الآية ١٠٠ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٠٠ من سورة يوسف

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًۭا ۖ وَقَالَ يَـٰٓأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّۭا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌۭ لِّمَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ١٠٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 159 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٠ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٠ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ورفع أبويه على العرش ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وغير واحد : يعني السرير ، أي : أجلسهما معه على سريره .

( وخروا له سجدا ) أي : سجد له أبواه وإخوته الباقون ، وكانوا أحد عشر رجلا ( وقال ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل ) أي : التي كان قصها على أبيه ( إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) [ يوسف : 4 ] وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له ، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى - عليه السلام - فحرم هذا في هذه الملة ، وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى .

هذا مضمون قول قتادة وغيره .

وفي الحديث أن معاذا قدم الشام ، فوجدهم يسجدون لأساقفتهم ، فلما رجع سجد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ما هذا يا معاذ ؟

" فقال : إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم ، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله .

فقال : " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد ، لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها " وفي حديث آخر : أن سلمان لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض طرق المدينة ، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام ، فسجد للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " لا تسجد لي يا سلمان ، واسجد للحي الذي لا يموت " .

والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم; ولهذا خروا له سجدا ، فعندها قال يوسف : ( ياأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) أي : هذا ما آل إليه الأمر ، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر ، كما قال تعالى : ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ) [ الأعراف : 53 ] أي : يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا من خير وشر .

وقوله : ( قد جعلها ربي حقا ) أي : صحيحة صدقا ، يذكر نعم الله عليه ( وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ) أي : البادية .

قال ابن جريج وغيره : كانوا أهل بادية وماشية .

وقال : كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين ، من غور الشام .

قال : وبعض يقول : كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حسمى ، وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل .

( من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ) [ ثم قال ] ( إن ربي لطيف لما يشاء ) أي : إذا أراد أمرا قيض له أسبابا ويسره وقدره ، ( إنه هو العليم ) بمصالح عباده ) الحكيم ) في أفعاله وأقواله ، وقضائه وقدره ، وما يختاره ويريده .

قال أبو عثمان النهدي ، عن سليمان كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة .

قال عبد الله بن شداد : وإليها ينتهي أقصى الرؤيا .

رواه ابن جرير .

وقال أيضا : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، حدثنا هشام ، عن الحسن قال : كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ، ثمانون سنة ، لم يفارق فيها الحزن قلبه ، ودموعه تجري على خديه ، وما على وجه الأرض عبد أحب إلى الله من يعقوب .

وقال هشيم ، عن يونس ، عن الحسن : ثلاث وثمانون سنة .

وقال مبارك بن فضالة ، عن الحسن : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، فغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ، فمات وله عشرون ومائة سنة .

وقال قتادة : كان بينهما خمس وثلاثون سنة .

وقال محمد بن إسحاق : ذكر - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة ، قال : وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها ، وأن يعقوب - عليه السلام - بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ، ثم قبضه الله إليه .

وقال أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : دخل بنو إسرائيل مصر ، وهم ثلاثة وستون إنسانا ، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا .

وقال أبو إسحاق ، عن مسروق : دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون من بين رجل وامرأة .

والله أعلم .

وقال موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن شداد : اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر .

وهم ستة وثمانون إنسانا ، صغيرهم وكبيرهم ، وذكرهم وأنثاهم ، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ونيف .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( ورفع أبويه على العرش ) ، يعني: على السرير، كما: - 19883 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي: ( ورفع أبويه على العرش ) ، قال: السرير.

19884 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي , عن جويبر , عن الضحاك , قال: " العرش "، السرير.

19885 - ....

قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: ( ورفع أبويه على العرش ) ، قال: السرير.

19886 - حدثنا محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19887 - حدثني المثنى , قال: أخبرنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، 19888 - وحدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .

19889 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله .

19890 - حدثني المثنى , قال: أخبرنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد ، 19891 - وحدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله.

19892 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله .

19893 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( ورفع أبويه على العرش ) ، قال: سريره.

19894 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( على العرش ) ، قال: على السرير.

19895 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: ( ورفع أبويه على العرش ) ، يقول: رفع أبويه على السرير.

19896 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال: حدثنا أبو أحمد , قال: قال سفيان: ( ورفع أبويه على العرش ) ، قال: على السرير.

19897 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( ورفع أبويه على العرش ) ، قال: مجلسه.

19898 - حدثني ابن عبد الرحيم البرقي , قال:حدثنا عمرو بن أبي سلمة , قال: سألت زيد بن أسلم , عن قول الله تعالى: ( ورفع أبويه على العرش ) ، فقلت: أبلغك أنها خالته؟

قال: قال ذلك بعض أهل العلم , يقولون: إن أمّه ماتت قبل ذلك، وإن هذه خالته.

* * * وقوله: ( وخرّوا له سجدًا ) ، يقول: وخرّ يعقوب وولده وأمّه ليوسف سجّدًا.

* * * 19899 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: ( وخرُّوا له سجدًا ) ، يقول: رفع أبويه على السرير , وسجدا له , وسجد له إخوته.

19900 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: تحمّل ، يعني يعقوب ، بأهله حتى قدموا على يوسف، فلما اجتمع إلى يعقوب بنوه، دخلوا على يوسف، فلما رأوه وقعوا له سجودًا، وكانت تلك تحية الملوك في ذلك الزمان ، أبوه وأمه وإخوته.

19901 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( وخروا له سجّدًا ) وكانت تحية من قبلكم , كان بها يحيِّي بعضهم بعضًا , فأعطى الله هذه الأمة السلام، تحية أهل الجنة، كرامةً من الله تبارك وتعالى عجّلها لهم، ونعمة منه.

19902 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( وخروا له سجدًا ) ، قال: وكانت تحية الناس يومئذ أن يسجد بعضهم لبعض.

19903 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال: حدثنا أبو إسحاق , قال: قال سفيان: ( وخرّوا له سجدًا ) ، قال: كانت تحيةً فيهم.

19904 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج: ( وخروا له سجدًا ) ، أبواه وإخوته، كانت تلك تحيّتهم، كما تصنع ناسٌ اليومَ.

19905 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك: ( وخروا له سجدًا ) قال: تحيةٌ بينهم.

19906 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد في قوله: ( وخرُّوا له سجدًا ) ، قال: قال: ذلك السجود لشرَفه , كما سجدت الملائكة لآدم لشرفه، ليس بسجود عبادةٍ.

* * * وإنما عنى من ذكر بقوله: " إن السجود كان تحية بينهم "، أن ذلك كان منهم على الخُلُق، لا على وجه العبادة من بعضهم لبعض.

ومما يدل على أن ذلك لم يزل من أخلاق الناس قديمًا قبل الإسلام على غير وجه العبادة من بعضهم لبعض، قول أعشى بني ثعلبة: فَلَمَّـــا أَتَانَـــا بُعَيْــدَ الكَــرَى سَــجَدْنَا لَــهُ وَرَفَعْنَــا عَمَــارَا (12) * * * وقوله: ( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًّا ) ، يقول جل ثناؤه: قال يوسف لأبيه: يا أبت، هذا السجود الذي سجدتَ أنت وأمّي وإخوتي لي ( ، تأويل رؤياي من قبل ) ، يقول: ما آلت إليه رؤياي التي كنت رأيتها، (13) وهي رؤياه التي كان رآها قبل صنيع إخوته به ما صنعوا: أنَّ أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدون ، ( قد جعلها ربي حقًّا ) ، يقول: قد حقّقها ربي، لمجيء تأويلها على الصحَّة.

* * * وقد اختلف أهل العلم في قدر المدة التي كانت بين رؤيا يوسف وبين تأويلها.

فقال بعضهم: كانت مدّةُ ذلك أربعين سنة .

* ذكر من قال ذلك: 19907 - حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا المعتمر , عن أبيه , قال: حدثنا أبو عثمان , عن سلمان الفارسي , قال: كان بين رؤيا يوسف إلى أن رأى تأويلها أربعون سنة.

19908 - حدثني يعقوب بن برهان ويعقوب بن إبراهيم , قالا حدثنا ابن علية قال: حدثنا سليمان التيمي , عن أبي عثمان النهدي , قال: قال عثمان: كانت بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويله.

قال: فذكر أربعين سنة.

(14) 19909 - حدثنا ابن وكيع , قال:حدثنا ابن علية , عن التيمي , عن أبي عثمان , عن سلمان , قال: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة.

19910 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو نعيم , قال: حدثنا سفيان , عن أبي سنان , عن عبد الله بن شداد , قال: رأى تأويل رؤياه بعد أربعين عامًا.

19911 - ....

قال: حدثنا سفيان , عن سليمان التيمي , عن أبي عثمان , عن سلمان , مثله .

19912 - حدثني أبو السائب , قال: حدثنا ابن فضيل , عن ضرار , عن عبد الله بن شداد أنه سمع قومًا يتنازعون في رؤيا رآها بعضهم وهو يصلي , فلما انصرف سألهم عنها , فكتموه، فقال: أما إنه جاء تأويل رؤيا يوسف بعد أربعين عامًا.

19913 - حدثنا أبو كريب , قال، حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، عن إسرائيل , عن ضرار بن مرة أبي سنان , عن عبد الله بن شداد , قال: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة.

19914 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن فضيل وجرير , عن أبي سنان , قال: سمع عبد الله بن شداد قومًا يتنازعون في رؤيا ، , فذكر نحو حديث أبي السائب , عن ابن فضيل .

19915 - حدثنا أحمد , قال: حدثنا أبو أحمد , قال: حدثنا سفيان , عن سليمان التيمي , عن أبي عثمان , عن سلمان , قال: رأى تأويل رؤياه بعد أربعين عامًا.

19916 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: أخبرنا ابن عيينة , عن أبي سنان , عن عبد الله بن شداد , قال: وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنة , وإليها ينتهي أقصى الرؤيا.

(15) 19917 - ....

قال: حدثنا معاذ بن معاذ , قال: حدثنا سليمان التيمي , عن أبي عثمان , عن سلمان , قال: كان بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويلها أربعون سنة.

19918 - ....

قال، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء , عن سليمان التيمي , عن أبي عثمان , عن سلمان , قال: كان بين رؤيا يوسف وبين عبارتها أربعون سنة.

19919 - ....

قال، حدثنا سعيد بن سليمان , قال: حدثنا هشيم , عن سليمان التيمي , عن أبي عثمان , عن سلمان , قال: كان بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويلها أربعون سنة.

19920 - ....

قال، حدثنا سعيد بن سليمان , قال: حدثنا هشيم , عن سليمان التيمي , عن أبي عثمان , عن سلمان , قال: كان بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويلها أربعون سنة.

19921 - ....

قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي سنان , عن عبد الله بن شداد , قال: كان بين رؤيا يوسف وبين تعبيرها أربعون سنة.

* * * وقال آخرون: كانت مدة ذلك ثمانين سنة .

* ذكر من قال ذلك: 19922 - حدثنا عمرو بن علي , قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي , قال: حدثنا هشام , عن الحسن , قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا، ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه , ودموعه تجري على خديه , وما على وجه الأرض يومئذ عبدٌ أحبَّ إلى الله من يعقوب.

19923 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن أبي جعفر جسر بن فرقد , قال: كان بين أن فقد يعقوب يوسف إلى يوم رد عليه ثمانون سنة.

(16) 19924 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا حسن بن علي , عن فضيل بن عياض , قال: سمعت أنه كان بين فراق يوسف حجر يعقوب إلى أن التقيا، ثمانون سنة.

19925 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا داود بن مهران , قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد , عن يونس , عن الحسن , قال: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان بين ذلك وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة , وعاش بعد ذلك ثلاثًا وعشرين سنة , ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة.

19926 - ....

قال: حدثنا سعيد بن سليمان , قال: حدثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن , نحوه ، غير أنه قال: ثلاث وثمانون سنة .

19927 - قال: حدثنا داود بن مهران , قال: حدثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , قال: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة , وكان في العبوديّة وفي السجن وفي الملك ثمانين سنة , ثم جمع الله عز وجل شمله، وعاش بعد ذلك ثلاثًا وعشرين سنة.

19928 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا مبارك بن فضالة , عن الحسن , قال: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة , ثم عاش بعدما جمع الله له شمله ورأى تأويل رؤياه ثلاثًا وعشرين سنة، فمات وهو ابن عشرين ومائة سنة.

19929 - حدثنا مجاهد , قال: حدثنا يزيد , قال: أخبرنا هشيم , عن الحسن , قال: غاب يوسف عن أبيه في الجب وفي السجن حتى التقيا ثمانين عامًا , فما جفَّت عينا يعقوب , وما على الأرض أحد أكرمَ على الله من يعقوب.

(17) * * * وقال آخرون: كانت مدة ذلك ثمان عشرة سنة .

* ذكر من قال ذلك: 19930 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: ذكر لي، والله أعلم، أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمان عشرة سنة.

قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها , وأنّ يعقوب بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة , ثم قبضه الله إليه.

* * * وقوله: ( وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ) ، يقول جل ثناؤه، مخبرًا عن قيل يوسف: وقد أحسن الله بي في إخراجه إياي من السجن الذي كنت فيه محبوسًا , وفي مجيئه بكم من البدو .

وذلك أن مسكن يعقوب وولده، فيما ذكر، كان ببادية فلسطين، كذلك: - * * * 19931 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: كان منـزل يعقوب وولده، فيما ذكر لي بعض أهل العلم، بالعَرَبات من أرض فلسطين، ثغور الشأم.

وبعضٌ يقول بالأولاج من ناحية الشِّعْب , وكان صاحب بادية، له إبلٌ وشاء.

19932 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدنا عمرو , قال: أخبرنا شيخ لنا أن يعقوب كان ببادية فلسطين.

19933 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو ) ، وكان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواشٍ وبرّية.

19934 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج: ( وجاء بكم من البدو ) ، قال: كانوا أهل بادية وماشية.

* * * و " الَبْدوُ" مصدر من قول القائل : " بدا فلان ": إذا صار بالبادية،" يَبْدُو بَدْوًا ".

* * * وذكر أن يعقوب دخل مصر هو ومن معه من أولاده وأهاليهم وأبنائهم يوم دخلوها، وهم أقلّ من مائة.

وخرجوا منها يوم خرجوا منها وهم زيادة على ست مائة ألف.

* ذكر الرواية بذلك: 19935 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا زيد بن الحباب وعمرو بن محمد , عن موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب القرظي , عن عبد الله بن شداد , قال: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنسانًا , صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم.

وخرجوا من مصر يوم أخرجهم فرعون وهم ست مائة ألف ونَيّف.

19936 - ....

قال: حدثنا عمرو , عن إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال: خرج أهل يوسف من مصر وهم ست مائة ألف وسبعون ألفًا , فقال فرعون: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [سورة الشعراء: 54] .

19937 - حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن إسرائيل والمسعودي , عن أبي إسحاق , عن أبي عبيدة , عن ابن مسعود , قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاث وستون إنسانًا , وخرجوا منها وهم ست مائة ألف ، قال إسرائيل في حديثه: ست مائة ألف وسبعون ألفًا.

19938 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن مسروق , قال: دخل أهل يوسف مصر وهم ثلاث مائة وتسعون من بين رجل وامرأة.

* * * وقوله: ( من بعد أن نـزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ) ، يعني: من بعد أن أفسد ما بيني وبينهم، وجَهِل بعضنا على بعض.

* * * يقال منه ": نـزغ الشيطان بين فلان وفلان , يَنـزغ نـزغًا و نـزوغًا.

(18) * * * وقوله: ( إن ربي لطيف لما يشاء ) ، يقول: إن ربي ذو لطف وصنع لما يشاء، (19) ومن لطفه وصنعه أنه أخرجني من السجن، وجاء بأهلي من البَدْوِ بعد الذي كان بيني وبينهم من بُعد الدار، وبعد ما كنت فيه من العُبُودة والرِّق والإسار، كالذي: - 19939 -حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( إن ربي لطيف لما يشاء ) ، لطف بيوسف وصنع له حتى أخرجه من السجن , وجاء بأهله من البدو , ونـزع من قلبه نـزغ الشيطان، وتحريشه على إخوته.

* * * وقوله:: ( إنه هو العليم ) ، بمصالح خلقه وغير ذلك، لا يخفى عليه مبادي الأمور وعواقبها ، ( الحكيم ) ، في تدبيره.

---------------------- الهوامش: (12) ديوان : 39 ، وهذا البيت من قصيدته في تمجيد قيس بن معد يكرب ، وكان خرج معه في بعض غاراته ، فكاد الأعشى أن يؤسر ، فاستنقذه قيس ، فذكر ذلك فقال : فَيَــا لَيْلَــةً لِــيَ فِــي لَعْلَــعٍ كَطَــوْفِ الغَـرِيبِ يَخَـافُ الإسَـارَا فلمَّـــــا أَتَانــــا ............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

و" لعلع" مكان بين الكوفة والبصرة .

يذكر في البيت الأول قلقه وشدة نزاعه وحيرته ، لما تأخر قيس ، وقد كاد هو يقع في أسر العدو ، فلما جاء قيس استنقذه ومن معه ، فسجدوا له وحيوه .

و" العمار" مختلف في تفسير قيل : هو العمامة أو القلنسوة ، وقيل الريحان يرفع للملك يحيا به ، وقيل : رفعنا أصواتنا بقولنا :" عمرك الله" .

وفي المطبوعة :" ورفعنا العمارا" ، واثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لرواية الديوان وغيره من المراجع .

(13) انظر تفسير" التأويل" فيما سلف ص : 119 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(14) الأثر : 19908 -" يعقوب بن برهان" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ذكرًا في شيء من دواوين الرجال .

وأنا أخشى أن يكون هو :" يعقوب بن ماهان" ، شيخ الطبري أيضًا ، روى عنه فيما سلف رقم : 4901 ، وقال :" حدثني يعقوب بن إبراهيم ، يعقوب بن ماهان ، قالا ، حدثنا هشيم ..." ، وهو شبيه بهذا الإسناد كما ترى ، وكأن الناسخ أساء القراءة ، فنقل مكان" ماهان"" برهان" .

(15) في المطبوعة :" وإليها تنتهي أيضًا الرؤيا" ، وهو كلام فارغ ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، ولأن رسم" أقصى" فيها :" أنصا" .

(16) الأثر : 19923 -" جسر بن فرقد" ،" أبو جعفر القصاب" ، ليس بذاك ، مضى برقم : 16940 ، 16941 ، وكان في المطبوعة هنا" حسن بن فرقد" ، لم يحسن قراءة المخطوطة .

(17) ‌الأثر : 19929 -" مجاهد" هذا ، هو :" مجاهد بن موسى بن فروخ الخوارزمي" ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 510 ، 3396 .

(18) ‌انظر تفسير" نزغ" فيما سلف 13 : 333 ، وهذا المصدر الثاني" النزوخ" ، مما لم تذكره كتب اللغة ، فيجب إثباته في مكانه منها .

(19) ‌انظر تفسير" اللطيف" فيما سلف 12 : 22 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ورفع أبويه على العرش قال قتادة : يريد السرير ، وقد تقدمت محامله ; وقد يعبر بالعرش عن الملك والملك نفسه ; ومنه قول النابغة الذبياني :عروش تفانوا بعد عز وأمنةوقد تقدم .قوله تعالى : وخروا له سجدا فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وخروا له سجدا الهاء في " خروا له " قيل : إنها تعود على الله تعالى ; المعنى : وخروا شكرا لله سجدا ; ويوسف كالقبلة لتحقيق رؤياه ، وروي عن الحسن ; قال النقاش : وهذا خطأ ; والهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أول السورة : رأيتهم لي ساجدين .

وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف ، والصغير للكبير ; سجد يعقوب وخالته وإخوته ليوسف - عليه السلام - فاقشعر جلده وقال : هذا تأويل رؤياي من قبل وكان بين رؤيا يوسف وبين تأويلها اثنتان وعشرون سنة .

وقال سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد : أربعون سنة ; قال عبد الله بن شداد : وذلك آخر ما تبطئ الرؤيا .

وقال قتادة : خمس وثلاثون سنة .

وقال السدي وسعيد بن جبير وعكرمة : ست وثلاثون سنة .

وقال الحسن وجسر بن فرقد [ ص: 231 ] وفضيل بن عياض : ثمانون سنة .

وقال وهب بن منبه : ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد أن التقى بأبيه ثلاثا وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة .

وفي التوراة مائة وست وعشرون سنة .

وولد ليوسف من امرأة العزيز إفراثيم ومنشا ورحمة امرأة أيوب .

وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة .

وقيل : إن يعقوب بقي عند يوسف عشرين سنة ، ثم توفي - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : أقام عنده ثماني عشرة سنة .

وقال بعض المحدثين : بضعا وأربعين سنة ; وكان بين يعقوب ويوسف ثلاث وثلاثون سنة حتى جمعهم الله .

وقال ابن إسحاق : ثماني عشرة سنة ، والله أعلم .الثانية : قال سعيد بن جبير عن قتادة عن الحسن : في قوله : وخروا له سجدا - قال : لم يكن سجودا ، لكنه سنة كانت فيهم ، يومئون برءوسهم إيماء ، كذلك كانت تحيتهم .

وقال الثوري والضحاك وغيرهما : كان سجودا كالسجود المعهود عندنا ، وهو كان تحيتهم .

وقيل : كان انحناء كالركوع ، ولم يكن خرورا على الأرض ، وهكذا كان سلامهم بالتكفي والانحناء ، وقد نسخ الله ذلك كله في شرعنا ، وجعل الكلام بدلا عن الانحناء .

وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي وجه كان فإنما كان تحية لا عبادة ; قال قتادة : هذه كانت تحية الملوك عندهم ; وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة .قلت : هذا الانحناء والتكفي الذي نسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية ، وعند العجم ، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض ; حتى إن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يؤبه به ، وأنه لا قدر له ; وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض ، عادة مستمرة ، ووراثة مستقرة لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء نكبوا عن السنن ، وأعرضوا عن السنن .

وروى أنس بن مالك قال : قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا إلى بعض إذا التقينا ؟

قال : لا ; قلنا : أفيعتنق بعضنا بعضا ؟

قال لا .

قلنا : أفيصافح بعضنا بعضا ؟

قال نعم .

خرجه أبو عمر في " التمهيد " فإن قيل : فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قوموا إلى سيدكم وخيركم - يعني سعد بن معاذ - قلنا : ذلك مخصوص بسعد لما تقتضيه الحال المعينة ; وقد قيل : إنما كان قيامهم لينزلوه عن الحمار ; وأيضا فإنه يجوز للرجل الكبير إذا لم يؤثر ذلك في نفسه ، فإن أثر فيه وأعجب به ورأى لنفسه حظا لم يجز عونه على ذلك ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - : من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده [ ص: 232 ] من النار .

وجاء عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أنه لم يكن وجه أكرم عليهم من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كانوا يقومون له إذا رأوه ، لما يعرفون من كراهته لذلك .الثالثة : فإن قيل : فما تقول في الإشارة بالإصبع ؟

قيل له : ذلك جائز إذا بعد عنك ، لتعين له به وقت السلام ، فإن كان دانيا فلا ; وقد قيل بالمنع في القرب والبعد ; لما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من تشبه بغيرنا فليس منا .

وقال : لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليم اليهود بالأكف والنصارى بالإشارة .

وإذا سلم فإنه لا ينحني ، ولا أن يقبل مع السلام يده ، ولأن الانحناء على معنى التواضع لا ينبغي إلا لله .

وأما تقبيل اليد فإنه من فعل الأعاجم ، ولا يتبعون على أفعالهم التي أحدثوها تعظيما منهم لكبرائهم ; قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقوموا عند رأسي كما تقوم الأعاجم عند رءوس أكاسرتها فهذا مثله .

ولا بأس بالمصافحة ; فقد صافح النبي - صلى الله عليه وسلم - جعفر بن أبي طالب حين قدم من الحبشة ، وأمر بها ، وندب إليها ، وقال : تصافحوا يذهب الغل وروى غالب التمار عن الشعبي أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا إذا التقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا ; فإن قيل : فقد كره مالك المصافحة ؟

قلنا : روى ابن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة ، وذهب إلى هذا سحنون وغيره من أصحابنا ; وقد روي عن مالك خلاف ذلك من جواز المصافحة ، وهو الذي يدل عليه معنى ما في الموطأ ; وعلى جواز المصافحة جماعة العلماء من السلف والخلف .

قال ابن العربي : إنما كره مالك المصافحة لأنه لم يرها أمرا عاما في الدين ، ولا منقولا نقل السلام ; ولو كانت منه لاستوى معه[ ص: 233 ] قلت : قد جاء في المصافحة حديث يدل على الترغيب فيها ، والدأب عليها والمحافظة ; وهو ما رواه البراء بن عازب قال : لقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيدي فقلت : يا رسول الله !

إن كنت لأحسب أن المصافحة للأعاجم ؟

فقال : نحن أحق بالمصافحة منهم ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما .قوله تعالى : وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ولم يقل من الجب استعمالا للكرم ; لئلا يذكر إخوته صنيعهم بعد عفوه عنهم بقوله : لا تثريب عليكم .قلت : وهذا هو الأصل عند مشايخ الصوفية : ذكر الجفا في وقت الصفا جفا ، وهو قول صحيح دل عليه الكتاب .

وقيل : لأن في دخوله السجن كان باختياره بقوله : رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وكان في الجب بإرادة الله تعالى له .

وقيل : لأنه كان في السجن مع اللصوص والعصاة ، وفي الجب مع الله تعالى ; وأيضا فإن المنة في النجاة من السجن كانت أكبر ، لأنه دخله بسبب أمر هم به ; وأيضا دخله باختياره إذ قال : رب السجن أحب إلي فكان الكرب فيه أكثر ; وقال فيه أيضا : اذكرني عند ربك فعوقب فيه .وجاء بكم من البدو يروى أن مسكن يعقوب كان بأرض كنعان ، وكانوا أهل مواش وبرية ; وقيل : كان يعقوب تحول إلى بادية وسكنها ، وأن الله لم يبعث نبيا من أهل البادية .

وقيل : إنه كان خرج إلى بدا ، وهو موضع ; وإياه عنى جميل بقوله :وأنت التي حببت شغبا إلى بدا إلي وأوطاني بلاد سواهماوليعقوب بهذا الموضع مسجد تحت جبل .

يقال : بدا القوم بدوا إذا أتوا بدا ، كما يقال : غاروا غورا أي أتوا الغور ; والمعنى : وجاء بكم من مكان بدا ; ذكره القشيري ، وحكاه الماوردي عن الضحاك عن ابن عباس .من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي بإيقاع الحسد ; قاله ابن عباس .

وقيل : أفسد ما بيني وبين إخوتي ; أحال ذنبهم على الشيطان تكرما منه .إن ربي لطيف لما يشاء أي رفيق بعباده .

وقال الخطابي : اللطيف هو البر بعباده الذي [ ص: 234 ] يلطف بهم من حيث لا يعلمون ، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون ; كقوله : الله لطيف بعباده يرزق من يشاء .

وقيل : اللطيف العالم بدقائق الأمور ; والمراد هنا الإكرام والرفق .

قال قتادة ، لطف بيوسف بإخراجه من السجن ، وجاءه بأهله من البدو ، ونزع عن قلبه نزغ الشيطان .

ويروى أن يعقوب لما قدم بأهله وولده وشارف أرض مصر وبلغ ذلك يوسف استأذن فرعون - واسمه الريان - أن يأذن له في تلقي أبيه يعقوب ; وأخبره بقدومه فأذن له ، وأمر الملأ من أصحابه بالركوب معه ; فخرج يوسف والملك معه في أربعة آلاف من الأمراء مع كل أمير خلق الله أعلم بهم ; وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب ، فكان يعقوب يمشي متكئا على يد يهوذا ; فنظر يعقوب إلى الخيل والناس والعساكر فقال : يا يهوذا !

هذا فرعون مصر ؟

قال : لا ، بل هذا ابنك يوسف ; فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمنع من ذلك ، وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل ; فابتدأ يعقوب بالسلام فقال : السلام عليك يا مذهب الأحزان ، وبكى وبكى معه يوسف ; فبكى يعقوب فرحا ، وبكى يوسف لما رأى بأبيه من الحزن ; قال ابن عباس : فالبكاء أربعة ، بكاء من الخوف ، وبكاء من الجزع ، وبكاء من الفرح ، وبكاء رياء .

ثم قال يعقوب : الحمد لله الذي أقر عيني بعد الهموم والأحزان ، ودخل ، مصر في اثنين وثمانين من أهل بيته ; فلم يخرجوا من مصر حتى بلغوا ستمائة ألف ونيف ألف ; وقطعوا البحر مع موسى - عليه السلام - ; رواه عكرمة عن ابن عباس .

وحكى ابن مسعود أنهم دخلوا مصر وهم ثلاثة وتسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة ، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا .

وقال الربيع بن خيثم : دخلوها وهم اثنان وسبعون ألفا ، وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف .

وقال وهب بن منبه : دخل يعقوب وولده مصر وهم تسعون إنسانا ما بين رجل وامرأة وصغير ، وخرجوا منها مع موسى فرارا من فرعون ، وهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا مقاتلين ، سوى الذرية .

والهرمى والزمنى ; وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف سوى المقاتلة ، وقال أهل التواريخ : أقام يعقوب بمصر أربعا وعشرين سنة في أغبط حال ونعمة ، ومات بمصر ، وأوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق بالشام ففعل ، ثم انصرف إلى مصر .

قال سعيد بن جبير : نقل يعقوب - صلى الله عليه وسلم - في تابوت من ساج إلى بيت المقدس ، ووافق ذلك يوم مات عيصو ، فدفنا في قبر واحد ; فمن ثم تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس ، من فعل ذلك منهم ; وولد يعقوب وعيصو في بطن واحد ، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعا مائة وسبعا وأربعين سنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ } أي: على سرير الملك، ومجلس العزيز، { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا } أي: أبوه، وأمه وإخوته، سجودا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام، { وَقَالَ } لما رأى هذه الحال، ورأى سجودهم له: { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ } حين رأي أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت { قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } فلم يجعلها أضغاث أحلام.

{ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي } إحسانا جسيما { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام، حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجب، لتمام عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك الذنب، وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إلي.

فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا قال: "أحسن بكم" بل قال { أَحْسَنَ بِي } جعل الإحسان عائدا إليه، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده، ويهب لهم من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.

{ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } فلم يقل "نزغ الشيطان إخوتي" بل كأن الذنب والجهل، صدر من الطرفين، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودحره، وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة.

{ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ } يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، { الْحَكِيمُ } في وضعه الأشياء مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ورفع أبويه على العرش ) أي : على السرير : أجلسهما .

والرفع : هو النقل إلى العلو .

( وخروا له سجدا ) يعني : يعقوب وخالته وإخوته .

وكانت تحية الناس يومئذ السجود ، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض ، وإنما هو الانحناء والتواضع .

وقيل : وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم ، لا على طريق العبادة .

وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة فنسخ في هذه الشريعة .

وروي عن ابن عباس أنه قال : معناه : خروا لله عز وجل سجدا بين يدي يوسف .

والأول أصح .

( وقال ) يوسف عند ذلك : ( يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) وهو قوله : " إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " .

( وقد أحسن بي ) [ ربي ، أي ] : أنعم علي ( إذ أخرجني من السجن ) ولم يقل من الجب مع كونه أشد بلاء من السجن ، استعمالا للكرم ، لكيلا يخجل إخوته بعدما قال لهم : " لا تثريب عليكم اليوم " ، ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن أعظم ، لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية والرق ، وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك ، ولأن وقوعه في البئر كان لحسد إخوته ، وفي السجن مكافأة من الله تعالى لزلة كانت منه .

( وجاء بكم من البدو ) والبدو بسيط من الأرض يسكنه أهل المواشي بماشيتهم ، وكانوا أهل بادية ومواش ، يقال : بدا يبدو إذا صار إلى البادية .

( من بعد أن نزغ ) أفسد ( الشيطان بيني وبين إخوتي ) بالحسد .

( إن ربي لطيف ) أي : ذو لطف ( لما يشاء ) وقيل : معناه بمن يشاء .

وحقيقة اللطيف : الذي يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق ( إنه هو العليم الحكيم ) .

قال أهل التاريخ : أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة في أغبط حال وأهنإ عيش ، ثم مات بمصر فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق ، ففعل يوسف ذلك ، ومضى به حتى دفنه بالشام ، ثم انصرف إلى مصر .

قال سعيد بن جبير : نقل يعقوب عليه السلام في تابوت من ساج إلى بيت المقدس فوافق ذلك اليوم الذي مات فيه العيص فدفنا في قبر واحد ، وكانا ولدا في بطن واحد ، وكان عمرهما مائة وسبعا وأربعين سنة .

فلما جمع الله تعالى ليوسف شمله على أن نعيم الدنيا لا يدوم سأل الله تعالى حسن العاقبة ، فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ورفع أبويه» أحلهما معه «على العرش» السرير «وخروا» أي أبواه وإخوته «له سجدا» سجود انحناء لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان «وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي» إليَّ «إذ أخرجني من السجن» لم يقل من الحب تكرما لئلا تخجل إخوته «وجاء بكم من البدو» البادية «من بعد أن نزغ» أفسد «الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم» بخلقه «الحكيم» في صنعه وأقام عنده أبوه أربعا وعشرين سنة أو سبع عشرة سنة وكانت مدة فراقه ثماني عشرة أو أربعين أو ثمانين سنة وحضره الموت فوصى يوسف أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأجْلَسَ أباه وأمه على سرير ملكه بجانبه؛ إكرامًا لهما، وحيَّاه أبواه وإخوته الأحد عشر بالسجود له تحية وتكريمًا، لا عبادة وخضوعًا، وكان ذلك جائزًا في شريعتهم، وقد حَرُم في شريعتنا؛ سدًا لذريعة الشرك بالله.

وقال يوسف لأبيه: هذا السجود هو تفسير رؤياي التي قصصتها عليك من قبل في صغري، قد جعلها ربي صدقًا، وقد تفضَّل عليَّ حين أخرجني من السجن، وجاء بكم إليَّ من البادية، من بعد أن أفسد الشيطان رابطة الأخوة بيني وبين إخوتي.

إن ربي لطيف التدبير لما يشاء، إنه هو العليم بمصالح عباده، الحكيم في أقواله وأفعاله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد بالعرش فى قوله ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش ) السرير الذى يجلس عليه .أى : وأجلس يوسف أبويه معه على السرير الذى يجلس عليه ، تكريماً لهما ، وإعلاء من شأنهما .( وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ) أى : وخر يعقوب وأسرته ساجدين من أجل يوسف ، وكان ذلك جائزا فى شريعتهم على أنه لون من التحية ، وليس المقصود به السجود الشرعى لأنه لا يكون إلا الله - تعالى - .( وَقَالَ ) يوسف متحدثاً بنعمة الله ( ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً .

.

.

)أى : وقال يوسف لأبيه : هذا السجود الذى سجدتموه لى الآن ، هو تفسير رؤياى التى رأيتها فى صغرى ، فقد جعل ربى هذه الرؤيا حقاً ، وأرانى تأويلها وتفسيرها بعد أن مضى عليها الزمن الطويل .قالوا : وكان بين الرؤيا وبين ظهور تأويلها أربعون سنة .والمراد بهذه الرؤيا ما أشار إليه القرآن فى مطلع هذه السورة فى قوله ( ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) ثم قال يوسف لأبيه أيضاً : ( وَقَدْ أَحْسَنَ بي ) ربى - عز وجل - ( إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن ) بعد أن مكثت بين جدرانه بضع سنين .وعدى فعل الإِحسان بالباء مع أن الأصل فيه أن يتعدى بإلى ، لتضمنه معنى اللطف ولم يذكر نعمة إخراجه من الجب ، حتى لا يجرح شعور إخوته الذين سبق أن قال لهم : ( لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ ) وقوله ( وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو ) معطوف على ما قبله تعدادا لنعم الله - تعالى - .أى : وقد أحسن بى ربى حيث أخرجنى من السجن ، وأحسن بى أيضاً حيث يسر لكم أموركم ، وجمعنى بكم فى مصر ، بعد أن كنتم مقيمين فى البادية فى أرض كنعان بفلسطين .وقوله ( مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إخوتي ) أى جمعنى بكم من بعد أن أفسد الشيطان بينى وبين إخوتى ، حيث حملهم على أن يلقوا بى فى الجب .وأصل ( نَّزغَ ) من النزغ بمعنى النخس والدفع .

يقال : نزغ الراكب دابته إذا نخسها ودفعها لتسرع فى سيرها .وأسند النزغ إلى الشيطان ، لأنه هو الموسوس به ، والدافع إليه ، ولأن فى ذلك ستراً على إخوته وتأدباً معهم .وقوله ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم ) تذييل قصد به الثناء على الله - تعالى - بما هو أهله .أى : إن ربى وخالقى ، لطيف التدبير لما يشاء تدبيره من أمور عباده ، رفيق بهم فى جميع شئونهم من حيث لا يعلمون .إنه - سبحانه - هو العليم بأحوال خلقه علماً تاماً ، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه روي أن يوسف عليه السلام وجه إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه وخرج يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم تلقوا يعقوب عليه السلام وهو يمشي يتوكأ على يهودا فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهودا هذا فرعون مصر.

قال: لا هذا ولدك يوسف فذهب يوسف يبدأ بالسلام فمنع من ذلك فقال يعقوب عليه السلام: السلام عليك وقيل إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى والمقاتلون منهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلاً سوى الصبيان والشيوخ.

أما قوله: ﴿ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: في المراد بقوله أبويه قولان: الأول: المراد أبوه وأمه، وعلى هذا القول فقيل إن أمه كانت باقية حية إلى ذلك الوقت، وقيل إنها كانت قد ماتت، إلا أن الله تعالى أحياها وأنشرها من قبرها حتى سجدت له تحقيقاً لرؤية يوسف عليه السلام.

والقول الثاني: أن المراد أبوه وخالته، لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين، وقيل: بنيامين بالعبرانية ابن الوجع، ولما ماتت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله تعالى بأحد الأبوين، لأن الرابة تدعى، إما لقيامها مقام الأم أو لأن الخالة أم كما أن العم أب، ومنه قوله تعالى: ﴿ وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  ﴾ .

البحث الثاني: آوى إليه أبويه ضمهما إليهما واعتنقهما.

فإن قيل: ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟

قلنا: كأنه حين استقبلهم نزل بهم في بيت هناك أو خيمة فدخلوا عليه وضم إليه أبويه وقال لهم: ﴿ ادخلوا مِصْرَ ﴾ .

أما قوله: ﴿ دَخَلُواْ على يُوسُفَ ءاوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: قال السدي إنه قال: هذا القول قبل دخولهم مصر؛ لأنه كان قد استقبلهم وهذا هو الذي قررناه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بقوله: ﴿ ادخلوا مِصْرَ ﴾ أي أقيموا بها آمنين، سمى الإقامة دخولاً لاقتران أحدهما بالآخر.

البحث الثاني: الاستثناء وهو قول: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الأمن لا إلى الدخول، والمعنى: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ  ﴾ وقيل إنه عائد إلى الدخول على القول الذي ذكرناه إنه قال لهم هذا الكلام قبل أن دخلوا مصر.

البحث الثالث: معنى قوله: ﴿ ءامِنِينَ ﴾ يعني على أنفسكم وأموالكم وأهليكم لا تخافون أحداً، وكانوا فيما سلف يخافون ملوك مصر وقيل آمنين من القحط والشدة والفاقة، وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف.

أما قوله: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش ﴾ قال أهل اللغة: العرش السرير الرفيع قال تعالى: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ  ﴾ والمراد بالعرش هاهنا السرير الذي كان يجلس عليه يوسف، وأما قوله: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا ﴾ ففيه إشكال، وذلك لأن يعقوب عليه السلام كان أبا يوسف وحق الأبوة عظيم قال تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا  ﴾ فقرن حق الوالدين بحق نفسه، وأيضاً أنه كان شيخاً، والشاب يجب عليه تعظيم الشيخ.

والقول الثالث: أنه كان من أكابر الأنبياء ويوسف وإن كان نبياً إلا أن يعقوب كان أعلى حالاً منه.

والقول الرابع: أن جد يعقوب واجتهاده في تكثير الطاعات أكثر من جد يوسف ولما اجتمعت هذه الجهات الكثيرة فهذا يوجب أن يبالغ يوسف في خدمة يعقوب فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب هذا تقرير السؤال.

والجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: وهو قول ابن عباس في رواية عطاء أن المراد بهذه الآية أنهم خروا له أي لأجل وجدانه سجداً لله تعالى، وحاصل الكلام: أن ذلك السجود كان سجوداً للشكر فالمسجود له هو الله، إلا أن ذلك السجود إنما كان لأجله والدليل على صحة هذا التأويل أن قوله: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا ﴾ مشعر بأنهم صعدوا ذلك السرير، ثم سجدوا له، ولو أنهم سجدوا ليوسف لسجدوا له قبل الصعود على السرير لأن ذلك أدخل في التواضع.

فإن قالوا: فهذا التأويل لا يطابق قوله: ﴿ وَقَالَ يأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رؤياى مِن قَبْلُ ﴾ والمراد منه قوله: ﴿ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  ﴾ .

قلنا: بل هذا مطابق ويكون المراد من قوله: ﴿ والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ﴾ لأجلي أي أنها سجدت لله لطلب مصلحتي وللسعي في إعلاء منصبي، وإذا كان هذا محتملاً سقط السؤال.

وعندي أن هذا التأويل متعين، لأنه لا يستبعد من عقل يوسف ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة.

والوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً لنعمة وجدانه.

وهذا التأويل حسن فإنه يقال: صليت للكعبة كما يقال: صليت إلى الكعبة.

قال حسان شعراً: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم *** وأعرف الناس بالقرآن والسنن وهذا يدل على أنه يجوز أن يقال فلان صلى للقبلة، وكذلك يجوز أن يقال سجد للقبلة وقوله: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا ﴾ أي جعلوه كالقبلة ثم سجدوا لله شكراً لنعمة وجدانه.

الوجه الثالث: في الجواب قد يسمى التواضع سجوداً كقوله: ترى الأكم فيها سجداً للحوافر...

وكان المراد هاهنا التواضع إلا أن هذا مشكل، لأنه تعالى قال: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا ﴾ والخرور إلى السجدة مشعر بالإتيان بالسجدة على أكمل الوجوه وأجيب عنه بأن الخرور قد يعني به المرور فقط قال تعالى: ﴿ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً  ﴾ يعني لم يمروا.

الوجه الرابع: في الجواب أن نقول: الضمير في قوله: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ ﴾ غير عائد إلى الأبوين لا محالة، وإلا لقال: وخروا له ساجدين، بل الضمير عائد إلى إخوته، وإلى سائر من كان يدخل عليه لأجل التهنئة، والتقدير: ورفع أبويه على العرش مبالغة في تعظيمهما، وأما الإخوة وسائر الداخلين فخروا له ساجدين.

فإن قالوا: فهذا لا يلائم قوله: ﴿ وَقَالَ يأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رؤياى مِن قَبْلُ ﴾ .

قلنا: إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقاً للرؤيا بحسب الصورة والصفة من كل الوجوه فسجود الكواكب والشمس والقمر، تعبير عن تعظيم الأكابر من الناس له ولا شك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجله في نهاية التعظيم له، فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير مساوياً لأصل الرؤيا في الصفة والصورة فلم يوجبه أحد من العقلاء.

الوجه الخامس: في الجواب لعل الفعل الدال على التحية والإكرام في ذلك الوقت هو السجود، وكان مقصودهم من السجود تعظيمه، وهذا في غاية البعد لأن المبالغة في التعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب، فلو كان الأمر كما قلتم، لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب عليه السلام.

والوجه السادس: فيه أن يقال: لعل إخوته حملتهم الأنفة والاستعلاء على أن لا يسجدوا له على سبيل التواضع، وعلم يعقوب عليه السلام أنهم لو لم يفعلوا ذلك لصار ذلك سبباً لثوران الفتن ولظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها فهو عليه السلام مع جلالة قدره وعظم حقه بسبب الأبوة والشيخوخة والتقدم في الدين والنبوة والعلم فعل ذلك السجود، حتى تصير مشاهدتهم لذلك سبباً لزوال الأنفة والنفرة عن قلوبهم ألا ترى أن السلطان الكبير إذا نصب محتسباً فإذا أراد ترتيبه مكنه في إقامة الحسبة عليه ليصير ذلك سبباً في أن لا يبقى في قلب أحد منازعة ذلك المحتسب في إقامة الحسبة فكذا هاهنا.

الوجه السابع: لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو كما أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو، ويوسف ما كان راضياً بذلك في قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت.

ثم حكى تعالى أن يوسف لما رأى هذه الحالة: ﴿ قَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رؤياى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه لما رأى سجود أبويه وإخوته هاله ذلك واقشعر جلده منه، وقال ليعقوب هذا تأويل رؤياي من قبل، وأقول: هذا يقوي الجواب السابع كأنه يقول: يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به وتكليف كلفت به، فإن رؤيا الأنبياء حق كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده صار سبباً لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف وحكاها ليعقوب سبباً لوجوب ذلك السجود، فلهذا السبب حكى ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما رأى ذلك هاله واقشعر جلده ولكنه لم يقل شيئاً، وأقول: لا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب كأنه قيل له: إنك كنت دائم الرغبة في وصاله ودائم الحزن بسبب فراقه، فإذا وجدته فاسجد له، فكان الأمر بذلك السجود من تمام الشديد.

والله أعلم بحقائق الأمور.

البحث الثاني: اختلفوا في مقدار المدة بين هذا الوقت وبين الرؤيا فقيل ثمانون سنة، وقيل: سبعون، وقيل: أربعون، وهو قول الأكثرين، ولذلك يقولون إن تأويل الرؤيا إنما صحت بعد أربعين سنة، وقيل ثماني عشرة سنة وعن الحسن أنه ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وبقي في العبودية والسجون ثمانين سنة، ثم وصل إلى أبيه وأقاربه، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة فكان عمره مائة وعشرين سنة والله أعلم بحقائق الأمور.

ثم قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَى ﴾ أي إلي يقال: أحسن بي وإليه.

قال كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** لدينا ولا مقلية إن ثقلت إذا أخرجني من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر لوجوه: الأول: أنه قال لإخوته ﴿ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم ﴾ ولو ذكر واقعة البئر لكان ذلك تثريباً لهم فكان إهماله جاراً مجري الكرم.

الثاني: أنه لما خرج من البئر لم يصر ملكاً بل صيروه عبداً، أما لما خرج من السجن صيروه ملكاً فكان هذا الإخراج أقرب من أن يكون إنعاماً كاملاً.

الثالث: أنه لما أخرج من البئر وقع في المضار الحاصلة بسبب تهمة المرأة فلما أخرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته وزالت التهمة فكان هذا أقرب إلى المنفعة.

الرابع: قال الواحدي: النعمة في إخراجه من السجن أعظم لأن دخوله في السجن كان بسبب ذنب هم به، وهذا ينبغي أن يحمل على ميل الطبع ورغبة النفس، وهذا وإن كان في محل العفو في حق غيره إلا أنه ربما كان سبباً للمؤاخذة في حقه لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

ثم قال: ﴿ وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: القول الأول: جاء بكم من البدو أي من البداية، وقال الواحدي: البدو بسيط من الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد وأصله من بدا يبدو بدواً، ثم سمي المكان باسم المصدر فيقال: بدو وحضر وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش وبرية.

والقول الثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما كان يعقوب قد تحول إلى بدا وسكنها، ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت جبلها قال ابن الأنباري: بدا اسم موضع معروف يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان ذكرهما جميعاً كثير فقال: وأنت التي حببت شعباً إلى بدا *** إلى وأوطاني بلاد سواهما فالبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا يقال بدا القوم يبدون بدوا إذا أتوا بدا كما يقال: غار القوم غوراً إذا أتوا الغور فكان معنى الآية وجاء بكم من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده حضريين لأن البدو لم يرد به البادية لكن عنى به قصد بدا إلى هاهنا كلام قاله الواحدي في البسيط.

المسألة الثانية: تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى، لأن خروج العبد من السجن أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن ﴾ ومجيئهم من البدو وأضافه إلى نفسه سبحانه بقوله: ﴿ وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو ﴾ وهذا صريح في أن فعل العبد بعينه فعل الله تعالى وحمل هذا على أن المراد أن ذلك إنما حصل بإقدار الله تعالى وتيسيره عدول عن الظاهر.

ثم قال: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى ﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿ نَّزغَ ﴾ أفسد بيننا وأغوى وأصله من نزغ الراكض الدابة وحملها على الجري: يقال: نزغه ونسغه إذا نخسه.

واعلم أن الجبائي والكعبي والقاضي: احتجوا بهذه الآية على بطلان الجبر قالوا: لأنه تعالى أخبر عن يوسف عليه السلام أنه أضاف الإحسان إلى الله وأضاف النزغ إلى الشيطان، ولو كان ذلك أيضاً من الرحمن لوجب أن لا ينسب إلا إليه كما في النعم.

والجواب: أن إضافته هذا الفعل إلى الشيطان مجاز، لأن عندكم الشيطان لا يتمكن من الكلام الخفي وقد أخبر الله عنه فقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى  ﴾ فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك.

وأيضاً فإن كان إقدام المرء على المعصية بسبب الشيطان فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر لزم التسلسل وهو محال وإن لم يكن بسبب شيطان آخر فليقل مثله في حق الإنسان، فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق ليس بسبب الشيطان وليس إيضاً بسبب نفسه لأن أحداً لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في ذم الدنيا وعقاب الآخرة، ولما كان وقوعه في الكفر والفسق لابد له من موقع، وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال ذلك من الله تعالى، ثم الذي يؤكد ذلك أن الآية المتقدمة على هذه الآية وهي قوله: ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو ﴾ صريح في أن الكل من الله تعالى.

ثم قال: ﴿ إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء ﴾ والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وإن كان في غاية البعد عن الحصول.

ثم قال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم ﴾ أعني أن كونه لطيفاً في أفعاله إنما كان لأجل أنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها فيكون عالماً بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب وحكيم أي محكم في فعله، حاكم في قضائه، حكيم في أفعاله مبرأ عن العبث والباطل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ ﴾ قيل وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه.

وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، أهذا فرعون مصر؟

قال لا، هذا ولدك، فلما لقيه قال يعقوب عليه السلام: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

وقيل: إن يوسف قال له لما التقيا: يا أبت، بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟

فقال: بلى، ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك، وقيل: إنّ يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلاً سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرّية ألف ألف ومائتي ألف ﴿ أَوَى إِلَيْه أَبَوَيْهِ ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.

قال ابن أبي إسحاق: كانت أمّه تحيى، وقيل: هما أبوه وخالته.

ماتت أمّه فتزوّجها وجعلها أحد الأبوين؛ لأنّ الرابة تدعى أمّاً، لقيامها مقام الأمّ، أو لأنّ الخالة أمّ كما أنّ العم أب.

ومنه قوله: ﴿ وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ﴾ [البقرة: 133] فإن قلت: ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر؟

قلت: كأنه حين استقبلهم نزل لهم في مضرب أو بيت ثم، فدخلوا عليه وضمّ إليه أبويه، ثم قال لهم ﴿ ادخلوا مِصْرَ إِن شَآءَ الله ءَامِنِينَ ﴾ ولما دخل مصر وجلس في مجلسه مستوياً على سريره واجتمعوا إليه، أكرم أبويه فرفعهما على السرير ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ ﴾ يعني الإخوة الأحد عشر والأبوين ﴿ سُجَّدًا ﴾ ويجوز أن يكون قد خرج في قبة من قباب الملوك التي تحمل على البغال، فأمر أن يرفع إليه أبواه، فدخلا عليه القبة.

فآواهما إليه بالضم والاعتناق وقرّبهما منه، وقال بعد ذلك: ادخلوا مصر.

فإن قلت: بم تعلقت المشيئة؟

قلت: بالدخول مكيفاً بالأمن، لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم، فكأنه قيل لهم: اسلموا وأمنوا في دخولكم إن شاء الله.

ونظيره قولك للغازي: ارجع سالماً غانماً إن شاء الله، فلا تعلق المشيئة بالرجوع مطلقاً، ولكن مقيداً بالسلامة والغنيمة، مكيفاً بهما.

والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال.

ومن بدع التفاسير أن قوله ﴿ إِن شَاء الله ﴾ من باب التقديم والتأخير؛ وأن موضعها ما بعد قوله ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى ﴾ [يوسف: 98] في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره.

فإن قلت: كيف جاز لهم أن يسجدوا لغير الله؟

قلت: كانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة، كالقيام، والمصافحة وتقبيل اليد.

ونحوها مما جرت عليه عادة الناس، من أفعال شهرت في التعظيم والتوقير.

وقيل: ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجباه، وخرورهم سجداً يأباه.

وقيل: معناه وخرّوا لأجل يوسف سجداً لله شكراً.

وهذا أيضاً فيه نبوة.

يقال: أحسن إليه وبه، وكذلك أساء إليه وبه قال: أَسِيئِي بَنَا أَوْ أَحْسِنِي لاَ مَلُومَةً ﴿ مّنَ البدو ﴾ من البادية؛ لأنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون في المياه والمناجع ﴿ نَّزغَ ﴾ أفسد بيننا وأغرى، وأصله من نخس الرائض الدابة وحمله على الجري.

يقال: نزغه ونسغه، إذا نخسه ﴿ لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء ﴾ لطيف التدبير لأجله، رفيق حتى يجيء على وجه الحكمة والصواب.

وروي أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن الورق والذهب، وخزائن الحليّ، وخزائن الثياب، وخزائن السلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزانة القراطيس قال: يا بنيّ، ما أعقك: عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل؟

قال: أمرني جبريل.

قال أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط إليه مني فسله.

قال جبريل عليه السلام: الله تعالى أمرني بذلك لقولك ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب ﴾ [يوسف: 13] قال: فهلا خفتني؟

وروي أن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات.

وأوصى أن يدفه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم عاد إلى مصر، وعاش بعدأبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له، طلبت نفسه الملك الدائم الخالد، فتاقت نفسه إليه فتمنى الموت، وقيل: ما تمناه نبي قبله ولا بعده، فتوفاه الله طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه: كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر وجعلوه فيه، ودفنوه في النيل بمكان يمرّ عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعاً واحداً، وولد له: إفراثيم وميشاً، وولد لإفراثيم نون؛ ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه.

إلى أن بعث الله موسى صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ تَحِيَّةً وتَكْرِمَةً لَهُ فَإنَّ السُّجُودَ كانَ عِنْدَهم يَجْرِي مَجْراها.

وَقِيلَ مَعْناهُ خَرُّوا لِأجْلِهِ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى والواوُ لِأبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ والرَّفْعُ مُؤَخَّرٌ عَنِ الخُرُورِ وإنْ قُدِّمَ لَفْظًا لِلِاهْتِمامِ بِتَعْظِيمِهِ لَهُما.

﴿ وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ ﴾ الَّتِي رَأيْتُها أيّامَ الصِّبا.

﴿ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ صِدْقًا.

﴿ وَقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الجُبَّ لِئَلّا يَكُونَ تَثْرِيبًا عَلَيْهِمْ.

﴿ وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ مِنَ البادِيَةِ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ المَواشِي وأهْلَ البَدْوِ.

﴿ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ أفْسَدَ بَيْنَنا وحَرَّشَ، مِن نَزْغِ الرّائِضِ الدّابَّةَ إذا نَخَسَها وحَمَلَها عَلى الجَرْيِ.

﴿ إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ﴾ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ إذْ ما مِن صَعْبٍ إلّا وتَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَتُهُ ويَتَسَهَّلُ دُونَها.

﴿ إنَّهُ هو العَلِيمُ ﴾ بِوُجُودِ المَصالِحِ والتَّدابِيرِ.

﴿ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ في وقْتِهِ وعَلى وجْهٍ يَقْتَضِي الحِكْمَةَ.

رُوِيَ: أنَّ يُوسُفَ طافَ بِأبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في خَزائِنِهِ فَلَمّا أدْخَلَهُ خِزانَةَ القَراطِيسِ قالَ: يا بَنِي ما أعَقَّكَ عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ قالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أوَما تَسْألُهُ قالَ: أنْتَ أبْسَطُ مِنِّي إلَيْهِ فاسْألْهُ فَقالَ جِبْرِيلُ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ.

لِقَوْلِكَ: ﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ قالَ فَهَلّا خِفْتَنِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا} قيل لما دخلوا مصر وجلسوا في مجلسه مستوياً على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه فرفعهما على السرير وخروا له يعنى الإخوة الأحد عشرة والأبوين سجداً وكانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد وقال الزجاج سنة التعظيم في ذلك الوقت أن يسجد للمعظم وقيل ما كانت الا انحناءة دون تعفير الجباه وخرورهم سجداً يأباه وقيل وخروا لأجل يوسف سجداً لله شكراً وفيه نبوة أيضا واختلف في استنبائهم {وقال يا أبت هذا تَأْوِيلُ رؤياى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا} أي الرؤيا {رَبّي حَقّاً} أي صادقة وكان بين الرؤيا وبين التأويل اربعون سنة أو ثمانون أو ست وثلاثون أو اثنتان وعشرون {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى} يقال أحسن إليه وبه كذلك أساء إليه وبه {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن} ولم يذكر الجب لقوله لا تثريب عليكم اليوم {وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو} من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواشٍ ينتقلون في المياه والمناجع {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى} أي أفسد بيننا

وأغرى {إِنَّ ربي لطيف {

يوسف (١٠٠ _ ١٠٢)

لما يشاء

أي لطيف التدبير {إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم} بتأخير الآمال إلى الآجال أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ورَفَعَ أبَوَيْهِ ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِمْ بِمِصْرَ ﴿ عَلى العَرْشِ ﴾ عَلى السَّرِيرِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما تَكَرُّمًا لَهُما فَوْقَ ما فَعَلَهُ بِالإخْوَةِ ﴿ وخَرُّوا لَهُ ﴾ أيْ أبَواهُ وإخْوَتُهُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإخْوَةِ فَقَطْ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّ الرُّؤْيا تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الأبَوانِ والإخْوَةُ خَرُّوا لَهُ ﴿ سُجَّدًا ﴾ أيْ عَلى الجِباهِ كَما هو الظّاهِرُ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ السُّجُودَ يَكُونُ بَعْدَ الخُرُورِ وكانَ ذَلِكَ جائِزًا عِنْدَهم وهو جارٍ مَجْرى التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةُ كالقِيامِ والمُصافَحَةِ وتَقْبِيلِ اليَدِ ونَحْوِها مِن عاداتِ النّاسِ الفاشِيَةِ في التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ قالَ قَتادَةُ: كانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ عِنْدَهم وأعْطى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ كَرامَةً مِنهُ تَعالى عَجَّلَها لَهم وقِيلَ: ما كانَ ذَلِكَ إلّا إيماءً بِالرَّأْسِ وقِيلَ: كانَ كالرُّكُوعِ البالِغِ دُونَ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّواضُعُ ويُرادُ بِالخُرُورِ المُرُورُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ فَقَدْ قِيلَ: المُرادُ لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها كَذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في السُّقُوطِ وقِيلَ: ونُسِبَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى خَرُّوا لِأجْلِ يُوسُفَ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى ما أوْزَعَهم مِنَ النِّعْمَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ ﴾ إذْ فِيها ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ ودُفِعَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ يَجْعَلُ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ فِيهِما وقِيلَ: اللّامُ فِيهِما بِمَعْنى إلى كَما في صَلّى لِلْكَعْبَةِ قالَ حَسّانُ: ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ مِنها عَنْ أبِي حَسَنِ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالأشْياءِ والسُّنَنِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ تَعالى لا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَنٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهم صَعِدُوا ثُمَّ سَجَدُوا ولَوْ كانَ السُّجُودُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ الصُّعُودِ والجُلُوسِ لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّواضُعِ بِخِلافِ سُجُودِ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعالى ومُخالَفَةُ ظاهِرِ التَّرْتِيبِ ظاهِرُ المُخالَفَةِ لِلظّاهِرِ ودَفَعَ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ مِمّا عَلِمْتَ بِما عَلِمْتَ ثُمَّ قالَ: وهو مُتَعَيَّنٌ عِنْدِي لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِن عَقْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ في حُقُوقِ الوِلادَةِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ وأُجِيبَ بِأنَّ تَأْخِيرَ الخُرُورِ عَنِ الرَّفْعِ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ لا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ فَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ذِكْرُ كَوْنِهِ تَعْبِيرًا لِرُؤْياهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ وبِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِالأمْرِ فَلَمْ يَسَعْهُ إلّا السُّكُوتُ والتَّسْلِيمُ وكَأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ يا أبَتِ ﴾ ..

إلَخْ إشارَةً إلى ذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا أبَتِ لا يَلِيقُ بِمِثْلِكَ عَلى جَلالَتِكَ في العِلْمِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ أنَّ تَسْجُدَ لِوَلَدِكَ إلّا أنَّ هَذا أمْرٌ أمِرْتُ بِهِ وتَكْلِيفٌ كُلِّفْتُ بِهِ فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ كَما أنَّ رُؤْيا إبْراهِيمَ ذَبْحَ ولَدِهِ صارَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الذَّبْحِ في اليَقَظَةِ ولِذا جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى سُجُودَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ لَهُ هالَهُ ذَلِكَ واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنهُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ تَشْدِيدِ اللَّهِ تَعالى عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أنْتَ كُنْتَ دائِمَ الرَّغْبَةِ في وِصالِهِ والحُزْنِ عَلى فِراقِهِ فَإذا وجَدْتَهُ فاسْجُدْ لَهُ ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَهُ مَعَ عِظَمِ قَدْرِهِ لِتَتْبَعَهُ الإخْوَةُ فِيهِ لِأنَّ الأنَفَةَ رُبَّما حَمَلَتْهم عَلى الأنَفَةِ مِنهُ فَيَجُرُّ إلى ثَوَرانِ الأحْقادِ القَدِيمَةِ وعَدَمِ عَفْوِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ لا يُفِيدُ لِما عَلِمْتَ أنَّ مَبْناهُ مُوافَقَةُ الظّاهِرِ والِاحْتِمالاتُ المَذْكُورَةُ في الجَوابِ عَنِ الثّانِي قَدْ ذَكَرَها أيْضًا الإمامُ وهي كَما تَرى وأحْسَنُها احْتِمالُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو ومَنِ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا مِنَ الإخْوَةِ فِرارًا مِن نِسْبَتِهِ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما عَلِمْتَ وقَدْ رُدَّ بِما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا مِن أنَّ الرُّؤْيا تَسْتَدْعِي العُمُومَ وقَدْ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلرُّؤْيا بِحَسَبِ الصُّورَةِ والصِّفَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَسُجُودُ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يُعَبَّرُ بِتَعْظِيمِ الأكابِرِ مِنَ النّاسِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا شَكَّ أنَّ ذَهابَ يَعْقُوبَ وأوْلادِهِ مِن كَنْعانَ إلى مِصْرَ لِأجْلِهِ في نِهايَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ فَكَفى هَذا القَدْرُ في صِحَّةِ الرُّؤْيا فَأمّا أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ كالأصْلِ حَذْوَ القَذَّةِ بِالقَذَّةِ فَلَمْ يُوجِبْهُ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ.

اهَـ.

والحَقُّ أنَّ السُّجُودَ بِأيِّ مَعْنًى كانَ وقَعَ مِنَ الأبَوَيْنِ والإخْوَةِ جَمِيعًا والقَلْبُ يَمِيلُ إلى أنَّهُ كانَ انْحِناءً كَتَحِيَّةِ الأعاجِمِ وكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالخُرُورِ ولا بَأْسَ في أنْ يَكُونَ مِنَ الأبَوَيْنِ وهُما عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ ولا يَأْبى ذَلِكَ رُؤْياهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ سُجُودِكم أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحَوادِثِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيايَ وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِتَأْوِيلٍ لِأنَّها أُوِّلَتْ بِهَذا قَبْلَ وُقُوعِها وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿ رُؤْيايَ ﴾ وصِحَّةُ وُقُوعِ الغاياتِ حالًا تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها ﴿ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ أيْ صِدْقًا والرُّؤْيا تُوصَفُ بِذَلِكَ ولَوْ مَجازًا وأعْرَبَهُ جَمْعٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ وهي بِمَعْنى صَيَّرَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ وضَعَها صَحِيحَةً وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ جَعْلًا حَقًّا وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ بَلْ مِن مَعْناهُ لِأنَّ جَعَلَها في مَعْنى حَقَّقَها و ﴿ حَقًّا ﴾ في مَعْنى تَحْقِيقٍ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ مُقارَنَةٌ ﴿ وقَدْ أحْسَنَ بِي ﴾ الأصْلُ كَما في البَحْرِ أنْ يَتَعَدّى الإحْسانُ بِإلى أوِ اللّامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ وكَقَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةَ إنْ تَقَلَّتِ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى تَضْمِينِ ﴿ أحْسَنَ ﴾ مَعْنى لَطِّفْ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ اللُّطْفِ إلّا أنَّ بَعْضَهم أنْكَرَ تَعْدِيَةَ لَطُفَ بِالباءِ وزَعَمَ أنَّهُ لا يَتَعَدّى إلّا بِاللّامِ فَيُقالُ: لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أيْ أوْصَلَ إلَيْهِ مُرادَهُ بِلُطْفٍ وهَذا ما في القامُوسِ لَكِنَّ المَعْرُوفَ في الِاسْتِعْمالِ تَعَدِّيهِ بِالباءِ وبِهِ صَرَّحَ في الأساسِ وعَلَيْهِ المُعَوَّلُ وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى إلى وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أحْسِنْ صُنْعَهُ بِي فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَفْعُولِ المَحْذُوفِ وفِيهِ حَذْفُ المَصْدَرِ وإبْقاءُ مَعْمُولِهِ وهو مَمْنُوعٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقَوْلُهُ ﴿ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ مَنصُوبٌ بِأحْسِنْ أوْ بِالمَصْدَرِ المَحْذُوفِ عِنْدَ مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ وإذا كانَتْ تَعْلِيلِيَّةً فالإحْسانُ هو الإخْراجُ مِنَ السِّجْنِ بَعْدَ أنِ ابْتُلِيَ بِهِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وإذا كانَتْ ظَرْفِيَّةً فَهو غَيْرُهُما ولَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِصَّةِ الجُبِّ حَذَرًا مِن تَثْرِيبِ إخْوَتِهِ وتَناسِيًا لِما جَرى مِنهم لِأنَّ الظّاهِرَ حُضُورُهم لِوُقُوعِ الكَلامِ عَقِيبَ خَرُورِهِمْ سُجَّدًا ولِأنَّ الإحْسانَ إنَّما تَمَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّجْنِ لِوُصُولِهِ لِلْمَلِكِ وخُلُوصِهِ مِنَ الرِّقِّ والتُّهْمَةِ واكْتِفاءً بِما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ أيِ البادِيَةِ وأصْلُهُ البَسِيطُ مِنَ الأرْضِ وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ ما فِيهِ يَبْدُو لِلنّاظِرِ لِعَدَمِ ما يُوارِيهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى البَرِّيَّةِ مُطْلَقًا وكانَ مَنزِلُهم عَلى ما قِيلَ: بِأطْرافِ الشّامِ بِبادِيَةِ فِلَسْطِينَ وكانُوا أصْحابَ إبِلٍ وغَنَمٍ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا أهْلَ عُمُدٍ وأصْحابَ مَواشٍ يَنْتَقِلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تَحَوَّلَ إلى البادِيَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ البادِيَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَحَوَّلَ إلى بَدا وسَكَنَها ومِنها قَدِمَ عَلى يُوسُفَ ولَهُ بِها مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلِها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ بَدا اسْمُ مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ يُقالُ: هو بَيْنَ شِعْبٍ وبَدا وهُما مَوْضِعانِ ذَكَرَهُما جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ الَّذِي حَبَّبْتَ شِعْبًا إلى بَدا ∗∗∗ إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما فالبَدْوُ عَلى هَذا قَصْدُ هَذا المَوْضِعِ يُقالُ: بَدا القَوْمُ بَدْوًا إذا أتَوْا بَدًا كَما يُقالُ: أغارُوا غَوْرًا إذا أتَوُا الغَوْرَ فالمَعْنى أتى بِكم مِن قَصْدِ بَدا فَهم حِينَئِذٍ حَضَرِيُّونَ كَذا قالَهُ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ وذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ أيْ أفْسَدَ وحَرَّشَ وأصْلُهُ مِن نَزَغَ الرّابِضُ الدّابَّةَ إذا نَخَسَها وحَمَلَها عَلى الجَرْيِ وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا لِأنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ وفِيهِ تَفادٍ عَنْ تَثْرِيبِهِمْ أيْضًا وذَكَرَهُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الإحْسانِ لِأنَّ النِّعْمَةَ بَعْدَ البَلاءِ أحْسَنُ مَوْقِعًا واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ والقاضِي بِالآيَةِ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ﴾ أيْ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ إذْ ما مِن صَعْبٍ إلّا وتَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى ويَتَسَهَّلُ دُونَها كَذا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وحاصِلُهُ أنَّ اللَّطِيفَ هُنا بِمَعْنى العالِمِ بِخَفايا الأُمُورِ المُدَبِّرِ لَها والمُسَهِّلِ لِصِعابِها ولِنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ فَإذا أرادَ شَيْئًا سَهَّلَ أسْبابَهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ اللَّطِيفَ لِأنَّ ما يَلْطُفُ يَسْهُلُ نُفُوذُهُ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الرّاغِبِ حَيْثُ قالَ: اللَّطِيفُ ضِدَّ الكَثِيفِ ويُعَبَّرُ بِاللَّطِيفِ عَنِ الحَرَكَةِ الخَفِيفَةِ وتَعاطِي الأُمُورِ الدَّقِيقَةِ فَوُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِعِلْمِهِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ ورِفْقِهِ بِالعِبادِ فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِلَطِيفٍ لِأنَّ المُرادَ مُدَبِّرٌ لَمّا يَشاءُ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَعْنى لِأجَلِ ما يَشاءُ وهو عَلى الأوَّلِ مُتَعَدٍّ بِاللّامِ وعَلى الثّانِي غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ما في ذَلِكَ ﴿ إنَّهُ هو العَلِيمُ ﴾ بِوُجُوهِ المَصالِحِ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ .

(100) .

الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ لا غَيْرُهُ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ طافَ بِأبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ في خَزائِنِهِ فَلَمّا أدْخَلَهُ خَزِينَةَ القِرْطاسِ قالَ: يا بُنَيَّ ما أعَقَّكَ عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ قالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ قالَ: أوَما تَسْألُهُ قالَ: أنْتَ أبْسَطُ مِنِّي إلَيْهِ فَسَألَهُ قالَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اللَّهُ تَعالى أمَرَنِي بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: ﴿ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ قالَ: فَهَلّا خِفْتَنِي وهَذا عُذْرٌ واضِحٌ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في عَدَمِ إعْلامِ أبِيهِ بِسَلامَتِهِ وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْحى إلَيْهِ بِإخْفاءِ الأمْرِ عَلى أبِيهِ إلى أنْ يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ لَكِنْ يَبْقى السُّؤالُ بِأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَن أكابِرِ الأنْبِياءِ نَفْسًا وأبًا وجَدًّا وكانَ مَشْهُورًا في أكْنافِ الأرْضِ ومَن كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ وقَعَتْ لَهُ واقِعَةٌ هائِلَةٌ في أعَزِّ أوْلادِهِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْقَ تِلْكَ الواقِعَةُ خَفِيَّةً بَلْ لا بُدَّ وأنْ تَبْلُغَ في الشُّهْرَةِ إلى حَيْثُ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ لا سِيَّما وقَدِ انْقَضَتِ المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ فِيها وهو في ذَلِكَ الحُزْنِ الَّذِي تُضْرَبُ فِيهِ الأمْثالُ ويُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَكانٍ بَعِيدٍ عَنْ مَكانِهِ ولا مُتَوَطِّنًا زَوايا الخَفاءِ ولا خامِلَ الذِّكْرِ بَلْ كانَ مَرْجِعَ العامِّ والخاصِّ وداعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى في السِّرِّ والعَلَنِ وأوْقاتَ السُّرُورِ والمِحَنِ فَكَيْفَ غُمَّ أمْرُهُ ولَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ خَبَرُهُ.

وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن بابِ خَرْقِ العادَةِ واخْتَلَفُوا في مِقْدارِ المُدَّةِ بَيْنَ الرُّؤْيا وظُهُورِ تَأْوِيلِها فَقِيلَ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُدَّةَ ثَمانُونَ سَنَةً وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها سَبْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّها سَبْعُونَ سَنَةً وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّها خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنَّها أرْبَعُونَ سَنَةً وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ قالَ ابْنُ شَدّادٍ: وإلى ذَلِكَ يَنْتَهِي تَأْوِيلُ الرُّؤْيا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أي: ضمّ إليه أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ قال أبو عبيدة: هذا من كلام يعقوب، حيث قال: سوف استغفر لكم إن شاء الله، وكذلك قال ابن جريج.

ويقال: هذا من كلام يوسف.

قال لهم حين دخلوا مصر: انزلوا بأرض مصر.

ويقال: إنما قال لهم قبل أن يدخلوها ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ من الجوع.

ويقال: من الخوف، لأنها أرض الجبابرة.

قوله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ يعني: على السرير.

أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله.

قال مقاتل: يعني أباه وخالته، وكانت أمه راحيل قد ماتت، وخالته تحت يعقوب أبيه.

وعن وهب بن منبه قال: أبوه وخالته.

وعن سفيان الثوري مثله، وهو قول ابن عباس.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «الخالة أم» .

ويقال: إن أمه راحيل قد ماتت في ولادة بنيامين، ولذلك سمي بنيامين، واليامين وجع الولادة بلسانهم.

ثم قال: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً على وجه التقديم، يعني: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وكانت تحيتهم: أن يسجد الوضيع للشريف، فسجد له إخوته وأبوه وخالته.

وَقالَ يعني: يوسف عند ذلك يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ يعني: هذا السجود تحقيق رؤياي من قبله قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا يعني: جعل رؤياي صدقاً.

ويقال: كائنا.

وروي وَقالَ يعني: يوسف عند ذلك يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ يعني: هذا السجود تحقيق رؤياي من قبله قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا يعني: جعل رؤياي صدقاً.

ويقال: كائناً.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «كان بين رؤياه وبين ذلك: اثنان وعشرون سنة» .

وروى أبو عثمان النهدي، عن سلمان أنه قال: «كان بين رؤياه، وبين أن رأى تأويلها، أربعون سنة» .

وعن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: «وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنة، وإليه ينتهي الرؤيا» .

وقال السدي: «كان بينهما تسع وثلاثون سنة» .

وقال: حين رأى رؤياه: كان يوسف ابن تسع سنين، فظهر تأويلها وهو ابن أربعين سنة.

ثم قال تعالى: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ يعني: جاء بكم معافين سالمين من البادية.

يعني: أرض كنعان ومِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ يعني: من بعد أن أفسد وألقى الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ من الفرقة، والجماعة.

ويقال: لَطِيفٌ في فعاله، إن يشأ فرق، وإن يشأ جمع إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بما صنعوا الْحَكِيمُ إذ رد عَليّ أبي، وجمع بيني وبين إخوتي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال [ص] : معنى تُفَنِّدُونِ: تسفِّهون، انتهى، وقولهم: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ: يريدون: لَفِي انتلافك في مَحَبَّة يوسف، وليس بالضَّلال الذي هو في العُرْف ضدُّ الرشادِ لأن ذلك من الجَفَاءِ الذي لا يَسُوغُ لهم مواجَهَتِه به.

وقوله سبحانه: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً: روي عن ابنَ عَبَّاسٍ أن البشير كان يَهُوذَا لأنه كان جاء بقميص الدّم «١» وبَصِيراً: معناه: مُبْصراً، وروي أنه قال للبشير: على أيِّ دِينٍ تركْتَ يوسُفَ؟

قال: على الإِسلام قال: الحمد لله الآن كملت النعمة.

وقوله تعالى: قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ...

الآية: روي أنَّ يوسُفَ عليه السلام لما غَفَر لإِخوته، وتحقَّقوا أَنَّ أباهم يغفر لهم، قال بعضُهم لبعض: ما يُغْنِي عنا هذا إِنْ لم يغفر اللَّه لَنَا، فطلبوا حينئذٍ من يعقُوبَ عليه السلام أنْ يطلب لهم المغفرَةَ مِنَ اللَّه تعالى، واعترفوا بالخَطَإِ، فقال لهم يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي.

[ت] : وعن ابن عباس أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعليٍّ رضي اللَّه عنه: «إِذَا كَانَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَإِنِ استطعت أَنْ تَقُومَ في ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنَّها سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدُّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ، وقد قال أخي يعقوبُ لبنيه: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي، يقول: حَتَّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ ...

» «٢» وذكر الحديث، رواه الترمذيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إِلا من حديث الوليد بن مُسْلم، ورواه الحاكم في «المستدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وقال: صحيح

على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلماً انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ قال ابنُ إِسحاق، والحسن: أراد بالأبوين: أباه وأمَّه «١» ، وقيل: أراد أباه وخالته.

قال ع «٢» : والأول أظهر بحسب اللفْظِ، إِلا أَنْ يثبت بِسنَدٍ أنَّ أمه قد كانَتْ ماتت.

وقوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ هذا الاستثناءُ هو الذي نَدَبَ القرآن إِليه أَن يقوله الإِنسانُ في جميع ما ينفذه في المستقبل، والْعَرْشِ: سرير الملك، وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً: أي:

سجودَ تَحِيَّةٍ، فقيل: كان كالسُّجُود المعهودِ عندنا من وَضْعِ الوجْهِ بالأرض.

وقيل: بل دون ذلك كالرُّكوعِ البالغ ونحوه ممَّا كان سيرةَ تحيَّاتهم للملوكِ في ذلك الزمَانِ، وأجمع المفسِّرون أنه كان سجُودَ تحيَّة لا سُجُودَ عبادةٍ، وقال الحسنُ: الضمير في «له» للَّه عزَّ وجلَّ، ورُدَّ هذا القولُ على الحسن.

وقوله عزّ وجلّ: وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا:

المعنى: قال يوسُفُ ليعقوبَ، هذا السجودُ الذي كانَ منْكُم هو ما آلَتْ إِليه رؤياي قديماً في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمْس والقمر، قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ثم أخذ عليه السلام يعدِّد نعم اللَّه عَلَيْه، وقال: وقد أخرجني من السجن، وترك ذكر إِخراجه من الجُبِّ لأنَّ في ذكره تجْدِيدَ فعْلِ/ إِخوته وخِزْيِهِم، وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغوائِلِ، وتخبيثَ النفوسِ، ووجْه آخر أنه خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إِلى الرِّقِّ، ومن السِّجْنِ إِلى المُلْكِ، فالنعمةَ هنا أَوضَحُ، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ، أي: من الأمور أنْ يفعله إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.

قال ع «٣» : ولا وَجْه في ترك تعريفِ يُوسُفَ أباه بحاله مُنْذُ خَرَجَ من السِّجْنِ إِلى العِزِّ إِلا الوَحْيُ مِنَ اللَّه تعالَى لَمَّا أَراد أَن يمتحن به يَعْقُوب وبنيه، وأراد من صورة جمعهم، لا إله إِلا هو.

وقال النَّقَّاش: كان ذلك الوحْيُ في الجُبِّ، وهو قوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [يوسف: ١٥] ، وهذا محتمل.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ ﴾ في " أبَوَيْهِ " قَوْلانِ قَدْ تَقَدَّما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها.

والعَرْشُ هاهُنا: سَرِيرُ المَمْلَكَةِ، أجْلَسَ أبَوَيْهِ عَلَيْهِ ﴿ وَخَرُّوا لَهُ ﴾ يَعْنِي: أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ.

وَفِي هاءِ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ سُجُودُهم كَهَيْأةِ الرُّكُوعِ كَما يَفْعَلُ الأعاجِمُ.

وقالَ الحَسَنُ: أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَجَدُوا لَهُ عَلى جِهَةِ التَّحِيَّةِ، لا عَلى مَعْنى العِبادَةِ، وكانَ أهْلُ ذَلِكَ الدَّهْرِ يُحَيِّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالسُّجُودِ والِانْحِناءِ، فَحَظَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، فَرَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ قالَ: " «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَدُنا يَلْقى صَدِيقَهُ، أيَنْحَنِي لَهُ ؟

قالَ لا» " .

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، رَواهُ عَطاءٌ، والضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهم سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ إذْ جَمَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ ﴾ أيْ: تَصْدِيقُ ما رَأيْتُ، وكانَ قَدْ رَآهم في المَنامِ يَسْجُدُونَ لَهُ، فَأراهُ اللَّهُ ذَلِكَ في اليَقَظَةِ.

واخْتَلَفُوا فِيما بَيْنَ رُؤْياهُ وتَأْوِيلِها عَلى سَبْعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادِ بْنِ الهادِّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ.

والرّابِعُ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والخامِسُ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والسّادِسُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ.

السّابِعُ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أحْسَنَ بِي ﴾ أيْ: إلَيَّ.

والبَدْوُ: البَسْطُ مِنَ الأرْضِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البَدْوُ: البادِيَةُ، وكانُوا أهْلَ عَمُودٍ وماشِيَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ أيْ: أفْسَدَ بَيْنَنا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: نَزَغَ بَيْنِهِمْ يَنْزَغُ، أيْ: أفْسَدَ وهَيَّجَ، وبَعْضُهم يَكْسِرُ زايَ يَنْزِغُ.

﴿ إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ﴾ أيْ: عالِمٌ بِدَقائِقِ الأُمُورِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " اللَّطِيفِ " في (الأنْعامِ:١٠٢) .

فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَوالَتْ عَلى يُوسُفَ نِعَمٌ خَمْسَةٌ، فَما اقْتِصارُهُ عَلى ذِكْرِ السِّجْنِ، وهَلّا ذَكَرَ الجُبَّ، وهو أصْعَبُ ؟

فالجَوابُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ الجُبِّ تَكَرُّمًا، لِئَلّا يُذَكِّرَ إخْوَتَهُ صَنِيعَهم، وقَدْ قالَ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِّقِّ، ومِنَ السِّجْنِ إلى المُلْكِ، فَكانَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ أوْفى.

والثّالِثُ: أنَّ طُولَ لُبْثِهِ في السِّجْنِ كانَ عُقُوبَةً، لَهُ بِخِلافِ الجُبِّ، فَشَكَرَ اللَّهَ عَلى عَفْوِهِ.

قالَ العُلَماء بِالسِّيَرِ: أقامَ يَعْقُوبُ بَعْدَ قُدُومِهِ مِصْرَ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً.

وقالَ بَعْضُهم: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً في أهْنَإ عَيْشٍ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوْصى إلى يُوسُفَ أنْ يُحْمَلَ إلى الشّامِ حَتّى يَدْفِنَهُ عِنْدَ أبِيهِ إسْحاقَ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً.

ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ تاقَ إلى الجَنَّةِ، وعَلِمَ أنَّ الدُّنْيا لا تَدُومُ فَتَمَنّى المَوْتَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: ولَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ ﴾ يَعْنِي: مُلْكَ مِصْرَ ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُها [يُوسُفَ:٦] .

وَفِي " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ المُلْكِ، ولا كُلَّ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأنْعامِ:٦) .

﴿ أنْتَ ولِيِّي ﴾ أيِ: الَّذِي تَلِي أمْرِي.

﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: لا تَسْلُبْنِي الإسْلامَ حَتّى تَتَوَفّانِي عَلَيْهِ.

وكانَ ابْنُ عَقِيلٍ يَقُولُ: لَمْ يَتَمَنَّ يُوسُفُ المَوْتَ، وإنَّما سَألَ أنْ يَمُوتَ عَلى صِفَةٍ، والمَعْنى: تَوَفَّنِي إذا تَوَفَّيْتَنِي مُسْلِمًا، قالَ الشَّيْخُ: وهَذا الصَّحِيحُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ والمَعْنى: ألْحِقْنِي بِدَرَجاتِهِمْ، وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّانِي: آباؤُهُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالُوا: فَلَمّا احْتُضِرَ يُوسُفُ، أوْصى إلى يَهُوذا، وماتَ، فَتَشاحَّ النّاسُ في دَفْنِهِ، كُلٌّ يُحِبُّ أنْ يُدْفَنَ في مَحِلَّتِهِ رَجاءَ البَرَكَةِ، فاجْتَمَعُوا عَلى دَفْنِهِ في النَّيْلِ لِيَمُرَّ الماءُ عَلَيْهِ ويَصِلَ إلى الجَمِيعِ، فَدَفَنُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن رُخامٍ، فَكانَ هُنالِكَ إلى أنْ حَمْلَهُ مُوسى حِينَ خَرَجَ مِن مِصْرَ ودَفَنَهُ بِأرْضِ كَنْعانَ.

قالَ الحَسَنُ: ماتَ يُوسُفُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَة.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّهُ ماتَ بَعْدَ يَعْقُوبَ بِسَنَتَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ ﴿ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ﴾ ﴿ وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ البَشِيرَ كانَ يَهُوذا لِأنَّهُ كانَ جاءَ بِقَمِيصِ الدَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَقُولُ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي  ﴾ قالَ يَهُوذا: قَدْ عَلِمْتَ أنِّي ذَهَبْتُ إلَيْهِ بِقَمِيصِ التَرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ، فَتَرَكُوهُ وذَلِكَ.

وقالَ هَذا المَعْنىالسُدِّيُّ.

و"ارْتَدَّ" مَعْناهُ: رَجَعَ هُوَ، يُقالُ: ارْتَدَّ الرَجُلُ ورَدَّهُ غَيْرُهُ، و"بَصِيرًا" مَعْناهُ: مُبْصِرًا.

ثُمَّ وقَّفَهم عَلى قَوْلِهِ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- هو انْتِظارُهُ لِتَأْوِيلِ الرُؤْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ تَعالى فَقَطْ.

ورُوِيَ: أنَّهُ قالَ لِلْبَشِيرِ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟

قالَ: عَلى الإسْلامِ، قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، الآنَ تَمَّتِ النِعْمَةُ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّهُ قالَ: "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ﴾ زائِدَةٌ، والعَرَبُ تَزِيدُها أحْيانًا في الكَلامِ بَعْدَ "لَمّا" وبَعْدَ (حَتّى) فَقَطْ، تَقُولُ: لَمّا جِئْتُ كانَ كَذا، ولَمّا أنْ جِئْتُ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: ما قامَ زَيْدٌ حَتّى قُمْتُ، وحَتّى أنْ قُمْتُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ .

رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا غَفَرَ لِإخْوَتِهِ وتَحَقَّقُوا أيْضًا أنَّ يَعْقُوبَ يَغْفِرُ لَهم قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما يُغْنِي عَنّا هَذا إنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لَنا، فَطَلَبُوا حِينَئِذٍ مِن يَعْقُوبَ أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتَرَفُوا بِالخَطَأِ، فَقالَ لَهم يَعْقُوبُ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: سَوَّفَهم إلى السَحَرِ، ورُوِيَ عن مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَمٌّ لِي يَأْتِي المَسْجِدَ، فَسَمِعَ إنْسانًا يَقُولُ: "اللهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأجَبْتُ، وأجَبْتَنِي فَأطَعْتُ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي"، فاسْتَمَعَ الصَوْتَ فَإذا هو مِن دارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَسُئِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عن ذَلِكَ فَقالَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَحَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إذا كانَ الثُلُثُ الآخِرُ إلى سَماءِ الدُنْيا فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟

مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ"» الحَدِيثَ، ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وَتَعالى: ﴿ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ  ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى قِيامِ اللَيْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -: سَوَّفَهم يَعْقُوبُ إلى اللَيالِي البِيضِ، فَإنَّ الدُعاءَ فِيهِنَّ يُسْتَجابُ، وقِيلَ: إنَّما أخَّرَهم إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ هَذا التَأْوِيلَ عَنِ النَبِيِّ  ، قالَ: « "أخَّرَهم يَعْقُوبُ حَتّى تَأْتِيَ لَهُ الجُمْعَةُ".» ثُمَّ رَجّاهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا ﴾ الآيَةَ.

هاهُنا مَحْذُوفاتٌ يَدُلُّ عَلَيْها الظاهِرُ، وهِيَ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ بِأهْلِهِ أجْمَعِينَ وسارُوا حَتّى بَلَغُوا يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ.

و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ وأظْهَرَ الحَفاوَةَ بِهِما، وفي الحَدِيثِ: « "أمّا أحَدُهم فَأوى إلى اللهِ فَآواهُ اللهُ"».

وقِيلَ: أرادَ بِالأبَوَيْنِ أباهُ وأُمَّهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، والحَسَنُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أباهُ وجَدَّتَهُ أمَّ أُمِّهِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ: أباهُ وخالَتَهُ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ بِحَسَبَ اللَفْظِ، إلّا لَوْ ثَبَتَ بِسَنَدٍ أنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ".

وقَوْلُهُ: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ ﴾ مَعْناهُ: تَمَكَّنُوا واسْكُنُوا واسْتَقِرُّوا، لِأنَّهم قَدْ كانُوا دَخَلُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَ لَهم ذَلِكَ في الطَرِيقِ حِينَ تَلَقّاهُمْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو الَّذِي نَدَبَ إلَيْهِ القُرْآنُ أنْ يَقُولَهُ الإنْسانُ في جَمِيعِ ما يُنَفِّذُهُ بِقَوْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذا مُؤَخَّرٌ في اللَفْظِ وهو مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ ضَعُفٌ.

و"العَرْشِ": سَرِيرُ المَلِكِ، وكُلُّ ما عُرِّشَ فَهو عَرِيشٌ وعَرْشٌ، وخَصَّصَتِ اللُغَةُ العَرْشَ لِسَرِيرِ المَلِكِ.

و"خَرُّوا" مَعْناهُ: تَصَوَّبُوا إلى الأرْضِ، واخْتُلِفَ في هَذا السُجُودِ، فَقِيلَ: كانَ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا مِن وضْعِ الوَجْهِ بِالأرْضِ، وقِيلَ: بَلْ دُونَ ذَلِكَ كالرُكُوعِ البالِغِ ونَحْوِهِ مِمّا كانَ سَيْرَ تَحِيّاتِهِمْ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ الزَمانِ.

وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ السُجُودَ -عَلى أيِّ هَيْئَةٍ كانَ- فَإنَّما كانَ تَحِيَّةً لا عِبادَةً، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ كانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ عِنْدَهُمْ، وأعْطى اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ السَلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ، وقالَ الحَسَنُ: الضَمِيرُ في "لَهُ" لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

ورُدَّ عَلى هَذا القَوْلِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا بَلَغَ مِصْرَ في جُمْلَتِهِ كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ فِرْعَوْنَ في تَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وخَرَجَ المُلُوكُ مَعَهُ، فَلَمّا دَنا يُوسُفُ مِن يَعْقُوبَ -وَكانَ يَعْقُوبُ يَمْشِي مُتَوَكِّئًا عَلى يَهُوذا- قالَ: فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إلى الخَيْلِ والناسِ فَقالَ: يا يَهُوذا، هَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ، قالَ: لا، هو ابْنُكَ، قالَ: فَلَمّا دَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِن صاحِبِهِ ذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَلامِ، فَمَنَعَهُ يَعْقُوبُ مِن ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ أحَقَّ بِذَلِكَ مِنهُ وأفْضَلَ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَحْوُ هَذا مِنَ القِصَصِ.

وفِي هَذا الوَقْتِ قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: إنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا فادْخُلْ عَلَيْهِ شاكِرًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: يا شَيْخُ، ما صَيَّرَكَ إلى ما أرى؟

قالَ: تَتابُعُ البَلاءِ عَلَيَّ، قالَ: فَما زالَتْ قَدَمُهُ حَتّى نَزَلَ الوَحْيُ: يا يَعْقُوبُ، أتَشْكُونِي إلى مَن لا يَضُرُّكَ ولا يَنْفَعُكَ؟

قالَ: يا رَبِّ، ذَنْبٌ فاغْفِرْهُ.

وقالَ أبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: تَقَدَّمَ يُوسُفُ يَعْقُوبَ في المَشْيِ في بَعْضِ تِلْكَ المَواطِنِ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: أتَتَقَدَّمُ أباكَ؟

إنَّ عُقُوبَتَكَ لِذَلِكَ ألّا يَخْرُجَ مِن ذُرِّيَّتِكَ نَبِيٌّ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِن السِجْنِ وجاءَ بِكم مِن البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ الشَيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ المَعْنى: قالَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ: هَذا السُجُودُ الَّذِي كانَ مِنكُمْ، هو ما آلَتْ إلَيْهِ رُؤْيايَ قَدِيمًا في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وفي الشَمْسِ والقَمَرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَقَدْ أحْسَنَ بِي ﴾ أيْ: أوقَعَ وناطَ إحْسانَهُ بِي، فَهَذا مَنحًى في وُصُولِ الإحْسانِ بِالباءِ، وقَدْ يُقالُ: أحْسَنَ إلَيَّ، وأحْسَنَ فِيَّ، ومِنهُ قَوْلُعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: يا مُحَمَّدُ، أحْسِنْ في مَوالِيَّ، وهَذِهِ المَناحِي مُخْتَلِفَةُ المَعْنى، وألْيَقُها بِيُوسُفَ قَوْلُهُ: "بِي" لِأنَّهُ إحْسانٌ خَرَجَ فِيهِ دُونَ أنْ يَقْصِدَ هو الغايَةَ الَّتِي صارَ إلَيْها.

وذَكَرَ يُوسُفُ إخْراجَهُ مِنَ السِجْنِ وتَرَكَ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ في ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ تَجْدِيدَ فِعْلِ إخْوَتِهِ وخِزْيَهم بِذَلِكَ وتَقْلِيعَ نُفُوسِهِمْ وتَحْرِيكَ تِلْكَ الغَوائِلِ وتَخْبِيثَ النُفُوسِ.

والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ الجُبِّ إلى الرِقِّ ومِنَ السِجْنِ إلى المُلْكِ، فالنِعْمَةُ هُنا أوضَحُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ يَعُمُّ جَمْعَ الشَمْلِ والتَنَقُّلَ مِنَ الشَقاوَةِ إلى النِعْمَةِ بِسُكْنى الحاضِرَةِ، وكانَ مَنزِلُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِأطْرافِ الشامِ في بادِيَةِ فِلِسْطِينَ، وكانَ رَبَّ إبِلٍ وغَنَمٍ وبادِيَةٍ.

و"نَزَغَ" مَعْناهُ: فَعَلَ فِعْلًا أفْسَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ، لا يَنْزَغِ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» وإنَّما ذَكَرَ يُوسُفُ هَذا القَدْرَ مِن أمْرِ إخْوَتِهِ لِيُبَيِّنَ حُسْنَ مَوْقِعِ النِعَمِ، لِأنَّ النِعْمَةَ إذا جاءَتْ إثْرَ شِدَّةٍ وبَلاءٍ فَهي أحْسَنُ مَوْقِعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ لِما يَشاءُ ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ أنْ يَفْعَلَهُ.

واخْتَلَفَ الناسُ فِي: كَمْ كانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ وبَيْنَ ظُهُورِها؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرْبَعُونَ سَنَةً، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ شَدّادٍ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدّادٍ: ذَلِكَ آخَرُ ما تُبْطِئُ الرُؤْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الحَسَنُ، وحَسَنُ بْنُ فَرَقَدٍ، وفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ-: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: اثْنانِ وعِشْرُونَ، قالَهُ النَقّاشُ، وقِيلَ: ثَلاثُونَ، وقِيلَ: خَمْسٌ وثَلاثُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً.

وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَمَّرَ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ عِنْدَ يُوسُفَ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ في تَرْكِ تَعْرِيفِ يُوسُفَ أباهُ بِحالِهِ مُنْذُ خَرَجَ مِنَ السِجْنِ إلى العِزَّةِ إلّا الوَحْيُ مِنَ اللهِ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَمْتَحِنَ بِهِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأرادَ مِن صُورَةِ جَمْعِهِمْ.

لا إلَهَ إلّا هُوَ، وقالَ النَقّاشُ: كانَ ذَلِكَ الوَحْيُ في الجُبِّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ  ﴾ ، وهَذا مُحْتَمَلٌ.

ومِمّا رُوِيَ في أخْبارِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: قالَ الحَسَنُ: لَمّا ورَدَهُ البَشِيرُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا يُثِيبُهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ: واللهِ ما أصَبْتُ عِنْدَنا شَيْئًا، وما خَبَزْنا مُنْذُ سَبْعِ لَيالٍ، ولَكِنْ: "هَوَّنَ اللهُ عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ".

ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ قالَ: يا رَبِّ، أعْمَيْتَ بَصَرِي وغَيَّبَتْ عَنِّي يُوسُفَ، أفَما تَرْحَمُنِي؟

فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: سَوْفَ أرْحَمُكَ وأرُدُّ عَلَيْكَ ولَدَكَ وبَصَرَكَ، وما عاقَبْتُكَ بِذَلِكَ إلّا أنَّكَ طَبَخْتَ في مَنزِلِكَ حَمَلًا، فَشَمَّهُ جارٌ لَكَ، ولَمْ تَساهِمْهُ بِشَيْءٍ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ بَعْدُ يَدْعُوهُ إلى غَدائِهِ وعَشائِهِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ شَمْلُهُ كَلَّفَهُ بَنُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهم حَتّى يَأْتِيَ الوَحْيُ بِأنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُمْ، قالَ: فَكانَ يَعْقُوبُ يُصَلِّي ويُوسُفُ وراءَهُ وهم وراءَ يُوسُفَ، ويَدْعُو لَهُمْ، فَلَبِثَ كَذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ جاءَهُ الوَحْيُ، إنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم وأعْطَيْتُهم مَواثِيقَ النُبُوَّةِ بَعْدَكَ.

ومِن أخْبارِهِ أنَّهُ لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ أوصى إلى يُوسُفَ أنْ يَدْفِنَهُ بِالشامِ، فَلَمّا ماتَ نَفَخَ فِيهِ المُرَّ وحَمَلَهُ إلى الشامِ، ثُمَّ ماتَ يُوسُفُ فَدُفِنَ بِمِصْرَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِن أرْضِ مِصْرَ احْتَمَلَ عِظامَ يُوسُفَ حَتّى دَفَنَها بِالشامِ مَعَ آبائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

طوى ذكر سفرهم من بلادهم إلى دخولهم على يوسف عليه السلام إذ ليس فيه من العبر شيء.

وأبواه أحدهما يعقوب عليه السلام وأما الآخر فالصحيح أن أم يوسف عليه السلام وهي (راحيل) توفيت قبل ذلك حين ولدت بنيامين، ولذلك قال جمهور المفسّرين: أطلق الأبوان على الأب زوج الأب وهي (ليئة) خالة يوسف عليه السلام وهي التي تولت تربيته على طريقة التغليب والتنزيل.

وإعادة اسم يوسف عليه السلام لأجل بعد المعاد.

وقوله: ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ﴾ جملة دعائية بقرينة قوله: ﴿ إن شاء الله ﴾ لكونهم قد دخلوا مصر حينئذٍ.

فالأمر في ﴿ ادخلوا ﴾ للدعاء كالذي في قوله تعالى: ﴿ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ﴾ [الأعراف: 49].

والمقصود: تقييد الدخول بآمنين} وهو مناط الدعاء.

والأمنُ: حالة اطمئنان النفس وراحة البال وانتفاء الخوف من كل ما يخاف منه، وهو يجمع جميع الأحوال الصالحة للإنسان من الصحة والرزق ونحو ذلك.

ولذلك قالوا في دعوة إبراهيم عليه السلام ﴿ ربّ اجعل هذا البلد آمناً ﴾ إنه جمع في هذه الجملة جميع ما يطلب لخير البلد.

وجملة ﴿ إن شاء الله ﴾ تأدب مع الله كالاحتراس في الدعاء الوارد بصيغة الأمر وهو لمجرد التيمّن، فوقوعه في الوعد والعزم والدعاءِ بمنزلة وقوع التسمية في أول الكلام وليس هو من الاستثناء الوارد النهي عنه في الحديث: أن لا يقول اغفر لي إن شئت، فإنه لا مُكره له لأن ذلك في الدعاء المخاطب به الله صراحة.

وجملة ﴿ إن شاء الله ﴾ معترضة بين جملة ﴿ ادخلوا ﴾ والحال من ضميرها.

والعرش: سرير للقعود فيكون مرتفعاً على سوق، وفيه سعة تمكن الجالس من الاتّكاء.

والسجود: وضع الجبهة على الأرض تعظيماً للذات أو لصورتها أو لذِكرها، قال الأعشى: فلما أتانا بُعيد الكَرى *** سَجدنا له ورفَعْنا العَمَار وفعله قاصر فيعدى إلى مفعوله باللام كما في الآية.

والخرور: الهوي والسقوط من علو إلى الأرض.

والذين خروا سُجداً هم أبواه وإخوته كما يدل له قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ وهم أحد عشر وهم: رأوبين، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، ويساكر، وربولون، وجاد، وأشير، ودان، ونفتالي، وبنيامين.

و ﴿ الشمس ﴾ ، و ﴿ القمر ﴾ ، تعبيرهما أبواه يعقوب عليه السلام وراحيل.

وكان السجود تحية الملوك وأضرابهم، ولم يكن يومئذٍ ممنوعاً في الشرائع وإنما منعه الإسلام لغير الله تحقيقاً لمعنى مساواة الناس في العبودية والمخلوقية.

ولذلك فلا يعدّ قبوله السجودَ من أبيه عقوقاً لأنه لا غضاضة عليهما منه إذ هو عادتهم.

والأحسن أن تكون جملة ﴿ وخروا ﴾ حالية لأن التحية كانت قبل أن يرفع أبويه على العرش، على أن الواو لا تفيد ترتيباً.

و ﴿ سجدا ﴾ حال مبيّنة لأن الخرور يقع بكيفيات كثيرة.

والإشارة في قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ إشارة إلى سجود أبويه وإخوته له هو مصداق رؤياه الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً سُجداً له.

وتأويل الرؤيا تقدم عند قوله: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ [سورة يوسف: 36].

ومعنى قد جعلها ربي حقا} أنها كانت من الأخبار الرمزية التي يكاشِف بها العقل الحوادث المغيبة عن الحس، أي ولم يجعلها باطلاً من أضعاث الأحلام الناشئة عن غلبة الأخلاط الغذائية أو الانحرافات الدماغية.

ومعنى ﴿ أحسن بي ﴾ أحسن إليّ.

يقال: أحسن به وأحسن إليه، من غير تضمين معنى فعل آخر.

وقيل: هو بتضمين أحسن معنى لطف.

وباء ﴿ بي ﴾ للملابسة أي جعل إحسانه ملابساً لي، وخصّ من إحسان الله إليه دون مطلق الحضور للامتيار أو الزيادة إحسانين هما يوم أخرجه من السجن ومجيء عشيرته من البادية.

فإن ﴿ إذْ ﴾ ظرف زمان لفعل ﴿ أحسن ﴾ فهي بإضافتها إلى ذلك الفعل اقتضت وقوع إحسان غير معدود، فإن ذلك الوقت كان زمنَ ثبوت براءته من الإثم الذي رمته به امرأة العزيز وتلك منة، وزمنَ خلاصه من السجن فإن السجن عذاب النفس بالانفصال عن الأصدقاء والأحبّة، وبخلطة من لا يشاكلونه، وبشْغله عن خلوة نفسه بتلقي الآداب الإلهية، وكان أيضاً زمن إقبال الملك عليه.

وأما مجيء أهله فزوال ألم نفساني بوحشته في الانفراد عن قرابته وشوقه إلى لقائهم، فأفصح بذكر خروجه من السجن، ومجيء أهله من البدوِ إلى حيث هو مكين قويّ.

وأشار إلى مصائبه السابقة من الإبقاء في الجبّ، ومشاهدة مكر إخوته به بقوله: ﴿ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ﴾ ، فكلمة ﴿ بعد ﴾ اقتضت أن ذلك شيء انقضى أثره.

وقد ألم به إجمالاً اقتصاراً على شكر النعمة وإعراضاً عن التذكير بتلك الحوادث المكدرة للصلة بينه وبين إخوته فمرّ بها مرّ الكرام وباعدها عنهم بقدر الإمكان إذ ناطها بنزغ الشيطان.

والمجيء في قوله: ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ نعمة، فأسنده إلى الله تعالى وهو مجيئهم بقصد الاستيطان حيث هو.

والبَدْو: ضد الحضر، سمي بَدواً لأن سكانه بادُون، أي ظَاهرون لكل واردٍ، إذ لا تحجبهم جدران ولا تغلق عليهم أبواب.

وذكر ﴿ من البدو ﴾ إظهار لتمام النعمة، لأن انتقال أهل البادية إلى المدينة ارتقاء في الحضارة.

والنزغ: مجاز في إدخال الفساد في النفس.

شُبه بنزغ الراكب الدابّة وهو نخسها.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ ﴾ في سورة الأعراف (200).

وجملة إن ربي لطيف لما يشاء} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لقصد الاهتمام بها وتعليم مضمونها.

واللطف: تدبير الملائم.

وهو يتعدّى باللام على تقدير لطيف لأجل ما يشاء اللطف به، ويتعدى بالباء قال تعالى: ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ [الشورى: 19].

وقد تقدم تحقيق معنى اللطف عند قوله تعالى: ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ في سورة الأنعام (103).

وجملة إنه هو العليم الحكيم } مستأنفة أيضاً أو تعليل لجملة ﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ .

وحرف التوكيد للاهتمام، وتوسيط ضمير الفصل للتقوية.

وتفسير ﴿ العليم ﴾ تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ في سورة البقرة (32).

والحكيم } تقدم عند قوله: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ أواسط سورة البقرة (209).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ ﴾ اخْتُلِفَ في اجْتِماعِ يُوسُفَ مَعَ أبَوَيْهِ وأهْلِهِ، فَحَكى الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ أنَّ يُوسُفَ خَرَجَ عَنْ مِصْرَ ورَكِبَ مَعَهُ أهْلُها، وقِيلَ خَرَجَ المَلِكُ الأكْبَرُ مَعَهُ واسْتَقْبَلَ يَعْقُوبَ، قالَ الكَلْبِيُّ عَلى يَوْمٍ مِن مِصْرَ، وكانَ القَصْرُ عَلى ضَحْوَةٍ مِن مِصْرَ، فَلَمّا دَنا يَعْقُوبُ مُتَوَكِّئًا عَلى ابْنِهِ يَهُوذا يَمْشِي، فَلَمّا نَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ قالَ: يا يَهُوذا أهَذا فِرْعَوْنُ؟

قالَ: لا، هَذا ابْنُكَ يُوسُفُ، فَقالَ يَعْقُوبُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُذْهِبَ الأحْزانِ عَنِّي، فَأجابَهُ يُوسُفُ: ﴿ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: آمِنِينَ مِن فِرْعَوْنَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: آمِنِينَ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ اجْتِماعُهم بِمِصْرَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ فِيها عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ ﴾ اسْتَوْطِنُوا مِصْرَ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَعُودَ إلى اسْتِيطانِ مِصْرَ، وتَقْدِيرُهُ اسْتَوْطِنُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ.

الثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِ يَعْقُوبَ: سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ، ويَكُونُ اللَّفْظُ مُؤَخَّرًا، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

فَحَكى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهم دَخَلُوا مِصْرَ وهم ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ إنْسانًا مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، وخَرَجُوا مَعَ مُوسى وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: وفي أبَوَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما أبُوهُ وخالَتُهُ راحِيلُ، وكانَ أبُوهُ قَدْ تَزَوَّجَها بَعْدَ أُمِّهِ فَسُمِّيَتْ أُمًّا، وكانَتْ أُمُّهُ قَدْ ماتَتْ في نِفاسِ أخِيهِ بِنْيامِينَ، قالَهُ وهْبٌ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُما أبُوهُ وأُمُّهُ وكانَتْ باقِيَةً إلى دُخُولِ مِصْرَ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ.

﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سَجَدُوا لِيُوسُفَ تَعْظِيمًا لَهُ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ مَن قَبْلَكم، وأعْطى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ.

وَقالَ الحَسَنُ: بَلْ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسُّجُودِ لَهُ لِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: سَجَدَ لَهُ أبَواهُ وإخْوَتُهُ الأحَدَ عَشَرَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم سَجَدُوا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ يُوسُفُ في جِهَةِ القِبْلَةِ فاسْتَقْبَلُوهُ بِسُجُودٍ، وكانَ سُجُودُهم شُكْرًا، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ وَخَرُّوا ﴾ أيْ سَقَطُوا، كَما قالَ تَعالى ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ أيْ سَقَطَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ السُّجُودَ ها هُنا الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَخَرُّو ﴾ أيْ بَدَرُوا.

﴿ وَقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما بَيْنُ رُؤْياهُ وتَأْوِيلِها عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: كانَ بَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ سُلَيْمانُ.

الثّالِثُ: سِتٌّ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: اثْنَتانِ وعِشْرُونَ سَنَةً.

والخامِسُ: أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

فَإنْ قِيلَ: فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ لا تَكُونُ إلّا صادِقَةً فَهَلّا وثِقَ بِها يَعْقُوبُ وتَسَلّى؟

ولِمَ ﴿ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ وما يَضُرُّ الكَيْدُ مَعَ سابِقِ القَضاءِ؟

قِيلَ عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَآها وهو صَبِيٌّ فَجازَ أنْ تُخالِفَ رُؤْيا الأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ حَزِنَ لِطُولِ المُدَّةِ في مُعاناةِ البَلْوى وخافَ كَيْدَ الإخْوَةِ في تَعْجِيلِ الأذى.

﴿ وَقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ مِن ذِكْرَ ما بُلِيَ بِهِ عَلى شُكْرِ إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ دُونَ الجُبِّ وكانَتْ حالُهُ في الجُبِّ أخْطَرَ؟

قِيلَ عَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ في السِّجْنِ مَعَ الخَوْفِ مِنَ المَعَرَّةِ ما لَمْ يَكُنْ في الجُبِّ فَكانَ ما في نَفْسِهِ مِن بَلْواهُ أعْظَمَ فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ والشُّكْرِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى نَقْلِهِ مِنَ البَلْوى إلى النَّعْماءِ، وهو إنَّما انْتَقَلَ إلى المَلِكِ مِنَ السِّجْنِ لا مِنَ الجُبِّ، فَصارَ أخَصَّ بِالذِّكْرِ والشُّكْرِ إذْ صارَ بِخُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ مَلِكًا، وبِخُرُوجِهِ مِنَ الجُبِّ عَبْدًا.

الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا عَفا عَنْ إخْوَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ﴾ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ الجُبِّ لِما فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّوْبِيخِ، وتَأوَّلَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ قَوْلَهُ: ﴿ وَقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ أيْ مِن سِجْنِ السُّخْطِ إلى فَضاءِ الرِّضا.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا في بادِيَةٍ بِأرْضِ كَنْعانَ أهْلَ مَواشٍ وخِيامٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ قَدْ نَزَلَ (بَدا) وبَنى تَحْتَ جَبَلِها مَسْجِدًا ومِنها قُصِدَ، حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ جَمِيلٌ: وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ شَغَبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما يُقالُ بَدا يَبْدُو إذا نَزَلَ (بَدا) فَلِذَلِكَ قالَ: وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ وإنْ كانُوا سُكّانَ المُدُنِ.

الثّالِثُ: لِأنَّهم جاءُوا في البادِيَةِ وكانُوا سُكّانَ مُدُنٍ، ويَكُونُ بِمَعْنى في.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في البَلَدِ الَّذِي كانُوا يَسْكُنُونَهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ.

أحَدُها: أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ.

الثّانِي: مِن ناحِيَةِ حَرّانَ مِن أرْضِ الجَزِيرَةِ، ولَعَلَّهُ قَوْلُ الحَسَنِ.

الثّالِثُ: مِنَ الأوْلاجِ مِن ناحِيَةِ الشِّعْبِ، حَكاهُ ابْنُ إسْحاقَ.

﴿ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ وفي نَزْغِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إيقاعُ الحَسَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ حَرَّشَ وأفْسَدَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿ إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَطِيفٌ بِيُوسُفَ بِإخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ، وجاءَ بِأهْلِهِ مِنَ البَدْوِ، ونَزَعَ عَنْ يُوسُفَ نَزْغَ الشَّيْطانِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال: دخل يعقوب عليه السلام مصر في ملك يوسف عليه السلام، وهو ابن مائة وثمانين سنة، وعاش في ملكه ثلاثين سنة.

ومات يوسف عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة.

قال أبو هريرة رضي الله عنه وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمسة وتسعين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ قال: أبوه وأمه ضمهما.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ قال: أبوه وخالته، وكانت توفيت أم يوسف في نفاس أخيه بنيامين.

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن عيينة ﴿ ورفع أبويه ﴾ قال: كانت الخالة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي اله عنهما- في قوله: ﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ قال: السرير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ قال: السرير.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ قال: مجلسه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخروا له سجداً ﴾ قال: كان تحية من كان قبلكم السجود، بها يحيي بعضهم بعضاً، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة، كرامة من الله عجلها لهم ونعمة منه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخروا له سجداً ﴾ قال: ذلك السجود تشرفة، كما سجدت الملائكة عليهم السلام تشرفة لآدم عليه السلام، وليس بسجود عبادة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخروا له سجداً ﴾ قال: بلغنا أن أبويه واخوته سجدوا ليوسف عليه السلام إيماء برؤوسهم، كهيئة الأعاجم، وكانت تلك تحيتهم كما يصنع ذلك ناس اليوم.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك وسفيان- رضي الله عنهما- قالا: كانت تلك تحيتهم.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كان بين رؤيا يوسف عليه السلام وبين تأويلها، أربعون سنة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال: كان بين رؤيا يوسف عليه السلام وتأويلها.

أربعون سنة.

وإليه ينتهي أقصى الرؤيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: بينهما خمسة وثلاثون عاماً.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن الحسن رضي الله عنه قال: كان بين الرؤيا والتأويل ثمانون سنة.

وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه، عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال: كان بين فراق يوسف بن يعقوب إلى أن التقيا، ثمانون سنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه قال: كان بينهما سبع وسبعون سنة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه، عن الحسن رضي الله عنه أن يوسف عليه السلام ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، ولقي أباه بعد ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وأخرج ابن مردويه عن زياد يرفعه قال: لبث يوسف عليه السلام في العبودية، بضعة وعشرين سنة.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، عن حذيفة رضي الله عنه قال: كان بين فراق يوسف يعقوب عليهما السلام إلى أن لقيه، سبعون سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن علي بن أبي طلحة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ قال: كان يعقوب وبنوه بأرض كنعان، أهل مواش وبرية.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ قال: كانوا أهل بادية وماشية، وبلغنا أن بينهم يومئذ ثمانين فرسخاً، وقد كان فارقه قبل ذلك ببضع وسبعين سنة.

وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ قال: لطف بيوسف وصنع له حين أخرجه من السجن، وجاء بأهله من البدو، ونزع من قلبه نزغ الشيطان، وتحريشه على اخوته.

وأخرج أبو الشيخ عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: لما قدم يعقوب على يوسف عليه السلام، تلقاه يوسف عليه السلام على العجل، ولبس حلية الملوك، وتلقاه فرعون إكراماً ليوسف، فقال يوسف لأبيه: إن فرعون قد أكرمنا، فقل له فقال يعقوب: لقد بوركت يا فرعون.

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: لما التقى يوسف ويعقوب، عانق كل واحد منهما صاحبه وبكى.

فقال يوسف: يا أبت، بكيت علي حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟

قال: بلى يا بني، ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك.

وأخرج أبو الشيخ عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: لما حضر يعقوب عليه السلام الموت قال: ليوسف عليه السلام.

إني أسألك خصلتين وأعطيك خصلتين: أسألك أن تعفو عن اخوتك ولا تعاقبهم بما صنعوا بك، وأسألك إذا أنا متّ أن تحملني فتدفنني مع آبائي إبراهيم واسحق وأعطيك أن تغمضني عند الموت، وأن ادخل ابنين لك في الأسباط، فلما وضع يوسف عليه السلام يده على وجه أبيه ليغمضه، فتح عينيه ثم قال: يا بني، إن هذا من الأبناء للآباء عند الله عظيم.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش- رضي الله عنهما- قال: لما مات يعقوب النبي عليه السلام، أقيم عليه النوائح أربعة أشهر.

وأخرج أحمد في الزهد عن مالك بن دينار رضي الله عنه أن يعقوب عليه السلام، قال لما ثقل لابنه يوسف عليه السلام: أدخل يدك تحت صلبي، فاحلف لي برب يعقوب لتدفنني مع آبائي، فإني قد اشركتهم في العمل، فاشركني معهم في قبورهم.

فلما توفي يعقوب عليه السلام، فعل ذلك يوسف حتى أتى به أرض كنعان فدفنه معهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

قال أهل التفسير (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ وقال ابن عباس (٥) وقال عامة المفسرين (٦)  هذا ونهى عنه (٧) (٨) (٩) (١٠) تَرَى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوَافِرِ قال ابن الأنباري (١١) ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا  ﴾ يعني: لم يمروا، قال ابن عباس (١٢) قال الأزهري (١٤) ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ  ﴾ فظاهر التلاوة أنهم سجدوا ليوسف تعظيمًا له، من غير أن أشركوا بالله، وكأنهم لم يكونوا نهوا عن السجود لغير الله في شريعتهم، قال (¬3): وفيه وجه آخر لأهل العربية وهو: أن يجعل اللام لام أجل، المعنى: وخروا من أجله سجدًا، شكرًا للذي أنعم عليهم فجمع شملهم.

وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ﴾ أي إليَّ، (يقال) (١٥) (١٦) أسِيئي بِنَا أو أحْسِنِي لا مَلُومةً ...

لدَيْنَا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ قال أهل المعاني (¬6): ذكر إخراجه من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر كرمًا، لئلا يذكر إخوته صنيعهم به، ولأن النعمة في إخراجه من السجن كانت أعظم، إذ كان دخوله السجن سبب ذنب هم به.

وقوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ﴾ والبدو (١٧) (١٨) وقال ابن عباس (١٩) قال ابن الأنباري (٢٠) (٢١) وأنتِ التي حَبّبْتِ شَغْبًا إلى ...

بدا إليَّ وأوْطَانِي بلادٌ سِواهُمَا والبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا، يقال بدا القوم يبدون بدوًا، إذا أتوا بدًا، كما يقال: غار القوم غورًا، إذا أتوا الغور، فكان تلخيص الحرف: ﴿ وَجَاءَ بِكُمْ ﴾ من قصد بدا، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ قال أبو عبيدة (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ قال الأزهري (٢٦) ثعلب عن ابن الأعرابي (٢٧) قال أهل التفسير [[الثعلبي 7/ 113 أ، و"زاد المسير" 4/ 291.]]: إن ربي عالم بدقائق الأمور وحقائقها، إنه هو العليم بخلقه الحكيم فيهم بما يشاء.

(١) الطبري 13/ 67.

(٢) أخرجه الطبري 13/ 66 عن أسباط والضحاك ومجاهد وقتادة وسفيان، والثعلبي 7/ 112 ب، والبغوي 4/ 479، والقرطبي 9/ 264.

(٣) "تهذيب اللغة" (عرش) 3/ 2391، و"اللسان" (عرش) 5/ 2880.

(٤) الثعلبي 7/ 112 ب، و"زاد المسير" 4/ 290، والبغوي 4/ 279.

(٥) الثعلبي 7/ 112 ب، و"زاد المسير" 4/ 290.

(٦) الطبري 13/ 68، والثعلبي 7/ 112 ب، والبغوي 4/ 280، و"زاد المسير" 4/ 290، وابن عطية 8/ 80، والقرطبي 9/ 265، وابن أبي حاتم 7/ 2202.

(٧) أخرجه الترمذي في "جامعه" (2728) كتاب الاستئذان والآداب، باب: ما جاء في المصافحة، وابن ماجه في "سننه" (3702) كتاب الأدب، باب: المصافحة عن أنس بن مالك -  - قال: قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟

قال: "لا" قال: أفيلتزمه ويقبله؟

قال: "لا" قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟

قال: "نعم".

قال الترمذي: هذا حديث حسن، وحسنه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (ح 2195).

(٨) "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، و"اللسان" (سجد) 4/ 1941.

(٩) قال الليث: القف: ما ارتفع من متون الأرض وصلبت حجارته، وقال شمر: القف ما ارتفع من الأرض وغلظ ولم يبلغ أن يكون جبلاً، انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3021 - 3022، و"اللسان" (قفف) 6/ 3705.

(١٠) القائل زيد الخيل "ديوانه" / 66، و"الزاهر" 1/ 141، و"اللسان" (سجد) 4/ 1941.

(١١) "الزاهر" 1/ 47، 48، والرازي 18/ 212.

(١٢) "زاد المسير" 4/ 290، و"تنوير المقباس" ص 154.

(١٣) ما بين القوسين من (ب)، وانظر: "الدر المصون" 6/ 558.

(١٤) البيت في: "ديوانه" ص 53، و"الشعر والشعراء" ص 343، و"أمالي الشجري" 1/ 48، و"الدر المصون" / 558، و"الكشاف" 2/ 195، و"الخزانة" 2/ 381، وقوله (مقلية) من القلي بكسر القاف وهو البغض، تقلت: تبغضت: "اللسان" (سوأ) 4/ 2138، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 21، و"تهذيب اللغة" 1/ 823 (حسن)، و"الأغاني" 9/ 38، و"أمالي القالي" 2/ 109، و"تاج العروس" (سوأ) 1/ 176.

(١٥) "زاد المسير" 4/ 291، والبغوي 4/ 280، والثعلبي 7/ 113 أ.

(١٦) "تهذيب اللغة" (بدا) 1/ 287، و"اللسان" (بدا) 1/ 235.

(١٧) الطبري 13/ 71، وأخرجه ابن أبي حاتم 7/ 2203 عن قتادة وأبو الشيخ عن علي ابن أبي طلحة كما في "الدر" 4/ 72.

(١٨) الرازي 18/ 215، والقرطبي 9/ 267.

(١٩) الرازي 18/ 215.

(٢٠) البيت لكثير وهو في "ديوانه" ص 363، و"خزانة الأدب" 9/ 462، و"الدر" 6/ 83، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي ص 1288، و"اللسان" (بدا) 1/ 236، و"معجم ما استعجم" ص230، ونسب لجميل بثينه في "ملحق ديوانه" ص 245، و"ديوان المعاني" 1/ 260، ولكثير ولجميل في "شرح شو اهد المغني" 1/ 464، و"معجم البلدان" 3/ 351، وفيه (التي) بدل الذي، وشغبي: يوضع في بلاد بني عُذرة به منبر وسوق، وبدا: واد قرب إيلة من ساحل البحر، وقيل بواد القرى وقيل بوادي عُذرة قرب الشام.

انظر: "معجم البلدان" 1/ 356 - 357.

(٢١) في (أ)، (ج): (وولد)، من غير هاء.

(٢٢) "مجاز القرآن" 1/ 319.

(٢٣) القرطبي 9/ 267.

(٢٤) عند قوله تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ  ﴾ ، وقال هنالك ما ملخصه: نزغ الشيطان وساوسه وتحسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: نزعت بين القوم إذا أفسدت.

(٢٥) "تهذيب اللغة" (لطف) 4/ 3267 وفيه عمرو عن أبيه أن قال ..

، وانظر: "اللسان" (لطف) 7/ 4536.

(٢٦) "اللسان" (لطف) 7/ 4036، و"تهذيب اللغة" (لطف) 4/ 3267.

(٢٧) الثعلبي 7/ 113 أ، و"زاد المسير" 4/ 291.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش ﴾ أي على سرير الملك ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ كان السجود عندهم تحية وكرامة لا عبادة ﴿ وَقَالَ ياأبت هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ﴾ يعني حين رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، وكان بين رؤياه وبين ظهور تأويلها ثمانون عاماً وقيل أربعون ﴿ أَحْسَنَ بي ﴾ يقال أحسن إليه وبه ﴿ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن ﴾ إنما لم يقل أخرجني من الجب لوجهين: أحدهما: أن في ذكر الجب خزي لإخوته، وتعريفهم بما فعلوه فترك ذكره توقيراً لهم.

والآخر: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة به أكثر ﴿ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ البدو ﴾ أي من البادية وكانوا أصحاب إبل وغنم، فعدّ من النعم مجيئهم للحاضرة ﴿ نَّزغَ الشيطان ﴾ أي أفسد وأغوى ﴿ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ﴾ أي لطيف التدبير لما يشاء من الأمور ﴿ مِنَ الملك ﴾ من للتبعيض، لأنه لم يعطه إلا بعض ملك الدنيا بل بعض ملك مصر ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً ﴾ لما عدد النعم التي أنعم الله بها عليه اشتاق إلى لقاء ربه ولقاء الصالحين من سلفه وغيرهم، فدعا بالموت.

وقيل ليس ذلك دعاء بالموت، وإنما دعا أن الله يتم عليه النعم بالوفاة على الإسلام إذا حان أجله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مزجاة ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ حزني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

﴿ قالوا إنك ﴾ على الخبر أو على حذف حرف الاستفهام: ابن كثير ويزيد.

﴿ أئنك ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما مدة.

﴿ أينك ﴾ بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينك ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون.

﴿ من يتقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الباقون بغير ياء ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي إنه ﴾ بالفتح أيضاً: أبو جعفر وأبو عمرو ﴿ أبي إذ ﴾ بالفتح أيضاً عندهم ﴿ إخوتي ﴾ ﴿ ربي ﴾ بفتح الياء أيضاً: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني والله أعلم.

الوقوف: ﴿ كظيم ﴾ ه ﴿ الهالكين ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ وتصدق علينا ﴾ ط ﴿ المتصدقين ﴾ ه ﴿ جاهلون ﴾ ه ﴿ لأنت يوسف ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين.

﴿ علينا ﴾ ط لاحتمال أنه ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقوف أيضاً لاتحاد القائل مع الابتداء بأن ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط لاختلاف الجملتين نفياً وإثباتاً أو خبراً ودعاء ﴿ لكم ﴾ ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ يأتي بصيراً ﴾ ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ تفندون ﴾ ه ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ بصيراً ﴾ ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب "لما" وقوله ﴿ ألقاه ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خاطئين ﴾ ه ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ آمنين ﴾ ه ﴿ سجداً ﴾ ج ﴿ من قبل ﴾ ز لتمام الجملة لفظاً دون المعنى.

﴿ حقاً ﴾ ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء جملة عظمى ﴿ إخوتي ﴾ ط ﴿ لما يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الأحاديث ﴾ ج لحق حذف حرف النداء مع اتصال الكلام ﴿ والآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء ﴿ الصالحين ﴾ ه.

التفسير: لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جداً ﴿ وتولى عنهم ﴾ أي أعرض عن بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم ﴿ وقال يا أسفي على يوسف ﴾ الأسف أشد الحزن.

والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في المائدة.

والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية.

وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟

الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفاً على الكل ولأنه كان عالماً بحياة الآخرين دون حياة يوسف ﴿ وابيضت عيناه من الحزن ﴾ أي من البكاء الذي كان سببه الحزن.

قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرنية وانصباب الفضول الردية إليها.

قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف.

وقال آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكاً ضعيفاً، أو المراد بالبياض غلبة البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء.

روي أنه لم تجف عين يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.

وعن رسول الله  أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف؟

وجد سبعين ثكلى.

قال: فما كان له من الأجر؟

قال: أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله ساعة قط.

ونقل أن جبريل  دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك.

فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزناً على أبي، قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى.

وقال بعضهم: الحزن بالضم فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح، وقد روى يونس عن أبي عمروا قال: إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله ﴿ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً  ﴾ وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن.

وقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قال: هو في موضع رفع بالابتداء قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟

وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، فلقد بكى رسول الله  على ولده إبراهيم وقال: القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.

ومما يدل على أن يعقوب  أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله: ﴿ فهو كظيم ﴾ "فعيل" بمعنى "مفعول" أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه.

والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولاً بذكر ﴿ يا أسفا ﴾ والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءاً من الحزن.

ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب.

يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي؟

قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك.

عن النبي  : " لم تعط أمة من الأمم ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا" وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه.

وأقول: هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصاً عند المصيبة وقد أخبر الصادق  أن هذا مما خصت هذه الأمة به والله أعلم، ﴿ قالوا ﴾ الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده.

﴿ تالله تفتؤ ﴾ أراد "لا تفتؤ" فحذف حرف النفي لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتاً لم يكن بد من اللام والنون.

قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أي لا تزال تذكر.

وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه جعل الفتور والفتوء أخوين.

قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم به إلا مع الجحد ﴿ حتى تكون حرضاً ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.

والحرض فساد في الجسم والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر يوسف بالحزن والبكاء عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هماً، وإذا لم يقدر على إسراره فذكر لغيره كان بثاً.

فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس.

فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ملتجئاً إليه وداعياً له فخلوني وشكايتي.

وهذا مقام العارفين الصديقين كقول نبينا  "أعوذ بك منك" .

ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية إليه.

يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سناً عالياً.

فقال: الذي بي لكثرة غمومي.

فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟

فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له.

فكان بعد ذلك إذا سأل قال: ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت - أي غضبت - عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع عليه المساكين.

وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت.

واعلم أن حال يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة؛ فتارة كان مستغرقاً في بحار معرفة الله، وتارة كان يستولى عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمراً خارق العادة أراد الله  بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولاً بعد تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟‍!

أما قوله: ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من حيث لا أحتسب.

وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ابني يوسف؟

قال: لا يا نبي الله.

ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه ههنا.

وقيل: إنه كان قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف علم أن رؤياه صادقة لا تخطىء.

وقال السدي: أخبره بنوه بسيرة الملك وكماله حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف.

وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ما قال.

ثم دعا بنيه على سبيل التطلف فقال: ﴿ يا بنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف ﴾ وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم.

وقد قرىء بهما وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ من فرجه وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد.

قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح ﴿ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله  غير قادر على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها اللَّهم إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله.

ثم ههنا إضمار والتقدير فقبلوا وصية أبيهم وعادوا إلى مصر ﴿ فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز ﴾ أي الملك القادر المنيع ﴿ مسنا وأهلنا الضر ﴾ الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا دفعته قال  ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً  ﴾ ومنه قوله: "فلان يزجي العيش" أي يدفع الزمان بالقليل.

قال الكلبي.

هي من لغة العجم.

وقيل: لغة القبط.

والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها.

قيل: كانت بضاعتهم الصوف والسمن.

وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء.

وقيل: سويق المقل والأقط.

وقيل: دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم مصر ينقش عليها صورته.

﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ الذي هو حقنا.

﴿ وتصدق علينا ﴾ واعلم أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر بالجيد.

واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟

فقال سفيان بن عيينة: إن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء سوى محمد  .

وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم.

وقوله: ﴿ إن الله يجزي المتصدقين ﴾ يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللَّهم تصدق علي بل يجب أن يقال: اللَّهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني.

كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء.

فبدأوا بالعجز والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله  قلبه وارفضت عيناه فعند ذلك قال: ﴿ هل علمتم ما فعلتم بيوسف ﴾ وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء.

أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله  وجعلت النار عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهب عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وإنك حبسته لذلك، وإنما أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام.

فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك.

وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: "اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا".

وقوله: ﴿ هل علمتم ﴾ استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت.

وفيه تصديق لقوله  : ﴿ لتنبئهم بأمرهم هذا  ﴾ وأما فعلهم بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له بالاحتقار والامتهان.

وقوله: ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ جارٍ مجرى الاعتذار عنهم كأنه قال: إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا وزمان الجهالة: والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحاً لهم في الدين أي هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالباً فآثر كما هو عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ويدرك ثأره الموتور.

وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.

ولما كلمهم بذلك ﴿ قالوا أئنك لأنت يوسف ﴾ عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم  فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها ﴿ قال أنا يوسف ﴾ صرح بالاسم تعظيماً لما جرى عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ولهذا قال: ﴿ وهذا أخي ﴾ مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضاً كان مظلوماً كما كنت صار منعماً عليه من الله وذلك قوله: ﴿ قد منَّ الله علينا ﴾ أي بكل خير دنيوي وأخروي أو بالجمع بعد التفرقة ﴿ إنه ﴾ أي الشأن ﴿ من يتق ﴾ عقاب الله ﴿ ويصبر ﴾ عن معاصيه وعلى طاعته ﴿ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ أراد أجرهم فاكتفى من الربط بالعموم.

ومن قرأ ﴿ يتقي ﴾ بإثبات الياء فوجهه أن يجعل "من" بمعنى "الذي"، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ﴿ ويصبر ﴾ في موضع الرفع إلا أنه حذفت الحركة للتخفيف أو المشاكلة.

وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين.

﴿ قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ﴾ اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين.

ولا يلزم من ذلك أن لا يكون أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ ﴿ وإن كنا ﴾ وإن شأننا أنا كنا خاطئين.

قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى واحد.

وقال الأموي: المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: "المجتهد يخطىء ويصيب".

والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي.

قال أبو علي الجبائي: إنهم لم يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ذنباً، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله.

واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعاً من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلاً بالغاً عاقلاً، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ.

سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ لا تأنيب ولا توبيخ.

وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم.

وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم.

وقيل: لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلاً للتقريع المدنف المضني.

وقوله: ﴿ اليوم ﴾ إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر على عليكم أي لا أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره.

ثم ابتدأ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالاً عنهم.

وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك للتفاؤل، ويحتمل أن يكون ﴿ اليوم ﴾ متعلقاً بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم.

يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشياً ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك.

فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظرون إليّ شزراً ويقولون: سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم.

عن رسول الله  أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟

قالوا: نظن خيراً أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت.

فقال  : أقول ما قال أخي يوسف ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ .

قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ وقول يعقوب: ﴿ سوف أستغفر لكم ﴾ ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: ﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ﴾ كقولك جاء البنيان محكماً ومثله ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أو المراد يأت إلى وهو بصير دليله قوله: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف.

وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم.

وقالت الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه.

روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخاً بالدم فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخاً.

عن الكلبي: كان أهله نحواً من سبعين إنساناً.

وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف.

﴿ ولما فصلت العير ﴾ خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولاً انفصل منه وجاوز حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعدياً كان مصدره الفصل ﴿ قال أبوهم ﴾ لمن حوله من قومه ﴿ إن لأجد ﴾ بحاسة الشم ﴿ ريح يوسف ﴾ قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص.

قال أهل التحقيق: إن الله  أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل.وقوله: ﴿ لولا أن تفندون ﴾ جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدّقتموني.

والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر.

﴿ قالوا ﴾ يعني الحاضرين عنده ﴿ تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي فيما كنت فيه قدماً من البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه ﴿ إن أبانا لفي ضلال مبين  ﴾ .

وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان.

قال الحسن: إنما قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات.

﴿ فلما أن جاء ﴾ "أن صلة" أي فلما جاء مثل ﴿ فلما ذهب عن إبراهيم الروع  ﴾ وقيل: هي مع الفعل في محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ﴿ ألقاه ﴾ طرحه البشير أو يعقوب على وجهه ﴿ فارتد بصيراً ﴾ أي انقلب من العمى إلى البصر أو من الضعف إلى القوة ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفاً وهو قوله: ﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ أو قوله: ﴿ ولا تيأسوا من روح الله ﴾ ويكون قوله: ﴿ إني أعلم ﴾ كلاماً مستأنفاً.

والظاهر أن مفعوله قوله: ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وذلك أنه كان قال لهم: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟

فقال: هو ملك مصر.

قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟

قال: على دين الإسلام.

قال: الآن تمت النعمة.

ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار.

قال ابن عباس والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإجابة.

وقيل: أخر لتعرف حالهم في الإخلاص.

وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار في الاستقبال.

فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.

روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللَّهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين.

وروي أنهم قالوا له - وقد علتهم الكآبة - وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبداً.

فاستقبل الشيخ القبلة قائماً يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة.

واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازاً ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه،وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟

قال: لا هذا ولدك: فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟

قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.

ومعنى ﴿ آوى إليه أبويه ﴾ ضمهما إليه واعتنقهما.

قال ابن إسحق: كانت أمة باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلى أن الله  أحياها ونشرها من قبرها تحقيقاً لرؤيا يوسف.

وقيل: المراد بأوبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله  أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أماً لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فيكف وقد اجتمع ههنا الأمران.

قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه ﴿ وقال ادخلوا مصر ﴾ فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائداً إلى الدخول.

وعن ابن عباس: ادخلوا مصر أي أقيموا بها.

وقوله: ﴿ إن شاء الله آمنين ﴾ تعلق بالدخول المكيف بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحداً وكانوا فيما سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم بالجرم السالف.

﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟

وأيضاً تعظيم الأبوين تالي تعظيم الله  فمن أين جاز سجدة أبويه له؟

والجواب عن ابن عباس في رواية عطاء أن المراد خرّوا لأجل وجدانه سجداً لله فكانت سجدة الشكر لله  ، وكذا التأويل في قوله: ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي.

وأحسن من هذا أن يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكراً على لقائه، أو يراد بالسجدة التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجبهة.

واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه.

بأن الخرور قد يعني به المرور قال  .

﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً  ﴾ أي لم يمروا.

وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط.

ورد بأن قوله: ﴿ هذا تأويل رؤياي ﴾ من قبل ينبو عنه.

وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقاً للرؤيا من كل الوجوه فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد.

وقيل: إنما سجد الأبوان لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سبباً لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله  أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله  ، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن لم يقل شيئاً وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله أعلم.

﴿ وقد أحسن بي ﴾ يقال: أحسن به وإليه بمعنى.

﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ لم يذكر إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: ﴿ لا تثريب عليكم ﴾ ولأنه لم يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبداً وصار.

مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب وأشمل ﴿ وجاء بكم من البدو ﴾ أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه والصحارى.

قال ابن الأنباري.

بدا موضع معروف هنالك.

روي عن ابن عباس أن يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط.

قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه  أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر.

وأجيب بأنه إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى الشر فلا يقدر عليه إلا الله فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه.

﴿ إن ربي لطيف لما يشاء ﴾ فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن الأوهام.

﴿ إنه هو العليم ﴾ بالوجه الذي تسهل به الصعاب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله حتى تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إليّ على ثمان مراحل!

قال: أمرني جبريل.

قال: أو ما تسأله؟

قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله أمرني بذلك لقولك: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب  ﴾ قال: فهلا خفتني.

ثم إن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة.

فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: ﴿ رب آتيتني من الملك ﴾ شيئاً من ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ بعضاً من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو الأفضل من مادة سابقة كالدخان أو من عدم محض ﴿ أنت وليي في الدنيا والآخرة ﴾ لا يتولى إصلاح مهماتي في الدارين غيرك.

ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر المسألة فقال ﴿ توفني مسلماً ﴾ أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول يعقوب لولده: ﴿ ولا تموتن إلى وأنتم مسلمون  ﴾ ﴿ وألحقني بالصالحين ﴾ من آبائي أو على العموم.

قيل: الصلاح أول درجات المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة كيف يليق به أن يطلب البداية؟

والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاة لو لم يكن من فعل الله  كان طلبه من الله جارياً مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل.

وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟

أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء.

ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل.

سؤال آخر: الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام ألبتة.

فما الفائدة في الطلب؟

الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية والرهبة.

وقال في التفسير الكبير: المطلوب ههنا حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه.

وعن قتادة وكثير من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن الموت نبي قبله ولا بعده.

قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله  وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت.

وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها مما فوقها والكمال الإلهي غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، والناقص إذا حصل له شعور بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت.

ومنها أن سعادات الدنيا ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل موته ليتخلص من هذه الآفات.

ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن حاصلها يرجع إلى دفع الآلام.

وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف.

ومنها أن مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل منها عيوب؛ فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يتخلط بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة فيها.

وأيضاً اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح وعيوبها مع أن فيها احتياجاً إلى زيادة المال، والنفقة للزوج والولد وما يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادماً مأموراً ويحب أن يكون مخدوماً، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من سواه.

ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائماً في الحزن والخوف.

فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعاً أنه لا صلاح في اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائماً في بحر الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة.

وقد سبق منا في تمني الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  ﴾ فليتذكر.

قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقاً من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعاً.

وولد له إفراثيم وميشا وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله  أعلم بحقائق الأمور.

التأويل: إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك أبيضت عيناه في انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم ﴿ تفتؤ تذكر يوسف ﴾ وأين أهل السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق فأول ملامتي آدم  حين قالت الملائكة لأجله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ بل أول ملامتي هو الله  حين قالوا له: ﴿ أتجعل فيها ﴾ وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله ﴿ يحبهم ﴾ ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون  ﴾ من جماله وكماله ﴿ اذهبوا فتحسسوا ﴾ فيه أن الواجب على كل مسلم أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر.

فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرداقات حضرة القلب ﴿ قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا ﴾ وهم القوى الإنسانية ﴿ ضر ﴾ البعد عن الحضرة الربانية ﴿ وجئنا ببضاعة مزجاة ﴾ من الأعمال البدنية ﴿ فأوف لنا الكيل ﴾ بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف ﴿ إذ أنتم جاهلون ﴾ إذ كنتم على صفة الظلومية والجهولية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ بالطلب والصدق والشوق والمحبة والوصول والوصال ﴿ وإن كنا لخاطئين ﴾ في الإقبال على استيفاء الحظوظ الحيوانية التي تضر القلب والسر والروح ﴿ لا تثريب عليكم اليوم ﴾ لأنه صدر منها ما صدر بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضراً له ظاهراً كما أن صنيع إخوة يوسف في البداية صار سبباً لرفعة منزلته في النهاية ﴿ اذهبوا بقميصي ﴾ وهو نور جمال الله ﴿ ولما فصلت ﴾ عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ .

يا عاذل العاشقين دع فئة *** أضلها الله كيف ترشدها ﴿ فارتد بصيراً ﴾ لأن الروح كان بصيراً في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا وتصرفه فيها ثم صار بصيراً بوارد من القلب: ورد البشير بما أقر الأعينا *** وشفى النفوس فنلن غايات المنى والقلب في بدو الأمر كان محتاجاً إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية صار الروح محتاجاً إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته في النهاية لتقبل بواسطة النار ﴿ ادخلوا مصر إن شاء الله ﴾ لأنه لا يصل إلى الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال ﴿ وخروا له سجداً ﴾ لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق  ، فالسجدة كانت في الحقيقة لرب العرش لا للعرش ﴿ هذا تأويل رؤياي من قبل ﴾ إن كنت نائماً في نوم العدم ﴿ إذ أخرجني من السجن ﴾ سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب البشرية ما دام في الدنيا ﴿ من البدو ﴾ بدو الطبيعة ﴿ آتيتني من الملك ﴾ ملك الوصال والوصول ﴿ فاطر سموات ﴾ عالم الأرواح وأرض البشرية ﴿ توفني مسلماً ﴾ أخرجني من قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ .

ظاهر هذا أن يوسف كان تلقّاهم خارجاً من المصر؛ فقال لهم: ﴿ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ ثم لما دخلوا المصر آوى إلى نفسه أبويه وضمهما إليه.

ويشبه أن يكون قال لهم هذا القول؛ وقت ما قال لهم: ﴿ وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ و ﴿ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ ، ثم لما جاءوا هم ودخلوا مصر - ضم إليه أبويه؛ وأمره إياهم أن يدخلوا مصر آمنين؛ لأن المصر كان أهله أهل كفر؛ فكأنهم خافوا الملك الذي كان فيه؛ فذكر لهم الأمن لذلك.

والله أعلم.

وذكر الثنيا فيه؛ لأنه وعْد منه؛ وعَد لهم؛ والأنبياء - عليهم السلام - كان لا يعدون شيئاً إلا ويستثنون في آخره؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ وإنما ذكر الثنيا في الأمن؛ لم يذكر في الدخول؛ لأن الدخول منه أمر وما ذكر من الأمن فهو وعْد؛ فهو ما ذكرنا: أنه يستثنى في الوعد ولا يستثنى في الأمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .

يشبه أن يكون قوله: ﴿ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ هو ما ذكر من رفعه إياهما على العرش، وخص بذكر أبويه بالرفع على العرش؛ فيحتمل أن يكون رفع أبويه والإخوة جميعاً؛ لأنه لو لم يرفعهم - وقد كان عفا عنهم - لما أقروا بالخطأ.

وقال ﴿ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ  ﴾ لكان يقع عندهم أنه قد بقي شيء مما كان منهم إليه؛ لكنه خصّ أبويه بالذكر؛ لشرفهما ومجدهما؛ على ما يخص الأشراف والأعاظم؛ نحو قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا...

 إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ  ﴾ ونحوه.

ودل رفع أبويه على العرش - على أن اتخاذ العرش والجلوس عليه لا بأس به؛ إذ لو كان لا يحلّ أو لا يباح ذلك؛ لكان يوسف لا يتخذه؛ ولا كان يعقوب يجلس عليه، دل ذلك منهما أن ذلك مباح لا بأس به.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ .

قال بعضهم - من أهل التأويل - كانت تحيتهم يومئذ - فيما بينهم - السجود؛ يسجد بعضهم لبعض مكان ما يسلم بعضنا على بعض، وأما اليوم فهو غير مباح؛ وإنما التحية في السلام، لكن السجود لغير الله؛ ليس يكره لنفس السجود؛ وإنما يكره وينهى عما في السجود؛ وهو العبادة والتسفل، لا يحل لأحد أن يجعل العبادة والتسفل له دون الله، وأما نفس السجود فإنه كالقيام والقعود؛ وغيره من الأحوال يكون فيها المرء.

والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ أي خروا له خاضعين له ذليلين، وقال بعضهم: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً ﴾ أي: خروا له سجدا، شكرا له؛ لما جمع بينهم ورفع ما كان بينهم، وهو قول ابن عباس  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً ﴾ .

أي: حقق تلك الرؤيا التي رأيتها من قبل؛ وجعلها صدقاً لي، رأى يوسف رؤيا فخرجت رؤياه بعد حين ووقت وزمان طويل؛ فهذا يدلّ أن الخطاب إذا قرع السمع يجوز أن يأتي بيانه من بعد حين وزمان، ويجوز أن يكون مقروناً به، وليس في تأخر بيان الخطاب تلبيس ولا تشبيه، على ما قال بعض الناس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ ﴾ [ذكر إحسانه إليه ومنته ولم يذكر محنته بالتصريح، إنما ذكرها بالتعريض، حيث قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجْنِ ﴾ ولم يقل: سجنت أو حبست، وأمثاله، ما كان ابتلاه الله به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ ﴾ .

قيل: من البادية؛ لأنهم كانوا أهل بادية أصحاب المواشي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ ﴾ .

[قال بعضهم: نزغ: أي فرق [أي:] بعدما فرق الشيطان بيني وبين إخوتي]، وكأن النزغ هو الإفساد؛ على ما ذكره أهل التأويل؛ أي: بعدما أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي، وأضاف ذلك إلى الشيطان؛ لما كان قال لهم: لا تثريب عليكم حين أقروا له بالفضل؛ والخطأ في فعلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ ﴾ .

اللطيف: هو اسم لشيئين: اسم البرّ والعطف؛ يقال: فلان لطيف؛ أي بارّ عاطِف.

والثاني: يقال: لطيف؛ أي عالم بما يلطف من الأشياء ويصغر، كما يعلم بما يعظم ويجسم.

أو يقال: لطيف: أي يعلم المستور من الأمور الخفية على الخلق؛ كما يعلم الظاهرة منها والبادية، لا يخفى عليه شيء؛ يعلم السر وأخفى، يقال له: عظيم، ولطيف؛ ليعلم أن ليس يفهم من عظمه ما يفهم من عظم الخلق؛ إذ لا يجوز في الخلق أن يكون عظيماً لطيفاً؛ ويجوز في الله، ليعلم أن ما يفهم من هذا غير ما يفهم من الآخر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

أي العليم بما كان ويكون، وما ظهر وما بطن، وما يسرّ وما يعلن، وبكل شيء، أو عليم بعواقب الأمور وبدايتها، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : حكم بعلم، ووضع كل شيء موضعه؛ لم يحكم بجهل ولا غفلة ولا سفه؛ على ما يحكم الخلق،  الله - عز وجل - عن ذلك علوّاً كبيراً.

[مسألة]: ثلاث آيات في سورة يوسف على المعتزلة: قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ  ﴾ أخبر أنه لو لم يصرف عنه كيدهن مال إليهن، وهم يقولون: قد صرف عن كل أحد السوء والكيد؛ لكن لم ينصرف عنه ذلك.

وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ  ﴾ أخبر أنه إذا رحمه امتنع عن السوء والأمر به، وهم يقولون: إنه - وإن رحم - لا يمتنع السوء ولا الأمر به.

وكذلك قوله: ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ  ﴾ وهم يقولون: ليس له أن يصيب أحداً دون أحد من رحمته؛ ولا أن يخص أحداً بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: ذكر ﴿ مِنَ ٱلْمُلْكِ ﴾ ؛ لأنه لم يؤته كل الملك؛ إذ كان فوقه ملك أكبر منه، لكن لا لهذا ذكر ﴿ مِنَ ٱلْمُلْكِ ﴾ ؛ إذ معلوم أنه لم يؤت لأحد كل ملك الدنيا؛ قال الله  : ﴿ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ  ﴾ ويكون في وقت واحد ملوك.

وقال مقاتل: (من) صلة: كأنه قال: رب قد آتيتني من الملك.

لكن الوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، قدم دعاءه؛ وسؤاله ربه ما سأل؛ إحسانه إليه ومحامده وصنائعه؛ ليكون ذلك [له وسيلة] إلى ربه في الإجابة.

وفي ذلك دلالة نقض قول المعتزلة من وجهين: أحدهما: يقولون: إن كل أحد شفيعه عمله؛ فيوسف لم يذكر ما كان منه: أني فعلت كذا؛ فافعل بي كذا، ولكن ذكر نعم الله وإحسانه إليه.

والثاني من قولهم: إنه لا يؤتي أحداً ملكاً ولا نبوة إلا بعد الاستحقاق [به، ولا يكون من الله إلى أحد نعمة وإحسان إلا بعد الاستحقاق].

ومن قولهم: إن كل أحد هو المتعلم؛ لا أن الله يعلم أحداً، وقد أضاف يوسف التعليم إلى الله؛ حيث قال: ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ وهم يقولون: لم يعلمه ولكن هو تعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ .

قال أهل التأويل: تعبير الرؤيا، ولكن الأحاديث: هي الأنباء، والتأويل: هو علم العاقبة وعلم ما يئول إليه الأمر، كأنه قال: علمتني مستقر الأنباء ونهايتها؛ كقوله -  -: ﴿ لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ  ﴾ .

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

كأنه على النداء والدعاء؛ ذكر: يا فاطر السماوات والأرض؛ لذلك انتصب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .

يشبه أن يكون تأويله: أنت ولي نعمتي في الدنيا والآخرة؛ كما يقال: فلان ولي نعمة فلان.

ويحتمل: أنت أولى بي في الدنيا والآخرة، أو أنت ربي وسيدي في الدنيا والآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً ﴾ .

تمنى -  - التوفّي على الإسلام، والإخلاص بالله والإلحاق بالصالحين؛ فهو - والله أعلم - وذلك أن الله قد آتاه النهاية في الشرف والمجد في الدنيا ديناً ودنيا؛ لأن نهاية الشرف في الدين هي النبوة والرسالة، ونهاية الشرف في الدنيا الملك؛ فأحب أن يكون له في الآخرة مثله؛ فقال: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ ثم يحتمل سؤاله: أن يلحقه بالصالحين؛ بكل صالح.

ويحتمل: أنه سأله أن يلحقه بالصالحين؛ بآبائه وأجداده وبجميع الأنبياء والرسل.

وقوله: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ هو ينقض على المعتزلة أيضاً؛ ومن قولهم: [إنه أعطى كل أحد] ليس له ألا يتوفاه مسلماً؛ فيكون في دعائه عابثاً؛ على قولهم.

[والثاني: على قولهم] لا يملك أن يتوفاه مسلماً؛ لأن من قولهم: إنه أعطى كل أحد ما به يكون مؤمناً حتى لم يبق عنده شيء، ومن سأل آخر شيئاً يعلم أنه ليس عنده؛ فهو يهزأ به، أو يكون فيه كتمان النعمة؛ وفي كتمان النعمة كفرانها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ..

﴾ الآية.

﴿ ذَلِكَ ﴾ : أي خبر يوسف وإخوته؛ وقصصهم التي قصصنا عليك وأخبرناك به؛ من أوله إلى آخره، ﴿ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ لم تشهدها أنت [ولم تحضرها كقوله]: ﴿ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ  ﴾ هذا ليعلم أنك إنما علمت وعرفتها بالله وحياً؛ ليدلهم على رسالتك ونبوتك.

والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ .

أي: ما كنت لديهم ولا بحضرتهم؛ ثم أنبأت على ما كان؛ ليدل على ما ذكرنا من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ .

بأبيهم وأخيهم: أما مكرهم بأبيهم؛ حيث قالوا: ﴿ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ  ﴾ أخبروه أنهم له ناصحون؛ فخانوه.

ومكرهم بأخيهم؛ حيث قالوا: ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ ضمنوا له الحفظ؛ فلم يحفظوه - مكروا بهما جميعاً.

والمكر: هو الاحتيال؛ في اللغة؛ والأخذ على جهة الأمن، وقد فعلوا هم بأبيهم يعقوب وأخيهم يوسف عليهما السلام.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأجلس أبويه على السرير الذي يجلس عليه، وحيّاه أبواه وإخوته الأحد عشر بالسجود، وكان سجود تشريف لا عبادة، تحقيقًا لأمر الله كما في الرؤى، لذا قال يوسف -  - لأبيه: هذه التحية بالسجود لي منكم هي تأويل رؤياي التي رأيتها من قبل وقصصتها عليك، قد صَيَّرها ربي حقًّا بوقوعها، وقد أحسن إليّ ربي حين أخرجني من السجن، وحين جاء بكم من البادية من بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي، إن ربي لطيف في تدبيره لما يشاء، إنه هو العليم بأحوال عباده، الحكيم في تدبيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.RPA1q"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل