الآية ١٠١ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٠١ من سورة يوسف

۞ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِى مُسْلِمًۭا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ ١٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠١ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠١ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا دعاء من يوسف الصديق ، دعا به ربه عز وجل ، لما تمت النعمة عليه ، باجتماعه بأبويه وإخوته ، وما من الله به عليه من النبوة والملك ، سأل ربه عز وجل ، كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة ، وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه .

قاله الضحاك ، وأن يلحقه بالصالحين ، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين ، صلوات الله وسلامه [ عليه و ] عليهم أجمعين .

وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف ، عليه السلام ، قاله عند احتضاره ، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ، رضي الله عنها; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل يرفع أصبعه عند الموت ، ويقول : " اللهم في الرفيق الأعلى ، اللهم في الرفيق الأعلى ، اللهم في الرفيق الأعلى " .

ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله ، وانقضى عمره; لا أنه سأل ذلك منجزا ، كما يقول الداعي لغيره : " أماتك الله على الإسلام " .

ويقول الداعي : " اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين " .

ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا ، وكان ذلك سائغا في ملتهم ، كما قال قتادة : قوله : ( توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) لما جمع الله شمله وأقر عينه ، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها وغضارتها ، فاشتاق إلى الصالحين قبله ، وكان ابن عباس يقول : ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف ، عليه السلام .

وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس : أنه أول نبي دعا بذلك .

وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام .

كما أن نوحا أول من قال : ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ) [ نوح : 28 ] ويحتمل أنه أول من سأل نجاز ذلك ، وهو ظاهر سياق قتادة ، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا .

قال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، فإن كان لا بد متمنيا الموت فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " .

[ ورواه البخاري ومسلم ، وعندهما : " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد ، وإما مسيئا فلعله يستعتب ، ولكن ليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي " ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا معان بن رفاعة ، حدثني علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا ورققنا ، فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء ، فقال : يا ليتني مت!

فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : " يا سعد أعندي تتمنى الموت ؟

" فردد ذلك [ ثلاث ] مرات ثم قال : " يا سعد ، إن كنت خلقت للجنة ، فما طال عمرك ، أو حسن من عملك ، فهو خير لك " وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو يونس - هو سليم بن جبير - عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدعون به من قبل أن يأتيه ، إلا أن يكون قد وثق بعمله ، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله ، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا " تفرد به أحمد .

وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به ، أما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت ، كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالوا : ( ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) [ الأعراف : 126 ] وقالت مريم لما أجاءها المخاض ، وهو الطلق ، إلى جذع النخلة ( ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ) [ مريم : 23 ] لما تعلم من أن الناس يقذفونها بالفاحشة; لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت وولدت ، فيقول القائل أنى لها هذا ؟

ولهذا واجهوها أولا بأن قالوا : ( يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ) [ مريم : 27 ، 28 ] فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا ، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله ، وكان آية عظيمة ومعجزة باهرة ، صلوات الله وسلامه عليه ، وفي حديث معاذ ، الذي رواه الإمام أحمد والترمذي ، في قصة المنام والدعاء الذي فيه : " وإذا أردت بقوم فتنة ، فتوفني إليك غير مفتون " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سلمة ، أنا عبد العزيز بن محمد ، عن عمرو ، عن عاصم ، عن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " اثنتان يكرههما ابن آدم الموت ، والموت خير للمؤمن [ من الفتنة ] .

ويكره قلة المال ، وقلة المال أقل للحساب " .

فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت ; ولهذا قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في آخر إمارته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له ، ولا يزداد الأمر إلا شدة قال : اللهم ، خذني إليك ، فقد سئمتهم وسئموني .

وقال البخاري ، رحمه الله ، لما وقعت له تلك المحن وجرى له ما جرى مع أمير خراسان : اللهم توفني إليك .

وفي الحديث : " إن الرجل ليمر بالقبر - أي في زمان الدجال - فيقول : يا ليتني مكانك " لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون .

قال أبو جعفر بن جرير : وذكر أن بني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا ، استغفر لهم أبوهم ، فتاب الله عليهم وعفا عنهم ، وغفر لهم ذنوبهم .

[ ذكر من قال ذلك ] : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسن ، حدثني حجاج ، عن صالح المري ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال : إن الله تعالى لما جمع ليعقوب شمله ، وأقر عينه خلا ولده نجيا ، فقال بعضهم لبعض : ألستم قد علمتم ما صنعتم ، وما لقي منكم الشيخ ، وما لقي منكم يوسف ؟

قالوا : بلى .

قال : فيغركم عفوهما عنكم ، فكيف لكم بربكم ؟

فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه ، ويوسف إلى جنب أبيه قاعدا ، قالوا : يا أبانا ، إنا أتيناك في أمر ، لم نأتك في مثله قط ، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله .

حتى حركوه ، والأنبياء ، عليهم السلام ، أرحم البرية ، فقال : ما لكم يا بني ؟

قالوا : ألست قد علمت ما كان منا إليك ، وما كان منا إلى أخينا يوسف ؟

قال : بلى .

قالوا : أو لستما قد عفوتما ؟

قالا : بلى .

قالوا : فإن عفوكما لا يغني عنا شيئا ، إن كان الله لم يعف عنا .

قال : فما تريدون يا بني ؟

قالوا : نريد أن تدعو الله لنا ، فإذا جاءك الوحي من الله بأنه قد عفا عما صنعنا قرت أعيننا ، واطمأنت قلوبنا ، وإلا فلا قرة عين في الدنيا أبدا لنا .

قال : فقام الشيخ فاستقبل القبلة ، وقام يوسف خلف أبيه ، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين .

قال : فدعا وأمن يوسف ، فلم يجب فيهم عشرين سنة - قال صالح المري يخيفهم - قال : حتى إذا كان رأس العشرين نزل جبريل ، عليه السلام ، على يعقوب فقال : إن الله بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك ، وأنه قد عفا عما صنعوا ، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة .

هذا الأثر موقوف عن أنس ، ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جدا .

وذكر السدي : أن يعقوب ، عليه السلام ، لما حضره الموت ، أوصى إلى يوسف بأن يدفن عند إبراهيم وإسحاق ، فلما مات صبره وأرسله إلى الشام ، فدفن عندهما ، عليهم السلام .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف بعد ما جمع الله له أبويه وإخوته , وبسط عليه من الدنيا ما بسط من الكرامة , ومكنه في الأرض , متشوِّقًا إلى لقاء آبائه الصالحين: ( رب قد آتيتني من الملك ) ، يعني: من ملك مصر ، ( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) ، يعني من عبارة الرؤيا، (20) تعديدًا لنعم الله عليه، وشكرًا له عليها ، ( فاطر السماوات والأرض )، يقول: يا فاطر السموات والأرض، يا خالقها وبارئها (21) ، ( أنت وليي في الدنيا والآخرة ) ، يقول: أنت وليي في دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك , وتغذوني فيها بنعمتك , وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك .( (22) توفني مسلمًا ) ، يقول: اقبضني إليك مسلمًا (23) .( وألحقني بالصالحين ) ، يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك .

* * * وقيل: إنه لم يتمن أحدٌ من الأنبياء الموتَ قبل يوسف .

* ذكر من قال ذلك: 19940 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ) ، الآية , كان ابن عباس يقول: (24) أول نبي سأل الله الموت يوسف.

19941 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال: قال ابن عباس , قوله: ( رب قد آتيتني من الملك ) ...

، الآية , قال: اشتاق إلى لقاء ربه , وأحبَّ أن يلحق به وبآبائه , فدعا الله أن يتوفَّاه ويُلْحِقه بهم.

ولم يسأل نبيّ قطّ الموتَ غير يوسف , فقال: ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث) ، الآية ، قال ابن جريج: في بعض القرآن من الأنبياء (25) : " توفني" (26) 19942 -حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين ) ، لما جَمَع شمله , وأقرَّ عينه , وهو يومئذ مغموس في نَبْت الدنيا وملكها وغَضَارتها، (27) فاشتاق إلى الصالحين قبله .

وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قطّ الموت قبل يوسف.

19943 - حدثني المثنى , قال: أخبرنا إسحاق , قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير , عن سفيان , عن ابن أبي عروبة , عن قتادة , قال: لما جمع ليوسف شمله , وتكاملت عليه النعم سأل لقاء ربّه فقال: ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفّني مسلمًا وألحقني بالصالحين ) ، قال قتادة: ولم يتمنَّ الموت أحد قطُّ، نبي ولا غيره إلا يوسف.

19944 - حدثني المثنى , قال: حدثنا هشام , قال: حدثنا الوليد بن مسلم , قال: حدثني غير واحد , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: أن يوسف النبي صلى الله عليه وسلم، لما جمع بينه وبين أبيه وإخوته , وهو يومئذ ملك مصر , اشتاق إلى الله وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق، فقال: ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين ) 19945 - حدثني المثنى , قال: أخبرنا إسحاق , قال: حدثنا هشام , عن مسلم بن خالد , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله: ( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) ، قال: العِبَارة.

19946 - حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ , يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين ) ، يقول: توفني على طاعتك , واغفر لي إذا توفَّيتني.

19947 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قال يوسف حين رأى ما رأى من كرامة الله وفضله عليه وعلى أهل بيته حين جمع الله له شمله , وردَّه على والده , وجمع بينه وبينه فيما هو فيه من الملك والبهجة: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ، إلى قوله: إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .

ثم ارعوى يوسف، وذكر أنّ ما هو فيه من الدنيا بائد وذاهب , فقال: ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفّني مسلمًا وألحقني بالصالحين).

* * * وذُكِر أن بَني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا , استغفر لهم أبوهم , فتاب الله عليهم وعفا عنهم وغفر لهم ذنبهم * ذكر من قال ذلك: 19948 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن صالح المريّ , عن يزيد الرقاشي , عن أنس بن مالك , قال: إن الله تبارك وتعالى لما جمع ليعقوب شمله , وأقر عينه , خَلا ولده نَجِيًّا , فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم، وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟

قالوا: بلى!

قال: فيغرُّكم عفوهما عنكم , فكيف لكم بربكم؟

فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه , ويوسف إلى جنب أبيه قاعدٌ , قالوا: يا أبانا، أتيناك في أمر لم نأتك في أمرٍ مثله قط، ونـزل بنا أمر لم ينـزل بنا مثله!

حتى حرّكوه , والأنبياء أرحم البرية , فقال: مالكم يا بَني؟

قالوا: ألستَ قد علمت ما كان منا إليك، وما كان منا إلى أخينا يوسف؟

قال: بلى!

قالوا: أفلستما قد عفوتُما؟

قالا بلى!

قالوا: فإن عفوكما لا يغني عنّا شيئًا إن كان الله لم يعفُ عنا!

قال: فما تريدون يا بني؟

قالوا: نريد أن تدعو الله لنا , فإذا جاءك الوحي من عند الله بأنه قد عفا عمّا صنعنا، قرّت أعيننا، واطمأنت قلوبنا , وإلا فلا قرّةَ عَين في الدنيا لنا أبدًا .

قال: فقام الشيخ واستقبل القبلة , وقام يوسف خلف أبيه , وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين .

قال: فدعا وأمَّن يوسف، , فلم يُجَبْ فيهم عشرين سنة ، قال صالح المرِّي: يخيفهم.

قال: حتى إذا كان رأس العشرين، نـزل جبريل صلى الله عليه وسلم على يعقوب عليه السلام , فقال: إن الله تبارك وتعالى بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك , وأنه قد عفا عما صنعوا , وأنه قد اعتَقَد مواثيقهم من بعدك على النبوّة.

(28) 19949 - حدثني المثنى , قال: حدثنا الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا جعفر بن سليمان , عن أبي عمران الجوني , قال: والله لو كان قتلُ يوسف مضى لأدخلهم الله النارَ كُلَّهم , ولكن الله جل ثناؤه أمسك نفس يوسف ليبلغ فيه أمره، ورحمة لهم .

ثم يقول: والله ما قصَّ الله نبأهم يُعيّرهم بذلك إنهم لأنبياء من أهل الجنة , ولكن الله قصَّ علينا نبأهم لئلا يقنط عبده.

* * * وذكر أن يعقوب توفي قبل يوسف , وأوصى إلى يوسف وأمره أن يدفنه عند قبر أبيه إسحاق .

* ذكر من قال ذلك: 19950 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي , قال: لما حضر الموتُ يعقوبَ , أوصى إلى يوسف أن يدفنه عند إبراهيم وإسحاق , فلما مات، نُفِخ فيه المُرّ وحمل إلى الشأم.

قال: فلما بلغوا إلى ذلك المكان أقبل عيصا أخو يعقوب (29) فقال: غلبني على الدعوة , فوالله لا يغلبني على القبر!

فأبى أن يتركهم أن يدفنوه .

فلما احتبسوا، قال هشام بن دان بن يعقوب (30) ، وكان هشامٌ أصمَّ لبعض إخوته: ما لجدّي لا يدفن!

قالوا: هذا عمك يمنعه!

قال: أرونيه أين هو؟

فلما رآه , رفع هشام يده فوجأ بها رأس العيص وَجْأَةً سقطت عيناه على فخذ يعقوب، فدفنا في قبر واحد.

---------------------- الهوامش: (20) ‌انظر تفسير" التأويل" فيما سلف ص : 271 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(21) ‌انظر تفسير" فاطر" فيما سلف 15 : 357 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(22) ‌انظر تفسير" الولي" فيما سلف من فهارس اللغة ( ولي ) .

(23) ‌انظر تفسير" التوفي" فيما سلف 15 : 218 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(24) ‌في المطبوعة والمخطوطة :" قال ابن عباس يقول" ، وبين صواب ما أثبت ، وانظر الخبر التالي رقم : 19942 .

(25) في المخطوطة :" في بعض القرآن قد قال الأنبياء توفني" ، وصوابها ما أثبت ، أما المطبوعة فقد كتبت :" في بعض القرآن من الأنبياء من قال توفني" ، غير مكان الكلام لغير حاجة .

(26) ‌لم أجد للذي قاله ابن جريج دليلا في القرآن !

فلعله وهم ، فإن النهي عن تمني الموت صريح في السنة .

(27) ‌في المطبوعة :" مغموس في نعيم الدنيا" ، وفي المخطوطة :" مغموس في نعيم الدنيا" غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها .

وعنى بالنبت هنا : المال الكثير الوفير ، والنعمة النامية ، وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقوم من العرب : أنتم أهل بيت أو نبت ؟

فقالوا نحن أهل بيت وأهل نبت .

وقالوا في تفسيره : أي نحن في الشرف نهاية ، وفي النبت نهاية ، أي : ينبت المال على أيدينا وهذا الذي قلته أصح في تأويل الحديث ، وفي تأويل هذا الخبر .

(28) ‌الأثر : 19948 -" صالح المري" ، هو" صالح بن بشير بن وداع المري" ، منكر الحديث ، قاص متروك الحديث ، مضى برقم : 9234 .

و" يزيد الرقاشي" ، هو" يزيد بن أبان الرقاشي" ، قاص ، متروك الحديث ، مضى قبل مرارًا ، آخرها : 11408 .

وهذا خبر هالك ، من جراء هذين القاصين المتروكين ، صالح المري ، ويزيد الرقاشي .

(29) ‌في المطبوعة :" عيص" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وسيأتي بعد :" العيص" ، بالتعريف ، وهو في كتاب القوم" عيسو" ، وهو ولد إسحاق الأكبر ، وهو أخو يعقوب .

(30) ‌في المطبوعة :" هشام بن دار" ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، وولد يعقوب في كتاب القوم هو" دان" كما أثبته .

و" هشام" هذا ، هو في كتاب القوم" حوشيم"

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحينقوله تعالى : رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث قال قتادة : لم يتمن الموت أحد ; نبي ولا غيره إلا يوسف - عليه السلام - ; حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه - عز وجل - .

وقيل : إن يوسف لم يتمن الموت ، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام ; أي إذا جاء أجلي توفني مسلما ; وهذا قول الجمهور .

وقال سهل بن عبد الله التستري : لا يتمنى الموت إلا ثلاث : رجل جاهل بما بعد الموت ، أو رجل يفر من أقدار الله تعالى عليه ، أو مشتاق محب للقاء الله - عز وجل - .

وثبت في الصحيح عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي رواه مسلم .

وفيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا .

وإذا ثبت هذا فكيف يقال : إن يوسف - عليه السلام - تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل ؟

هذا بعيد !

إلا أن يقال : إن ذلك كان جائزا في شرعه ; أما أنه يجوز تمني الموت والدعاء به عند ظهور الفتن وغلبتها ، وخوف ذهاب الدين ، على ما بيناه في كتاب " التذكرة " .

و " من " من قوله : " من الملك " للتبعيض ، وكذلك قوله : وعلمتني من تأويل الأحاديث لأن ملك مصر ما كان كل الملك ، وعلم التعبير ما كان كل العلوم .

وقيل : من للجنس كقوله : فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقيل : للتأكد .

أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديثقوله تعالى : فاطر السماوات والأرض نصب على النعت للنداء ، وهو " رب " ، وهو نداء مضاف ; والتقدير : يا رب !

ويجوز أن يكون نداء ثانيا .

والفاطر الخالق ; فهو سبحانه فاطر [ ص: 236 ] الموجودات ، أي خالقها ومبدئها ومنشئها ومخترعها على الإطلاق من غير شيء ، ولا مثال سبق ; وقد تقدم هذا المعنى في " البقرة " مستوفى ; عند قوله : بديع السماوات والأرض وزدناه بيانا في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى .أنت وليي أي ناصري ومتولي أموري في الدنيا والآخرة .توفني مسلما وألحقني بالصالحين يريد آباءه الثلاثة ; إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فتوفاه الله طاهرا طيبا - صلى الله عليه وسلم - بمصر ، ودفن في النيل في صندوق من رخام ; وذلك أنه لما مات تشاح الناس عليه ; كل يحب أن يدفن في محلتهم ، لما يرجون من بركته ; واجتمعوا على ذلك حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يدفنوه في النيل من حيث مفرق الماء بمصر ، فيمر عليه الماء ، ثم يتفرق في جميع مصر ، فيكونوا فيه شرعا ففعلوا ; فلما خرج موسى ببني إسرائيل أخرجه من النيل : ونقل تابوته بعد أربعمائة سنة إلى بيت المقدس ، فدفنوه مع آبائه لدعوته : وألحقني بالصالحين وكان عمره مائة عام وسبعة أعوام .

وعن الحسن قال : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة ، ثم جمع له شمله فعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ; وكان له من الولد إفراثيم ، ومنشا ، ورحمة ، زوجة أيوب ; في قول ابن لهيعة .

قال الزهري : وولد لإفراثيم - بن يوسف - نون بن إفراثيم ، وولد لنون يوشع ; فهو يوشع بن نون ، وهو فتى موسى الذي كان معه صاحب أمره ، ونبأه الله في زمن موسى - عليه السلام - ; فكان بعده نبيا ، وهو الذي افتتح أريحا ، وقتل من كان بها من الجبابرة ، واستوقفت له الشمس حسب ما تقدم في " المائدة " .

وولد لمنشا بن يوسف موسى بن منشا ، قبل موسى بن عمران .

وأهل التوراة يزعمون أنه هو الذي طلب العالم ليتعلم منه حتى أدركه ، والعالم هو الذي خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وبنى الجدار ، وموسى بن منشا معه حتى بلغه معه حيث بلغ ; وكان ابن عباس ينكر ذلك ; والحق الذي قاله ابن عباس ; وكذلك في القرآن .

ثم كان بين يوسف وموسى أمم وقرون ، وكان فيما بينهما شعيب - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما أتم الله ليوسف ما أتم من التمكين في الأرض والملك، وأقر عينه بأبويه وإخوته، وبعد العلم العظيم الذي أعطاه الله إياه، قال مقرا بنعمة الله شاكرا لها داعيا بالثبات على الإسلام: { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } وذلك أنه كان على خزائن الأرض وتدبيرها ووزيرا كبيرا للملك { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } أي: من تأويل أحاديث الكتب المنزلة وتأويل الرؤيا وغير ذلك من العلم { فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } أي: أدم عليّ الإسلام وثبتني عليه حتى توفاني عليه، ولم يكن هذا دعاء باستعجال الموت، { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } من الأنبياء الأبرار والأصفياء الأخيار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( رب قد آتيتني من الملك ) يعني : ملك مصر والملك : اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير .

( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) يعني : تعبير الرؤيا .

( فاطر ) أي : يا فاطر ( فاطر السماوات والأرض ) أي : خالقهما ( أنت وليي ) أي : معيني ومتولي أمري ( في الدنيا والآخرة توفني مسلما ) يقول : اقبضني إليك مسلما ( وألحقني بالصالحين ) يريد بآبائي النبيين .

قال قتادة : لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف .

وفي القصة : لما جمع الله شمله وأوصل إليه أبويه وأهله اشتاق إلى ربه عز وجل فقال هذه المقالة .

قال الحسن : عاش بعد هذا سنين كثيرة .

وقال غيره : لما قال هذا القول لم يمض عليه أسبوع حتى توفي .

واختلفوا في مدة غيبة يوسف عن أبيه ، فقال الكلبي : اثنتان وعشرون سنة .

وقيل : أربعون سنة .

وقال الحسن : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد لقاء يعقوب ثلاثا وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة .

وفي التوراة مات وهو ابن مائة وعشر سنين ، وولد ليوسف من امرأة العزيز ثلاثة أولاد : أفرائيم وميشا ورحمة امرأة أيوب المبتلى عليه السلام .

وقيل : عاش يوسف بعد أبيه ستين سنة .

وقيل : أكثر .

واختلفت الأقاويل فيه .

وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة ، فدفنوه في النيل في صندوق من رخام ، وذلك أنه لما مات تشاح الناس فيه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته ، حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث يتفرق الماء بمصر ليجري الماء عليه وتصل بركته إلى جميعهم .

وقال عكرمة : دفن في الجانب الأيمن من النيل ، فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر ، [ فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر ] ، فدفنوه في وسطه وقدروا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان جميعا إلى أن أخرجه موسى فدفنه بقرب آبائه بالشام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث» تعبير الرؤيا «فاطر» خالق «السماوات والأرض أنت وليي» متولي مصالحي «في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين» من آبائي فعاش بعد ذلك أسبوعا أو أكثر ومات وله مائة وعشرون سنة وتشاح المصريون في قبره فجعلوه في صندوق من مرمر ودفنوه في أعلى النيل لتعم البركة جانبيه فسبحان من لا انقضاء لملكه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم دعا يوسف ربه قائلا ربِّ قد أعطيتني من ملك "مصر"، وعلَّمتني من تفسير الرؤى وغير ذلك من العلم، يا خالق السموات والأرض ومبدعهما، أنت متولي جميع شأني في الدنيا والآخرة، توفني إليك مسلمًا، وألحقني بعبادك الصالحين من الأنبياء الأبرار والأصفياء الأخيار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم يوسف - عليه السلام - ثناءه على الله - تعالى - بهذا الدعاء الذى حكاه القرآن عنه فى قوله : ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك ) أى : يا رب قد أعطيتنى شيئاً عظيماً من الملك والسلطان بفضلك وكرمك .( وَعَلَّمْتَنِي ) - أيضاً - شيئاً كثيراً ( مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ) أى : من تفسيرها وتعبيرها تعبيراً صادقاً بتوفيقك وإحسانك .( فَاطِرَ السماوات والأرض ) أى : خالقهما على غير مثال سابق ، وهو منصوب على النداء بحرف مقدر أى : يا فاطر السموات والأرض .( أَنتَ وَلِيِّي ) وناصرى ومعينى ( فِي الدنيا والآخرة ) .( تَوَفَّنِي ) عندما يدركنى أجلى على الإِسلام ، وأبقنى ( مُسْلِماً ) مدة حياتى .( وَأَلْحِقْنِي ) فى قبرى ويوم الحساب ( بالصالحين ) من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .وبهذا الدعاء الجامع الذى توجه به يوسف إلى ربه - تعالى - يختتم القرآن الكريم قصة يوسف مع أبيه ومع إخوته ومع غيرهم ممن عاشرهم والتقى بهم وهو دعاء يدل على أن يوسف - عليه السلام - لم يشغله الجاه والسلطان ولم يشغله لقاؤه عن طاعة ربه ، وعن تذكر الآخرة وما فيها من حساب .

.وهذا هو شأن المصطفين الأخيار الذين نسأل الله - تعالى - أن يحشرنا معهم ، ويحلقنا بهم ، ويوفقنا للسير على نهجهم .

.

.ثم يختتم الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بما يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - وبما يدخل التسلية على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبما يفتح له باب الأمل فى النصر على أعدائه .

.

.

فيقول :( وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن يوسف عليه السلام أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الحلي وخزائن الثياب وخزائن السلاح، فلما أدخله مخازن القراطيس قال يا بني ما أغفلك، عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال: نهاني جبريل عليه السلام عنه قال سله عن السبب قال: أنت أبسط إليه فسأله فقال جبريل عليه السلام: أمرني الله بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب فهلا خفتني وروي أن يعقوب عليه السلام أقام معه أربعاً وعشرين سنة ولما قربت وفاته أوصى إليه أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فعند ذلك تمنى ملك الآخرة فتمنى الموت.

وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده فتوفاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في دفنه كل أحد يحب أن يدفه في محلتهم حتى هموا بالقتال فرأوا أن الأصلح أن يعملوا له صندوقاً من مرمر ويجعلوه فيه ويدفنوه في النيل بمكان يمر الماء عليه ثم يصل إلى مصر لتصل بركته إلى كل أحد، وولد له افراثيم وميشا، وولد لافراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم دفن يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه.

المسألة الثانية: من في قوله: ﴿ مّنَ الملك وَمِنْ تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ للتبعيض، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل.

قال الأصم: إنما قال من الملك، لأنه كان ذو ملك فوقه.

واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام، فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء أصلاً، وهذان القسمان متباعدان جداً ويتوسطهما قسم ثالث، وهو الذي يؤثر ويتأثر، وهو عالم الأرواح، فخاصية جوهر الأرواح أنها تقبل الأثر والتصرف عن عالم نور جلال الله، ثم إنها إذا أقبلت على عالم الأجسام تصرفت فيه وأثرت فيه، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه، وتعلقه بعالم الإلهيات بالعلم والمعرفة.

وقوله تعالى: ﴿ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك ﴾ إشارة إلى تعلق النفس بعالم الأجسام وقوله: ﴿ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ إشارة إلى تعلقها بحضرة جلال الله، ولما كان لا نهاية لدرجات هذين النوعين في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء، امتنع أن يحصل منهما للإنسان إلا مقدار متناه، فكان الحاصل في الحقيقة بعضاً من أبعاض الملك، وبعضاً من أبعاض العلم، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة من لأنها دالة على التبعيض، ثم قال: ﴿ فَاطِرَ السموات والأرض ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: في تفسير لفظ الفاطر بحسب اللغة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها وأنا ابتدأت حفرها.

قال أهل اللغة: أصل الفطر في اللغة الشق يقال: فطر ناب البعير إذ بدا وفطرت الشيء فانفطر، أي شققته فانشق، وتفطر الأرض بالنبات والشجر بالورق إذا تصدعت، هذا أصله في اللغة، ثم صار عبارة عن الإيجاد، لأن ذلك الشيء حال عدمه كأنه في ظلمة وخفاء فلما دخل في الوجود صار كأنه انشق عن العدم وخرج ذلك الشيء منه.

البحث الثاني: أن لفظ الفاطر قد يظن أنه عبارة عن تكوين الشيء عن العدم المحض بدليل الاشتقاق الذي ذكرناه، إلا أن الحق أنه لا يدل عليه ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه قال: ﴿ الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض  ﴾ ثم بين تعالى أنه إنما خلقها من الدخان حيث قال: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِىَ دُخَانٌ  ﴾ فدل على أن لفظ الفاطر لا يفيد أنه أحدث ذلك الشيء من العدم المحض.

وثانيها: أنه قال تعالى: ﴿ فِطْرَةَ الله التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا  ﴾ مع أنه تعالى إنما خلق الناس من التراب.

قال تعالى: ﴿ مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى  ﴾ .

وثالثها: أن الشيء إنما يكون حاصلاً عند حصول مادته وصورته مثل الكوز، فإنه إنما يكون موجوداً إذا صارت المادة المخصوصة موصوفة بالصفة المخصوصة، فعند عدم الصورة ما كان ذلك المجموع موجوداً، وبإيجاد تلك الصورة صار موجداً لذلك الكوز فعلمنا أن كونه موجداً للكون لا يقتضي كونه موجداً لمادة الكوز، فثبت أن لفظ الفاطر لا يفيد كونه تعالى موجداً للأجزاء التي منها تركبت السموات والأرض، وإنما صار إلينا كونه موجداً لها بحسب الدلائل العقلية لا بحسب لفظ القرآن.

واعلم أن قوله: ﴿ فَاطِرَ السموات والأرض ﴾ يوهم أن تخليق السموات مقدم على تخليق الأرض عند من يقول: الواو تفيد الترتيب، ثم العقل يؤكده أيضاً، وذلك لأن تعين المحيط يوجب تعين المركز وتعينه فإنه لا يوجب تعين المحيط، لأنه يمكن أن يحيط بالمركز الواحد محيطات لا نهاية لها، أما لا يمكن أن يحصل للمحيط الواحد إلا مركز واحد بعينه.

وأيضاً اللفظ يفيد أن السماء كثيرة والأرض واحدة، ووجه الحكمة فيه قد ذكرناه في قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض  ﴾ .

البحث الثالث: قال الزجاج: نصبه من وجهين: أحدهما: على الصفة لقوله: ﴿ رَبّ ﴾ وهو نداء مضاف في موضع النصب.

والثاني: يجوز أن ينصب على نداء ثان.

ثم قال: ﴿ أَنتَ وَلِىُّ فِي الدنيا والأخرة ﴾ والمعنى: أنت الذي تتولى إصلاح جميع مهماتي في الدنيا والآخرة فوصل الملك الفاني بالملك الباقي، وهذا يدل على أن الإيمان والطاعة كلمة من الله تعالى إذ لو كان ذلك من العبد لكان المتولي لمصالحه هو هو، وحينئذ يبطل عموم قوله: ﴿ رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك ﴾ .

ثم قال: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حكى عن جبريل عليه السلام عن رب العزة أنه قال: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين فلهذا المعنى من أراد الدعاء فلابد وأن يقدم عليه ذكر الثناء على الله فهاهنا يوسف عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء قدم عليه الثناء وهو قوله: ﴿ رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السموات والأرض ﴾ ثم ذكر عقيبه الدعاء وهو قوله: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ ونظيره ما فعله الخليل صلوات الله عليه في قوله: ﴿ الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ  ﴾ من هنا إلى قوله: ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً  ﴾ ثناء على الله ثم قوله: ﴿ رَبّ هَبْ لِى ﴾ إلى آخر الكلام دعاء فكذا هاهنا.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا ﴾ هل هو طلب منه للوفاة أو لا؟

فقال قتادة: سأل ربه اللحوق به ولم يتمن نبي قط الموت قبله، وكثير من المفسرين على هذا القول، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: في رواية عطاء يريد إذا توفيتني فتوفني على دين الإسلام، فهذا طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام وليس فيه ما يدل على أنه طلب الوفاة.

واعلم أن اللفظ صالح للأمرين ولا يبعد في الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى الموت ويعظم رغبته فيه لوجوه كثيرة منها: أن كمال النفس الإنسانية على ما بيناه في أن يكون عالماً بالإلهيات، وفي أن يكون ملكاً ومالكاً متصرفاً في الجسمانيات، وذكرنا أن مراتب التفاوت في هذين النوعين غير متناهية والكمال المطلق فيهما ليس إلا لله وكل ما دون ذلك فهو ناقص والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وذاق لذة الكمال المطلق بقي في القلق وألم الطلب، وإذا كان الكمال المطلق ليس إلا الله، وما كان حصوله للإنسان ممتنعاً لزم أن يبقى الإنسان أبداً في قلق الطلب وألم التعب فإذا عرف الإنسان هذه الحالة عرف أنه لا سبيل له إلى دفع هذا التعب عن النفس إلا بالموت، فحينئذ يتمنى الموت.

والسبب الثاني: لتمنى الموت أن الخطباء والبلغاء وإن أطنبوا في مذمة الدنيا إلا أن حاصل كلامهم يرجع إلى أمور ثلاثة: أحدها: أن هذه السعادات سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها.

وثانيها: أنها غير خالصة بل هي ممزوجة بالمنغصات والمكدرات.

وثالثها: أن الأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كان حصة الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل، فهذه الجهات الثلاثة منفرة عن هذه اللذات، ولما عرف العاقل أنه لا سبيل إلى تحصيل هذه اللذات إلا مع هذه الجهات الثلاثة المنفرة لا جرم يتمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات.

والسبب الثالث: وهو الأقوى عند المحققين رحمهم الله أجمعين أن هذه اللذات الجسمانية لا حقيقة لها، وإنما حاصلها دفع الآلام، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع، ولذة الوقاع عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعية المني.

ولذة الإمارة والرياسة عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب شهوة الانتقام وطلب الرياسة وإذا كان حاصل هذه اللذات ليس إلا دفع الألم لا جرم صارت عند العقلاء حقيرة خسيسة نازلة ناقصة وحينئذ يتمنى الإنسان الموت ليتخلص عن الاحتياج إلى هذه الأحوال الخسيسة.

والسبب الرابع: أن مداخل اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل واحدة منها عيوب كثيرة.

أما لذة الأكل ففيها عيوب: أحدها: أن هذه اللذات ليست قوية فإن الشعور بألم القولنج الشديد والعياذ بالله منه أشد من الشعور باللذة الحاصلة عند أكل الطعام.

وثانيها: أن هذه اللذة لا يمكن بقاؤها فإن الإنسان إذا أكل شبع وإذا شبع لم يبق شوقه للالتذاذ بالأكل فهذه اللذة ضعيفة، ومع ضعفها غير باقية.

وثالثها: أنها في نفسها خسيسة فإن الأكل عبارة عن ترطيب ذلك الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر مستقذر ثم لما يصل إلى المعدة تظهر فيه الاستحالة إلى الفساد والنتن والعفونة، وذلك أيضاً منفر.

ورابعها: أن جميع الحيوانات الخسيسة مشاركة فيها فإن الروث في مذاق الجعل كاللوزنيج في مذاق الإنسان وكما أن الإنسان يكره تناول غذاء الجعل، فكذلك الجعل يكره تناول غذاء الإنسان، وأما اللذة فمشتركة فيما بين الناس.

وخامسها: أن الأكل إنما يطيب عند اشتداد الجوع وتلك حاجة شديدة والحاجة نقص وافر.

وسادسها: أن الأكل يستحقر عند العقلاء.

قيل: من كان همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه، فهذا هو الإشارة المختصرة في معايب الأكل، وأما لذة النكاح، فكل ما ذكرناه في الأكل حاصل هاهنا مع أشياء أخرى، وهي أن النكاح سبب لحصول الولد، وحينئذ تكثر الأشخاص فتكثر الحاجة إلى المال فيحتاج الإنسان بسببها إلى الاحتيال في طلب المال بطرق لا نهاية لها، وربما صار هالكاً سبب طلب المال، وأما لذة الرياسة فعيوبها كثيرة والذي نذكره هاهنا بسبب واحد وهو أن كل أحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً آمراً، فإذا سعى الإنسان في أن يصير رئيساً آمراً كان ذلك دالاً على مخالفة كل ما سواه، فكأنه ينازع كل الخلق في ذلك، وهو يحاول تحصيل تلك الرياسة، وجميع أهل الشرق والغرب يحاولون إبطاله ودفعه، ولا شك أن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر وإذا كان كذلك كان حصول هذه الرياسة كالمعتذر ولو حصل فإنه يكون على شرف الزوال في كل حين وأوان بكل سبب من الأسباب وكان صاحبها عند حصولها في الخوف الشديد من الزوال وعند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك الزوال.

واعلم أن العاقل إذا تأمل هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح له في طلب هذه اللذات والسعي في هذه الخيرات ألبتة.

ثم إن النفس خلقت مجبولة على طلبها، والعشق الشديد عليها، والرغبة التامة في الوصول إليها وحينئذ ينعقد هاهنا قياف، وهو أن الإنسان ما دام يكون في هذه الحياة الجسمانية فإنه يكون طالباً لهذه اللذات وما دام يطلبها كان في عين الآفات وفي لجة الحسرات، وهذا اللازم مكروه فالملزوم أيضاً مكروه فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة الجسمانية والسبب في الأمور المرغبة في الموت أن موجبات هذه اللذة الجسمانية متكررة ولا يمكن الزيادة عليها والتكرير يوجب الملالة أما سعادات الآخرة فهي أنواع كثيرة غير متناهية.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله عليه وهو مصنف هذا الكتاب أنار الله برهانه.

أنا صاحب هذه الحالة والمتوغل فيها، ولو فتحت الباب وبالغت في عيوب هذه اللذات الجسمانية فربما كتبت المجلدات وما وصلت إلى القليل منها فلهذا السبب صرت مواظباً في أكثر الأوقات على ذكر هذا الذي ذكره يوسف عليه السلام وهو قوله: ﴿ رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السموات والأرض أنت ولىِّ فِي الدنيا والأخرة تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ .

المسألة الثالثة: تمسك أصحابنا في بيان أن الإيمان من الله تعالى بقوله: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا ﴾ وتقريره أن تحصيل الإسلام وإبقاءه إذا كان من العبد كان طلبه من الله فاسداً وتقريره كأنه يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبداً يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقال للعبد افعل مع أنك لست فاعلاً، فنحن نقول هاهنا أيضاً إذا كان تحصيل الإيمان وإبقاؤه من العبد لا من الله تعالى، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه: اطلب اللطف لي في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه.

فهذا الجواب ضعيف لأن السؤال وقع على السلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر وأيضاً كل ما في المقدور من الألطاف فقد فعله فكان طلبه من الله محالاً.

المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وأنه لا يجوز.

والجواب: أحسن ما قيل فيه أن كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الإسلام ويرضى بقضاء الله وقدره، ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر منفسح القلب في هذا الباب، وهذه الحالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، فالمطلوب هاهنا هو الإسلام بهذا المعنى.

المسألة الخامسة: أن يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء عليهم السلام، والصلاح أول درجات المؤمنين، فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية.

قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين: يعني بآبائه إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب، والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم، وهاهنا مقام آخر من تفسير هذه الآية على لسان أصحاب المكاشفات، وهو أن النفوس المفارقة أذا أشرقت بالأنوار الإلهية واللوامع القدسية، فإذا كانت متناسبة متشاكلة انعكس النور الذي في كل واحدة منها إلى الأخرى بسبب تلك الملازمة والمجانسة، فتعظم تلك الأنوار وتقوى تلك الأضواء، ومثال تلك الأحوال المرآة الصقيلة الصافية إذا وضعت وضعاً متى أشرقت الشمس عليها انعكس الضوء من كل واحدة منها إلى الأخرى، فهناك يقوى الضوء ويكمل النور، وينتهي في الإشراق والبريق اللمعان إلى حد لا تطيقه العيون والأبصار الضعيفة، فكذا هاهنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

(من) في ﴿ مِنَ الملك ﴾ و ﴿ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ﴾ للتبعيض، لأنه لم يعط إلا بعض ملك الدنيا، أو بعض ملك مصر وبعض التأويل ﴿ أَنتَ وَلِىِّ ﴾ أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين، وبوصل الملك الفاني بالملك الباقي ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا ﴾ طلب للوفاة على حال الإسلام، ولأن يختم له بالخير والحسنى، كما قال يعقوب لولده ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] ويجوز أن يكون تمنياً للموت على ما قيل ﴿ وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.

وعن عمر ابن عبد العزيز: أنّ ميمون بن مهران بات عنده فرآه كثير البكاء والمسألة للموت، فقال له: صنع الله على يديك خيراً كثيراً: أحييت سنناً وأمت بدعا وفي حياتك خير وراحة للمسلمين، فقال: أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ الله عينه وجمع له أمره قال: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين.

فإن قلت: علام انتصب فاطر السموات؟

قلت على أنه وصف لقوله ﴿ رَبِّ ﴾ كقولك: أخا زيد حسن الوجه.

أو على النداء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ ﴾ بَعْضَ المُلْكِ وهو مُلْكُ مِصْرَ.

﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ الكُتُبِ أوِ الرُّؤْيا، ومِن أيْضًا لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ التَّأْوِيلِ.

﴿ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مُبْدِعُهُما وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ المُنادى أوْ مُنادى بِرَأْسِهِ.

﴿ أنْتَ ولِيِّي ﴾ ناصِرِي ومُتَوَلِّي أمْرِي.

﴿ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ أوِ الَّذِي يَتَوَلّانِي بِالنِّعْمَةِ فِيهِما.

﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾ اقْبِضْنِي.

﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ مِن آبائِي أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ.

رُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَهُ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوفِّيَ وأوْصى أنْ يُدْفَنَ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ، فَذَهَبَ بِهِ ودَفَنَهُ ثَمَّةَ ثُمَّ عادَ وعاشَ بَعْدَهُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ تاقَتْ نَفْسُهُ إلى المُلْكِ المُخَلَّدِ فَتَمَنّى المَوْتَ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ طَيِّبًا طاهِرًا، فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في مَدْفَنِهِ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ، فَرَأوْا أنْ يَجْعَلُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن مَرْمَرٍ ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ الماءُ، ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا شَرْعًا فِيهِ، ثُمَّ نَقَلَهُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مَدْفَنِ آبائِهِ وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِن راعِيلَ إفْرائِيمُ ومِيشا وهو جَدُّ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، ورَحْمَةَ امْرَأةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)

{رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك} ملك مصر {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث} تفسير كتب الله أو تعبير الرؤيا ومن فيهما للتبعيض إذ لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا وبعض التأويل {فَاطِرَ السماوات والأرض} انتصابه على النداء {أَنتَ وَلِيِّي فِى الدنيا والآخرة} أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين وبوصل الملك الفاني بالملك الباقي {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} طلب الوفاة على حال الإسلام كقول يعقوب لولده ولا تموتن الا وأنتم مسلمون وعن الضحاك مخلصاً وعن التستري مسلِّماً إليك أمري وفي عصمة الأنبياء إنما دعا به يوسف ليقتدي به قومه ومن بعده ممن ليس بمأمون العاقبة لأن ظواهر الأنبياء لنظر الأمم إليهم {وَأَلْحِقْنِى بالصالحين} من آبائي أو على العموم وروى أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الذهب والفضة وخزائن الثياب وخزائن السلاح حتى أدخله خزانة القراطيس قال يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل فقال امرنى جبريل قال أوما تسأله قال أنت أبسط إليه مني فاسأله فقال جبريل الله أمرني بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب فهلا خفتني ورُوي أن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ثلاثة وعشرين سنة فلما تم أمره طلبت نفسه الملك الدائم فتمنى الموت وقيل ما تمناه نبي قبله ولا بعد فتوفاه الله طيباً طاهراً فتخاصم أهل مصر وتشاحنوا في دفنه كلٌ يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال فرأوا أن يعملوا له صندوقاً من مرمر

وجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعاً حتى نقل موسى عليه السلام بعد أربعمائة سنة تابوته الى بيت المقدس وولدا له أفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر ولم تزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ ﴾ أيْ بَعْضًا عَظِيمًا مِنهُ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ ويَبْعُدُ القَوْلُ بِزِيادَتِها أوْ جَعْلِها لِبَيانِ الجِنْسِ والتَّعْظِيمُ مِن مُقْتَضَياتِ المَقامِ وبَعْضُهم قَدَّرَ عَظِيمًا في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما نَقَلَ أبُو البَقاءِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مِن ذَلِكَ البَعْضِ مُلْكَ مِصْرَ ومِنَ ﴿ المُلْكِ ﴾ ما يَعُمُّ مِصْرَ وغَيْرَها ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ جَوازُ أنْ يُرادَ مِنَ المُلْكِ مِصْرُ ومِنَ البَعْضِ شَيْءٌ مِنها وزَعَمَ أنَّهُ لا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا فِيهِ وإنْ كانَ مُمَكَّنًا وفِيهِ تَأمُّلٌ وقِيلَ: أرادَ مُلْكَ نَفْسِهِ مِن إنْفاذِ شَهْوَتِهِ وقالَ عَطاءٌ: مَلَكَ حُسّادَهُ بِالطّاعَةِ ونَيْلِ الأمانِي ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ أيْ بَعْضًا مِن ذَلِكَ كَذَلِكَ والمُرادُ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ إمّا تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا وهو الظّاهِرُ وإمّا تَفْهِيمُ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يُؤْتَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيعَ ذَلِكَ والتَّرْتِيبُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى الظّاهِرِ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ إيتاءِ المُلْكِ عَلى ذَلِكَ في الذِّكْرِ لِأنَّهُ بِمَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ والمُلْكُ أعْرَقُ في كَوْنِهِ مِنَ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا نِعْمَةً جَلِيلَةً في نَفْسِهِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ ذَرٍّ ( آتَيْتَنِ وعَلَّمْتَنِ ) بِحَذْفِ الياءِ فِيهِما اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الأخِيرِ ( آتَيْتَنِي ) بِغَيْرِ قَدْ ﴿ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُبْدِعَهُما وخالِقَهُما ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِرَبِّ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ مَنصُوبٌ بِأعْنِي أوْ مُنادى ثانٍ ووَصْفُهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مُبالَغَةً في تَرْتِيبِ مَبادِئِ ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أنْتَ ولِيِّي ﴾ مُتَوَلِّي أُمُورِي ومُتَكَفِّلٌ بِها أوْ مُوالٍ لِي وناصِرٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فالوَلِيُّ إمّا في الوِلايَةِ أوِ المُوالاةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَوْلى كالمُعْطِي لَفْظًا ومَعْنًى أيِ الَّذِي يُعْطِينِي نِعَمَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ تَوَفَّنِي ﴾ اقْبِضْنِي ﴿ مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ .

(101) .

مِن آبائِي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ كَما قِيلَ واعْتُرِضَ بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كِبارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ اللَّحاقَ بِمَن هو في البِدايَةِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ اسْتِغْفارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا سُؤال ولا جَوابَ إذا أُرِيدَ مِنَ الصّالِحِينَ آباؤُهُ الكِرامُ يَعْقُوبُ وإسْحاقُ وإبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقالَ الإمامُ: ها هُنا وها هُنا مَقامٌ آخَرُ في الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللِّواءِ مَعَ القُدُسِيَّةِ فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلاءَمَةِ والمُجانَسَةِ فَعَظُمَتْ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقَوَّتْ هاتِيكِ الأضْواءُ ومِثالُ ذَلِكَ المَرايا الصَّقِيلَةُ الصّافِيَةُ إذا وصَفَتْ وصْفًا مَتى أشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَيْها انْعَكَسَ الضَّوْءُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأُخْرى فَهُناكَ يَقْوى الضَّوْءُ ويَكْمُلُ النُّورُ ويَنْتَهِي في الإشْراقِ والبَرِيقِ إلى حَدٍّ تُطِيقُهُ الأبْصارُ الضَّعِيفَةُ فَكَذَلِكَ ها هُنا انْتَهى وهو كَما تَرى والحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الصَّلاحَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ مُتَفاوِتٌ قُوَّةً وضَعْفًا والمَقامُ يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِالصّالِحِينَ المُتَّصِفِينَ بِالمَرْتَبَةِ المُعْتَنى بِها مِن مَراتِبِ الصَّلاحِ وقَدْ قَدَّمْنا ما عِنْدَ أهْلِ المُكاشَفاتِ في الصَّلاحِ فارْجِعْ إلَيْهِ.

بَقِيَ أنَّ المُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا هَلْ هو مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَنّى لِلْمَوْتِ وطَلَبَ مِنهُ أمْ لا فالكَثِيرُ مِنهم عَلى أنَّهُ طَلَبَ وتَمَنّى لِذَلِكَ قالَ الإمامُ: ولا يَبْعُدُ مِنَ الرَّجُلِ العاقِلِ إذا كَمُلَ عَقْلُهُ أنْ يَتَمَنّى المَوْتَ وتَعْظُمَ رَغْبَتُهُ فِيهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُحِسُّ بِنُقْصانِهِ مَعَ شَغَفِهِ بِزَوالِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى فَيَبْقى في قَلَقٍ لا يُزِيلُهُ إلّا المَوْتُ فَيَتَمَنّاهُ وأيْضًا يَرى أنَّ السَّعادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وُجْدانِها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ لَذَّةٌ إلّا وهي مَمْزُوجَةٌ بِما يُنَغِّصُها بَلْ لَوْ حُقَّقَتْ لا تَرى لَذَّةً حَقِيقِيَّةً في هَذِهِ اللَّذائِذِ الجُسْمانِيَّةِ وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ ولَذَّةُ النِّكاحِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَتِهِ وكَذا الأمارَةُ والرِّياسَةُ يُدْفَعُ بِها الألَمُ الحاصِلُ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ ونَحْوِ ذَلِكَ والكُلُّ لِذَلِكَ خَسِيسٌ وبِالمَوْتِ التَّخَلُّصُ عَنِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ عَلى أنَّ عُمْدَةَ المَلاذِّ الدُّنْيَوِيَّةِ الأكْلُ والجِماعُ والرِّياسَةُ والكُلُّ في نَفْسِهِ خَسِيسٌ مَعِيبٌ فَإنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْطِيبِ الطَّعامِ بِالبُزاقِ المُجْتَمِعِ في الفَمِ ولا شَكَّ أنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ في نَفْسِهِ ثُمَّ حِينَما يَصِلُ إلى المَعِدَةِ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِحالَةُ والتَّعَفُّنُ ومَعَ ذا يُشارِكُ الإنْسانُ فِيهِ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ فَيَلْتَذُّ الجُعْلُ بِالرَّوْثِ التِذاذَ الإنْسانِ بِاللَّوْزِينْجِ وقَدْ قالَ العُقَلاءُ: مَن كانَ هِمَّتُهُ ما يَدْخُلُ في بَطْنِهِ فَقِيمَتُهُ ما يَخْرُجُ مِن بَطْنِهِ والجِماعُ نِهايَةُ ما يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ إخْراجُ فَضْلَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الطَّعامِ بِمَعُونَةِ جِلْدَةٍ مَدْبُوغَةٍ بِالبَوْلِ ودَمِ الحَيْضِ والنِّفاسِ مَعَ حَرَكاتٍ لَوْ رَأيْتَها مِن غَيْرِكَ لَأضْحَكَتْكَ وفِيهِ أيْضًا تِلْكَ المُشارَكَةُ وغايَةُ ما يُرْجى مِن ذَلِكَ تَحْصِيلُ الوَلَدِ الَّذِي يَجُرُّ إلى شَغْلِ البالِ والتَّحَيُّلِ لِجَمْعِ المالِ ونَحْوِ ذَلِكَ والرِّياسَةُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها سِوى أنَّها عَلى شَرَفِ الزَّوالِ في كُلِّ آنٍ لِكَثْرَةِ مَن يُنازِعُ فِيها ويَطْمَحُ نَظَرُهُ إلَيْها فَصاحِبُها لَمْ يَزَلْ خائِفًا وجِلًا مِن ذَلِكَ لَكَفاها عَيْبًا وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّ النَّفْسَ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ والعِشْقِ الشَّدِيدِ لَها والرَّغْبَةِ التّامَّةِ في الوُصُولِ إلَيْها فَما دامَ في هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ يَكُونُ طالِبًا لَها وما دامَ كَذَلِكَ فَهو في عَيْنِ الآفاتِ ولُجَّةِ الحَسَراتِ وهَذا اللّازِمُ مَكْرُوهٌ والمَلْزُومُ مِثْلُهُ فَلِهَذا يَتَمَنّى العاقِلُ زَوالَ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ لِيَسْتَرِيحَ مِن ذَلِكَ النَّصَبِ ولِلَّهِ تَعالى قَوْلُ مَن قالَ: ضَجْعَةُ المَوْتِ رَقْدَةٌ يَسْتَرِيحُ الجِسْمُ فِيها والعَيْشُ مِثْلُ السُّهادِ وقالَ: تَعَبٌ كُلُّها الحَياةُ فَما أعْجَبُ إلّا مِن راغِبٍ في ازْدِيادٍ إنَّ حُزْنًا في ساعَةِ الفَوْتِ أضْعافُ سُرُورٍ في ساعَةِ المِيلادِ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ تَمَنِّيَ المَوْتِ حُبًّا لِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ اللَّهُ تَعالى لِقاءَهُ الحَدِيثَ نَعَمْ تَمَنِّي المَوْتِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَفي الخَبَرِ لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ وإنَّما عَدَّدَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ثُمَّ دَعا بِأنْ تَدُومَ تِلْكَ النِّعَمُ في باقِي عُمُرِهِ حَتّى إذا حانَ أجَلُهُ قَبَضَهُ عَلى الإسْلامِ وألْحَقَهُ بِالصّالِحِينَ.

والحاصِلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما طَلَبَ المُوافاةَ عَلى الإسْلامِ لا الوَفاةَ ولا يَرِدُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَمُوتُونَ إلّا مُسْلِمِينَ إمّا لِأنَّ الإسْلامَ هُنا بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما قَضاهُ اللَّهُ تَعالى أوْ لِأنَّ ذَلِكَ بَيانٌ لِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَتَخَلَّفْ لَيْسَ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ قالُوا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ أُسْبُوعٌ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى وكانَ الحَسَنُ يَذْهَبُ إلى القَوْلِ الثّانِي ويَقُولُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ بَعْدَ هَذا القَوْلِ سِنِينَ كَثِيرَةً ورَوى المُؤَرِّخُونَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَ يُوسُفَ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ وأوْصى أنْ يُدْفَنَ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ فَذَهَبَ بِهِ ودَفَنَهُ ثَمَّتَ وعاشَ بَعْدَهُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً وقِيلَ: أكْثَرَ ثُمَّ تاقَتْ نَفْسُهُ إلى المُلْكِ المُخَلَّدِ فَتَمَنّى المَوْتَ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى طَيِّبًا طاهِرًا فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في مَدْفِنِهِ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ فَرَأوْا أنْ يَجْعَلُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن مَرْمَرٍ ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ الماءُ ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا شَرْعًا فِيهِ فَفَعَلُوا ثُمَّ أرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقْلَهُ إلى مَدْفِنِ آبائِهِ فَأخْرَجَهُ بَعْدَ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ عَلى ما قِيلَ: مِن صُنْدُوقِ المَرْمَرِ لِثِقَلِهِ وجَعَلَهُ في تابُوتٍ مِن خَشَبٍ ونَقَلَهُ إلى ذَلِكَ وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً وقِيلَ: مِائَةٌ وسَبْعُ سِنِينَ وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ أفْراثِيمُ وهو جَدُّ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِيشا ورَحْمَةُ زَوْجَةُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَقَدْ تَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مِنَ العَمالِقَةِ بَعْدَهُ مِصْرَ ولَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ وآبائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ ما كانَ.

وفِي التَّوْراةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أسْكَنَ أباهُ وإخْوَتَهُ في مَكانٍ يُقالُ لَهُ عَيْنُ شَمْسٍ مِن أرْضِ السَّدِيرِ وبَقِيَ هُناكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وكانَ عُمُرُهُ حِينَ دَخَلَ مِصْرَ مِائَةً وثَلاثِينَ سَنَةً ولَمّا قَرُبَ أجَلُهُ دَعا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ ومَعَهُ ولَداهُ مِيشا وهو بِكْرُهُ وأفْراثِيمُ فَقَدَّمَهُما إلَيْهِ ودَعا لَهُما ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى رَأْسِ الأصْغَرِ واليُسْرى عَلى رَأْسِ الأكْبَرِ وكانَ يُوسُفُ يُحِبُّ عَكْسَ ذَلِكَ فَكَلَّمَ أباهُ فِيهِ فَقالَ: يا بُنَيَّ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ ما يَتَناسَلُ مِن هَذا الأصْغَرِ أكْثَرُ مِمّا يَتَناسَلُ مِن هَذا الأكْبَرِ ودَعا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبارَكَ عَلَيْهِ وقالَ: يا بُنَيَّ إنِّي مَيِّتٌ كانَ اللَّهُ تَعالى مَعَكم ورَدَّكم إلى بَلَدِ أبِيكم يا بُنَيَّ إذا أنا مُتُّ فَلا تَدْفِنَنِي في مِصْرَ وادْفِنِّي في مَقْبَرَةِ آبائِي وقالَ: نَعَمْ يا أبَتِ وحَلَفَ لَهُ ثُمَّ دَعا سائِرَ بَنِيهِ وأخْبَرَهم بِما يَنالُهم في أيّامِهِمْ ثُمَّ أوْصاهم بِالدَّفْنِ عِنْدَ آبائِهِ في الأرْضِ الَّتِي اشْتَراها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَفْرُونَ الخَتِّيِّ في أرْضِ الشّامِ وجَعَلَها مَقْبَرَةً وبَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن وصِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تُوُفِّيَ فانْكَبَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ ويَبْكِي وأقامَ لَهُ حُزْنًا عَظِيمًا وحَزِنَ عَلَيْهِ أهْلُ مِصْرَ كَثِيرًا ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ يُوسُفُ وإخْوَتُهُ وسائِرُ آلِهِ سِوى الأطْفالِ ومَعَهم قُوّادُ المَلِكِ ومَشايِخُ أهْلِ مِصْرَ ودَفَنُوهُ في المَكانِ الَّذِي أرادَ ثُمَّ رَجَعُوا وقَدْ تَوَهَّمَ إخْوَةُ يُوسُفَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُسِيءَ المُعامَلَةَ مَعَهم بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم قالَ لَهم: لا تَخافُوا إنِّي أخافُ اللَّهَ تَعالى ثُمَّ عَزّاهم وجَبَرَ قُلُوبَهم ثُمَّ أقامَ هو وآلُ أبِيهِ بِمِصْرَ وعاشَ مِائَةً وعَشْرَ سِنِينَ حَتّى رَأى لِأفْرايِمَ ثَلاثَةَ بَنِينَ ووُلِدَ بَنُو ماخِيرَ بْنِ مَنشا في حِجْرِهِ أيْضًا ثُمَّ لَمّا أحَسَّ بِقُرْبِ أجَلِهِ قالَ لِإخْوَتِهِ: إنِّي مَيِّتٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيَذْكُرُكم ويَرُدُّكم إلى البَلَدِ الَّذِي أقْسَمَ أنْ يُمَلِّكَهُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ فَإذا ذَكَرَكم سُبْحانَهُ ورَدَّكم إلى ذَلِكَ البَلَدِ فاحْمِلُوا عِظامِيَ مَعَكم ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَنَّطُوهُ وصَيَّرُوهُ في تابُوتٍ بِمِصْرَ وبَقِيَ إلى زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا خَرَجَ حَمَلَهُ حَسْبَما أوْصى عَلَيْهِ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ قال الفقيه أبو الليث رَّحْمَةِ الله: إِنَّ الله تعالى مدح يوسف في هذه السورة، في ثمانية مواضع.

أولها: أن أخوته لما فعلوا به ما فعلوا، صرف العداوة من إخوته إلى الشيطان.

فقال: مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي والثاني: حين راودته المرأة، قال: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ فعرف حرمة سيده، ولم يهتك حرمته.

الثالث: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فاختار السجن على الشهوة الحرام.

والرابع: قال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ بعد ما ظهر أن الذنب كان من غيره.

والخامس: لما اعتذر إليه إخوته، قال لهم: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ والسادس: أنه بعث القميص على يد إخوته كما أدخلوا على أبيهم الحزن في الابتداء، أراد أن يدخلوا عليه السرور، فقال: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا والسابع: لما لقي أباه، لم يذكر عنده ما لقي من الشدة، وإنما ذكر المحاسن حيث قال: يَا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ.

والثامن: لما تمّ أمره، تمنى الموت وترك الدنيا، قال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ أي: أعطيتني من الملك.

يعني: بعض الملك، وهو ملك مصر وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني: بعض التأويل.

ويقال: مِنَ هاهنا لإبانة الجنس، لا للتبعيض.

ومعناه رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني: تعبير الرؤيا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خالق السموات والأرض أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني: وليّ نعمتي في الدُّنيا والآخرة، ويقال: أنت حافظي وناصري وربّي فِي الدُّنْيَا وَاْلآخِرَة، تَوَفَّنِي مُسْلِماً يعني: أمتني مخلصاً بتوحيدك وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ يعني: بآبائي المرسلين.

ويقال: عاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، وكان عمره مائة وسبعاً وأربعين سنة.

وعاش يوسف بعده ثلاثاً وعشرين سنة، ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة.

ويقال: ابن مائة وعشر سنين.

وأوصى يعقوب بأن يدفن عند آبائه، فحمل إلى الأرض المقدسة، فدفن مع أخيه عيصو بن إسحاق عليهم السلام.

فلما مات يوسف، أرادوا أن يحملوه إلى الأرض المقدسة، فلم يتركهم أهل مصر، واختلفوا في دفنه، وأراد أهل كل محلة أن يدفن في مقابرهم، وكاد أن يقع بينهم قتال، حتى اصطلحوا واتفقوا على أن يدفن عند قسمة مياههم في أعلى مصر، لكي يصيب بركته أهل مصر، وكان هناك إلى زمن موسى  ، فرفعه موسى، وحمله إلى الأرض المقدسة، ووضعه عند آبائه، وقد كان يوسف أوصى إلى بني إسرائيل أن يحملوا عظامه من أرض مصر إذا خرجوا من أرض مصر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤)

وقوله: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ...

الآية: ذكر كثيرٌ من المفسِّرين أنَّ يوسُفَ عليه السلام لما عَدَّد في هذه الآية نِعَمَ اللَّه عنده، تشوَّق إِلى لقاء ربِّه ولقاءِ الجِلَّة وصالحي سَلَفِهِ وغيرهم مِنَ المؤمنين، ورأَى أَن الدنيا قليلةٌ فتمنَّى المَوْت في قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.

وقال ابن عبَّاس: لم يتمنَّ المَوْتَ نبيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ «١» ، وذكر المهدويُّ تأويلاً آخر، وهو الأقْوَى عندي: أنه ليس في الآية تمنِّي موتٍ، وإِنما تمنى عليه السلام الموافَاةَ على الإِسلام لا المَوْتَ، وكذا قال القرطبيُّ «٢» في «التذكرة» أَنَّ معنى الآية: إِذا جاء أَجَلِي، توفَّني مسلماً، قال: وهذا القول هو المختارُ عنْدَ أهل التأويل، واللَّه أعلم، انتهى، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْت لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ» «٣» إِنَّمَا يريد ضَرَر الدنيا كالفَقْر، والمَرَضِ ونحو ذلك، ويبقَى تمنِّي الموت مخافةَ فسادِ الدِّين مباحا، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم في بَعْضِ أدعيته: «وَإِذَا أَرَدَتَّ بِالنَّاسِ فِتْنَةً، فاقبضني إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ» «٤» .

وقوله: أَنْتَ وَلِيِّي: أي القائِمُ بأمري، الكفيلُ بنُصْرتي ورَحْمتي.

وقوله عز وجل: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من قصَّة يوسُفَ، وهذه الآية تعريضٌ لقريشٌ، وتنبيهٌ على آية صدق نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وفي

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ ﴾ في " أبَوَيْهِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها.

والعَرْشُ هاهُنا: سَرِيرُ المَمْلَكَةِ، أجْلَسَ أبَوَيْهِ عَلَيْهِ ﴿ وَخَرُّوا لَهُ ﴾ يَعْنِي: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ.

وَفِي هاءِ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ سُجُودُهم كَهَيْأةِ الرُّكُوعِ كَما يَفْعَلُ الأعاجِمُ.

وقالَ الحَسَنُ: أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَجَدُوا لَهُ عَلى جِهَةِ التَّحِيَّةِ، لا عَلى مَعْنى العِبادَةِ، وكانَ أهْلُ ذَلِكَ الدَّهْرِ يُحَيِّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالسُّجُودِ والِانْحِناءِ، فَحَظَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: " «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَدُنا يَلْقى صَدِيقَهُ، أيَنْحَنِي لَهُ ؟

قالَ لا» " .

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ إذْ جَمَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ ﴾ أيْ: تَصْدِيقُ ما رَأيْتُ، وكانَ قَدْ رَآهم في المَنامِ يَسْجُدُونَ لَهُ، فَأراهُ اللَّهُ ذَلِكَ في اليَقَظَةِ.

واخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَ رُؤْياهُ وتَأْوِيلِها عَلى سَبْعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ.

والرّابِعُ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والخامِسُ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ.

السّابِعُ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أحْسَنَ بِي ﴾ أيْ: إلَيَّ.

والبَدْوُ: البَسْطُ مِنَ الأرْضِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَدْوُ: البادِيَةُ، وكانُوا أهْلَ عَمُودٍ وماشِيَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ أيْ: أفْسَدَ بَيْنَنا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: نَزَغَ بَيْنِهِمْ يَنْزَغُ، أيْ: أفْسَدَ وهَيَّجَ، وبَعْضُهم يَكْسِرُ زايَ يَنْزِغُ.

﴿ إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِدَقائِقِ الأُمُورِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " اللَّطِيفِ " في (الأنْعامِ:١٠٢) .

فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَوالَتْ عَلى يُوسُفَ نِعَمٌ خَمْسَةٌ، فَما اقْتِصارُهُ عَلى ذِكْرِ السِّجْنِ، وهَلّا ذَكَرَ الجُبَّ، وهو أصْعَبُ ؟

فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ الجُبِّ تَكَرُّمًا، لِئَلّا يُذَكِّرَ إخْوَتَهُ صَنِيعَهم، وقَدْ قالَ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِّقِّ، ومِنَ السِّجْنِ إلى المُلْكِ، فَكانَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ أوْفى.

والثّالِثُ: أنَّ طُولَ لُبْثِهِ في السِّجْنِ كانَ عُقُوبَةً، لَهُ بِخِلافِ الجُبِّ، فَشَكَرَ اللَّهَ عَلى عَفْوِهِ.

قالَ العُلَماء بِالسِّيَرِ: أقامَ يَعْقُوبُ بَعْدَ قُدُومِهِ مِصْرَ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً.

وقالَ بَعْضُهم: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً في أهْنَإ عَيْشٍ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوْصى إلى يُوسُفَ أنْ يُحْمَلَ إلى الشّامِ حَتّى يَدْفِنَهُ عِنْدَ أبِيهِ إسْحاقَ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً.

ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ تاقَ إلى الجَنَّةِ، وعَلِمَ أنَّ الدُّنْيا لا تَدُومُ فَتَمَنّى المَوْتَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ولَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ ﴾ يَعْنِي: مُلْكَ مِصْرَ ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُها [يُوسُفَ:٦] .

وَفِي " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ المُلْكِ، ولا كُلَّ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأنْعامِ:٦) .

﴿ أنْتَ ولِيِّي ﴾ أيِ: الَّذِي تَلِي أمْرِي.

﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لا تَسْلُبْنِي الإسْلامَ حَتّى تَتَوَفّانِي عَلَيْهِ.

وكانَ ابْنُ عَقِيلٍ يَقُولُ: لَمْ يَتَمَنَّ يُوسُفُ المَوْتَ، وإنَّما سَألَ أنْ يَمُوتَ عَلى صِفَةٍ، والمَعْنى: تَوَفَّنِي إذا تَوَفَّيْتَنِي مُسْلِمًا، قالَ الشَّيْخُ: وهَذا الصَّحِيحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِدَرَجاتِهِمْ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: آباؤُهُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالُوا: فَلَمّا احْتُضِرَ يُوسُفُ، أوْصى إلى يَهُوذا، وماتَ، فَتَشاحَّ النّاسُ في دَفْنِهِ، كُلٌّ يُحِبُّ أنْ يُدْفَنَ في مَحِلَّتِهِ رَجاءَ البَرَكَةِ، فاجْتَمَعُوا عَلى دَفْنِهِ في النَّيْلِ لِيَمُرَّ الماءُ عَلَيْهِ ويَصِلَ إلى الجَمِيعِ، فَدَفَنُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن رُخامٍ، فَكانَ هُنالِكَ إلى أنْ حَمْلَهُ مُوسى حِينَ خَرَجَ مِن مِصْرَ ودَفَنَهُ بِأرْضِ كَنْعانَ.

قالَ الحَسَنُ: ماتَ يُوسُفُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَة.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّهُ ماتَ بَعْدَ يَعْقُوبَ بِسَنَتَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِنَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "آتَيْتَنِ" و"عَلَّمْتَنِ" بِحَذْفِ الياءِ عَلى التَخْفِيفِ، وقَرَأ ابْنُ ذَرٍّ وحْدَهُ: "رَبِّ آتَيْتَنِي" بِغَيْرِ "قَدْ.

وذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَدَّدَ في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَ اللهِ عِنْدَهُ تَشَوَّقَ إلى لِقاءِ رَبِّهِ ولِقاءِ الجِلَّةِ مِن صالِحِي سَلَفِهِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ورَأى أنَّ الدُنْيا كُلَّها قَلِيلَةٌ، فَتَمَنّى المَوْتَ في قَوْلِهِ: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصالِحِينَ ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ نَبِيٌّ غَيْرُ يُوسُفَ "، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ -وَهُوَ الأقْوى عِنْدِي-: إنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ تَمَنِّي مَوْتٍ، وإنَّما عَدَّدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ نِعَمَ اللهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ دَعا أنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ النِعَمَ في باقِي عُمْرِهِ، أيْ: تَوَفَّنِي -إذا حانَ أجْلِي- عَلى الإسْلامِ، واجْعَلْ لَحاقِي بِالصالِحِينَ، وإنَّما تَمَنّى المُوافاةَ عَلى الإسْلامِ لا المَوْتَ.

ووَرَدَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ...» الحَدِيثَ بِكَمالِهِ"، ورَوِيَ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ دُعائِهِ: « "وَإذا أرَدْتَ في الناسِ فِتْنَةً فاقْبِضْنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ"،» ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: "اللهُمَّ قَدْ رَقَّ عَظْمِي، واسْتَشْرَتْ رَغْبَتِي، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مُقَصِّرٍ ولا عاجِزٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيُشْبِهُ أنَّ قَوْلَ النَبِيِّ  : « "لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ"» إنَّما يُرِيدُ ضَرَرَ الدُنْيا كالفَقْرِ والمَرَضِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَبْقى تَمَنِّي المَوْتِ مَخافَةَ فَسادِ الدِينِ مُباحًا، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  : « "يَأْتِي عَلى الناسِ زَمانٌ يَمُرُّ فِيهِ الرَجُلُ بِقَبْرِ الرَجُلِ فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي مَكانَهُ، لَيْسَ بِهِ الدِينُ ولَكِنْ ما يَرى مِنَ البَلاءِ والفِتَنِ"،» فَقَوْلُهُ: « "لَيْسَ بِهِ الدِينُ"» يَقْتَضِي إباحَةَ ذَلِكَ إنْ لَوْ كانَ عَنِ الدِينِ، وإنَّما ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ  حالَةَ الناسِ كَيْفَ تَكُونُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ ﴾ ، قِيلَ: "مِنَ" لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "الأحادِيثِ": الأحْلامُ، وقِيلَ: قَصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ.

وقَوْلُهُ: "فاطِرَ" مُنادى، وقَوْلُهُ: ﴿ أنْتَ ولِيِّي ﴾ أيِ القائِمُ بِأمْرِي، الكَفِيلُ بِنُصْرَتِي ورَحْمَتِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ الآيَةَ.

"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْرِيضٌ لِقُرَيْشٍ، وتَنْبِيهٌ عَلى آيَةِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ  ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطَعْنُ عَلى مُكَذِّبِيهِ.

والضَمِيرُ في "لَدَيْهِمْ" عائِدٌ إلى إخْوَةِ يُوسُفَ، وكَذَلِكَ الضَمائِرُ إلى آخَرِ الآيَةِ.

و"أجْمَعُوا" مَعْناهُ: عَزَمُوا وجَزَمُوا، و"الأمْرُ" هُنا هو إلْقاءُ يُوسُفَ في الجُبِّ، و "المَكْرُ" هو أنْ تُدَبِّرَ عَلى الإنْسانِ تَدْبِيرًا يَضُرُّهُ ويُؤْذِيهِ، والخَدِيعَةَ هي أنْ تَفْعَلَ بِإنْسانٍ وتَقُولَ لَهُ ما يُوجِبُ أنْ يَفْعَلَ هو فِعْلًا فِيهِ عَلَيْهِ ضَرَرٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي عِمْرانَ الجَوْنَيِّ أنَّهُ قالَ: "واللهِ ما قَصَّ اللهُ نَبَأهم لِيُعَيِّرَهم بِذَلِكَ، إنَّهم لَأنْبِياءُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ولَكِنْ قَصَّ اللهُ عَلَيْنا نَبَأهم لِئَلّا يَقْنُطَ عَبِيدُهُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب ذكر نعمة الله عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة العظمى في الآخرة، فذكر ثلاث نعم: اثنتان دنيويتان وهما: نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم، والثالثة: أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام وجعل الذي أوتيه بعضاً من الملك ومن التأويل لأن ما أوتيه بعض من جنس الملك وبعض من التأويل إشعاراً بأن ذلك في جانب مُلك الله وفي جانب علمه شيء قليل.

وعلى هذا يكون المراد بالمُلك التصرف العظيم الشبيه بتصرف المَلِك إذ كان يوسف عليه السلام هو الذي يُسير المَلك برأيه.

ويجوز أن يراد بالمُلك حقيقته ويكون التبعيض حقيقياً، أي آتيتني بعض المُلك لأن المُلك مجموع تصرفات في أمر الرعية، وكان ليوسف عليه السلام من ذلك الحظُّ الأوفر، وكذلك تأويل الأحاديث.

وتقدم معنى تأويل الأحاديث عند قوله تعالى: ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ [يوسف: 6] في هذه السورة.

وفاطر السماوات والأرض } نداء محذوف حرف ندائه.

والفاطر: الخالق.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض ﴾ في سورة الأنعام (14).

والولي: الناصر، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله أتخذ ولياً ﴾ في سورة الأنعام.

وجملة ﴿ أنت ولي في الدنيا والآخرة ﴾ من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء وإن أمكن حمله على الإخبار بالنسبة لولاية الدنيا، قيل لإثباته ذلك الشيء لولاية الآخرة.

فالمعنى: كن وليي في الدنيا والآخرة.

وأشار بقوله: ﴿ توفني مسلما ﴾ إلى النعمة العظمى وهي نعمة الدين الحق، فإن طلب توفّيه على الدين الحق يقتضي أنه متصف بالدين الحق المعبر عنه بالإسلام من الآن، فهو يسأل الدوام عليه إلى الوفاة.

والمسلم: الذي اتصف بالإسلام، وهو الدين الكامل، وهو ما تعبّدَ اللّهَ به الأنبياء والرسل عليهم السلام.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ في سورة آل عمران (102).

والإلحاق: حقيقته جعل الشيء لاَ حقاً، أي مُدركاً من سبقه في السّيْر.

وأطلق هنا مجازاً على المَزيد في عداد قوم.

والصالحون: المتصفون بالصلاح، وهو التزام الطاعة.

وأراد بهم الأنبياء.

فإن كان يوسف عليه السلام يومئذٍ نبيئاً فدعاؤهُ لطلب الدوام على ذلك، وإن كان نُبّئ فيما بعد فهو دعاء لحصوله، وقد صار نبيئاً بعد ورسولاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المُلْكَ هو احْتِياجُ حُسّادِهِ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطاءٍ.

الثّانِي: أرادَ تَصْدِيقَ الرُّؤْيا الَّتِي رَآها.

الثّالِثُ: أنَّهُ الرِّضا بِالقَضاءِ والقَناعَةِ بِالعَطاءِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ مُلْكَ الأرْضِ وهو الأشْهَرُ.

وَإنَّما قالَ مِنَ المُلْكِ لِأنَّهُ كانَ عَلى مِصْرَ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ.

﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِبارَةُ الرُّؤْيا.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الإخْبارُ عَنْ حَوادِثِ الزَّمانِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ خالِقُهُما.

﴿ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَوْلايَ.

الثّانِي: ناصِرِي.

﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مُخْلِصًا لِلطّاعَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: عَلى مِلَّةِ الإسْلامِ.

حَكى الحَسَنُ أنَّ البَشِيرَ لَمّا أتى يَعْقُوبَ قالَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ؟

قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ.

قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ.

﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِأهْلِ الجَنَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: بِآبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: فَكانَ يُوسُفُ أوَّلَ نَبِيٍّ تَمَنّى المَوْتَ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: مَكَثَ يَعْقُوبُ بِأرْضِ مِصْرَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ماتَ يَعْقُوبُ بِأرْضِ مِصْرَ وحُمِلَ إلى أرْضِ كَنْعانَ فَدُفِنَ هُناكَ.

وَدُفِنَ يُوسُفُ بِأرْضِ مِصْرَ ولَمْ يَزَلْ بِها حَتّى اسْتَخْرَجَ مُوسى عِظامَهُ وحَمَلَها فَدَفَنَها إلى جَنْبِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الأعمش رضي الله عنه قال: لما قال يوسف عليه السلام ﴿ رب قد آتيتني من الملك....

﴾ إلى قوله: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ﴾ شكر الله له ذلك، فزاد في عمره ثمانين عاماً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ابن جريج، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: اشتاق إلى لقاء الله، وأحب أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفاه وأن يلحقه بهم.

قال ابن عباس- رضي الله عنهما- ولم يسأل نبي قط الموت غير يوسف عليه السلام، فقال: ﴿ رب قد آتيتني من الملك...

﴾ الآية.

قال ابن جريج رضي الله عنه وأنا أقول: في بعض القرآن من الأنبياء من قال توفني.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: ما سأل نبي الوفاة غير يوسف.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ﴾ يقول: توفني على طاعتك، واغفر لي إذا توفيتني.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ قال: يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ﴾ قال: يعني أهل الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما أوتي يوسف عليه السلام من الملك ما أوتي، تاقت نفسه إلى آبائه قال: ﴿ رب قد آتيتني من الملك...

﴾ إلى قوله: ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ قال: بآبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: لما قدم على يوسف أبوه واخوته وجمع الله شمله وأقر عينيه- وهو يومئذ مغموس في نعيم من الدنيا- اشتاق إلى آبائه الصالحين: إبراهيم وإسحق ويعقوب، فسأل الله القبض، ولم يتمن الموت أحد قط، نبي ولا غيره إلا يوسف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن عبد العزيز رضي الله عنه أن يوسف عليه السلام، لما حضرته الوفاة قال: يا اخوتاه، إني لم انتصر من أحد ظلمني في الدنيا، وإني كنت أحب أن أظهر الحسنة وأخفي السيئة، فذلك زادي من الدنيا.

يا اخوتاه، إني أشركت آبائي في أعمالهم، فأشركوني معهم في قبورهم، وأخذ عليهم الميثاق، فلم يفعلوا حتى بعث الله موسى عليه السلام، فسأل عن قبره، فلم يجد أحداً يخبره إلا امرأة يقال لها شارخ بنت شيرا بن يعقوب، فقالت: أدلك عليه على أن أشترط عليه.

قال ذاك لك، قالت: أصير شابة كلما كبرت.

قال: ذاك لك.

قالت: وأكون معك في درجتك يوم القيامة.

فكأنه امتنع، فأمر أن يمضي لها ذلك ففعل، فدلته عليه فأخرجه، فكانت كلما كانت بنت خمسين سنة، صارت مثل ابنة ثلاثين سنة.

حتى عمرت عمر نسرين ألف وستمائة سنة، أو ألف وأربعمائة سنة، حتى أدركها سليمان بن داود عليه السلام فتزوجها.

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: إن الله حين أمر موسى عليه السلام بالسير ببني إسرائيل، أمره أن يحتمل معه عظام يوسف عليه السلام، وأن لا يخلفها بأرض مصر، وأن يسير بها معه حتى يضعها بالأرض المقدسة، فسأل موسى عليه السلام عمن يعرف موضع قبره، فما وجد إلا عجوزاً من بني إسرائيل، فقالت: يا نبي الله، إني أعرف مكانه، إن أنت أخرجتني معك ولم تخلفني بأرض مصر، دللتك عليه.

قال: أفعل.

وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر، فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف، ففعل.

فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء، فاستخرجه موسى عليه السلام صندوقاً من مرمر فاحتمله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾ الآية، قال ابن عباس (١) ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾ ، وذكر أبو إسحاق (٢) أحدهما: أنها للتبعيض، وكذلك هي في قوله: ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ ؛ لأنه كان قد ملك مصر ومُلْك مصر قطعة من الملك، وعبارة الرؤيا جزء من علم تأويل الأحاديث.

الثاني: أن (من) دخلت للتجنيس، وتلخيصها: آتيتني من جنصر الملك ومن جنس تأويل الأحاديث كقوله: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ  ﴾ أي: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن، ولم يؤمروا باجتناب بعض الأوثان.

قال أبو بكر: والقول هو الأول؛ لأن (٣) ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾ أتت فيه من مفسرة مجنسة بعد كلام لو اقتصرت عليه عقل، قال: ويجوز أن يكون المعنى: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾ الملك، وعلمتني تأويل الأحاديث، فأكد الكلام بمن كما أُكِّد بها في قوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ قال ابن عباس (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال ابن عباس (٥) (٦) ﴿ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ ﴾ يريد: خالق السموات، ومن هذا قوله: ﴿ الَّذِي فَطَرَنِي  ﴾ أي: خلقني.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي  ﴾ و"كل مولد يولد على الفطرة" (٧) (٨) (٩) ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي ﴾ وهو نداء مضاف في موضع نصب، ويجوز أن ينصب على نداء ثان.

وقوله تعالى: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾ قال قتادة (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ قال ابن عباس (١٣) (١٤) (١٥) (١) انظر: ابن كثير 2/ 529.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 129.

(٣) لأن: زيادة من (ب).

(٤) "تنوير المقباس" ص 154.

(٥) الرازي 18/ 217، و"تهذيب اللغة" (فطر) 3/ 2803، و "اللسان" (فطر) 6/ 3433.

(٦) "تهذيب اللغة" (فطر) 3/ 2803، و"اللسان" (فطر) 6/ 3433.

(٧) أخرجه البخاري بنحوه عن أبي هريرة (1358) كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يُصَلّى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟

وأطرافه في 1359، 1385، 4775، 9599، وأخرجه مسلم بنحوه أيضًا (2658) كتاب القدر باب معنى (كل مولود يولد على الفطرة ..).

(٨) "تهذيب اللغة" (فطر) 3/ 2803 - 2805، و"اللسان" (فطر) 6/ 3432 - 3433، والرازي 18/ 217.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 130.

(١٠) الطبري 13/ 73، وأحمد في "الزهد"، وابن أبي حاتم 7/ 2204 كما في "الدر".

(١١) أخرجه الطبري 13/ 73، 74، عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وابن إسحاق، و"زاد المسير" 4/ 292، وابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس كما في "الدر" 4/ 73.

(١٢) "زاد المسير" 4/ 292.

(١٣) الطبري 13/ 73، وابن المنذر وابن أبي حاتم 8/ 2781، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 73.

(١٤) الثعلبي 7/ 114 أ، وأخرجه أبو الشيخ، عن الضحاك وابن أبي حاتم 7/ 2205، عن وهب، وأحمد وابن أبي حاتم 7/ 2204 - 2205، وابن جرير عن قتادة كما في "الدر" 4/ 73.

(١٥) (ومراتبهم): زيادة من (ب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش ﴾ أي على سرير الملك ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ كان السجود عندهم تحية وكرامة لا عبادة ﴿ وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ﴾ يعني حين رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، وكان بين رؤياه وبين ظهور تأويلها ثمانون عاماً وقيل أربعون ﴿ أَحْسَنَ بي ﴾ يقال أحسن إليه وبه ﴿ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن ﴾ إنما لم يقل أخرجني من الجب لوجهين: أحدهما: أن في ذكر الجب خزي لإخوته، وتعريفهم بما فعلوه فترك ذكره توقيراً لهم.

والآخر: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة به أكثر ﴿ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو ﴾ أي من البادية وكانوا أصحاب إبل وغنم، فعدّ من النعم مجيئهم للحاضرة ﴿ نَّزغَ الشيطان ﴾ أي أفسد وأغوى ﴿ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ﴾ أي لطيف التدبير لما يشاء من الأمور ﴿ مِنَ الملك ﴾ من للتبعيض، لأنه لم يعطه إلا بعض ملك الدنيا بل بعض ملك مصر ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً ﴾ لما عدد النعم التي أنعم الله بها عليه اشتاق إلى لقاء ربه ولقاء الصالحين من سلفه وغيرهم، فدعا بالموت.

وقيل ليس ذلك دعاء بالموت، وإنما دعا أن الله يتم عليه النعم بالوفاة على الإسلام إذا حان أجله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.

﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.

﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.

﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.

الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.

﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.

﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.

التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.

والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.

والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.

وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟

الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.

قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.

قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.

وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.

روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله  أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟

وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.

ونقل أن جبريل  دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.

فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.

وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً  ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.

وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله  على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

ومما يدل على أن يعقوب  أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.

والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.

ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.

يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟

قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.

عن النبي  : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.

وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق  أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.

﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.

وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.

قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.

والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.

فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.

فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.

وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا  "أعوذ بك منك" .

ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.

يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.

فقال: الذي بي لكثرة غمومي.

فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟

فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.

فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.

وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.

واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله  بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟‍!

أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.

وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟

قال: لا يا نبي الله.

ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.

وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.

وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.

وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.

ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.

وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.

قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله  غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.

ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال  ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً  ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.

قال الكلبي.

هي من لغة العجم.

وقيل: لغة القبط.

والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.

قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.

وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.

وقيل: سويق المقل والأقط.

وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.

﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.

﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.

واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟

فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد  .

وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.

وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.

كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.

فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله  قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.

أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله  وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.

فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.

وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".

وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.

وفيه تصديق لقوله  : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا  ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.

وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.

وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.

ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم  فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.

ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.

وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.

﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.

ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.

قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.

وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".

والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.

قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.

واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.

سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.

وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.

وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.

وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.

وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.

ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.

وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.

يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.

فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.

عن رسول الله  أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟

قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.

فقال  : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .

قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.

وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.

وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.

روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.

عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.

وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.

﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.

قال أهل التحقيق: إن الله  أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.

والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.

﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين  ﴾ .

وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.

قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.

﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع  ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.

والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟

فقال: هو ملك مصر.

قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟

قال: على دين الإسلام.

قال: الآن تمت النعمة.

ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.

قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.

وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.

وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.

فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.

روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.

وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.

فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.

واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟

قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟

قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.

ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.

قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله  أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.

وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله  أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.

قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.

وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.

وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.

﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟

وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله  فمن أين جاز سجدة أبويه له؟

والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله  ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.

وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.

واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.

بأن الخرور قد يعني به المرور قال  .

﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً  ﴾ أي لم يمروا.

وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.

ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.

وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.

وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله  أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله  ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.

﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.

﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.

مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.

قال ابن الأنباري.

بدا موضع معروف هنالك.

روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.

قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه  أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.

وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.

﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.

﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!

قال: أمرني جبريل.

قال: أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب  ﴾ قال: فهلا خفتني.

ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.

فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.

ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون  ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.

قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟

والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله  كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.

وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟

أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.

سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.

فما الفائدة في الطلب؟

الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.

وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.

وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.

قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله  وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.

وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.

ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.

ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.

وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.

ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.

وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.

ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.

فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.

وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  ﴾ فليتذكر.

قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.

وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله  أعلم بحقائق الأمور.

التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم  حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ بل أول ملامتي هو الله  حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون  ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.

فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .

يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق  ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ .

ظاهر هذا أن يوسف كان تلقّاهم خارجاً من المصر؛ فقال لهم: ﴿ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ ثم لما دخلوا المصر آوى إلى نفسه أبويه وضمهما إليه.

ويشبه أن يكون قال لهم هذا القول؛ وقت ما قال لهم: ﴿ وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ و ﴿ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ ، ثم لما جاءوا هم ودخلوا مصر - ضم إليه أبويه؛ وأمره إياهم أن يدخلوا مصر آمنين؛ لأن المصر كان أهله أهل كفر؛ فكأنهم خافوا الملك الذي كان فيه؛ فذكر لهم الأمن لذلك.

والله أعلم.

وذكر الثنيا فيه؛ لأنه وعْد منه؛ وعَد لهم؛ والأنبياء - عليهم السلام - كان لا يعدون شيئاً إلا ويستثنون في آخره؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ وإنما ذكر الثنيا في الأمن؛ لم يذكر في الدخول؛ لأن الدخول منه أمر وما ذكر من الأمن فهو وعْد؛ فهو ما ذكرنا: أنه يستثنى في الوعد ولا يستثنى في الأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

يشبه أن يكون قوله: ﴿ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ هو ما ذكر من رفعه إياهما على العرش، وخص بذكر أبويه بالرفع على العرش؛ فيحتمل أن يكون رفع أبويه والإخوة جميعاً؛ لأنه لو لم يرفعهم - وقد كان عفا عنهم - لما أقروا بالخطأ.

وقال ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ  ﴾ لكان يقع عندهم أنه قد بقي شيء مما كان منهم إليه؛ لكنه خصّ أبويه بالذكر؛ لشرفهما ومجدهما؛ على ما يخص الأشراف والأعاظم؛ نحو قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا...

 إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ  ﴾ ونحوه.

ودل رفع أبويه على العرش - على أن اتخاذ العرش والجلوس عليه لا بأس به؛ إذ لو كان لا يحلّ أو لا يباح ذلك؛ لكان يوسف لا يتخذه؛ ولا كان يعقوب يجلس عليه، دل ذلك منهما أن ذلك مباح لا بأس به.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ .

قال بعضهم - من أهل التأويل - كانت تحيتهم يومئذ - فيما بينهم - السجود؛ يسجد بعضهم لبعض مكان ما يسلم بعضنا على بعض، وأما اليوم فهو غير مباح؛ وإنما التحية في السلام، لكن السجود لغير الله؛ ليس يكره لنفس السجود؛ وإنما يكره وينهى عما في السجود؛ وهو العبادة والتسفل، لا يحل لأحد أن يجعل العبادة والتسفل له دون الله، وأما نفس السجود فإنه كالقيام والقعود؛ وغيره من الأحوال يكون فيها المرء.

والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ أي خروا له خاضعين له ذليلين، وقال بعضهم: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ أي: خروا له سجدا، شكرا له؛ لما جمع بينهم ورفع ما كان بينهم، وهو قول ابن عباس  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ﴾ .

أي: حقق تلك الرؤيا التي رأيتها من قبل؛ وجعلها صدقاً لي، رأى يوسف رؤيا فخرجت رؤياه بعد حين ووقت وزمان طويل؛ فهذا يدلّ أن الخطاب إذا قرع السمع يجوز أن يأتي بيانه من بعد حين وزمان، ويجوز أن يكون مقروناً به، وليس في تأخر بيان الخطاب تلبيس ولا تشبيه، على ما قال بعض الناس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ ﴾ [ذكر إحسانه إليه ومنته ولم يذكر محنته بالتصريح، إنما ذكرها بالتعريض، حيث قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ ﴾ ولم يقل: سجنت أو حبست، وأمثاله، ما كان ابتلاه الله به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ ﴾ .

قيل: من البادية؛ لأنهم كانوا أهل بادية أصحاب المواشي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ ﴾ .

[قال بعضهم: نزغ: أي فرق [أي:] بعدما فرق الشيطان بيني وبين إخوتي]، وكأن النزغ هو الإفساد؛ على ما ذكره أهل التأويل؛ أي: بعدما أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي، وأضاف ذلك إلى الشيطان؛ لما كان قال لهم: لا تثريب عليكم حين أقروا له بالفضل؛ والخطأ في فعلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ﴾ .

اللطيف: هو اسم لشيئين: اسم البرّ والعطف؛ يقال: فلان لطيف؛ أي بارّ عاطِف.

والثاني: يقال: لطيف؛ أي عالم بما يلطف من الأشياء ويصغر، كما يعلم بما يعظم ويجسم.

أو يقال: لطيف: أي يعلم المستور من الأمور الخفية على الخلق؛ كما يعلم الظاهرة منها والبادية، لا يخفى عليه شيء؛ يعلم السر وأخفى، يقال له: عظيم، ولطيف؛ ليعلم أن ليس يفهم من عظمه ما يفهم من عظم الخلق؛ إذ لا يجوز في الخلق أن يكون عظيماً لطيفاً؛ ويجوز في الله، ليعلم أن ما يفهم من هذا غير ما يفهم من الآخر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

أي العليم بما كان ويكون، وما ظهر وما بطن، وما يسرّ وما يعلن، وبكل شيء، أو عليم بعواقب الأمور وبدايتها، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : حكم بعلم، ووضع كل شيء موضعه؛ لم يحكم بجهل ولا غفلة ولا سفه؛ على ما يحكم الخلق،  الله - عز وجل - عن ذلك علوّاً كبيراً.

[مسألة]: ثلاث آيات في سورة يوسف على المعتزلة: قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ  ﴾ أخبر أنه لو لم يصرف عنه كيدهن مال إليهن، وهم يقولون: قد صرف عن كل أحد السوء والكيد؛ لكن لم ينصرف عنه ذلك.

وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ  ﴾ أخبر أنه إذا رحمه امتنع عن السوء والأمر به، وهم يقولون: إنه - وإن رحم - لا يمتنع السوء ولا الأمر به.

وكذلك قوله: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ  ﴾ وهم يقولون: ليس له أن يصيب أحداً دون أحد من رحمته؛ ولا أن يخص أحداً بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: ذكر ﴿ مِنَ ٱلْمُلْكِ ﴾ ؛ لأنه لم يؤته كل الملك؛ إذ كان فوقه ملك أكبر منه، لكن لا لهذا ذكر ﴿ مِنَ ٱلْمُلْكِ ﴾ ؛ إذ معلوم أنه لم يؤت لأحد كل ملك الدنيا؛ قال الله  : ﴿ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ  ﴾ ويكون في وقت واحد ملوك.

وقال مقاتل: (من) صلة: كأنه قال: رب قد آتيتني من الملك.

لكن الوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، قدم دعاءه؛ وسؤاله ربه ما سأل؛ إحسانه إليه ومحامده وصنائعه؛ ليكون ذلك [له وسيلة] إلى ربه في الإجابة.

وفي ذلك دلالة نقض قول المعتزلة من وجهين: أحدهما: يقولون: إن كل أحد شفيعه عمله؛ فيوسف لم يذكر ما كان منه: أني فعلت كذا؛ فافعل بي كذا، ولكن ذكر نعم الله وإحسانه إليه.

والثاني من قولهم: إنه لا يؤتي أحداً ملكاً ولا نبوة إلا بعد الاستحقاق [به، ولا يكون من الله إلى أحد نعمة وإحسان إلا بعد الاستحقاق].

ومن قولهم: إن كل أحد هو المتعلم؛ لا أن الله يعلم أحداً، وقد أضاف يوسف التعليم إلى الله؛ حيث قال: ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ وهم يقولون: لم يعلمه ولكن هو تعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ .

قال أهل التأويل: تعبير الرؤيا، ولكن الأحاديث: هي الأنباء، والتأويل: هو علم العاقبة وعلم ما يئول إليه الأمر، كأنه قال: علمتني مستقر الأنباء ونهايتها؛ كقوله -  -: ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ  ﴾ .

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

كأنه على النداء والدعاء؛ ذكر: يا فاطر السماوات والأرض؛ لذلك انتصب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .

يشبه أن يكون تأويله: أنت ولي نعمتي في الدنيا والآخرة؛ كما يقال: فلان ولي نعمة فلان.

ويحتمل: أنت أولى بي في الدنيا والآخرة، أو أنت ربي وسيدي في الدنيا والآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً ﴾ .

تمنى -  - التوفّي على الإسلام، والإخلاص بالله والإلحاق بالصالحين؛ فهو - والله أعلم - وذلك أن الله قد آتاه النهاية في الشرف والمجد في الدنيا ديناً ودنيا؛ لأن نهاية الشرف في الدين هي النبوة والرسالة، ونهاية الشرف في الدنيا الملك؛ فأحب أن يكون له في الآخرة مثله؛ فقال: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ ثم يحتمل سؤاله: أن يلحقه بالصالحين؛ بكل صالح.

ويحتمل: أنه سأله أن يلحقه بالصالحين؛ بآبائه وأجداده وبجميع الأنبياء والرسل.

وقوله: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ هو ينقض على المعتزلة أيضاً؛ ومن قولهم: [إنه أعطى كل أحد] ليس له ألا يتوفاه مسلماً؛ فيكون في دعائه عابثاً؛ على قولهم.

[والثاني: على قولهم] لا يملك أن يتوفاه مسلماً؛ لأن من قولهم: إنه أعطى كل أحد ما به يكون مؤمناً حتى لم يبق عنده شيء، ومن سأل آخر شيئاً يعلم أنه ليس عنده؛ فهو يهزأ به، أو يكون فيه كتمان النعمة؛ وفي كتمان النعمة كفرانها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ..

﴾ الآية.

﴿ ذَلِكَ ﴾ : أي خبر يوسف وإخوته؛ وقصصهم التي قصصنا عليك وأخبرناك به؛ من أوله إلى آخره، ﴿ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ لم تشهدها أنت [ولم تحضرها كقوله]: ﴿ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ  ﴾ هذا ليعلم أنك إنما علمت وعرفتها بالله وحياً؛ ليدلهم على رسالتك ونبوتك.

والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ .

أي: ما كنت لديهم ولا بحضرتهم؛ ثم أنبأت على ما كان؛ ليدل على ما ذكرنا من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ .

بأبيهم وأخيهم: أما مكرهم بأبيهم؛ حيث قالوا: ﴿ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ  ﴾ أخبروه أنهم له ناصحون؛ فخانوه.

ومكرهم بأخيهم؛ حيث قالوا: ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ ضمنوا له الحفظ؛ فلم يحفظوه - مكروا بهما جميعاً.

والمكر: هو الاحتيال؛ في اللغة؛ والأخذ على جهة الأمن، وقد فعلوا هم بأبيهم يعقوب وأخيهم يوسف عليهما السلام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم دعا يوسف ربه، فقال: يا رب، قد أعطيتني ملك مصر، وعلّمتني تعبير الرؤى، يا خالق السماوات والأرض ومبدعهما على غير مثال سابق، أنت متولي جميع أموري في الحياة الدنيا، ومتولي جميعها في الآخرة، اقبضني عند انتهاء أجلي مسلمًا، وألحقني بالأنبياء الصالحين من آبائي وغيرهم في الفروس الأعلى من الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.QErY7"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد