الآية ٣٢ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٣٢ من سورة يوسف

قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًۭا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق بأن يحب لجماله وكماله .

( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) أي : فامتنع .

قال بعضهم : لما رأين جماله الظاهر ، أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن ، وهي العفة مع هذا الجمال ، ثم قالت تتوعد ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن , فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه، وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وعُزوب الفهم وَلَهًا، ألِهتُنّ حتى قطعتن أيديكن، (21) هو الذي لمتنني في حبي إياه، وشغف فؤادي به، فقلتنّ: قد شغف امرأة العزيز فتاها حُبًّا، إنا لنراها في ضلال مبين!

ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه , وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حق (22) فقالت: (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) ، مما راودته عليه من ذلك (23) كما: - 19243 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي , قالت: (فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) : ، تقول: بعد ما حلّ السراويل استعصى , لا أدري ما بَدَا له.

19244 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (فاستعصم) ، أي: فاستعصى.

19245 - حدثني علي بن داود , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله: (فاستعصم) ، يقول: فامتنع.

* * * وقوله: (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونَن من الصاغرين) ، تقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه ، ( ليسجنن )، تقول: ليحبسن (24) ، وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن , ولأهينَنَّه (25) * * * والوقف على قوله: " ليسجنن " ، بالنون، لأنها مشددة , كما قيل: لَيُبَطِّئَنَّ ، [سورة النساء: 72] * * * وأما قوله: ( وليكونَن ) فإن الوقف عليه بالألف، لأنها النون الخفيفة , وهي شبيهةُ نون الإعراب في الأسماء في قول القائل: " رأيت رجلا عندك " , فإذا وقف على " الرجل " قيل: " رأيتُ رجلا " , فصارت النون ألفًا.

فكذلك ذلك في: " وليكونًا " , ومثله قوله: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ ، [سورة العلق: 15، 16] الوقف عليه بالألف لما ذكرت ; ومنه قول الأعشي: وَصَـلِّ عَـلَى حَينِ العَشَيَّاتِ والضُّحَى وَلا تَعْبُــدِ الشَّـيْطَانَ وَاللـهَ فَـاعْبُدَا (26) وإنما هو: " فاعبدن " , ولكن إذا وقف عليه كان الوقف بالألف.

* * * ---------------------- الهوامش: (21) في المطبوعة :" وغروب الفهم ولها إليه حتى قطعتن .." ، وأثبت الصواب من المخطوطة .

و" عزوب الفهم" ، ذهابه .

يقال :" عزب عنه حلمه يعزب عزوبًا" ، ذهب .

وقوله :" ألهتن" من" أله يأله ألهًا" ، إذا تحير ، وأصله" وله ، يوله ، ولهًا" ، بمعنى واحد ، وإنما قلبت الواو همزة .

(22) انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص : 62 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(23) انظر تفسير" العصمة" فيما سلف 15 : 331 ، تعليق 2 : ، ولمراجع هناك .

(24) انظر تفسير" السجن" فما سلف ص : 52 ." (25) انظر تفسير" الصغار" فيما سلف 14 : 200 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(26) ديوانه : 103 ، وغيره كثير ، قاله عند إقباله على الإسلام ، ثم مات ميتة جاهلية والخبر مشهور ، ورواية ديوانه : وَذَا النُّصُــبَ المَنْصُـوبَ لا تَنْسُـكَنَّهُ وَلا تَعْبُــدِ الأَوْثَــانَ وَاللـهَ فَـاعْبُدَا وَصَـلِّ عَـلَى حِينِ العَشِيَّاتِ والضُّحَى وَلا تَحْــمَدِ الشَّـيْطَانَ وَاللـهَ فـاحْمَدا وهي أجود الروايتين .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالت فذلكن الذي لمتنني فيه لما رأت افتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها : " لمتنني فيه " أي بحبه ، و ذلك بمعنى " هذا " وهو اختيار الطبري .

وقيل : الهاء للحب ، و ذلك على بابه ، والمعنى : ذلكن الحب الذي لمتنني فيه ، أي حب هذا هو ذلك الحب .

واللوم الوصف بالقبيح .ثم أقرت وقالت : ولقد راودته عن نفسه فاستعصم أي امتنع .

وسميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية .

وقيل : استعصم أي استعصى ، والمعنى واحد .ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن عاودته المراودة بمحضر منهن ، [ ص: 161 ] وهتكت جلباب الحياء ، ووعدت بالسجن إن لم يفعل ، وإنما فعلت هذا حين لم تخش لوما ولا مقالا خلاف أول أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها .وليكونا من الصاغرين أي الأذلاء .

وخط المصحف " وليكونا " بالألف وتقرأ بنون مخففة للتأكيد ; ونون التأكيد تثقل وتخفف والوقف على قوله : ليسجنن بالنون لأنها مثقلة ، وعلى ليكونا بالألف لأنها مخففة ، وهي تشبه نون الإعراب في قولك : رأيت رجلا وزيدا وعمرا ، ومثله قوله : لنسفعا بالناصية ونحوها الوقف عليها بالألف ، كقول الأعشى :ولا تعبد الشيطان والله فاعبداأي أراد فاعبدا ، فلما وقف عليه كان الوقف بالألف .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما تقرر عندهن جمال يوسف الظاهر، وأعجبهن غاية، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز، شيء كثير - أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة فقالت معلنة لذلك ومبينة لحبه الشديد غير مبالية، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة: { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } أي: امتنع وهي مقيمة على مراودته، لم تزدها مرور الأوقات إلا قلقا ومحبة وشوقا لوصاله وتوقا.ولهذا قالت له بحضرتهن: { وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ } لتلجئه بهذا الوعيد إلى حصول مقصودها منه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالت ) يعني : راعيل ( فذلكن الذي لمتنني فيه ) أي : في حبه ، ثم صرحت بما فعلت ، فقالت : ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) أي : فامتنع ، وإنما صرحت به لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهن وقد أصابهن ما أصابها من رؤيته ، فقلن له : أطع مولاتك .

فقالت راعيل : ( ولئن لم يفعل ما آمره ) ولئن لم يطاوعني فيما دعوته إليه ( ليسجنن ) أي : ليعاقبن بالحبس ( وليكونن من الصاغرين ) من الأذلاء .

ونون التوكيد تثقل وتخفف ، والوقف على قوله : ( ليسجنن ) بالنون لأنها مشددة ، وعلى قوله ( " وليكونا " ) بالألف لأنها مخففة ، وهي شبيهة بنون الإعراب في الأسماء ، كقوله : رأيت رجلا ، وإذا وقفت قلت : رأيت رجلا بالألف ، ومثله : ( لنسفعا بالناصية ناصية ) ( العلق - 15 ، 16 ) .

فاختار يوسف عليه السلام السجن على المعصية حين توعدته المرأة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالت» امرأة العزيز لما رأت ما حل بهن «فذلكن» فهذا هو «الذي لمتنني فيه» في حبه بيان لعذرها «ولقد راودته عن نفسه فاستعصم» امتنع «ولإن لم يفعل ما آمره» به «ليسجنن وليكونا من الصاغرين» الذليلين فقلن له أطع مولاتك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطَّعن أيديهن: فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه ما أصابكن هو الفتى الذي لُمتُنَّني في الافتتان به، ولقد طلبته وحاولت إغراءه؛ ليستجيب لي فامتنع وأبى، ولئن لم يفعل ما آمره به مستقبلا لَيعاقَبَنَّ بدخول السجن، ولَيكونن من الأذلاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا شعرت امرأة العزيز بانتصارها على بنات جنسها ، الائى عذلنها فى حبها ليوسف ، فقالت لهن على سبيل التفاخر والتشفى ، وبدون استحياء أو تلميح : ( قَالَتْ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) .والفاء هنا فصيحة ، والخطاب للنسوة اللائى قطعن أيديهن دهشا من جمال يوسف ، والإِشارة إليه - عليه السلام - .أى : قالت لهن على سبيل التشفى والتباهى والاعتذار عما صدر منها معه : إن كان الأمر كما قلتن ، فذلك هو الملك الكريم الذى لمتننى فى حبى له ، وقلتن ما قلتن فى شأنى لافتتانى به ، فالآن بعد رؤيتكن له ، وتقطيع أيديكن ذهولا لطلعته ، قد علمتن أنى معذورة فيما حدث منى معه .

.ثم جاهرت أمامهن بأنها أغرته بمواقعتها فلم يستجيب فقالت :( وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم .

.

) أى : والله لقد حاولت معه بشتى المغريات أن يطوع نفسه ، فأبى وامتنع امتناع بليغا ، وتحفظ تحفظا شديدا .والتعبير بقوله " فاستعصم " للمبالغة فى عصمته لنفسه من الزلل ، فالسين والتاء للمبالغة ، وهو من العصمة بمعنى المنع .

يقال : عصمه الطعام أى : منعه من الجوع ، وعصم القربة أى : شدها بالعصام ليمنع نزول الماء منها .وفى الآية - كما يقول الآلوسى - دليل على أنه - عليه السلام - لم يصدر منه ما سوَّد به القصَّاص وجوه الطروس - أى الأوراق .ثم قالت أمامهن بعد ذلك فى تبجح واستهتار وتهديد : ( وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين )أى : والله لقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولله لئن لم يفعل ما آمر به ، - وأنا سيدته الآمرة الناهية لا غيرى - ليسجنن عقوبة له ، وليكونا من الصاغرين ، أى : من الأذلاء المهانين المقهورين ، من الصغار .يقال : صغر فلان - كفرح - يصغر صغارا ، إذا ذل وهان .قالوا : وأكدت السجن بالنون الثقيلة وبالقسم لتحققه فى نظرها ، وأكدت الصغار بالنون الخفيفة لأنه غير متحقق فيه ، ولأنه من توابع السجن ولوازمه .وفى هذا التهديد ما فيه من الدلالة على ثقتها من سلطانها على زوجها ، وأنه لا يستطيع أن يعصى لها أمرا ، مع أنه عزيز مصر .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن النسوة لما قلن في امرأة العزيز قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلال مبين، عظم ذلك عليها فجمعتهن ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ فعند ذلك ذكرت أنهن باللوم أحق لأنهن بنظرة واحدة لحقهن أعظم مما نالها مع أنه طال مكثه عندها.

فإن قيل: فلم قالت: ﴿ فذلكن ﴾ مع أن يوسف عليه السلام كان حاضراً؟

والجواب عنه من وجوه: الأول: قال ابن الأنباري: أشارت بصيغة ذلكن إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس.

والثاني: وهو الذي ذكره صاحب الكشاف وهو أحسن ما قيل: إن النسوة كن يقلن إنها عشقت عبدها الكنعاني، فلما رأينه ووقعن في تلك الدهشة قالت: هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني فيه يعني: أنكن لم تتصورنه حق تصوره ولو حصلت في خيالكن صورته لتركتن هذه الملامة.

واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة في شدة محبتها له كشفت عن حقيقة الحال فقالت: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم ﴾ .

واعلم أن هذا تصريح بأنه عليه السلام كان بريئاً عن تلك التهمة، وعن السدي أنه قال: ﴿ فاستعصم ﴾ بعد حل السراويل وما الذي يحمله على إلحاق هذه الزيادة الفاسدة الباطلة بنص الكتاب.

ثم قال: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن الصاغرين ﴾ والمراد أن يوسف عليه السلام إن لم يوافقها على مرادها يوقع في السجن وفي الصغار، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس عظيم الخطر مثل يوسف عليه السلام، وقوله: ﴿ وَلَيَكُونًا ﴾ كان حمزة والكسائي يقفان على ﴿ وَلَيَكُونًا ﴾ بالألف، وكذلك قوله: ﴿ لَنَسْفَعاً  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ ﴾ وقال جماعة من النساء وكنّ خمساً: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب.

والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللمة، ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث.

وفيه لغتان: كسر النون وضمها ﴿ فِى المدينة ﴾ في مصر ﴿ امرأت العزيز ﴾ يردن قطفير، والعزيز: الملك بلسان العرب ﴿ فتاها ﴾ غلامها.

يقال: فتاي وفتاتي، أي غلامي وجاريتي ﴿ شَغَفَهَا ﴾ خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب، وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب.

قال النابغة: وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ وَالِج ** مَكَانَ الشِّغَافِ تَبْتَغِيهِ الأَصَابِعُ وقرئ: ﴿ شعفها ﴾ بالعين، من شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال: كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَّجُلُ الطّالي و ﴿ حَبّاً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ في خطأ وبُعدٍ عن طريق الصواب ﴿ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ باغتيابهنّ وسوء قالتهن، وقولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها، وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحالِ غيبة، كما يخفي الماكر مكره.

وقيل: كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها ﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾ دعتهنّ.

قيل: دعت أربعين امرأة منهنّ الخمس المذكورات ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ ما يتكئن عليه من نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ: أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ، فتضع الخناجر في أيديهنّ ليقطعن أيديهنّ، فتبكتهنّ بالحجة، ولتهول يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهنّ الخناجر، وتوهمه أنهنّ يثبن عليه.

وقيل: متكأ: مجلس طعام لأنهم كانوا يتكؤن للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك «نهى أن يأكل الرجل متكئاً» وأتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن.

وقيل: ﴿ مُتَّكَئاً ﴾ طعاماً، من قولك اتكأنا عند فلان: طعمنا، على سبيل الكناية؛ لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها.

قال جميل: فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنَا ** وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قُلَلِهْ وعن مجاهد ﴿ مُتَّكَئاً ﴾ طعاماً يحزّ حزّا، كأن المعنى يعتمد بالسكين؛ لأنّ القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين.

وقرئ: ﴿ متكا ﴾ بغير همز.

وعن الحسن: ﴿ متكاء ﴾ بالمدّ، كأنه مفتعال، وذلك لإشباع فتحة الكاف، كقوله (بمُنْتزاحِ) بمعنى بمنتزح.

ونحوه (يَنْبَاعُ) بمعنى ينبع.

وقرئ: ﴿ متكأ ﴾ وهو الأترج، وأنشد: فَأَهْدَتْ مَتْكَةً لِبَنِي أبِيهَا ** تَخُبُّ بِهَا العَثْمَثَةُ الْوِقَاحُ وكانت أهدت أترجة على ناقة، وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في سننه أنها شقت بنصفين، وحملا كالعدلين على جمل.

وقيل: الزماورد وعن وهب: أترجا وموزاً وبطيخاً.

وقيل: أعتدت لهنَّ ما يقطع، من متك الشيء بمعنى بتكه إذا قطعه.

وقرأ الأعرج: ﴿ مُتَّكَئاَ ﴾ مفعلاً، من تكئ يتكأ، إذا اتكأ ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق.

قيل: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء، فقلت لجبريل: من هذا؟

فقال يوسف، فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر» .

وقيل: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى نور الشمس من الماء عليها.

وقيل: ما كان أحد يستطيع وصف يوسف.

وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه.

وقيل: ورث الجمال من جدّته سارة.

وقيل: أكبرن بمعنى حضن، والهاء للسكت، يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته: دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله: خَفِ اللَّهَ وَاسْتُرْ ذَا الْجَمَالَ بِبُرْقَع ** فَإنْ لُحْتَ حَاضَتْ في الْخُدُورِ الْعَوَاتِقُ ﴿ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها ﴿ حاشا ﴾ كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء.

تقول: أساء القوم حاشا زيد.

قال: حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إنَّ بِه ** ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ وهي حرف من حروف الجر، فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى ﴿ حاشا الله ﴾ براءة الله وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعود، على إضافة حاشا إلى الله إضافة البراءة.

ومن قرأ: حاشا لله، فنحو قولك: سقيا لك؛ كأنه قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه.

والدليل على تنزيل ﴿ حاشا ﴾ منزلة المصدر: قراءة أبي السمال: ﴿ حاشا لله ﴾ بالتنوين.

وقراءة أبي عمرو ﴿ حَاشَ للَّهِ ﴾ بحذف الألف الآخرة.

وقراءة الأعمش ﴿ حشا لله ﴾ بحذف الألف الأولى.

وقرئ: ﴿ حاش لله ﴾ بسكون الشين، على أن الفتحة تبعت الألف في الإسقاط، وهي ضعيفة لما فيها من التقاء الساكنين على غير حدّه.

وقرئ: ﴿ حاشا الإله ﴾ .

فإن قلت: فلم جاز في حاشا لله أن لا ينوّن بعد إجرائه مجرى: براءة لله؟

قلت: مراعاة لأصله الذي هو الحرفية.

ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا (عن) غير معرب على أصله؟

وعلى قوله (غدت من عليه) منقلب الألف إلى الياء مع الضمير؟

والمعنى: تنزيه الله تعالى من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله.

وأما قوله: ﴿ حَاشا للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ [يوسف: 51] فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأن الحقيقة كذلك، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من الملائكة، إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك، وما هو إلا من تعكيسهم للحقائق، وجحودهم للعلوم الضرورية، ومكابرتهم في كل باب، وإعمال (ما) عمل (ليس) هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن.

ومنها قوله تعالى: ﴿ مَّا هُنَّ أمهاتهم ﴾ [المجادلة: 2] ومن قرأ على سليقته من بني تميم، قرأ: ﴿ بشر ﴾ بالرفع.

وهي في قراءة ابن مسعود.

وقرئ: ﴿ ما هذا بشرى ﴾ أي ما هو بعبد مملوك لئيم ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ تقول هذا بشرى، أي حاصل بشرى، بمعنى: هذا بشرى.

وتقول: هذا لك بشري أم بكري؟

والقراءة هي الأولى، لموافقتها المصحف؛ ومطابقة بشر لملك ﴿ قَالَتْ فذلكن ﴾ ولم يقل فهذا وهو حاضر، رفعاً لمنزلته في الحسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، وربئاً بحاله واستبعاداً لمحله، ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهنّ: عشقت عبدها الكنعاني.

تقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكنّ، ثم لمتننى فيه.

تعني: أنكن لم تصوّرنه بحق صورته، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتني في الافتنان به.

الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها.

ونحوه استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي واستفحل الخطب.

وهذا بيان لما كان من يوسف عليه السلام لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان.

فإن قلت: الضمير في ﴿ ءَامُرُهُ ﴾ راجع إلى الموصول، أم إلى يوسف؟

قلت: بل إلى الموصول.

والمعنى: ما آمر به، فحذف الجار كما في قولك: أمرتك الخير، ويجوز أن تجعل (ما) مصدرية، فيرجع إلى يوسف ومعناه: ولئن لم يفعل أمري إياه، أي موجب أمري ومقتضاه.

قرئ: ﴿ وليكونا ﴾ بالتشديد والتخفيف.

والتخفيف أولى، لأنّ النون كتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أيْ فَهو ذَلِكَ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي في الِافْتِنانِ بِهِ قَبْلَ أنْ تَتَصَوَّرْنَهُ حَقَّ تَصَوُّرِهِ، ولَوْ تَصَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي أوْ فَهَذا هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ هَذا رَفْعًا لِمَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ.

﴿ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ﴾ فامْتَنَعَ طَلَبًا لِلْعِصْمَةِ، أقَرَّتْ لَهُنَّ حِينَ عَرَفَتْ أنَّهُنَّ يَعْذُرْنَها كَيْ يُعاوِنَّها عَلى إلانَةِ عَرِيكَتِهِ.

﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ﴾ أيْ ما آمُرُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوْ أمْرِي إيّاهُ بِمَعْنى مُوجِبِ أمْرِي فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ.

﴿ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ مِنَ الأذِلّاءِ وهو مِن صَغِرَ بِالكَسْرِ يَصْغُرُ صِغَرًا وصَغارًا والصَّغِيرُ مِن صَغُرَ بِالضَّمِّ صُغْرًا.

وقُرِئَ « لَيَكُونَنَّ» وهو يُخالِفُ خَطَّ المُصْحَفِ لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ فِيهِ بِالألِفِ « كَنَسْفَعًا» عَلى حُكْمِ الوَقْفِ وذَلِكَ في الخَفِيفَةِ لِشَبَهِها بِالتَّنْوِينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَتْ فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ} تقول هو ذلك العبد الكنعانى الذى صورتن فى أنفسكهن ثم لمتنني فيه تعني إنكن لم تصوّرنه حق صورته والا لعذرتنى فى الافتنان به {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم} والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها وهذا بيان جلي على أن يوسف عليه السلام بريء مما فسر به أولئك الفريق الهم والبرهان ثم قلن له أطع مولاتك فقالت راعيل {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ ما آمره} الضمير راجع إلى ما وهي موصولة والمعنى ما آمر به فحذف االجار كما في قوله أمرتك الخير أو ما مصدرية والضمير يرجع إلى يوسف أي ولئن لم يفعل أمرى إياه أى موجب احري ومقتضاه {ليسجنن} ليحبسن والألف فى {وليكون} بدل من نون التأكيد الخفيفة {مِنَ الصاغرين} مع السراق والسفاك والأباق كما سرق قلبي وأبق مني وسفك دمي بالفراق فلا يهنأ ليوسف الطعام والشراب والنوم هنالك كما منعني هنا كل ذلك ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير امير احصل في الحصير على الحصير حسيراً فلما سمع يوسف تهديدها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَتْ فَذَلِكُنَّ ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ والإشارَةُ -حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ- إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفَتْهُ بِهِ الآنَ مِنَ الخُرُوجِ في الحُسْنِ والكَمالِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، والِاقْتِصارِ عَلى المَلَكِيَّةِ، أوْ بِعُنْوانِ ما ذَكَرَ مَعَ الأخْبارِ وتَقْطِيعِ الأيْدِي بِسَبَبِهِ أيْضًا، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُنَّ فَذَلِكُنَّ المَلَكُ الكَرِيمُ الخارِجُ في الحُسْنِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، أوِ الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ وأكْبَرْتُنَّهُ ووَصَفْتُنَّهُ بِما وصَفْتُنَّهُ هو ﴿ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أيْ عَيَّرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ فِيهِ أوْ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفْنَهُ بِهِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِنَّ: امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ، فاسْمُ الإشارَةِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَخَلَتِ الفاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ حَذْفِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةُ اسْمِ الإشارَةِ أيْ فَهو ذَلِكُنَّ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ وقُلْتُنَّ فِيهِ وفِيَّ ما قُلْتُنَّ، فالآنَ قَدْ عَلِمْتُنَّ مَن هو وما قَوْلُكُنَّ فِينا، وقِيلَ: أرادَتْ هَذا ذَلِكَ العَبْدَ الكَنْعانِيَّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ عَلى مَعْنى أنَّكُنَّ لَمْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقِّ صُورَتِهِ ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، والإشارَةُ بِما يُشارُ بِهِ إلى البَعِيدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ وحُضُورِهِ قِيلَ: رَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ في الحُسْنِ واسْتِبْعادًا لِمَحَلِّهِ فِيهِ، وإشارَةً إلى أنَّهُ لِغَرابَتِهِ بَعِيدٌ أنْ يُوجَدَ مِثْلُهُ.

وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في وقْتِ اللَّوْمِ غَيْرَ حاضِرٍ وهو عِنْدَ هَذا الكَلامِ كانَ حاضِرًا فَإنْ جُعِلَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ الأوَّلِ كانَتْ عَلى أصْلِها، وإنْ لُوحِظَ الثّانِي كانَ قَرِيبًا، وكانَتِ الإشارَةُ بِما ذُكِرَ لِتَنْزِيلِهِ لِعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، واحْتِمالُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْعَدُ عَنْهُنَّ وقْتَ هَذا الكَلامِ لِئَلّا يَزْدَدْنَ دَهْشَةً وفِتْنَةً ولِذا أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ بِعِيدٌ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ الإشارَةِ إلى حُبِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلَيْهِ، وجَعَلَ الإشارَةَ عَلى هَذا إلى غائِبٍ عَلى بابِها ويُبْعِدُهُ عَلى ما فِيهِ ﴿ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ وهو إباحَةٌ مِنها بِبَقِيَّةِ سِرِّها بَعْدَ أنْ أقامَتْ عَلَيْهِنَّ الحُجَّةَ وأوْضَحَتْ لَدَيْهُنَّ عُذْرَها وقَدْ أصابَهُنَّ مِن قِبَلِهِ ما أصابَها أيْ واللَّهِ لَقَدْ راوَدْتُهُ حَسْبَما قُلْتُنَّ وسَمِعْتُنَّ ﴿ فاسْتَعْصَمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ طَلَبَ العِصْمَةَ وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي.

وفِي الكَشّافِ أنَّ الِاسْتِعْصامَ بِناءً مُبالَغَةٌ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو مُجْتَهِدٌ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، ونَحْوُهُ اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ الفَتْقُ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيُ واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ اهـ.

وفِي البَحْرِ والَّذِي ذَكَرَهُ الصَّرْفِيُّونَ في (اسْتَعْصَمَ) أنَّهُ مُوافِقٌ لِاعْتَصَمَ، وأمّا اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ واسْتَجْمَعَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ أيْضًا مُوافِقَةٌ لِافْتَعَلَ، والمَعْنى امْتَسَكَ واتَّسَعَ واجْتَمَعَ، وأمّا اسْتَفْحَلَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقَةٌ لِتَفَعَّلَ أيْ تَفَحَّلَ نَحْوَ اسْتَكْبَرَ وتَكَبَّرَ، فالمَعْنى فامْتَنَعَ عَمّا أرادَتْ مِنهُ، وبِالِامْتِناعِ فُسِّرَتِ العِصْمَةُ عَلى إرادَةِ الطَّلَبِ لِأنَّهُ هو مَعْناها لُغَةً، قِيلَ: وعَنَثَ بِذَلِكَ فِرارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها فَإنَّهُ امْتَنَعَ مِنها أوَّلًا بِالمَقالِ ثُمَّ لَمّا لَمْ يُفِدْهُ طَلَبَ ما يَمْنَعُهُ مِنها بِالفِرارِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالعِصْمَةِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا يَمْنَعُ عَنِ المَيْلِ لِلْمَعاصِي، فَإنَّهُ مَعْنًى عُرْفِيٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ بَلْ لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ مُرادًا كَما لا يَخْفى، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ مَعَ أنَّ مَضْمُونَها مِن مُراوَدَتِها لَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِمّا تَحَدَّثَ بِهِ النِّسْوَةُ لِإظْهارِ ابْتِهاجِها بِذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو الِاسْتِعْصامُ كَأنَّها نَظَّمَتْهُ لِقُوَّةِ الدّاعِي إلى خِلافِهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عُنْفُوانِ الشَّبابِ ومَزِيدِ اخْتِلاطِهِ مَعَها ومُراوَدَتِها إيّاهُ مَعَ ارْتِفاعِ المَوانِعِ فِيما تَظُنُّ في سَلْكِ ما يُنْكِرُ ويُكَذِّبُ المُخْبَرُ بِهِ فَأكَّدَتْهُ لِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما سَوَّدَ بِهِ القَصّاصُ وُجُوهَ الطُّرُوسِ، ولَيْتَ السُّدِّيَّ لَوْ كانَ قَدْ سَدَّ فاهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَعْصَمَ ﴾ بَعْدَ حَلِّ سَراوِيلِهِ، ثُمَّ إنَّها بَعْدَ أنِ اعْتَرَفَتْ لَهُنَّ بِما سَمِعْنَهُ وتُحَدِّثُهُنَّ بِهِ وأظْهَرَتْ مِن إعْراضِهِ عَنْها واسْتِعْصامِهِ ما أظْهَرَتْ ذَكَرَتْ أنَّها مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ لا يَلْوِيها عَنْها لَوْمٌ ولا إعْراضٌ فَقالَتْ: ﴿ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ﴾ أيِ الَّذِي آمُرُ بِهِ فِيما سَيَأْتِي كَما لَمْ يَفْعَلْ فِيما مَضى -فَما- مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ الهاءُ، وقَدْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنهُ فاتَّصَلَ بِالفِعْلِ وهَذا أمْرٌ شائِعٌ مَعَ -أمَرَ- كَقَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ.

ومَفْعُولُ -أمَرَ- الأوَّلِ إمّا مَتْرُوكٌ لِأنَّ مَقْصُودَها لُزُومُ امْتِثالِ ما أمَرَتْ بِهِ مُطْلَقًا كَما قِيلَ، وإمّا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (يَفْعَلُ) عَلَيْهِ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى يُوسُفَ أيْ ما آمُرُهُ بِهِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَوْجُودُ هو العائِدَ عَلى يُوسُفَ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ بِهِ، ويُعْتَبَرُ الحَذْفُ تَدْرِيجًا لِاشْتِراطِهِمْ في حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ كَوْنَهُ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلِّقًا، وإذا اعْتُبِرَ التَّدْرِيجُ في الحَذْفِ يَكُونُ المَحْذُوفُ مَنصُوبًا، وكَذا يُقالُ في أمْثالِ ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ هَذا الجارَّ مِمّا أنِسَ حَذْفُهُ فَلا يُقَدَّرُ العائِدُ إلّا مَنصُوبًا مَفْصُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرَ يُوسُفُ إيّاهُ لِتَعَذُّرِ اتِّصالِ ضَمِيرَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ لِيُوسُفَ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أمْرِي إيّاهُ، ومَعْنى فِعْلِ الأمْرِ فِعْلُ مُوجِبِهِ ومُقْتَضاهُ فَهو إمّا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ تَقْدِيرِ المُضافِ، وعَبَّرَتْ عَنْ مُراوَدَتِها بِالأمْرِ إظْهارًا لِجَرَيانِ حُكُومَتِها عَلَيْهِ واقْتِضاءً لِلِامْتِثالِ لِأمْرِها ﴿ لَيُسْجَنَنَّ ﴾ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ آثَرَتْ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى رَسْمِ المُلُوكِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إيهامًا لِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِ لِأمْرِها كَأنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْنَهُما فِعْلُ فاعِلٍ.

﴿ ولَيَكُونًا ﴾ بِالمُخَفَّفَةِ ﴿ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ أيِ الأذِلّاءِ المُهانِينَ، وهو مِن صَغِرَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُ صَغَرَ بِفَتْحَتَيْنِ، وصُغْرًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وصَغارٌ بِالفَتْحِ، وهَذا في القَدْرِ، وأمّا في الجُثَّةِ والجُرْمِ فالفِعْلُ صَغُرَ كَكَرُمَ، ومَصْدَرُهُ صِغَرٌ كَعِنَبٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الصَّغارَ مَصْدَرًا لِهَذا أيْضًا، وكَذا الصَّغَرُ بِالتَّحْرِيكِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وأكَّدَتِ السَّجْنَ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ قِيلَ: لِتَحَقُّقِهِ، وما بَعْدَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ.

وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ الكَوْنَ مِن تَوابِعِ السَّجْنِ ولَوازِمِهِ، فاكْتَفَتْ في تَأْكِيدِهِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ بَعْدَ أنْ أكَّدَتِ الأوَّلَ بِالثَّقِيلَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَّثْقِيلِ فِيهِما، وهو مُخالِفٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ لِأنَّ النُّونَ رُسِمَتْ فِيهِ بِالألِفِ -كَنَسْفَعًا- عَلى حُكْمِ الوَقْفِ وهي يُوقَفُ عَلَيْها بِالألْفِ كَما في قَوْلِ الأعْشى.

ولا تَعْبُدُ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا.

وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لِشَبَهِها بِالتَّنْوِينِ لَفْظًا لِكَوْنِها نُونًا ساكِنَةً مُفْرَدَةً تَلْحَقُ الآخِرَ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولا يَخْفى شِدَّةُ ما تَوَعَّدْتَ بِهِ كَيْفَ وأنَّ لِلذُّلِّ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في نُفُوسِ الأحْرارِ وقَدْ يُقَدِّمُونَ المَوْتَ عَلَيْهِ وعَلى ما يَجُرُّ إلَيْهِ: قِيلَ: ولَمْ تَذْكُرِ العَذابَ الألِيمَ الَّذِي ذَكَرَتْهُ في ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ إلَخْ لِأنَّها إذْ ذاكَ كانَتْ في طَراوَةِ غَيْظِها ومُتَنَصِّلَةً مِن أنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ فَناسَبَ هُناكَ التَّغْلِيظُ بِالعُقُوبَةِ، وأمّا هُنا فَإنَّها في طَماعِيَةٍ ورَجاءٍ، وإقامَةُ عُذْرِها عِنْدَ النِّسْوَةِ فَرَقَّتْ عَلَيْهِ فَتَوَعَّدَتْهُ بِالسَّجْنِ وما هو مِن فُرُوعِهِ ومُسْتَتْبَعاتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَها: ﴿ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ إنَّما أتَتْ بِهِ بَدَلَ قَوْلِها هُناكَ: ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ذُلُّهُ بِالقَيْدِ أوْ بِالضَرْبِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أنَّها أرادَتْ بِالذُّلِّ والعَذابِ الألِيمِ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ بِالسِّياطِ فَقَطْ، أوْ ما يَكُونُ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ أرادَتْ بِالذُّلِّ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ، وبِالعَذابِ الألِيمِ ما يَكُونُ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ بِالعَكْسِ، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فَما طَلَبَتْهُ هُنا أعْظَمُ مِمّا لَوَّحَتْ بِطَلَبِهِ هُناكَ لِمَكانِ الواوِ هُنا وأوْ هُناكَ، ولَعَلَّها إنَّما بالَغَتْ في ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِن تِلْكَ النِّسْوَةِ لِمَزِيدِ غَيْظِها بِظُهُورِ كَذِبِها وصِدْقِهِ وإصْرارِهِ عَلى عَدَمِ بَلِّ غَلِيلِها، ولِتُعْلِمَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها لَيْسَتْ في أمْرِها عَلى خِيفَةٍ ولا خِفْيَةٍ مِن أحَدٍ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِ الحِيَلُ ويَعِي بِهِ العِلَلُ ويَنْصَحْنَ لَهُ ويُرْشِدْنَهُ إلى مُوافَقَتِها فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ قال الكلبي: هنَّ أربع نسوة: امرأة ساقيه يعني: ساقي الملك، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب السجن، وامرأة صاحب دوابّه.

ويقال: هن خمس، خامستهن امرأة صاحب الملك.

ويقال: أربعون امرأة.

ويقال: جماعة كثيرة من النساء اجتمعن في موضع وقلن فيما بينهنّ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ يعني: تطلب عبدها وتدعوه إلى نفسها.

قَدْ شَغَفَها حُبًّا قال الحسن: يعني، قد شق شغاف قلبها حبه.

وقال عامر الشعبي: الشغوف المحب، والمشغوف المحبوب.

وقال القتبي: قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي بلغ الحب شغافها، وهو غلاف القلب.

ومن قرأ قَدْ شَغَفَها أي فتنها، من قولك: فلان شغوف بفلانة.

ويقال: شغف الشيء الشيء إذا علاه قَدْ شَغَفَها أي فتنها، من قولك: فلان شغوف بفلانة.

ويقال: شغف الشيء الشيء إذا علاه قَدْ شَغَفَها أي علاها.

ويقال: أهلكها، فلا تعقل غيره إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطأ بيّن.

ويقال: في عشق بيّن، فلا تعقل غيره.

قوله تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ يعني: سمعت زليخا بمقالتهن.

وإنما سمَّي قولهنّ مكراً والله أعلم، لأن قولهن لم يكن على وجع النصيحة والنهي عن المنكر، ولكن كان على وجه الشماتة والتعيير.

أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ فدعتهن وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً يعني: اتخذت لهن وسائد يتكئن عليها لجلوسهنّ، وذلك أنها اتخذت ضيافة، ودعت النسوة، ووضعت الوسائد لجلوسهن.

وقال الفراء: من قرأ مُتَّكَأً غير مهموز فإنه الأترج، وكذلك قال ابن عباس.

روى منصور عن مجاهد أنه قال: من قرأ مثقلة قال: يعني: الطعام، ومن قرأ: مخففة قال الأترج.

ويقال: الزُّمَّاوَرْد وهو نوع من التمر.

وقال عكرمة كل شيء يقطع بالسكين وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً يعني: أعطت زليخا كل واحدة من النسوة سكيناً، وأمرت يوسف بأن يلبس أحسن ثيابه، وزيّنته أحسن الزينة وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ يعني: اخرج على النساء، فخرج عليهن.

روى أبو الأحوص عن ابن مسعود قال: «أوتي يوسف وأمه ثلث حسن الناس: في الوجه، والبياض، وغير ذلك.

وكانت المرأة إذا رأت يوسف، غطّى وجهه مخافة أن تفتن به.

فلما خرج يوسف إلى النسوة غطى وجهه فنظرن إليه» فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ يقول: أعظمنه، أي: أعظمن شأنه، وتحيرن، وبقين مدهوشات طائرة عقولهن، وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ يقول: حززن، وخدشن أيديهن بالسكين، ولم يشعرن بذلك وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ يعني: معاذ الله مَا هذا بَشَراً قرأ بعضهم: بالرفع.

ما هذا بشر وقرأ بعضهم مَا هذا ببشر يعني: مثل هذا لا يكون بشراً.

وقراءة العامة ما هذا بَشَراً بنصب الراء والتنوين، لأنه خبر «ما» .

ولأنه صار نصباً لنزع الخافض.

ومعناه: مَا هذا بَشَراً يعني: مثل هذا لا يكون آدمياً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يعني: على ربه.

فإن قيل: إنهن لم يرين الملك، فكيف شبّهنه بشيء لم يرينه؟

قيل له: لأن المعروف عند الناس، أنهم إذا وصفوا أحداً بالحسن، يقولون: هذا يشبه الملك، كما أنهم إذا وصفوا أحداً بالقبح، يقولون: هو كالشيطان، وإن لم يروا الشيطان.

قرأ أبو عمرو حاشا لِلَّهِ بالألف.

وقرأ الباقون: بغير ألف.

وكذلك الذي بعده قالَتْ زليخا للنسوة فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ يقول: عذلتني فيه وعبتني فيه فهل عذرتنني؟

فقلن لها: أنت معذورة.

قالت: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ يعني: طلبت إليه أن يمكنني من نفسه فَاسْتَعْصَمَ أي: فامتنع بنفسه مني وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ يعني: احبسه في السجن وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ يعني: من المهانين بالسجن.

ويقال: من المذلين.

وقرأ بعضهم لَيَكُونُنَّ بتشديد النون، وهذا خلاف مصحف الإمام.

وقراءة العامة: وَلَيَكُوناً لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف بالألف.

قالَ يوسف رَبِّ يقول: يا سيدي السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي النسوة إِلَيْهِ من العمل القبيح.

قرأ بعضهم قالَ رَبِّ السِّجْنُ بنصب السين على معنى المصدر.

يقال: سجنته سَجْناً وهي قراءة شاذة.

وقراءة العامة بالكسر يعني: نزول بيت السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، يعني به: امرأة العزيز خاصة.

ويقال: أراد به النسوة اللاتي حضرن هناك، لأنهن قلن له: أطع مولاتك ولا تخالفها، فإن لها عليك حقاً.

وقد اشترتك بمالها وهي تحسن إليك، وتحبك، وتطلب هواك.

فقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ وقال بعض الحكماء: لو أنه قال: رب العافية أحَبُّ إليّ، لعافاه الله تعالى.

ولكن لما نجا بدينه، لم يبال بما أصابه في الله.

ثم قال: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ يعني: إذا لم تصرف عني عملهن وشرهن أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي: أمل إليهن وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني: من المذنبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الشاهدُ، قال ذلك، ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء فإِنها معتمدهم، و «يوسُفُ» في قوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا: منادًى، قال ابن عباس: ناداه الشاهدُ، وهو الرجل الذي كان مع العزيز «١» ، وأَعْرِضْ عَنْ هذا: معناه: عن الكلامِ بِهِ، أي:

اكتمه، ولا تتحدَّث به، ثم رَجَعَ إِليها، فقال: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أي: استغفري زَوْجَكَ وسيِّدَكَ، وقال: مِنَ الْخاطِئِينَ، ولم يقل «من الخاطئات» لأن الخاطئين أعمّ.

وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)

وقوله سبحانه: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ:

نِسْوَةٌ: جمع قلَّة، وجمعُ التكثير نساءٌ، ويروَى أنَّ هؤلاء النسوة كُنَّ أربعاً: امرأة خبَّازَة، وامرأة ساقية، وامرأة بَوَّابة، وامرأة سَجَّانة، والعزيزُ: المَلِك، والفَتَى: الغلام، وعُرْفُه في المملوك، ولكنَّه قد قيل في غير المملوك ومنه: إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الكهف: ٦٠] ، وأصل الفتى، في اللغة: الشَّابُّ، ولكن لما كان جُلُّ الخَدَمَةِ شبابا، استعير لهم اسم الفتى، وشَغَفَها: معناه بَلَغَ حتَّى صار مِنْ قلبها موضِعَ الشِّغافِ، وهو على أكثر القولِ: غِلاَفٌ من أغشية القَلْبِ.

وقيل: الشِّغاف: سويداءُ القَلْبِ.

وقيل: الشِّغَافُ: داءٌ يصلُ إِلى القلب.

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ليحضُرْن.

وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً: أي: أعَدَّتْ ويَسَّرت ما يُتَّكَأُ عليه من فُرُشٍ ووسَائِد وغَيْرِ ذلك، وقرأ ابن عباس «٢» وغيره: «مُتْكاً» - بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف-،

واختلف في معناها، فقيل: هو الأُتْرُنْجَ «١» ، وقيل: هو اسمٌ يعمُّ جميع ما يُقْطَعُ بالسِّكِّين، وقولها: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ: أمر ليوسف، وأطاعها بحسب المُلْك.

وقوله: أَكْبَرْنَهُ: معناه: أعظمنْهُ واستهولن جَمَاله، هذا قولُ الجمهور.

وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ: أي: كَثَّرْنَ الحَزَّ فيها بالسَّكَاكين، وقرأ أبو عمرو «٢» وحده:

«حاشَى للَّهِ» ، وقرأ سائر السبعة: حاشَ لِلَّهِ، فمعنى «حَاشَ للَّهِ» : أي: حاشَى يوسُفَ لطاعته للَّه، أو لمكانه من اللَّهِ أنْ يرمَى بِمَا رَمَيْتِهِ به، أوْ يدعَى إِلى مثله، لأَنَّ تلْكَ أفعال البشر، وهو لَيْسَ منهم، إِنما هو مَلَكٌ، هكذا رتَّب بعضهم معنَى هذا الكلامِ على القراءَتَيْنِ، وقرأ الحسنُ «٣» وغيره: «مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلِكٌ كَرِيمٌ» - بكسر اللام من «مَلِك» وعلى هذه القراءة، فالكلامُ فصيحٌ: لَمَّا استعظمن حُسْنَ صورته، قُلْنَ ما هذا مما يَصْلُح أنْ يكون عبداً بشَراً، إِنْ هذا إِلا مما يَصْلُح أنْ يكون مَلِكاً كريماً.

ت: وفي «صحيح مسلم» من حديث الإِسراء: «ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِيُوسُفَ صلّى الله عليه وسلّم، وإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ» «٤» انتهى.

وقولها: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ: المعنى: فهذا الذي لُمْتُنَّنِي فيه، وقطعتُنَّ أيديَكُنَّ بسببه: هو الذي جَعَلَنِي ضالَّةً في هواه، ثم أقرَّت امرأة العزيزِ للنّسوة بالمراودة،

واستأمنت إِليهن في ذلك إِذْ عَلِمَتْ أَنهنَّ قد عذرنها.

وفَاسْتَعْصَمَ معناه طلب العِصْمة، وتمسَّك بها، وعَصَاني، ثم جعلَتْ تتوعَّده، وهو يسمع بقولها.

وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ...

إِلى آخر الآية.

ت: واعترض ص: بأنَّ تفسيرُ «استعصم» ب «اعتصم» أولى من جعله للطَّلبِ، إِذ لا يلزم من طلب الشيء حصُولُه.

انتهى، واللام في «لَيُسْجَنَنَّ» : لام قَسَمٍ، واللام الأولَى هي المؤذنَةُ بالمجيء بالقَسَمِ، و «الصاغرون» : الأذلاَّء، وقَوْلُ يوسُفَ عليه السلام: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلى قوله: مِنَ الْجاهِلِينَ، كلامٌ يتضمَّن التشكِّيَ إِلى اللَّه تعالى من حاله معهن، / وأَصْبُ: مأخوذ من الصَّبْوَة، وهي أفعالُ الصِّبا، ومن ذلك قولُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: [الطويل]

صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلاَ الشَّيْبُ رَأْسَه ...

فَلَمَّا عَلاَهُ قَالَ لِلْبَاطِلِ ابعد «١»

قال ص: «أصْبُ» معناه: أَمِلْ، وهو جوابُ الشرطِ، والصَّبابة: إِفراط الشوْقِ.

انتهى.

فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ أي: أجابه إِلى إِرادته، وصَرَفَ عنه كَيْدُهِنَّ في أنْ حال بينه وبين المعصية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ ﴾ يَعْنِي: امْرَأةَ العَزِيزِ، ﴿ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُنَّ وعَيْبُهُنَّ لَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سُمِّيَ هَذا القَوْلُ مَكْرًا، لِأنَّها كانَتْ أطْلَعَتْهُنَّ عَلى أمْرِها، واسْتَكْتَمَتْهُنَّ، فَمَكَرْنَ وأفْشَيْنَ سِرَّها.

والثّانِي: أنَّهُ مَكُرُ حَقِيقَةٍ، وإنَّما قُلْنَ ذَلِكَ مَكْرًا بِها لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْتَدَتْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أفْعَلَتْ مِنَ العَتادِ، وكُلُّ ما اتَّخَذْتَهُ عُدَّةً لِشَيْءٍ فَهو عَتادٌ، والعَتادُ: الشَّيْءُ الثّابِتُ اللّازِمُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أعْتَدَتْ بِمَعْنى أعَدَّتْ.

فَأمّا المُتَّكَأُ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَجْلِسُ؛ فالمَعْنى: هَيَّأتْ لَهُنَّ مَجْلِسًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الوَسائِدُ اللّائِي يَتَّكِئْنَ عَلَيْها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المُتَّكَأُ: ما يُتَّكَأُ عَلَيْهِ لِطَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ حَدِيثٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الطَّعامُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ: إذا طَعِمْنا، قالَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ: فَظَلِلْنا في نَعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهِ والأصْلُ في هَذا أنَّ مَن دَعَوْتَهُ لِيَطْعَمَ، أعْدَدْتَ لَهُ التُّكَأةَ لِلْمُقامِ والطُّمَأْنِينَةِ، فَسُمِّيَ الطَّعامُ مُتَّكَأً عَلى الِاسْتِعارَةِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّما قِيلَ لِلطَّعامِ: مُتَّكَأٌ، لِأنَّ القَوْمَ إذا قَعَدُوا عَلى الطَّعامِ اتَّكَؤُوا، ونُهِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عَنْ ذَلِكَ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ " مُتْكًا " بِإسْكانِ التّاءِ خَفِيفَةً، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأُتْرُجُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ في آخَرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارا ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا يُرِيدُ: الأُتْرُجَّ.

والثّانِي: أنَّهُ الطَّعامُ أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ يُحَزُّ بِالسَّكاكِينِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الزُّماوَرْدُ، رُوِيَ عَنْ الضَّحّاكِ أيْضًا.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهم فَسَّرُوا المُتَّكَأ بِما فَسَّرُوا بِهِ المُتْكَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: المُتَّكَأُ الأُتْرُجُّ، وكُلُّ ما يُحَزُّ بِالسَّكاكِينِ.

وعَنِ الضَّحّاكِ قالَ: المُتَّكَأُ: كُلُّ ما يُحَزُّ بِالسَّكاكِينِ.

وفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: مَن قَرَأ " مُتَّكَأً " بِالتَّثْقِيلِ، فَهو الطَّعامُ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَهو الأُتْرُجُّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ " مُتْكًا " فَإنَّهُ يُرِيدُ الأُتْرُجَّ، ويُقالُ: الزُّماوَرْدُ.

وأيًّا ما كانَ، فَإنِّي لا أحْسَبُهُ سُمِّي مُتْكًا إلّا بِالقَطْعِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَتْكِ، فَأُبْدِلَتِ المِيمُ مِنهُ باءً، كَما يُقالُ: سَمَدَ رَأْسَهُ وسَبَدَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ، وشَرٌّ لازِمٌ، ولازِبٌ، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ كَثِيرًا، لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا ﴾ إنَّما فَعَلَتْ ذَلِكَ، لِأنَّ الطَّعامَ الَّذِي قَدَّمَتْ لَهُنَّ يَحْتاجُ إلى السَّكاكِينِ.

وقِيلَ: كانَ مَقْصُودُها افْتِضاحَهُنَّ بِتَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ كَما فَضَحْنَها.

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ناوَلَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أُتْرُجَّةً وسِكِّينًا، وقالَتْ لَهُنَّ: لا تَقْطَعْنَ ولا تَأْكُلْنَ حَتّى أُعْلِمَكُنَّ، ثُمَّ قالَتْ لِيُوسُفَ: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ.

قالَ الزَّجّاجُ: إنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ التّاءَ مِن قَوْلِهِ: " وقالَتْ "، وإنْ شِئْتَ كَسَرْتَ، والكَسْرُ الأصْلُ لِسُكُونِ التّاءِ والخاءِ، ومَن ضَمَّ التّاءَ، فَلِثِقَلِ الضَّمَّةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ.

ولَمْ يُمْكِنْهُ أنْ لا يَخْرُجَ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَبْدِ لَها.

وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّها إنَّما قالَتِ: " اخْرُجْ " وأضْمَرَتْ في نَفْسِها " عَلَيْهِنَّ "، فَأخْبَرَ الحَقُّ عَمّا في النَّفْسِ كَأنَّ اللِّسانَ قَدْ نَطَقَ بِهِ، ومِثْلُهُ ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ.

.

.

﴾ الآيَةُ [الإنْسانِ:٩]، لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ، إنَّما أضْمَرُوهُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا أنَّها لَوْ قالَتْ لَهُ وهو شابٌّ مُسْتَحْسَنٌ: اخْرُجْ عَلى نِسْوَةٍ مِن طَبْعِهِنَّ الفِتْنَةُ، ما فَعَلَ.

وَفِي قَوْلِهِ: " أكْبَرْنَهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْظَمْنَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: حِضْنَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: حِضْنَ مِنَ الفَرَحِ، قالَ: وفي ذَلِكَ يَقُولُ الشّاعِرُ: نَأْتِي النِّساءَ لَدى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارا وَقَدْ رَوى هَذا المَعْنى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ورَدَّهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ " أكْبَرْنَ " بِمَعْنى " حِضْنَ "، ولَكِنْ عَسى أنْ يَكُنَّ مِن شِدَّةِ ما أعْظَمْنَهُ حِضْنَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ أنْكَرَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَزَزْنَ أيْدِيَهُنَّ، وكُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ طَعامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى ألْقَيْنَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: كَلَمْنَ الأكُفَّ وأبَنَّ الأنامِلَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو " حاشا " بِألْفٍ في الوَصْلِ في المَوْضِعَيْنِ، واتَّفَقُوا عَلى حَذْفِ الألِفِ في الوَقْفِ، وأبُو عَمْرٍو جاءَ بِهِ عَلى التَّمامِ والأصْلِ، والباقُونَ حَذَفُوا.

وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: الِاسْتِثْناءُ، والثّانِي: التَّبْرِئَةُ مِنَ الشَّرِّ.

والأصْلُ " حاشا " وهي مُشْتَقَّةٌ مِن قَوْلِكَ: كُنْتُ في حَشا فُلانٍ، أيْ: في ناحِيَتِهِ.

والحَشا: النّاحِيَةُ، وأنْشَدُوا: بِأيِّ الحَشا أمْسى الخَلِيطُ المُبايِنُ أيْ: بِأيِّ النَّواحِي، والمَعْنى: صارَ يُوسُفُ في حَشًا مِن أنْ يَكُونَ بَشَرًا، لِفَرْطِ جَمالِهِ.

وقِيلَ: صارَ في حَشًا مِمّا قَرَفَتْهُ بِهِ امْرَأةُ العَزِيزِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: ﴿ حاشَ لِلَّهِ ﴾ بِمَعْنى: مَعاذَ اللَّهِ.

قالَ الفَرّاءُ: و " بَشَرًا " مَنصُوبٌ، لِأنَّ الباءَ قَدْ اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ، فَلا يَكادُ أهْلُ الحِجازِ يَنْطِقُونَ إلّا بِالباءِ، فَلَمّا حَذَفُوها أحَبُّوا أنْ يَكُونَ لَها أثَرٌ فِيما خَرَجَتْ مِنهُ، فَنَصَبُوا عَلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ  ﴾ ، وأمّا أهْلُ نَجْدٍ فَيَتَكَلَّمُونَ بِالباءِ وبِغَيْرِ الباءِ، فَإذا أسْقَطُوها، رَفَعُوا، وهو أقْوى الوَجْهَيْنِ في العَرَبِيَّةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: الرَّفْعُ أقْوى الوَجِهَيْنِ، غَلَطٌ، لِأنَّ كِتابَ اللَّهِ أقْوى اللُّغاتِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالرَّفْعِ أحَدٌ، وزَعَمَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ القُدَماءِ أنَّ " بَشَرًا " مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ خَبَرُ " ما " و " ما " بِمَنزِلَةِ " لَيْسَ " .

قُلْتُ: وقَدْ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نُهَيْكٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُعاذٌ القارِئُ في آخَرِينَ: " ما هَذا بَشَرٌ " بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو السَّوّارِ: " ما هَذا بِشِرًى " بِكَسْرِ الباءِ والشِّينِ مَقْصُورًا مُنَوَّنًا.

قالَ الفَرّاءُ: أيْ: ما هَذا بِمُشْتَرًى.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " بِشِراءٍ " بِالمَدِّ والهَمْزِ مَخْفُوضًا مُنَوَّنًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هَذا إلا مَلَكٌ ﴾ قَرَأ أُبَيٌّ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، والجَحْدَرِيُّ: " مَلِكٌ " بِكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ذَهَبَتْ عُقُولُهُنَّ فَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ، قالَتْ لَهُنَّ ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: " كَيْفَ أشارَتْ إلَيْهِ وهو حاضِرٌ بِقَوْلِها: " فَذَلِكُنَّ " ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُما: أنَّها أشارَتْ بِـ " ذَلِكُنَّ " إلى يُوسُفَ بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ المَجْلِسِ.

والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ إضْمارَ " هَذا " تَقْدِيرُهُ: فَهَذا ذَلِكُنَّ.

ومَعْنى ﴿ لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أيْ: في حُبِّهِ.

ثُمَّ أقَرَّتْ عِنْدَهُنَّ، فَقالَتْ: ﴿ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ﴾ أيِ: امْتَنَعَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: القِراءَةُ الجَيِّدَةُ تَخْفِيف " ولَيَكُونَنْ " والوُقُوفُ عَلَيْها بِالألِفِ، لِأنَّ النُّونَ الخَفِيفَةَ تُبْدَلُ مِنها في الوَقْفِ الألِفُ، تَقُولُ: اضْرِبَنْ زَيْدًا، وإذا وقَفْتَ قُلْتَ: اضْرِبا.

وقَدْ قُرِئَتْ " ولَيَكُونَنَّ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وأكْرَهُها، لِخِلافِ المُصْحَفِ، لِأنَّ الشَّدِيدَةَ لا يُبَدَلُ مِنها شَيْءٌ.

والصّاغِرُونَ: المُذَلُّونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عن نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عنهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَهَذا الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، أيْ: هَذا الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ هو الَّذِي جَعَلْتُنَّنِي ضالَّةً في هَواهُ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ في "فِيهِ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حُبِّ يُوسُفَ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الحُبِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى غائِبٍ عَلى بابِهِ.

ثُمَّ أقَرَّتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِلنِّسْوَةِ بِالمُراوَدَةِ، واسْتَأْمَنَتْ إلَيْهِنَّ في ذَلِكَ؛ إذْ قَدْ عَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها.

و"فاسْتَعْصَمَ" مَعْناهُ: طَلَبَ العِصْمَةَ وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي، ثُمَّ جَعَلَتْ تَتَوَعَّدُهُ -وَهُوَ يَسْمَعُ- بِقَوْلِها: ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لَيُسْجَنَنَّ" لامُ القَسَمِ، واللامُ الأولى هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القِسْمِ، والنُونُ هي الثَقِيلَةُ والوُقُوفُ عَلَيْها بِشَدِّها، و"لَيَكُونًا" نُونُهُ هي النُونُ الخَفِيفَةُ، والوَقْفُ عَلَيْهِ بِالألِفِ، وهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لَنَسْفَعًا"، ومِثْلُها قَوْلُ الأعْشى: وصَلِّ عَلى حِينِ العَشِياتِ والضُحى ∗∗∗ ولا تَعْبُدُ الشَيْطانَ واللهَ فاعْبُدا أرادَ: فاعْبُدْنَ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَيَكُونُنَّ" بِالنُونِ الشَدِيدَةِ، والصاغِرُونَ: الأذِلّاءُ الَّذِينَ لَحِقَهُمُ الصَغارُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ .

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا تَوَعَّدَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ قالَ لَهُ النِسْوَةُ: (أطِعْ مَوْلاتَكَ، وافْعَلْ ما أمَرَتْكَ بِهِ)، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ ، قالَ نَحْوَهُ الحَسَنُ.

ووَزْنُ (يَدْعُونَ) فى هَذِهِ الآيَةِ: يَفْعُلْنَ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: (الرِجالُ يَدْعُونَ).

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السِجْنُ" بِكَسْرِ السِينِ، وهو الِاسْمُ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "السَجْنُ" بِفَتْحِ السِينِ، وهي قِراءَةُ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وطارِقِ مَوْلاهُ، وهو المَصْدَرُ، وهو كَقَوْلِكَ: الجِدْعُ والجَدْعُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي...

﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتِسْلامٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ورَغْبَةٌ إلَيْهِ، وتَوَكُّلٌ عَلَيْهِ، المَعْنى: وإنْ لَمْ تُنَجِّنِي أنْتَ هَلَكْتُ، هَذا مُقْتَضى قَرِينَةِ كَلامِهِ وحالِهِ، والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الفاحِشَةِ المَعْنِيَّةِ بِـ"ما" في قَوْلِهِ: "مِمّا".

وَ"أصْبُ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَبْوَةِ، وهي أفْعالُ الصِبا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: -أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ -: إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي ومِن ذَلِكَ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: صَبا ما صَبا حَتّى عَلا الشَيْبُ رَأْسَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فَلَمّا عَلاهُ قالَ لِلْباطِلِ ابْعُدِ والجاهِلُونَ: هُمُ الَّذِينَ لا يُراعُونَ حُدُودَ اللهِ تَعالى ونَواهِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ الآيَةُ.

قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ رَبِّ السِجْنُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ كَلامٌ يَتَضَمَّنُ التَشَكِّي إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حالِهِ مَعَهُنَّ، والدُعاءُ إلَيْهِ في كَشْفِ بَلْواهُ، فَلِذَلِكَ قالَ -بَعْدَ مَقالَةِ يُوسُفَ -: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ ، أيْ: أجابَهُ إلى إرادَتِهِ، وصَرَفَ عنهُ كَيْدَهُنَّ في أنْ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِقَوْلِهِ: "فاسْتَجابَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

حقّ سمع أن يعدّى إلى المسموع بنفسه، فتعديته بالباء هنا إما لأنه ضمن معنى أخْبِرت، كقول المثل: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أي تخبر عنه.

وإما أن تكون الباء مزيدة للتوكيد مثل قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [سورة المائدة: 6].

وأطلق على كلامهن اسم المكر، قيل: لأنهن أردن بذلك أن يبلغ قولهن إليها فيغريَها بعَرضها يوسف عليه السّلام عليهن فيريْنَ جماله لأنهن أحببن أن يرينه.

وقيل: لأنهن قلنه خفية فأشبه المكر، ويجوز أن يكون أطلق على قولهن اسم المكر لأنهن قلنه في صورة الإنكار وهن يُضمرن حسَدَها على اقتناء مثله، إذ يجوز أن يكون الشغف بالعبد في عادتهم غير منكر.

وأعتدت } : أصله أعددت، أبدلت الدال الأولى تاء، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مُهيناً ﴾ في سورة النساء (37).

والمتّكأ: محل الاتكاء.

والاتكاء: جِلسة قريبة من الاضطجاع على الجنب مع انتصاب قليل في النصب الأعلى.

وإنما يكون الاتكاء إذا أريد إطالة المكث والاستراحة، أي أحضرت لهن نمارق يتّكِئْن عليها لتناول طعام.

وكان أهل الترف يأكلون متكئين كما كانت عادةً للرومان، ولم تزل أسرّة اتكائهم موجودة في ديار الآثار.

وقال النبي: أمّا أنَا فلا آكلُ متكئاً.

ومعنى آتت } أمرت خدمها بالإيتاء كقوله: ﴿ يا هامان ابن لي صرحاً ﴾ [سورة غافر: 36].

والسكين: آلة قطع اللحم وغيره.

قيل: أحضرت لهن أتْرُجاً ومَوْزاً فحضرن واتكأن، وقد حذف هذان الفعلان إيجازاً.

وأعطت كل واحدة سكيناً لقشر الثمار.

وقولها: أُخرج عليهن} يقتضي أنه كان في بيت آخر وكان لا يدخل عليها إلا بإذنها.

وعدّي فعل الخروج بحرف (على) لأنه ضمن معنى (أُدخل) لأن المقصود دخوله عليهن لا مجرد خروجه من البيت الذي هو فيه.

ومعنى ﴿ أكبرنه ﴾ أعظمنه، أي أعظمن جماله وشمائله، فالهمزة فيه للعدّ، أي أعددنه كبيراً، وأطلق الكبر على عظيم الصفات تشبيهاً لِوفرة الصفات بعظم الذات.

وتقطيع أيديهن كان من الذهول، أي أجرين السكاكين على أيديهن يحسبن أنهن يقطعن الفواكه.

وأريد بالقطع الجُرح، أطلق عليه القطع مجازاً للمبالغة في شدته حتى كأنه قَطْع قطعة من لحم اليد.

و ﴿ حاش لله ﴾ تركيب عربي جرى مجرى المثل يراد منه إبطال شيء عن شيء وبراءته منه.

وأصل (حاشا) فعل يدل على المباعدة عن شيء، ثم يعامل معاملة الحرف فيجَرُّ به في الاستثناء فيقتصر عليه تارة.

وقد يوصل به اسم الجلالة فيصير كاليمين على النفي يقال: حَاشَا الله، أي أحاشيه عن أن يكذب، كما يقال: لا أقسم.

وقد تزاد فيه لام الجر فيقال: حاشا لله وحاش لله، بحذف الألف، أي حاشا لأجله، أي لخوفه أن أكذب.

حكي بهذا التركيب كلام قالته النسوة يدل على هذا المعنى في لغة القبط حكاية بالمعنى.

وقرأ أبو عَمرو «حاشا لله» بإثبات ألف حاشا في الوصل، وقرأ البقية بحذفها فيه.

واتفقوا على الحذف في حالة الوقف.

وقولهن: ﴿ مَا هذا بشراً ﴾ مبالغة في فَوْته محاسن البشر، فمعناه التفضيل في محاسن البشر، وهو ضد معنى التشابه في باب التشبيه.

ثم شبّهنه بواحد من الملائكة بطريقة حصره في جنس الملائكة تشبيهاً بليغاً مؤكّداً.

وكان القبط يعتقدون وجود موجودات علوية هي من جنس الأرواح العلوية، ويعبرون عنها بالآلهة أو قضاة يوم الجزاء، ويجعلون لها صوراً، ولعلهم كانوا يتوخّوْن أن تكون ذواتاً حسنة.

ومنها ما هي مدافعة عن الميت يوم الجزاء.

فأطلق في الآية اسم الملك على ما كانت حقيقته مماثلة لحقيقة مسمّى الملك في اللغة العربية تقريباً لأفهام السامعين.

فهذا التشبيه من تشبيه المحسوس بالمتخيل، كقول امرئ القيس: ومسنونة زرق كأنياب أغوال *** والفاء في ﴿ فذلكن ﴾ فاء الفصيحة، أي إن كان هذا كما زعمتُنّ ملكاً فهو الذي بلَغكن خبره فلمتنني فيه.

و ﴿ لمتنني فيه ﴾ (في) للتعليل، مثل " دخلت امرأةٌ النار في هرة ".

وهنالك مضاف محذوف، والتقدير: في شأنه أو في محبته.

والإشارة ب (ذلكن) لتمييز يوسف عليه السّلام، إذ كُنّ لم يرينَه قبلُ.

والتعبير عنه بالموصولية لعدم علم النسوة بشيء من معرّفاته غير تلك الصلة، وقد باحت لهن بأنها راودته لأنها رأت منهن الافتتان به فعلمت أنهن قد عذرنها.

والظاهر أنهن كن خلائل لها فلم تكتم عنهن أمرها.

واستعصم: مبالغة في عصم نفسه، فالسين والتاء للمبالغة، مثل: استمسك واستجمع الرأي واستجاب.

فالمعنى: أنه امتنع امتناع معصوم، أي جَاعلاً المراودة خطيئة عصم نفسه منها.

ولم تزل مصممة على مراودته تصريحاً بفرط حبها إياه، واستشماخاً بعظمتها، وأن لا يعصي أمرها، فأكدت حصول سجنه بنوني التوكيد، وقد قالت ذلك بمسمع منه إرهاباً له.

وحذف عائد صلة ﴿ ما آمره ﴾ وهو ضمير مجرور بالباء على نزع الخافض مثل: أمرتك الخير...

والسجن بفتح السين: قياس مصدر سجَنه، بمعنى الحبس في مكان محيط لا يخرج منه.

ولم أره في كلامهم بفتح السين إلا في قراءة يعقوب هذه الآية.

والسجن بكسر السين: اسم للبيت الذي يسجن فيه، كأنهم سموه بصيغة المفعول كالذبح وأرادوا المسجون فيه.

وقد تقدم قولها آنفاً: ﴿ إلا أن يُسجن أو عذابٌ أليم ﴾ [سورة يوسف: 25].

والصاغر: الذليل.

وتركيب من الصاغرين } أقوى في معنى الوصف بالصّغار من أن يقال: وليكونن صاغراً، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة البقرة (67)، وقوله: ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ في آخر سورة براءة (119).

وإعداد المُتّكأ لهن، وبَوحُها بسرّها لهن يدل على أنهن كن من خلائلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ ﴾ قالَ جُوَيْبِرٌ: كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةُ الحاجِبِ وامْرَأةُ السّاقِي وامْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ القَهْرَمانِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وامْرَأةُ صاحِبِ السِّجْنِ.

وَفي هَذِهِ المَدِينَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِصْرُ.

الثّانِي: عَيْنُ شَمْسَ.

﴿ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ قُلْنَ ذَلِكَ ذَمًّا لَها وطَعْنًا فِيها وتَحْقِيقًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ وإنْكارًا لِذَنْبِهِ.

والعَزِيزُ اسْمُ المَلِكِ مَأْخُوذٌ مِن عِزَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادٍ: دُرَّةٌ غاصَ عَلَيْها تاجِرٌ جُلِبَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَلٍّ ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ أيْ قَدْ دَخَلَ حُبُّهُ مِن شَغافِ قَلْبِها.

وَفي شَغافِ القَلْبِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حِجابُ القَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ وهو جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ بَيْضاءُ تَكُونُ عَلى القَلْبِ ورُبَّما سُمِّيَتْ لِباسُ القَلْبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وسُفْيانُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ باطِنُ القَلْبِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ هو حَبَّةُ القَلْبِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما يَكُونُ في الجَوْفِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ.

الخامِسُ: هو الذُّعْرُ والفَزَعُ الحادِثُ عَنْ شِدَّةِ الحُبِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

وَقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: قَدْ شَعَفَها حُبًّا (بِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ) .

واخْتُلِفَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّغَفَ بِالغَيْنِ مُعْجَمَةً هو الجُنُونُ وبِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ هو الحُبُّ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الشَّغَفَ بِالإعْجامِ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعَفُ بِغَيْرِ إعْجامٍ دُونَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: فَلا وجْدَ إلّا دُونَ وجْدٍ وجَدْتُهُ ∗∗∗ أصابَ شَغافَ القَلْبِ والقَلْبُ يُشْغَفُ ﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في ضَلالٍ عَنِ الرُّشْدِ وعُدُولٍ عَنِ الحَقِّ.

الثّانِي: مَعْناهُ في مَحَبَّةٍ شَدِيدَةٍ.

وَلَمّا اقْتَرَنَ شِدَّةُ حُبِّها بِالشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِها بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، ولَوْ خَلَصَ مِنَ الشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ بِالصِّدْقِ عَلى نَفْسِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمُّهُنَّ لَها وإنْكارُهُنَّ عَلَيْها.

الثّانِي: أنَّها أسَرَّتْ إلَيْهِنَّ بِحُبِّها لَهُ فَأشَعْنَ ذَلِكَ عَنْها.

﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ وفي "أعْتَدَتْ" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الإعْدادِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِنَ العُدْوانِ.

وَفي (المُتْكَأِ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَجْلِسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّمارِقُ والوَسائِدُ يُتَّكَأُ عَلَيْها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّعامُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ طَعِمْنا عِنْدَهُ، وأصْلُهُ أنَّ مَن دُعِيَ إلى طَعامٍ أُعِدَّ لَهُ مُتَّكَأً فَسُمِّيَ الطَّعامُ بِذَلِكَ مُتَّكَأً عَلى الِاسْتِعارَةِ.

فَعَلى هَذا أيُّ الطَّعامِ هُوَ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزُّماوَرْدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الأُتْرُجُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وهو وتَأْوِيلُ مَن قَرَأها مُخَفَّفَةً غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ، والمَتْكُ في كَلامِهِمُ الأُتْرُجُّ، قالَ الشّاعِرُ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المَتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا والإثْمُ: الخَمْرُ، والمَتْكُ: الأُتْرُجُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ ما يُجَزُّ بِالسِّكِّينِ وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُؤْكَلُ عَلى مُتَّكَأٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ الطَّعامِ والشَّرابِ عَلى عُمُومِهِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ.

﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ وإنَّما دَفَعَتْ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ في الظّاهِرِ مَعُونَةً عَلى الأكْلِ، وفي الباطِنِ لِيَظْهَرَ مِن دَهْشَتِهِنَّ ما يَكُونُ شاهِدًا عَلَيْهِنَّ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانَ كالعَبْدِ لَها فَلَمْ تُمَكِّنْهُ أنْ يَخْرُجَ إلّا بِأمْرِها.

﴿ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أعْظَمْنَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ وجَدْنَ شَأْنَهُ في الحُسْنِ والجَمالِ كَبِيرًا، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ: حِضْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وهو قَوْلٌ رَواهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الهاشِمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ.

وَقِيلَ: إنَّ المَرْأةَ إذا جَزِعَتْ أوْ خافَتْ حاضَتْ، وقَدْ يُسَمّى الحَيْضُ إكْبارًا، قالَ الشّاعِرُ: نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ دَهَشًا لِيَكُونَ شاهِدًا عَلَيْهِنَّ عَلى ما أضْمَرَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ فِيهِنَّ.

وَفي قَطْعِ أيْدِيهِنَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى بانَتْ.

الثّانِي: أنَّهُنَّ جَرَحْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى دَمِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ قَطَعَ فُلانٌ يَدَهُ إذا جَرَحَها.

﴿ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ بِالألِفِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ونافِعٍ في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ وقَرَأ الباقُونَ حاشَ لِلَّهِ بِإسْقاطِ الألِفِ، ومَعْناهُما واحِدٌ.

وَفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعاذَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَعْناهُ سُبْحانَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي أصْلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ كُنْتُ في حَشا فُلانٍ أيْ في ناحِيَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاشَ فُلانًا أيِ اعْزِلْهُ في حَشًا يَعْنِي في ناحِيَةٍ.

﴿ ما هَذا بَشَرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما هَذا أهْلًا لِلْمُباشَرَةِ.

الثّانِي: ما هَذا مِن جُمْلَةِ البَشَرِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِما عَلِمْنَ مِن عِفَّتِهِ وأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ البَشَرِ لَأطاعَها.

الثّانِي: لِما شاهَدْنَ مِن حُسْنِهِ البارِعِ وجَمالِهِ البَدِيعِ ﴿ إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ وقُرِئَ: ما هَذا بِشِرًا (بِكَسْرِ الباءِ والشِّينِ) أيْ ما هَذا عَبْدًا مُشْتَرًى إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، مُبالَغَةً في تَفْضِيلِهِ في جِنْسِ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها دَعَتْهُ إلى نَفْسِها ثانِيَةً بَعْدَ ظُهُورِ حالِهِما، فَقالَ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ يَعْنِي: الحَبْسُ في السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ امْرَأةَ العَزِيزِ فِيما دَعَتْهُ إلَيْهِ مِنَ الفاحِشَةِ وكَنّى عَنْها بِخِطابِ الجَمْعِ إمّا تَعْظِيمًا لِشَأْنِها في الخِطابِ وإمّا لِيَعْدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْرِيضِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ جَماعَةَ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حِينَ شاهَدْنَهُ لِاسْتِحْسانِهِنَّ لَهُ واسْتِمالَتِهِنَّ لِقَلْبِهِ.

﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الفاحِشَةِ إذا أُضِيفَ ذَلِكَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ.

الثّانِي: اسْتِمالَةُ قَلْبِهِ إذا أُضِيفَ ذَلِكَ إلى النِّسْوَةِ.

﴿ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أُتابِعْهُنَّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أمِلُ إلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فاستعصم ﴾ قال: امتنع.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاستعصم ﴾ قال: فاستعصى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ معنى اللوم في اللغة (١) (٢) (٣) ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ قال ابن الأنباري (٤) (٥) ﴿ فَذَلِكُنَّ ﴾ يريد فهو الذي لمتنني فيه، أي في حبه، والشغف به، ثم أقرتْ عندهنَّ فقالت: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾ قال ابن عباس (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ ﴾ قال ابن عباس (١١) ﴿ لَيُسْجَنَنَّ ﴾ توعدته بإيقاع المكروه به، إن لم يطعها فيما تدعوه إليه، و ﴿ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ ، ومضى الكلام في النون الشديدة والخفيفة، وأن الوقف عليها بالألف كالتنوين في موضع النصب، والصاغر الذليل، ذكرنا ذلك في قوله ﴿ وَهُمْ صَاغِرُونَ  ﴾ وقوله ﴿ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ (١٢) (١) "تهذيب اللغة" (لام) 4/ 3221، و"اللسان" (لوم) 7/ 4101.

(٢) الطبري 12/ 209، الثعلبي 7/ 80 ب.

(٣) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).

(٤) "زاد المسير" 4/ 219، الرازى 18/ 130.

(٥) قال به الطبري 12/ 209.

(٦) الطبري 12/ 210، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2127، وأبو الشيخ كما في "الدر".

(٧) الثعلبي 7/ 80 ب، البغوي 4/ 239، ابن عطية 7/ 501، "زاد المسير" 4/ 220، وأبو الشيخ كما في "الدر".

(٨) "مشكل القرآن وغريبه" لابن قتيبة ص 1/ 255، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 423، و"اللسان" (عصم) 5/ 2976.

(٩) "تهذيب اللغة" (عصم) 3/ 2466.

(١٠) الطبري 12/ 210، وأبو الشيخ كما في "الدر"، والثعلبي 7/ 80 ب، والقرطبي 9/ 184.

(١١) قال به الطبري 12/ 210، والثعلبي 7/ 80، والبغوي 4/ 239.

(١٢) الأنعام: 124.

وقد قال هناك الصغار: الذل الذي يصغر إلى المرء نفسه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة ﴾ أي في مصر، روى أنهن خمس نسوة: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب ﴿ فتاها ﴾ أي خادمها، والفتى يقال بمعنى: الشاب، وبمعنى الخادم ﴿ شَغَفَهَا ﴾ بلغ شغاف قلبها وهو غلافه، وقيل: السويداء منه، وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب ﴿ سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أي بقولهم وسماه مكراً لأنه كان في خفية، وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه عليها ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ أي أعتدت لهن ما يتكأ عليه من الفرش ونحوها، وقيل: المتكأ طعام، وقرئ في الشاذ متكأ بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج، وإعطائها السكاكين لهن يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحماً ﴿ وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ ﴾ أمر ليوسف، وإنما أطاعها لأنه كان مملوك زوجها ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أي عظمن شأنه وجماله.

﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ أي اشتغلن بالنظر إليه وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن وهنّ لا يشعرن كما يقطع الطعام ﴿ حاش للَّهِ ﴾ معناه براءة وتنزيه: أي تنزيه الله وتعجب من قدرته على خلقة مثله، وحاش في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرد النصب بها على أن تكون فعلاً وأما هنا فقال أبو علي الفارسي: إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله لله، ولا يدخل الحرف على حرف، والآخر أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يك ولا أدري، والفاعل بحاش ضمير يعود على يوسف تقديره: بَعُدَ يوسف عن الفاحشة لخوف الله وقال الزمخشري: إن حاش وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيهاً، ثم قال: لله ليبين من ينزه قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية ﴿ مَا هذا بَشَراً ﴾ أخرجنه من البشر وجعلنه من الملائكة؛ مبالغة في وصف الحسن ﴿ إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ توبيخ لهن على اللوم ﴿ فاستعصم ﴾ أي طلب العصمة وامتنع مما أرادت منه ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ أي أميل وكلامه هذا تضرع إلى الله ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ ﴾ أي ظهر والفاعل محذوف تقديره: رأى والضمير في لهم لزوجها وأهلها، أو من تشاور معه في ذلك ﴿ رَأَوُاْ الآيات ﴾ أي الأدلة على براءته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.

والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.

وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.

الآخرون بالضم للإتباع.

﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.

الباقون.

بالكسر.

الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.

قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .

﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.

روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات  ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

والمعنى ولقد جاء آباءكم.

وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.

ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.

وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.

وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.

ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟

واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .

ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.

وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.

وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.

والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.

﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.

ثم إنه  بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.

وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.

والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.

فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.

قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.

واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.

والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.

عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.

والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.

يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.

قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.

وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.

وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.

وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.

وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.

وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.

ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف  بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله  يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.

وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله  لأنه مسبب الأسباب.

الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.

وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.

قوله  ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر  بإسناده عن علي بن أبي طالب  : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.

وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.

وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.

وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟

فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.

أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟

فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.

فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.

وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟

وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.

وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.

وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً  ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله  لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.

فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟

وقيل: رأى تمثال العزيز.

وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.

وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.

قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.

قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.

وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.

ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن  ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله  بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.

ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم  .

فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف  وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.

وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.

وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.

روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.

وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.

روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.

ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟

فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.

وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.

ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.

وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.

وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين  ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.

قال  ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي  أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .

وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.

وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.

واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.

وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.

والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.

قال في الكشاف: التنكير في "قبل".

و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.

أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه  يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً  ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله  إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال  : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله  لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار  ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.

يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.

وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.

﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.

قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.

وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.

وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.

والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.

﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.

وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.

وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف  فلهذا سمي مكراً.

وقيل: كن أربعين.

﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف  من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.

وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.

وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.

وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.

وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا  كان أملح.

قيل: كان يشبه آدم  يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.

وعن النبي  : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟

فقال: يوسف.

فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.

يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.

وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.

الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.

وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.

وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.

وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.

﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.

واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.

وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟

وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.

وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.

ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.

﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.

والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف  إلى الله  قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.

﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.

ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال  ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله  : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.

وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.

عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.

وعن الحسن: خمس سنين.

وعن غيره سبع سنين.

وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.

التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.

﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.

﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.

﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.

﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.

﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.

﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

يشبه أن تكون استكتمت سرها عند نسوة في المدينة، فأفشين سرها عند أهل المدينة، ليبلغ ذلك الخبر الملك.

أو أن لم تكن أعلمت تلك النسوة، فلا بدّ من أن يعلم ذلك بعض خدمها؛ فالخادم أعلمت سرها وأفشته عند نسوة في المدينة، فقلن عند ذلك: ﴿ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي: تدعو عبدها إلى نفسها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ .

قال بعضهم: الشغاف: هو حجاب القلب وغلافه، ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ أي: بلغ حبها إياه الشغاف، ومنه يقال: مشغوف.

والمشغوف: قيل: المجنون حبّاً، وهو من العشق.

قال الحسن: الشغف: أن يكون قد بطن لها حبه، والشغف: أن يكون مشغوفاً به.

قال أبو عوسجة: ﴿ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ أي: دخل الحبّ في شغاف القلب، وهو غطاؤه.

وقال: من قرِأها ﴿ شَغَفَهَا ﴾ أي: ذهب بعقلها؛ أي: عشقها.

لكن هذا قول أولئك النسوة، فلا ندري ما أردن بذلك، إنما ذلك خبر أخبر عن قول قلنه هن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

حيث خانت زوجها.

أو ﴿ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في حيرة من حبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ .

أي: بقولهن المكر: هو الأخذ في حال الأمن، وهو الخيانة فيما اؤتمن واستكتم؛ فهذه كأنها استكتمت سرّها وحبّها ليوسف عن الناس، وأفشت ذلك لنسوة في المدينة، على أن يستكتمن عن الناس، فأفشين عليها ذلك؛ فذلك المكر الذي سمعت، والله أعلم.

إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل.

وأمكن أن تكون المرأة لم تفش سرها إليهن، لكن بعض خدمها التي اطلعت على ذلك هي التي أفشت إليهن، فأفشين هن ذلك، فلما سمعت ذلك منهن أرسلت إليهن: إمّا تنويشاً ودعاء للضيافة، وإما استزارة يزرنها، وأما قول أهل التأويل: إن النسوة كانت امرأة الخباز والسّاقي؛ ولا أدري من ماذا، فذلك لا نعلمه، وليس لنا إلى [معرفة] ذلك حاجة.

وقال - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ قال الحسن: متكأً: طعاماً وشراباً وتكأة.

وقال بعضهم: الأترنج والترنج.

وقال بعضهم: متكأً: وسائد وما يتكأ عليه.

وقال أبو عوسجة: متكأً: ممدوداً؛ يعني: هيئات المجلس وما يتكأ عليه.

ومن قرأ: (متكا) مقصوراً، وهو الأترنج وطعام؛ على ما قال الحسن.

وكذلك قال القتبي؛ قال: ويقال: البزماورد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً ﴾ .

أي: أعطت كل واحدة منهن سكيناً؛ ظاهر.

﴿ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ .

هاهنا كلام أن كيف أطاع يوسف بالخروج على النساء بقولها إياه: ﴿ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ فذلك مما لا يحل، لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه إنما يكره الدخول عليهن، والخلوة بهن، وأما الخروج عليهن فهو ليس بمكروه؛ إذ فيه الخروج منهن؛ لأنه إذا خرج عليهن كان يقدر أن يخرج منهن؛ فكأنه لما أذنت له بالخروج عليهن خرج رغبة أن يخرج من عندهن؛ إذ لم [يكن ليقدر] أن يخرج من البيت عليهن بغير إذن منها؛ فالأمر بالخروج عليهن أفاد له إذناً بالخروج من البيت؛ إذ لا سبيل له إلى الخروج منه بلا إذن له منها، فخرج عليهن ثمت من عندهن إلى غيره من المكان، وذلك مما لا يكره إذا كان مما لا سبيل إلى ما سواه.

ويشبه أن يكون منها الأمر بالخروج حسب إذا خرج ولم تقل عليهن، ولم يعلم يوسف أنها إنما تأمره بالخروج على النساء فخرج، لكن الله - عز وجل - أخبر عن مقصودها، وكان مقصودها من الأمر بالخروج [خروجاً عليهن]، فأخبر عن مقصودها بقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ [ومثل هذا قد يكون في الكلام.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ ] أي: عنهن، وذلك جائز في اللغة: (على) مكان (عن) كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ، أي: عن الناس، وأمثاله كثير.

وفي هذه الآية دلالة أن مشتري يوسف كان يمنع يوسف عن أن يخرج إلى البلد والسوق، ومن أن تخالطه الناس: إما إشفاقاً على نفسه، أو لئلا يفتن به النساء، أو لئلا يطلع على نفس يوسف؛ لما وقع عنده أنه مسروق، فكيفما كان ففيه: أن [على المرء أن] يحفظ ولده أو عبده إشفاقاً عليه.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ .

أي: أكبرنه وأعظمنه من حسنه أن يكون مثل هذا بشراً؛ ألا ترى أنهن قلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ ؛ قيل: حزّاً بالسِّكِّين.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ : قال أهل التأويل: أي: معاذ الله.

وقال بعضهم: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ : كلمة تنزيه من القبيح، ودلّ هذا القول منهن أنهن كنّ يؤمِنَّ بالله؛ حيث قلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

كان الملك وإن لم يرونه حَسناً عندهم، ينسبون كل حسن إلى الملائكة، والشيطان - لعنه الله - عندهم قبيح؛ فنسبوا كل قبيح إليه.

وقوله: ﴿ بَشَراً ﴾ .

قرأه بعضهم: (بشرًى) بالتنوين، أي: ما هذا بمشترى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ .

بقولهن: ﴿ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، أي: إنكن لمتنني فيه أني أراوده عن نفسه، وأنتن قطعتن أيديكن إذ رأيتنه، وأنكرتن أن يكون هذا بشراً؛ فذلك أعظم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

أي: دعوته إلى نفسي فاستعصم؛ قيل: امتنع؛ كقوله: ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: لا مانع، ويشبه قوله: استعصم بالله أو بدينه أو نبوته أو بعقله، هذا يدّل على أنه لم يكن منه ما قال أهل التأويل من حَلّ السراويل ونحوه؛ حيث قالت: ﴿ فَٱسَتَعْصَمَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ ﴾ .

قالت ذلك امرأة العزيز.

﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ .

يشبه أن يكون قولها: ليسجنن وليكونن في السجن من الصاغرين، أو ليسجنن وليكونن من المذَلّين الصَّاغرين: هو: الذليل لأنه قال لامرأته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ، فكان مكرماً عندها معظماً؛ فلما أبي ما راودته فقالت: ﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ أي: من الذليلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ .

فيه دلالة أنه قد كان منهن من المراودة والدعاء ما كان من امرأة العزيز من المراودة والدعاء إلى نفسها؛ حيث قال: ﴿ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ ؛ ألا ترى أنه قال في موضع آخر: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ ، [وكذلك قالت امرأة العزيز: ﴿ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أي: كنتن لمتنني فيه أني راودته عن نفسه]؛ وأنتن قد راودتنّه عن نفسه.

وقول يوسف: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ .

أي: ذلك الذل والصغار أحبّ إليّ، أي: آثَر عندي وأخير في الدِّين مما يدعونني إليه؛ وإن كان ما يدعونه إليه تهواه نفسه وتميل إليه وتحبه؛ فأخبر أن السجن أحبّ إليه، أي: آثر وأخير في الدين؛ إذ النفس تكره السجن وتنفر عنه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!

فهذا يدل على أن ما قال: ﴿ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ إنما أراد به: محبة الاختيار والإيثار في الدِّين، لا محبّة النفس واختيارها؛ بل كانت النفس تحب وتهوى ما يدعونه إليه؛ دليله قوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .

وليس الدعاء في قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ كما يقول بعض الناس: إنه إنما وقع في السجن؛ لأنه سأل ربه السجن فاستجيب له في ذلك؛ ولكن الدعاء في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ، وهو كقول آدم وحواء: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23] ليس الدعاء في قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ الآية [الأعراف: 23] لأنه: إخبار عما كان منهم، إنما الدعاء في قوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ  ﴾ وكذلك قول نوح: ﴿ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ دلالة على أن عند الله لطفاً لم يكن أعطى يوسف ذلك؛ إذ لو كان أعطاه لكان كيدهن وشرهن مصروفاً عنه؛ حيث قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ولو كان أعطي ذلك لم يكن لسؤاله ذلك معنى، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم، حيث قالوا: إن الله قد أعطى كلا قدرة كل طاعة وقوة كل خير والدفع عن كل شر، وقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ أي: لا أحد يملك صرف كيدهن عنّي لو لم تصرفه أنت، وكذلك قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ  ﴾ وهو أبلغ في الدعاء من قوله: اللهم اغفر لي وارحمني.

وقوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ .

قال بعضهم: أمل إليهن.

وقال بعضهم: قال: لو لم تصرف عني كيدهن لأتابعهن.

ويقال: الصبو: هو الخروج عن الأمر؛ يقال: كل مَنْ خرج عن دينه فقد صبا.

وبهذا كان المشركون يُسَمّون النبي  : صابئاً، أي: خرج مما نحن عليه.

وقال أبو بكر الأصم: الأصب: هو الأمر المعجب.

وقوله: ﴿ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .

أي: يكون فِعْلي فعْل الجهّال لا فِعل العلماء والحكماء، إن لم تصرف عني كيدهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ .

أي: أجاب له ربه؛ فصرف عنه كيدهن.

هذا يدل على أن الدعاء كان في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ ، إنما هو خبر أخبره؛ حيث أخبر أنه أجاب له ربه فصرف عنه كيدهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

السميع لكل قول وكلام؛ خَفِيّاً كان على الخلق أو ظاهراً، العليم به؛ لا يخفى عليه شيء.

وفي قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ، ﴿ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ .

دلالة على أنهن كن يدعونه إلى ذلك من وجه كان يخفى عليه ولم يشعر به؛ فالتجأ إلى الله في صرف ذلك عنه.

وقوله: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .

ذكر في بعض القصة أنها قالت لزوجها: ما زال يوسف يراودني عن نفسي فأبيت عليه فصدقها؛ فحبسه في السجن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ ﴾ .

قال أهل التأويل: هو قَدّ القميص من دُبره وخمش الوجه وغيره، ولكنه يشبه أن يكون الآيات التي رأوها هي آيات نبوته ورسالته.

وقال بعضهم: حبسوه، لينفوا عن المرأة ما رميت به، ولينقطع ذلك عن الناس، ويموت ذلك الخبر ويذهب، فيه أنهم حبسوه بعد ما رأوا آيات عصمته وبراءته عما اتهموه، وأنهم ظلمة في حبسه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالت امرأة العزيز للنسوة لما رأت ما أصابهن: هذا هو الفتى الَّذي عَيَّرتُنَّني بسبب حبه، ولقد طلبته، واحتَلْتُ لإغوائه، فامتنع، ولئن لم يفعل ما أطلب منه مستقبلًا ليدخلنّ السجن، وليكونن من الولاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.aAGLd"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد