الآية ٦ من سورة الكافرون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 109 الكافرون > الآية ٦ من سورة الكافرون

لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 51 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الكافرون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٦ من سورة الكافرون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لكم دينكم ولي دين ) كما قال تعالى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) [ يونس : 41 ] وقال : ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) [ القصص : 55 ] .

وقال البخاري : يقال : ( لكم دينكم ) الكفر ( ولي دين ) الإسلام .

ولم يقل : " ديني " لأن الآيات بالنون ، فحذف الياء ، كما قال : ( فهو يهدين ) [ الشعراء : 78 ] و ( يشفين ) [ الشعراء : 80 ] وقال غيره : لا أعبد ما تعبدون الآن ، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، وهم الذين قال : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) [ المائدة : 64 ] .

انتهى ما ذكره .

ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد ، كقوله : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) [ الشرح : 5 ، 6 ] وكقوله : ( لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ) التكاثر : 6 ، 7 ] وحكاه بعضهم - كابن الجوزي ، وغيره - عن ابن قتيبة ، فالله أعلم .

فهذه ثلاثة أقوال : أولها ما ذكرناه أولا .

الثاني : ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد : ( لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ) في الماضي ( ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد ) في المستقبل .

الثالث : أن ذلك تأكيد محض .

وثم قول رابع ، نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه ، وهو أن المراد بقوله : ( لا أعبد ما تعبدون ) نفي الفعل لأنها جملة فعلية ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) نفي قبوله لذلك بالكلية ; لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل ، وكونه قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا .

وهو قول حسن أيضا ، والله أعلم .

وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة : ( لكم دينكم ولي دين ) على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى ، وبالعكس ; إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به ; لأن الأديان - ما عدا الإسلام - كلها كالشيء الواحد في البطلان .

وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس ; لحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يتوارث أهل ملتين شتى " .

آخر تفسير سورة " قل يا أيها الكافرون " ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) يقول تعالى ذكره: لكم دينكم فلا تتركونه أبدا, لأنه قد ختم عليكم, وقضي أن لا تنفكوا عنه, وأنكم تموتون عليه, ولي دين الذي أنا عليه, لا أتركه أبدا, لأنه قد مضى في سابق علم الله أني لا أنتقل عنه إلى غيره.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قول الله: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) قال: للمشركين; قال: واليهود لا يعبدون إلا الله ولا يشركون, إلا أنهم يكفرون ببعض الأنبياء, وبما جاءوا به من عند الله, ويكفرون برسول الله, وبما جاء به من عند الله, وقتلوا طوائف الأنبياء ظلما وعدوانا, قال: إلا العصابة التي بقوا, حتى خرج بختنصر, فقالوا: عُزَير ابن الله, دعا الله ولم يعبدوه ولم يفعلوا كما فعلت النصارى, قالوا: المسيح ابن الله وعبدوه .

وكان بعض أهل العربية يقول: كرّر قوله: ( لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) وما بعده على وجه التوكيد, كما قال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا , وكقوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ .

آخر تفسير سورة الكافرون

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لكم دينكم ولي دين فيه معنى التهديد ؛ وهو كقوله تعالى : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي إن رضيتم بدينكم ، فقد رضينا بديننا .

وكان هذا قبل الأمر بالقتال ، فنسخ بآية السيف .

وقيل : السورة كلها منسوخة .

وقيل : ما نسخ منها شيء لأنها خبر .

ومعنى لكم دينكم أي جزاء دينكم ، ولي جزاء ديني .

وسمى دينهم دينا ، لأنهم اعتقدوه وتولوه .

وقيل : المعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي ؛ لأن الدين الجزاء .

وفتح الياء من ولي دين نافع ، والبزي عن ابن كثير باختلاف عنه ، وهشام عن ابن عامر ، وحفص عن عاصم .

وأثبت الياء في ( ديني ) في الحالين نصر بن عاصم وسلام ويعقوب ؛ قالوا : لأنها اسم مثل الكاف في دينكم ، والتاء في قمت .

الباقون بغير ياء ، مثل قوله تعالى : فهو يهدين فاتقوا الله وأطيعون ونحوه ، اكتفاء بالكسرة ، واتباعا لخط المصحف ، فإنه وقع فيه بغير ياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا ميز بين الفريقين، وفصل بين الطائفتين، فقال: { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } كما قال تعالى: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } { أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لكم دينكم ) الشرك ( ولي دين ) الإسلام ، قرأ ابن كثير ، ونافع ، وحفص : " ولي " بفتح الياء ، قرأ الآخرون بإسكانها .

[ وهذه الآية منسوخة بآية السيف ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لكم دينكم» الشرك «ولي دين» الإسلام وهذا قبل أن يؤمر بالحرب وحذف ياء الإضافة القراء السبعة وقفا ووصلا وأثبتها يعقوب في الحالين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكم دينكم الذي أصررتم على اتباعه، ولي ديني الذي لا أبغي غيره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) تذييل مؤكد لما قبله .

والدين : يطلق بمعنى العقيدة التى يعتقدها الإِنسان يدين بها ، وبمعنى الملة التى تجرى أقواله وأفعاله على مقتضاها ، وبمعنى الحساب والجزاء .

ومنه قولهم : دنت فلانا بما صنع ، أى : جازيته على صنيعه .واللفظ هنا شامل لكل ذلك ، أى : لكم - أيها الكافرون - دينكم وعقيدتكم التى تعتقدونها ولا تتجاوزكم إلى غيركم من المؤمنين الصادقين ، فلا عن رسولهم ومرشدهم صلى الله عليه وسلم ، ولى دينى وعقيدتى التى هى عقيدة التوحيد ، والتى بايعنى عليها أتباعى المؤمنون ، وهى مقصورة علينا ، وأنتم محرومون منها ، وسترون سوء عاقبة مخالفتكم لى .وقدم - سبحانه - المسند على المسند إليه ، لإِفادة القصد والاختصاص فكأنه قيل : لكم دينكم لا لغيركم ، ولى دينى لا لغيرى والله - تعالى - هو أحكم الحاكمين بينى وبينكم .وبذلك نرى السورة الكريمة ، قد قطعت كل أمل توهم الكافرون عن طريقه الوصول إلى مهادنة النبى صلى الله عليه وسلم ، وإلى الاستجابة لشئ من مطالبهم الفاسدة ، وإنما هو صلى الله عليه وسلم برئ براءة تامة منهم ومن معبوداتهم وعباداتهم .وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص له، فإن قيل: فهل يقال: إنه أذن لهم في الكفر قلنا: كلا فإنه عليه السلام ما بعث إلا للمنع من الكفر فكيف يأذن فيه، ولكن المقصود منه أحد أمور أحدها: أن المقصود منه التهديد، كقوله: ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ .

وثانيها: كأنه يقول: إني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فاتركوني ولا تدعوني إلى الشرك.

وثالثها: ﴿ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ فكونوا عليه إن كان الهلاك خيراً لكم ﴿ وَلِيُّ دِينِى ﴾ لأني لا أرفضه القول الثاني: في تفسير الآية أن الدين هو الحساب أي لكم حسابكم ولي حسابي، ولا يرجع إلى كل واحد منا من عمل صاحبه أثر ألبتة القول الثالث: أن يكون على تقدير حذف المضاف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني وحسبهم جزاء دينهم وبالاً وعقاباً كما حسبك جزاء دينك تعظيماً وثواباً القول الرابع: الدين العقوبة: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله  ﴾ يعني الحد، فلكم العقوبة من ربي، ولي العقوبة من أصنامكم، لكن أصنامكم جمادات، فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام، وأما أنتم فيحق لكم عقلاً أن تخافوا عقوبة جبار السموات والأرض القول الخامس: الدين الدعاء، فادعو الله مخلصين له الدين، أي لكم دعاؤكم ﴿ وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِي ضلال  ﴾ ﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ  ﴾ ثم ليتها تبقى على هذه الحالة فلا يضرونكم، بل يوم القيامة يجدون لساناً فيكفرون بشرككم، وأما ربي فيقول: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ  ﴾ ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ  ﴾ القول السادس: الدين العادة، قال الشاعر: يقول لها وقد دارت وضيني *** أهذا دينها أبدأ وديني معناه لكم عادتكم المأخوذة من أسلافكم ومن الشياطين، ولي عادتي المأخوذة من الملائكة والوحي، ثم يبقى كل واحد منا على عادته، حتى تلقوا الشياطين والنار، وألقى الملائكة والجنة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ يفيد الحصر، ومعناه لكم دينكم لا لغيركم، ولي ديني لا لغيري، وهو إشارة إلى قوله: ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ  ﴾ أي أنا مأمور بالوحي والتبليغ، وأنتم مأمورون بالامتثال والقبول، فأنا لمافعلت ما كلفت به خرجت من عهدة التكليف، وأما إصراركم على كفركم فذلك ممالا يرجع إلي منه ضرر ألبتة.

المسألة الثانية: جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة، وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر فيه، ثم يعمل بموجبه، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم، وصلى الله على سيدنا، وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون.

روي أنّ رهطاً من قريش قالوا: يا محمد، هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فقال: «معاذ الله أن أشرك بالله غيره» فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت؛ فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم فقرآها عليهم.

فأيسوا.

﴿ لاَ أَعْبُدُ ﴾ أريدت به العبادة فيما يستقبل، لأنّ (لا) لا تدخل إلاّ على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن (ما) لا تدخل إلاّ على مضارع في معنى الحال، ألا ترى أن (لن) تأكيد فيما تنفيه (لا).

وقال الخليل في (لن): أنّ أصله (لا أن) والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ أي: وما كنت قطّ عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه يعني: لم تعهد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى مني في الإسلام ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ أي: وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.

فإن قلت: فهلا قيل: ما عبدت، كما قيل: ما عبدتم؟

قلت: لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن يعبد الله تعالى في ذلك الوقت.

فإن قلت: فلم جاء على (ما) دون (من)؟

قلت: لأن المراد الصفة، كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق.

وقيل: إن (ما) مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ﴾ لكم شرككم، ولي توحيدي.

والمعنى: أني نبيّ مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني، فدعونى كفافاً ولا تدعوني إلى الشرك.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت منه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك ويعافي من الفزع الأكبر» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ أيْ في الحالِ أوْ فِيما سَلَفَ.

﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ أيْ وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ ما أنا عابِدُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا تَأْكِيدَيْنِ عَلى طَرِيقَةٍ أبْلَغَ وإنَّما لَمْ يَقُلْ ما عَبَدْتُ لِيُطابِقَ ما عَبَدْتُمْ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ المَبْعَثِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، وهو لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ، وإنَّما قالَ ما دُونَ مَن لِأنَّ المُرادَ الصِّفَةُ كَأنَّهُ قالَ: لا أعْبُدُ الباطِلَ ولا تَعْبُدُونَ الحَقَّ أوْ لِلْمُطابَقَةِ.

وقِيلَ: إنَّها مَصْدَرِيَّةٌ وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى الَّذِي والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ.

﴿ لَكم دِينُكُمْ ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ لا تَتْرُكُونَهُ.

﴿ وَلِيَ دِينِ ﴾ دِينِي الَّذِي أنا عَلَيْهِ لا أرْفُضُهُ، فَلَيْسَ فِيهِ إذْنٌ في الكُفْرِ ولا مَنعٌ عَنِ الجِهادِ لِيَكُونَ مَنسُوخًا بِآيَةِ القِتالِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا فُسِّرَ بِالمُتارَكَةِ وتَقْرِيرِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ عَلى دِينِهِ، وقَدْ فُسِّرَ ال دِينِ بِالحِسابِ والجَزاءِ والدُّعاءِ والعِبادَةِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ الكافِرُونَ فَكَأنَّما قَرَأ رُبْعَ القُرْآنِ وتَباعَدَتْ عَنْهُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ وبَرِئَ مَنِ الشِّرْكِ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ} لكم شرككم ولي توحيدي وبفتح الياء نافع وحفص وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فقال له نابذيا ابن مسعود فقرا قل يا أيها الكافرون ثم قال له في الركعة الثانية أخلص فقرأ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ فلما سلم قال يا ابن مسعود سل تجب والله أعلم

سورة النصر مدنية وهي ثلاث آيات

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم دِينُكُمْ ﴾ هو عِنْدَ الأكْثَرِينَ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولِيَ دِينِ ﴾ عِنْدَهم تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ والمَعْنى: أنَّ دِينَكم وهو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكم لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ فَلا تُعَلِّقُوا بِهِ أمانِيَكُمُ الفارِغَةَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ، وأنَّ دِينَيِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكم أيْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ خَتَمَ عَلى قُلُوبِكم لِسُوءِ اسْتِعْدادِكم أوْ لِأنَّكم عَلَّقْتُمُوهُ بِالمُحالِ الَّذِي هو عِبادَتِي لِآلِهَتِكم أوِ اسْتِلامِي لَها، أوْ لِأنَّ ما وعَدْتُمُوهُ عَيْنُ الإشْراكِ، وحَيْثُ إنَّ مَقْصُودَهم شَرِكَةُ الفَرِيقَيْنِ في كِلْتا العِبادَتَيْنِ كانَ القَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المَسْنَدِ قَصْرَ إفْرادٍ حَتْمًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ والآيَةُ عَلى ما ذُكِرَ مُحْكَمَةٌ غَيْرَ مَنسُوخَةٍ كَما لا يَخْفى، أوِ المُرادُ المُتارَكَةُ عَلى مَعْنى: إنِّي نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكم لِأدْعُوَكم إلى الحَقِّ والنَّجاةِ، فَإذا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ولَمْ تَتَّبِعُونِي فَدَعُونِي كَفافًا ولا تَدْعُونِي إلى الشِّرْكِ فَهي عَلى هَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

وفُسِّرَ الدِّينُ بِالحِسابِ؛ أيْ: لَكم حِسابُكم ولِي حِسابِي لا يَرْجِعُ إلى كُلٍّ مِنّا مِن عَمَلِ صاحِبِهِ أثَرٌ.

وبِالجَزاءِ أيْ: لَكم جَزاؤُكم ولِي جَزائِي.

قِيلَ: والكَلامُ عَلى الوَجْهَيْنِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَكُونُ إذا بَقِينا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِنا وإذا بَقِيتُ عَلى عِبادَةِ إلَهِكَ؟

فَقِيلَ: ( لَكم ) إلَخْ.

والمُرادُ: يَكُونُ لَهُمُ الشَّرُّ ويَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الخَيْرُ، لَكِنْ أتى بِاللّامِ في ( لَكم ) لِلْمُشاكَلَةِ وعَلَيْهِ لا نَسْخَ أيْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا تَكُونُ عَلَيْهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً، ولَعَلَّهُ لا يَخْفى.

وقَدْ يُفَسَّرُ الدِّينُ بِالحالِ كَما هو أحَدُ مَعانِيهِ حَسْبَما ذَكَرَهُ القالِي في أمالِيهِ وغَيْرُهُ؛ أيْ: لَكم حالُكُمُ اللّائِقُ بِكُمُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سُوءُ اسْتِعْدادِكُمْ، ولِي حالِي اللّائِقُ بِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ اسْتِعْدادِي، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ كالتَّعْلِيلِ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ فَلا نَسْخَ.

والأوْلى أنْ تُفَسَّرَ بِما لا تَكُونُ عَلَيْهِ مَنسُوخَةً؛ لِأنَّ النَّسْخَ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولِلْإمامِ الرّازِيِّ أوْجُهٌ في تَفْسِيرِها لا يَخْلُو بَعْضُها عَنْ نَظَرٍ.

وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ النّاسَ يَتَمَثَّلُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ المُتارَكَةِ؛ وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّ القُرْآنَ ما أُنْزِلَ لِيُتَمَثَّلَ بِهِ، بَلْ لِيُهْتَدى بِهِ، وفِيهِ مَيْلٌ إلى سَدِّ بابِ الِاقْتِباسِ، والصَّحِيحُ جَوازُهُ؛ فَقَدْ وقَعَ في كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَلامِ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ والأئِمَّةِ والتّابِعِينَ، ولِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ رِسالَةٌ وافِيَةٌ كافِيَةٌ في إزالَةِ الِالتِباسِ عَنْ وجْهِ جَوازِ الِاقْتِباسِ وما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ فَأظْهَرُ مِن أنْ يُنَبَّهَ عَلى ضَعْفِهِ.

وقَرَأ سَلّامٌ ويَعْقُوبُ: «دِينِي» بِياءٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها القُرّاءُ السَّبْعَةُ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ست آيات مكيّة قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وذلك أن قريشاً قالوا للنبي  : إن يَسُرّك بأن نتبعك عاماً ونترك ديننا ونتبع دينك وترجع إلى ديننا عاماً.

فنزلت هذه السورة وقال مقاتل: نزلت في المستهزئين وذلك أن النبي  لما قرأ سورة النجم وجرى على لسانه ما جرى فقال أبو جهل أخزاه الله لا يفارقنا إلا على أحد أمرين ندخل معك في بعض ما تعبد وتدخل معنا في بعض ديننا أو نتبرأ من آلهتنا وتتبرأ من إلهك فنزلت هذه السورة، وقال الكلبي: إنهم أتوا العباس فقالوا له: لو أن ابن أخيك استلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول وآمنا به فنزل قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ويقال إنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك يؤذينا ونحن لا نؤذيه بحرمتك فدعاه أبو طالب وذكر ذلك له فقال رسول الله  : «إنَّما أَدْعُوهُمْ إِلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ» فقال ما هي؟

قال: «لا إله إلا الله» فنفروا عن هذه الكلمة فنزلت قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ يعني: قل يا محمد لأهل مكة لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ يعني: لاَ أَعْبُدُ بعد هذا مَا تَعْبُدُونَ أنتم من الأوثان ولا أرجع إلى دينكم وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ يعني: لا تعبدون أنتم بعد هذا الرب الذي أعبده أنا حتى ترون ما يستقبلكم غدا وهذا كقوله عز وجل: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً [الكهف: 29] قوله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ مَّا عَبَدْتُّمْ يعني: لست أنا في الحال عابداً لأصنامكم وما كنت عابداً لها قبل هذا لأني علمت مضرة عبادتها وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ يعني: لستم عابدين في الحال لجهلكم وغفلتكم وقلة عقلكم.

ثم قال عز وجل: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ يعني: قد أكملت عليكم الحجة فليس عليّ أن أجبركم على الإسلام فاثبتوا على دينكم حتى تروا ماذا يستقبلكم غداً وأنا أثبت على ديني الذي أكرمني الله تعالى به ولا أرجع إلى دينكم أبداً وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم نسخ بآية القتال، فيها دليل أن الرجل إذا رأى منكراً أو سمع قولاً منكراً فأنكره فلم يقبلوا منه لا يجب عليه أكثر من ذلك وإنما عليه أن يحفظ مذهبه وطريقه ويتركهم على مذهبهم وطريقهم.

وقال الحسن سمعت شيخاً يحدث قال: بينما أسير مع النبيّ  فسمع رجلاً يقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فقال: «أَمَّا هذا فَقَدْ بَرِىء مِنَ الشِّرْكِ» وسمع رجلاً يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقال: «أَمَّا هذا فَقَدْ غَفَرَ الله تَعَالَى لَهُ» والله أعلم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الكافِرُونَ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.

ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها.

اخْتَلَفُوا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ لَقُوا العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقالُوا: يا أبا الفَضْلِ: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ أسْلَمَ بَعْضَ آلِهَتِنا لَصَدَّقْناهُ بِما يَقُولُ ولَآمَنّا بِإلَهِهِ، فَأتاهُ العَبّاسُ فَأخْبَرَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقِيا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالا يا مُحَمَّدُ: لا نَدَعُكَ حَتّى تَتَّبِعَ دِينَنا، ونَتَّبِعَ دِينَكَ، فَإنْ كانَ أمْرُنا رُشْدًا كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، وإنْ كانَ أمْرُكَ رُشْدًا كُنّا قَدْ أخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنْ سَرَّكَ أنْ نَتَّبِعَ دِينَكَ عامًا، وتَرْجِعَ إلى دِينِنا عامًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ،» قالَهُ وهْبٌ.

قالَ مُقاتِلٌ في آخَرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أبِي جَهْلٍ وفي المُسْتَهْزِئِينَ، ولَمْ يَبْقَ مِنَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ أحَدٌ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ فَهو في مَوْضِعِ " مَن " ولَكِنَّهُ جُعِلَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَعْبُدُونَ ﴾ وهي الأصْنامُ.

وفي تَكْرارِ الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِتَأْكِيدِ الأمْرِ، وحَسْمِ أطْماعِهِمْ فِيهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقَدْ أنْعَمْنا شَرْحَ هَذا في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ١٣] .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ في حالِي هَذِهِ ﴿ وَلا أنْتُمْ ﴾ في حالِكم هَذِهِ ﴿ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ فِيما أسْتَقْبِلُ، وكَذَلِكَ أنْتُمْ، فَنَفى عَنْهُ وعَنْهم ذَلِكَ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وهَذا في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، أعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، كَما ذَكَرْنا عَنْ مُقاتِلٍ، فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ تَكْرارًا، هَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ، والزَّجّاجِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ فَتَحَ ياءَ " ولِيَ " نافِعٌ، وحَفْصٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ.

وأثْبَتَ ياءَ " دِينِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.

وهَذا مَنسُوخٌ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ بِآيَةِ السَّيْفِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكافِرُونَ وهِيَ مَكِّيَّةٌ إجْماعًا.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ ﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: "قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا".

ورُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ جَماعَةً مِن عُتاةِ قُرَيْشٍ ورِجالاتِها قالُوا لِلنَّبِيِّ  : دَعْ ما أنْتَ فِيهِ ونَحْنُ نُمَوِّلُكَ ونُزَوِّجُكَ مَن شِئْتَ مِن كَرائِمِنا، ونُمَلِّكُكَ عَلَيْنا، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَلْتَعْبُدْ آلِهَتَنا ولَنَعْبُدْ إلَهَكَ حَتّى نَشْتَرِكَ، فَحَيْثُ كانَ الخَيْرُ نِلْناهُ جَمِيعًا، هَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ ولَفْظِهِمْ، لَكِنْ لِلرُّواةِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الجَماعَةَ المَذْكُورَةَ هُمُ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ، والأُسُودُ بْنُ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأُبِيُّ بْنُ خَلَفٍ وأبُو جَهْلٍ، وابْنا الحَجّاجِ ونُظَراؤُهم مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ، ولِرَسُولِ اللهِ  مَعَهم في هَذِهِ المَعانِي مَقاماتٌ نَزَلَتِ السُورَةُ في إحْداها بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: هَلُمَّ نَشْتَرِكُ في عِبادَةِ إلَهِكَ وآلِهَتِنا، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: اعْبُدْ إلَهَنا عامًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ عامًا، فَأخْبَرَهم عن أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يَعْبُدُ ما يَعْبُدُونَ، وأنَّهم غَيْرُ عابِدِينَ ما يَعْبُدُ، فَلَمّا كانَ قَوْلُهُ: "لا أعْبُدُ" مُحْتَمَلًا أنْ يُرادَ بِهِ "الآنَ" ويَبْقى المُسْتَأْنِفُ مُنْتَظِرًا ما يَكُونُ فِيهِ مِن عِبادَتِهِ جاءَ البَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ أيٍ أبَدًا وما حَيِيتُ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ حَتْمًا عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبَدًا كالَّذِي كَشَفَ الغَيْبَ، فَهَذا كَما قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ  ﴾ ، أما إنَّ هَذا في مَعْنَيَيْنِ، وقَوْمُ نُوحٍ عَمُّوا بِذَلِكَ، فَهَذا، مَعْنى التَرْدِيدِ الَّذِي في السُورَةِ وهو بارِعُ الفَصاحَةِ ولَيْسَ بِتَكْرارٍ فَقَطْ، بَلْ فِيهِ ما ذَكَرْتُهُ مَعَ التَأْكِيدِ والإبْلاغِ، وزادَ الأمْرَ بَيانًا وتَبَرِّيًا مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ وفي هَذا المَعْنى الَّذِي عَرَضَتْ قُرَيْشٌ نَزَلَ أيْضًا: ﴿ قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ  ﴾ .

وقَرَأ أبُو عُمَرَ: "وَلِيَ دِينِ" ساكِنَةَ الياءِ مِن "لِي" ونَصَبَها الباقُونَ بِخِلافٍ، عن كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ، وأمالَ قَوْمٌ "عابِدٌ" و"عابِدُونَ" وفَتَحَها قَوْمٌ، وهُما حَسَنَتانِ أيْضًا، ولَمْ يَخْتَلِفِ السَبْعَةُ في حَذْفِ الياءِ مِن "دِينِ"، وأثْبَتَها سَلّامٌ، ويَعْقُوبُ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: في هَذِهِ الألْفاظِ مُهادَنَةُ ما، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الكافِرُونَ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل وفذلكة للكلام السابق بما فيه من التأكيدات، وقد أُرسل هذا الكلام إرسالَ المثل وهو أجمع وأوجز من قول قيس بن الخطيم: نَحْن بما عندنا وأنتَ بما *** عنْدك راض والرأي مختلف ووقع في «تفسير الفخر» هنا: «جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبَّر فيه ثم يعمل بموجبه» ا ه.

وهذا كلام غير محرر لأن التمثل به لا ينافي العمل بموجبه وما التمثل به إلا من تمام بلاغته واستعداد للعمل به.

وهذا المقدار من التفسير تركه الفخر في المسودة.

وقدم في كلتا الجملتين المسندُ على المسند إليه ليفيد قصر المسند إليه على المسند، أي دينكم مقصور على الكون بأنه لكم لا يتجاوزكم إلى الكون لي، وديني مقصور على الكون بأنه لا يتجاوزني إلى كونه لكم، أي لأنهم محقق عدم إسلامهم.

فالقصر قصر إفراد، واللام في الموضعين لشِبه الملك وهو الاختصاص أو الاستحقاق.

والدين: العقيدة والملة، وهو معلومات وعقائد يعتقدها المرء فتجري أعماله على مقتضاها، فلذلك سمي دِيناً لأن أصل معنى الدين المعاملة والجزاء.

وقرأ الجمهور ﴿ دين ﴾ بدون ياء بعد النون على أن ياء المتكلم محذوفة للتخفيف مع بَقاء الكسرة على النون.

وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف.

وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف بدون ياء اعتماداً على حفظ الحفاظ لأن الذي يُثبت الياء مثل يعقوب يُشبع الكسرة إذ ليست الياء إلا مَدّة للكسرة فعدم رسمها في الخط لا يقتضي إسقاطها في اللفظ.

وقرأ نافع والبزي عن ابن كثير وهشام عن ابن عامر وحفص عن عاصم بفتح الياء من قوله: ﴿ ولي ﴾ .

وقرأه قنبل عن ابن كثير وابنُ ذكوان عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف بسكون الياء.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الكافِرُونَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ومَدَنِيَّةٌ في أحَدِ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ.

﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ الآياتِ، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ والأُسُودَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ.

وَنَعْبُدُ ما تَعْبُدُ، ونَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في أمْرِنا كُلِّهِ، فَإنْ كانَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ خَيْرًا مِمّا بِأيْدِينا كُنّا قَدْ كُنّا قَدْ شَرَكْناكَ فِيهِ وأخَذْنا بِحَظِّنا مِنهُ، وإنْ كانَ الَّذِي بِأيْدِينا خَيْرًا مِمّا بِيَدَيْكَ كُنْتَ قَدْ شَرَكْتَنا في أمْرِنا وأخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ ﴾ » فَصارَ حَرْفُ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ وسُورَةِ الإخْلاصِ والمُعَوِّذَتَيْنِ مَتْلُوًّا، لِأنَّها نَزَلَتْ جَوابًا، عَنى بِالكافِرِينَ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ، لا جَمِيعَ الكافِرِينَ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ، فَعَبَدَ اللَّهَ، ومِنهم مَن ماتَ أوْ قُتِلَ عَلى كُفْرِهِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِهَذا القَوْلِ فَمِنهُمُ المَذْكُورُونَ.

﴿ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ الأوْثانِ.

﴿ وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ﴾ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ، الآياتِ.

فَإنْ قِيلَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّكْرارِ؟

قِيلَ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ في الأوَّلِ ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ و(لا تَعْبُدُونَ) يَعْنِي في الحالِ، وقَوْلَهُ الثّانِي: يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ في قَوْلِهِ ﴿ لا أعْبُدُ ﴾ ﴿ وَلا أنْتُمْ ﴾ الآيَةَ يَعْنِي في المُسْتَقْبَلِ، والثّانِي: إخْبارٌ عَنْهُ وعَنْهم في الماضِي، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَكْرارًا لِاخْتِلافِ المَقْصُودِ فِيهِما.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ (ما أعْبُدُ) ولَمْ يَقُلْ (مَن أعْبُدُ) ؟

قِيلَ: لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ﴾ وهي أصْنامٌ وأوْثانٌ، ولا يَصْلُحُ فِيها إلّا (ما) دُونَ (مَن) فَحُمِلَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ لِيَتَقابَلَ الكَلامُ ولا يَتَنافى.

﴿ لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَكم دِينُكُمُ الَّذِي تَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولِيَ دِينِي الَّذِي أعْتَقِدُهُ مِنَ الإسْلامِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: لَكم جَزاءُ عَمَلِكم، ولِيَ جَزاءُ عَمَلِي.

وَهَذا تَهْدِيدٌ مِنهُ لَهم، ومَعْناهُ وكَفى بِجَزاءِ عَمَلِي ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في القُرْآنِ سُورَةٌ أشَدُّ لِغَيْظِ إبْلِيسَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها تَوْحِيدٌ وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير رضي الله عنه قال: أنزلت بالمدينة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوّجوه ما أراد من النساء، فقالوا: هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكر آلهتنا بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح.

قال: ما هي؟

قالوا: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة.

قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ الآية.

وأنزل الله: ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ﴾ [ الزمر: 64] إلى قوله: ﴿ الشاكرين ﴾ [ الزمر: 66] .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن وهب قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك عاماً وترجع إلى ديننا عاماً فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ حتى انقضت السورة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قريشاً قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فأنزل الله: ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ السورة كلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال: كانت هذه السورة تسمى المقشقشة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت ثم جاء مقام إبراهيم فقرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ [ البقرة: 125] ثم صلى فقرأ بفاتحة الكتاب و ﴿ قل هو الله أحد الله الصمد ﴾ [ الاخلاص: 1] فقال كذلك الله: ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ قال: ذاك الله ﴿ ولم يكن له كفواً أحد ﴾ قال: كذلك الله ثم ركع وسجد ثم قرأ بفاتحة الكتاب و ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ قال: لا أعبد إلا الله ﴿ ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ فقال: لا أعبد إلا الله ﴿ لكم دينكم ولي دين ﴾ ثم ركع وسجد.

وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن ماجة عن ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد صلاة المغرب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت ثم صلى ركعتين قرأ فيهما ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بسبح وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد.

وأخرج مسلم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين مرة وفي لفظ شهراً فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن الضريس والحاكم في الكنى وابن مردويه عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً في غزوة تبوك فسمعته يقرأ في ركعتي الفجر ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ويقول: نعم السورتان تعدل واحدة بربع القرآن والأخرى بثلث القرآن.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل صلاة الفجر ب ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ كانت له عدل ربع القرآن» .

وأخرج الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن أبي العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فكأنما قرأ ربع القرآن ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فكأنما قرأ ثلث القرآن» .

وأخرج مسدد عن رجل من الصحابة قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعاً وعشرين مرة يقول: «نعم السورتان يقرأ بهما في الركعتين الأحد الصمد و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن الضريس والبغوي وحميد بن زنجويه في ترغيبه عن شيخ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فمر برجل يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فقال: أما هذا فقد برئ من الشرك، وإذا آخر يقرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم بها وجبت له الجنة» ، وفي رواية: «أما هذا فقد غفر له» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن فروة بن نوفل بن معاوية الأشجعي عن أبيه أنه قال يا رسول الله علمني ما أقول إذا أويت إلى فراشي قال: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن مردويه عن عبد الرحمن بن نوفل الأشجعي عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: إني حديث عهد بشرك فمرني بآية تبرئني من الشرك فقال: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » قال: فما أخطأها أبي من يوم ولا ليلة حتى فارق الدنيا.

وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنوفل بن معاوية الأشجعي: «إذا أتيت مضجعك للنوم فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ فإنك إذا قرأتها فقد برئت من الشرك» .

وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن الحارث بن جبلة وقال الطبراني عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة قال: قلت يا رسول الله: علمني شيئاً أقوله: عند منامي قال: «إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «اقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ عند منامك فإنها براءة من الشرك» .

وأخرج الديلمي عن عبدالله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المنافق لا يصلي الضحى ولا يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » .

وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على كلمة تنجيكم من الإِشراك بالله، تقرؤون ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ عند منامكم» .

وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن خباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أخذت مضجعك فاقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ » وان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت فراشه قط إلا قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ حتى يختم.

وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لقي الله بسورتين فلا حساب عليه ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي مسعود الأنصاري قال: من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ في ليلة فقد أكثر وأطاب.

وأخرج الطبراني في الصغير عن علي قال: «لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي، فلما فرغ قال: لعن الله العقرب لا تدع مصلياً ولا غيره ثم دعا بماء وملح وجعل يمسح عليها ويقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ [ الفلق: 1] و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ [ الناس: 1] » .

وأخرج أبو يعلى عن جبير بن مطعم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتحب يا جبير إذا خرجت سفراً أن تكون أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زاداً؟

قلت: نعم بأبي أنت وأمي.

قال: فاقرأ هذه السور الخمس ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ و ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾ [ النصر: 1] و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] و ﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾ و ﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾ وافتتح كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم» قال جبير: وكنت غنياً كثير المال، فكنت أخرج في سفر فأكون من أبذهم هيئة وأقلهم زاداً، فما زلت منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأت بهن أكون من أحسنهم هيئة وأكثرهم زاداً حتى أرجع من سفري.

وأخرج ابن الضريس عن عمرو بن مالك قال: كان أبو الجوزاء يقول: أكثروا من قراءة ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وابرأوا منهم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

سبب هذه السورة «أن قوماً من قريش منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاصي بن وائل وأبو جهل ونظراؤهم قالوا: يا محمد اتبع ديننا ونتبع دينك، أعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة.

فقال: معاذ الله أن نشرك بالله شيئاً، ونزلت السورة» في معنى البراءة من آلهتهم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأها برئ من الشرك ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ هذا إخبار أنه لا يعبد أصنامهم، فإن قيل: لم كرر هذا المعنى بقوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ ؟

فالجواب من وجهين أحدهما قاله الزمخشري وهو أن قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يريد في الزمان المستقبل وقوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ يريد به فيما مضى، أي ما كنت قط عابداً ما عبدتم فيما سلف، فكيف تطلبون ذلك مني الآن.

الثاني قاله ابن عطية: وهو أن قوله: لا أعبد ما تعبدون لما كان يحتمل أن يراد به زمان الحال خاصة قال: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ أي: أبداً ما عشت.

لأن لا النافية إذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للاستقبال فقوله: لا أعبد لا يحتمل أن يراد به الحال.

ويحتمل عندي أن يكون قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ يراد به في المستقبل.

على حسب ما تقتضيه لا من الاستقبال، ويكون قوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ يريد به في الحال، فيحصل من المجموع نفي عبادته الأصنام في الحال والاستقبال.

ومعنى الحال في قوله: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ ثم أظهر من معنى المضي الذي قاله الزمخشري، ومن معنى الاستقبال فإن قولك: ما زيد بقائم ينفي الجملة الاسمية يقتضي الحال.

﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ هذا إخبار أن هؤلاء الكفار لا يعبدون الله، كما قيل لنوح: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ [هود: 36] إلا أن هذا في حق قوم مخصوصين ماتوا على الكفر، وقد روي أن هؤلاء الجماعة المذكورين هم أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبيّ بن خلف وابن الحجاج وكلهم ماتوا كفاراً، فإن قيل: لم قال ما أعبد بما دون من التي هي موضوعة لمن يعقل؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدهما أن ذلك لمناسبة قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ فإن هذا واقع على الأصنام التي لا تعقل ثم جعل ما أعبد على طريقته لتناسب اللفظ.

الثاني أنه أراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، قال الزمخشري.

الثالث أن ما مصدرية والتقدير: لا أعبد عبادتكم ولا تعبدون عبادتي وهذا ضعيف، فإن قيل لم كرّر هذا المعنى واللفظ فقال بعد ذلك: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ مرة أخرى؟

فالجواب من وجهين: أحدهما قول الزمخشري: وهو أن الأوّل في المستقبل والثاني فيما مضى والآخر قاله ابن عطية وهو أن الأول في الحال والثاني في الاستقبال فهو حتم عليهم أن لا يؤمنوا أبداً ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ أي لكم شرككم ولي توحيدي وهذه براءة منهم، وفيها مسالمة منسوخة بالسيف.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عابدون ﴾ وما بعده بالإمالة قتيبة والحلواني عن هشام ﴿ ولي الدين ﴾ بالفتح: نافع غير إسماعيل وحفص والمفضل وهشام وزمعة عن ابن كثير ﴿ وديني ﴾ بالإسكان في الحالين: يعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ الكافرون ﴾ ه لا ﴿ ما تعبدون ﴾ ه لا ﴿ أعبد ﴾ ه ج للتكرار مع العطف ﴿ عبدتم ﴾ ه لا ﴿ أعبد ﴾ ه ط ﴿ دين ﴾ ه.

التفسير: هذد السورة تسمى أيضاً سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة.

وروي " "من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن" فأوّلها العلماء بأن القرآن فيه مأمورات ومنهيات، وكل منهما إمّا أن يتعلق بالقلب والجوراح، وإما أن يتعلق بالجوارح، وهذه السورة تتضمن القسم الثالث أعني النهي المتعلق بالقلب فكانت ربعاً لما يتعلق بالتكاليف من القرآن بل ربعاً للقرآن لأن المقصود الأصلي من المواعظ والقصص وغيرها هو التزام التكاليف كما قال  ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ يروى أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف قالوا لرسول الله  تعال حتى نعبد إلهك مدّة وتعبد إلهنا مدّة فيحصل الصلح بيننا وبينك وتزول العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيداً أخذنا منه حظاً، وإن كان أمرنا رشيداً أخذت منه حظاً فنزلت هذه السورة ونزل قوله ﴿ قل أفغير الله تأمرونّي أعبد أيها الجاهلون  ﴾ فتارة وصفهم بالجهل وتارة خاطبهم بالكفر، فالجهل كالشجرة والكفر كالثمرة، ولكن الكفر أشنع من الجهل، فقد يكون الجهل غير ضارّ كما روي أنه  قال في علم الأنساب " "علم لا ينفع ولا يضر" ولهذا خصت السورة بهذا الخطاب لأنها بأسرها فيهم.

وروي عن علي  أن " يا " نداء النفس " و" أي" نداء القلب و " ها " نداء الروح.

وبوجه آخر " يا " للغائب و " أي " للحاضر و " ها " للتنبيه.

كان الله  يقول أدعوك ثلاثاً ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجلهلك بحقي.

ثم الخطاب مع جميع الكفار أو مع بعضهم، وعلى الأول يدخله التخصيص لا محالة لأن فيهم من يعبد الله كأهل الكتاب فلا يجوز أن يقول لهم ﴿ لا أعبد ما تعبدون ﴾ وفيهم من آمن بعد ذلك فلا يجوز أن يخبر عنهم بقوله ﴿ ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ وعلى الثاني يكون خطاباً لبعض الكفرة المعهودين الحاضرين وهو الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، ولا يلزم التخصيص فيكون أولى.

أما ظاهر التكرار الذي وقع في هذه السورة ففيه قولان: أحدهما أنه للتأكيد وأىّ موضع أحوج إلى التأكيد من هذا المقام فإنهم رجعوا إلى النبي  فيما طلبوا منه مراراً، وسكت الرسول  عن الجواب فوقع في قلوبهم أنه قد مال إلى دينهم بعض الميل.

وروي أنهم ذكروا قولهم تعبد إلهنا مدة ونعبد إلهك مدة مرتين، فأجيبوا مكرراً على وفق قولهم وهو نوع من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد قد يجاب عنه بنفيه مكرراً للاستخفاف وحسم مادة الطمع.

القول الثاني: إن الأول للمستقبل وعلامته لا التي هي للاستقبال بدليل أن " لن " نفي للاستقبال على سبيل التوكيد أو التأبيد.

وزعم الخليل أن أصله " لا أن " والثاني للحال والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي.

ثم قال ﴿ ولا أنا عابد ﴾ في الحال ﴿ ما عبدتم ولا أنتم ﴾ في الحال بعابدين لمعبودي.

وعلى هذا القول زعم بعضهم أن الأمر بالعكس إذا الترتيب أن ينفى الحال أوّلاً ثم الاستقبال، وللأولين أن يجيبوا بأنهم إنما دعوه إلى عبادة غير الله في الاستقبال فكان الابتداء به أهم.

وفائدة الإخبار عن الحال وكان معلوماً أنه ما كان يعبد الصنم والكفار كانوا يعبدون الله في بعض الأحوال هي أن لا يتوهم أحد أنه يعبد غير الله سراً خوفاً أو طمعاً، وعبادة الكفار لم تكن معتدّاً بها لأجل الشرك.

ولأبي مسلم قول ثالث هو أن ما في الأولين بمعنى الذي، وأما في الآخرين فمصدرية أي ولا أنا عابد عبادتكم المبنية على الإشراك، ولا أنتم عابدون عبادتي المبنية على اليقين.

ووجه رابع وهو أن يحمل الأول على نفي الالتماس الصادر عنهم، والآخر على النفي المطلق العام المتناول لجميع الجهات كمن يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعم فيقول: لا أظلم لغرض التنعم بل لا أظلم رأساً لا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض.

قوله ﴿ ما تعبدون ﴾ ليس فيه إشكال إنما الإشكال في قوله ﴿ ما أعبد ﴾ فأجيب بعد تسليم أن " ما " ليست أعم بأن المراد به الصفة كأنه قيل: لا أعبد الباطل ولكن أعبد الحق أو هي " ما " المصدرية على نحوم ما مر، أو هي للطباق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ فإن قيل: لما كان المقام مقام التأكيد والمبالغة ولهذا كرر ما كرر فلم لم يقل " لن أعبد " كما قال أصحاب الكهف ﴿ لن ندعو من دونه إلهاً  ﴾ قلت: إن أصحاب الكهف كانوا متهمين بعبادة الأصنام لأنه قد وجد منهم ذلك قبل أن أرشدهم الله، وإن محمداً  لم يكن متهماً بذلك قط يحتج إلى المبالغة بـ " لن " ثم أوّل السورة لما اشتمل على التشديد البليغ وهو النداء بالكفر والتكرير فاشتمل آخرها على اللطف من بعض الوجوه كأنه قال: قد بالغت في منعكم من هذا الأمر القبيح فإن لم تقبلوا قولي فاتركوني سواء بسواء.

قال ابن عباس: لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص.

ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن السورة منسوخة بآية القتال.

والمحققون على أنه لا نسخ بل المراد التهديد كقوله ﴿ اعملوا ما شئتم  ﴾ وقيل: الدين الجزاء.

وقيل: المضاف محذوف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني.

وقيل: الدين العبادة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ...

﴾ إلى آخرها.

ذكر أنها نزلت في منابذة المتمردين المعاندين منهم، الذين علم الله -  - منهم أنهم لا يؤمنون أبدا، ولا يرجعون عما هم عليه من عبادة الأوثان إلى التوحيد والإسلام؛ لأنه لا كل كافر يكون على وصف أنه لا يعبد الله -  - في وقت من الأوقات؛ إذ قد يجوز أن يكون كافراً في وقت، ثم يسلم في وقت آخر؛ فدل ما ذكرنا أنها نزلت في المتمردين المعاندين الذين علم الله -  - أنهم يثبتون على الكفر، ولا يؤمنون أبدا، وكان كما أخبر،؛ ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ إذ أخبر أنهم لا يؤمنون، فلم يؤمنوا، وماتوا على الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ أنتم الآن، ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ ﴾ اليوم ﴿ مَآ أَعْبُدُ ﴾ فيما بعد اليوم.

وقال بعضهم: الأول: فيما مضى من الوقت، والثاني إخبار عن الحال، والآخر فيما بقي من الوقت.

ولكن لا يجيء أن يكون هكذا؛ بل يجيء أن يكون قوله: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ في حادث الوقت؛ لأن حرف "ما" إنما يستعمل في حادث الأوقات، يقول الرجل: لا أفعل كذا، يريد به: حادث الوقت.

وقوله: ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ كذلك - أيضا - في حادث الأوقات، أو إخبار عن الحال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴾ إنما هو إخبار عن الماضي من الأوقات؛ كأنه يقول: لم أكن أنا عابدا في وقت من الأوقات، وهذا يدل على أن رسول الله  لم يكن عبد غير الله قط.

وفي هذه السورة وجهان من الدلالة: أحدهما: ما ذكرنا من إثبات الرسالة.

والثاني: إخبار عن الإياس لهم من رسول الله  عن أن يرجع إلى دينهم أبدا، وقطع رجائهم وطمعهم في ذلك.

وفيه - أيضا - أن من أشرك غيره في عبادة الله -  وتعالى - أو عبد غيره دونه على رجاء القربة إلى الله -  - فهو ليس بعابد لله -  - ولا موحد له؛ لأن أولئك إنما عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم، ورجاء أن تقربهم إلى الله -  - زلفى؛ أخبر أنها لا تقربهم زلفى، وأنهم ليسوا بموحدين، ولا عابدين لله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: لكم جزاء دينكم الذي دنتم، ولي جزاء ديني الذي دنت.

والثاني: على المنابذة والإياس، لكم ما اخترتم من الدين، ولي ما اخترت، لا يعود واحد منا إلى دين الآخر، وكان قبل ذلك يطمع كل فريق عود الفريق الآخر إلى دينهم الذي هم عليه.

وقوله -  -: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ليس على الأمر، على ما نذكر في سورة الإخلاص والمعوذتين؛ إذ لو كان على الأمر فهو يلزم أن يقول كل واحد منا لكل كافر ذلك، فإذا لم يلزم دل أنه ليس على الأمر.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولى دين).

وعنه أنه قال: "من قرأ هذه السورة فقد أكثر وأطنب".

وفي حديث مرفوع من النبي  أنه قال لرجل: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ؛ فإنه براءة من الشرك" وأهل التأويل يقولون: إن سببن زول هذه ومنابذته أياهم: أن رهطا من قريش قالوا لرسول الله  : هلم فلنعبد ما تعبد، واعبد أنت ما نعبد نحن؛ فيكون أمرنا أمرا واحدا؛ فنزلت هذه السورة.

قال أبو عوسجة: الدين: العادة، تقول: هذا ديني، أي: عادتي.

ثم المعنى الذي وقع عليه التكرار لهذه الأحرف عندنا: أن التكرار حرف جرى الاستعمال به في موضع المبالغة والتأكيد لما قصد به من الكلام في أي كلام كان، رجاء كان، أو وعيداً أو غيره، كقولهم: بخ بخ، والويل الويل، وهيهات هيهات، وغير ذلك، فكذلك في هذا الموضع لما وقع الإياس عن إيمانهم بالله -  - بما علم النبي  بطريق الوحي أنهم لا يؤمنون، كرر هذا الكلام؛ تأكيدا للإياس وإبلاغا فيه، والله أعلم.

[وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لكم دينكم الَّذي ابتدعتموه لأنفسكم، ولي ديني الَّذي أنزله الله عليّ.

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(الكافر): هو المعاند الجاحد الذي رأى ضياء الحق أغمض عينيه وإذا سمع الحرف من كلمته سد أذنيه..

ذلك الذي لا يبحث في دليل بعد عرضه عليه ولا يذعن لحجة إذا اخترقت فؤاده، بل يدفع جميع ذلك حبًا فيما وجد نفسه فيه مع الكثير ممن حوله، واستند في التمسك به إلى تقليد من سلفه.

فهذا الصنف هو الذي قال الله فيه: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ  وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ .

بعض هذا الصنف -بل الغالب من أفراده- يقول للداعي إلى الحق، أو يحدث نفسه ليلهيها عن فهمه: إلى ما يدعونا؟!

إلى الله؟

فنحن نعتقد به.

إلى توحيده؟

فنحن نوحده.

وغاية ما في الأمر نتخذ شفعاء إليه نسأله بحقهم عنده، أو بمكانتهم لديه..

إلى عبادته؟

فنحن نركع ونسجد له!

وغاية ما عندنا -زيادة على ذلك- أننا نعظم أولياءه وأهل الشفاعة عنده، ونتوسل إليهم ليتوسلوا إليه.

هذه وساوسهم وهذه أمانيهم، فأراد الله سبحانه أن يقطع العلاقة بينهم وبين ما عليه الداعي إلى الحق  بأصرح ما يمكن أن يصرح به فقال له: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ  لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ  ﴾ : أي أن الإله الذي تزعمون أنكم تعبدونه ليس هو الذي أعبده لأنكم إنما تعبدون ذلك الذي يتخذ الشفعاء أو الولد، أو الذي يظهر في شخص، أو يتجلى في صورة معينة، أو نحو ذلك مما تزعمون.

وإنما أعبد إلهًا منزهًا عن جميع ما تصفون به إلهكم.

﴿ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ  ﴾ أي أنكم لستم بعابدين إلهي الذي أدعو إليه، كما تزعمون.

فإنكم زعمتم أن الذي تعبدونه يتقرب إليه بتعظيم الوسائط لديه فتوسلتم بها إليه، وتعتقدون أنه يقبل توسطها عنده.

فهذا الذي تعبدونه ليس الذي أعبد، فلهذا لا تعبدون ما أعبد، بل تعصونه وتخالفون أمره.

ثم لما كانوا يظنون أن عبادتهم التي يؤدونها أمام شفعائهم، أو في المعابد التي أقاموها لهم وبأسمائهم، أو يؤدونها لله في المعابد الخاصة به، أو في خلواتهم -وهم على اعتقادهم بالشفعاء- عبادة لله خالصة، وأن النبي  لا يفضلهم في شيء..

نفى أن تكون عبادته مماثلة لعبادتهم، وأن تكون عبادتهم مماثلة لعبادته فقال: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ  ﴾ .

فما هذه مصدرية، وليست بالموصولة مثل التي تقدمت، أي ولا أنا بعابد عبادتكم.

(ولا أنتم عابدون ما أعبد): أي ولا أنتم عابدون عبادتي.

فمفاد الجملتين الأوليين الاختلاف التام في المعبود.

ومفاد الجملتين الأخريين تمام الاختلاف في العبادة: فلا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة، لأن معبودي ذلك الإله الواحد المنزه عن الند والشفيع، المتعالي عن الظهور في شخص معين أو المحاباة لشعب أو واحد بعينه، الباسط فضله لكل من أخلص له، الآخذ قهرة بناصية كل من نابذ المبلغين الصادقين عنه.

والذي تعبدونه على خلاف ذلك..

وعبادتي مخلصة لله وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك، مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى فلا تسمى على الحقيقة عبادة، فأين هي من عبادتي؟

﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ  ﴾ دينكم مختص بكم لا يتعداكم إلي، فلا تظنوا أني عليه أو على شيء منه، (ولي دين) أي ديني هو دين خاص بي، وهو الذي أدعو إليه، ولا مشاركة بينه وبين ما أنتم عليه.

ولا يخفى أن هذا المعنى الذي بيناه، هو ما يهدي إليه أسلوب السورة الشريفة -خصوصًا هذه الآية الأخيرة (لكم دينكم ولي دين)- فإنها صريحة في أن المراد نفي الخلط المزعوم.

وما دلت عليه السورة هو ما دلت عليه آية ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ أي لا علاقة بينك وبينهم لا في المعبود ولا في العبادة.

وأما ما قيل من غير ذلك، فإن صح شيء مما ورد فيه، فأحمله على معناه مستقلًا عن معنى السورة، ولا تغتر بكل ما يقال.

فأفضل ما تفهم هو أقرب ما يفهم.

والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة الكافرون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله