفخة بطنها، ثم وصل إلى عيسى ابن مريم فتحرك في بطنها وأمه أمة الله تعالى فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني: صدّقوا بوحدانية الله تعالى وبما جاءكم به الرسل من الله تعالى وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ يعني: لا تقولوا إن الله ثالث ثلاثة انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ يقول: توبوا إلى الله تعالى من مقالتكم، فالتوبة خيرٌ لكن من الإصرار على الكفر إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ ثم نزّه نفسه عما قال الكفار فقال: سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ.

ثم قال تعالى: لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يعني كفيلاً ويقال شاهداً ولا شاهد أفضل منه.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نازلٌ بهم، ثم خاطَبَ سبحانه أهْلَ الكتابِ مِنَ النصارى، وهو أنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ، وهو تجاوُزُ الحَدِّ.

وقوله: فِي دِينِكُمْ: معناه: في دِينِ اللَّهِ الَّذي أنْتُمْ مطلوبُونَ به بأنْ تُوحِّدوا اللَّه، ولا تَقُولوا على اللَّه إلا الحقَّ، ولَيْسَتِ الإشارةُ إلى دينهم المُضَلِّل، وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ (رضي اللَّه عنه) ، عنِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ» «١» رواه مسلم، والبخاريُّ والنسائيُّ، وفي مسلمٍ: «أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ» .

انتهى.

وقوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أي: الذين مِنْ جملتهم: عيسى، ومحمَّد- عليهما السلام-.

وقوله تعالى: إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ: «إنَّمَا» في هذه الآية: حاصرة، وسُبْحانَهُ: معناه: تنزيهاً له، وتعظيماً، والاستنكاف إبَاءَةٌ بأَنَفَة.

قال ع «٢» : وقوله سبحانه: لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ

: زيادةٌ في الحُجَّة، وتقريبٌ مِنَ الأذهان، أي: وهؤلاءِ الذين هُمْ في أعلى درجاتِ المَخْلُوقين لاَ يَسْتَنْكِفُونَ عن ذلك، فكيفَ بسواهُمْ، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على تفضيل الملائكة على الأنبياء.

وقوله سبحانه: سَيَحْشُرُهُمْ

: عبارةُ وعيدٍ.

قال ع «٣» : وهذا الاِستنكافُ إنما يكونُ من الكُفَّار عن اتباع الأنبياءِ، وما جرى مجراه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ، السَّيِّدِ والعاقِبِ، ومَن مَعَهُما.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ: النَّصارى.

وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى.

والغُلُوُّ: الإفْراطُ ومُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ غَلا السِّعْرُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ القَدْرِ في الظُّلْمِ.

وغُلُوُّ النَّصارى في عِيسى: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو اللَّهُ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ.

وعَلى قَوْلِ الحَسَنِ غُلُوُّ اليَهُودِ فِيهِ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا تَغْلُوا في دِينِكم بِالزِّيادَةِ في التَّشَدُّدِ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ أيْ: لا تَقُولُوا إنَّ اللَّهَ لَهُ شَرِيكٌ أوِ ابْنٌ أوْ زَوْجَةٌ.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى "المَسِيحِ" و "الكَلِمَةِ" في (آلِ عِمْرانَ.

وَفِي مَعْنى ﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ رُوحٌ مِن أرْواحِ الأبْدانِ.

قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَمّا أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى بَنِي آدَمَ كانَ عِيسى رُوحًا مِن تِلْكَ الأرْواحِ، فَأرْسَلَهُ إلى مَرْيَمَ، فَحَمَلَتْ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ الرُّوحَ النَّفْخُ، فَسُمِّيَ رُوحًا، لِأنَّهُ حَدَثَ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ في دِرْعِ مَرْيَمَ.

ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: وقُلْتُ لَهُ ارْفَعْها إلَيْكَ وأحْيِها بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرا هَذا قَوْلُ أبِي رَوْقٍ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ إنْسانٌ حَيٌّ بِإحْياءِ اللَّهِ لَهُ.

والرّابِعُ: أنَّ الرُّوحَ: الرَّحْمَةُ، فَمَعْناهُ: ورَحْمَةٌ مِنهُ، ومِثْلُهُ ﴿ وَأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ﴾ \[المُجادَلَةُ ٢٢\] .

والخامِسُ: أنَّ الرُّوحَ هاهُنا جِبْرِيلُ.

فالمَعْنى: ألْقاها اللَّهُ إلى مَرْيَمَ، والَّذِي ألْقاها رُوحٌ مِنهُ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والسّادِسُ: أنَّهُ سَمّاهُ رُوحًا، لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ النّاسُ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ، ولِهَذا المَعْنى: سُمِّيَ القُرْآنُ رُوحًا، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

والسّابِعُ: أنَّ الرُّوحَ: الوَحْيُ أوْحى اللَّهُ إلى مَرْيَمَ يُبَشِّرُها بِهِ، وأوْحى إلى جِبْرِيلَ بِالنَّفْخِ في دِرْعِها، وأوْحى إلى ذاتِ عِيسى أنْ: كُنْ فَكانَ.

ومِثْلُهُ: ﴿ يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ  ﴾ أيْ: بِالوَحْيِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَأمّا قَوْلُهُ: "مِنهُ" فَإنَّهُ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، كَما تَقُولُ: بَيْتُ اللَّهِ، والمَعْنى: مِن أمْرِهِ، ومِمّا يُقارِبُها قَوْلُهُ: ﴿ وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: رَفَعَهُ بِإضْمارِ: لا تَقُولُوا آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ ﴿ (إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ ﴾ أيْ: ما هو إلّا إلَهٌ واحِدٌ ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ ومَعْنى سُبْحانَهُ: تَبْرِئَتُهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: ﴿ وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا ﴾ أيْ: قَيِّمًا عَلى خَلْقِهِ، مُدَبِّرًا لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكم وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللهِ إلا الحَقَّ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكم إنَّما اللهِ إلَهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الناسُ ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والسُورَةُ مَدَنِيَّةٌ؛ فَهَذا مِمّا خُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ الناسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ دُعاءٌ إلى الشَرْعِ؛ ولَوْ كانَتْ في أمْرٍ مِن أوامِرِ الأحْكامِ ونَحْوِها لَكانَتْ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا"؛ والرَسُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والحَقُّ هو شَرْعُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ ؛ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "اِئْتُوا خَيْرًا لَكُمْ"؛ أو "حُوزُوا خَيْرًا لَكُمْ"؛ وقَوْلُهُ: "فَآمِنُوا"؛ وقَوْلُهُ: "اِنْتَهُوا" - بَعْدَ ذَلِكَ - أمْرٌ بِتَرْكِ الشَيْءِ؛ والدُخُولِ في غَيْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ صِفَةُ التَفْضِيلِ الَّتِي هي "خَيْرًا"؛ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ في نَصْبِ "خَيْرًا"؛ ونَظِيرُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ∗∗∗ أوِ الرُبى بَيْنَهُما أسْهَلا أيْ: يَأْتِ أسْهَلَ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلتَّقْدِيرُ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًا؛ والِانْتِهاءُ خَيْرًا؛ فَنَصْبُهُ عَلى خَبَرٍ "كانَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ: اَلتَّقْدِيرُ: فَآمِنُوا إيمانًا خَيْرًا لَكُمْ؛ فَنَصْبُهُ عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ؛ وهَذا خَبَرٌ بِالِاسْتِغْناءِ؛ وأنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ إنَّما هو نازِلٌ بِهِمْ؛ ولِلَّهِ تَعالى العِلْمُ والحِكْمَةُ.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَصارى بِأنْ يَدَعُوا الغُلُوَّ؛ وهو تَجاوُزُ الحَدِّ؛ وَمِنهُ غَلاءُ السِعْرِ؛ ومِنهُ غَلْوَةُ السَهْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي دِينِكُمْ"؛ إنَّما مَعْناهُ: في الدِينِ الَّذِي أنْتُمْ مَطْلُوبُونَ بِهِ؛ فَكَأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ؛ وأضافَهُ إلَيْهِمْ؛ بَيانًا أنَّهم مَأْخُوذُونَ بِهِ؛ ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى دِينِهِمُ المُضَلِّلِ؛ ولا أُمِرُوا بِالثُبُوتِ عَلَيْهِ دُونَ غُلُوٍّ؛ وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الغُلُوِّ في دِينِ اللهِ عَلى الإطْلاقِ؛ وأنْ يُوَحِّدُوا؛ ولا يَقُولُوا عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ؛ وإذا سَلَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ فَذَلِكَ سائِقُهم إلى الإسْلامِ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ المَسِيحِ؛ وأنَّهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَلِمَتُهُ؛ أيْ: مُكَوَّنٌ عن كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: "كُنْ"؛ وقَوْلُهُ: "ألْقاها"؛ عِبارَةٌ عن إيجادِ هَذا الحادِثِ في مَرْيَمَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَكَلِمَتُهُ ألْقاها"؛ يُرِيدُ البِشارَةَ الَّتِي بَعَثَ المَلَكَ بِها إلَيْها؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرُوحٌ مِنهُ"؛ أيْ: مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ؛ فَـ "مِن"؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ إذا حُقِّقَ النَظَرُ فِيها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَرُوحٌ مِنهُ"؛ أيْ: نَفْخَةُ مِنهُ؛ إذْ هي مِن جِبْرِيلَ بِأمْرِهِ؛ وأنْشَدَ قَوْلَ ذِي الرُمَّةِ: فَقُلْتُ لَهُ اضْمُمْها إلَيْكَ وأحْيِها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرُوحِكَ واقْتَتْهُ لَها قِيتَةً قَدْرا يَصِفُ سَقَطَ النارِ؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: رُوحُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن أرْواحِ اللهِ الَّتِي خَلَقَها واسْتَنْطَقَها بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى  ﴾ ؛ فَبَعَثَهُ اللهُ إلى مَرْيَمَ؛ فَدَخَلَ فِيها؛ ثُمَّ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللهِ؛ ورُسُلِهِ؛ أيْ: اَلَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ عِيسى؛ ومُحَمَّدٌ - عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "اَللَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ"؛ فَحُذِفَ الِابْتِداءُ والمُضافُ؛ كَذا قَدَّرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ: "اَلْمَعْبُودُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْإلَهُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْآلِهَةُ ثَلاثَةٌ"؛ أو: "اَلْأقانِيمُ ثَلاثَةٌ"؛ وكَيْفَما تَشَعَّبَ اخْتِلافُ عِباراتِ النَصارى فَإنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ التَقْدِيرُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى ﴿ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ .

استئناف ابتدائي بخطاب موجّه إلى النصارى خاصّة.

وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضاً بأنَّهم خالفوا كتابهم.

وقرينةُ أنَّهم المراد هي قوله: ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله إلى قوله: أن يكون عبداً لله ﴾ [النساء: 172] فإنّه بيان للمراد من إجمال قوله: ﴿ لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ ﴾ وابتدئت موعظتهم بالنّهي عن الغلوّ لأنّ النّصارى غلَوا في تعظيم عيسى فادّعوا له بنوّة الله، وجعلوه ثالث الآلهة.

والغلوّ: تجاوز الحدّ المألوف، مشتقّ من غَلْوَة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستُعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشْرُوع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال.

والغلوّ في الدّين أن يُظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الّذي حدّد له الدينُ.

ونهاهم عن الغلوّ لأنَّه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصّادقين.

وغلّو أهل الكتاب تجاوزُهم الحدّ الذي طلبه دينهم منهم: فاليهود طولبوا باتّباع التّوراة ومحبّة رسولهم، فتجاوزوه إلى بِغضة الرسل كعيسى ومحمدّ عليهما السّلام، والنّصارى طولبوا باتّباع المسيح فتجاوزوا فيه الحدّ إلى دعوى إلهيّته أو كونه ابنَ الله، مع الكفر بمحمدّ صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ ﴾ عطف خاصّ على عامّ للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع.

وفعل القول إذا عدّي بحرف (على) دلّ على أنّ نسبة القائل القول إلى المجرور ب (على) نسبة كاذبة، قال تعالى: ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ [آل عمران: 78].

ومعنى القول على الله هنا: أن يقولوا شيئاً يزعمون أنَّه من دينهم، فإنّ الدين من شأنه أن يتلقّى من عند الله.

وقوله: ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم ﴾ جملة مبيّنة للحدّ الذي كان الغلوّ عنده، فإنَّه مجمل؛ ومبيّنة للمراد من قول الحقّ.

ولكونها تتنزّل من الَّتي قبلها منزلة البيان فُصلت عنها.

وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث: صفة الرسالة، وصفةِ كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحاً من عند الله.

فالقصر قصر موصوف على صفة.

والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوّهم في هذه الصّفات غلوّاً أخرجها عن كنهها؛ فإنّ هذه الصّفات ثابتة لعيسى، وهم مثبتون لها فلا يُنكر عليهم وصفُ عيسى بها، لكنّهم تجاوزوا الحدّ المحدود لها فجعلوا الرسالة البُنوّة، وجعلوا الكلمة اتِّحادَ حقيقة الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله سبحانه، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفْس الإلَهية.

والقصر إضافي، وهو قصر إفرادٍ، أي عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح، لا يتجاوز ذلك إلى ما يُزاد على تلك الصّفات من كون المسيح ابناً لله واتِّحاد الإلهيّة به وكون مريم صاحبة.

ووصف المسيح بأنّه كلمة الله وصف جاء التّعبير به في الأناجيل؛ ففي صدر إنجيل يوحنا «في البدء كان الكلمةُ، والكلامة كان عند الله، وكان الكلمة الله ثم قال والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا».

وقد حكاه القرآن وأثبته فدلّ على أنّه من الكلمات الإنجيلية، فمعنى ذلك أنّه أثَر كلمة الله.

والكلمةُ هي التكوين، وهو المعبّر عنه في الاصطلاح ب (كُن).

فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة، ولكنّه تعلّقُ القدرة.

ووصف عيسى بذلك لأنَّه لم يكن لتكوينه التّأثيرُ الظاهرُ المعروف في تكوين الأجنّة، فكان حدوثه بتعلّق القدرة، فيكون في ﴿ كلمته ﴾ في الآية مجازان: مجاز حذف، ومجاز استعارة صار حقيقة عرفيّة.

ومعنى ﴿ ألقاها إلى مريم ﴾ أوصلها إلى مريم، وروعي في الضمير تأنيث لفظ الكلمة، وإلاّ فإنّ المراد منها عيسى، أو أراد كلمة أمر التكوين.

ووصف عيسى بأنّه روح الله وصفٌ وقع في الأناجيل.

وقد أقرّه الله هنا، فهو ممّا نزل حقّاً.

ومعنى كون عيسى روحاً من الله أنّ روحه من الأرواح الّتي هي عناصر الحياة، لكنّها نسبت إلى الله لأنَّها وصلت إلى مريم بدون تكوّن في نطفةٍ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح.

ووُصف بأنّه مبتدأ من جانب الله، وقيل: لأنّ عيسى لمّا غلبت على نفسه الملكية وصف بأنّه روح، كأنّ حظوظ الحيوانية مجرّدة عنه.

وقيل: الروح النفخة.

والعرب تسمّى النفس روحاً والنفخ روحاً.

قال ذو الرمّة يذكر لرفيقه أن يوقد ناراً بحطب: فقلت له ارفعها إليك فأَحيها *** برُوحك واقتُتْه لها قِيتة قَدْرا (أي بنفخك).

وتلقيب عيسى بالروح طفحت به عبارات الأناجيل.

و(مِن) ابتدائية على التقادير.

فإن قلت: ما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى، وهلاّ وصف المسيح في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ [الكهف: 110] فكان أصرح في بيان العبوديّة، وأنفى للضلال.

قلت: الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل، أو في كلام الحواريّين وصفاً لعيسى عليه السّلام، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل، أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله.

وتصدير جملة القصر بأنّه ﴿ رسول الله ﴾ ينادي على وصف العبوديّة إذ لا يُرسل الإله إلهاً مثله، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح.

﴿ فامنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إله واحد سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ وما فِى السماوات وَمَا فِى الارض وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ صلى الله عليه وسلم.

الفاء للتفريع عن جملة القصر وما بنيت عليه.

أي إذا وضح كلّ ما بيَّنه الله من وحدانيَّته، وتنزيهه، وصدق رسله، يتفرّع أن آمُركم بالإيمان بالله ورسله.

وأمروا بالإيمان بالله مع كونهم مؤمنين، أي النصارى، لأنّهم لمّا وصفوا الله بما لا يليق فقد أفسدوا الإيمان، وليكون الأمر بالإيمان بالله تمهيداً للأمر بالإيمان برُسله، وهو المقصود، وهذا هو الظاهر عندي.

وأريدَ بالرسل جميعهم، أي لا تكفروا بواحد من رسله.

وهذا بمنزلة الاحتراس عن أن يتوهّم متوهّمون أن يعرضوا عن الإيمان برسالة عيسى عليه السلام مبالغة في نفي الإلهية عنه.

وقوله: ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ أي لا تنطقوا بهذه الكلمة، ولعلّها كانت شعاراً للنصارى في دينهم ككلمة الشهادة عند المسلمين، ومن عوائدهم الإشارة إلى التثليث بالأصابع الثلاثة: الإبهام والخنصر والبنصر.

والمقصود من الآية النهي عن النطق بالمشتهر من مدلول هذه الكلمة وعن الاعتقاد.

لأنّ أصل الكلام الصدق فلا ينطق أحد إلاّ عن اعتقاد، فالنهي هنا كناية بإرادةِ المعنى ولازمه.

والمخاطب بقوله: ﴿ ولا تقولوا ﴾ خصوص النّصارى.

و ﴿ ثلاثة ﴾ خبر مبتدأ محذوف كانَ حذفه ليصلحَ لكلّ ما يصلحُ تقديره من مذاهبهم من التثليث، فإنّ النصارى اضطربوا في حقيقة تثليث الإله كما سيأتي، فيقدر المبتدأ المحذوف على حسب ما يقتضيه المردود من أقوالهم في كيفية التثليث ممّا يصحّ الإخبار عنه بلفظ ﴿ ثلاثة ﴾ من الأسماء الدّالة على الإله، وهي عدّة أسماء.

ففي الآية الأخرى ﴿ لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة ﴾ [المائدة: 73].

وفي آية آخر هذه السورة ﴿ أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله ﴾ [المائدة: 116]، أي إلهين مع الله، كما سيأتي، فالمجموع ثلاثة: كلّ واحد منهم إله؛ ولكنّهم يقولون: أنّ مجموع الثلاثة إله واحد أو اتّحدت الثلاثة فصار إله واحد.

قال في «الكشّاف»: (ثلاثة) خبر مبتدأ محذوف فإن صحّت الحكاية عنهم أنَّهم يقولون: هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فتقديره الله ثلاثة وإلاّ فتقديره الآلهة ثلاثة اه.

والتثليث أصل في عقيدة النصارى كلّهم، ولكنّهم مختلفون في كيفيته..

ونشأ من اعتقاد قدماء الإلهيّين من نصارى اليونان أنّ الله تعالى (ثَالُوث)، أي أنَّه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع ثلاثة أقانيم، واحدها أقْنُوم بضم الهمزة وسكون القاف.

قال في «القاموس»: هو كلمة رومية، وفسّره القاموس بالأصل، وفسّره التفتزاني في كتاب «المقاصد» بالصفة.

ويظهر أنَّه معرّب كلمة (قنوم بقاف معقد عجمي) وهو الاسم، أي (الكلمة).

وعبّروا عن مجموع الأقانيم الثلاثة بعبارة (آبَا ابنَا رُوحا قُدُسا) وهذه الأقانيم يتفرّع بعضها عن بعض: فالأقنوم الأول أقنوم الذات أو الوجود القديم وهو الأب وهو أصل الموجودات.

والأقنوم الثاني أقنوم العلم، وهو الابن، وهو دونَ الأقنوم الأول، ومنه كان تدبير جميع القوى العقلية.

والأقنوم الثالث أقنوم الروح القُدس، وهو صفة الحياة، وهي دون أقنوم العلم ومنها كان إيجاد عالم المحسوسات.

وقد أهملوا ذكر صفات تقتضيها الإلهية، مثل القِدم والبقاء، وتركوا صفة الكلام والقدرة والإرادة، ثمّ أرادوا أن يتأوّلوا ما يقع في الإنجيل من صفات الله فسمّوا أقنوم الذات بالأب، وأقنوم العلم بالابن، وأقنوم الحياة بالروح القدس، لأنّ الإنجيل أطلق اسم الأب على الله، وأطلق اسم الابن على المسيح رسوله، وأطلق الروح القدس على ما به كُوّن المسيح في بطن مريم، على أنَّهم أرادوا أن ينبّهوا على أنّ أقنوم الوجود هو مفيض الأقنومين الآخرين فراموا أن يدلّوا على عدم تأخّر بعض الصّفات عن بعض فعبّروا بالأب والابن، (كما عبّر الفلاسفة اليونان بالتولّد).

وسمّوا أقنوم العلم بالكلمة لأنّ من عبارات الإنجيل إطلاق الكلمة على المسيح، فأرادوا أنّ المسيح مظهر علم الله، أي أنَّه يعلم ما علمه الله ويبلّغه، وهو معنى الرسالة إذ كان العلم يوم تدوين الأناجيل مكلَّلاً بالألفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الروميّة، فلمّا اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهر فاعتقدوا أنّ الأرباب ثلاثة وهذا أصل النصرانيّة، وقاربوا عقيدة الشرك.

ثمّ جَرّهم الغُلوّ في تقديس المسيح فتوهَّموا أنّ علم الله اتّحد بالمسيح، فقالوا: إنّ المسيح صار ناسوتُه لاَهُوتاً، باتّحاد أقنُوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثمّ نشأت فيهم عقيدة الحلول، أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوّعة، ثمّ اعتقدوا اتّحاد الله بالمسيح، فقالوا: الله هو المسيح.

هذا أصل التثليث عند النّصارى، وعنه تفرّعت مذاهب ثلاثة أشار إلى جميعها قوله تعالى: ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ وقولُه ﴿ لقد كفر الّذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ [المائدة: 72] وقولُه: ﴿ أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله ﴾ [المائدة: 116] وكانوا يقولون: في عيسى لاهوتيةٌ من جهة الأب ونَاسوتيَّةٌ أي إنسانية من جهة الأمّ.

وظهر بالإسكندرية راهب اسمه (آريوس) قالو بالتوحيد وأنّ عيسى عبدُ الله مخلوق، وكان في زمن (قسطنطينوس سلطان الرّون باني القسطنطينية).

فلمّا تديّن قسطنطينوس المذكور بالنصرانية سنة327 تبع مقالة (آريوس)، ثمّ رأى مخالفةَ معظممِ الرهبان له فأراد أن يوحّد كلمتهم، فجمع مجمعاً من علماء النصارى في أواخر القرن الرابع من التّاريخ المسيحي، وكان في هذا المجمع نحو ألفي عالم من النصارى فوجدهم مختلفين اختلافاً كثيراً ووجد أكثر طائفة منهم على قول واحدٍ ثلاثَمائة وبضعةَ عشر عالماً فأخذ قولهم وجعله أصل المسيحيّة ونصَره، وهذه الطائفة تلقّب (المَلْكَانِيَّة) نسبة للمَلِك.

واتَّفق قولهم على أنّ كلمة الله اتَّحدت بجسد عيسى، وتقمَّصت في ناسوته، أي إنسانيته، ومازجته امتزاج الخمر بالماء، فصارت الكلمةُ ذاتاً في بطن مريم، وصارت تلك الذات ابناً لله تعالى، فالإلهُ مجموع ثلاثة أشياء: الأوّل الأب ذُو الوجود، والثاني الابن ذُو الكلمة، أي العلم، والثالث روح القدس.

ثمّ حدثت فيهم فرقة اليَعْقوبية وفرقة النَّسْطُورِيَّة في مجامع أخرى انعقدت بين الرهبان.

فاليعقوبيّة، ويسمّون الآن (أرْثُودُكْسْ)، ظَهروا في أواسط القرن السادس المسيحي، وهم أسبق من النسطورية؛ قالوا: انقلبت الإلهية لَحْماً ودَماً؛ فصار الإله هو المسيح فلأجل ذلك صدرت عن المسيح خوارق العادات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فأشبه صُنْعه صنع الله تعالى ممّا يعجز عنه غير الله تعالى.

وكان نصارى الحبشة يعاقبه، وسنتعرّض لذكرها عند قوله تعالى: ﴿ لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم ﴾ في سورة المائدة (72)، وعند قوله تعالى: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ [مريم: 37].

والنَّسطوريّة قالت: اتَّحدت الكلمة بجسد المسيح بطريق الإشراق كما تشرق الشّمس من كوة مِن بلّور، فالمسح إنسان، وهو كلمة الله، فلذلك هو إنسان إله، أو هو له ذاتيتان ذات إنسانيّة وأخرى إلهيّة، وقد أطلق على الرئيس الديني لهذه النّحلة لقب (جَاثِليق).

وكانت النحلة النسطورية غالبة على نصارى العرب.

وكان رهبان اليعاقبة ورهبان النسطوريين يتسابقون لبث كلّ فريققٍ نحلتَه بين قبائل العرب.

وكان الأكاسرة حُماة للنسطورية.

وقياصرةُ الرّوم حُمَاة لليعقوبية.

وقد شاعت النّصرانيّة بنحْلتيْها في بَكْر، وتَغلب، وربيعة، ولخم، وجُذام، وتَنُوخ، وكَلْب، ونَجْران، واليَمَن، والبحرين.

وقد بَسَطْتُ هذا ليعلم حُسن الإيجاز في قوله تعالى: ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ وإتيانه على هذه المذاهب كلّها.

فللّه هذا الإعجاز العلمي.

والقول في نَصب (خيراً) من قوله: ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ كالقول في قوله تعالى: ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ [النساء: 170].

والقصر في قوله: ﴿ إنَّما الله إله واحد ﴾ قصر موصوف على صفة، لأنّ (إنّما) يليها المقصور، وهو هنا قصر إضافي، أي ليس الله بثلاثة.

وقوله: ﴿ سبحانه أن يكون له ولد ﴾ إظهار لغلطهم في أفهامهم، وفي إطلاقاتهم لفظَ الأب والابن كيفما كان محملهما لأنَّهما إمّا ضلالة وإمّا إيهامُها، فكلمة (سبحانه) تفيد قوة التنزيه لله تعالى عن أن يكون له ولد، والدلالةَ على غلط مثبتيهِ، فإنّ الإلهية تنافي الكون أبا واتّخاذَ ابن، لاستحالة الفناء، والاحتياج، والانفصال، والمماثلة للمخلوقات عن الله تعالى.

والبنوّة تستلزم ثبوت هذه المستحيلات لأنّ النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع، والناس يتطلّبونها لذلك، وللإعانةِ على لوازم الحياة، وفيها انفصال المولود عن أبيه، وفيها أنّ الابن مماثلة لأبيه فأبُوه مماثل له لا محالة.

و (سبحان) اسم مصدر سَبَّح، وليس مصدراً، لأنَّه لم يسمع له فعل سالم.

وجزم ابن جني بأنّه علَم على التسبيح، فهو من أعلام الأجناس، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والزيادة.

وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا ﴾ في سورة البقرة (32).

وقوله: أنْ يكونَ له وَلَدَ} متعلّق ب (سبحان) حرف الجرّ، وهو حرف (عَن) محذوفاً.

وجملة ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ تعليل لقوله: ﴿ سبحانه أن يكون له ولد ﴾ لأنّ الذي له ما في السماوات وما في الأرض قد استغنى عن الولد، ولأنّ من يُزْعَم أنَّه ولدٌ له هو ممّا في السماوات والأرض كالملائكة أو المسيح، فالكلّ عبيده وليس الابن بعبد.

وقوله: ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ تذييل، والوكيل الحافظ، والمراد هنا حافظ ما في السماوات والأرض، أي الموجودات كُلّها.

وحُذف مفعول (كفى) للعموم، أي كفى كلّ أحد، أي فتوكّلوا عليه، ولا تتوكّلوا على من تزعمونه ابناً له.

وتقدّم الكلام على هذا التركيب عند قوله تعالى: ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ في هذه السورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّصارى خاصَّةً.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ غَلَوْا فِيالمَسِيحِ، فَقالَتِ النَّصارى: هو الرَّبُّ، وقالَتِ اليَهُودُ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ غَلاءُ السِّعْرِ، إذا جاوَزَ الحَدَّ في الزِّيادَةِ، وغَلا في الدِّينِ، إذا فَرَّطَ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ.

﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَعْنِي في غُلُوِّهِمْ في المَسِيحِ.

﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَهُ إلَهًا، أوْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ [أوْ] ساحِرًا.

﴿ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ في كَلِمَتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ حِينَ قالَ لَهُ كُنْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

الثّانِي: لِأنَّهُ بِشارَةُ اللَّهِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، فَصارَ بِذَلِكَ كَلِمَةَ اللَّهِ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ.

﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ، وأضافَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا; لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ النّاسُ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ بِإذْنِ اللَّهِ، والنَّفْخُ يُسَمّى في اللُّغَةِ رُوحًا، فَكانَ عَنِ النَّفْخِ فَسُمِّيَ بِهِ ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ في الثَّلاثَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ النَّصارى: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: هو قَوْلُ مَن قالَ: آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لا تغلوا ﴾ قال: لا تبتدعوا.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وكلمته ألقاها إلى مريم ﴾ قال: كلمته إن قال: كن فكان.

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى.

أن النجاشي قال لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟

قال: يقول فيه قول الله: روح الله، وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر، فتناول عوداً من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلاً ومعنا جعفر بن أبي طالب، وبعثت قريش عمارة، وعمرو بن العاص، ومعهما هدية إلى النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا له وبعثا إليه بالهدية، وقالا: إن ناساً من قومنا رغبوا عن ديننا وقد نزلوا أرضك، فبعث إليهم حتى دخلوا عليه فلم يسجدوا له، فقالوا: ما لكم لم تسجدوا للملك؟!

فقال جعفر: إن الله بعث إلينا نبيه فأمرنا أن لا نسجد إلا لله.

فقال عمرو بن العاص: إنهم يخالفونك في عيسى وأمه.

قال: فما يقولون في عيسى وأمه؟

قالوا: نقول كما قال الله: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسسها بشر، فتناول النجاشي عوداً فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يزن هذه، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه نبي، ولوددت أني عنده فأحمل نعليه، فانزلوا حيث شئتم من أرضي» .

وأخرج البخاري عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبدالله ورسوله» .

وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء على ما كان من العمل» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يريد النصارى (١) ومعنى ﴿ لَا تَغْلُوا ﴾ لا تتجاوزوا حد الحق في دينكم، يقال: غلا يغلو غلوًا، إذا جاوز الحق، ومنه يقال: غلا السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة (٢) قال ابن عباس: ﴿ لَا تَغْلُوا ﴾ لا تشددوا فتفتروا (٣) ﴿ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ فليس لله ولد ولا زوجة ولا شريك.

وهذا هو الحق.

وقوله تعالى: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ﴾ ذكرنا تفسير الكلمة في سورة آل عمران (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ اختلفوا فيه: فقال أبي بن كعب: خلق الله تعالى أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، وكان روح فيهم، ثم ردها إلى صُلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى، فكان روح عيسى عنده إلى أن أراد خلقه، ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فكان منه عيسى (٥) ﴿ مِنْهُ ﴾ أي من عنده.

ويدل على هذا التأويل قول السدي: ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ أي مخلوق منه أي من عنده (٦) ويجوز أن يكون معنى ﴿ مِنْهُ ﴾ على هذا القول: من خلقه وإحداثه وإنشائه، كما قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ  ﴾ أي من خلقه وإيجاده.

وقال جماعة من أهل المعاني: معنى الروح ههنا النفخ، ويسمى النفخ في كلام العرب روحًا؛ لأنه ريح تخرج من الروح (٧) فقلتُ له ارفَعْها إليك وأحْيِها ...

بروحِكَ واجعله لها قيتةً قدْرًا (٨) أحيها بروحك أي: بنفخك (٩) وروي أن جبريل  نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله (١٠) ومعنى قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ على هذا التأويل: بأمره، لأن نفخ جبريل كان بأمر الله تعالى وإذنه، فهو منه.

وهذا كقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا  ﴾ (١١) وقيل: الروح الرحمة، وعيسى كان رحمة من الله لمن اتبعه وأطاعه (١٢) وقيل في تفسير قوله: ﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ  ﴾ أي: برحمة كذلك قال المفسرون (١٣) وكذلك قراءة من قرأ: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ﴾ (١٤)  : "إنما أنا رحمة مهداة" (١٥) وقيل: الروح ههنا جبريل، وهو عطف على الضمير في ﴿ أَلْقَاهَا ﴾ ، وتأويله ألقاها الله إلى مريم وجبريل.

معنى ﴿ مِنْهُ ﴾ أي: بإذنه وأمره، كقولك: قلت لفلان منك قولًا، أي بإذنك في ذلك (١٦) وهذه أوجه صحيحه في تأويل قوله: ﴿ وَرُوحٌ مِنْه ﴾ (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد قولهم: الله وصاحبته وأبيه (١٨) قال الفراء: معناه (ولا تقولوا): هم ثلاثة، كقوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ  ﴾ (١٩) وقال الزجاج: (ولا تقولوا) آلهتنا ثلاثة ﴿ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ  ﴾ (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه أن يكون له ولد (٢١) وقال القراءة يصلح في (أن) من وعن، فإذا أُلقيتا كانت (أن) في موضع نصب.

وكان الكسائي يقول: هو (٢٢) (٢٣) وذكرنا هذه المسألة قديمًا.

وقوله تعالى: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ .

فيه حجة على بطلان قول النصارى، لأن تأويله: أن ذلك له ملكًا وخلقًا من غير شريك في ذلك، إذ لو كان له شريك لم يبعد وجود التمانع بينهما، فيفسد ملك السموات والأرض، وإذا استحال الشريك في وصفه استحال الولد.

وقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ أي: مفوضًا إليه القيام بتدبير ملكه الذي لا ملك أوسع منه.

(١) انظر: الطبري 6/ 34، و"بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشف والبيان" 4/ 146 أ، و"زاد المسير" 2/ 260، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.

(٢) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 133، والطبري 6/ 34، و"تهذيب اللغة" 3/ 2682 (غلا)، و"المفردات" ص 364.

(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 260، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.

(٤) ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ  ﴾ .

(٥) أخرجه بنحوه الطبري 6/ 36.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) انظر: الطبري 6/ 35، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، و"النكت والعيون" 1/ 546 - 547، و"زاد المسير" 2/ 261.

(٨) "ديوانه" ص 176، والطبري 6/ 36، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، ومعنى "اجعله لها قيئةً قدرًا" أي اجعل فوقها من الحطب قليلًا قليلًا، فالشاعر يتحدث عن نار موقدة.

(٩) الطبري 6/ 36، و"ديوان ذي الرمة" ص 176.

(١٠) انظر: الطبري 6/ 35، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب، و"النكت والعيون" 1/ 546.

(١١) المرجع السابق.

(١٢) الطبري 6/ 36، و"الكشف والبيان" 4/ 146 ب.

(١٣) انظر: "زاد المسير" 8/ 200.

(١٤) القراءة بضم الراء من (روح) وهي ليعقوب من العشرة.

انظر: "المبسوط" ص 361، و"النشر" 2/ 283.

(١٥) صححه الألباني، وعزاه إلى ابن سعد والحكيم الترمذي عن أبي صالح مرسلًا، كما عزاه إلى الحاكم، ولم أجده عنده.

انظر: "صحيح الجامع" رقم (2345).

(١٦) انظر: الطبري 6/ 36، وانظر: "زاد المسير" 2/ 261.

(١٧) قال الطبري 6/ 36: "ولكل هذِه الأقوال وجه ومذهب غير بعيد من الصواب".

(١٨) هكذا في المخطوط، والصواب: وابنه.

انظر: "تنوير المقباس" ص 105.

(١٩) "معاني القرآن" 1/ 296.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 135.

(٢١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 105.

(٢٢) هكذا في المخطوط، وعند الفراء: "هي".

(٢٣) "معاني القرآن" 1/ 296.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها الناس ﴾ خطاب عام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس ﴿ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ انتصب خبراً هنا، وفي قوله: ﴿ انتهوا خَيْراً ﴾ بفعل مضمر لا يظهر تقديره إيتوا خيراً لكم، هذا مذهب سيبوية، وقال الخليل: انتصب بقوله آمنوا وانتهوا على المعنى، وقال الفراء فآمنوا إيماناً خيراً لكم فنصبه على النعت لمصدر محذوف، وقال الكوفيون هو خبر كان المحذوفة تقديره يكن الإيمان خيراً لكم ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض ﴾ أي هو غني عنكم لا يضره كفركم ﴿ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ هذا خطاب للنصارى لأنهم غلوا في عيسى حتى كفروا، فلفظ أهل الكتاب عموم يراد به الخصوص في النصارى، بدليل ما بعد ذلك والغلو هو الإفراط وتجاوز الحد ﴿ وَكَلِمَتُهُ ﴾ أي مكون عن كلمته التي هي كن من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي ذو روح من الله، فمن هنا لابتداء الغاية، والمعنى من عند الله، وجعله من عند الله لأن الله أرسل به جبريل عليه السلام إلى مريم ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة ﴾ نهي عن التثليث، وهو مذهب النصارى وإعراب ثلاثة خبر مبتدأ مضمر ﴿ لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ برهان على تنزيهه تعالى عن الولد، لأنه مالك كل شيء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فسنحشرهم ﴾ بالنون: المفضل.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ خيراً لكم ﴾ ط.

﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ إلاّ الحق ﴾ ط.

﴿ وكلمته ﴾ ج للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ وروح منه ﴾ ز لعطف المختلفين ولكن فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع تمام البيان.

﴿ ورسله ﴾ ط.

﴿ ثلاثة ﴾ ط ﴿ خيراً لكم ﴾ ط ﴿ إله واحد ﴾ ط.

﴿ ولد ﴾ ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد موصوف بأنه له ما في السموات وما في الأرض.

﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ المقربون ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه.

﴿ من فضله ﴾ ج ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ ولا نصيراً ﴾ ه ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ وفضل ﴾ لا للعطف.

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ يستفتونك ﴾ ط.

﴿ الكلالة ﴾ ط ﴿ ما ترك ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام متحد البيان.

﴿ لها ولد ﴾ ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله: ﴿ فلها نصف ﴾ وبينهما عارض ﴿ مما ترك ﴾ ط لابتداء حكم جامع للصنفين ﴿ الأنثيين ﴾ ط ﴿ أن تضلوا ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما بينّ فساد طريقة اليهود وأجاب عن شبههم عمم الخطاب فقال: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق ﴾ أي بالقرآن والقرآن معجز فيكون حقاً أو بالدعوة إلى عبادة الله والإعراض عن غيره وهو الحق الذي تشهد له العقول السليمة ﴿ فآمنوا خيراً لكم ﴾ انتصابه بمضمر وكذا في ﴿ انتهوا خيراً لكم ﴾ لأنه لما بعثهم على الإيمان والانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر.

فالمعنى: اقصدوا وأتوا خيراً لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان والتوحيد، فإن الإيمان لا شك أنه أحمد عاقبة من الكفر بل العاقبة كلها له.

وقيل: إنه منصوب على خبرية "كان" أي يكن الإيمان خيراً لكم والأول أصح لئلا يلزم الحذف من غير قرينة ﴿ وإن تكفروا ﴾ فإن الله غني عنكم لأنه مالك الكل، أو هو قادر على إنزال العذاب لأن الكل تحت قهره وتسخيره، أو له عبيد أخر يعبدونه غيركم ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأحوال العباد ﴿ حكيماً ﴾ لا يضيع أجر المحسن ولا يهمل جزاء المسيء.ثم لما أجاب عن شبه اليهود خاطب النصارى ومنعهم عن الغلو في الدين وهو الإفراط في شأن المسيح إلى أن اعتقدوه إلهاً لا نبياً، وحثهم على أن لا يقولوا على الله إلاّ الحق الذي يحق ويجب وصفه به وهو تنزيهه عن الحلول في بدن إنسان والاتحاد بروحه واتخاذه لصاحبة وولد ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ﴾ وجد بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿ ألقاها ﴾ أي الكلمة ﴿ إلى مريم ﴾ أي أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿ وروح منه ﴾ أي إنه ظاهر نظيف بمنزلة الروح كما يقال: هذه نعمة من الله، أو سمي بذلك لأنه سبب حياة الأرواح أو كمالها كما سمي القرآن روحاً في قوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وقيل: أي رحمة منه كقوله: ﴿ وأيدهم بروح منه  ﴾ / ولا شك أن وجود النبي  رحمة للأمة قال  : ﴿ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين  ﴾ وقال  : " "إنما أنا رحمة مهداة" وقيل: الروح هو الريح يعني أن النفخ من جبريل كان بأمر الله  فهو منه والتنكير للتعظيم أي روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية.

وقوله: ﴿ منه ﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف.

﴿ فآمنوا بالله ورسله ﴾ أي آمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ هي خبر مبتدأ محذوف أي الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد وأنه ثلاثة بالصفات ويسمونها الأقانيم أقنوم الأب أقنوم الأب وأقنوم روح القدس، وربما يقولون أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، أو الآلهة ثلاثة إن كان في اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها الأب والأم والابن.

ولعل القولين مرجعهما إلى واحد لأنهم إذا جوزوا على الصفات الانتقال والحلول في عيسى وفي مريم فقد جعلوها مستقلة بأنفسها ولهذا لزم الكفر والشرك، وإلا فمجرد إثبات الصفات لله  لا يوجب الشرك.

فالأشاعرة أثبتوا لله  ثمان صفات قدماء.

﴿ انتهوا ﴾ عن التثليث واقصدوا ﴿ خيراً لكم إنما الله إله واحد ﴾ لا تركيب فيه بوجه من الوجوه {  أن يكون له ولد} أسبحه تسبيحاً وأنزهه تنزيهاً من أن يكون له ولد فلا يتصل به عيسى اتصال الأبناء بالآباء ولكن من حيث إنه عبده ورسوله موجود بأمره جسداً حياً من غير أب ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ فكيف يكون بعض ملكه جزءاً منه على أن الجزء إنما يصح في المنقسم عقلاً أو حساً، وإنه لا ينقسم بجهة من الجهات لا العقلية ولا الحسية ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ وإذا كان كافياً في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر مستقل أو مشارك.

قال الكلبي: "إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟

قال: ومن صاحبكم؟

قالوا: عيسى.

قال: وأي شيء أقول فيه؟

قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله.

فقال هلم: إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبدالله.

قالوا: بلى.

فنزل ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ﴾ " والتحقيق أن الشبهة التي عليها يعوّلون في دعوى أنه ابن الله هي أنه كان يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات كإحياء الأموات فقيل لهم ﴿ لن يستنكف المسيح ﴾ بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبودية الله  فإن الملائكة المقربين أعلى حالاً منه لأنهم مطلعون علىاللوح المحفوظ، وقد حمل العرش مع عظمته ثمانية منهم ثم إنهم لم يستنكفوا عن كونهم عباداً لله  فكيف يستنكف المسيح عن ذلك أي يمتنع ويأنف؟

والتركيب يدور على التنحية والإزالة من ذلك نكفت الدمع أنكفه إذا نحيته عن خدك بأصبعك، ونكفت عن الشيء أي عدلت.

والقائلون بأفضلية الملائكة استدلوا بهذه الآية وقد تقدم الاستدلال بها والجواب عنها والبحث عليها في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وَإذ قلنا للملائكة اسجدوا  ﴾ / الآية.

أما قوله: ﴿ ولا الملائكة ﴾ فإنه معطوف على ﴿ المسيح ﴾ وهو الأظهر، وجوز بعضهم عطفه على الضمير في ﴿ يكون ﴾ أو في ﴿ عبداً ﴾ لمعنى الوصفية فيه فيكون المعنى: أنّ المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا الملائكة موصوفين بالعبودية، أو لا يأنف أن يعبد الله هو والملائكة.

وفي المعنيين انحراف عن الغرض فالأول أولى.

والمراد بالملائكة كل واحد منهم حتى يكون خبره أيضاً ﴿ عبداً ﴾ أو يكون الخبر ﴿ عباداً ﴾ وحذف لدلالة ﴿ عبداً ﴾ عليه ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه ﴾ أي يجمعهم يوم القيامة إليه حيث لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

ثم إنه  لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين فسئل إن التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد فأجاب في الكشاف بأن هذا كقولك: جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به.

فحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله: ﴿ فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ﴾ أو قدم ثواب المؤمنين توطئة كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وسيعاقب مع ذلك بما يصيبهم من العذاب.

أقول: لو جعل الضمير قي قول: ﴿ فسيحشرهم ﴾ راجعاً إلى الناس جميعاً لم يحتج إلى هذه التكلفات ويحصل الربط بسبب العموم ومثله غير عزيز في القرآن كقوله: ﴿ إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً  ﴾ ثم عاد إلى تعميم الخطاب بقوله: ﴿ يا أيها الناس قد جاءكم برهان ﴾ الآية.

فيحتمل أن يراد بالبرهان والنور كليهما القرآن، ويحتمل أن يراد بالبرهان محمد  لأنه يقيم البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل والنور المبين القرآن لأن سبب لوقوع نور الإيمان في القلب.

﴿ فأما الذين آمنوا بالله ﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ﴿ واعتصموا به ﴾ تمسكوا بدينه أو لجؤوا إليه في أن يثبتهم على الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان ﴿ فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ﴾ قال ابن عباس: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ ويهديهم إليه ﴾ أي إلى عبادته ﴿ صراطاً مستقيماً ﴾ هو الدين الحنيفي والتقدير صراطاً مستقيماً إليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة والفضل اللذات الحسية الباقية، وبالهداية اللذات الروحانية الدائمة.

ثم إنه  ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال: ﴿ يستفتونك ﴾ الآية.

قال أهل العلم: إنّ الله  أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ولهذا تسمى آية الصيف.

/ عن جابر قال: "اشتكيت فدخل عليّ رسول الله  وعندي سبع أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث.

قال: أحسن.

فقلت: الشطر؟

قال: أحسن.

ثم خرج وتركني قال: ثم دخل فقال: يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثين" .

وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام "كان رسول الله  في طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إن لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟

فنزلت" .

هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عدا الوالد والولد وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين.

﴿ إن امرؤ هلك ﴾ ارتفع ﴿ امرؤ ﴾ بمضرم يفسره هذا الظاهر، ومحل ﴿ ليس له ولد ﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ولد.

اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة: الأول أن الولد مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ولكنها تعصبها لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت" .

فعلى هذا فلو خلف بنتاً وأختاً فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة.

الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع.

الثالث قوله: ﴿ وله أخت ﴾ المراد الأخت من الأب والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول السورة بالإجماع.

ثم قال: ﴿ وهو يرثها ﴾ أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿ إن لم يكن لها ولد ﴾ أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت.

وأيضاً إن هذا في الأخ من الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث.

وأيضاً المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضاً مسقط للأخ لقوله  : " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " والأب أولى من الأخ.

ثم قال: ﴿ وإن كانتا ﴾ يعني من يرث بالإخوة ﴿ اثنتين ﴾ فأنث وثنى باعتبار الخبر كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله: ﴿ وإن كانوا إخوة ﴾ وأراد بالإخوة الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة.

روي أن الصديق قال في خطبة: ألا إنّ الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ قال البصريون: المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا.

وقال الكوفيون: لئلا تضلوا.

وقال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً.

ختم / السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان.

التأويل: ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض ﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿ لا تغلوا في دينكم ﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط.

فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له  يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله  : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم " .

﴿ وروح منه ﴾ لأنه تكوّن بأمر كن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿ قل الروح من أمر ربي  ﴾ ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله  بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ ولا تقولوا ثلاثة ﴾ يعني نفوسكم والرسول والله.

بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿ إنما الله إله واحد ﴾  أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ لكل هالك.

﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله ﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله: ﴿ إني عبد الله  ﴾ ﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله.

﴿ قد جاءكم برهان ﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه.

فمن ذلك برهان بصره ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ومنه برهان أنفه " "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" ومنه برهان لسانه ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز.

وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ } / [الأنفال:17] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل.

﴿ ألم نشرح لك صدرك  ﴾ وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي" ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك  ﴾ وبرهان كله ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده  ﴾ اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ .

والغلو في الدين: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، وكذلك الاعتداء: هو المجاوزة عن الحد الذي [حد لهم] في الفعل وفي النطق جميعا.

وقال بعضهم: تفسير الغلو ما ذكر: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ؛ فالقول على الله بما لا يليق [به] غلو.

وقيل: لا تغلوا: أي لا تَعَمَّقُوا في دينكم، ولا تَشَدَّدُوا؛ فيحملكم ذلك على الافتراء على الله، والقول بما لا يحل ولا يليق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ .

أي: الصدق.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ يقول: لا تقولوا لله -  - ولد ولا صاحبة.

وفي حرف حفصة -  ا -: "ولا تقولوا: الله ثالث ثلاثة؛ إنما هو إله واحد".

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ .

الخطاب بقوله: ﴿ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ في حقيقة المعنى - للخلق كلهم؛ لأن [على كل] الخلائق ألا يغلوا في دينهم، وهو في الظاهر في أهل الكتاب، والمقصود منه النصارى دون غيرهم من أهل الكتاب؛ حتى يعلم أن ليس في مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوصة دليل خصوصه؛ ولكن قد يراد بعموم اللفظ: الخصوص، بخصوص اللفظ: العموم؛ فيبطل به قول من يعتقد بعموم اللفظ عموم المراد، وبخصوص اللفظ خصوصه.

ثم افترقت النصارى على ثلاث فرق في عيسى  بعد اتفاقهم على أنه ابن مريم: قال بعضهم: هو إله، ومنهم من يقول: هو ابن الإله، ومنهم من يقول: هو ثالث ثلاثة: الرب، والمسيح، وأمّه؛ فأكذبهم الله - عز وجل - في قولهم، وأخبر أنه رسول الله ابن مريم، ولو كان هو إلهاً لكانت أمه أحق أن تكون إلهاً؛ لأن أمه كانت قبل عيسى -  - ومن كان قبلُ، أحق بذلك ممن يكون من بعد، ولأن من اتخذ الولد إنما يتخذ من جوهره، لا يتخذ من غير جوهره؛ فلو كان ممن يجوز أن يتخذ ولداً - لم يتخذ من جوهر البشر؛ كقوله -  -: ﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ...

 ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ .

قال بعضهم: كلمته: أن قال له: كن؛ فكان.

لكن الخلائق كلهم في هذا كعيسى؛ لأن كل الخلائق إنما كانوا بقوله - عز وجل -: كن؛ فكان؛ فليس لعيسى -  - في ذلك خصوصية.

وأصله أنه سمى كلمة الله لما ألقاها إلى مريم، ولا ندري أية كلمة كانت؛ وإنما خلقه بكلمته التي ألقاها إليها؛ فسمي بذلك، كما خلق آدم من تراب؛ فنسب إليه، وحواء خلقها من ضلع آدم؛ فنسبها إليه، وسائر الخلائق خلقهم من النطفة؛ فنسبهم إليها؛ فعلى ذلك عيسى، لما خلقه بكلمة ألقاها إليها - نسب إليه، لكن في آدم وغيره من الخلائق ذكر فيهم التغيير من حال إلى حال، ولم يذكر ذلك في عيسى؛ فيحتمل أن يكون له الخصوصية بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ [كقوله -  -:] ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ فسمي لذلك روحاً؛ لما به كان يحيي الموتى؛ ألا ترى أنه سمى القرآن روحاً، وهو قوله -  -: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا  ﴾ .

سماه روحاً؛ لما به يحيي القلوب، كما يحيي الأبدان بالأرواح.

وقيل: ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي: أحياه الله وجعله روحاً.

وقيل: ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي: رسولا منه.

وقيل: ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ أي: أمر منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ...

﴾ .

لأن الرسل كلهم لم يدعوكم إلى الذي أنتم عليه أنه ثالث ثلاثة؛ إنما دعاكم الرسل أنه الله إله واحد لا شريك له ولا ولد.

﴿ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ .

بما ذكرنا بالآية الأولى.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ ﴾ بالرفع، أي: لا تقولوا: هو ثلاثة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

نزه نفسه عن عظيم ما قالوا فيه بأن له ولداً، ثم أخبر أن له ما في السماوات وما في الأرض؛ وإنما يُتَّخَذُ الولد لإحدى خصال ثلاث: إما لحاجة تمسه؛ فيدفعها به عن نفسه، أو لوحشة تصيبه؛ فيستأنس به، أو لخوف غلبة العدو؛ فيستنصر به ويقهره، أو لما يخاف الهلاك؛ فيتخذ الولد ليرث ملكه.

فإذا كان الله -  - يتعالى عن أن تمسه حاجة أو تصيبه وحشة، أو لملكه زوال - يتعالى عن أن يتخذ ولداً وهو عبده.

﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً ﴾ .

قيل: حافظاً؛ وقيل: شهيداً.

وقيل: الوكيل: هو القائم في الأمور كلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ .

تكلم الناس في هذه الآية: قال الحسن: فيه دليل تفضيل الملائكة على البشر؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ ؛ لأن الثاني يخرج مخرج التأكيد للأول، وأبداً إنما يذكر ما به يؤكد؛ إذا كان أفضل منه وأرفع، لا يكون التأكيد بمثله ولا بما دونه؛ كما يقال: لا يقدر أن يحمل هذه الخشبة واحد ولا عشرة، ولا يعمل هذا العمل واحد ولا عدد؛ فهو على التأكيد يقال؛ فعلى ذلك الأول: خرج ذكر الملائكة على أثر ذكر المسيح؛ على التأكيد، وأبداً إنما يقع التأكيد بما هو أكبر، لا بما دونه.

والثاني: قال: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ ، وقال - عز جل -: ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ  ﴾ ، وقالوا: فكيف يستوي حال من يعصي مع حال من لا يعصي؟!

وحال من لا يفتر عن عبادته طَرْفَةَ عَيْنٍ مع حال من يرتكب المناهي؟!

والثالث: ما قال الله -  - حكاية عن إبليس؛ حيث قال لآدم وحواء - عليهما السلام - ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ .

لو لم يكن للملائكة فضل عندهم ومنزلة - ليس ذلك للبشر - لم يكن إبليس بالذي يغرهما بذلك الملك والوعد لهما أنهما يصيران مَلَكَيْنِ، ولا كان آدم وحواء بالذين يغتران بذلك - دل أن الملك أفضل من البشر.

والرابع: أن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - ما استغفروا لأحد، إلا بدءوا بالاستغفار لأنفسهم ثم لغيرهم من المؤمنين؛ كقول نوح  : ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...

﴾ الآية [نوح: 28]، وكقول إبراهيم -  - ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وما أمر [الله] - عز وجل - نبيه محمداً  بالاستغفار؛ فقال: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ الآية [محمد: 19] وقال: ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  ﴾ وما أمر بذلك، وما فعلوا ذلك؛ إلا ما يحتمل ذلك فيهم.

والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم؛ ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر؛ كقوله: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ وإلى هذا ذهب بعض الناس: بتفضيلهم الملائكة على البشر.

وقال آخرون بتفضيل البشر على الملائكة، ولا يجب أن يتكلم في تفضيل البشر على الإطلاق على الملائكة؛ لأنهم يعملون بالفساد وبكل فسق، إلا أن يتكلم في تفضيل أهل الفضل من البشر والمعروف منهم بذلك - على الملائكة؛ فذلك يحتمل أن يتكلم فيه.

ويذهب من قال بتفضيل من ذكرنا من البشر على الملائكة - إلى أنه: ليس في قوله  : ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ - [دلالة] على أن الملائكة كلهم أفضل منهم؛ لأنه إنما ذكر "المقربون"، لم يذكر الملائكة مطلقاً؛ فيجوز أن يكون لمن ذكر فضل على البشر، وكلامنا في تفضيل الجوهر على الجوهر، ولأن البشر ركب فيهم من الشهوات والأماني التي تدعوهم إلى ما فيه الخلاف لله والمعصية له، وجعل لهم أعداء أمروا بالمجاهدة معهم، من نحو: أنفسهم، والشياطين الذين سلطوا عليهم، ولا كذلك الملائكة؛ فمن حفظ نفسه، وصانها، وأخلصها من بين الأعداء، وقمع ما ركب فيهم من الشهوات، والحاجات الداعية إلى الخلاف لله والمعصية له - كان أفضل ممن لا يشغله شيء من ذلك، والله أعلم.

وما ذكر من اغترار آدم وحَوَّاء بقول إبليس: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ  ﴾ لا يحتمل أن يكون آدم لما خلقه من جوهر البشر، وأخبر أنه جعله خليفة في الأرض أنه يتناول ما نهي عنه؛ ليصير من جوهر الملائكة، ولكنه - والله أعلم - رأي أن الملائكة طبعوا على حب العبادة لله، ولم يركب فيهم من الشهوات والحاجات التي تشغل المرء عن العبادة لله والطاعة له - فأحب أن يطبع بطبعهم؛ ليقوم بعبادة الله كما قاموا هم، والله أعلم.

والتكلم في مثل هذا فضل؛ ذلك إلى الله  ، وإليه التخيّر والإفضال.

ثم تأويل قوله عز وجل - والله أعلم -: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يعبدون الملائكة دون الله، ويعبدون المسيح دونه؛ فأخبر أن أولئك الذين تعبدونهم أنتم لم يستنكفوا عن عبادتي؛ فكيف تستنكفون أنتم؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً ﴾ .

فهو - والله أعلم - على الإضمار؛ كأنه قال: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر، ومن لم يستنكف عن عبادته ولم يستكبر؛ فيسحشرهم إليه جميعاً.

ثم بين جزاء من لم يستنكف عن عبادته، ومن لم يستكبر، ومن استنكف واستكبر، فقال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ...

﴾ الآية، ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ...

﴾ الآية؛ وإلا لم يكن في الذين استنكفوا مؤمن؛ بل كانوا كلهم كفاراً؛ بالاستنكاف والاستكبار عن عبادته.

والاستنكاف والاستكبار واحد في الحقيقة، وقال الكساني: وإنما جمع بينهما؛ لاختلاف اللفظين، وهذا من حسن كلام العرب: كقول العرب: كيف حالك؟

وبالك؟

والحال والبال واحد، ومثله في القرآن والشعر كثير.

لكن الاستنكاف - والأنفة - لا يضاف إلى الله  ، والاستكبار يضاف، [فهما] من هذا المعنى مختلفان، وأما في الحقيقة فهما واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للنصارى أهل الإنجيل: لا تتجاوزوا الحد في دينكم، ولا تقولوا على الله في شأن عيسى -  - إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله أرسله بالحق، خَلقَهُ بكلمته التي أرسل بها جبريل -  - إلى مريم، وهي قوله: كُنْ، فكان، وهي نفخة من الله نفخها جبريل بأمر من الله، فآمِنوا بالله ورسله جميعًا دون تفريق بينهم، ولا تقولوا: الآلهة ثلاثة، انتهوا عن هذه المقولة الكاذبة الفاسدة يكن انتهاؤكم عنها خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، إنما الله إله واحد تنزه عن الشريك وعن الولد، فهو غني، له ملك السماوات وملك الأرض وملك ما فيهما، وحَسْبُ ما في السماوات والأرض بالله قيمًا ومدبرًا لهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.nA0vp"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله