الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٢٩ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال آمرا ليوسف ، عليه السلام ، بكتمان ما وقع : ( يا يوسف أعرض عن هذا ) أي : اضرب عن هذا [ الأمر ] صفحا ، فلا تذكره لأحد ، ( واستغفري لذنبك ) يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلا أو أنه عذرها; لأنها رأت ما لا صبر لها عنه ، فقال لها : ( واستغفري لذنبك ) أي : الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ، ثم قذفه بما هو بريء منه ، استغفري من هذا الذي وقع منك ، ( إنك كنت من الخاطئين )
القول في تأويل قوله تعالى : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) قال أبو جعفر: وهذا فيما ذكر عن ابن عباس , خبرٌ من الله تعالى ذكره عن قِيل الشاهد أنه قال للمرأة وليوسف.
* * * يعني بقوله: (يوسف) يا يوسف ، (أعرض عن هذا) ، يقول: أعرض عن ذكر ما كان منها إليك فيما راودتك عليه، فلا تذكره لأحد، (53) كما:- 19136 - حدثنا يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد في قوله: (يوسف أعرض عن هذا) ، قال: لا تذكره ,(واستغفري) أنت زوجك , يقول: سليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبتِ , وأن يصفح عنه فيستره عليك.
* * * ، (إنك كنت من الخاطئين) , يقول: إنك كنت من المذنبين في مراودة يوسف عن نفسه.
* * * يقال منه: " خَطِئ" في الخطيئة " يخطَأ خِطْأً وخَطَأً" (54) كما قال جل ثناؤه: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [سورة الإسراء: 31]، و " الخطأ " في الأمر.
وحكي في" الصواب " أيضًا " الصوابُ"، و " الصَّوْبُ"، (55) كما قال: الشاعر: (56) لَعَمْــرُكَ إِنَّمَــا خَـطَئِي وَصَـوْبِي عَــلَيَّ وَإِنَّ مَــا أَهْلَكْــتُ مَــالُ (57) وينشد بيت أمية: عِبَــادُكَ يُخْــطِئُونَ وَأَنْــتَ رَبٌّ بِكَـــفَّيْكَ الْمَنَايَـــا وَالْحُـــتُومُ (58) من خطئ الرجل.
* * * وقيل: (إنك كنت من الخاطئين) ، لم يقل: من الخاطئات , لأنه لم يقصد بذلك قصد الخبر عن النساء , وإنما قصد به الخبر عمَّن يفعل ذلك فيخطَأ.
* * * ---------------------- الهوامش: (53) انظر تفسير" الإعراض" فيما سلف 15 : 407 ، تعليق : 1 ، والمراجع .
(54) انظر تفسير" خطئ" فيما سلف 2 : 110 / 6 : 143 .
(55) في المطبوعة والمخطوطة :" أيضًا الصواب ، والصوب" ، وكأن الصواب ما أثبت .
وأخشى أن يكون :" والخطأ" و" الخطاء" في الأمر ، وحكي في" الصواب ..." ، يعني المقصور و الممدود .
(56) هو أوس بن غلفاء .
(57) نوادر أبي زيد : 47 ، طبقات فحول الشعراء : 140 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 241 ، اللسان ( صوب ) ، من أبيات يقولها لامرأته : أَلا قــالَتْ أُمَامَــةُ يَــوْمَ غُـوْلٍ : تَقَطَّــعَ بِــابنِ غَلْفــاء الحِبــالُ ذَرِينــي إنَّمــا خَـطَئِي وصَـوْبي .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
فَــإِنْ تَــرَنِي أُمَامَـة قَـلَّ مـالِي وَأْلَهــانِي عَــنِ الغَــزْوِ ابْتِـذَالُ فَقَـدْ ألْهُـو مَـعَ النَّفَـرِ النَّشَـاوَى لِــيَ النَّسَـبُ المُـوَاصَلُ والخِـلالُ (58) ديوانه : 4 ، واللسان ( خطأ ) ، ( حتم ) ، وقبل البيت : سَــلامَكَ رَبَّنــا فِـي كُـلِّ فَجْـرٍ بَرِيئًــا مــا تَلِيــقُ بِـكَ الذًّمُـومُ وبعده : غَــــدَاةَ يَقُــــولُ بَعْضُهُـــمْ ألاَ يَــــاليْتَ أُمَّكُـــمُ عَقِيـــمُ .
قوله تعالى : يوسف أعرض عن هذا القائل هذا هو الشاهد .
و " يوسف " نداء مفرد ، أي يا يوسف ، فحذف .أعرض عن هذا أي لا تذكره لأحد واكتمه .ثم أقبل عليها فقال : وأنت استغفري لذنبك يقول : استغفري زوجك من ذنبك لا يعاقبك .إنك كنت من الخاطئين ولم يقل من الخاطئات لأنه قصد الإخبار عن المذكر والمؤنث ، فغلب المذكر ; والمعنى : من الناس الخاطئين ، أو من القوم الخاطئين ; مثل : إنها كانت من قوم كافرين وكانت من القانتين .
وقيل : إن القائل ليوسف " أعرض ولها استغفري " زوجها الملك ; وفيه قولان : أحدهما : أنه لم يكن غيورا ; فلذلك ، كان ساكنا .
وعدم الغيرة في كثير من أهل مصر موجود .
الثاني : أن الله تعالى سلبه الغيرة وكان فيه لطف بيوسف حتى كفي بادرته وعفا عنها .
ثم إن سيدها لما تحقق الأمر، قال ليوسف: { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } أي: اترك الكلام فيه وتناسه ولا تذكره لأحد، طلبا للستر على أهله، { وَاسْتَغْفِرِي } أيتها المرأة { لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ } فأمر يوسف بالإعراض، وهي بالاستغفار والتوبة.
( يوسف ) أي : يا يوسف ( أعرض عن هذا ) أي : عن هذا الحديث ، فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع .
وقيل : معناه لا تكترث له ، فقد بان عذرك وبراءتك .
ثم قال لامرأته : ( واستغفري لذنبك ) أي : توبي إلى الله ( إنك كنت من الخاطئين ) وقيل : إن هذا من قول الشاهد ليوسف ولراعيل .
وأراد بقوله : ( واستغفري لذنبك ) ، أي سلي زوجك أن لا يعاقبك ويصفح عنك ( إنك كنت من الخاطئين ) من المذنبين ، حتى راودت شابا عن نفسه وخنت زوجك ، فلما استعصم كذبت عليه ، وإنما قال : " من الخاطئين " ولم يقل : من الخاطئات ، لأنه لم يقصد به الخبر عن النساء بل قصد به الخبر عمن يفعل ذلك ، تقديره : من القوم الخاطئين ، كقوله تعالى : ( وكانت من القانتين ) ( التحريم - 12 ) بيانه قوله تعالى : ( إنها كانت من قوم كافرين ) ( النمل - 43 ) .
ثم قال يا «يوسف أعرض عن هذا» الأمر ولا تذكره لئلا يشيع «واستغفري» يا زليخا «لذنبك إنك كنت من الخاطئين» الآثمين، واشتهر الخبر وشاع.
قال عزيز "مصر": يا يوسف اترك ذِكْر ما كان منها فلا تذكره لأحد، واطلبي -أيتها المرأة- المغفرة لذنبك؛ إنك كنتِ من الآثمين في مراودة يوسف عن نفسه، وفي افترائك عليه.
ثم وجه كلامه إلى يوسف فقال له ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) أى : يا يوسف أعرض عن هذا الأمر الذى دار بينك وينها فاكتمه .
ولا تتحدث به خوفا من الفضيحة ، وحفاظا على كرامتى وكرامتها .وقوله : ( واستغفري لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين ) خطاب منه لزوجته التى ثبتت عليها الجريمة ثبوتا تاما .أى : واستغفرى الله من ذنبك الذى وقع منك ، بإساءتك فعل السوء مع يوسف ، ثم اتهامك له بما هو برئ منه .وجملة : ( إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين ) تعليل لطلب الاستغفار .
أى توبى إلى الله مما حدث منك ، لأن ما حدث منك مع يوسف جعلك من جملة القوم المتعمدين لارتكاب الذنوب ، وجعلها من جملة الخاطئين للتخفيف عليها فى المؤاخذة .وهكذا نجد هذا الرجل - صاحب المنصب الكبير - يعالج الجريمة التى تثور لها الدماء فى العروق ، وتستلزم حسما وجزماً فى الأحكام ، بهذا الأسلوب الهادئ البارد ، شأن المترفين فى كل زمان ومكان ، الذين يهمهم ظواهر الأمور دون حقائقها وأشكالها دون جواهرها ، فهو يلوم امرأته لوما خفيفا يشبه المدح ، ثم يطلب من يوسف كتمان الأمر ، ثم يطلب منها التوبة من ذنوبها المتعمدة ..
ثم تستمر الأمور بعد ذلك على ما هى عليه من بقاء يوسف معها فى بيتها ، بعد أن كان منها معه ما يستلزم عدم اجتماعهما .هذا ومن العبر والعظات والأحكام التى نأخذها من هذه الآيات الكريمة :1 - أن اختلاط الرجال بالنساء .
كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع فى الفاحشة وذلك لأن ميل الرجل إلى المرأة وميل المرأة إلى الرجل أمر طبيعى ، وما بالذات لا يتغير .ووجود يوسف - عليه السلام - مع ارمأة العزيز تحت سقف واحد فى سن كانت هى فيه مكتملة الأنوثة ، وكان هو فيها فتى شابا جميلا .
.
أدى إلى فتنتها به ، وإلى أن تقول له فى نهاية الأمر بعد إغراءات شتى له منها : ( هَيْتَ لَكَ ) .ولا شك أن من الأسباب الأساسية التى جعلتها تقول هذا القول العجيب وجودهما لفترة طويلة تحت سقف واحد .لذا حرم الإِسلام تحريما قاطعا الخلوة بالأجنبية ، سدا لباب الوقوع فى الفتن ، ومنعا من تهيئة الوسائل للوقوع فى الفاحشة .ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما رواه الشيخان عن عقبة بن عامر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والدخول على النساء ، فقال رجل من الأنصار ، أفرأيت الحمو يا رسول الله؟
قال : الحمو الموت " والحمو هو قريب الزوج كأخيه وابن عمه .وسئلت امرأة انحرفت عن طريق العفاف ، لماذا كان منك ذلك فقالت : قرب الوساد ، وطول السواد .أى : حملنى على ذلك قربى ممن أحبه وكثرة محادثتى له!2 - أن هم الإِنسان لفعل ، ثم رجوعه عنه قبل الدخول فى مرحلة التصميم والتنفيذ لا مؤاخذة فيه .قال القرطبى ما ملخصه : " الهم الذى هم به يوسف ، من نوع ما يخطر فى النفس ، ولا يثبت فى الصدر ، وهو الذى رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق ، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه " .وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قالت الملائكة يا ربنا ذلك عبدك يريد أن يعمل السيئة - وهو أبصر به - فقال : ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من أجلى " .وفى الصحيح : " إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به " .3 - أن من الواجب على المؤمن إذا ما دعى إلى معصية أن يستعيذ بالله من ذلك ، وأن يذكِّر اللداعى له بضررها ، وبسوء عاقبة المرتكب لها .
.
كما قال يوسف - عليه السلام - ( مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون ) .4 - أن يوسف - عليه السلام - قد خرج من هذه المحنة مشهودا له بالبراءة ونقاء العرض ، من الله - تعالى - ومن خلقه الذين سخرهم لهذه الشهادة .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة ، يوسف - عليه السلام - وتلك المرأة وزوجها ، ورب العالمين .
.
والكل شهد ببراءة يوسف عن المعصية ، أما يوسف - عليه السلام - فقد قال ( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ) وقال : ( قَالَ رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ ) .
.وأما امرأة العزيز فقد قالت : ( أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ) وأما زوجها فقد قال : ( إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ .
.
)أما شهادة رب العالمين ببراءته ففى قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السواء والفحشآء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ) .فقد شهد الله - تعالى - على طهارته فى هذه الآية أربع مرات ، أولها : " لنصرف عنه السوء " وثانيها " الفحشاء " وثالثها " إنه من عبادنا " ورابعها " المخلصين " .5 - أن موقف العزيز من امرأته كان موقفا ضعيفا متراخيا .
.
وهذا الموقف هو الذى جعل تلك المرأة المتحكمة فى زمام زوجها ، تقول بعد ذلك بكل تبجح وتكشف واستهتار : ( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين ) 6 - أن القرآن الكريم صور تلك المحنة فى حياة يوسف وامرأة العزيز ، تصويرا واقعيا صادقا ، ولكن بأسلوب حكيم ، بعيد عما يخدش الحياء أو يجرح الشعور .قال بعض العلماء : " والذى خطر لى أن قوله - تعالى - ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) هو نهاية موقف طويل من الإِغراء ، بعدما أبى يوسف فى أول الأمر واستعصم ، وهو تصوير واقعى صادق لحالة النفس البشرية الصالحة فى المقاومة والضعف ، ثم الاعتصام بالله فى النهاية والنجاة ، ولكن السياق القرآنى لم يفصل فى تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة ، لأنه المنهج القرآنى لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة فى محيط القصة وفى محيط الحياة البشرية المكتملة كذلك فذكر طرفى الموقف بين الاعتصام فى أوله والاعتصام فى نهايته ، مع الإِلمام بلحظة الضعف بينهما ، ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعا .
.
"
اعلم أنه تعالى لما حكى عنها أنها ﴿ هَمَّتْ ﴾ أتبعه بكيفية طلبها وهربه فقال: ﴿ واستبقا الباب ﴾ والمراد أنه هرب منها وحاول الخروج من الباب وعدت المرأة خلفه لتجذبه إلى نفسها، والاستباق طلب السبق إلى الشيء، ومعناه تبادر إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه فإن سبق يوسف فتح الباب وخرج، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج، وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي استبقا إلى الباب كقوله: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ﴾ أي من قومه.
واعلم أن يوسف عليه السلام سبقها إلى الباب وأراد الخروج والمرأة تعدو خلقه فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته، أي قطعته طولاً، وفي ذلك الوقت حضر زوجها وهو المراد من قوله: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الباب ﴾ أي صادفا بعلها تقول المرأة لبعلها سيدي، وإنما لم يقل سيدهما لأن يوسف عليه السلام ما كان مملوكاً لذلك الرجل في الحقيقة، فعند ذلك خافت المرأة من التهمة فبادرت إلى أن رمت يوسف بالفعل القبيح، وقالت: ﴿ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ والمعنى ظاهر.
وفي الآية لطائف: إحداها: أن ما يحتمل أن تكون نافية، أي ليس جزاؤه إلا السجن، ويجوز أيضاً أن تكون استفهامية يعني أي شيء جزاؤه إلا أن يسجن كما تقول: من في الدار إلا زيد.
وثانيها: أن حبها الشديد ليوسف حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن، وأخرت ذكر العذاب، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب، وأيضاً أنها لم تذكر أن يوسف يجب أن يعامل بأحد هذين الأمرين، بل ذكرت ذلك ذكراً كلياً صوناً للمحبوب عن الذكر بالسوء والألم، وأيضاً قالت: ﴿ إِلا أَن يُسْجَنَ ﴾ والمراد أن يسجن يوماً أو أقل على سبيل التخفيف.
فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر بهذه العبارة، بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين ألا ترى أن فرعون هكذا قال حين تهدد موسى عليه السلام في قوله: ﴿ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين ﴾ .
وثالثها: أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها أنه كان في عنفوان العمر وكمال القوة ونهاية الشهوة، عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول إن يوسف عليه السلام قصدني بالسوء، وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض، فانظر إلى تلك المرأة ما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب وأن هؤلاء الحشوية يرمونه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بهذا الذنب القبيح.
ورابعها: أن يوسف عليه السلام أراد يضربها ويدفعها عن نفسه، وكان ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السوء فقولها: ﴿ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ ﴾ جارياً مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي.
واعلم أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام ولطخت عرض يوسف عليه السلام احتاج يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال: ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ ، وأن يوسف عليه السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر.
واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو الصادق: فالأول: أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد والثاني: أنهم شاهدوا أن يوسف عليه السلام كان يعدو عدواً شديداً ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الدار على هذا الوجه، والثالث: أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل الوجوه، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى.
الرابع: أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال يوسف عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر، وذلك أيضاً مما يقوي الظن.
الخامس: أن المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاماً مجملاً مبهماً، وأما يوسف عليه السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهماً لما قدر على التصريح باللفظ الصريح فإن الخائن خائف؛ السادس: قيل: إن زوج المرأة كان عاجزاً وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فإلحاق هذه الفتنة بها أولى، فلما حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة، ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلاً آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة ويدل على أنه بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة، وهو قوله: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ وفي هذا الشاهد ثلاثة أقوال: الأول: أنه كان لها ابن عم وكان رجلاً حكيماً واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال قد سمعنا الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة والرجل كاذب وإن كان من خلفه فالرجل صادق وأنت كاذبة فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه، قال ابن عمها: ﴿ إِنَّهُ مِنَ كَيْدَكُن إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ أي من عملكن.
ثم قال ليوسف أعرض عن هذا واكتمه، وقال لها استغفري لذنبك، وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.
والثاني: وهو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك: إن ذلك الشاهد كان صبياً أنطقه الله تعالى في المهد، فقال ابن عباس: تكلم في المهد أربعة صغار شاهد يوسف، وابن ماشطة بنت فرعون، وعيسى بن مريم، وصاحب جريج الراهب قال الجبائي: والقول الأول أولى لوجوه: الأول: أنه تعالى لو أنطق الطفل بهذا الكلام لكان مجرد قوله إنها كاذبة كافياً وبرهاناً قاطعاً، لأنه من البراهين القاطعة القاهرة، والاستدلال بتمزيق القميص من قبل ومن دبر دليل ظني ضعيف والعدول عن الحجة القاطعة حال حضورها وحصولها إلى الدلالة الظنية لا يجوز.
الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ وإنما قال من أهلها ليكون أولى بالقبول في حق المرأة لأن الظاهر من حال من يكون من أقرباء المرأة ومن أهلها أن لا يقصدها بالسوء والإضرار، فالمقصود بذكر كون ذلك الرجل من أهلها تقوية قول ذلك الرجل وهذه الترجيحات إنما يصار إليها عند كون الدلالة ظنية، ولو كان هذا القول صادراً عن الصبي الذي في المهد لكان قوله حجة قاطعة ولا يتفاوت الحال بين أن يكون من أهلها، وبين أن لا يكون من أهلها وحينئذ لا يبقى لهذا القيد أثر.
والثالث: أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف إلا على من تقدمت له معرفة بالواقعة وإحاطة بها.
والقول الثالث: أن ذلك الشاهد هو القميص، قال مجاهد: الشاهد كون قميصه مشقوقاً من دبر، وهذا في غاية الضعف لأن القميص لا يوصف بهذا ولا ينسب إلى الأهل.
واعلم أن القول الأول عليه أيضاً إشكال وذلك لأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف عليه السلام عن المعصية لأن من المحتمل أن الرجل قصد المرأة لطلب الزنا فالمرأة غضبت عليه فهرب الرجل فعدت المرأة خلف الرجل وجذبته لقصد أن تضربه ضرباً وجيعاً فعلى هذا الوجه يكون القميص متخرقاً من دبر مع أن المرأة تكون برية عن الذنب والرجل يكون مذنباً.
وجوابه: أنا بينا أن علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين فضموا إليها هذه العلامة الأخرى لا لأجل أن يعولوا في الحكم عليها، بل لأجل أن يكون ذلك جارياً مجرى المقويات والمرجحات.
ثم إنه تعالى أخبر وقال: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ ﴾ وذلك يحتمل السيد الذي هو زوجها ويحتمل الشاهد فلذلك اختلفوا فيه، قال: ﴿ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ﴾ أي أن قولك ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً من كيدكن إن كيدكن عظيم.
فإن قيل: إنه تعالى لما خلق الإنسان ضعيفاً فكيف وصف كيد المرأة بالعظم، وأيضاً فكيد الرجال قد يزيد على كيد النساء.
والجواب عن الأول: أن خلقة الإنسان بالنسبة إلى خلقة الملائكة والسموات والكواكب خلقة ضعيفة وكيد النسوات بالنسبة إلى كيد البشر عظيم ولا منافاة بين القولين وأيضاً فالنساء لهن في هذا الباب من المكر والحيل ما لا يكون للرجال ولأن كيدهن في هذا الباب يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال.
واعلم أنه لما ظهر للقوم براءة يوسف عليه السلام عن ذلك الفعل المنكر حكى تعالى عنه أنه قال: ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ﴾ فقيل: إن هذا من قول العزيز، وقيل: إنه من قول الشاهد، ومعناه: أعرض عن ذكر هذه الواقعة حتى لا ينتشر خبرها ولا يحصل العار العظيم بسببها، وكما أمر يوسف بكتمان هذه الواقعة أمر المرأة بالاستغفار فقال: ﴿ واستغفرى لِذَنبِكِ ﴾ وظاهر ذلك طلب المغفرة، ويحتمل أن يكون المراد من الزوج ويكون معنى المغفرة العفو والصفح، وعلى هذا التقدير فالأقرب أن قائل هذا القول هو الشاهد، ويحتمل أن يكون المراد بالاستغفار من الله، لأن أولئك الأقوام كانوا يثبتون الصانع، إلا أنهم مع ذلك كانوا يعبدون الأوثان بدليل أن يوسف عليه السلام قال: ﴿ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار ﴾ وعلى هذا التقدير: فيجوز أن يكون القائل هو الزوج.
وقوله: ﴿ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين ﴾ نسبة لها إلى أنها كانت كثيرة الخطأ فيما تقدم، وهذا أحد ما يدل على أن الزوج عرف في أول الأمر أن الذنب للمرأة لا ليوسف، لأنه كان يعرف عنها إقدامها على ما لا ينبغي.
وقال أبو بكر الأصم: إن ذلك لزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها بالاستغفار.
قال صاحب الكشاف: وإنما قال من الخاطئين بلفظ التذكير، تغليباً للذكور على الإناث، ويحتمل أن يقال: المراد إنك من نسل الخاطئين، فمن ذلك النسل سرى هذا العرق الخبيث فيك.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واستبقا الباب ﴾ وتسابقا إلى الباب على حذف الجارّ وإيصال الفعل، كقوله ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ ﴾ [الأعراف: 155] أو على تضمين ﴿ استبقا ﴾ معنى (ابتدرا) نفر منها يوسف، فأسرع يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج.
فإن قلت: كيف وجد الباب، وقد جمعه في قوله ﴿ وَغَلَّقَتِ الأبواب ﴾ [يوسف: 23] قلت: أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار والمخلص من العار، فقد روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ اجتذبته من خلفه فانقد، أي انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا ﴾ وصادفا بعلها وهو قطفير، تقول المرأة لبعلها: سيدي.
وقيل: إنما لم يقل سيدهما، لأنّ ملك يوسف لم يصح، فلم يكن سيداً له على الحقيقة.
قيل: ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل.
وقيل جالساً مع ابن عمّ للمرأة.
لما اطلع منها زوجها على تلك الهيئة المريبة وهي مغتاظة على يوسف إذ لم يؤاتها جاءت بحيلة جمعت فيها غرضيها: وهما تبرئة ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف، وتخويفه طمعاً في أن يؤاتيها خيفة منها ومن مكرها، وكرها لما أيست من مؤاتاته طوعاً.
ألا ترى إلى قولها: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ﴾ [يوسف: 32] و (ما) نافية، أي: ليس جزاؤه إلا السجن.
ويجوز أن تكون استفهامية، بمعنى: أي شيء جزاؤه إلا السجن، كما تقول: مَنْ في الدار إلا زيد.
فإن قلت: كيف لم تصرح في قولها بذكر يوسف، وإنه أراد بها سوءاً؟
قلت: قصدت العموم، وأنّ كل من أراد بأهلك سوءاً فحقه أن يسجن أو يعذب، لأنّ ذلك أبلغ فيما قصدته من تخويف يوسف.
وقيل: العذاب الأليم الضرب بالسياط.
ولما أغرت به وعرّضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه فقال: ﴿ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ﴾ ولولا ذلك لكتم عليها ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا ﴾ قيل كان ابن عمّ لها، إنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها؛ لتكون أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة عنه.
وقيل: هو الذي كان جالساً مع زوجها لدى الباب.
وقيل كان حكيماً يرجع إليه الملك ويستشيره ويجوز أن يكون بعض أهلها كان في الدار فبصر بها من حيث لا تشعر، فأغضبه الله ليوسف بالشهادة له والقيام بالحق.
وقيل: كان ابن خال لها صبياً في المهد.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى» فإن قلت: لم سمي قوله شهادة وما هو بلفظ الشهادة؟
قلت: لما أدّى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها سمي شهادة: فإن قلت: الجملة الشرطية كيف جازت حكايتها بعد فعل الشهادة؟
قلت: لأنها قول من القول، أو على إرادة القول، كأنه قيل: وشهد شاهد فقال إن كان قميصه.
فإن قلت: إن دل قدّ قميصه من دبر على أنها كاذبة وأنها هي التي تبعته واجتبذت ثوبه إليها فقدّته، فمن أين دل قدّه من قبل على أنها صادقة، وأنه كان تابعها؟
قلت: من وجهين، أحدهما: أنه إذا كان تابعها وهي دافعته عن نفسها قدت قميصه من قدّامه بالدفع.
والثاني: أن يسرع خلفها ليلحقها فيتعثر في مقادم قميصه فيشقه.
وقرئ: ﴿ من قبل ﴾ ومن دبر، بالضم على مذهب الغايات.
والمعنى: من قبل القميص ومن دبره.
وأما التنكير فمعناه من جهة يقال لها قبل، ومن جهة يقال لها دبر.
وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ: ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالفتح، كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث.
وقرئا بسكون العين.
فإن قلت: كيف جاز الجمع بين (إن) الذي هو للاستقبال وبين (كان)؟
قلت: لأنّ المعنى أن يعلم أنه كان قميصه قدّ، ونحوه كقولك: إن أحسنت إليّ فقد أحسنت إليك من قبل، لمن يمتن عليك بإحسانه، تريد: إن تمتن عليَّ أمتنَّ عليك ﴿ فَلَماَّ رَّءَا ﴾ يعني قطفير وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها ﴿ قَالَ إِنَّهُ ﴾ إن قولك ﴿ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا ﴾ أو إنّ الأمر وهو طمعها في يوسف ﴿ مِن كَيْدِكُنَّ ﴾ الخطاب لها ولأمتها.
وإنما استعظم كيد النساء لأنه وإن كان في الرجال، إلا أنّ النساء ألطف كيداً وأنفذ حيلة.
ولهنّ في ذلك نيقة ورفق، وبذلك يغلبن الرجال.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمِن شَرّ النفاثات فِي العقد ﴾ [الفلق: 4] والقصريات من بينهنّ معهنّ ما ليس مع غيرهنّ من البوائق وعن بعض العلماء: أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً ﴾ [النساء: 76] وقال للنساء: ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ .
﴿ يُوسُفَ ﴾ حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث وفيه تقريب له وتلطيف لمحله ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفرى ﴾ أنت ﴿ لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين ﴾ من جملة القوم المتعمدين للذنب.
يقال: خطئ، إذا أذنب متعمداً، وإنما قال: ﴿ مِنَ الخاطئين ﴾ بلفظ التذكير تغليباً للذكور على الإناث، وما كان العزيز إلا رجلاً حليماً.
وروي أنه كان قليل الغيرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ ﴾ إنَّ قَوْلَكِ ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ أوْ إنَّ السُّوءَ أوْ إنَّ هَذا الأمْرَ.
﴿ مِن كَيْدِكُنَّ ﴾ مِن حِيلَتِكُنَّ والخِطابُ لَها ولِأمْثالِها أوْ لِسائِرِ النِّساءِ.
﴿ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ فَإنَّ كَيْدَ النِّساءِ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ الرِّجالَ والشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ بِهِ مُسارَقَةً.
﴿ يُوسُفُ ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وتَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ.
﴿ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ اكْتُمْهُ ولا تَذْكُرْهُ.
﴿ واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ يا راعِيلُ.
﴿ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ مِنَ القَوْمِ المُذْنِبِينَ مِن خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
{يُوسُفَ} حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث وفيه تقريب له وتلطيف لمحله {أَعْرِضْ عَنْ هذا} الأمر واكتمه ولا تحدث به ثم قال لراعيل {واستغفرى لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين}
من جملة القوم المتعمدين للذنب يقال خطىء إذا أذنب متعمداً وإنما قال بلفظ التذكير تغليبا للذكور على الإناث وكان العزيز رجلاً حليماً قليل الغيرة حيث اقتصر على هذا القول
﴿ يُوسُفُ ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وكَمالِ تَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَلْطِيفٌ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (يُوسُفَ) بِالفَتْحِ، والأشْبَهُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ أخْرَجَهُ عَلى أصْلِ المُنادى كَما جاءَ في الشِّعْرِ.
يا عَدِيًّا لَقَدْ وقَتْكَ الأواقِي.
وقِيلَ: لَمْ تُضْبَطْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الأعْمَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ أجْرى الوَقْفَ مَجْرى الوَصْلِ ونَقَلَ إلى الفاءِ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ أيْ عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُكَ وطَهارَةُ ثَوْبِكَ، وهَذا كَما حَكى اللَّهُ أكْبَرُ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِالوَصْلِ والفَتْحِ، وقُرِئَ (أعْرَضَ) بِصِيغَةِ الماضِي فَيُوسُفُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ، ولَعَلَّ المُرادَ الطَّلَبُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى (أعْرِضْ ﴿ واسْتَغْفِرِي ﴾ أنْتِ أيَّتُها المَرْأةُ، وضَعَّفَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّهُ الأشْبَهُ عَلَيْها أنْ يُقالُ: فاسْتَغْفِرِي ﴿ لِذَنْبِكِ ﴾ الَّذِي صَدَرَ عَنْكِ وثَبَتَ عَلَيْكِ ﴿ إنَّكِ كُنْتِ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ يُقالُ: خَطِئَ يُخْطِئُ خَطَأً وخِطْأً إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، وأخْطَأ إذا أذْنَبَ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الخَطَأ العُدُولُ عَنِ الجِهَةِ وهو أضْرُبٌ: الأوَّلُ أنْ يُرِيدَ غَيْرَ ما تَحْسُنُ إرادَتُهُ فَيَفْعَلُهُ، وهَذا هو الخَطَأُ التّامُّ المَأْخُوذُ بِهِ الإنْسانُ، والثّانِي أنْ يُرِيدَ ما يَحْسُنُ فِعْلُهُ ولَكِنْ يَقَعُ مِنهُ خِلافَ ما يُرِيدُ وهَذا قَدْ أصابَ في الإرادَةِ وأخْطَأ في الفِعْلِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ» والثّالِثُ أنْ يُرِيدَ ما لا يَحْسُنُ فِعْلُهُ ويَتَّفِقُ مِنهُ خِلافُهُ فَهَذا مُخْطِئٌ في الإرادَةِ مُصِيبٌ في الفِعْلِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ راجِعٌ إلى الضَّرْبِ الأوَّلِ مِن هَذِهِ الضُّرُوبِ، والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ والتَّذْكِيرِ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، واحْتِمالُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ فَمِنهم سَرى ذَلِكَ العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكَ بَعِيدٌ جِدًّا، وهَذا النِّداءُ قِيلَ: مِنَ الشّاهِدِ الحَكِيمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ والصَّفْحِ مِنَ الزَّوْجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ويُقالُ: إنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ وإنْ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ يُثْبِتُونَ الصّانِعَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ لِلْقَبائِحِ عاقِبَةَ سُوءٍ مِن لَدَيْهِ سُبْحانَهُ إذا لَمْ يَغْفِرْها، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّهم يُثْبِتُونَ الصّانِعَ أيْضًا بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو العَزِيزُ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: كانَ رَجُلًا حَلِيمًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ولِذا اكْتُفِيَ بِهَذا القَدْرِ مِن مُؤاخَذَتِها، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي البَحْرِ أنَّ تُرْبَةَ إقْلِيمِ قَطْفِيرَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِ المَغْرِبِ أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٍ تُغَنِّيهم مِن وراءِ سِتْرٍ فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ، وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ المُسْتَعِيدِ ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ المَلِكِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ يعني: تبادرا إلى الباب، يعني: يوسف وزليخا.
أما يوسف فاستبق ليخرج من الباب، وأما زليخا فاستبقت لتغلق الباب، فأدركته قبل أن يخرج من الباب، فتعلقت به قبل أن يخرج من الباب.
وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ يعني: مزقت وخرّقت قميصه من خلفه.
وَأَلْفَيا سَيِّدَها يعني: صادفا ووجدا سيدها لَدَى الْبابِ يعني: زوجها عند الباب.
قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً يعني: قالت لزوجها: مَا جَزاءُ، يعني: ما عقاب مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً يعني: قصد بها الزنى إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ يعني: يحبس في السجن.
أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: يضرب ضرباً وجيعاً، وذلك أن الزوج قال لهما ما شأنكما؟
قالت له زليخا: كنت نائمة في الفراش عريانة، فجاء هذا الغلام العبراني وكشف عن ثيابي، وراودني عن نفسي، فدفعته عن نفسي، فانشق قميصه.
قالَ يوسف: بل هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي يعني: دعتني إلى نفسها وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها قال مجاهد: قميصه شاهد أنه قَدْ قُدَّ من دبر، فظهر أن الذنب كان لها بتلك العلامة.
وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: «كان صبي في المهد لم يتكلم بعد فتكلم، وقال إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ الآية.
وقال قتادة: كان رجلا حكيم من أهلها.
ويقال: كان رجل من خواصِّ الملك.
وروي عن عكرمة أنه قيل له: إنه صبي قال: لا، ولكنه رجل حكيم.
وقال الحسن: ولكن كان رجلاً له رأي، فقال برأيه.
وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: «كان زوجها على الباب مع ابن عم لها يقال له تمليخا، وكان رجلاً حكيماً، فقال: قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب، ولا ندري أيكما قدام صاحبه؟
فقال ابن عمها: إن كان قد شقّ القميص من قدامه فأنت صادقة فيما قلت، وإن كان مشقوقاً من خلفه فهو صادق، فنظروا إلى قميصه، فإذا هو مشقوق من خلفه، فذلك قوله تعالى: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ يعني: زليخا وَهُوَ يعني: يوسف مِنَ الْكاذِبِينَ.
وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ، يعني: زليخا وَهُوَ يعني: يوسف مِنَ الصَّادِقِينَ وذلك أن الرجل لا يأتيها إلا مقبلاً.
فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ يعني: مقدوداً من دبر قالَ ابن عمها إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ يعني: من صنيعكن، ويقال: قال الزوج: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يعني: صنيعكن عظيم يخلص إلى البريء والسقيم والصالح والطالح.
وفي هذه الآية دليل: أن القضاء بشهادة الحال جائز، وقال بعض الحكماء: سمى الله كيد الشيطان ضعيفاً، وسمى كيد النساء عظيماً، لأن كيد الشيطان بالوسوسة والخيال، وكيد النساء بالمواجهة والعيان.
ثم أقبل على يوسف فقال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا يعني: يا يوسف أعرض عن هذا القول، ولا تذكره، واكتم هذا الحديث.
ثم أقبل عليها فقال: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ يعني: توبي وارجعي عن ذنبك، ويقال ابن عمها هو الذي قال لها: واستغفري لذنبك، واعتذري إلى زوجك من ذنبك.
إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ يعني: من المذنبين.
وفشا ذلك الخبر في مصر وتحدثت النساء فيما بينهن.
<div class="verse-tafsir"
عصمَتَنا له كَذَلك، وقرأ ابن كثير وغيره: «المُخْلِصِينَ» - بكسر اللام «١» - في سائر القرآن، ونافع وغيره بفتحها.
وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)
وقوله تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ ...
الآية: معناه: سَابَقَ كُلُّ واحدٍ منهما صاحبه إِلى البابِ، هي لتردَّه إِلى نفسها، وهو ليهرُبَ عنها، فقبضَتْ في أعلى قميصِهِ، فتخرَّق القميصُ عند طَوْقِهِ، ونَزَلَ التخريقُ إِلى أسفلِ القميصِ، قال البخاريُّ: وَأَلْفَيا: أي:
وَجَدَا أَلْفَوْا آباءَهُمْ [الصافات: ٦٩] : وجدوهم.
انتهى، و «القَدُّ» : القطْع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طُولاً، والقَطُّ: يستعمل فيما كان/ عرضا، وأَلْفَيا: وجَدَا، والسيِّد:
الزوْج قاله زيد بن ثابتٍ ومجاهدٌ «٢» .
وقوله سبحانه: قالَتْ مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ...
الآية: قال نَوْفٌ الشاميُّ: كان يوسُفُ عليه السلام لم يُبِنْ على كشف القصَّة، فلما بَغَتْ عليه، غَضِبَ، فقال الحقَّ، فأخبر أنها هي راوَدَتْه عَنْ نفسه، فرُوِيَ أن الشاهد كان ابن عَمِّها، قال: انظروا إِلى القميص، وقال ابن عباس: كان رجلاً من خاصَّة الملك «٣» وقاله مجاهد «٤» وغيره، والضمير في «رأَى» هو للعزيز، وهو القائلُ: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ قال الطبريّ «٥» ، وقيل: بل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ المَعْنى: يا يُوسُفُ أعْرِضْ.
وَفِي القائِلِ لَهُ هَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْنُ عَمِّها وهو الشّاهِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الزَّوْجُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْرِضْ عَنْ هَذا الأمْرِ فَلا تَذْكُرْهُ لِأحَدٍ، واكْتُمْهُ عَلَيْها.
ورَوى الحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى الخَبَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اسْتَعْفِي زَوْجَكِ لِئَلّا يُعاقِبَكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تُوبِي مِن ذَنْبِكِ فَإنَّكِ قَدْ أثِمْتِ.
وَفِي القائِلِ لِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما ابْنُ عَمِّها.
والثّانِي: الزَّوْجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ يَعْنِي: مِنَ المُذْنِبِينَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ الحَدِيثُ في مِصْرَ حَتّى تَحَدَّثَ بِذَلِكَ النِّساءُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ ﴾ وفي عَدَدِهِنَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةُ ساقِي المَلِكِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دِيوانِهِ، وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ خَمْسٌ: امْرَأةُ الخَبّازِ، وامْرَأةُ السّاقِي، وامْرَأةُ السَّجّانِ، وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّواةِ، وامْرَأةُ الآذِنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا العَزِيزُ، فَهو بِلُّغَتِهُمُ المَلِكُ، والفَتى بِمَعْنى العَبْدِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كانُوا يُسَمُّوْنَ المَمْلُوكَ فَتًى.
وإنَّما تَكَلَّمَ النِّسْوَةُ في حَقِّها، طَعْنًا فِيها وتَحْقِيقًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ أيْ: بَلَغَ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها.
وَفِي الشَّغافِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ جِلْدَةٌ بَيْنَ القَلْبِ والفُؤادِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَمْ يُرِدِ الغِلافَ، إنَّما أرادَ القَلْبَ، يُقالُ: شَغَفْتُ فُلانًا: إذا أصَبْتَ شَغافَهُ، كَما يُقالُ: كَبَدْتُهُ: إذا أصَبْتَ كَبِدَهُ، وبَطَنْتُهُ إذا أصَبْتَ بَطْنَهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ حَبَّةُ القَلْبِ وسُوَيْداؤُهُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ داءٌ يَكُونُ في الجَوْفِ في الشَّراسِيفِ، وأنْشَدُوا: وقَدْ حالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ داخِلٌ دُخُولَ الشَّغافِ تَبْتَغِيهِ الأصابِعُ ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: الشَّغافُ عِنْدَ العَرَبِ: داءٌ يَكُونُ تَحْتَ الشَّراسِيفِ في الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ البَطْنِ، والشَّراسِيفُ: مَقاطُّ رُؤُوسِ الأضْلاعِ، واحِدُها: شُرْسُوفٌ.
وَقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " قَدْ شَعَفَها " بِالعَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّهُ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، والشَّعَفُ: رُؤُوسُ الجِبالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ، لِحُبِّها إيّاهُ.
والمُبِينُ: الظّاهِرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ هي راوَدَتْنِي عن نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِن الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِن الصادِقِينَ ﴾ ﴿ فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدِكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عن هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ قالَ نُوفٌ الشامِيُّ: كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُبِنْ عَلى كَشْفِ القِصَّةِ، فَلَمّا بَغَتْ عَلَيْهِ غَضِبَ فَقالَ الحَقَّ، فَأخْبَرَهُ أنَّها هي راوَدَتْهُ عن نَفْسِهِ، فَرُوِيَ أنَّ الشاهِدَ كانَ الرَجُلَ ابْنَ عَمِّها، قالَ: انْظُرْ إلى القَمِيصِ، فَإنْ كانَ قَدُّهُ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ، أو مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ، قالَهُ السُدِّيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رَجُلًا مِن خاصَّةِ المَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ: إنَّ الشاهِدَ كانَ طِفْلًا في المَهْدِ فَتَكَلَّمَ بِهَذا، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والضَحّاكُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِمّا يُضْعِفُ هَذا أنَّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ: « "لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجَ، وابْنُ السَوْداءِ الَّذِي تَمَنَّتْ لَهُ أنْ يَكُونَ كالفاجِرِ الجَبّارِ"،» فَقالَ: "لَمْ يَتَكَلَّمْ"، وأسْقَطَ صاحِبَ يُوسُفَ مِنها، ومِنها أنَّ الصَبِيَّ لَوْ تَكَلَّمَ لَكانَ الدَلِيلُ نَفْسَ كَلامِهِ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالقَمِيصِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "تَكَلَّمَ في المَهْدِ أرْبَعَةٌ"» فَذَكَرَ الثَلاثَةَ وزادَ صاحِبَ يُوسُفَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ ابْنَ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَهم -عَلى هَذا- خَمْسَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الشاهِدُ القَمِيصُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ مِنَ الأهْلِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِن قُبُلٍ" و”مِن دُبُرٍ" بِضَمِّ الباءَيْنِ وبِالتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ، والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ، ونُوحٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِن قُبُلُ" و”مِن دُبُرُ" بِثَلاثِ ضَمّاتٍ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هُما غايَتانِ بُنِيَتا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ﴾ قالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ جِدًّا، وإنَّما يَقَعُ هَذا البِناءُ في الظُرُوفِ، وقَرَأ الحَسَنُ "مِن قَبْلٍ" و”مِن دُبْرٍ" بِإسْكانِ الباءَيْنِ والتَنْوِينِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ عن نُوحٍ القارِّيِّ أنَّهُ أسْكَنَ الباءَيْنِ وضَمَّ الأواخِرَ ولَمْ يُنَوِّنْ، ورَواها عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ عن يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.
وسُمِّيَ المُتَكَلِّمُ بِهَذا الكَلامِ شاهِدًا مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشاهِدِ، ونَفْسُ الشاهِدِ هو تَخْرِيقُ القَمِيصِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ عُطَّ مِن دُبُرٍ".
والضَمِيرُ في "رَأى" هو لِلْعَزِيزِ، وهو القائِلُ: ﴿ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ﴾ ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وقِيلَ: بَلِ الشاهِدُ قالَ ذَلِكَ، والضَمِيرُ في "إنَّهُ" يُرِيدُ مَقالَها المُتَقَدِّمَ في الشَكْوى بِيُوسُفَ.
ونَزَعَ لِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى الحُكْمَ بِالأمارَةِ مِنَ العُلَماءِ؛ فَإنَّها مُعْتَمَدُهُمْ، و" يُوسُفُ " في قَوْلِهِ: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عن هَذا ﴾ مُنادًى -قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - ناداهُ الشاهِدُ، وهو الرَجُلُ الَّذِي كانَ مَعَ العَزِيزِ و ﴿ أعْرِضْ عن هَذا ﴾ مَعْناهُ: عَنِ الكَلامِ بِهِ، أيِ اكْتُمْهُ ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْها فَقالَ: ﴿ واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ أيِ: اسْتَغْفِرِي زَوْجَكِ وسَيِّدَكِ، وقالَ: ﴿ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: "مِنَ الخاطِئاتِ" لِأنَّ الخاطِئِينَ أعَمُّ، وهو مِن: خَطِئَ يَخْطَأُ خَطْأً وخَطَأً، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرُكَ إنَّما خَطَئِي وصَوْبِي ∗∗∗ عَلَيَّ، وإنَّما أتْلَفْتُ مالِيَ ويُنْشِدُ بَيْتَ أُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: ؎ عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ <div class="verse-tafsir"
عطف قصة على قصة، فلا يلزم أن تكون هذه القصة حاصلة في الوجود بعد التي قبلها.
وقد كان هذا الحادث قبل إيتائه النبوءة لأن إيتاء النبوءة غلب أن يكون في سن الأربعين.
والأظهر أنه أوتي النبوءة والرسالة بعد دخول أهله إلى مصر وبعد وفاة أبيه.
وقد تعرضت الآيات لتقرير ثبات يوسف عليه السّلام على العفاف والوفاء وكرم الخلق.
فالمراودة المقتضية تكرير المحاولة بصيغة المفاعلة، والمفاعلة مستعملة في التكرير.
وقيل: المفاعلة تقديرية بأن اعتبر العمل من جانب والممانعة من الجانب الآخر من العمل بمنزلة مقابلة العمل بمثله.
والمراودة: مشتقة من راد يرود، إذا جاء وذهب.
شبه حال المحاول أحداً على فعل شيء مكرراً ذلك.
بحال من يذهب ويجيء في المعاودة إلى الشيء المذهوب عنه، فأطلق راود بمعنى حاول.
و ﴿ عن ﴾ للمجاوزة، أي راودته مباعدة له عن نفسه، أي بأن يجعل نفسه لها.
والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة، قاله ابن عطية، أي فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه.
وأما تعديته ب (على) فذلك إلى الشيء المطلوب حصوله.
ووقع في قول أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يراود عمه أبا طالب على الإسلام: وفي حديث الإسلاء «فقال له موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه».
والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف عليه السّلام لأن كونه في بيتها من شأنه أن يطوّعه لمرادها.
و ﴿ بيتها ﴾ بيت سكناها الذي تبيت فيه.
فمعنى ﴿ هو في بيتها ﴾ أنه كان حينئذٍ في البيت الذي هي به، ويجوز أن يكون المراد بالبيت: المنزل كله، وهو قصر العزيز.
ومنه قولهم: ربة البيت، أي زوجة صاحب الدار ويكون معنى ﴿ هو في بيتها ﴾ أنه من جملة أتباع ذلك المنزل.
وغلق الأبواب: جَعْل كل باب سادّاً للفرجة التي هو بها.
وتضعيف ﴿ غلّقت ﴾ لإفادة شدة الفعل وقوته، أي أغلقت إغلاقاً محكماً.
والأبواب: جمع باب.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ [سورة المائدة: 23].
وهَيتَ} اسم فعل أمر بمعنى بَادرْ.
قيل أصلها من اللغة الحَوْرانية، وهي نبطية.
وقيل: هي من اللغة العبرانية.
واللام في ﴿ لك ﴾ لزيادة بيان المقصود بالخطاب، كما في قولهم: سقياً لك وشكراً لك.
وأصله: هيتَك.
ويظهر أنها طلبت منه أمراً كان غير بدع في قصورهم بأن تستمتع المرأة بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته، ولذلك لم تتقدم إليه من قبل بترغيب بل ابتدأته بالتمكين من نفسها.
وسيأتي لهذا ما يزيده بياناً عند قوله تعالى: ﴿ قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ .
وفي ﴿ هيت ﴾ لغات.
قَرأ نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو جعفر بكسر الهاء وفتح المثناة الفوقية.
وقرأه ابن كثير بفتح الهاء وسكون التحتية وضم الفوقية.
وقرأه الباقون بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية، والفتحة والضمة حركتا بناء.
و ﴿ مَعاذ ﴾ مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله.
وأصله: أعوذ عَوذاً بالله، أي أعتصم به مما تحاولين.
وسيأتي بيانه عند قوله: ﴿ قال معاذ الله أن نأخذ ﴾ [سورة يوسف: 79] في هذه السورة.
و (إنّ) مفيدة تعليل ما أفاده معاذ الله} من الامتناع والاعتصام منه بالله المقتضي أن الله أمر بذلك الاعتصام.
وضمير ﴿ إنه ﴾ يجوز أن يعود إلى اسم الجلالة، ويكون ﴿ ربي ﴾ بمعنى خالقي.
ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام وهو زوجها الذي لا يرضى بأن يمسها غيره، فهو معلوم بدلالة العرف، ويكون ﴿ ربي ﴾ بمعنى سيدي ومالكي.
وهذا من الكلام الموجّه توجيهاً بليغاً حكي به كلام يوسف عليه السّلام إمّا لأن يوسف عليه السّلام أتى بمثل هذا التركيب في لغة القِبط، وإما لأنه أتى بتركيبين عُذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز والتوجيه.
وأياً ما كان فالكلام تعليل لامتناعه وتعريض بها في خيانة عهدها.
وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء قبل النبوءة من الكبائر.
وذُكِرَ وصف الرب على الاحتمالين لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى الله، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز.
وأكدَ ذلك بوصفه بجملة ﴿ أحسن مثواي ﴾ ، أي جعل آخرتي حسنى، إذ أنقذني من الهلاك، أو أكرم كفالتي.
وتقدم آنفاً تفسير المثوى.
وجملة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ تعليل ثان للامتناع.
والضمير المجعول اسماً ل (إن) ضميرُ الشأن يفيد أهمية الجملة المجعولة خبراً عنه لأنها موعظة جامعة.
وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم، لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة، وظلم سيده الذي آمنه على بينه وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجاً وأحصنها.
والهم: العزم على الفعل.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وهمّوا بما لم ينالوا ﴾ في سورة براءة (74).
وأكد همّها ب ﴿ قد ﴾ ولام القسم ليفيد أنها عزمت عزماً محققاً.
وجملة ﴿ ولقد همت به ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.
والمقصود: أنها كانت جادة فيما راودته لا مختبرة.
والمقصود من ذكر هَمّها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم.
وجملة ﴿ وهَمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ولقد همت به ﴾ كلها.
وليست معطوفة على جملة ﴿ همت ﴾ التي هي جواب القسم المدلول عليه باللام، لأنه لما أردفت جملة ﴿ وهمّ بها ﴾ بجملة شرط ﴿ لولا ﴾ المتمحض لكونه من أحوال يوسف عليه السّلام وحْده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها.
فالتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها، فقدم الجواب على شرطه للاهتمام به.
ولم يقرن الجواب باللاّم التي يكثر اقتران جواب ﴿ لولا ﴾ بها لأنه ليس لازماً ولأنه لمّا قُدم على ﴿ لولا ﴾ كُره قرنه باللام قبل ذكر حرف الشرط، فيحسن الوقف على قوله: ﴿ ولقد همت به ﴾ ليظهر معنى الابتداء بجملة ﴿ وهَمّ بها ﴾ واضحاً.
وبذلك يظهر أن يوسف عليه السّلام لم يخالطه همّ بامرأة العزيز لأن الله عصمه من الهمّ بالمعصية بما أراه من البرهان.
قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: ﴿ ولقد همّت به وهمّ بها ﴾ الآية قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير، أي تقديم الجواب وتأخير الشرط، كأنه قال: ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمّ بها.
وطعن في هذا التأويل الطبري بأن جواب ﴿ لولا ﴾ لا يتقدم عليها.
ويدفع هذا الطعن أن أبا عبيدة لما قال ذلك علمنا أنه لا يرى منع تقديم جواب ﴿ لولا ﴾ ، على أنه قد يجعل المذكور قبل ﴿ لولا ﴾ دليلاً للجواب والجواب محذوفاً لدلالة ما قبل ﴿ لولا ﴾ عليه.
ولا مفرّ من ذلك على كل تقدير فإن ﴿ لولا ﴾ وشرطها تقييد لقوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ على جميع التأويلات، فما يقدّر من الجواب يقدّر على جميع التأويلات.
وقال جماعة: هَمّ يوسف بأن يجيبها لما دعته إليه ثم ارعوى وانكفّ على ذلك لما رأى برهان ربه.
قاله ابن عباس، وقتادة، وابن أبي مليكة، وثعْلب.
وبيان هذا أنه انصرف عمّا همّ به بحفظ الله أو بعصمته، والهمّ بالسيئة مع الكف عن إيقاعها ليس بكبيرة فلا ينافي عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوءة على قول من رأى عصمتهم منها قبل النبوءة، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف، ولذلك جوز ابن عباس ذلك على يوسف.
وقال جماعة: هَمّ يوسف وأخذ في التهيّؤ لذلك فرأى برهاناً صرفه عن ذلك فأقلع عن ذلك.
وهذا قول السديّ، ورواية عن ابن عباس.
وهو يرجع إلى ما بيناه في القول الذي قبله.
وقد خبط صاحب «الكشاف» في إلصاق هذه الروايات بمن يسميهم الحشوية والمجْبرة، وهو يعني الأشاعرة، وغض بصره عن أسماء من عزيت إليهم هذه التّأويلات (رمتني بدائها وانسلت) ولم يتعجب من إجماع الجميع على محاولة إخوة يوسف عليه السّلام قتلَه والقتلُ أشد.
والرؤية: هنا عِلمية لأن البرهان من المعاني التي لا ترى بالبصر.
والبرهان: الحجة.
وهذا البرهان من جملته صرفهُ عن الهمّ بها، ولولا ذلك لكان حال البشرية لا يسلم من الهمّ بمطاوعتها في تلك الحالة لتوفّر دواعي الهمّ من حسنها، ورغبتها فيه، واغتباط أمثاله بطاعتها، والقرب منها، ودواعي الشباب المسولة لذلك، فكان برهان الله هو الحائل بينه وبين الهمّ بها دون شيء آخر.
واختلف المفسرون في ما هو هذا البرهان، فمنهم من يشير إلى أنه حجة نظرية قبّحت له هذا الفعل، وقيل: هو وحي إلهي، وقيل: حفظ إلهي، وقيل: مشاهدات تمثلت له.
والإشارة في قوله: ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ﴾ إلى شيء مفهوم مما قبله بتضمنه قوله: ﴿ رأى برهان ربّه ﴾ ، وهو رأي البرهان، أي أريناه كذلك الرأي لنصرف عنه السوء.
والصرف: نقل الشيء من مكان إلى مكان، وهو هنا مجاز عن الحفظ من حلول الشيء بالمحل الذي من شأنه أن يحل فيه.
عبر به عن العصمة من شيء يوشك أن يلابس شيئاً.
والتعبير عن العصمة بالصرف يشير إلى أن أسباب حصول السوء والفحشاء موجودة ولكن الله صرفهما عنه.
والسوء: القبيح، وهو خيانة من ائتمنه.
والفحشاء: المعصية، وهي الزنى.
وتقدم السوء والفحشاء عند قوله تعالى: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ في سورة البقرة (169).
ومعنى صرفهما عنه صرف ملابسته إياهما.
وجملة ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ تعليل لحكمة صرفه عن السوء والفحشاء الصرف الخارق للعادة لئلا ينتقص اصطفاء الله إياه في هذه الشدة على النفس.
قرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف ﴿ المخلَصين ﴾ بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله واصطفاهم.
وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب بكسر اللام على معنى المخلصين دينهم لله.
ومعنى التعليل على القراءتين واحد.
والاستباق: افتعال من السبْق.
وتقدم آنفاً، وهو هنا إشارة إلى تكلفهما السبق، أي أن كل واحد منهما يحاول أن يكون هو السابق إلى الباب.
وانتصب ﴿ الباب ﴾ على نزع الخافض.
وأصله: واستبقا إلى الباب، مثل ﴿ واختار موسى قومَه سبعين رجلاً ﴾ [سورة الأعراف: 155]، أي من قومه، أو على تضمين استبقا } معنى ابتدرا.
والتعريف في (الباب) تعريف الجنس إذ كانت عدة أبواب مغلقة.
وذلك أن يوسف عليه السّلام فرّ من مراودتها إلى الباب يريد فتحه والخروج وهي تريد أن تسبقه إلى الباب لتمنعه من فتحه.
وجملة ﴿ وقدّت قميصه ﴾ في موضع الحال.
و ﴿ قدت ﴾ أي قطعت، أي قطعت منه قداً، وذلك قبل الاستباق لا محالة.
لأنه لو كان تمزيق القميص في حال الاستباق لم تكن فيه قرينة على صدق يوسف عليه السّلام أنها راودته، إذ لا يدل التمزيق في حال الاستباق على أكثر من أن يوسف عليه السّلام سبقها مسرعاً إلى الباب، فدل على أنها أمسكته من قميصه حين أعرض عنها تريد إكراهه على ما راودته فجذب نفسه فتخرق القميص من شدة الجذبة.
وكان قطع القميص من دبر لأنه كان مولياً عنها معْرضاً فأمسكته منه لرده عن إعراضه.
وقد أبدع إيجاز الآية في جمع هذه المعاني تحت جملة ﴿ استبقا الباب وقَدت قميصه ﴾ .
وصادف أن ألفيا سيدها، أي زوجها، وهو العزيز، عند الباب الخارجي يريد الدخول إلى البيت من الباب الخارجي.
وإطلاق السيد على الزوج قيل: إن القرآن حكى به عادة القبط حينئذٍ، كانوا يدعون الزوج سيداً.
والظاهر أنه لم يكن ذلك مستعملاً في عادة العرب، فالتعبير به هنا من دقائق التاريخ مثل قوله الآتي ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ [سورة يوسف: 76].
ولعل الزواج في مصر في ذلك العهد كان بطريق الملك غالباً.
وقد علم من الكلام أن يوسف عليه السّلام فتح الأبواب التي غَلّقتها زليخا باباً باباً حتى بلغ الخارجي، كل ذلك في حال استبَاقهما، وهو إيجاز.
والإلفاء: وجدان شيء على حالة خاصة من غير سعي لوجدانه، فالأكثر أن يكون مفاجئاً، أو حاصلاً عن جهل بأول حصول، كقوله تعالى: ﴿ قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ [سورة البقرة: 170].
وجملة قالت ما جزاء} الخ مستأنفة بيانياً، لأن السامع يسأل: ماذا حدث عند مفاجأة سيدها وهما في تلك الحالة.
وابتدرته بالكلام إمعاناً في البهتان بحيث لم تتلعثم، تخيل له أنها على الحق، وأفرغت الكلام في قالب كلي ليأخذ صيغة القانون، وليكون قاعدة لا يعرف المقصود منها فلا يسع المخاطب إلا الإقرار لها.
ولعلها كانت تخشى أن تكون محبة العزيز ليوسف عليه السّلام مانعة له من عقابه، فأفرغت كلامها في قالب كلي.
وكانت تريد بذلك أن لا يشعر زوجها بأنها تهوى غير سيدها، وأن تخيف يوسف عليه السّلام من كيدها لئلا يمتنع منها مرة أخرى.
ورددت يوسف عليه السّلام بين صنفين من العقاب، وهما: السجن، أي الحبس.
وكان الحبس عقاباً قديماً في ذلك العصر، واستمر إلى زمن موسى عليه السّلام، فقد قال فرعون لموسى عليه السّلام: ﴿ لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ﴾ [سورة الشعراء: 29].
وأما العذاب فهو أنواع، وهو عقاب أقدمُ في اصطلاح البشر.
ومنه الضرب والإيلام بالنار وبقطع الأعضاء.
وسيأتي ذكر السجن في هذه السورة مراراً.
وجملة قال هي راودتني عن نفسي } من قول يوسف عليه السّلام، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة مع كلامها.
ومخالفة التعبير بين ﴿ أن يسجن أو عذابٌ ﴾ دون أن يقول: إلا السجنُ أو عذاب، لأن لفظ السجن يطلق على البيت الذي يوضع فيه المسجون ويطلق على مصدر سجن، فقوله: ﴿ أن يسجن ﴾ أوضح في تسلط معنى الفعل عليه.
وتقديم المبتدأ على خبره الذي هو فعل يفيد القصر، وهو قصر قلب للرد عليها.
وكان مع العزيز رجل من أهل امرأته، وهو الذي شهد وكان فطناً عارفاً بوجوه الدلالة.
وسمي قوله شهادة لأنه يؤول إلى إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف عليه السّلام على سيدته أو دحضه.
وهذا من القضاء بالقرينة البينة لأنها لو كانت أمسكت ثوبه لأجل القبض عليه لعقابه لكان ذلك في حال استقباله له إياها فإذا أراد الانفلات منها تخرق قميصه من قُبُل، وبالعكس إن كان إمساكه في حال فرار وإعراض.
ولا شك أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق القميص تحاول أن تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه، ولولا ذلك ما خطر ببال الشاهد أن تمزيقاً وقع وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص.
والظاهر أن الشاهد كان يظن صدقها فأراد أن يقيم دليلاً على صدقها فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف عليه السّلام.
وجملة ﴿ إن كان قميصه ﴾ مبينة لفعل ﴿ شهد ﴾ .
وزيادة ﴿ وهو من الكاذبين ﴾ بعد ﴿ فصدقت ﴾ ، وزيادة ﴿ وهو من الصادقين ﴾ بعد ﴿ فكذبت ﴾ تأكيد لزيادة تقرير الحق كما هو شأن الأحكام.
وأدوات الشرط لا تدل على أكثر من الربط والتسبب بين مضمون شرطها ومضمون جوابها من دون تقييد باستقبال ولا مضي.
فمعنى ﴿ إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت ﴾ وما بعدها: أنه إن كان ذلك حصل في الماضي فقد حصل صدقها في الماضي.
والذي رأى قميصه قدّ من دبر وقال: إنه من كيدكن، هو العزيز لا محالة.
وقد استبان لديه براءة يوسف عليه السّلام من الاعتداء على المرأة فاكتفى بلوم زوجه بأن ادّعاءها عليه من كيد النساء؛ فضمير جمع الإناث خطاب لها فدخل فيه من هن من صنفها بتنزيلهن منزلة الحواضر.
والكيد: فعل شيء في صورة غير المقصودة للتوصل إلى مقصود.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن كيدي متينٌ ﴾ في سورة الأعراف (183).
ثم أمر يوسفَ عليه السّلام بالإعراض عما رمتْه به، أي عدم مؤاخذتها بذلك، وبالكف عن إعادة الخوض فيه.
وأمر زوجه بالاستغفار من ذنبها، أي في اتهامها يوسف عليه السّلام بالجرأة والاعتداء عليها.
قال المفسرون: وكان العزيز قليل الغيرة.
وقيل: كان حليماً عاقلاً.
ولعله كان مولعاً بها، أو كانت شبهة المِلك تخفف مؤاخذة المرأة بمراودة مملوكها.
وهو الذي يؤذن به حال مراودتها يوسف عليه السّلام حين بادرته بقولها: ﴿ هِيتَ لك ﴾ كما تقدم آنفاً.
والخاطئ: فاعل الخطيئة، وهي الجريمة.
وجَعَلَها من زمرة الذين خَطِئوا تخفيفاً في مؤاخذتها.
وصيغة جمع المذكر تغليب.
وجملة ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ من قول العزيز إذ هو صاحب الحكم.
وجملة ﴿ واستغفري لذنبك ﴾ عطف على جملة ﴿ يوسف أعرض ﴾ في كلام العزيز عطف أمر على أمر والمأمور مختلف.
وكاف المؤنثة المخاطبة متعين أنه خطاب لامرأة العزيز، فالعزيز بعد أن خاطبها بأن ما دبّرته هو من كيد النساء وجه الخطاب إلى يوسف عليه السّلام بالنداء ثم أعاد الخطاب إلى المرأة.
وهذا الأسلوب من الخطاب يسمى بالإقبال، وقد يسمى بالالتفات بالمعنى اللغوي عند الالتفات البلاغي، وهو عزيز في الكلام البليغ.
ومنه قول الجَرمي من طي من شعراء الحماسة: إخَالكَ مُوعدي ببني جفَيْف *** وهالةَ إنني أنْهَاككِ هَالا قال المرزوقي في «شرح الحماسة»: والعرب تجمع في الخطاب والإخبار بين عدة ثم تقبل أو تلتفت من بينهم إلى واحد لكونه أكبرهم أو أحسنهم سماعاً وأخصّهم بالحال.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ أيْ أسْرَعا إلَيْهِ، أمّا يُوسُفُ فَأسْرَعَ إلَيْهِ هَرَبًا، وأمّا امْرَأةُ العَزِيزِ فَأسْرَعَتْ إلَيْهِ طَلَبًا.
﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ لِأنَّها أدْرَكَتْهُ وقَدْ فَتَحَ بَعْضَ الأغْلاقَ فَجَذَبَتْهُ مِن ورائِهِ فَشَقَّتْ قَمِيصَهُ إلى ساقِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وسَقَطَ عَنْهُ وتَبِعَتْهُ.
﴿ وَألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ ﴾ أيْ وجَدا زَوْجَها عِنْدَ البابِ.
قالَ أبُو صالِحٍ: والسَّيِّدُ هو الزَّوْجُ بِلِسانِ القِبْطِ.
﴿ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ هَذا قَوْلُها لِزَوْجِها لِتَدْفَعَ الرِّيبَةَ عَنْ نَفْسِها بِإلْقائِها عَلى يُوسُفَ، ولَوْ صَدَقَ حُبُّها لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِ ولَآثَرَتْهُ عَلى نَفْسِها، ولَكِنَّها شَهْوَةٌ نَزَعَتْ، ومَحَبَّةٌ لَمْ تَصْفُ.
وَذَلِكَ أنَّهُ لَمّا اقْتَرَنَ شِدَّةُ حُبِّها بِالشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ بِالتَّكْذِيبِ عَلَيْهِ، ولَوْ خَلَصَ مِنَ الشَّهْوَةِ لَطَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ بِالصِّدْقِ.
﴿ قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ لِأنَّها لَمّا بَرَّأتْ نَفْسَها بِالكَذِبِ عَلَيْهِ احْتاجَ أنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ بِالصِّدْقِ عَلَيْها، ولَوْ كَفَّتْ عَنِ الكَذِبِ عَلَيْهِ لَكَفَّ عَنِ الصِّدْقِ عَلَيْها.
﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها ﴾ لِأنَّهُما لَمّا تَعارَضا في القَوْلِ احْتاجَ المَلِكُ إلى شاهِدٍ يَعْلَمُ بِهِ صِدْقَ الصّادِقِ مِنهُما مِنَ الكاذِبِ، فَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها، أيْ حَكَمَ حاكِمٌ مِن أهْلِها لِأنَّهُ حُكْمٌ مِنهُ ولَيْسَ شَهادَةً.
وَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ صَبِيٌّ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في مَهْدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِإنْسٍ ولا جِنٍّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ رَجُلٌ حَكِيمٌ مِن أهْلِها، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ السُّدِّيُّ وكانَ ابْنَ عَمِّها.
الرّابِعُ: أنَّهُ عَنى شَهادَةَ القَمِيصِ المَقْدُودِ، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا.
﴿ إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ لِأنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَبَ المَرْأةَ كانَ مُقْبِلًا عَلَيْها فَيَكُونُ شَقُّ قَمِيصِهِ مِن قِبَلِهِ دَلِيلًا عَلى طَلَبِهِ.
وَإذا هَرَبَ مِنَ المَرْأةِ كانَ مُدْبِرًا عَنْها فَيَكُونُ شَقُّ قَمِيصِهِ مِن دُبُرِهِ دَلِيلًا عَلى هَرَبِهِ.
وَهَذِهِ إحْدى الآياتِ الثَّلاثِ في قَمِيصِهِ: إنْ كانَ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ، وحِينَ جاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، وحِينَ أُلْقِيَ عَلى وجْهِ أبِيهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا.
﴿ فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ عَلِمَ بِذَلِكَ صِدْقَ يُوسُفَ فَصَدَّقَهُ وقالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ.
وَفي الكَيْدِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِهِ كَذِبَها عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ السُّوءَ الَّذِي دَعَتْهُ إلَيْهِ.
وَفي قائِلِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الزَّوْجُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: أنَّهُ الشّاهِدُ، حَكاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أعْرِضْ عَنْ هَذا الأمْرِ، قالَ قَتادَةُ: عَلى وجْهِ التَّسْلِيَةِ لَهُ في ارْتِفاعِ الإثْمِ.
الثّانِي: أعْرِضْ عَنْ هَذا القَوْلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ عَلى وجْهِ التَّصْدِيقِ لَهُ في البَراءَةِ مِنَ الذَّنْبِ.
﴿ واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ هَذا قَوْلُ المَلِكِ لِزَوْجِهِ وهو القائِلُ لِيُوسُفَ أعْرِضْ عَنْ هَذا.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَيُورًا فَلِذَلِكَ كانَ ساكِتًا.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَبَهُ الغَيْرَةَ وكانَ فِيهِ لُطْفٌ بِيُوسُفَ حَتّى كُفِيَ بادِرَتَهُ وحَلَمَ عَنْها فَأمَرَها بِالِاسْتِغْفارِ مِن ذَنْبِها تَوْبَةً مِنهُ وإقْلاعًا عَنْهُ.
﴿ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ يَعْنِي مِنَ المُذْنِبِينَ، يُقالُ لِمَن قَصَدَ الذَّنْبَ خَطِئَ، ولِمَن لَمْ يَقْصِدْهُ أخْطَأ، وكَذَلِكَ في الصَّوْبِ والصَّوابِ، قالَ الشّاعِرُ: لَعَمْرُكَ إنَّما خَطَئِي وصَوْبِي عَلَيَّ وإنَّما أهْلَكْتُ مالِي وَقالَ مِنَ الخاطِئِينَ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الخاطِئاتِ لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ قال: عن هذا الأمر والحديث ﴿ واستغفري لذنبك ﴾ أيتها المرأة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ قال: لا تذكره.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ﴾ قال: حلماً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُوسُفُ ﴾ معناه يا يوسف، فحذف حرف النداء، لأنه من الإيجاز الذي لا يخل، ولا يجوز حذفه من المبهم، ويجوز من العلم؛ لأنك تستدل يكون العلم مرفوعًا غير منون على أنه منادى، ولا بيان في المبهم على أنه منادى إذا حذفت حرف النداء.
وقال الزجاج (١) (٢) وقوله تعال ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ قال ابن عباس (٣) (٤) (٥) ﴿ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ قال ابن عباس (٦) (٧) قال المفسرون: إثمها هو أنها راودت شابًا عن نفسه، وأرادته على الزنا، وخانت زوجها، فلما استعصم كذبت عليه وبهتته (٨) ومعنى ﴿ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾ : من القوم الخاطئين، كما قال: ﴿ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ وذلك لتغليب المذكر على المؤنث إذا اختلطا، ومثله ﴿ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾ وهذا التفسير الذي ذكرنا يدل على أن هذا من كلام زوج المرأة لها وليوسف.
وذهب الكلبي (٩) ﴿ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ أي سلي (١٠) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.
(٢) البيت ينسب لأبي طالب عم رسول الله ، وللأعشى انظر "الخزانة" 3/ 629، و"شواهد الكشاف"، و"شواهد المغني" (204)، و"شرح شذور الذهب" (211)، وبلا نسبة في سيبويه والشنتمري 1/ 408، السيوطي (204)، و"الدرر" 2/ 71، و"الهمع" 2/ 56، و"الإنصاف" 418، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 375.
(٣) "زاد المسير" 4/ 213.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 104، وفيه: (اكتم هذا الأمر ولا تذكره).
(٥) الثعلبي 7/ 77 ب، البغوي 4/ 235.
(٦) "زاد المسير" 4/ 213، ولم ينسبه لابن عباس، بل نسب إليه القول الآخر (استعفي زوجك لئلا يعاقبك).
(٧) في (أ)، (ج): (تولي).
(٨) في (أ)، (ب): (نهته).
(٩) الثعلبي 7/ 77 ب، و"تنوير المقباس" ص 148، و"زاد المسير" 4/ 213.
(١٠) في (ج): (تبتلى).
<div class="verse-tafsir"
﴿ واستبقا الباب ﴾ معناه: سبق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب فقصد هو الخروج والهروب عنها، وقصدت هي أن تردّه، فإن قيل: كيف قال هنا الباب بالإفراد وقد قال بالجمع وغلقت الأبواب فالجواب أن المراد هنا الباب البرّاني الذي هو المخرج من الدار ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ أي قطعته من وراء، وذلك أنها قبضت قميصه من خلفه لتردّه فتمزق القميص، والقدّ القطع بالطول، والقّطُّ القطع بالعرض ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا ﴾ أي وجدا زوجها عند الباب ﴿ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سواءا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ ﴾ لما رأت الفضيحة عكست القضية، وادعت أن يوسف راودها عن نفسها، فذكرت جزاء كل من فعل ذلك على العموم، ولم تصرح بذكر يوسف لدخوله في العموم، وبناء على أن الذنب ثابت عليه بدعواها، وما جزاء يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ برّأ نفسه من دعواها ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ ﴾ قيل: هو ابن عمها وقيل: كان طفلاً في المهد فتكلم، وكونه من أهلها أوجبُ للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف، وكونه لم يتكلم قط، ثم تكلم بذلك كرامة ليوسف عليه السلام، والتقدير شهد شاهد فقال: أو ضمنت الشهادة معنى القول ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ ﴾ لأنها كانت تدافعه فتقدّ قميصه من قبل ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ ﴾ لأنها جذبته إلى نفسها حين فرّ منها فقدّت قميصه من دبر ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ فاعل رأى زوجها أو الشاهد ﴿ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ﴾ الضمير للأمر أو لقولها ما جزاء ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ﴾ أي اكتمه ولا تحدث به، ويوسف منادى حذف منه حرف النداء لأنه قريب، وفي حذف الحرف إشارة إلى تقريبه وملاطفته ﴿ واستغفري لِذَنبِكِ ﴾ خطاب لها، وذلك من كلام زوجها أو من كلام الشاهد ﴿ مِنَ الخاطئين ﴾ جاء بلفظ التذكير، ولم يقل من الخاطئات تغليباً للذكور.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.
والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.
وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.
الآخرون بالضم للإتباع.
﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.
الباقون.
بالكسر.
الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.
قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .
﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.
روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.
والمعنى ولقد جاء آباءكم.
وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.
وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.
ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.
وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.
وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.
ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟
واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .
ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.
وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.
وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.
ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.
والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.
﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.
ثم إنه بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.
وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.
والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.
فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.
قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.
واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.
والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.
عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.
ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.
والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.
يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.
قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.
وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.
وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.
وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.
وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.
وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.
ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.
وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله لأنه مسبب الأسباب.
الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.
وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.
قوله ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر بإسناده عن علي بن أبي طالب : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.
وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.
وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.
وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟
فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.
أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟
فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.
فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.
وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟
وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.
وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.
وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.
وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.
فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟
وقيل: رأى تمثال العزيز.
وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.
وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.
قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.
قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.
وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.
ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.
ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم .
فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.
وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.
وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.
روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.
وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.
روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.
ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟
فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.
وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.
ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.
وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.
وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.
قال ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .
وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.
وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.
واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.
وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.
والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.
قال في الكشاف: التنكير في "قبل".
و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.
أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.
يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.
وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.
﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.
قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.
وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.
وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.
والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.
﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.
وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.
وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف فلهذا سمي مكراً.
وقيل: كن أربعين.
﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.
وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.
وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.
وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.
وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا كان أملح.
قيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.
وعن النبي : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟
فقال: يوسف.
فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟
قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.
يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.
وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.
الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.
وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.
وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.
قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.
وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.
﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.
واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.
وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟
وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.
وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.
ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.
﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.
والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف إلى الله قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.
﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.
ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.
وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.
عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.
وعن الحسن: خمس سنين.
وعن غيره سبع سنين.
وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.
التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.
﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.
﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.
﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.
﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.
﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.
﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ﴾ الأشد: هو اشتداد كل شيء ونهاية كل نوع في الكمال يحتمل أشده: انتهاء بلوغه أو انتهاء شبابه، أو انتهاء عقله في التمام؛ لا يخلو من هذه الوجوه الثلاثة.
وقوله أهل التأويل: من ثماني عشرة سنة إلى أربعين؛ لأنه به يتم ويكمل كل نوع من ذلك إلى ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ .
يحتمل قوله: حكماً: الحكم بين الناس، والعلم: في الحكم.
ويحتمل قوله: ﴿ حُكْماً ﴾ أي: أعطيناه النبوة، ﴿ وَعِلْماً ﴾ : علم الأحاديث وتأويلها؛ على ما تقدم ذكره.
أو أن يكون إذا أعطاه الحكم أعطاه العلم، وإذا أعطاه العلم أعطاه الحكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
يحتمل: الإحسان في الأعمال؛ أي: عمل أعمالا حسنة صالحة.
ويحتمل: الإحسان إلى الناس؛ أي: أحسن إليهم، أو أحسن إلى نفسه؛ لا يخلو من هذه الأوجه الثلاثة.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ أي: كذلك نجزي من أحسن صحبة نعم الله وإحسانه، وقام بشكر ذلك كذلك؛ أي: مثل الذي جزى يوسف لا يريد أنه يجزي غيره عين ما جزى يوسف، ولكن يجزيه جزاء الإحسان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ .
دل قوله: ﴿ فِي بَيْتِهَا ﴾ أن البيت قد يجوز أن يضاف إلى المرأة، وإن كان البيت في الحقيقة لزوجها؛ على ما أضاف بيت زوجها إليها.
وقوله: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ المراودة: قيل: هي الدعوة والطلبة، راودته، أي: دعته إلى نفسها.
وقال أهل التأويل: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ ﴾ أي: أرادته.
﴿ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ .
قيل: إن هذه كلمة أخذت من الكتب المتقدمة، ليست بعربية، ونحن لا نعرف ما أرادت بها، لكن أهل التأويل قال بعضهم: هلم لك.
وقال بعضهم: تهيأت لك.
وفي بعض القراءات: (هئت لك) بالهمز، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: تهيأت لك.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾ : هأنا لك.
﴿ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ .
أي: أعوذ بالله وألجأ إليه.
﴿ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ رَبِّيۤ ﴾ أي: سيدي الذي اشتراه ﴿ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ أي: أكرم مقامي ومكاني؛ دليله: قوله لزوجته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ، هذا يدل أن قوله: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ أي: أحسني مثواه، ولكن يشبه أن يكون أراد بقوله: ﴿ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ ربّه الذي خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ بظلمهم وقت ظلمهم، والمثوى: الموضع الذي يثوى فيه، والثواء: المقام، والثاوي: المقيم، و ﴿ مَعَاذَ ٱللَّهِ ﴾ قيل: أعوذ بالله، وألجأ إليه، وأتحصن به.
أو: لا يفلح الظالمون: إذا ختموا بالظلم، وأما إذا انقعلوا عنه فقد أفلحوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ .
أما ما قاله أهل التأويل إنها استقلت له ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ أي: حل سراويله، وأمثال هذا من الخرافات؛ فهذا كله مما لا يحل أن يقال فيه شيء من ذلك، والدلالة على فساد ذلك من وجوه: أحدها: قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ ، ولو كان منه الإرادة والمراودة، لم يكن ليقول ذلك لها ويبرئ نفسه من ذلك.
والثاني: قوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ ﴾ ، ولو كان شيء مما ذكروا من حل السراويل والجلوس بين رجليها، لم يكن السوء مصروفاً عنه.
والثالث: قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، ولو كان منه ما ذكروا لقد خانه بالغيب.
والرابع: قولها: ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ ﴾ ، وقولها: ﴿ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .
هذا كله يدل أن ما قاله أهل التأويل فاسد، لا يحل أن يتكلم فيه بشيء من ذلك، وليس في ظاهر الآية شيء مما قالوا لا قليل ولا كثير؛ إذ ليس فيه سوى أن همت به وهم بها.
ثم تحتمل الآية وجوهاً عندنا: أحدها: همت به: هم عزم، وهم بها هم خطر، ولا صنع للعبد فيما يخطر بالقلب، ولا مؤاخذة عليه، وهو قول الحسن.
والثاني: همت به همّ الإرادة والتمكن، وهم بها هم دفع، لكنه يدخل عليه قوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ، لو كان همه بها هم دفع لم يكن لقوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ معنى، لكنه يشبه أن يكون هم بها، أي: هم بقتلها، فإذا كان هم بقتلها فرأى برهان ربه فتركها لما لا يحل قتلها.
والثالث: كان يهم بها لولا أن رأى برهان ربه على الشرط؛ كان يهم بها لولا ما رأى من برهان ربه، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ ﴾ لولا ما كان من تثبيتنا إياك، وكذلك يخرج قول إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ ﴾ ، أي: لو كان هو الذي ينطق لفعل هو.
ثم اختلف في قوله: ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: رأى يعقوب عاضّاً على شفتيه.
وقال بعضهم: مثل له يعقوب وصور له، فرآه عاضّاً على أصبعه.
وقال بعضهم: رأى برهان ربه.
[و] قال بعضهم: رأى آية من كتاب الله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً...
﴾ الآية [الإسراء: 32].
هذا كله لا يدري.
وأصل البرهان: الحجة؛ أي: لولا ما رأى من حجة الله، وإلا كان يهمّ بها، ولكن لا ندري ما تلك الحجّة، والله أعلم بذلك.
والبرهان: هو الحجة والآية؛ لولا أن رأى حجة ربه، وبرهان ربه وآياته، أو الرسالة، ويشبه الحجّة أي: النبوة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ ﴾ .
قال بعضهم: استبقا الباب: استبقت هي لتغلق الأبواب، واستبق هو ليخرج ويفر.
لكن قوله: لتغلق الباب، لا يحتمل؛ لأن الأبواب كانت مغلقة بقوله: ﴿ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ ﴾ ، ولكن استبقت هي لتحبسه وتمنعه، واستبق هو ليخرج ويهرب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ .
لما جرته لتحبسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ .
أي: وجدا سيدها؛ هذا يدل أن قوله: ﴿ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ لم يرد به العزيز الذي اشتراه، ولكن العزيز الذي خلقه؛ لأنه قال: ﴿ سَيِّدَهَا ﴾ ، ولم يقل: سيدهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
هذا يدل أن الإرادة تكون مع الفعل؛ لأنها كانت لا تعلم إرادة ضميره، فإذا أخبرت عما عرفت من الميل وإظهار الفعل، وكذلك قول إخوة يوسف: ﴿ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا ﴾ ، وكانوا هم لا يعرفون ما في ضميره من الحبّ سوى ما ظهر لهم منه من الميل إليه وإبداء الشفقة له، فهذا يدل على ما ذكرنا من كون الإرادة مع الفعل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .
أي: دعتني، والمراودة قد ذكرنا أنها هي الدعوة؛ كقوله: ﴿ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ أي: سندعوه منه ونطلبه.
فإن قيل: كيف هتك سترها بقوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ ؟
قيل: ليس فيه هتك الستر عليها؛ بل فيه نفي العيب والطعن عن نفسه، فالواجب على المرء أن ينفي العيب وما يشينه عن نفسه على ما فعل يوسف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ﴾ من كذا فهو كذا، وإن كان كذا فهو كذا من كذا.
قال بعض أهل التأويل: ذلك الشاهد هو ابن عم لها رجل حليم يقال كذا.
وقال بعضهم: شق القميص من دبر هو الشاهد، وأمثاله؛ لكن هذا لا يعلم من كان ذلك الشاهد.
وقيل: صبي في المهد.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ ﴾ .
هذا لأن القميص إذا كان قد من قبل فهو إنما ينقد من دفعها إياه عن نفسها، وإذا كان القميص مقدوداً من دبر فهو إنما ينقد من جرها إياه إلى نفسها، لا من دفعها إياه عن نفسها؛ هذا هو الظاهر في العرف؛ لذلك قال الشاهد: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ﴾ كذا ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ...
﴾ الآية؛ استدل على أنه إنما تمزق من جرها إياه لا من دفعها عن نفسها، ففيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد؛ لأن القميص في الغالب لا يتمزق من دبر إلا عن جر من وراء، ولا من قبل إلا عن دفع من قدام، لذلك دل على ما ذكرنا، والله أعلم.
وإن كان يجوز أن يكون في الحقيقة على غير ذلك، لكن نظر إلى الغالب.
وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ ﴾ ، أي: شقت ومزقت، ومقدود: أي: مشقوق، من دبر: أي: من خلف، ومن قبل: أي: من قدام، وهو مأخوذ من القبل، من قبل المرأة.
وقوله: ﴿ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ ولم يقل: سيدهما؛ فهذا يدل على ما ذكرناه.
﴿ لَدَى ٱلْبَابِ ﴾ .
أي: عند الباب، وهو ظاهر؛ أي: وجدا سيدها عند الباب.
وفي قوله: ﴿ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ فهو كذا ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ فهو من كذا - دلائل يستدل بها لمسائل لأصحابنا؛ من ذلك قولهم في حانوت فيه لؤلؤ وإهاب تنازع فيه دباغ ولؤلئي، فإنه يقضي باليد لكل واحد منهما في ذلك للؤلئي باللؤلؤ وللدباغ بالإهاب باليد؛ يستدل بغالب الأمر وظاهر اليد؛ على ما قضى عليها بالمراودة بتمزق القميص من دبر، وأمثال هذا مسائل يكثر عددها يقضى [فيها] بالدلالة الغالبة، وإن كان يجوز في الحقيقة على خلاف الظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ .
يشبه أن يكون كيدها أنها لما راودته عن نفسه وأمنته على إظهار ذلك وإفشائه عليه، فأفشت عليه ذلك؛ حيث أبي إجابتها، فقالت: ﴿ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا ﴾ ذلك القول منها من كيدهن، وأصل الكيد والمكر هو الأخذ على الأمن، والله أعلم.
وفي الآية دلائل لقول أصحابنا في المتاع يختلف فيه الزوجان: فإن كان من متاع الرجال فهو في يد الرجل، وإن كان من متاع النساء فهو في يد المرأة في قول أبي يوسف ومحمد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ ، أي: عن قوله: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ﴾ .
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ : عن جميع ما كان بينهما؛ أي: استر عليها، ولا تهتك عليها سترها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ .
قال ليوسف ذلك القائل: ﴿ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ﴾ ، وقال للمرأة: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ ﴾ ، لما ظهر عنده أنها هي التي راودته ودعته إلى نفسها.
ثم اختلف في قائل هذا القول؛ قال بعضهم: هو زوجها؛ قال ليوسف: أعرض عن هذا، ولا تهتك عليها سترها، لكنهم قالوا: إنه كان قليل الغيرة.
وقال بعضهم: ذلك القائل هو رجل آخر هو ابن عم لها؛ وهذا أشبه.
وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ .
قال بعضهم: قال هذا لها؛ لأنهم وإن كانوا يعبدون الأصنام فإنما يعبدونها ليقربوهم إلى الله زلفى؛ حيث قال لها: واستغفري لذنبك.
وقال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ﴾ أي: إلى زوجك حيث خنتيه، فإن كان التأويل هذا فذلك يدل أن القائل لذلك رجل آخر، لا زوجها.
فإن كان التأويل هو الأوّل فإنه يحتمل كليهما أنهما كان، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقال ليوسف: يا يوسف، اضرِبْ عن هذا الأمر صفحًا، ولا تذكره لأحد، واطلبي أنت المغفرة لإثمك، إنك كنت من الآثمين بسبب مراودة يوسف عن نفسه.
<div class="verse-tafsir" id="91.XR8BD"