الآية ٣١ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٣١ من سورة يوسف

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًۭٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍۢ مِّنْهُنَّ سِكِّينًۭا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌۭ كَرِيمٌۭ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 191 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فلما سمعت بمكرهن ) قال بعضهم : بقولهن .

وقال محمد بن إسحاق : بل بلغهن حسن يوسف ، فأحببن أن يرينه ، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته ، فعند ذلك ( أرسلت إليهن ) أي : دعتهن إلى منزلها لتضيفهن ( وأعتدت لهن متكأ ) قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والحسن ، والسدي ، وغيرهم : هو المجلس المعد ، فيه مفارش ومخاد وطعام ، فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه .

ولهذا قال تعالى : ( وآتت كل واحدة منهن سكينا ) وكان هذا مكيدة منها ، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته ، ( وقالت اخرج عليهن ) وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر ، ( فلما ) خرج و ( رأينه أكبرنه ) أي : أعظمن شأنه ، وأجللن قدره; وجعلن يقطعن أيديهن دهشا برؤيته ، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين ، والمراد : أنهن حززن أيديهن بها ، قاله غير واحد .

وعن مجاهد ، وقتادة : قطعن أيديهن حتى ألقينها ، فالله أعلم .

وقد ذكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعد ما أكلن وطابت أنفسهن ، ثم وضعت بين أيديهن أترجا وآتت كل واحدة منهن سكينا : هل لكن في النظر إلى يوسف ؟

قلن : نعم .

فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن ، ثم أمرته أن يرجع فرجع ليرينه مقبلا ومدبرا ، وهن يحززن في أيديهن ، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن ، فقالت : أنتن من نظرة واحدة فعلتن هكذا ، فكيف ألام أنا ؟

فقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ، ثم قلن لها : وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا ، لأنهن لم يرين في البشر شبهه ولا قريبا منه ، فإنه ، صلوات الله عليه وسلم كان قد أعطي شطر الحسن ، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بيوسف ، عليه السلام ، في السماء الثالثة ، قال : " فإذا هو قد أعطي شطر الحسن " وقال حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " أعطي يوسف وأمه شطر الحسن " وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن .

وقال أبو إسحاق أيضا ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : كان وجه يوسف مثل البرق ، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتتن به .

ورواه الحسن البصري مرسلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا ، وأعطي الناس الثلثين ، أو قال : أعطي يوسف وأمه الثلثين والناس الثلث " وقال سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد عن ربيعة الجرشي قال : قسم الحسن نصفين ، فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن .

والنصف الآخر بين سائر الخلق .

وقال الإمام أبو القاسم السهيلي : معناه : أن يوسف كان على النصف من حسن آدم ، عليه السلام ، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها ، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله ، وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه .

فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته : ( حاش لله ) قال مجاهد وغير واحد : معاذ الله ، ( ما هذا بشرا ) وقرأ بعضهم : " ما هذا بشرى " أي : بمشترى .

( إن هذا إلا ملك كريم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عز وجل عنهن ، * * * وكان مكرهنَّ ما: - 19164 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (فلما سمعت بمكرهن) ، يقول: بقولهن.

19165 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما أظهر النساء ذلك، من قولهن ": تراود عبدها!" مكرًا بها لتريهن يوسف , وكان يوصف لهن بحُسنه وجماله ;(فلما سمعت بمكرهن (1) أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ).

19166 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (فلما سمعت بمكرهن) : ، أي بحديثهن ,( أرسلت إليهن) ، يقول: أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن بشأنها وشأن يوسف.

* * * (وأعتدت ) ،" أفعلت " من العتاد , ، وهو العدَّة، (2) ومعناه: أعدّت لهن ، " متكأ "، يعني: مجلسًا للطعام , وما يتكئن عليه من النمارق والوَسائد: * * * ، وهو " مفتعل " من قول القائل: " اتَّكأت " , يقال: " ألق له مُتَّكأ " , يعني: ما يتكئ عليه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 19167 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن اليمان , عن أشعث , عن جعفر , عن سعيد: (وأعتدت لهن متكأ) قال: طعامًا وشرابًا ومتكأ.

19168 - ....

قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: يتكئن عليه.

19169 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية عن علي , عن ابن عباس: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: مجلسًا.

19170 - ....

قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن أبي الأشهب , عن الحسن أنه كان يقرأ: (مُتَّكَآءً)، ويقول: هو المجلس والطعام.

(3) 19171 - ....

قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله بن يزيد: من قرأ: " مُتْكَأً" ، خفيفة , يعني طعامًا.

ومن قرأ (مُتَّكَأً) ، يعني المتكأ.

* * * فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه تأويل هذه الكلمة , هو معنى الكلمة، وتأويل " المتكأ " , وأنها أعدّت للنسوة مجلسًا فيه متكأ وطعام وشراب وأترج .

ثم فسر بعضهم " المتكأ " بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذي أعدّ من أجله المتكأ ، وبعضهم عن الخبر عن الأترج.

إذ كان في الكلام: ( وآتت كل واحدة منهن سكينًا )، لأن السكين إنما تعد للأترج وما أشبهه مما يقطع به ، وبعضهم على البزماورد.

19172 - حدثني هارون بن حاتم المقرئ , قال: حدثنا هشيم بن الزبرقان , عن أبي روق , عن الضحاك , في قوله: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: البزماورد.

* * * وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: " المتكأ ": هو النُّمْرُق يتكأ عليه.

وقال: زعم قوم أنه الأترج.

قال: وهذا أبطل باطل في الأرض , ولكن عسى أن يكون مع " المتكأ " أترج يأكلونه.

(4) * * * وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة , ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه .

ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب , فإنّ الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله.

* * * قال أبو جعفر: والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، كما قال أبو عبيد لا شك فيه , غير أن أبا عبيدة لم يُبْعد من الصواب في هذا القول , بل القول كما قال: مِن أن مَن قال للمتكأ: هو الأترج، إنما بيَّن المعدَّ في المجلس الذي فيه المتكأ، والذي من أجله أعطين السكاكين , لأن السكاكين معلومٌ أنها لا تعدُّ للمتكأ إلا لتخريقه!

(5) ولم يعطين السكاكين لذلك.

* * * ومما يبين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عباس , من أن " المتكأ " هو المجلس .

ثم رُوي عن مجاهد عنه، ما: - 19173 - حدثني به سليمان بن عبد الجبار , قال، حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: (وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينًا) ، قال: أعطتهن أترجًّا , وأعطت كل واحدة منهن سكّينًا.

* * * فبيّن ابن عباس في رواية مجاهد هذه، ما أعطت النسوة , وأعرض عن ذكر بيان معنى " المتكأ " , إذ كان معلومًا معناه.

* * * * ذكر من قال في تأويل " المتكأ " ما ذكرنا: 19174 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال: حدثنا فضيل بن عياض , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: التُّرُنْج.

19175 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: حدثنا هشيم , عن عوف , قال: حدثت عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: " مُتْكًا " مخففة , ويقول: هو الأترُجّ.

19176 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن عطية: " وأعتدت لهن متكأ " ، قال الطعام.

19177 - حدثني يعقوب والحسن بن محمد , قالا حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , في قوله: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: طعامًا.

19178 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , مثله .

19179 - حدثنا ابن بشار وابن وكيع , قالا حدثنا غندر , قال: حدثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير , في قوله: (وأعتدت لهن مُتَّكأ) ، قال: طعامًا.

19180 - حدثنا ابن المثنى , قال: حدثنا وهب بن جرير , قال: حدثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير، نحوه .

19181 - حدثنا محمد بن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , قال: من قرأ (مُتَّكَأ) فهو الطعام , ومن قرأها " مُتْكًأ " فخففها , فهو الأترجّ.

19182- حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله: (متكأ) ، قال: طعامًا 19183- حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19184 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد ، 19185 - وحدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19186 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا أبو خالد القرشي , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , قال: من قرأ: " مُتْكًا " ، خفيفة , فهو الأترجّ.

19187 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , بنحوه .

19188 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا جرير , عن ليث , قال سمعت بعضهم يقول: الأترج .

19189 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (وأعتدت لهن متكأ) : ، أي طعامًا.

19190 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , مثله .

19191 - ....

قال: حدثنا يزيد , عن أبي رجاء , عن عكرمة , في قوله: (متكأ) ، قال: طعامًا.

19192 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتْكًا) ، يعني الأترج.

19193 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (وأعتدت لهن متكأ) ، والمتكأ، الطعام.

19194 - ....

قال: حدثنا جرير عن ليث , عن مجاهد: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: الطعام.

19195 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (وأعتدت لهن متكأ) ، قال: طعامًا.

19196 - حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ , قال: حدثنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (مُتَّكَأً) ، فهو كل شيء يجزّ بالسكين.

* * * قال أبو جعفر: قال الله تعالى ذكره، مخبرًا عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي تحدَّثن بشأنها في المدينة: (وآتت كل واحدة منهن سكينًا) ، يعني بذلك جل ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتي حضرنها، سكينًا لتقطع به من الطعام ما تقطع به.

وذلك ما ذكرت أنَّها آتتهن إما من الأترج , وإما من البزماورد , أو غير ذلك مما يقطع بالسكين، كما:- 19197 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وآتت كل واحدة منهن سكينًا)، وأترجًّا يأكلنه.

19198 - حدثنا سليمان بن عبد الجبار , قال: حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: (وآتت كل واحدة منهن سكينًا) ، قال: أعطتهن أترجًّا , وأعطت كل واحدة منهن سكينًا.

19199 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (وآتت كل واحدة منهن سكينًا) ، ليحتززن به من طعامهنّ.

19200 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (وآتت كل واحدة منهن سكينا) ، وأعطتهن تُرنجًا وعسلا فكن يحززن الترنج بالسكين , ويأكلن بالعسل.

* * * قال أبو جعفر: وفي هذه الكلمة بيانُ صحة ما قلنا واخترنا في قوله (6) (وأعتدت لهن متكأ) .

وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوةَ السكاكينَ , وترك ما لَهُ آتتهن السكاكين , إذ كان معلومًا أن السكاكين لا تدفع إلى من دعي إلى مجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها.

فاستغني بفهم السامع بذكر إيتائها صواحباتها السكاكين، عن ذكر ما له آتتهن ذلك.

فكذلك استغني بذكر اعتدادها لهنّ المتكأ، عن ذكر ما يعتدُّ له المتكأ مما يحضر المجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء ; لفهم السامعين بالمراد من ذلك , ودلالة قوله: (وأعتدت لهن متكأ) ، عليه .

فأما نفس " المتكأ " فهو ما وصفنا خاصةً دون غيره.

* * * وقوله: (وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه) ، يقول تعالى ذكره: وقالت امرأة العزيز ليوسف: (اخرج عليهن) ، فخرج عليهن يوسف ، (فلما رأينه أكبرنه) ، يقول جل ثناؤه: فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللْنه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 19201 - حدثنا الحسن بن محمد , قال، حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: (أكبرنه) ، أعظمنه.

19202 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .

19203 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح .

قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

19204 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (فلما رأينه أكبرنه) : ، أي: أعظمنه.

19205 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: (وقالت اخرج عليهن) ، ليوسف ، (فلما رأينه أكبرنه) : ، عظَّمنه.

19206 - حدثنا إسماعيل بن سيف العجلي , قال: حدثنا علي بن عابس , قال: سمعت السدي يقول في قوله: (فلما رأينه أكبرنه) ، قال: أعظمنه.

(7) 19207 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (اخرج عليهن) ، فخرج، فلما رأينه أعظمنه وبُهِتن.

19208 - حدثنا إسماعيل بن سيف .

قال: حدثنا عبد الصمد بن علي الهاشمي , عن أبيه , عن جده , في قوله: (فلما رأينه أكبرنه) ، قال: حِضْن.

(8) 19209 - حدثنا علي بن داود , قال: حدثنا عبد الله , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , في قوله: (فلما رأينه أكبرنه) ، يقول: أعظمنه.

19210 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة , عن ابن جريج , عن مجاهد، مثله.

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول ، أعني القول الذي روي عن عبد الصمد , عن أبيه , عن جده , في معنى (أكبرنه) ، أنه حِضْن ، إن لم يكن عَنَى به أنهن حضن من إجلالهن يوسف وإعظامهن لما كان الله قسم له من البهاء والجمال , ولما يجد من مثل ذلك النساءُ عند معاينتهن إياه ، فقولٌ لا معنى له.

لأن تأويل ذلك: فلما رأين يوسف أكبرنه , فالهاء التي في" أكبرنه "، من ذكر يوسف , ولا شك أن من المحال أن يحضنَ يوسف.

ولكن الخبر، إن كان صحيحًا عن ابن عباس على ما روي , فخليقٌ أن يكون كان معناه في ذلك أنهن حضن لِمَا أكبرن من حسن يوسف وجماله في أنفسهن، ووجدن ما يجد النساء من مثل ذلك.

* * * وقد زعم بعض الرواة أن بعض الناس أنشده في" أكبرن " بمعنى حضن , بيتًا لا أحسب أنَّ له أصلا لأنه ليس بالمعروف عند الرواة , وذلك: نَـأْتِي النِّسَـاءَ عَـلَى أَطْهَـارِهِنَّ وَلا نَــأْتِي النِّسَــاءَ إِذَا أَكْـبَرْنَ إِكْبَـارَا (9) وزعم أن معناه: إذا حضن (10) .

* * * وقوله: (وقطعن أيديهن) ، اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: أنهن حَززن بالسكين في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترُجّ .

* ذكر من قال ذلك: 19211 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: (وقطعن أيديهن) ، حزًّا حزًّا بالسكين.

19212 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وقطعن أيديهن) ، قال: حزًّا حزًّا بالسكاكين.

19213 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد ، 19214 - ....

قال: وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وقطعن أيديهن) ، قال: حزًّا حزًّا بالسكين.

19215 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: (وقطعن أيديهن) قال: جعل النسوة يحززن أيديهن , يحسبن أنهن يقطعن الأترج.

19216 - حدثنا إسماعيل بن سيف , قال: حدثنا علي بن عابس , قال: سمعت السدي يقول: كانت في أيديهن سكاكين مع الأترج , فقطعن أيديهنّ , وسالت الدماء , فقلن: نحن نلومك على حبّ هذا الرجل , ونحن قد قطعنا أيدينا وسالت الدماء !

19217 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد: جعلن يحززن أيديهن بالسكين , ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج , قد ذهبت عقولهن مما رأين‍!

19218 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: (وقطعن أيديهن) ، وحززن أيديهن.

19219 - حدثني سليمان بن عبد الجبار , قال: حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال: جعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج.

19220 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (وقطعن أيديهن) ، قال: جعلن يحززن أيديهن , ولا يشعرن بذلك.

19221 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قالت ليوسف: ( اخرج عليهن )، فخرج عليهن ، ( فلما رأينه أكبرنه ) , وغلبت عقولهن عجبًا حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن، ما يعقلن شيئًا مما يصنعن ، (وقلن حاش لله ما هذا بشرًا).

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتى أبنَّها، وهن لا يشعرن.

* ذكر من قال ذلك: 19222 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال: قطعن أيديهن حتى ألقينَها.

19223 - حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا معمر , عن قتادة , في قوله: (وقطعن أيديهن) ، قال: قطعن أيديهن حتى ألقينها.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطَّعن أيديهن وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك قطعًا بإبانة ، وجائز أن يكون كان قطع حزّ وخدش ، ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنـزيل.

* * * 19224 - حدثنا محمد بن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن.

(11) 19225 - حدثنا محمد بن المثنى , قال: حدثنا محمد بن جعفر , قال: حدثنا شعبة , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , مثله .

19226 - ....

وبه عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: قسم ليوسف وأمه ثلث الحسن.

19227 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الخلق.

19228 - حدثني أحمد بن ثابت , وعبد الله بن محمد الرازيّان , قالا حدثنا عفان , قال: أخبرنا حماد بن سلمة , قال: أخبرنا ثابت , عن أنس , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: أعطي يوسف وأمه شَطْرَ الحسن (12) .

19229 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا حكام , عن أبي معاذ , عن يونس , عن الحسن , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطي يوسف وأمه ثلث &; 16-81 &; حُسن أهل الدنيا , وأعطي الناس الثلثين ، أو قال: أعطي يوسف وأمه الثلثين , وأعطي الناس الثلث.

19230 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، , عن سفيان , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين , فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن , والنصف الآخر بين سائر الخلق.

19231 - حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين: فقسم ليوسف وأمه النصف , والنصف لسائر الناس.

19232 - حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين , فجعل ليوسف وسارَة النصف , وجعل لسائر الخلق نصف.

(13) 19233 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا حكام , عن عيسى بن يزيد , عن الحسن: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا , وأعطي الناس الثلثين.

* * * وقوله: (وقلن حاش لله) ، اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الكوفيين: (حَاشَ لِلّهِ) بفتح الشين وحذف الياء.

* * * وقرأه بعض البصريين بإثبات الياء " حَاشَى لله ".

* * * وفيه لغات لم يقرأ بها: " حَاشَى اللهِ" ، كما قال الشاعر: (14) حَاشَــى أَبِــي ثَوْبَــانَ إِنَّ بِــهِ ضَنًّــا عَــنِ المَلْحَــاةِ وَالشَّــتْمِ (15) * * * وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بهذه اللغة: " حَشَى اللهَ"، و " حاشْ اللهَ"، (16) بتسكين الشين والألف، يجمع بين الساكنين.

* * * وأما القراءة فإنما هي بإحدى اللغتين الأوليين , فمن قرأ: (حَاشَ لله) بفتح الشين وإسقاط الياء، فإنه أراد لغة من قال: " حاشى لله " , بإثبات الياء , ولكنه حذف الياء لكثرتها على ألسن العرب , كما حذفت العرب الألف من قولهم: " لا أب لغيرك " , و " لا أب لشانيك " , وهم يعنون: " لا أبا لغيرك ".

و " لا أبا لشانيك ".

* * * وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يزعم أن لقولهم: " حاشى لله " , موضعين في الكلام: أحدهما: التنـزيه.

والآخر: الاستثناء.

وهو في هذا الموضع عندنا بمعنى التنـزيه لله , كأنه قيل: معاذ الله.

* * * قال أبو جعفر: وأما القول في قراءة ذلك.

فإنه يقال: للقارئ الخيار في قراءته بأي القراءتين شاء , إن شاء بقراءة الكوفيين، وإن شاء بقراءة البصريين , وهو: (حَاشَ لله) و " حَاشَى لله "، لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد , وما عدا ذلك فلغات لا تجوز القراءة بها , لأنا لا نعلم قارئًا قرأ بها.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 19234 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن نمير , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وقلن حاش لله) ، قال: معاذ الله.

19235 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله: (حاش لله)، معاذ الله.

19236 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: (وقلن حاش لله) : معاذ الله.

19237 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: (حاش لله) : معاذ الله.

19238 - ....

قال: حدثنا عبد الوهاب , عن عمرو , عن الحسن: (حاش لله) : معاذ الله.

19239 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا يحيى , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله.

* * * وقوله: (ما هذا بشرًا) ، يقول: قلن ما هذا بشرًا , لأنهن لم يرين في حسن صورته من البشر أحدًا , فقلن: لو كان من البشر، لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر , ولكنه من الملائكة لا من البشر، كما:- 19240 - حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: (وقلن حاش لله ما هذا بشرا) : ما هكذا تكون البشر!

* * * وبهذه القراءة قرأ عامة قرأة الأمصار .

وقد: - 19241 - حدثت عن يحيى بن زياد الفراء , قال: حدثني دعامة بن رجاء التيمي ، وكان غَزَّاءً (17) ، عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأ: " ما هذا بِشِرًى "، أي ما هذا بمشتري.

(18) * * * ، يريد بذلك أنهن أنكرن أن يكون مثلُه مستعبدًا يشترى ويُبَاع.

* * * قال أبو جعفر: وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع قرأة الأمصار على خلافها.

وقد بينا أن ما أجمعت عليه، فغير جائز خلافُها فيه.

* * * وأما " نصب " البشر , فمن لغة أهل الحجاز إذا أسقطوا " الباء " من الخبر نصبوه , فقالوا: " ما عمرو قائمًا " .

وأما أهل نجد , فإن من لغتهم رفعه , يقولون: " ما عمرو قائم " ; ومنه قول بعضهم حيث يقول: (19) لَشَـتَّانَ مَـا أَنْـوِي وَيَنْـوِي بَنُـو أَبِي جَمِيعًــا , فَمَــا هَـذَانِ مُسْـتَوِيَانِ تَمَنَّـوْا لِـيَ المَـوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى وَكُــلُّ فَتًــى وَالمَــوْتُ يَلْتَقِيَـانِ (20) وأما القرآن , فجاء بالنصب في كل ذلك , لأنه نـزل بلغة أهل الحجاز.

* * * وقوله: (إن هذا إلا مَلَك كريمٌ) ، يقول: قلن ما هذا إلا ملك من الملائكة، كما: - 19242 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: (إن هذا إلا ملك كريم) ، قال: قلن: ملك من الملائكة.

* * * ---------------------- الهوامش: (1) انظر تفسير" المكر" فيما سلف 15 : 49 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(2) انظر تفسير" أعتد" فيما سلف 8 : 103 ، 355 / 9 : 353 ، 392 .

(3) قراءة الحسن بالمد ، آخره همز ، ذكر هذه القراءة ابن خالويه في شواذ القراءات ص : 63 عن الحسن ، وذكرها أبو حيان في تفسيره 5 : 302 ، ونسبها إلى الحسن وابن هرمز ، وقال :" بالمد والهمز .

وهي مفتعل ، من الاتكاء ، إلا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف كما قالوا" : وَأَنْـتَ مِـنَ الغَـوَائِل حَـيْثُ تُـرْمَى ومِـــنْ ذَمِّ الرِّجـــالِ بِمُنْــتَزَاحِ أي : بمنتزح ، فأشبع .

(4) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 309 .

(5) يقول : إلا إذا أعطين السكاكين لكي يمزقن النمارق والوسائد ، وهي المتكأ .

(6) في المطبوعة :" وأخبرنا في قوله" ، لم يحسن قراءة المخطوطة .

(7) الأثر : 19206 -" إسماعيل بن سيف العجلي" ، شيخ برقم الطبري مضى : 3843 ، وذكر أخي هناك أنه لم يجد له ترجمة ، وظنه" إسماعيل بن سيف ، أبو إسحاق" ، بل قطع بذلك .

والله أعلم .

و" علي بن عابس الأسدي" ، ضعيف ، مضى برقم : 11233 .

(8) الأثر : 19208 -" إسماعيل بن سيف العجلي" ، انظر رقم : 19206 و" عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي" ، كان أميرًا بمكة ، وذكره العقيلي في الضعفاء .

مترجم في ميزان الاعتدال 2 : 132 ، ولسان الميزان 4 : 21 .

(9) لسان العرب ( كبر ) .

(10) ذكر أبو منصور الأزهري ، عن أبي الهيثم أنه قال :" سألت رجلا من طيئ فقلت : يا أخا طيئ ، ألك زوجة ؟

قال : لا والله ما تزوجت ، وقد وعدت في ابنة عم لي .

قلت : ما سنها ؟

قال : قد أكبرت ، أو : كبرت ، قلت : ما أكبرت ؟

قال : حاضت" .

قال : الأزهري :" وإن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى الحيض ، فلها مخرج حسن .

وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر ، فقيل لها : أكبرت ، أي : حاضت فدخلت في حد الكبر الموجب عليها الأمر والنهي .

(11) الآثار 19224 - 19227 - حديث موقوف صحيح الإسناد ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 17 من طرق وبألفاظ مختلفة ، وخرجه الهيثمي بهذا اللفظ ، في مجمع الزوائد 8 : 203 .

وبغير هذا اللفظ مطولا .

وقال :" رواه الطبراني موقوفًا ، ورجاله رجال الصحيح" ثم ذكر هذا المختصر ، فقال : رواه الطبراني ، والظاهر أنه وهم" .

وذلك أن نص الأول المطول :" أعطى يوسف وأمه ثلثي حسن الناس" .

(12) الأثر : 19228 -" أحمد بن ثابت بن عتاب الرازي" ،" فرخويه" ، شيخ الطبري كذاب ، مضى برقم : 2055 .

و" عبد الله بن محمد الرازي" ، شيخ الطبري ، لم أعرفه ، وفي التاريخ :" حدثني عبد الله بن محمد ، وأحمد بن ثابت الشيان .." ، ولا أدري ما هذا ؟

و" عفان" ، هو" عفان بن مسلم الصفار" ، ثقة من شيوخ أحمد والبخاري ، مضى برقم : 5392 ، أخرج له الجماعة .

و" حماد بن سلمة" ، ثقة ، مضى مرارًا .

و" ثابت" هو" ثابت بن أسلم الناني" تابعي ثقة ، مضى مرارًا .

وهذا خبر صحيح الإسناد ، ولا يضره كذب" أحمد بن ثابت" ، فالثقات قد رووه ، رواه أحمد في مسنده 3 : 286 ، عن عفان نفسه ، بهذا اللفظ .

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 570 ، من طريق محمد بن إسحاق الصغاني ، ومحمد بن غالب بن حرب ، وإسحاق بن الحسن بن ميمون ، جميعًا عن عفان بن مسلم .

بمثله ، وقال :" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي .

ورواه الطبري في تاريخه من هذا الطريق نفسه 1 : 173 .

(13) الآثار : 19230 - 19232 -" ربيعة الجرشي" ، مختلف في اسم أبيه ، وفي صحبته .

فقيل في اسم أبيه" ربيعة بن عمرو" ، و" ربيعة بن الغاز" ، انظر ترجمته في الإصابة ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 256 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 472 ، وابن سعد في الطبقات 7 / 2 / 150 ، وقال :" وفي بعض الحديث أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه ، قال : وكان ثقة ، وقتل يوم مرج راهط في ذي الحجة سنة 64".

(14) هو الجميح ، منقد بن الطماح الأسدي ، ونسب لسبرة بن عمرو الأسدي .

(15) المفضليات 718 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 310 ، والخزانة 2 : 150 ، والعيني ( بهامش الخزانة ) 4 : 129 ، واللسان ( حشى ) في موضعين ، بروايتين ، وهو من شعر له هجا فيه بني رواحه بن قطيعة بن عبس ، ويستثنى منهم عمرو بن عبد الله أبا ثوبان ، يقول : وَبَنُـــو رَوَاحَـــةَ يَنْظُــرُونَ إذَا نَظَـــرَ النَّــدِيُّ بِــآنُفٍ خُــثْمِ حَاشَـــا أبِــي ثَوْبَــانَ إنّ أبَــا ثَوْبَـــان لَيْسَ بِبُكْمَـــةٍ فَـــدْمِ عَمْــرُو بــنَ عَبْــدِ اللـهِ إنَّ بِـهِ ضَنًّــا عَــنِ المَلْحَــاةِ والشَّــتْمِ وخلط في الشعر أبو عبيدة وغيره ، وفي المخطوطة" أبي ثروان" ، وفي اللسان في أحد الموضعين" أبي مروان" ، كأنه نقل محرف عن رواية" ثروان" ، إن صحت ، رواه المفضل" حاشى أبا ثوبان" بالنصب .

و" الندى" المجلس ، واراد أهله .

و" الآنف" جمع" أنف" ،" الخثم" جمع" أخثم" ، وهو الأنف العظيم الكثير اللحم ، ليس برقيق ولا أشم ، وهو ذم .

و" البكمة" ، الأبكم ، و" الفدم" العيي الثقيل الفهم .

و" الملحاة" مصدر ميمي من" لحوت الرجل ولحيته" ، إذا ألححت عليه باللائمة ، وكأنه يعني المشاغبة .

(16) في المطبوعة ، أسقط" حشى الله" ، وأثبتها منها .

(17) كان في المطبوعة :" غرا" ، والصواب ما أثبت ، وهو كذلك في معاني القرآن .

(18) الأثر : 19241 - هو في معاني القرآن للفراء في تفسير الآية .

(19) لم أعرف قائله .

(20) رواهما الفراء في معاني القرآن , في تفسير الآية .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما سمعت بمكرهن أي بغيبتهن إياها ، واحتيالهن في ذمها .

وقيل : إنها أطلعتهن واستأمنتهن فأفشين سرها ، فسمي ذلك مكرا .قوله : أرسلت إليهن في [ ص: 156 ] الكلام حذف ; أي أرسلت إليهن تدعوهن إلى وليمة لتوقعهن فيما وقعت فيه ; فقال مجاهد عن ابن عباس : إن امرأة العزيز قالت لزوجها إني أريد أن أتخذ طعاما فأدعو هؤلاء النسوة ; فقال لها : افعلي ; فاتخذت طعاما ، ثم نجدت لهن البيوت ; نجدت أي زينت ; والنجد ما ينجد به البيت من المتاع أي يزين ، والجمع نجود عن أبي عبيد ; والتنجيد التزيين ; وأرسلت إليهن أن يحضرن طعامها ، ولا تتخلف منكن امرأة ممن سميت .

قال وهب بن منبه : إنهن كن أربعين امرأة فجئن على كره منهن ، وقد قال فيهن أمية بن أبي الصلت :حتى إذا جئنها قسرا ومهدت لهن أنضادا وكباباويروى : أنماطا .

قال وهب بن منبه : فجئن وأخذن مجالسهن .وأعتدت لهن متكأ أي هيأت لهن مجالس يتكئن عليها .

قال ابن جبير : في كل مجلس جام فيه عسل وأترج وسكين حاد .

وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير " متكا " مخففا غير مهموز ، والمتك هو الأترج بلغة القبط ، وكذلك فسره مجاهد روى سفيان عن منصور عن مجاهد قال : المتكأ مثقلا هو الطعام ، والمتك مخففا هو الأترج ; وقال الشاعر :نشرب الإثم بالصواع جهارا وترى المتك بيننا مستعاراوقد تقول أزد شنوءة : الأترجة المتكة ; قال الجوهري : المتك ما تبقيه الخاتنة .

وأصل المتك الزماورد .

والمتكاء من النساء التي لم تخفض .

قال الفراء : حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أن المتك مخففا الزماورد .

وقال بعضهم : إنه الأترج ; حكاه الأخفش .

ابن زيد : أترجا وعسلا يؤكل به ; قال الشاعر :فظللنا بنعمة واتكأنا وشربنا الحلال من قللهأي أكلنا .النحاس : قوله تعالى : " وأعتدت " من العتاد ; وهو كل ما جعلته عدة لشيء .

" متكأ " أصح ما قيل فيه ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : مجلسا ، وأما قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام فيجوز على تقدير : طعام متكأ ، مثل : واسأل القرية ; ودل على هذا الحذف وآتت كل واحدة منهن سكينا لأن حضور النساء معهن سكاكين إنما هو لطعام يقطع بالسكاكين ; كذا قال في كتاب " إعراب القرآن " له .

وقال في كتاب " معاني القرآن " له :[ ص: 157 ] وروى معمر عن قتادة قال : المتكأ الطعام .

وقيل : المتكأ كل ما اتكئ عليه عند طعام أو شراب أو حديث ; وهذا هو المعروف عند أهل اللغة ، إلا أن الروايات قد صحت بذلك .

وحكى القتبي أنه يقال : اتكأنا عند فلان أي أكلنا ، والأصل في متكأ موتكأ ، ومثله متزن ومتعد ; لأنه من وزنت ، ووعدت ووكأت ، ويقال : اتكأ يتكئ اتكاء .وآتت كل واحدة منهن سكينا مفعولان ; وحكى الكسائي والفراء أن السكين يذكر ويؤنث ، وأنشد الفراء :فعيث في السنام غداة قر بسكين موثقة النصابالجوهري : والغالب عليه التذكير ، وقال : يرى ناصحا فيما بدا فإذا خلا فذلك سكين على الحلق حاذقالأصمعي : لا يعرف في السكين إلا التذكير .قوله تعالى : وقالت اخرج عليهن بضم التاء لالتقاء الساكنين ; لأن الكسرة تثقل إذا كان بعدها ضمة ، وكسرت التاء على الأصل .

قيل : إنها قالت لهن : لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن ، ثم قالت لخادمها : إذا قلت لك ادع إيلا فادع يوسف ; وإيل : صنم كانوا يعبدونه ، وكان يوسف - عليه السلام - يعمل في الطين ، وقد شد مئزره ، وحسر عن ذراعيه ; فقالت للخادم : ادع لي إيلا ; أي ادع لي الرب ; وإيل بالعبرانية الرب ; قال : فتعجب النسوة وقلن : كيف يجيء ؟

!

فصعدت الخادم فدعت يوسف ، فلما انحدر قالت لهن : اقطعن ما معكن .فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن بالمدى حتى بلغت السكاكين إلى العظم ; قاله وهب بن منبه .

سعيد بن جبير : لم يخرج عليهن حتى زينته ، فخرج عليهن فجأة فدهشن فيه ، وتحيرن لحسن وجهه وزينته وما عليه ، فجعلن يقطعن أيديهن ، ويحسبن أنهن يقطعن الأترج ; واختلف في معنى أكبرنه فروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : أعظمنه وهبنه ; وعنه أيضا أمنين وأمذين من الدهش ; وقال الشاعر :إذا ما رأين الفحل من فوق قارة صهلن وأكبرن المني المدفقاوقال ابن سمعان عن عدة من أصحابه : إنهم قالوا أمذين عشقا ; وهب بن منبه : عشقنه حتى مات منهن عشر في ذلك المجلس دهشا وحيرة ووجدا بيوسف .

وقيل : معناه حضن من الدهش ; قاله قتادة ومقاتل والسدي ; قال الشاعر :نأتي النساء على أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا[ ص: 158 ] وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره وقالوا : ليس ذلك في كلام العرب ، ولكنه يجوز أن يكن حضن من شدة إعظامهن له ، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها أو تحيض .

قال الزجاج يقال أكبرنه ، ولا يقال حضنه ، فليس الإكبار بمعنى الحيض ; وأجاب الأزهري فقال : يجوز أكبرت بمعنى حاضت ; لأن المرأة إذا حاضت في الابتداء خرجت من حيز الصغر إلى الكبر ; قال : والهاء في أكبرنه يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية ، وهذا مزيف ، لأن هاء الوقف تسقط في الوصل ، وأمثل منه قول ابن الأنباري : إن الهاء كناية عن مصدر الفعل ، أي أكبرن إكبارا ، بمعنى حضن حيضا .

وعلى قول ابن عباس الأول تعود الهاء إلى يوسف ; أي أعظمن يوسف وأجللنه .قوله تعالى : وقطعن أيديهن قال مجاهد : قطعنها حتى ألقينها .

وقيل : خدشنها .

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : حزا بالسكين ، قال النحاس : يريد مجاهد أنه ليس قطعا تبين منه اليد ، إنما هو خدش وحز ، وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه قطع يده .

وقال عكرمة : " أيديهن " أكمامهن ، وفيه بعد .

وقيل : أناملهن ; أي ما وجدن ألما في القطع والجرح ، أي لشغل قلوبهن بيوسف ، والتقطيع يشير إلى الكثرة ، فيمكن أن ترجع الكثرة إلى واحدة جرحت يدها في موضع ، ويمكن أن يرجع إلى عددهن .قوله تعالى : وقلن حاش لله أي معاذ الله .

وروى الأصمعي عن نافع أنه قرأ كما قرأ أبو عمرو بن العلاء .

" وقلن حاشا لله " بإثبات الألف وهو الأصل ، ومن حذفها جعل اللام في لله عوضا منها .

وفيها أربع لغات ; يقال : حاشاك وحاشا لك وحاش لك وحشا لك .

ويقال : حاشا زيد وحاشا زيدا ; قال النحاس : وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول : النصب أولى ; لأنه قد صح أنها فعل لقولهم حاش لزيد ، والحرف لا يحذف منه ; وقد قال ، النابغة :ولا أحاشي من الأقوام من أحدوقال بعضهم : حاش حرف ، وأحاشى فعل .

ويدل على كون حاشا فعلا وقوع حرف الجر بعدها .

وحكى أبو زيد عن أعرابي : اللهم اغفر لي ولمن يسمع ، حاشا الشيطان وأبا الأصبغ ; فنصب بها .

وقرأ الحسن " وقلن حاش لله " بإسكان الشين ، وعنه أيضا " حاش الإله " .

ابن مسعود وأبي : " حاش الله " بغير لام ، ومنه قول الشاعر :حاشا أبي ثوبان إن به ضنا عن الملحاة والشتم[ ص: 159 ] قال الزجاج : وأصل الكلمة من الحاشية ، والحشا بمعنى الناحية ، تقول : كنت في حشا فلان أي في ناحيته ; فقولك : حاشا لزيد أي تنحى زيد من هذا وتباعد عنه ، والاستثناء إخراج وتنحية عن جملة المذكورين .

وقال أبو علي : هو فاعل من المحاشاة ; أي حاشا يوسف وصار في حاشية وناحية مما قرف به ، أو من أن يكون بشرا ; فحاشا وحاش في الاستثناء حرف جر عند سيبويه ، وعلى ما قال المبرد وأبو علي فعل .قوله تعالى : ما هذا بشرا قال الخليل وسيبويه : ما بمنزلة ليس ; تقول : ليس زيد قائما ، و " ما هذا بشرا " و " ما هن أمهاتهم " .

وقال الكوفيون : لما حذفت الباء نصبت ; وشرح هذا - فيما قاله أحمد بن يحيى - إنك إذا قلت : ما زيد بمنطلق ، فموضع الباء موضع نصب ، وهكذا سائر حروف الخفض ; فلما حذفت الباء نصبت لتدل على محلها ، قال : وهذا قول الفراء ، قال : ولم تعمل " ما " شيئا ; فألزمهم البصريون أن يقولوا : زيد القمر ; لأن المعنى كالقمر !

فرد أحمد بن يحيى بأن قال : الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف ; لأن الكاف تكون اسما .

قال النحاس : لا يصح إلا قول البصريين ; وهذا القول يتناقض ; لأن الفراء أجاز نصا ما بمنطلق زيد ، وأنشد :أما والله أن لو كنت حرا وما بالحر أنت ولا العتيقومنع نصا النصب ; ولا نعلم بين النحويين اختلافا أنه جائز : ما فيك براغب زيد ، وما إليك بقاصد عمرو ، ثم يحذفون الباء ويرفعون .

وحكى البصريون والكوفيون ما زيد منطلق بالرفع ، وحكى البصريون أنها لغة تميم ، وأنشدوا :أتيما تجعلون إلي ندا وما تيم لذي حسب نديدالند والنديد والنديدة المثل والنظير .

وحكى الكسائي أنها لغة تهامة ونجد .

وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين ، قال أبو إسحاق : وهذا غلط ; كتاب الله - عز وجل - ولغة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقوى وأولى .قلت : وفي مصحف حفصة - رضي الله عنها - " ما هذا ببشر " ذكره الغزنوي .

قال القشيري أبو نصر : وذكرت النسوة أن صورة يوسف أحسن من صورة البشر ، بل هو في صورة ملك ; وقال الله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم والجمع بين الآيتين أن [ ص: 160 ] قولهن : حاش لله تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز .

من المراودة ، أي بعد يوسف عن هذا ; وقولهن : " لله " أي لخوفه ، أي براءة لله من هذا ; أي قد نجا يوسف من ذلك ، فليس هذا من الصورة في شيء ; والمعنى : أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة ; فعلى هذا لا تناقض .

وقيل : المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة ، لفرط جماله .

وقوله : " لله " تأكيد لهذا المعنى ; فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظنا منهن أن صورة الملك أحسن ، وما بلغهن قوله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم فإنه من كتابنا .

وقد ظن بعض الضعفة أن هذا القول لو كان ظنا باطلا منهن لوجب على الله أن يرد عليهن ، ويبين كذبهن ، وهذا باطل ; إذ لا وجوب على الله تعالى ، وليس كل ما يخبر به الله سبحانه من كفر الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به الرد عليه ، وأيضا أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان ، وفي الحسن كأنه ملك ; أي لم ير مثله ، لأن الناس لا يرون الملائكة ; فهو بناء على ظن في أن صورة الملك أحسن ، أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التهم .

إن هذا إلا ملك أي ما هذا إلا ملك ; وقال الشاعر :فلست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوبوروي عن الحسن : " ما هذا بشرى " بكسر الباء والشين ، أي ما هذا عبدا مشترى ، أي ما ينبغي لمثل هذا أن يباع ، فوضع المصدر موضع اسم المفعول ، كما قال : أحل لكم صيد البحر أي مصيده ، وشبهه كثير .

ويجوز أن يكون المعنى : ما هذا بثمن ، أي مثله لا يثمن ولا يقوم ; فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به : كقولك : ما هذا بألف إذا نفيت قول القائل : هذا بألف .

فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر ، كأنه قال : ما هذا مقدرا بشراء .

وقراءة العامة أشبه ; لأن بعده إن هذا إلا ملك كريم مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيما لشأنه ، ولأن مثل " بشرى " يكتب في المصحف بالياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكان هذا القول منهن مكرا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه ليعذرنها، ولهذا سماه مكرا، فقال: { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ }{ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } تدعوهن إلى منزلها للضيافة.

{ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً } أي: محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة، طعام يحتاج إلى سكين، إما أترج، أو غيره، { وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا } ليقطعن فيها ذلك الطعام { وَقَالَتِ } ليوسف: { اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } في حالة جماله وبهائه.

{ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أي: أعظمنه في صدورهن، ورأين منظرا فائقا لم يشاهدن مثله، { وَقَطَّعْنَ } من الدهش { أَيْدِيَهُنَّ } بتلك السكاكين اللاتي معهن، { وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ } أي: تنزيها لله { مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ } وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق والنور والبهاء، ما كان به آية للناظرين، وعبرة للمتأملين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما سمعت ) راعيل ( بمكرهن ) بقولهن وحديثهن ، قاله قتادة و السدي .

قال ابن إسحاق إنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف وكان يوصف لهن حسنه وجماله .

وقيل : إنها أفشت إليهن سرها واستكتمتهن فأفشين ذلك ، فلذلك سماه مكرا .

( أرسلت إليهن ) قال وهب : اتخذت مأدبة ، ودعت أربعين امرأة ، منهن هؤلاء اللاتي عيرنها .

( وأعتدت ) أي : أعدت ( لهن متكأ ) أي : ما يتكأ عليه .

وقال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، ومجاهد : متكأ أي : طعاما ، سماه متكأ لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكئون على الوسائد ، فسمى الطعام متكأ على الاستعارة .

يقال : اتكأنا عند فلان أي : طعمنا .

ويقال : المتكأ ما اتكأت عليه للشرب أو الحديث أو الطعام ، ويقرأ في الشواذ متكأ بسكون التاء .

واختلفوا في معناه : فقال ابن عباس : [ هو الأترج .

ويروى عن مجاهد مثله .

وقيل ] هو الأترج بالحبشة .

وقال الضحاك : هو الرباورد .

وقال عكرمة : هو كل شيء يقطع بالسكين .

وقال أبو زيد الأنصاري : كل ما يجز بالسكين فهو عند العرب متك ، والمتك والبتك بالميم والباء : القطع ، فزينت [ المأدبة بألوان ] الفواكه والأطعمة ، ووضعت الوسائد ودعت النسوة .

( وآتت ) وأعطت ( كل واحدة منهن سكينا ) فكن يأكلن اللحم حزا بالسكين .

( وقالت ) ليوسف ( اخرج عليهن ) وذلك أنها كانت أجلسته في مجلس آخر ، فخرج عليهن يوسف .

قال عكرمة : كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم .

وروي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت ليلة أسري بي إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر " .

قال إسحاق بن أبي فروة : كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران .

( فلما رأينه أكبرنه ) أعظمنه ، قال أبو العالية : هالهن أمره وبهتن .

وقيل : أكبرنه أي : حضن لأجله من جماله .

ولا يصح .

( وقطعن ) أي : حززن بالسكاكين التي معهن ( أيديهن ) وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج ، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف .

قال مجاهد : فما أحسسن إلا بالدم .

وقال قتادة : أبن أيديهن حتى ألقينها .

والأصح كان قطعا بلا إبانة .

وقال وهب : ماتت جماعة منهن .

( وقلن حاش لله ما هذا بشرا ) أي : معاذ الله أن يكون هذا بشرا .

قرأ أبو عمرو : حاشى لله ، بإثبات الياء في الوصل ، على الأصل .

وقرأ الآخرون بحذف الياء لكثرة ورودها على الألسن ، واتباعا للكتاب .

وقوله : ( ما هذا بشرا ) نصب بنزع حرف الصفة ، أي : ليس هذا ببشر ( إن هذا ) أي : ما هذا ( إلا ملك ) من الملائكة ( كريم ) على الله تعالى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما سمعت بمكرهن» غيبتهن لها «أرسلت إليهن وأعتدت» أعدت «لهن متكأ» طعاما يقطع بالسكين للاتكاء عنده وهو الأترج «وآتت» أعطت «كل واحدة منهن سكينا وقالت» ليوسف «اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه» أعظمنه «وقطَّعن أيديهن» بالسكاكين ولم يشعرن بالألم لشغل قلبهن بيوسف «وقلن حاش لله» تنزيها له «ما هذا» أي يوسف «بشرا إن» ما «هذا إلا ملك كريم» لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية، وفي الحديث (أنه أعطي شطر الحسن).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما سمعت امرأة العزيز بغِيْبتهن إياها واحتيالهن في ذمِّها، أرسلت إليهن تدعوهن لزيارتها، وهيَّأت لهن ما يتكئن عليه من الوسائد، وما يأكلنه من الطعام، وأعطت كل واحدة منهن سكينًا ليُقَطِّعن الطعام، ثم قالت ليوسف: اخرج عليهن، فلما رأينه أعظمنه وأجللنه، وأخَذَهن حسنه وجماله، فجرحن أيديهن وهن يُقَطِّعن الطعام من فرط الدهشة والذهول، وقلن متعجبات: معاذ الله، ما هذا من جنس البشر؛ لأن جماله غير معهود في البشر، ما هو إلا مَلَك كريم من الملائكة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا تحكى السورة الكريمة كيف قابلت تلك المرأة الداهية الجريئة ، مكر بنات جنسها وطبقتها بمكر أشد من مكرهن بها فقال - تعالى - :( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ) أى : فاغتيابهن لها .

وسوء مقالتهن فيها ، وسمى ذلك مكرا لشبهه به فى الإِخفاء والخداع .أو قصدن بما قلنه - كما سبق أن أشرنا - إثارتها ، لكى تطلعهن على فتاها الذى راودته عن نفسه ، ليعرفن السر فى هذه المراودة ، وعلى هذا يكون المكر على حقيقته .

ومثل هذا المكر ليس غريبا على النساء فى مثل هذه الأحوال .وقوله : ( أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ .

.

) الخ بيان لما فعلته معهن .أى : أرسلت إلى النسوة اللائى وصفنها بأنها فى ضلال مبين ، ودعتهن إلى الحضور إليها فى دراها لتناول الطعام .( وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ) أى : وهيأت لهن فى مجلس طعامها ، ما يتكئن عليه من الوسائد والنمارق وما يشبه ذلك .فالمتكأ : اسم مفعول من الإتكاء ، وهو الميل إلى أحد الجانبين فى الجلوس كما جرت بذلك عادة المترفين عند تناول الطعام ، وعندما يريدون إطالة المكث مع انتصاب قليل فى النصف الأعلى من الجسم والاستراحة بعد الأكل .أخرج ابن شيبة عن جابر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله ، وأن يأكل متكئا .( وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً ) أى : وأعطت كل واحدة من هؤلاء النسوة سكينا ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة .ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الحضارة المادية فى مصر فى ذلك الوقت كانت قد بلغت شأوا بعيدا ، وأن الترف فى القصور كان عظيما ، فإن استعمال السكاكين فى الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته فى تصوير الترف والحضارة المادية .وهنا نجد المرأة الجريئة الماكرة ، تقول ليوسف - عليه السلام - كما حكى القرآن عنها : ( اخرج عَلَيْهِنَّ ) أى ابرز لهن ، وادخل عليهن ، وهن على تلك الحالة من الأكل والاتكاء وتقطيع ما يحتاج إلى تقطيع الطعام .

.وهى ترمى من وراء خروجه عليهن إلى إطلاعهن عليه حتى يعذرنها فى حبها له وقد كان لهذه المفاجأة من يوسف لهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويأكلنه ، أثرها الشديد فى نفوسهن ، وهذا ما حكاه القرآن الكريم فى قوله : ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَراً إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ) .والجملة الكريمة معطوفة على كلام محذوف دل عليه السياق ، والتقدير : قالت امرأة العزيز ليوسف اخرج عليهن ، فخرج عليهن وهن على تلك الحالة فلما رأينه أكبرنه ، أى : أعظمنه ، ودهشن لهيئته ، وجمال طلعته وحسن شمائله .( وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) أى : جرحن أيديهن وخدشنها بالسكاكين التى فى أيديهن دون أن يشعرن بذلك ، لشدة دهشتهن المفاجئة بهيئة يوسف .

.( وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَراً ) وحاش فعل ماض ، واللام فى " لله " للتعليل ، والمراد بهذه الجملة الكريمة التعبير عن عجيب صنع الله فى خلقه أى : وقلن عندما فوجئن بخروج يوسف عليهن : تنزه الله - تعالى - تنزيها كبيرا عن صفات العجز ، ونتعجب تعجبا شديدا من قدرته - سبحانه - على خلق هذا الجمال البديع ، وما هذا الذى نراه أمامنا بشرا كسائر البشر ، لتفرقه فى الحسن عنهم ، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين تمثل فى هذه الصورة البديعة التى تخلب الألباب .ووصفوه بذلك بناء على ما ركز فى الطباع من تشبيه ما هو مفرط فى الجمال والعفة بالملك وتشبيه ما هو شديد القبح والسوء بالشيطان .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لم لم يقل: ﴿ وَقَالَت نِسْوَةٌ ﴾ قلنا لوجهين: الأول: أن النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث.

الثاني: قال الواحدي تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع.

المسألة الثانية: قال الكلبي: هن أربع، امرأة ساقي العزيز.

وامرأة خبازه وامرأة صاحب سجنه.

وامرأة صاحب دوابه، وزاد مقاتل وامرأة الحاجب.

والأشبه أن تلك الواقعة شاعت في البلد واشتهرت وتحدث بها النساء.

وامرأة العزيز هي هذه المرأة المعلومة ﴿ تُرَاوِدُ فتاها عَن نَّفْسِهِ ﴾ الفتى الحدث الشاب والفتاة الجارية الشابة ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن الشغاف فيه وجوه: الأول: أن الشغاف جلدة محيطة بالقلب يقال لها غلاف القلب يقال شغفت فلاناً إذا أصبت شغافه كما تقول كبدته أي أصبت كبده فقوله: ﴿ شَغَفَهَا حُبّا ﴾ أي دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.

والثاني: أن حبه أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب، ومعنى إحاطة ذلك الحب بقلبها هو أن اشتغالها بحبه صار حجاباً بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة فلا تعقل سواه ولا يخطر ببالها إلا إياه.

والثالث: قال الزجاج: الشغاف حبة القلب وسويداء القلب.

والمعنى: أنه وصل حبه إلى سويداء قلبها، وبالجملة فهذا كناية عن الحب الشديد والعشق العظيم.

المسألة الثانية: قرأ جماعة من الصحابة والتابعين ﴿ شعفها ﴾ بالعين.

قال ابن السكيت: يقال شعفه الهوى إذا بلغ إلى حد الاحتراق، وشعف الهناء البعير إذا بلغ منه الألم إلى حد الاحتراق، وكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى فقال: الشعف بالعين إحراق الحب القلب مع لذة يجدها، كما أن البعير إذا هنئ بالقطران يبلغ منه مثل ذلك ثم يستروح إليه.

وقال ابن الأنباري: الشعف رؤوس الجبال، ومعنى شعف بفلان إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من قلبه.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ حبها ﴾ نصب على التمييز.

ثم قال: ﴿ حُبّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ أي في ضلال عن طريق الرشد بسبب حبها إياه كقوله: ﴿ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المراد من قوله: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أنها سمعت قولهن وإنما سمي قولهن مكراً لوجوه: الأول: أن النسوة إنما ذكرت ذلك الكلام استدعاء لرؤية يوسف عليه السلام والنظر إلى وجهه لأنهن عرفن أنهن إذا قلن ذلك عرضت يوسف عليهن ليتمهد عذرها عندهن.

الثاني: أن امرأة العزيز أسرت إليهن حبها ليوسف وطلبت منهن كتمان هذا السر، فلما أظهرن السر كان ذلك غدراً ومكراً.

الثالث: أنهن وقعن في غيبتها، والغيبة إنما تذكر على سبيل الخفية فأشبهت المكر.

المسألة الثانية: أنها لما سمعت أنهن يلمنها على تلك المحبة المفرطة أرادت إبداء عذرها فاتخذت مائدة ودعت جماعة من أكابرهن وأعتدت لهن متكأ، وفي تفسيره وجوه: الأول: المتكأ النمرق الذي يتكأ عليه.

الثاني: أن المتكأ هو الطعام.

قال العتبي والأصل فيه أن من دعوته ليطعم عندك فقد أعددت له وسادة تسمى الطعام متكأ على الاستعارة، والثالث: متكأ أترجاً، وهو قول وهب وأنكر أبو عبيد ذلك ولكنه محمول على أنها وضعت عندهن أنواع الفاكهة في ذلك المجلس.

والرابع: متكأ طعاماً يحتاج إلى أن يقطع بالسكين، لأن الطعام متى كان كذلك احتاج الإنسان إلى أن يتكأ عليه عند القطع.

ثم نقول: حاصل ذلك أنها دعت أولئك النسوة وأعدت لكل واحدة منهن مجلساً معيناً وآتت كل واحدة منهن سكيناً أي لأجل أكل الفاكهة أو لأجل قطع اللحم ثم إنها أمرت يوسف عليه السلام بأن يخرج إليهن ويعبر عليهن وأنه عليه السلام ما قدر على مخالتها خوفاً منها ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ قولان: الأول: أعظمنه.

والثاني: ﴿ أكبرن ﴾ بمعنى حضن.

قال الأزهري والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر وفيه وجه آخر، وهو أن المرأة إذا خافت وفزعت فربما أسقطت ولدها فحاضت، فإن صح تفسير الإكبار بالحيض فالسبب فيه ما ذكرناه وقوله: ﴿ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ كناية عن دهشتهن وحيرتهن، والسبب في حسن هذه الكناية أنها لما دهشت فكانت تظن أنها تقطع الفاكهة وكانت تقطع يد نفسها، أو يقال: إنها لما دهشت صارت بحيث لا تميز نصابها من حديدها وكانت تأخذ الجانب الحاد من ذلك السكين بكفها فكان يحصل الجراحة في كفها.

المسألة الثالثة: اتفق الأكثرون على أنهن إنما أكبرنه بحسب الجمال الفائق والحسن الكامل قيل: كان فضل يوسف على الناس في الفضل والحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مررت بيوسف عليه السلام ليلة عرج بي إلى السماء فقلت لجبريل عليه السلام من هذا؟

فقال هذا يوسف فقيل يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر وقيل: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس من السماء عليها، وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه»، وهذا القول هو الذي اتفقوا عليه، وعندي أنه يحتمل وجهاً آخر وهو أنهن إنما أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة، وآثار الخضوع والاحتشام، وشاهدن منها مهابة النبوة، وهيئة الملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح، وعدم الاعتداد بهن، وكان الجمال العظيم مقروناً بتلك الهيبة والهيئة فتعجبن من تلك الحالة فلا جرم أكبرنه وعظمنه، ووقع الرعب والمهابة منه في قلوبهن، وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه أولى.

فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك فكيف ينطبق على هذا التأويل قولها: ﴿ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِى فِيهِ ﴾ وكيف تصير هذه الحالة عذراً لها في قوة العشق وإفراط المحبة؟

قلنا: قد تقرر أن الممنوع متبوع فكأنها قالت لهن مع هذا الخلق العجيب وهذه السيرة الملكية الطاهرة المطهرة فحسنه يوجب الحب الشديد وسيرته الملكية توجب اليأس عن الوصول إليه فلهذا السبب وقعت في المحبة، والحسرة، والأرق والقلق، وهذا الوجه في تأويل الآية أحسن والله أعلم.

المسألة الثالثة: قرأ أبو عمرو ﴿ وَقُلْنَ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ بإثبات الألف بعد الشين وهي رواية الأصمعي عن نافع وهي الأصل لأنها من المحاشاة وهي التنحية والتبعيد، والباقون بحذف الألف للتخفيف وكثرة دورها على الألسن اتباعاً للمصحف وحاشا كلمة يفيد معنى التنزيه، والمعنى هاهنا تنزيه الله تعالى من المعجز حيث قدر على خلق جميل مثله.

أما قوله: ﴿ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ فيه وجهان: الوجه الأول: وهو المشهور أن المقصود منه إثبات الحسن العظيم له قالوا: لأنه تعالى ركز في الطباع أن لا حي أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا حي أقبح من الشيطان، ولذلك قال تعالى في صفة جهنم ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءوسُ الشياطين  ﴾ وذلك لما ذكرنا أنه تقرر في الطباع أن أقبح الأشياء هو الشيطان فكذا هاهنا تقرر في الطباع أن أحسن الأحياء هو الملك، فلما أرادت النسوة المبالغة في وصف يوسف عليه السلام بالحسن لا جرم شبهنه بالملك.

والوجه الثاني: وهو الأقرب عندي أن المشهور عند الجمهور أن الملائكة مطهرون عن بواعث الشهوة، وجواذب الغضب، ونوازع الوهم والخيال فطعامهم توحيد الله تعالى وشرابهم الثناء على الله تعالى، ثم إن النسوة لما رأين يوسف عليه السلام لم يلتفت إليهن ألبتة ورأين عليه هيبة النبوة وهيبة الرسالة، وسيما الطهارة قلن إنا ما رأينا فيه أثراً من أثر الشهوة، ولا شيئاً من البشرية، ولا صفة من الإنسانية، فهذا قد تطهر عن جميع الصفات المغروزة في البشر، وقد ترقى عن حد الإنسانية ودخل في الملكية.

فإن قالوا: فإن كان المراد ما ذكرتم فكيف يتمهد عذر تلك المرأة عند النسوة؟

فالجواب قد سبق.

والله أعلم.

المسألة الخامسة: القائلون بأن الملك أفضل من البشر احتجوا بهذه الآية فقالوا: لا شك إنهن إنما ذكرت هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف عليه السلام.

فوجب أن يكون إخراجه من البشرية وإدخاله في الملكية سبباً لتعظيم شأنه وإعلاء مرتبته، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان الملك أعلى حالاً من البشر، ثم نقول: لا يخلو إما أن يكون المقصود بيان كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الظاهر، أو كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الباطن، والأول باطل لوجهين: الأول: أنهم وصفوه بكونه كريماً، وإنما يكون كريماً بسبب الأخلاق الباطنة لا بسبب الخلقة الظاهرة، والثاني: أنا نعلم بالضرورة أن وجه الإنسان لا يشبه وجوه الملائكة ألبتة.

أما كونه بعيداً عن الشهوة والغضب معرضاً عن اللذات الجسمانية متوجهاً إلى عبودية الله تعالى مستغرق القلب، والروح فيه فهو أمر مشترك فيه بين الإنسان الكامل وبين الملائكة.

وإذا ثبت هذا فنقول: تشبيه الإنسان بالملك في الأمر الذي حصلت المشابهة فيه على سبيل الحقيقة أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل المشابهة فيه ألبتة، فثبت أن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في هذه الآية إنما وقع في الخلق الباطن، لا في الصورة الظاهرة، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب أن يكون الملك أعلى حالاً من الإنسان من هذه الفضائل، فثبت أن الملك أفضل من البشر والله أعلم.

المسألة السادسة: لغة أهل الحجاز إعمال ما عمل ليس وبها ورد قوله: ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ ومنها قوله: ﴿ مَّا هُنَّ أمهاتهم  ﴾ ومن قرأ على لغة بني تميم.

قرأ ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ وهي قراءة ابن مسعود وقرئ ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ أي ما هو بعبد مملوك للبشر ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ ثم نقول: ما هذا بشراً، أي حاصل بشراً بمعنى هذا مشترى، وتقول: هذا لك بشراً أم بكراً، والقراءة المعتبرة هي الأولى لموافقتها المصحف، ولمقابلة البشر للملك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ ﴾ وقال جماعة من النساء وكنّ خمساً: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب.

والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللمة، ولذلك لم تلحق فعله تاء التأنيث.

وفيه لغتان: كسر النون وضمها ﴿ فِى المدينة ﴾ في مصر ﴿ امرأت العزيز ﴾ يردن قطفير، والعزيز: الملك بلسان العرب ﴿ فتاها ﴾ غلامها.

يقال: فتاي وفتاتي، أي غلامي وجاريتي ﴿ شَغَفَهَا ﴾ خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب، وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب.

قال النابغة: وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ وَالِج ** مَكَانَ الشِّغَافِ تَبْتَغِيهِ الأَصَابِعُ وقرئ: ﴿ شعفها ﴾ بالعين، من شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال: كَمَا شَعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَّجُلُ الطّالي و ﴿ حَبّاً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ في خطأ وبُعدٍ عن طريق الصواب ﴿ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ باغتيابهنّ وسوء قالتهن، وقولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها، وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحالِ غيبة، كما يخفي الماكر مكره.

وقيل: كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها ﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾ دعتهنّ.

قيل: دعت أربعين امرأة منهنّ الخمس المذكورات ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ ما يتكئن عليه من نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ: أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ، فتضع الخناجر في أيديهنّ ليقطعن أيديهنّ، فتبكتهنّ بالحجة، ولتهول يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهنّ الخناجر، وتوهمه أنهنّ يثبن عليه.

وقيل: متكأ: مجلس طعام لأنهم كانوا يتكؤن للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك «نهى أن يأكل الرجل متكئاً» وأتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن.

وقيل: ﴿ مُتَّكَئاً ﴾ طعاماً، من قولك اتكأنا عند فلان: طعمنا، على سبيل الكناية؛ لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها.

قال جميل: فَظَلَلْنَا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنَا ** وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قُلَلِهْ وعن مجاهد ﴿ مُتَّكَئاً ﴾ طعاماً يحزّ حزّا، كأن المعنى يعتمد بالسكين؛ لأنّ القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين.

وقرئ: ﴿ متكا ﴾ بغير همز.

وعن الحسن: ﴿ متكاء ﴾ بالمدّ، كأنه مفتعال، وذلك لإشباع فتحة الكاف، كقوله (بمُنْتزاحِ) بمعنى بمنتزح.

ونحوه (يَنْبَاعُ) بمعنى ينبع.

وقرئ: ﴿ متكأ ﴾ وهو الأترج، وأنشد: فَأَهْدَتْ مَتْكَةً لِبَنِي أبِيهَا ** تَخُبُّ بِهَا العَثْمَثَةُ الْوِقَاحُ وكانت أهدت أترجة على ناقة، وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في سننه أنها شقت بنصفين، وحملا كالعدلين على جمل.

وقيل: الزماورد وعن وهب: أترجا وموزاً وبطيخاً.

وقيل: أعتدت لهنَّ ما يقطع، من متك الشيء بمعنى بتكه إذا قطعه.

وقرأ الأعرج: ﴿ مُتَّكَئاَ ﴾ مفعلاً، من تكئ يتكأ، إذا اتكأ ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الفائق.

قيل: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء، فقلت لجبريل: من هذا؟

فقال يوسف، فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر» .

وقيل: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى نور الشمس من الماء عليها.

وقيل: ما كان أحد يستطيع وصف يوسف.

وقيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه.

وقيل: ورث الجمال من جدّته سارة.

وقيل: أكبرن بمعنى حضن، والهاء للسكت، يقال: أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته: دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حدّ الصغر إلى حدّ الكبر، وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله: خَفِ اللَّهَ وَاسْتُرْ ذَا الْجَمَالَ بِبُرْقَع ** فَإنْ لُحْتَ حَاضَتْ في الْخُدُورِ الْعَوَاتِقُ ﴿ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها ﴿ حاشا ﴾ كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء.

تقول: أساء القوم حاشا زيد.

قال: حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إنَّ بِه ** ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ وهي حرف من حروف الجر، فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى ﴿ حاشا الله ﴾ براءة الله وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعود، على إضافة حاشا إلى الله إضافة البراءة.

ومن قرأ: حاشا لله، فنحو قولك: سقيا لك؛ كأنه قال: براءة، ثم قال: لله، لبيان من يبرأ وينزه.

والدليل على تنزيل ﴿ حاشا ﴾ منزلة المصدر: قراءة أبي السمال: ﴿ حاشا لله ﴾ بالتنوين.

وقراءة أبي عمرو ﴿ حَاشَ للَّهِ ﴾ بحذف الألف الآخرة.

وقراءة الأعمش ﴿ حشا لله ﴾ بحذف الألف الأولى.

وقرئ: ﴿ حاش لله ﴾ بسكون الشين، على أن الفتحة تبعت الألف في الإسقاط، وهي ضعيفة لما فيها من التقاء الساكنين على غير حدّه.

وقرئ: ﴿ حاشا الإله ﴾ .

فإن قلت: فلم جاز في حاشا لله أن لا ينوّن بعد إجرائه مجرى: براءة لله؟

قلت: مراعاة لأصله الذي هو الحرفية.

ألا ترى إلى قولهم: جلست من عن يمينه، كيف تركوا (عن) غير معرب على أصله؟

وعلى قوله (غدت من عليه) منقلب الألف إلى الياء مع الضمير؟

والمعنى: تنزيه الله تعالى من صفات العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله.

وأما قوله: ﴿ حَاشا للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء ﴾ [يوسف: 51] فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأن الحقيقة كذلك، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من الملائكة، إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على الملك، وما هو إلا من تعكيسهم للحقائق، وجحودهم للعلوم الضرورية، ومكابرتهم في كل باب، وإعمال (ما) عمل (ليس) هي اللغة القدمى الحجازية وبها ورد القرآن.

ومنها قوله تعالى: ﴿ مَّا هُنَّ أمهاتهم ﴾ [المجادلة: 2] ومن قرأ على سليقته من بني تميم، قرأ: ﴿ بشر ﴾ بالرفع.

وهي في قراءة ابن مسعود.

وقرئ: ﴿ ما هذا بشرى ﴾ أي ما هو بعبد مملوك لئيم ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ تقول هذا بشرى، أي حاصل بشرى، بمعنى: هذا بشرى.

وتقول: هذا لك بشري أم بكري؟

والقراءة هي الأولى، لموافقتها المصحف؛ ومطابقة بشر لملك ﴿ قَالَتْ فذلكن ﴾ ولم يقل فهذا وهو حاضر، رفعاً لمنزلته في الحسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، وربئاً بحاله واستبعاداً لمحله، ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهنّ: عشقت عبدها الكنعاني.

تقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكنّ، ثم لمتننى فيه.

تعني: أنكن لم تصوّرنه بحق صورته، ولو صوّرتنه بما عاينتن لعذرتني في الافتنان به.

الاستعصام: بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها.

ونحوه استمسك واستوسع الفتق واستجمع الرأي واستفحل الخطب.

وهذا بيان لما كان من يوسف عليه السلام لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو مما فسروا به الهمّ والبرهان.

فإن قلت: الضمير في ﴿ ءَامُرُهُ ﴾ راجع إلى الموصول، أم إلى يوسف؟

قلت: بل إلى الموصول.

والمعنى: ما آمر به، فحذف الجار كما في قولك: أمرتك الخير، ويجوز أن تجعل (ما) مصدرية، فيرجع إلى يوسف ومعناه: ولئن لم يفعل أمري إياه، أي موجب أمري ومقتضاه.

قرئ: ﴿ وليكونا ﴾ بالتشديد والتخفيف.

والتخفيف أولى، لأنّ النون كتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ بِاغْتِيابِهِنَّ، وإنَّما سَمّاهُ مَكْرًا لِأنَّهُنَّ أخْفَيْنَهُ كَما يُخْفِي الماكِرُ مَكْرَهُ، أوْ قُلْنَ ذَلِكَ لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ أوْ لِأنَّها اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ عَلَيْها.

﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ ﴾ تَدْعُوهُنَّ قِيلَ دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً فِيهِنَّ الخَمْسُ المَذْكُوراتُ.

﴿ وَأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ الوَسائِدِ.

﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا ﴾ حَتّى يَتَّكِئْنَ والسَّكاكِينُ بِأيْدِيهِنَّ فَإذا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُبْهَتْنَ ويُشْغَلْنَ عَنْ نُفُوسِهِنَّ فَتَقَعُ أيْدِيهِنَّ عَلى أيْدِيهِنَّ فَيَقْطَعْنَها فَيُبَكَّتْنَ بِالحُجَّةِ، أوْ يَهابُ يُوسُفُ مَكْرَها إذا خَرَجَ وحْدَهُ عَلى أرْبَعِينَ امْرَأةً في أيْدِيهِنَّ الخَناجِرُ.

وقِيلَ ﴿ مُتَّكَأً ﴾ طَعامًا أوْ مَجْلِسَ طَعامٍ فَإنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ لِلطَّعامِ والشَّرابِ تَرَفًا ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ.

قالَ جَمِيلٌ: فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَكَأْنا.

.

.

وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ وَقِيلَ المُتَّكَأُ طَعامٌ يُحَزُّ حَزًّا كَأنَّ القاطِعَ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ بِالسِّكِّينِ.

وقُرِئَ « مُتَّكًا» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ و « مُتَّكاءً» بِإشْباعِ الفَتْحَةِ كَمُنْتَزاحٍ و « مُتَّكًا» وهو الأُتْرُجُّ أوْ ما يُقْطَعُ مِن مَتَكَ الشَّيْءَ إذا بَتَكَهُ و « مُتَّكَأً» مِن تَكِئَ يُتَّكَأُ إذا اتَّكَأ.

﴿ وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ ﴾ عَظَّمْنَهُ وهِبْنَ حُسْنَهُ الفائِقَ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ» وقِيلَ كانَ يُرى تَلَأْلُؤُ وجْهِهِ عَلى الجُدْرانِ.

وقِيلَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ مِن أكْبَرَتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ لِأنَّها تَدْخُلُ الكِبَرَ بِالحَيْضِ، والهاءُ ضَمِيرٌ لِلْمَصْدَرِ أوْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حَذْفِ اللّامِ أيْ حِضْنَ لَهُ مِن شِدَّةِ الشَّبَقِ كَما قالَ المُتَنَبِّي: خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالَ بِبُرْقُعٍ.

.

.

∗∗∗ فَإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ جَرَحْنَها بِالسَّكاكِينِ مِن فَرْطِ الدَّهْشَةِ.

﴿ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ مِن صِفاتِ العَجْزِ وتَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِ، وأصْلُهُ « حاشا» كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو في الدَّرْجِ فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا وهو حَرْفٌ يُفِيدُ مَعْنى التَّنْزِيهِ في بابِ الِاسْتِثْناءِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ التَّنْزِيهِ واللّامُ لِلْبَيانِ كَما في قَوْلِكَ سُقْيًا لَكَ.

وَقُرِئَ « حاشَ اللَّهُ» بِغَيْرِ لامٍ بِمَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ، و « حاشًا لِلَّهِ» بِالتَّنْوِينِ عَلى تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المَصْدَرِ.

وقِيلَ « حاشا» فاعِلٌ مِنَ الحَشا الَّذِي هو النّاحِيَةُ وفاعِلُهُ ضَمِيرُ يُوسُفَ أيْ صارَ في ناحِيَةِ اللَّهِ مِمّا يُتَوَهَّمُ فِيهِ.

﴿ ما هَذا بَشَرًا ﴾ لِأنَّ هَذا الجَمالَ غَيْرُ مَعْهُودٍ لِلْبَشَرِ، وهو عَلى لُغَةِ الحِجازِ في إعْمالِ ما عَمَلَ لَيْسَ لِمُشارَكَتِها في نَفْيِ الحالِ.

وَقُرِئَ « بَشَرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و « بِشَرى» أيْ بِعَبْدٍ مُشْتَرى لَئِيمٍ.

﴿ إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ فَإنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الجَمالِ الرّائِقِ والكَمالِ الفائِقِ والعِصْمَةِ البالِغَةِ مِن خَواصِّ المَلائِكَةِ، أوْ لِأنَّ جَمالَهُ فَوْقَ جَمالِ البَشَرِ ولا يَفُوقُهُ فِيهِ إلّا المَلَكُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فلما سمعت} راعيل {بمكرهن} باغتيابهن وقولهم امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعانى ومقتها وسما الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحال غيبة كما يخفي الماكر مكره وقيل كانت استكتمتهن سرها فأفشينه عليها {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} دعتهن قيل دعت أربعين امراة منهم الخمس المذكورات {وَأَعْتَدَتْ} وهيأت افتعلت من العتاد {لهن متكأ} ما يتكئن عليه من نمارق قصدت بتلك الهيئة وهى قعودهن متكأت والسكاكين في أيديهن أن يدهشن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيدهن على أيديهن فيقطعنها لأن المتكىء إذا بهت لشيء وقعت يده على يده {وآتت كل واحدة منهن سكيناً} وكانوا لا يأكلون في ذلك الزمان إلا بالسكاكين كفعل الأعاجم {وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ} بكسر التاء بصري وعاصم وحمزة وبضمها غيرهم {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائق والجمال الفائق وكان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء وكان إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران وكان يشبه آدم يوم خلقه ربه وقيل ورث الجمال من جدته سارة وقيل أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت إذ لا يقال النساء قد حضنه لأنه لا يتعدى إلى مفعول يقال أكبرت المراة إذا حاضت وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر وكأن أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قوله ...

خف الله واستر ذا الجمال ببرقع ...

فإن لحت حاضت فى الخدور العواتق ...

يوسف (٣١ _ ٣٣)

{وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} وجرحنها كما تقول كنت أقطع اللحم فقطعت يدي تريد جرحتها أي أردن أن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فدهشن لما رأينه فخدشن أيديهن {وَقُلْنَ حاش لِلَّهِ} حاشا كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء تقول أساء القوم حاشا زيد وهي حرف من حروف الجر

فوضعت موضع التنزيه والبراءة فمعنى حشا الله براءة الله وتنزيه الله وقراءة أبي عمرو وحاشا لله نحو قولك سقيا لك كأنه قال برءا ثم قال لله لبيان من يبرأ وينزه وغيره حاش لله بحذف الألف الأخيرة والمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله {مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} نفين عنه البشرية لغرابة جماله واثتبن له الملكية وبتتن بها الحكم لما ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أيْ بِاغْتِيابِهِنَّ وسُوءِ مَقالَتِهِنَّ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ مَكْرًا لِشَبَهِهِ لَهُ في الإخْفاءِ، وقِيلَ: كانَتِ اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ وأطْلَعْنَ عَلى أمْرِها، وقِيلَ: إنَّهُنَّ قَصَدْنَ بِتِلْكَ المَقالَةِ إغْضابِها حَتّى تَعْرِضَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفَ لِتُبْدِيَ عُذْرَها فَيَفُزْنَ بِمُشاهَدَتِهِ، والمَكْرُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَقِيقَةٌ ﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ ﴾ تَدْعُوهُنَّ، قِيلَ: دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ أوِ الأرْبَعُ المَذْكُوراتُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى تِلْكَ النِّسْوَةِ القائِلَةِ ما قُلْنَ عَنْها ﴿ وأعْتَدَتْ ﴾ أيْ هَيَّأتْ ﴿ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ أيْ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّمارِقِ والوَسائِدِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مِن الِاتِّكاءِ المَيْلُ إلى أحَدِ الشِّقَّيْنِ، وأصْلُهُ مَوْتَكَأٌ لِأنَّهُ مِن تَوَكَّأْتُ فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً وأُدْغِمَتْ في مِثْلِها، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا أنَّ المُتَّكَأ مَجْلِسُ الطَّعامِ لِأنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ كَعادَةِ المُتْرَفِينَ المُتَكَبِّرِينَ، ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ نَهى أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشَمالِهِ وأنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا،» وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الطَّعامِ، قالَ العُتْبِيُّ: يُقالُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ أكَلْنا؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَمِيلٍ: فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهِ وهُوَ عَلى هَذا اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ مُتَّكِئًا لَهُ أوْ مَصْدَرٌ أيِ اتِّكاءً، وعَبَّرَ بِالهَيْئَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآكِلُ المُتْرَفُ عَنْ ذَلِكَ مَجازًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ الكِنايَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الطَّعامُ يُحَزُّ حَزًّا بِالسِّكِّينِ واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ، فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا وكانُوا لا يَنْهَشُونَ اللَّحْمَ، وإنَّما يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَّكاكِينِ، وقِيلَ: كانَ أُتْرُجًّا ومَوْزًا وبِطِّيخًا، وقِيلَ: الزَّماوَرْدُ وهو الرُّقاقُ المَلْفُوفُ بِاللَّحْمِ وغَيْرُهُ أوْ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالأُتْرُجِّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ بِذَلِكَ لِأنَّ عادَةَ مَن يَقْطَعُ شَيْئًا أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُتَّكَأً عَلَيْهِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ -مُتَّكًى مُشَدَّدُ التّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ بِوَزْنِ مُتَّقًى وهو حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ مِن الِاتِّكاءِ وفِيهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ كَما قالُوا في تَوَضَّأْتُ: تَوَضَّيْتُ، أوْ يَكُونُ مُفْتَعَلًا مِن أوْكَيْتُ السِّقاءَ إذا شَدَدْتَهُ بِالوِكاءِ، والمَعْنى أعْتَدَتْ لَهُنَّ ما يُشْتَدُّ عَلَيْهِ بِالِاتِّكاءِ أوْ بِالقَطْعِ بِالسِّكِّينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ مَتْكَأً عَلى وزْنِ مَفْعَلًا مِن تَكَأ يَتْكَأُ إذا اتَّكَأ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ مُتَّكَأٌ بِالمَدِّ والهَمْزِ وهو مُفْتَعَلٌ مِن الِاتِّكاءِ إلّا أنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألِفُ وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تَرْمِي ∗∗∗ وعَنْ ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَزاحِ وقَوْلُهُ: يَنْباعُ مِن ذَفْرى عَضُوبٍ حَسْرَةً ∗∗∗ زَيافَةً مِثْلَ الفَنِيقِ المُكَرَّمِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وآخَرُونَ مُتْكًا بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ التّاءِ وتَنْوِينِ الكافِ، وجاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أيْضًا، وهو الأُتْرُجُّ عِنْدَ الأصْمَعِيِّ، وجَماعَةٍ والواحِدُ مَتْكَةٌ، وأنْشَدَ: فَأهْدَتْ (مَتْكَةً) لِبَنِي أبِيها ∗∗∗ تَخِبُّ بِها العَثْمَثْمَةَ الوَقاحَ وقِيلَ: هو اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ -كالأُتْرُجِّ وغَيْرِهِ- مِنَ الفَواكِهِ، وأنْشَدَ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ ونَرى (المَتْكَ) بَيْنَنا مُسْتَعارًا وهُوَ مِن مَتَكَ الشَّيْءَ بِمَعْنى بَتَكَهُ أيْ قَطَعَهُ، وعَنِ الخَلِيلِ تَفْسِيرُ المُتْكِ مَضْمُومُ المِيمِ بِالعَسَلِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو تَفْسِيرُهُ بِالشَّرابِ الخالِصِ، وحَكى الكِسائِيُّ تَثْلِيثَ مِيمِهِ، وفَسَّرَهُ بِالفالَوْذَجِ، وكَذا حَكى التَّثْلِيثَ المُفَضَّلُ لَكِنْ فَسَّرَهُ بِالزَماوَرْدِ، وذَكَرَ أنَّهُ بِالضَّمِّ المائِدَةُ أوِ الخَمْرُ في لُغَةِ كِنْدَةَ، وبِالفَتْحِ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ومُعاذٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي الآيَةِ عَلى سائِرِ القِراءاتِ حَذْفٌ أيْ فَجِئْنَ وجَلَسْنَ ﴿ وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا ﴾ .

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ تُسَمّى هَذِهِ الواوُ فَصِيحَةً، وإنَّما أعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ ذَلِكَ لِتَسْتَعْمِلَهُ في قَطْعِ ما يُعْهَدُ قَطْعُهُ مِمّا قُدِّمَ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وقُرِّبَ إلَيْهِنَّ، وغَرَضُها مِن ذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ لِتَبْكِتَهُنَّ بِالحُجَّةِ.

وقِيلَ: غَرَضُها ذاكَ والتَّهْوِيلُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكْرِها إذا خَرَجَ عَلى أرْبَعِينَ نِسْوَةٍ مُجْتَمِعاتٍ في أيْدِيهِنَّ الخَناجِرُ تُوهِمُهُ أنَّهُنَّ يَثِبْنَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ خائِفًا مِن مَكْرِها دائِمًا فَلَعَلَّهُ يُجِيبُها إلى مُرادِها، والسِّكِّينُ مُذَكَّرٌ عِنْدَ السِّجِسْتانِيِّ قالَ: وسَألْتُ أبا زَيْدٍ الأنْصارِيَّ، والأصْمَعِيَّ وغَيْرَهم مِمَّنْ أدْرَكْناهُ فَكُلُّهم يُذَكِّرُهُ ويُنْكِرُ التَّأْنِيثَ فِيهِ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وذَلِكَ حُكِيَ عَنِ اللِّحْيانِي ويَعْقُوبَ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يُقالَ: سِكِّينَةٌ، وأُنْشِدَ عَنِ الكِسائِيِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: الذِّئْبُ سِكِّينَتُهُ في شِدْقِهِ ∗∗∗ ثُمَّ قِرابًا نَصْلُها في حَلْقِهِ ﴿ وقالَتِ ﴾ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُنَّ مَشْغُولاتٌ بِمُعالَجَةِ السَّكاكِينِ وإعْمالِها فِيما بِأيْدِيهِنَّ، والعَطْفُ بِالواوِ رُبَّما يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ أيِ ابْرُزْ لَهُنَّ لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ تَرْتِيبِ أُمُورِهِنَّ لِيَتِمَّ غَرَضُها بِهِنَّ.

والظّاهِرُ أنَّها لَمْ تَأْمُرْهُ بِالخُرُوجِ إلّا لِمُجَرَّدِ أنْ يَرَيْنَهُ فَيَحْصُلَ مَرامُها، وقِيلَ: أمَرَتْهُ بِالخُرُوجِ عَلَيْهِنَّ لِلْخِدْمَةِ أوْ لِلسَّلامِ، وقَدْ أضْمَرَتْ مَعَ ذَلِكَ ما أضْمَرَتْ يُحْكى أنَّها ألْبَسَتْهُ ثِيابًا بِيضًا في ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّ الجَمِيلَ أحْسَنُ ما يَكُونُ في البَياضِ ﴿ فَلَمّا رَأيْنَهُ ﴾ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ فَرَأيْنَهُ، وإنَّما حُذِفَ عَلى ما قِيلَ: تَحْقِيقًا لِمُفاجَأةِ رُؤْيَتِهِنَّ كَأنَّها تُفَوِّتُ عِنْدَ ذِكْرِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِنَّ، وفِيهِ إيذانٌ بِسُرْعَةِ امْتِثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِها فِيما لا يُشاهِدُ مَضَرَّتَهُ مِنَ الأفاعِيلِ، ونَظِيرُ هَذا آتٍ كَما مَرَّ آنِفًا ﴿ أكْبَرْنَهُ ﴾ أيْ أعْظَمْنَهُ ودَهِشْنَ بِرُؤْيَةِ جَمالِهِ الفائِقِ الرّائِعِ الرّائِقِ، فَإنَّ فَضْلَ جَمالِهِ عَلى جَمالِ كُلِّ جَمِيلٍ كانَ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ،» وحُكِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ تَلَأْلَأ وجْهُهُ عَلى الجُدْرانِ كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ، وجاءَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُعْطِيَ ثُلْثَ الحُسْنِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ هو وأُمُّهُ شَطْرَ الحُسْنِ،» وتَقَدَّمَ خَبَرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُشْبِهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى أكْبَرْنَ حِضْنَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ∗∗∗ ولا يَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ الحَيْضُ إكْبارًا لِكَوْنِ البُلُوغِ يُعْرَفُ بِهِ فَكَأنَّهُ يُدْخِلُ الصِّغارَ سِنَّ الكِبَرِ فَيَكُونُ في الأصْلِ كِنايَةً أوْ مَجازًا، والهاءُ عَلى هَذا إمّا ضَمِيرُ المَصْدَرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أكْبَرْنَ إكْبارًا، وإمّا ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ حِضْنَ لِأجْلِهِ مِن شَدَّةِ شَبَقِهِنَّ، والمَرْأةُ كَما زَعَمَ الواحِدِيُّ إذا اشْتَدَّ شَبَقُها حاضَتْ، ومِن هُنا أخَذَ المُتَنَبِّي قَوْلَهُ: خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالِ بِبُرْقُعٍ ∗∗∗ إذا لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ وقِيلَ: إنَّ الهاءَ لِلسَّكْتِ، ورُدَّ بِأنَّها لا تُحَرَّكُ ولا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وتَحْرِيكُها تَشْبِيهًا لَها بِالضَّمِيرِ كَما في قَوْلِهِ: واحَرَّ قَلْباهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبَمُ.

عَلى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ.

واعْتَرَضَ في الكَشْفِ التَّخْرِيجَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَقالَ: إنَّ نَزْعَ الخافِضِ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إنَّما يَجْرِي في الظُّرُوفِ والصِّفاتِ والصِّلاتِ، وذَلِكَ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلى مَكانِ الحَذْفِ، وأمّا في مِثْلِ هَذا فَلا، والمَصْدَرُ لَيْسَ مِن مَجازِهِ إذْ لَيْسَ المَقامُ لِلتَّأْكِيدِ، وزَعَمَ أنَّ الوَجْهَ هو الأخِيرُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى.

وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ مَجِيءَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، وقالَ: لا نَعْرِفُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ، والبَيْتُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ لا يَعْرِفُهُ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ، ونُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الطَّبَرِيِّ.

وابْنِ عَطِيَّةَ.

وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ورِوايَةُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّما أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ، وهو -وإنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِيهِ عَلِيٍّ عَنْ أبِيهِ ابْنِ عَبّاسٍ- لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَيْسَ مِن رُواةِ العِلْمِ.

وعَنِ الكُمَيْتِ الشّاعِرِ تَفْسِيرُ أكْبَرْنَ بِأمْنَيْنَ، ولَعَلَّ الكَلامَ في ذَلِكَ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ تَخْرِيجًا وقَبُولًا، وأنا لا أرى الكُمَيْتَ مِن خَيْلِ هَذا المَيْدانِ وفُرْسانِ ذَلِكَ الشَّأْنِ ﴿ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ أيْ جَرَحْنَها بِما في أيْدِيهِنَّ مِنَ السَّكاكِينِ لِفَرْطِ دَهْشَتِهِنَّ وخُرُوجِ حَرَكاتِ جَوارِحِهِنَّ عَنْ مِنهاجِ الِاخْتِيارِ حَتّى لَمْ يَعْلَمْنَ بِما عَمِلْنَ ولَمْ يَشْعُرْنَ بِمَأْلَمِ ما نالَهُنَّ، وهَذا كَما تَقُولُ: كُنْتُ أقْطَعُ اللَّحْمَ فَقَطَعْتُ يَدِي، وهو مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلتَّقْطِيعِ عِنْدَ بَعْضٍ.

فِي الكَشْفِ إنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ عَلى الأصَحِّ، والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ إمّا بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ القاطِعاتِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ القَطْعِ في يَدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ فَسَّرَ التَّقْطِيعَ بِالإبانَةِ، والمَعْنى الأوَّلُ أسْرَعُ تَبادُرًا إلى الذِّهْنِ، وحَمْلُ الأيْدِي عَلى الجَوارِحِ المَعْلُومَةِ مِمّا لا يَكادُ يُفْهَمُ خِلافُهُ، ومِنَ العَجِيبِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِن أنَّ المُرادَ بِها الأكْمامُ، وأظُنُّ أنَّ مَنشَأ هَذا مَحْضُ اسْتِبْعادِ وُقُوعِ التَّقْطِيعِ عَلى الأيْدِي بِالمَعْنى المُتَبادَرِ، ولَعَمْرِي لَوْ عُرِضَ ما قالَهُ عَلى أدْنى الأفْهامِ لاسْتَبْعَدَتْهُ ﴿ وقُلْنَ ﴾ تَنْزِيهًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ صِفاتِ التَّقْصِيرِ والعَجْزِ وتَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ ﴿ حاشَ لِلَّهِ ﴾ أصْلُهُ حاشا اللَّهَ بِالألِفِ كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو في الدَّرَجِ فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا، وهو عَلى ما قِيلَ: حَرْفٌ وُضِعَ لِلِاسْتِثْناءِ والتَّنْزِيهِ مَعًا ثُمَّ نُقِلَ وجُعِلَ اسْمًا بِمَعْنى التَّنْزِيهِ وتَجَرَّدَ عَنْ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ ولَمْ يُنَوَّنْ مُراعاةً لِأصْلِهِ المَنقُولِ عَنْهُ، وكَثِيرًا ما يُراعُونَ ذَلِكَ، ألا تَراهم قالُوا: جَلَسْتُ مِن عَنْ يَمِينِهِ؟

فَجَعَلُوا -عَنْ- اسْمًا ولَمْ يُعْرِبُوهُ، وقالُوا: غَدَتْ مِن عَلَيْهِ فَلَمْ يُثْبِتُوا ألِفَ عَلى مَعَ المُضْمَرِ كَما أثْبَتُوا ألِفَ فَتى في فَتاهُ كُلُّ ذَلِكَ مُراعاةٌ لِلْأصْلِ، واللّامُ لِلْبَيانِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، ورَدَ في البَحْرِ دَعْوى إفادَتِهِ والتَّنْزِيهِ في الِاسْتِثْناءِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النُّحاةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، وحاشا زَيْدًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ عَدَمَ ذِكْرِ النُّحاةِ ذَلِكَ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ وظِيفَةُ اللُّغَوِيِّينَ لا وظِيفَتُهُمْ، واعْتَرَضَ بَعْضُهم حَدِيثَ النَّقْلِ بِأنَّ الحَرْفَ لا يَكُونُ اسْمًا إلّا إذا نُقِلَ وسُمِّيَ بِهِ وجُعِلَ عَلَمًا، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ فِيهِ الحِكايَةُ والإعْرابُ، ولِذا جَعَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنى بَرِئَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السُّوءِ، ولَعَلَّ دُخُولَ اللّامِ كَدُخُولِها في ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ﴾ ، وكَوْنُ المَعْنى عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أسْماءَ الأفْعالِ مَوْضُوعَةٌ لِمَعانِي المَصادِرِ وهو المَنقُولُ عَنِ الزَّجّاجِ، نَعَمْ ذَهَبَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ وابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى جانِبٍ، وأصْلُهُ مِن حاشِيَةِ الشَّيْءِ وحْشَيُهُ أيْ جانِبُهُ وناحِيَتُهُ، وفِيهِ ضَمِيرُ يُوسُفَ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ أيْ جانِبَ يُوسُفَ ما قَرِفَ بِهِ لِلَّهِ تَعالى أيْ لِأجْلِ خَوْفِهِ ومُراقَبَتِهِ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ وبُعْدُهُ كَأنَّهُ صارَ في جانِبٍ عَمّا اتُّهِمَ بِهِ لِما رُؤِيَ فِيهِ مِن آثارِ العِصْمَةِ وأُبَّهَةِ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا يُفَوِّتُ مَعْنى التَّعَجُّبِ، واسْتَدَلَّ عَلى اسْمِيَّتِها بِقِراءَةِ أبِي السِّمالِ (حاشًا لِلَّهِ) بِالتَّنْوِينِ، وهو في ذَلِكَ عَلى حَدِّ: سَقْيًا لَكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فِعْلٍ والتَّنْوِينُ كَما في صَهٍ وكَذا بِقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -حاشا اللَّهِ- بِالإضافَةِ كَسُبْحانَ اللَّهِ، وزَعَمَ الفارِسِيُّ أنَّ (حاشا) في ذَلِكَ حَرْفُ جَرٍّ مُرادًا بِهِ الِاسْتِثْناءُ كَما في قَوْلِهِ: (حاشا) أبِي ثَوْبانَ إنَّ أبا ∗∗∗ ثَوْبانَ لَيْسَ بِبِكْمَةٍ فَدَمِ ورُدَّ بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ هُنا ما يُسْتَثْنى مِنهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ -حاشْ لِلَّهِ- بِسُكُونِ الشِّينِ وصْلًا ووَقْفًا مَعَ لامِ الجَرِّ في الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّ الفَتْحَةَ أتْبَعَتِ الألِفَ في الإسْقاطِ لِأنَّها كالعَرَضِ اللّاحِقِ لَها، وضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ فِيها التِقاءَ السّاكِنِينِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ -حاشَ الإلَهَ- وقَرَأ الأعْمَشُ -حَشا لِلَّهِ- بِحَذْفِ الألِفِ الأُولى، هَذا واسْتَدَلَّ المُبَرَّدُ، وابْنُ جِنِّيٍّ، والكُوفِيُّونَ عَلى أنَّ -حاشٍ- قَدْ تَكُونُ فِعْلًا بِالتَّصَرُّفِ فِيها بِالحَذْفِ كَما عَلِمَتْ في هَذِهِ القِراءاتِ، وبِأنَّهُ قَدْ جاءَ المُضارِعُ مِنها كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ولا أرى فاعِلًا في النّاسِ يُشْبِهُهُ ∗∗∗ ولا -أُحاشِي- مِنَ الأقْوامِ مِن أحَدٍ ومَقْصُودُهُمُ الرَّدُّ عَلى -س- وأكْثَرِ البَصْرِيَّةِ حَيْثُ أنْكَرُوا فِعْلِيَّتَها، وقالُوا: إنَّها حَرْفٌ دائِمًا بِمَنزِلَةِ إلّا لَكِنَّها تَجُرُّ المُسْتَثْنى، وكَأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّصْبُ بِها كَما في قَوْلِهِ: حاشا قُرَيْشًا فَإنَّ اللَّهَ فَضَّلَهم.

ورُبَّما يُجِيبُونَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالحَذْفِ بِأنَّ الحَذْفَ قَدْ يَدْخُلُ الحَرْفَ كَقَوْلِهِمْ: أما واللَّهِ وأمَ واللَّهِ، نَعَمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ أيْضًا بِأنَّها تَقَعُ قَبْلَ حَرْفِ الجَرِّ، ويُقابِلُ هَذا القَوْلَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ مِن أنَّها لا تَكُونُ حَرْفًا أصْلًا بَلْ هي فِعْلٌ دائِمًا ولا فاعِلَ لَها، والجَرُّ الوارِدُ بَعْدَها كَما في.

حاشايَ إنِّي مُسْلِمٌ مَعْذُورٌ.

والبَيْتُ المارُّ آنِفًا بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ، والحَقُّ أنَّها تَكُونُ فِعْلًا تارَةً فَيَنْصِبُ ما بَعْدَها ولَها فاعِلٌ وهو ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ فِيها وُجُوبًا يَعُودُ إمّا عَلى البَعْضِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، أوِ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، ولِذا لَمْ يُثَنَّ ولَمْ يُجْمَعْ ولَمْ يُؤَنَّثْ، وحُرُوفًا أُخْرى ويُجَرُّ ما بَعْدَها، ولا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ كالحُرُوفِ الزّائِدَةِ عِنْدَ ابْنِ هِشامٍ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها مِن فِعْلٍ أوْ شَبَهِهِ عِنْدَ بَعْضٍ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْها إلّا كَما إذا كانَتْ فِعْلًا خِلافًا لِلْكِسائِيِّ في زَعْمِهِ جَوازَ ذَلِكَ إذا جَرَتْ، وأنَّها إذا وقَعَتْ قَبْلَ لامِ الجَرِّ كانَتِ اسْمَ مَصْدَرٍ مُرادِفًا لِلتَّنْزِيهِ، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ ﴿ ما هَذا بَشَرًا ﴾ نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِما شاهَدْنَ مِن جَمالِهِ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثالُهُ في النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وقَصَرَهُنَّ عَلى المَلَكِيَّةِ بِقَوْلِهِنَّ: ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيْ ما هَذا ﴿ إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ أيْ شَرِيفٌ كَثِيرُ المَحاسِنِ بِناءً عَلى ما رَكَزَ في الطِّباعِ مِن أنَّهُ لا حَيَّ أحْسَنُ مِنَ المَلَكِ كَما رَكَزَ فِيها أنْ لا أقْبَحَ مِنَ الشَّيْطانِ، ولِذا لا يَزالُ يُشَبَّهُ بِهِما كُلُّ مُتَناهٍ في الحُسْنِ والقُبْحِ وإنْ لَمْ يَرَهُما أحَدٌ، وأنْشَدُوا لِبَعْضِ العَرَبِ: فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلاكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ وكَثُرَ في شِعْرِ المُحْدَثِينَ ما هو مِن هَذا البابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: تَرَكَ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً ∗∗∗ حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا وغَرَضُهُنَّ مِن هَذا وصْفُهُ بِأنَّهُ في أقْصى مَراتِبِ الحُسْنِ والكَمالِ المُلائِمِ لِطِباعِهِنَّ، ويُعْلَمُ مِمّا قُرِّرَ أنَّ الآيَةَ لا تَقُومُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِن بَنِي آدَمَ كَما ظَنَّ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وأتْباعُهُ وأيَّدَهُ الفَخْرُ -ولا فَخْرَ لَهُ- بِما أيَّدَهُ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الغَرَضَ تَنْزِيهُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا رُمِيَ بِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، وافْتَتَحُوا ذَلِكَ -بِحاشا لِلَّهِ- عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ، فَفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ الِاسْتِعْمالُ عَلى أنَّهم إذا أرادُوا تَبْرِئَةَ أحَدٍ مِن سُوءٍ ابْتَدَأُوا تَبْرِئَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ السُّوءِ ثُمَّ يُبَرِّئُونَ مَن أرادُوا تَبْرِئَتَهُ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ لا يُطَهِّرَهُ مِمّا يَضِيمُهُ فَيَكُونُ آكَدَ وأبْلَغَ، والمَنصُورُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ والسِّباقُ، نَعَمْ هَذا الِاسْتِعْمالُ ظاهِرٌ فِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ تَعالى عَنِ النِّسْوَةِ: ﴿ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ و(ما) عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ وهي لُغَةٌ لِلْحِجازِيِّينَ لِمُشابَهَتِها لَها في نَفْيِ الحالِ عَلى ما هو المَشْهُورُ في لَيْسَ مِن أنَّها لِذَلِكَ أوْ في مُطْلَقِ النَّفْيِ بِناءً عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ مِن أنَّها تَرِدُ لِنَفْيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، والغالِبُ عَلى لُغَتِهِمْ جَرُّ الخَبَرِ بِالباءِ حَتّى أنَّ النَّحْوِيِّينَ لَمْ يَجِدُوا شاهِدًا عَلى النَّصْبِ في أشْعارِهِمْ غَيْرَ قَوْلِهِ: وأنا النَّذِيرُ بِحُرَّةٍ مُسَوَّدَةٍ ∗∗∗ تَصِلُ الجُيُوشُ إلَيْكم قِوادَها أبْناؤُها مُتَكَنِّفُونَ أباهم ∗∗∗ حَنَقُوا الصُّدُورَ وما هم أوْلادَها والزَّمَخْشَرِيُّ يُسَمِّي هَذِهِ اللُّغَةَ: اللُّغَةُ القُدْمى الحِجازِيَّةُ، ولُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في مِثْلِ ذَلِكَ الرَّفْعُ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: ومُهَفْهَفُ الأعْطافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأجابَ ما قَتْلُ المُحِبِّ حَرامُ وبِلُغَتِهِمْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ هُنا، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو الحُوَيْرِثِ الحَنَفِيُّ -ما هَذا بِشِرى- بِالباءِ الجارَّةِ وكَسْرِ الشِّينِ عَلى أنَّ شِرى -كَما قالَ صاحِبُ اللَّوائِحِ- مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ بِهِ أيْ ما هَذا بِمَشْرِيٍّ أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يُشْتَرى بِمَعْنى أنَّهُ أعَزُّ مِن أنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو أيْضًا إلّا أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ كَسَرَ اللّامَ مِن مَلِكٍ، ورَوى الكَسْرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الحَسَنِ، وأبِي الحُوَيْرِثِ أيْضًا، والمُرادُ إدْخالُهُ في حَيِّزِ المُلُوكِ بَعْدُ، فَفي كَوْنِهِ مِمّا يَصْلُحُ لِلْمُلُوكِيَّةِ فَبَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَناسُبٌ ظاهِرٌ، وكَأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَرَ أنَّ مَن قَرَأ بِذَلِكَ قَرَأ أيْضًا (مَلِكٌ) بِكَسْرِ اللّامِ فَقالَ: لِتَحْصِيلِ التَّناسُبِ بَيْنَهُما في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أيْ ما هَذا بِعَبْدٍ مُشْتَرًى لَئِيمٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يُقالُ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُخالِفَةٌ لِمُقْتَضى المَقامِ، نَعَمْ إنَّها مُخالِفَةٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ بِالياءِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ قال الكلبي: هنَّ أربع نسوة: امرأة ساقيه يعني: ساقي الملك، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب السجن، وامرأة صاحب دوابّه.

ويقال: هن خمس، خامستهن امرأة صاحب الملك.

ويقال: أربعون امرأة.

ويقال: جماعة كثيرة من النساء اجتمعن في موضع وقلن فيما بينهنّ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ يعني: تطلب عبدها وتدعوه إلى نفسها.

قَدْ شَغَفَها حُبًّا قال الحسن: يعني، قد شق شغاف قلبها حبه.

وقال عامر الشعبي: الشغوف المحب، والمشغوف المحبوب.

وقال القتبي: قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي بلغ الحب شغافها، وهو غلاف القلب.

ومن قرأ قَدْ شَغَفَها أي فتنها، من قولك: فلان شغوف بفلانة.

ويقال: شغف الشيء الشيء إذا علاه قَدْ شَغَفَها أي فتنها، من قولك: فلان شغوف بفلانة.

ويقال: شغف الشيء الشيء إذا علاه قَدْ شَغَفَها أي علاها.

ويقال: أهلكها، فلا تعقل غيره إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: في خطأ بيّن.

ويقال: في عشق بيّن، فلا تعقل غيره.

قوله تعالى: فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ يعني: سمعت زليخا بمقالتهن.

وإنما سمَّي قولهنّ مكراً والله أعلم، لأن قولهن لم يكن على وجع النصيحة والنهي عن المنكر، ولكن كان على وجه الشماتة والتعيير.

أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ فدعتهن وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً يعني: اتخذت لهن وسائد يتكئن عليها لجلوسهنّ، وذلك أنها اتخذت ضيافة، ودعت النسوة، ووضعت الوسائد لجلوسهن.

وقال الفراء: من قرأ مُتَّكَأً غير مهموز فإنه الأترج، وكذلك قال ابن عباس.

روى منصور عن مجاهد أنه قال: من قرأ مثقلة قال: يعني: الطعام، ومن قرأ: مخففة قال الأترج.

ويقال: الزُّمَّاوَرْد وهو نوع من التمر.

وقال عكرمة كل شيء يقطع بالسكين وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً يعني: أعطت زليخا كل واحدة من النسوة سكيناً، وأمرت يوسف بأن يلبس أحسن ثيابه، وزيّنته أحسن الزينة وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ يعني: اخرج على النساء، فخرج عليهن.

روى أبو الأحوص عن ابن مسعود قال: «أوتي يوسف وأمه ثلث حسن الناس: في الوجه، والبياض، وغير ذلك.

وكانت المرأة إذا رأت يوسف، غطّى وجهه مخافة أن تفتن به.

فلما خرج يوسف إلى النسوة غطى وجهه فنظرن إليه» فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ يقول: أعظمنه، أي: أعظمن شأنه، وتحيرن، وبقين مدهوشات طائرة عقولهن، وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ يقول: حززن، وخدشن أيديهن بالسكين، ولم يشعرن بذلك وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ يعني: معاذ الله مَا هذا بَشَراً قرأ بعضهم: بالرفع.

ما هذا بشر وقرأ بعضهم مَا هذا ببشر يعني: مثل هذا لا يكون بشراً.

وقراءة العامة ما هذا بَشَراً بنصب الراء والتنوين، لأنه خبر «ما» .

ولأنه صار نصباً لنزع الخافض.

ومعناه: مَا هذا بَشَراً يعني: مثل هذا لا يكون آدمياً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يعني: على ربه.

فإن قيل: إنهن لم يرين الملك، فكيف شبّهنه بشيء لم يرينه؟

قيل له: لأن المعروف عند الناس، أنهم إذا وصفوا أحداً بالحسن، يقولون: هذا يشبه الملك، كما أنهم إذا وصفوا أحداً بالقبح، يقولون: هو كالشيطان، وإن لم يروا الشيطان.

قرأ أبو عمرو حاشا لِلَّهِ بالألف.

وقرأ الباقون: بغير ألف.

وكذلك الذي بعده قالَتْ زليخا للنسوة فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ يقول: عذلتني فيه وعبتني فيه فهل عذرتنني؟

فقلن لها: أنت معذورة.

قالت: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ يعني: طلبت إليه أن يمكنني من نفسه فَاسْتَعْصَمَ أي: فامتنع بنفسه مني وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ يعني: احبسه في السجن وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ يعني: من المهانين بالسجن.

ويقال: من المذلين.

وقرأ بعضهم لَيَكُونُنَّ بتشديد النون، وهذا خلاف مصحف الإمام.

وقراءة العامة: وَلَيَكُوناً لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف بالألف.

قالَ يوسف رَبِّ يقول: يا سيدي السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي النسوة إِلَيْهِ من العمل القبيح.

قرأ بعضهم قالَ رَبِّ السِّجْنُ بنصب السين على معنى المصدر.

يقال: سجنته سَجْناً وهي قراءة شاذة.

وقراءة العامة بالكسر يعني: نزول بيت السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، يعني به: امرأة العزيز خاصة.

ويقال: أراد به النسوة اللاتي حضرن هناك، لأنهن قلن له: أطع مولاتك ولا تخالفها، فإن لها عليك حقاً.

وقد اشترتك بمالها وهي تحسن إليك، وتحبك، وتطلب هواك.

فقال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ وقال بعض الحكماء: لو أنه قال: رب العافية أحَبُّ إليّ، لعافاه الله تعالى.

ولكن لما نجا بدينه، لم يبال بما أصابه في الله.

ثم قال: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ يعني: إذا لم تصرف عني عملهن وشرهن أَصْبُ إِلَيْهِنَّ أي: أمل إليهن وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني: من المذنبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الشاهدُ، قال ذلك، ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء فإِنها معتمدهم، و «يوسُفُ» في قوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا: منادًى، قال ابن عباس: ناداه الشاهدُ، وهو الرجل الذي كان مع العزيز «١» ، وأَعْرِضْ عَنْ هذا: معناه: عن الكلامِ بِهِ، أي:

اكتمه، ولا تتحدَّث به، ثم رَجَعَ إِليها، فقال: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أي: استغفري زَوْجَكَ وسيِّدَكَ، وقال: مِنَ الْخاطِئِينَ، ولم يقل «من الخاطئات» لأن الخاطئين أعمّ.

وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)

وقوله سبحانه: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ:

نِسْوَةٌ: جمع قلَّة، وجمعُ التكثير نساءٌ، ويروَى أنَّ هؤلاء النسوة كُنَّ أربعاً: امرأة خبَّازَة، وامرأة ساقية، وامرأة بَوَّابة، وامرأة سَجَّانة، والعزيزُ: المَلِك، والفَتَى: الغلام، وعُرْفُه في المملوك، ولكنَّه قد قيل في غير المملوك ومنه: إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الكهف: ٦٠] ، وأصل الفتى، في اللغة: الشَّابُّ، ولكن لما كان جُلُّ الخَدَمَةِ شبابا، استعير لهم اسم الفتى، وشَغَفَها: معناه بَلَغَ حتَّى صار مِنْ قلبها موضِعَ الشِّغافِ، وهو على أكثر القولِ: غِلاَفٌ من أغشية القَلْبِ.

وقيل: الشِّغاف: سويداءُ القَلْبِ.

وقيل: الشِّغَافُ: داءٌ يصلُ إِلى القلب.

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ليحضُرْن.

وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً: أي: أعَدَّتْ ويَسَّرت ما يُتَّكَأُ عليه من فُرُشٍ ووسَائِد وغَيْرِ ذلك، وقرأ ابن عباس «٢» وغيره: «مُتْكاً» - بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف-،

واختلف في معناها، فقيل: هو الأُتْرُنْجَ «١» ، وقيل: هو اسمٌ يعمُّ جميع ما يُقْطَعُ بالسِّكِّين، وقولها: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ: أمر ليوسف، وأطاعها بحسب المُلْك.

وقوله: أَكْبَرْنَهُ: معناه: أعظمنْهُ واستهولن جَمَاله، هذا قولُ الجمهور.

وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ: أي: كَثَّرْنَ الحَزَّ فيها بالسَّكَاكين، وقرأ أبو عمرو «٢» وحده:

«حاشَى للَّهِ» ، وقرأ سائر السبعة: حاشَ لِلَّهِ، فمعنى «حَاشَ للَّهِ» : أي: حاشَى يوسُفَ لطاعته للَّه، أو لمكانه من اللَّهِ أنْ يرمَى بِمَا رَمَيْتِهِ به، أوْ يدعَى إِلى مثله، لأَنَّ تلْكَ أفعال البشر، وهو لَيْسَ منهم، إِنما هو مَلَكٌ، هكذا رتَّب بعضهم معنَى هذا الكلامِ على القراءَتَيْنِ، وقرأ الحسنُ «٣» وغيره: «مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلِكٌ كَرِيمٌ» - بكسر اللام من «مَلِك» وعلى هذه القراءة، فالكلامُ فصيحٌ: لَمَّا استعظمن حُسْنَ صورته، قُلْنَ ما هذا مما يَصْلُح أنْ يكون عبداً بشَراً، إِنْ هذا إِلا مما يَصْلُح أنْ يكون مَلِكاً كريماً.

ت: وفي «صحيح مسلم» من حديث الإِسراء: «ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِيُوسُفَ صلّى الله عليه وسلّم، وإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ» «٤» انتهى.

وقولها: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ: المعنى: فهذا الذي لُمْتُنَّنِي فيه، وقطعتُنَّ أيديَكُنَّ بسببه: هو الذي جَعَلَنِي ضالَّةً في هواه، ثم أقرَّت امرأة العزيزِ للنّسوة بالمراودة،

واستأمنت إِليهن في ذلك إِذْ عَلِمَتْ أَنهنَّ قد عذرنها.

وفَاسْتَعْصَمَ معناه طلب العِصْمة، وتمسَّك بها، وعَصَاني، ثم جعلَتْ تتوعَّده، وهو يسمع بقولها.

وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ...

إِلى آخر الآية.

ت: واعترض ص: بأنَّ تفسيرُ «استعصم» ب «اعتصم» أولى من جعله للطَّلبِ، إِذ لا يلزم من طلب الشيء حصُولُه.

انتهى، واللام في «لَيُسْجَنَنَّ» : لام قَسَمٍ، واللام الأولَى هي المؤذنَةُ بالمجيء بالقَسَمِ، و «الصاغرون» : الأذلاَّء، وقَوْلُ يوسُفَ عليه السلام: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلى قوله: مِنَ الْجاهِلِينَ، كلامٌ يتضمَّن التشكِّيَ إِلى اللَّه تعالى من حاله معهن، / وأَصْبُ: مأخوذ من الصَّبْوَة، وهي أفعالُ الصِّبا، ومن ذلك قولُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: [الطويل]

صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلاَ الشَّيْبُ رَأْسَه ...

فَلَمَّا عَلاَهُ قَالَ لِلْبَاطِلِ ابعد «١»

قال ص: «أصْبُ» معناه: أَمِلْ، وهو جوابُ الشرطِ، والصَّبابة: إِفراط الشوْقِ.

انتهى.

فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ أي: أجابه إِلى إِرادته، وصَرَفَ عنه كَيْدُهِنَّ في أنْ حال بينه وبين المعصية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ ﴾ يَعْنِي: امْرَأةَ العَزِيزِ، ﴿ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُنَّ وعَيْبُهُنَّ لَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سُمِّيَ هَذا القَوْلُ مَكْرًا، لِأنَّها كانَتْ أطْلَعَتْهُنَّ عَلى أمْرِها، واسْتَكْتَمَتْهُنَّ، فَمَكَرْنَ وأفْشَيْنَ سِرَّها.

والثّانِي: أنَّهُ مَكُرُ حَقِيقَةٍ، وإنَّما قُلْنَ ذَلِكَ مَكْرًا بِها لِتُرِيَهُنَّ يُوسُفَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْتَدَتْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أفْعَلَتْ مِنَ العَتادِ، وكُلُّ ما اتَّخَذْتَهُ عُدَّةً لِشَيْءٍ فَهو عَتادٌ، والعَتادُ: الشَّيْءُ الثّابِتُ اللّازِمُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أعْتَدَتْ بِمَعْنى أعَدَّتْ.

فَأمّا المُتَّكَأُ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ المَجْلِسُ؛ فالمَعْنى: هَيَّأتْ لَهُنَّ مَجْلِسًا، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الوَسائِدُ اللّائِي يَتَّكِئْنَ عَلَيْها، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المُتَّكَأُ: ما يُتَّكَأُ عَلَيْهِ لِطَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ حَدِيثٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الطَّعامُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ: إذا طَعِمْنا، قالَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ: فَظَلِلْنا في نَعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهِ والأصْلُ في هَذا أنَّ مَن دَعَوْتَهُ لِيَطْعَمَ، أعْدَدْتَ لَهُ التُّكَأةَ لِلْمُقامِ والطُّمَأْنِينَةِ، فَسُمِّيَ الطَّعامُ مُتَّكَأً عَلى الِاسْتِعارَةِ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّما قِيلَ لِلطَّعامِ: مُتَّكَأٌ، لِأنَّ القَوْمَ إذا قَعَدُوا عَلى الطَّعامِ اتَّكَؤُوا، ونُهِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عَنْ ذَلِكَ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ " مُتْكًا " بِإسْكانِ التّاءِ خَفِيفَةً، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الأُتْرُجُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ في آخَرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارا ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا يُرِيدُ: الأُتْرُجَّ.

والثّانِي: أنَّهُ الطَّعامُ أيْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ يُحَزُّ بِالسَّكاكِينِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الزُّماوَرْدُ، رُوِيَ عَنْ الضَّحّاكِ أيْضًا.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهم فَسَّرُوا المُتَّكَأ بِما فَسَّرُوا بِهِ المُتْكَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: المُتَّكَأُ الأُتْرُجُّ، وكُلُّ ما يُحَزُّ بِالسَّكاكِينِ.

وعَنِ الضَّحّاكِ قالَ: المُتَّكَأُ: كُلُّ ما يُحَزُّ بِالسَّكاكِينِ.

وفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: مَن قَرَأ " مُتَّكَأً " بِالتَّثْقِيلِ، فَهو الطَّعامُ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ، فَهو الأُتْرُجُّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ " مُتْكًا " فَإنَّهُ يُرِيدُ الأُتْرُجَّ، ويُقالُ: الزُّماوَرْدُ.

وأيًّا ما كانَ، فَإنِّي لا أحْسَبُهُ سُمِّي مُتْكًا إلّا بِالقَطْعِ، كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَتْكِ، فَأُبْدِلَتِ المِيمُ مِنهُ باءً، كَما يُقالُ: سَمَدَ رَأْسَهُ وسَبَدَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ، وشَرٌّ لازِمٌ، ولازِبٌ، والمِيمُ تُبْدَلُ مِنَ الباءِ كَثِيرًا، لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا ﴾ إنَّما فَعَلَتْ ذَلِكَ، لِأنَّ الطَّعامَ الَّذِي قَدَّمَتْ لَهُنَّ يَحْتاجُ إلى السَّكاكِينِ.

وقِيلَ: كانَ مَقْصُودُها افْتِضاحَهُنَّ بِتَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ كَما فَضَحْنَها.

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ناوَلَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أُتْرُجَّةً وسِكِّينًا، وقالَتْ لَهُنَّ: لا تَقْطَعْنَ ولا تَأْكُلْنَ حَتّى أُعْلِمَكُنَّ، ثُمَّ قالَتْ لِيُوسُفَ: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ.

قالَ الزَّجّاجُ: إنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ التّاءَ مِن قَوْلِهِ: " وقالَتْ "، وإنْ شِئْتَ كَسَرْتَ، والكَسْرُ الأصْلُ لِسُكُونِ التّاءِ والخاءِ، ومَن ضَمَّ التّاءَ، فَلِثِقَلِ الضَّمَّةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ.

ولَمْ يُمْكِنْهُ أنْ لا يَخْرُجَ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَبْدِ لَها.

وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّها إنَّما قالَتِ: " اخْرُجْ " وأضْمَرَتْ في نَفْسِها " عَلَيْهِنَّ "، فَأخْبَرَ الحَقُّ عَمّا في النَّفْسِ كَأنَّ اللِّسانَ قَدْ نَطَقَ بِهِ، ومِثْلُهُ ﴿ إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ.

.

.

﴾ الآيَةُ [الإنْسانِ:٩]، لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ، إنَّما أضْمَرُوهُ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا أنَّها لَوْ قالَتْ لَهُ وهو شابٌّ مُسْتَحْسَنٌ: اخْرُجْ عَلى نِسْوَةٍ مِن طَبْعِهِنَّ الفِتْنَةُ، ما فَعَلَ.

وَفِي قَوْلِهِ: " أكْبَرْنَهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أعْظَمْنَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: حِضْنَ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: حِضْنَ مِنَ الفَرَحِ، قالَ: وفي ذَلِكَ يَقُولُ الشّاعِرُ: نَأْتِي النِّساءَ لَدى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارا وَقَدْ رَوى هَذا المَعْنى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ورَدَّهُ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ " أكْبَرْنَ " بِمَعْنى " حِضْنَ "، ولَكِنْ عَسى أنْ يَكُنَّ مِن شِدَّةِ ما أعْظَمْنَهُ حِضْنَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ أنْكَرَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَزَزْنَ أيْدِيَهُنَّ، وكُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ طَعامًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى ألْقَيْنَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: كَلَمْنَ الأكُفَّ وأبَنَّ الأنامِلَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو " حاشا " بِألْفٍ في الوَصْلِ في المَوْضِعَيْنِ، واتَّفَقُوا عَلى حَذْفِ الألِفِ في الوَقْفِ، وأبُو عَمْرٍو جاءَ بِهِ عَلى التَّمامِ والأصْلِ، والباقُونَ حَذَفُوا.

وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: الِاسْتِثْناءُ، والثّانِي: التَّبْرِئَةُ مِنَ الشَّرِّ.

والأصْلُ " حاشا " وهي مُشْتَقَّةٌ مِن قَوْلِكَ: كُنْتُ في حَشا فُلانٍ، أيْ: في ناحِيَتِهِ.

والحَشا: النّاحِيَةُ، وأنْشَدُوا: بِأيِّ الحَشا أمْسى الخَلِيطُ المُبايِنُ أيْ: بِأيِّ النَّواحِي، والمَعْنى: صارَ يُوسُفُ في حَشًا مِن أنْ يَكُونَ بَشَرًا، لِفَرْطِ جَمالِهِ.

وقِيلَ: صارَ في حَشًا مِمّا قَرَفَتْهُ بِهِ امْرَأةُ العَزِيزِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: ﴿ حاشَ لِلَّهِ ﴾ بِمَعْنى: مَعاذَ اللَّهِ.

قالَ الفَرّاءُ: و " بَشَرًا " مَنصُوبٌ، لِأنَّ الباءَ قَدْ اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ، فَلا يَكادُ أهْلُ الحِجازِ يَنْطِقُونَ إلّا بِالباءِ، فَلَمّا حَذَفُوها أحَبُّوا أنْ يَكُونَ لَها أثَرٌ فِيما خَرَجَتْ مِنهُ، فَنَصَبُوا عَلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ  ﴾ ، وأمّا أهْلُ نَجْدٍ فَيَتَكَلَّمُونَ بِالباءِ وبِغَيْرِ الباءِ، فَإذا أسْقَطُوها، رَفَعُوا، وهو أقْوى الوَجْهَيْنِ في العَرَبِيَّةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: الرَّفْعُ أقْوى الوَجِهَيْنِ، غَلَطٌ، لِأنَّ كِتابَ اللَّهِ أقْوى اللُّغاتِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالرَّفْعِ أحَدٌ، وزَعَمَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ القُدَماءِ أنَّ " بَشَرًا " مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ خَبَرُ " ما " و " ما " بِمَنزِلَةِ " لَيْسَ " .

قُلْتُ: وقَدْ قَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نُهَيْكٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُعاذٌ القارِئُ في آخَرِينَ: " ما هَذا بَشَرٌ " بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو السَّوّارِ: " ما هَذا بِشِرًى " بِكَسْرِ الباءِ والشِّينِ مَقْصُورًا مُنَوَّنًا.

قالَ الفَرّاءُ: أيْ: ما هَذا بِمُشْتَرًى.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " بِشِراءٍ " بِالمَدِّ والهَمْزِ مَخْفُوضًا مُنَوَّنًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هَذا إلا مَلَكٌ ﴾ قَرَأ أُبَيٌّ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو حَيْوَةَ، والجَحْدَرِيُّ: " مَلِكٌ " بِكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ذَهَبَتْ عُقُولُهُنَّ فَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ، قالَتْ لَهُنَّ ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: " كَيْفَ أشارَتْ إلَيْهِ وهو حاضِرٌ بِقَوْلِها: " فَذَلِكُنَّ " ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُما: أنَّها أشارَتْ بِـ " ذَلِكُنَّ " إلى يُوسُفَ بَعْدَ انْصِرافِهِ مِنَ المَجْلِسِ.

والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ إضْمارَ " هَذا " تَقْدِيرُهُ: فَهَذا ذَلِكُنَّ.

ومَعْنى ﴿ لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أيْ: في حُبِّهِ.

ثُمَّ أقَرَّتْ عِنْدَهُنَّ، فَقالَتْ: ﴿ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ﴾ أيِ: امْتَنَعَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: القِراءَةُ الجَيِّدَةُ تَخْفِيف " ولَيَكُونَنْ " والوُقُوفُ عَلَيْها بِالألِفِ، لِأنَّ النُّونَ الخَفِيفَةَ تُبْدَلُ مِنها في الوَقْفِ الألِفُ، تَقُولُ: اضْرِبَنْ زَيْدًا، وإذا وقَفْتَ قُلْتَ: اضْرِبا.

وقَدْ قُرِئَتْ " ولَيَكُونَنَّ " بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وأكْرَهُها، لِخِلافِ المُصْحَفِ، لِأنَّ الشَّدِيدَةَ لا يُبَدَلُ مِنها شَيْءٌ.

والصّاغِرُونَ: المُذَلُّونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عن نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ ذَكَرَ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى النِسْوَةِ لِتَذْكِيرِ اسْمِ الجَمْعِ.

و(النِسْوَةُ) جَمْعُ قِلَّةٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وجَمَعُ التَكْثِيرِ نِساءٌ، و”نِسْوَةٌ" فِعْلَةٌ، وهو أحَدُ الأبْنِيَةِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هي لِأدْنى العَدَدِ، وقَدْ نَظَمَها القائِلُ بِبَيْتِ شِعْرٍ: بِأفْعَلَ وأفْعالٍ وأفْعِلَةٍ ∗∗∗ وفِعْلَةٌ يُعْرَفُ الأدْنى مِنَ العَدَدِ ويُرْوى أنَّ هَؤُلاءِ النِسْوَةَ كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةَ خَبّازِ المَلِكِ، وامْرَأةَ ساقِيهِ، وامْرَأةَ حاجِبِهِ، وامْرَأةَ بَوّابِهِ.

و"العَزِيزِ": المَلِكُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: دُرَّةٌ غاصَ عَلَيْها تاجِرٌ ∗∗∗ ∗∗∗ جُلِبَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طُلَّ و(الفَتى): الغُلامُ: وعُرْفُهُ في المَمْلُوكِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: عَبْدِي، وأمَتِي، ولِيَقُلْ: فَتايَ وفَتاتِي"» ولَكِنَّهُ قَدْ يُقالُ في غَيْرِ المَمْلُوكِ، ومِنهُ: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ  ﴾ ، وأصْلُ الفَتى في اللُغَةِ: الشابُّ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ جُلُّ الخِدْمَةِ شَبابًا اسْتُعِيرَ لَهُمُ اسْمُ الفَتى.

و"شَغَفَها" مَعْناهُ: بَلَغَ حَتّى صارَ مِن قَلْبِها مَوْضِعَ الشَغافِ، وهو عَلى أكْثَرِ القَوْلِ غِلافٌ مِن أغْشِيَةِ القَلْبِ، وقِيلَ: الشَغافُ: سُوَيْداءُ القَلْبِ، وقِيلَ: الشَغافُ: داءٌ يَصِلُ إلى القَلْبِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والأعْرَجُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ- ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ- وثابِتٌ، وعَوْفٌ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "قَدْ شَعَفَها" بِالعَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ عَلا بِها كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنَ الحُبِّ، وذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، فَهو مَأْخُوذٌ -عَلى هَذا- مِن شَعَفِ الجِبالِ وهي رُؤُوسُها وأعالِيها، وَمِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِها شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ"» والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ الشَعَفُ لَذَّةً بِحُرْقَةٍ يُوجَدُ مِنَ الجِراحاتِ والجَرَبِ ونَحْوِهِما، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: أيَقْتُلُنِي وقَدْ شَعَفْتُ فُؤادَها ∗∗∗ ∗∗∗ كَما شَعَفَ المَهْنُوءَةَ الرَجُلُ الطالِي والمَشْعُوفُ في اللُغَةِ: الَّذِي أحْرَقَ الحُبُّ قَلْبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تَعْصِي الوُشاةَ وكانَ الحُبُّ آوِنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ مِمّا يُزَيِّنُ لِلْمَشْعُوفِ ما صَنَعا ورُوِيَ عن ثابِتٍ البَنانِيِّ، وأبِي رَجاءٍ أنَّهُما قَرَآ: "قَدْ شَعِفَها" بِكَسْرِ العَيْنِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْرُوفُ فَتَحُ العَيْنِ، وهَذا قَدْ قُرِئَ بِهِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "قَدْ شَّغَفَها" أدْغَمَ الدالَ في الشِينِ.

ورُوِيَ أنَّ مَقالَةَ هَؤُلاءِ النِسْوَةِ إنَّما قَصَدْنَ بِها المَكْرَ بِامْرَأةِ العَزِيز لِيُغْضِبْنَها حَتّى تَعْرِضَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفَ لِيَبِينَ عُذْرُها أو يَحِقَّ لَوْمُها، وقَدْ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَغَفُ في الحُبِّ والشَغَفُ في البُغْضِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: الشَغَفُ والمَشْغُوفُ بِالغَيْنِ مَنقُوطَةً في الحُبِّ، والشَعَفُ: الجُنُونُ، والمَشْعُوفُ: المَجْنُونُ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ الآيَةُ.

إنَّما سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا مِن حَيْثُ أظْهَرْنَ إنْكارَ مُنْكَرٍ وقَصَدْنَ إثارَةَ غَيْظِها عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: مَكْرُهُنَّ أنَّهُنَّ أفْشَيْنَ ذَلِكَ عنها وقَدْ كانَتْ أطْلَعَتْهُنَّ عَلى ذَلِكَ واسْتَكْتَمَتْهُنَّ، وهَذا لا يَكُونُ مَكْرًا إلّا بِأنْ يُظْهِرْنَ لَها خِلافَ ذَلِكَ ويَقْصِدْنَ بِالإفْشاءِ أذاها.

ومَعْنى ﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ ﴾ أيْ لِيَحْضُرْنَ، "وَأعْتَدَتْ" مَعْناهُ: أعَدَّتْ ويَسَّرَتْ، "وَمُتَّكَأً": ما يُتَّكَأُ عَلَيْهِ مِن فُرُشٍ ووَسائِدَ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ عن مَجْلِسٍ أُعِدَّ لِكَرامَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا النَوْعَ مِنَ الكَراماتِ لا يَخْلُو مِنَ الطَعامِ والشَرابِ، فَلِذَلِكَ فَسَّرَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ المُتَّكَأ بِالطَعامِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مُتَّكَأً" مَعْناهُ: مَجْلِسًا، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ القُتَبِيُّ: يُقالُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ، أيْ أكَلْنا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في جُمْلَةِ الطَعامِ ما يُقَطَّعُ بِالسَكاكِينِ، فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا، وكانُوا لا يَنْتَهِسُونَ اللَحْمَ وإنَّما كانُوا يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَكاكِينِ، وقِيلَ: كانَ أُتْرُجًّا، وقِيلَ: كانَ زُماوَرْدَ -وَهُوَ مِن نَحْوِ الأُتْرُجِّ مَوْجُودٌ في تِلْكَ البِلادِ- وقِيلَ: هو مَصْنُوعٌ مِن سُكَّرٍ ولَوْزٍ وأخْلاطٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، والكَلْبِيُّ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "مُتْكًا" بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ التاءِ وتَنْوِينِ الكافِ، واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقِيلَ: هو الأُتْرُجُّ، وقِيلَ: هو اسْمٌ يَعُمُّ ما يُقَطَّعُ بِالسِكِّينِ مِنَ الفَواكِهِ كالأُتْرُجِّ والتُفّاحِ وغَيْرِهِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُواعِ جِهارًا ∗∗∗ ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارًا وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُتَّكَئًا" بِشَدِّ التاءِ المَفْتُوحَةِ والهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "مُتَّكًا" مُشَدَّدُ التاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصّاحٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "مُتَّكاءً" بِالمَدِّ عَلى إشْباعِ الحَرَكَةِ.

والسِكِّينُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، ولَمْ يَعْرِفِ الأصْمَعِيُّ إلّا التَذْكِيرَ.

وقَوْلُهُ: "اخْرُجْ" أمْرٌ لِيُوسُفَ، وأطاعَها بِحَسْبَ المُلْكِ، وقالَ مَكِّيٌّ، والمَهْدِيُّ: قِيلَ: إنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا في القَصَصِ؛ وذَلِكَ أنَّ قِصَّةَ النِسْوَةِ كانَتْ قَبْلَ فَضِيحَتِها في القَمِيصِ لِلسَّيِّدِ، وبِاشْتِهارِ الأمْرِ لِلسَّيِّدِ انْقَطَعَ ما بَيَّنَها وبَيْنَ يُوسُفَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ.

بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ كانَتْ قِصَّةُ النِساءِ بَعْدَ قِصَّةِ القَمِيصِ، وذَلِكَ أنَّ العَزِيزَ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ، بَلْ قَوْمُهُ أجْمَعُونَ، ألا تَرى أنَّ الإنْكارَ في وقْتِ القَمِيصِ إنَّما كانَ بِأنْ قِيلَ: ﴿ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدِكُنَّ عَظِيمٌ  ﴾ ؟

وهَذا يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ الغَيْرَةِ، ثُمَّ سَكَنَ الأمْرُ بِأنْ قالَ: ﴿ يُوسُفُ أعْرِضْ عن هَذا  ﴾ وأنْتِ "اسْتَغْفِرِي" وهي لَمْ تَبْقَ حِينَئِذٍ إلّا عَلى إنْكارِها وإظْهارِ الصِحَّةِ، فَلِذَلِكَ تُغُوفِلَ عنها بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلِيلَ القَمِيصِ لَمْ يَكُنْ قاطِعًا، وإنَّما كانَ أمارَةً ما، هَذا إنْ لَمْ يَكُنِ المُتَكَلِّمُ طِفْلًا.

وقَوْلُهُ: "أكْبَرْنَهُ" مَعْناهُ: أعْظَمْنَهُ واسْتَهْوَلْنَ جَمالَهُ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ عَبْدُ الصَمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الهاشِمِيِّ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: مَعْناهُ: حِضْنَ، وأنْشَدَ بَعْضُ الناسِ حُجَّةً لِهَذا التَأْوِيلِ: يَأْتِي النِساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ يَأْتِي النِساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، ومَعْناهُ مَنكُورٌ، والبَيْتُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ، كَذَلِكَ قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ولَيْسَ عَبْدُ الصَمَدِ مِن رُواةِ العِلْمِ، رَحِمَهُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ أيْ: أكْثَرْنَ فِيها حَزَّ السَكاكِينِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الأيْدِي هُنا: الأكْمامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الجَوارِحُ وقَطَّعْنَها حَتّى ألْقَيْنَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ بانَتِ الأيْدِي، وذَلِكَ ضَعِيفٌ مِن مَعْناهُ، وذَلِكَ أنَّ قَطْعَ العَظْمَ لا يَكُونُ إلّا بِشِدَّةٍ، ومُحالٌ أنْ يَسْهُوَ أحَدٌ عنها، والقَطْعُ عَلى المِفْصِلِ لا يَتَهَيَّأُ إلّا بِتَلَطُّفٍ لا بُدَّ أنْ يُقْصَدَ، والَّذِي يُشْبِهُ أنَّهُنَّ حَمَلْنَ عَلى أيْدِيهِنَّ الحَمْلَ الَّذِي كُنَّ يَحْمِلْنَهُ قَبْلَ المَتْكِ فَكانَ ذَلِكَ حَزًّا، وهَذا قَوْلُ الجَماعَةِ، وضُوعِفَتِ الطاءُ في "قَطَّعْنَ" لِكَثْرَتِهِنَّ وكَثْرَةِ الحَزِّ، فَرُبَّما كانَ مِرارًا.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "حاشا لِلَّهِ"، وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ: "حاشَ اللهِ"، وقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ: "حاشَ لِلَّهِ"، وفِرْقَةٌ: "حَشى لِلَّهِ"، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ: "حاشْ لِلَّهِ" بِسُكُونِ الشِينِ، وهي ضَعِيفَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "حاشَ الإلَهِ" مَحْذُوفًا مِن "حاشى".

فَأمّا "حاشَ" فَهي حَيْثُ جَرَّتْ حَرْفٌ مَعْناهُ الِاسْتِثْناءُ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهَ، وقَدْ يُنْصَبُ بِهِ، تَقُولُ: "حاشَ زِيدٍ وحاشَ زَيْدًا"، قالَ المُبَرِّدُ: النَصْبُ أولى إذْ قَدْ صَحَّ أنَّها فِعْلٌ بِقَوْلِهِمْ: "حاشَ لِزَيْدٍ"، والحَرْفُ لا يُحْذَفُ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَظْهَرُ مِن مَجْمُوعِ كَلامِ سِيبَوَيْهَ والمُبَرِّدِ أنَّ الحَرْفَ يُخْفَضُ بِهِ لا غَيْرَ، وأنَّ الفِعْلَ هو الَّذِي يُنْصَبُ بِهِ، فَهَذِهِ اللَفْظَةُ تُسْتَعْمَلُ فِعْلًا وحَرْفًا، وهي في بَعْضِ المَواضِعِ فِعْلٌ وزْنُهُ فاعِلٌ، وذَلِكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "حاشى لِلَّهِ"، مَعْناهُ مَأْخُوذٌ مِن مَعْنى الحَرْفِ وهو إزالَةُ الشَيْءِ عن مَعْنًى مَقْرُونٍ بِهِ، وهَذا الفِعْلُ مَأْخُوذٌ مِنَ "الحَشى"، أيْ: هَذا في حَشى وهَذا في حَشى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: يَقُولُ الَّذِي يَمْشِي إلى الحِرْزِ أهْلُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ بِأيِّ الحَشى صارَ الخَلِيطُ المُبايِنُ؟

ومِنهُ الحاشِيَةُ، كَأنَّها مُبايَنَةٌ لِسائِرِ ما هي لَهُ، ومِنَ المَواضِعِ الَّتِي "حاشى" فِيها فِعْلٌ هَذِهِ الآيَةُ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دُخُولُها عَلى حَرْفِ الجَرِّ، والحُرُوفُ لا يَدْخُلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَذْفُ الياءِ مِنها في قِراءَةِ الباقِينَ: "حاشَ" عَلى نَحْوِ حَذْفِهِمْ مِن: "لا أُبالِ" و"لا أدْرِ" و"لَوْ تَرَ"، ولا يَجُوزُ الحَذْفُ مِنَ الحُرُوفِ إلّا إذا كانَ فِيها تَضْعِيفٌ مِثْلُ: "لَعَلَّ"، فَيَحْذِفُ وتَرْجِعُ "عَلَّ"، ويُعْتَرَضُ في هَذا الشَرْطِ بِـ"مُنْذُ" و"مُذْ" فَإنَّهُ حَذَفَ دُونَ تَضْعِيفٍ، فَتَأمَّلْهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن ذَلِكَ في حَدِيثِ خالِدٍ يَوْمَ مُؤْتَةَ: "فَحاشى بِالناسِ".

فَمَعْنى "حاشَ لِلَّهِ" هاهُنا: حاشَ يُوسُفُ لِطاعَتِهِ لِلَّهِ، أو لِمَكانِهِ مِنَ اللهِ، أو لِتَرْفِيعِ اللهِ لَهُ أنْ يُرْمى بِما رَمَيْتِهِ بِهِ أو يُدْعى إلى مِثْلِهِ؛ لِأنَّ تِلْكَ أفْعالُ البَشَرِ وهو لَيْسَ مِنهُمْ، إنَّما هو مَلَكٌ، هَكَذا رَتَّبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ مَعْنى هَذا الكَلامِ عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ اللَتَيْنِ في السَبْعِ، وأمّا قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ فَعَلى أنَّ "حاشَ" حَرْفُ اسْتِثْناءٍ، كَما قالَ الشاعِرُ: حاشى أبِي ثَوْبانَ إنَّ بِهِ ∗∗∗ ضِنًّا عَنِ المِلْحاةِ والشَتْمِ وتَسْكِينُ الشِينِ في إحْدى قِراءَتَيِ الحَسَنِ ضَعِيفٌ؛ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنِينِ، وقِراءَتُهُ الثانِيَةُ مَحْذُوفَةُ الألِفِ مِن "حاشى".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَشْبِيهُ بِالمَلَكِ هو مِن قَبِيلِ التَشْبِيهِ بِالمُسْتَعْظَماتِ، وإنْ كانَتْ لا تُرى.

وقَرَأ أبُو الحُوَيْرِثِ الحَنَفِيُّ، والحَسَنُ: "ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلِكٌ كَرِيمٌ" بِكَسْرِ اللامِ في "مَلَكٍ"، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالكَلامُ فَصِيحٌ، لَمّا اسْتَعْظَمْنَ حُسْنَ صُورَتِهِ قُلْنَ: ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ هَذا عَبْدًا بَشَرًا، إنَّما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَلِكًا كَرِيمًا.

ونَصْبُ "بَشَرًا" عَلى لُغَةِ الحِجازِ، شُبِّهَتْ "ما" بِـ(لَيْسَ)، وأمّا تَمِيمٌ فَتَرْفَعُ، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ.

ورُوِيَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ أُعْطِيَ ثُلُثَ الحُسْنِ، «وَعَنِ النَبِيِّ  أُعْطِي نِصْفَ الحُسْنِ،» فَفي بَعْضِ الأسانِيدِ هو وأُمُّهُ، وفي بَعْضِها هو وسارَّةٌ جَدَّةِ أبِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ، أيْ: لَوْ كانَ الحَسَنُ مِمّا يُقَسَّمُ لَكانَ حُسْنُ يُوسُفَ يَقَعُ في نِصْفِهِ، فالقَصْدُ أنْ يَقَعَ في نَفْسِ السامِعِ عِظَمُ حُسْنِهِ، عَلى نَحْوِ التَشْبِيهِ بِرُؤُوسِ الشَياطِينِ وأنْيابِ الأغْوالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

حقّ سمع أن يعدّى إلى المسموع بنفسه، فتعديته بالباء هنا إما لأنه ضمن معنى أخْبِرت، كقول المثل: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» أي تخبر عنه.

وإما أن تكون الباء مزيدة للتوكيد مثل قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [سورة المائدة: 6].

وأطلق على كلامهن اسم المكر، قيل: لأنهن أردن بذلك أن يبلغ قولهن إليها فيغريَها بعَرضها يوسف عليه السّلام عليهن فيريْنَ جماله لأنهن أحببن أن يرينه.

وقيل: لأنهن قلنه خفية فأشبه المكر، ويجوز أن يكون أطلق على قولهن اسم المكر لأنهن قلنه في صورة الإنكار وهن يُضمرن حسَدَها على اقتناء مثله، إذ يجوز أن يكون الشغف بالعبد في عادتهم غير منكر.

وأعتدت } : أصله أعددت، أبدلت الدال الأولى تاء، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مُهيناً ﴾ في سورة النساء (37).

والمتّكأ: محل الاتكاء.

والاتكاء: جِلسة قريبة من الاضطجاع على الجنب مع انتصاب قليل في النصب الأعلى.

وإنما يكون الاتكاء إذا أريد إطالة المكث والاستراحة، أي أحضرت لهن نمارق يتّكِئْن عليها لتناول طعام.

وكان أهل الترف يأكلون متكئين كما كانت عادةً للرومان، ولم تزل أسرّة اتكائهم موجودة في ديار الآثار.

وقال النبي: أمّا أنَا فلا آكلُ متكئاً.

ومعنى آتت } أمرت خدمها بالإيتاء كقوله: ﴿ يا هامان ابن لي صرحاً ﴾ [سورة غافر: 36].

والسكين: آلة قطع اللحم وغيره.

قيل: أحضرت لهن أتْرُجاً ومَوْزاً فحضرن واتكأن، وقد حذف هذان الفعلان إيجازاً.

وأعطت كل واحدة سكيناً لقشر الثمار.

وقولها: أُخرج عليهن} يقتضي أنه كان في بيت آخر وكان لا يدخل عليها إلا بإذنها.

وعدّي فعل الخروج بحرف (على) لأنه ضمن معنى (أُدخل) لأن المقصود دخوله عليهن لا مجرد خروجه من البيت الذي هو فيه.

ومعنى ﴿ أكبرنه ﴾ أعظمنه، أي أعظمن جماله وشمائله، فالهمزة فيه للعدّ، أي أعددنه كبيراً، وأطلق الكبر على عظيم الصفات تشبيهاً لِوفرة الصفات بعظم الذات.

وتقطيع أيديهن كان من الذهول، أي أجرين السكاكين على أيديهن يحسبن أنهن يقطعن الفواكه.

وأريد بالقطع الجُرح، أطلق عليه القطع مجازاً للمبالغة في شدته حتى كأنه قَطْع قطعة من لحم اليد.

و ﴿ حاش لله ﴾ تركيب عربي جرى مجرى المثل يراد منه إبطال شيء عن شيء وبراءته منه.

وأصل (حاشا) فعل يدل على المباعدة عن شيء، ثم يعامل معاملة الحرف فيجَرُّ به في الاستثناء فيقتصر عليه تارة.

وقد يوصل به اسم الجلالة فيصير كاليمين على النفي يقال: حَاشَا الله، أي أحاشيه عن أن يكذب، كما يقال: لا أقسم.

وقد تزاد فيه لام الجر فيقال: حاشا لله وحاش لله، بحذف الألف، أي حاشا لأجله، أي لخوفه أن أكذب.

حكي بهذا التركيب كلام قالته النسوة يدل على هذا المعنى في لغة القبط حكاية بالمعنى.

وقرأ أبو عَمرو «حاشا لله» بإثبات ألف حاشا في الوصل، وقرأ البقية بحذفها فيه.

واتفقوا على الحذف في حالة الوقف.

وقولهن: ﴿ مَا هذا بشراً ﴾ مبالغة في فَوْته محاسن البشر، فمعناه التفضيل في محاسن البشر، وهو ضد معنى التشابه في باب التشبيه.

ثم شبّهنه بواحد من الملائكة بطريقة حصره في جنس الملائكة تشبيهاً بليغاً مؤكّداً.

وكان القبط يعتقدون وجود موجودات علوية هي من جنس الأرواح العلوية، ويعبرون عنها بالآلهة أو قضاة يوم الجزاء، ويجعلون لها صوراً، ولعلهم كانوا يتوخّوْن أن تكون ذواتاً حسنة.

ومنها ما هي مدافعة عن الميت يوم الجزاء.

فأطلق في الآية اسم الملك على ما كانت حقيقته مماثلة لحقيقة مسمّى الملك في اللغة العربية تقريباً لأفهام السامعين.

فهذا التشبيه من تشبيه المحسوس بالمتخيل، كقول امرئ القيس: ومسنونة زرق كأنياب أغوال *** والفاء في ﴿ فذلكن ﴾ فاء الفصيحة، أي إن كان هذا كما زعمتُنّ ملكاً فهو الذي بلَغكن خبره فلمتنني فيه.

و ﴿ لمتنني فيه ﴾ (في) للتعليل، مثل " دخلت امرأةٌ النار في هرة ".

وهنالك مضاف محذوف، والتقدير: في شأنه أو في محبته.

والإشارة ب (ذلكن) لتمييز يوسف عليه السّلام، إذ كُنّ لم يرينَه قبلُ.

والتعبير عنه بالموصولية لعدم علم النسوة بشيء من معرّفاته غير تلك الصلة، وقد باحت لهن بأنها راودته لأنها رأت منهن الافتتان به فعلمت أنهن قد عذرنها.

والظاهر أنهن كن خلائل لها فلم تكتم عنهن أمرها.

واستعصم: مبالغة في عصم نفسه، فالسين والتاء للمبالغة، مثل: استمسك واستجمع الرأي واستجاب.

فالمعنى: أنه امتنع امتناع معصوم، أي جَاعلاً المراودة خطيئة عصم نفسه منها.

ولم تزل مصممة على مراودته تصريحاً بفرط حبها إياه، واستشماخاً بعظمتها، وأن لا يعصي أمرها، فأكدت حصول سجنه بنوني التوكيد، وقد قالت ذلك بمسمع منه إرهاباً له.

وحذف عائد صلة ﴿ ما آمره ﴾ وهو ضمير مجرور بالباء على نزع الخافض مثل: أمرتك الخير...

والسجن بفتح السين: قياس مصدر سجَنه، بمعنى الحبس في مكان محيط لا يخرج منه.

ولم أره في كلامهم بفتح السين إلا في قراءة يعقوب هذه الآية.

والسجن بكسر السين: اسم للبيت الذي يسجن فيه، كأنهم سموه بصيغة المفعول كالذبح وأرادوا المسجون فيه.

وقد تقدم قولها آنفاً: ﴿ إلا أن يُسجن أو عذابٌ أليم ﴾ [سورة يوسف: 25].

والصاغر: الذليل.

وتركيب من الصاغرين } أقوى في معنى الوصف بالصّغار من أن يقال: وليكونن صاغراً، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة البقرة (67)، وقوله: ﴿ وكونوا مع الصادقين ﴾ في آخر سورة براءة (119).

وإعداد المُتّكأ لهن، وبَوحُها بسرّها لهن يدل على أنهن كن من خلائلها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ ﴾ قالَ جُوَيْبِرٌ: كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةُ الحاجِبِ وامْرَأةُ السّاقِي وامْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ القَهْرَمانِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وامْرَأةُ صاحِبِ السِّجْنِ.

وَفي هَذِهِ المَدِينَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِصْرُ.

الثّانِي: عَيْنُ شَمْسَ.

﴿ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ قُلْنَ ذَلِكَ ذَمًّا لَها وطَعْنًا فِيها وتَحْقِيقًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ وإنْكارًا لِذَنْبِهِ.

والعَزِيزُ اسْمُ المَلِكِ مَأْخُوذٌ مِن عِزَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادٍ: دُرَّةٌ غاصَ عَلَيْها تاجِرٌ جُلِبَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَلٍّ ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ أيْ قَدْ دَخَلَ حُبُّهُ مِن شَغافِ قَلْبِها.

وَفي شَغافِ القَلْبِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حِجابُ القَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ وهو جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ بَيْضاءُ تَكُونُ عَلى القَلْبِ ورُبَّما سُمِّيَتْ لِباسُ القَلْبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وسُفْيانُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ باطِنُ القَلْبِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ هو حَبَّةُ القَلْبِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ما يَكُونُ في الجَوْفِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ.

الخامِسُ: هو الذُّعْرُ والفَزَعُ الحادِثُ عَنْ شِدَّةِ الحُبِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

وَقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: قَدْ شَعَفَها حُبًّا (بِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ) .

واخْتُلِفَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّغَفَ بِالغَيْنِ مُعْجَمَةً هو الجُنُونُ وبِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ هو الحُبُّ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الشَّغَفَ بِالإعْجامِ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعَفُ بِغَيْرِ إعْجامٍ دُونَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: فَلا وجْدَ إلّا دُونَ وجْدٍ وجَدْتُهُ ∗∗∗ أصابَ شَغافَ القَلْبِ والقَلْبُ يُشْغَفُ ﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في ضَلالٍ عَنِ الرُّشْدِ وعُدُولٍ عَنِ الحَقِّ.

الثّانِي: مَعْناهُ في مَحَبَّةٍ شَدِيدَةٍ.

وَلَمّا اقْتَرَنَ شِدَّةُ حُبِّها بِالشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِها بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، ولَوْ خَلَصَ مِنَ الشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ بِالصِّدْقِ عَلى نَفْسِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمُّهُنَّ لَها وإنْكارُهُنَّ عَلَيْها.

الثّانِي: أنَّها أسَرَّتْ إلَيْهِنَّ بِحُبِّها لَهُ فَأشَعْنَ ذَلِكَ عَنْها.

﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ وفي "أعْتَدَتْ" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الإعْدادِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِنَ العُدْوانِ.

وَفي (المُتْكَأِ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَجْلِسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ النَّمارِقُ والوَسائِدُ يُتَّكَأُ عَلَيْها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والسُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّعامُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ طَعِمْنا عِنْدَهُ، وأصْلُهُ أنَّ مَن دُعِيَ إلى طَعامٍ أُعِدَّ لَهُ مُتَّكَأً فَسُمِّيَ الطَّعامُ بِذَلِكَ مُتَّكَأً عَلى الِاسْتِعارَةِ.

فَعَلى هَذا أيُّ الطَّعامِ هُوَ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزُّماوَرْدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الأُتْرُجُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وهو وتَأْوِيلُ مَن قَرَأها مُخَفَّفَةً غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ، والمَتْكُ في كَلامِهِمُ الأُتْرُجُّ، قالَ الشّاعِرُ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المَتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا والإثْمُ: الخَمْرُ، والمَتْكُ: الأُتْرُجُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ ما يُجَزُّ بِالسِّكِّينِ وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُؤْكَلُ عَلى مُتَّكَأٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ الطَّعامِ والشَّرابِ عَلى عُمُومِهِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ.

﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ وإنَّما دَفَعَتْ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ في الظّاهِرِ مَعُونَةً عَلى الأكْلِ، وفي الباطِنِ لِيَظْهَرَ مِن دَهْشَتِهِنَّ ما يَكُونُ شاهِدًا عَلَيْهِنَّ.

قالَ الزَّجّاجُ: كانَ كالعَبْدِ لَها فَلَمْ تُمَكِّنْهُ أنْ يَخْرُجَ إلّا بِأمْرِها.

﴿ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أعْظَمْنَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ وجَدْنَ شَأْنَهُ في الحُسْنِ والجَمالِ كَبِيرًا، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ: حِضْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وهو قَوْلٌ رَواهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الهاشِمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ.

وَقِيلَ: إنَّ المَرْأةَ إذا جَزِعَتْ أوْ خافَتْ حاضَتْ، وقَدْ يُسَمّى الحَيْضُ إكْبارًا، قالَ الشّاعِرُ: نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ دَهَشًا لِيَكُونَ شاهِدًا عَلَيْهِنَّ عَلى ما أضْمَرَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ فِيهِنَّ.

وَفي قَطْعِ أيْدِيهِنَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى بانَتْ.

الثّانِي: أنَّهُنَّ جَرَحْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى دَمِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ قَطَعَ فُلانٌ يَدَهُ إذا جَرَحَها.

﴿ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ بِالألِفِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ونافِعٍ في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ وقَرَأ الباقُونَ حاشَ لِلَّهِ بِإسْقاطِ الألِفِ، ومَعْناهُما واحِدٌ.

وَفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعاذَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَعْناهُ سُبْحانَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي أصْلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ كُنْتُ في حَشا فُلانٍ أيْ في ناحِيَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاشَ فُلانًا أيِ اعْزِلْهُ في حَشًا يَعْنِي في ناحِيَةٍ.

﴿ ما هَذا بَشَرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما هَذا أهْلًا لِلْمُباشَرَةِ.

الثّانِي: ما هَذا مِن جُمْلَةِ البَشَرِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِما عَلِمْنَ مِن عِفَّتِهِ وأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ البَشَرِ لَأطاعَها.

الثّانِي: لِما شاهَدْنَ مِن حُسْنِهِ البارِعِ وجَمالِهِ البَدِيعِ ﴿ إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ وقُرِئَ: ما هَذا بِشِرًا (بِكَسْرِ الباءِ والشِّينِ) أيْ ما هَذا عَبْدًا مُشْتَرًى إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، مُبالَغَةً في تَفْضِيلِهِ في جِنْسِ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها دَعَتْهُ إلى نَفْسِها ثانِيَةً بَعْدَ ظُهُورِ حالِهِما، فَقالَ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ يَعْنِي: الحَبْسُ في السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ امْرَأةَ العَزِيزِ فِيما دَعَتْهُ إلَيْهِ مِنَ الفاحِشَةِ وكَنّى عَنْها بِخِطابِ الجَمْعِ إمّا تَعْظِيمًا لِشَأْنِها في الخِطابِ وإمّا لِيَعْدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْرِيضِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ جَماعَةَ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حِينَ شاهَدْنَهُ لِاسْتِحْسانِهِنَّ لَهُ واسْتِمالَتِهِنَّ لِقَلْبِهِ.

﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الفاحِشَةِ إذا أُضِيفَ ذَلِكَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ.

الثّانِي: اسْتِمالَةُ قَلْبِهِ إذا أُضِيفَ ذَلِكَ إلى النِّسْوَةِ.

﴿ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أُتابِعْهُنَّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أمِلُ إلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فلما سمعت بمكرهنَّ ﴾ قال: بحديثهن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله: ﴿ سمعت بمكرهن ﴾ قال: بعملهن.

وقال: كل مكر في القرآن فهو عمل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأعتدت لهن متكأ ﴾ قال: هيأت لهن مجلساً، وكان سنتهم إذا وضعوا المائدة، أعطوا كل إنسان سكيناً يأكل بها.

فلما رأينه قال: فلما خرج عليهن يوسف عليه السلام ﴿ أكبرنه ﴾ قال: أعظمنه ونظرت إليه، وأقبلن يحززن أيديهن بالسكاكين.

وهن يحسبن أنهن يقطعن الطعام.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وأعتدت لهن متكأ ﴾ قال: أعطتهن أترنجاً، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً، فلما رأين يوسف أكبرنه وجعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترنج.

وأخرج مسدد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: المتكأ، الأترنج، وكان يقرؤها خفيفة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ متكأ ﴾ قال: هو الأترنج.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه ثالث، عن مجاهد رضي الله عنه قال: من قرأ ﴿ متكأ ﴾ شدها، فهو الطعام.

ومن قرأ ﴿ مَتَكاً ﴾ خففها فهو الأترنج.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سلمة بن تمام أبي عبيد الله القسري رضي الله عنه قال: ﴿ متكاً ﴾ بكلام الحبش، يسمون الأترنج مَتَكاً.

وأخرج ابو الشيخ عن أبان بن تغلب رضي الله عنه أنه كان يقرؤها ﴿ واعتدت لهن متكا ﴾ مخففة.

قال: الأترنج.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واعتدت لهن متكأ ﴾ قال: طعام وشراب وتكاء.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ متكأ ﴾ قال: كل شيء يقطع بالسكين.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن زيد رضي الله عنه قال: أعطتهن ترنجاً وعسلاً، فكن يحززن الترنج بالسكين، ويأكلن بالعسل، فلما قيل له اخرج عليهن، خرج.

فلما رأينه أعظمنه وتهيمن به حتى جعلن يحززن أيديهن بالسكين وفيها الترنج ولا يعقلن، لا يحسبن إلا أنهن يحززن الأترنج، قد ذهبت عقولهن مما رأين وقلن ﴿ حاشا لله، ما هذا بشراً ﴾ ما هكذا يكون البشر، ما هذا إلا ملك كريم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق دريد بن مجاشع، عن بعض أشياخه قال: قالت للقيم: أدخله عليهن وألبسه ثياباً بيضاً، فإن الجميل أحسن ما يكون في البياض.

فأدخله عليهن وهن يحززن ما في أيديهن، فلما رأينه حززن أيديهن وهن لا يشعرن من النظر إليه، فنظرن إليه مقبلاً، ثم أومأت إليه أن ارجع.

فنظرن إليه مدبراً وهن يحززن أيديهن بالسكاكين لا يشعرن بالوجع من نظرهن إليه، فلما خرج نظرن إلى أيديهن وجاء الوجع، فجعلن يولولن.

وقالت لهن: أنتن من ساعة واحدة هكذا صنعتن، فكيف أصنع أنا؟!...

﴿ قلن: حاشا لله، ما هذا بشراً، إن هذا إلا ملك كريم ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن الوزير بن الكميت بن زيد بن الكميت الشاعر قال: حدثني أبي عن جدي قال: سمعت جدي الكميت يقول في قوله: ﴿ فلما رأينه أكبرنه ﴾ قال أمنين.

وأنشد في ذلك: لما رأته الخيل من رأس شاهق ** صهلن وأكبرن المنيّ المدفقا وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن جده ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلما رأينه أكبرنه ﴾ قال: لما خرج عليهن يوسف حضن من الفرح، وقال الشاعر: نأتي النساء لدى اطهارهن ولا ** نأتي النساء إذا أكبرن أكباراً وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلما رأينه أكبرنه ﴾ قال: أعظمنه ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ قال: حزًّا بالسكين حتى ألقينها ﴿ وقلن حاشا لله ﴾ قال: معاذ الله.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف والخطيب في تالي التلخيص، عن أسيد بن يزيد أن في مصحف عثمان ﴿ وقلن حاش لله ﴾ ليس فيها ألف.

وأخرج ابن جرير، عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأها ﴿ ما هذا بشرا ﴾ أي ما هذا بمشترى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ قال: قلن ملك من الملائكة من حسنه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن يزيد بن أساس رضي الله عنه قال: لما قررن وطابت أنفسهن، قالت لقيمها: آتهن ترنجاً وسكيناً.

فأتاهن بهن، فجعلن يقطعن ويأكلن، فقالت: هل لكن في النظر إلى يوسف؟

قلن: ما شئت فأمرت قيمها فأدخله عليهن، فلما رأينه جعلن يقطعن أصابعهن مع الأترنج وهن لا يشعرن، فلا يجدن ألماً مما رأين من حسنه، فلما ولى عنهن قالت: هذا الذي لمتنني فيه، فلقد رأيتكن تقطعن أيديكم وما تشعرن.

قال: فنظرن إلى أيديهن فجعلن يصحن ويبكين.

قالت: فكيف أصنع؟

فقلن: ﴿ حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم ﴾ وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا.

وأخرج أبو الشيخ عن منبه عن أبيه قال: مات من النسوة اللاتي قطعن أيديهن، تسع عشرة امرأة كمداً.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطي يوسف وأمه شطر الحسن» .

وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان وجه يوسف مثل البرق، وكانت المرأة إذا أتت لحاجة ستر وجهه مخافة أن تفتتن به.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أوتي يوسف عليه السلام وأمه ثلث حسن خلق الإنسان: في الوجه والبياض وغير ذلك.

وأخرج أبو الشيخ، عن إسحاق بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان يوسف عليه الصلاة والسلام إذا سار في أزقة مصر، تلألأ وجهه على الجدران كما يتلألأ الماء والشمس على الجدران.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين» .

وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قسم الله الحسن عشرة أجزاء، فجعل منها ثلاثة أجزاء في حواء، وثلاثة أجزاء في سارة، وثلاثة أجزاء في يوسف، وجزأ في سائر الخلق.

وكانت سارة من أحسن نساء الأرض، وكانت من أشد النساء غيرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه قال: قسم الله الحسن نصفين، فجعل ليوسف وسارة النصف، وقسم النصف الآخر بين سائر الناس.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: قسم الحسن ثلاثة أقسام، فأعطي يوسف الثلث، وقسم الثلثان بين الناس، وكان أحسن الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان فضل حسن يوسف على الناس، كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء.

وأخرج الحاكم عن كعب رضي الله عنه قال: قسم الله ليوسف عليه السلام من الجمال الثلثين، وقسم بين عباده الثلث، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله تعالى، فلما عصى آدم عليه السلام نزع منه النور والبهاء والحسن، ووهب له الثلث من الجمال مع التوبة، فأعطى الله ليوسف عليه السلام ذلك الثلثين، وأعطاه تأويل الرؤيا.

وإذا تبسم رأيت النور من ضواحكه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ ﴾ يعني زليخا ﴿ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ قال ابن عباس: يريد مقالتهن (١) (٢) (٣) وقال الزجاج (٤) (٥) ﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾ ، قال وهب (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَعْتَدَتْ ﴾ أي أعدت، ومضى الكلام فيه مستقصى (٧) ﴿ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ معنى المتكأ في اللغة، ما تتكأ عليه من نُمرقة أو وسادة، قال الزجاج (٨) ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا  ﴾ وقولهم: رجل تكأة، إذا كان كثير الاتكاء، هو في الأصل وكأة، هذا الذي ذكرنا معنى المتكأ، وأصله في اللغة (٩) فأما التفسير، فقال الكلبي عن ابن عباس (١٠) (١١) وقال ابن عباس (١٢) (١٣) ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ طعامًا، ومثله روى سعيد عن قتادة (١٤) وقال ابن جريج عن ابن عباس (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) فظَلِلْنَا بنِعْمَةٍ واتَّكَأنَا ...

وشَرِبْنَا الحَلالَ من قُلَلِه أراد باتكأنا أكلنا، وقال الأزهري (٢٣)  "أما أنا فلا آكل متكئًا، آكل كما يأكل العبيد" (٢٤) وقرأ جماعة من التابعين (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال عكرمة (٢٩) قال ابن زيد (٣٠) (٣١) قال أبو زيد (٣٢) وأنكر أبو عبيدة (٣٣) قال أبو عبيد (٣٤) قال أبو بكر (٣٥) (٣٦) وأجاز الفراء (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا ﴾ قال ابن عباس (٣٩) (٤٠) ﴿ وَآتَتْ ﴾ هاهنا ناولت، والسكين يذكر ويؤنث، ومتخذه يقال له: السَّكَّان.

وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ أي قالت ذلك ليوسف، قال الزجاج (٤١) (٤٢) ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ قال ابن عباس (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) وروى عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده (٤٧) (٤٨) قال: وفي ذلك يقول الشاعر (٤٩) يأتي النِّساءَ على أطْهَارِهِنَّ ولا ...

يأتي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبَارا ونحو هذا القول روى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس (٥٠) وأنكر هذا أكثر أهل اللغة، قال أبو عبيدة (٥١) وقال الزجاج (٥٢) وقال الأزهري (٥٣) وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم، قال: سألت رجلاً من طي فقلت: ما لك زوجة؟

قال: لا والله ما تزوجت، وقد وعدت في بنت عم لي، قلت: وما سنها، قال قد أكبرت أو كربت، قلت: وما أكبرت؟

قال: حاضت، قال الأزهري أرى اللغة تصحح: أكبرت المرأة، إذا حاضت، إلا أن الكناية في (أكبرنه) تنفي هذا المعنى، فإن صحت الرواية عن ابن عباس سلم له، وجعلنا الهاء في قوله ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ هاء الوقفة لا هاء الكناية.

وقال ابن الأنباري: من أبطل هذا القول إنما أبطله من أجل الهاء، وقد رأو أن الهاء تنصرف إلى يوسف وليست منصرفة إليه، لكنها كناية عن مصدر الفعل يعنى بها أكبرن إكبارًا، أي حضن حيضًا، فكنى عن المصدر كما يقال: قدم زيد فأحببته، يعنون فأحببت قدومه (٥٤) (٥٥) وليسَ المَالُ فاعْلَمْهُ بمَالٍ ...

وإن أغْنَاكَ إلا للدُنِّي أراد: فاعلم علمًا، قال: وهذا القول مقبول لقول ابن عباس به، وبناء جماعة من التابعين عليه، والقول في الهاء ما قاله أبو بكر، لا ما قاله الأزهري، لأن هاء الوقفة تسقط في الوصل ولا توصل بواو.

وقوله تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ قال المفسرون: حززن (٥٦) (٥٧) (٥٨) قال أهل المعاني: قوله ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ يحتمل ضروبًا من القطع: أحدها: أن يكون كما ذكره قتادة، والثاني: أن يجرحن أيديهن في مواضع، وكذلك ذكر بلفظ التكثير، والثالث: أن كل واحدهَ جرحت يدها جراحة واحدة، ولكنهن لما كن عدة حسن فعل التكثير.

وقوله تعالى: ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ قال أهل اللغة (٥٩) وأما اشتقاق هذه الكلمة، فقال الزجاج (٦٠) (٦١) يَقُولُ الذي أمْسَى إلى الحزْنِ أهْلُه ...

بأيِّ الحَشَا أمْسَى الخَلِيطُ المُبَايِنُ أراد: بأي النواحي، واحتج أيضًا بقول النابغة (٦٢) وما أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدِ قال: معناه ما أعدل أحدًا من الأقوام في حشا، أي في ناحية، ولهذا احتمل هذه الكلمة معنى الاستثناء والتنزيه، لأن معنى التنزيه التنحيةُ والإبعاد، وكذلك معنى الاستثناء هو الإخراج عن جملة المذكورين.

وقال أبو علي (٦٣) (٦٤) (٦٥) وصَّاني العَجَّاجُ فيما وَصنِي ومن أثبث الألف جاء به على التمام والأصل، واختلف النحويون في أن حاشا في الاستثناء حرف جر أم فعل، فهو عند سيبويه (٦٦) (٦٧) (٦٨) وما أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ من أَحَدِ قال: لما صرف فاستعمل منه أحاشي، علم أنه فعل.

قال أصحاب سيبويه: قول سيبويه أولى، لأنه يتعلق بالحكاية عن العرب فكان أولى، وحجته في أنها لا تكون إلا حرفًا اجتماع النحويين على أنها لا تكون صلة لما، فلا تقول: جاءني القوم ما حاشا زيدًا، كما تقول: ما خلا زيدًا، فلما امتنعت أن تكون صلة لـ (ما)، دل على أنها ليست بفعل، واحتجاج أبي العباس عليه بقول النابغة لا يلزم؛ لأن قوله (وما أحاشى) ليس بتصريف فعل بل هو بناء فعل على حكاية [قول القائل: حاشا فلان، نحو قولهم: حوقل وبسمل، كأنه قال: ما أقول هذا القول.

وأما] (٦٩) وذكر أبو علي (٧٠) ﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ تنزيه ليوسف عما رمته به امرأة العزيز كما ذكرنا، وذهبت طائفة إلى أن المراد تنزيهه من (٧١) وقوله تعالى: ﴿ مَا هَذَا بَشَرًا ﴾ قال الفراء (٧٢) ﴿ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ  ﴾ .

وقال الزجاج (٧٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ تأكيد أنه ليس من البشر.

(١) "زاد المسير" 4/ 215.

(٢) الطبري 12/ 201، الثعلبي 7/ 78 أ، البغوي 4/ 236.

(٣) الطبري 12/ 201، الثعلبي 7/ 78 أ، "زاد المسير" 4/ 215.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 105.

(٥) الرازي 18/ 126.

(٦) الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237، القرطبي 9/ 178.

(٧) عند قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا  ﴾ ، وقال ما ملخصه: اعتدت الشيء فهو عتيد ومعتد، وقد عتد الشيء عتادة وهو عتيد حاضر، وعتد بتاء أصل على حدة، وقيل: الأصل أعدد من عين ودالين ثم قلبت إحدى الدالين تأء.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 105.

(٩) (في اللغة) ساقط من (أ، ب)، انظر: "تهذيب اللغة" (تكأ) 1/ 445.

(١٠) "زاد المسير" 4/ 216، و"تنوير المقباس" ص 148، والثعلبي 7/ 78 ب.

(١١) "مجاز القرآن" 1/ 309.

(١٢) الطبري 12/ 202 - 203، ومسدد وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2132، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 28.

(١٣) الطبري 12/ 203، وأبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2133، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 29.

(١٤) الطبري 12/ 203، الثعلبي 7/ 78 ب.

وابن أبي حاتم 7/ 2133.

(١٥) "زاد المسير" 4/ 216، البغوي 4/ 237.

(١٦) الطبري 12/ 203، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 29، و"زاد المسير" 4/ 216.

(١٧) الطبري 12/ 203، ابن المنذر كما في "الدر" 4/ 29، الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237.

(١٨) الطبري 12/ 203، الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237.

(١٩) الطبري 12/ 203، الثعلبي 7/ 78 ب.

(٢٠) "مشكل القرآن وغريبه" ص 218، 219.

(٢١) قال ابن السكيت: في قولهم: (العلف) أري، قال: هذا مما يضعه الناس في غير موضعه، وإنما الآري لحبس الدابة.

"تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3881.

(٢٢) القائل جميل بن معمر، و (القلل) جمع قلة وهي الحب العظيم وقيل الجرة الكبيرة وقيل الكوز الصغير، "ديوانه" ص 53، و"أساس البلاغة" 2/ 273، و"الأغاني" 7/ 79، و"شرح شواهد المغني" 126، و"مشكل القرآن وغريبه" ص 218، والثعلبي 7/ 78 ب، والقرطبي 9/ 178.

(٢٣) "تهذيب اللغة" (تكأ) 1/ 445.

(٢٤) اللفظ الأول "أما أنا فلا آكل متكئًا"، أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة (5398) كتاب: الأطعمة، باب: الأكل متكئًا، وأبو داود (3769)، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في الآكل متكئا، والترمذي (1890) باب ما جاء في كراهية الأكل متكئًا، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

والبيهقي في "السنن" 7/ 462 برقم (14651) باب الأكل متكئًا، وأما اللفظ الآخر "آكل كما يأكل العبيد" فقد قال البيهقي بعد أن ساق كلام الخطابي في معنى الاتكاء، قال: (وروي أنه كان يأكل مقعيًا ويقول: "أنا عبد آكل كما يأكل العبد"، ويؤيده حديث عبد الله بن بسر ولفظه: (اهديت للنبي  شاة فجثا على ركبتيه يأكل، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟

فقال: "إن الله جعلني عبدًا كريمًا ولم يجعلني جبارًا عنيدًا" أخرجه أبو داود (3773)، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في الأكل من أعلى الصحفة وابن ماجه (3263)، كتاب الأطعمة، باب الأكل متكئًا، والضياء المقدسي في "المختارة" 1/ 112، وصححه الألباني في "الإرواء" (1966).

(٢٥) وممن قرأ بها مجاهد وسعيد بن جبير ونسبت إلى ابن عباس، وقرأ بها أبو جعفر، انظر: الطبري 12/ 202 - 203، و"إتحاف" ص 264، و"زاد المسير" 4/ 216، القرطبي 9/ 178.

(٢٦) الطبري 12/ 202، و"زاد المسير" 4/ 216، وابن أبي حاتم 123/ 202.

(٢٧) المرجع السابق.

(٢٨) الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237 بهامش الصفحة، و"زاد المسير" 4/ 216، وابن أبي حاتم 7/ 2133 بلفظتي "البزماورد، البرماورد"، وفي "القاموس": الزماورد: بالضم طعام من البيض واللحم معرب.

(٢٩) الثعلبي 7/ 78 ب، البغوي 4/ 237 ابن أبي حاتم 7/ 2133.

(٣٠) الطبري 12/ 204، والثعلبي 7/ 78 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 29، وابن أبي حاتم 7/ 2134.

(٣١) في (ب): (يحزرن).

(٣٢) الثعلبي 7/ 78 ب، "تهذيب اللغة" (متك) 4/ 3338.

(٣٣) "مجاز القرآن" 1/ 309.

(٣٤) الطبري 12/ 202.

(٣٥) "الزاهر" 2/ 21.

(٣٦) البيت غير منسوب.

وهو في "الزاهر" 2/ 25، و"البحر المحيط" 5/ 299، و"المحرر الوجيز" 7/ 493، و"الدر المصون" 6/ 479، والقرطبي 9/ 178، و"اللسان" (إثم) 1/ 29، و"تهذيب اللغة" 1/ 122، و"تاج العروس" (متك) 13/ 638.

(٣٧) "معاني القرآن" 2/ 42.

(٣٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 106.

(٣٩) الطبري 12/ 204، وابن مردويه كما في "الدر" 4/ 28.

(٤٠) في (أ)، (ج): (أعطهن).

(٤١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 106.

(٤٢) ساقط من (أ)، (ب).

(٤٣) الطبري 12/ 205، و"زاد المسير" 4/ 218، وابن أبي حاتم 7/ 2135 وروى هذا القول أيضًا عن ابن زيد وابن إسحاق قال: وروى عن السدي مثله.

(٤٤) الطبري 12/ 205، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم (لم أجده في النسخة التي بين يدي) وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 29، و"زاد المسير" 4/ 218.

(٤٥) الطبري 12/ 204 - 205.

(٤٦) "زاد المسير" 4/ 218.

(٤٧) الطبري 12/ 205، وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2135 كما في "الدر" 4/ 29، والثعلبي 7/ 79 ب، وعبد الصمد كان أميرًا على مكة، قال الذهبي: ليس بحجة.

انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 50، و"الميزان" 3/ 334، وأبوه هو أبو محمد ثقة عابد، مات سنة 118 هـ على الصحيح وأخرج له الجماعة إلا البخاري.

انظر: "الكاشف" 2/ 43، و"التهذيب" 3/ 146 والأثر ضعيف.

(٤٨) في (أ)، (ج): (من الفرج) بالعجمة "زاد المسير" 4/ 218، ابن عطية 7/ 494، القرطبي 9/ 180.

(٤٩) البيت غير منسوب وهو في الطبري 12/ 205، والثعلبي 7/ 79 ب، والقرطبي 9/ 180، و"زاد المسير" 4/ 218، و"تهذيب اللغة" 4/ 3091، وابن أبي حاتم 7/ 2135، و"البحر المحيط" 5/ 303، و"المحرر الوجيز" 7/ 494، و"اللسان" (كبر)، قال الطبري: البيت مصنوع، ط.

البابي الحلبي 12/ 205.

(٥٠) "تهذيب اللغة" (كبر) 4/ 3091، و"زاد المسير" 4/ 218، وفي ابن أبي حاتم 7/ 2135 عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: أعظمنه، فلعل الرواية هنا نقلها عن الأزهري في "التهذيب" فقد روى بسنده هذا القول إلى ابن عباس.

(٥١) "مجاز القرآن" 1/ 309.

(٥٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 106.

(٥٣) "تهذيب اللغة" (كبر) 4/ 3091.

(٥٤) في (ب): (وكما) بزيادة الواو.

(٥٥) البيت بلا نسبة في الأزهية ص 293، و"الإنصاف" 2/ 675، و"خزانة الأدب" 5/ 504، و"الدرر" 1/ 255، و"رصف المباني" ص 76، و"اللسان" (ضمن) 13/ 259 (لذا) 15/ 245، و"همع الهوامع" 1/ 82، برواية العجز: (من الأقوام إلا للذي).

(٥٦) في (ب): جززن.

(٥٧) الطبري 12/ 207، والثعلبي 7/ 79 ب، والبغوي 4/ 238، و"زاد المسير" 4/ 218، وابن أبي حاتم 7/ 2136 بنحوه عن غير قتادة.

(٥٨) الطبري 12/ 206، الثعلبي 7/ 79 ب، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2136، وفيه حز حزًّا بالسكين، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 30، البغوي 4/ 238، و"زاد المسير" 4/ 218.

(٥٩) "تهذيب اللغة" (حشو) 1/ 825، و"الزاهر" 2/ 288.

(٦٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 107.

(٦١) لمالك بن خالد الخناعي، ويقال: للمعطل، والحشا: أجواف الأودية، والخليط: الذين يخالطون في الدار، المباين: المفارق المزايل، انظر: "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 446، و"تهذيب اللغة" (حشا) 1/ 826، و"المخصص" 5/ 118، و"شرح المفصل" 2/ 85، و"جمهرة اللغة" 2/ 1049.

(٦٢) عجز بيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح بها النعمان ويعتذر إليه، وصدره: ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه انظر: "ديوانه" ص 12، و"الإنصاف" 241، و"الخزانة" 2/ 44، و"الهمع" 1/ 233، و"الدرر" 1/ 98، والقرطبي 9/ 181، و"الدر المصون" 6/ 484.

(٦٣) "الحجة" 4/ 423.

(٦٤) سقط من (أ، ب، ج) وما أثبته في (ي)، وفي "الحجة" 4/ 423: ولو تَرَما أهل مكة.

(٦٥) من أرجوذة له في "ديوانه" ص 187، وقبله: مُسرول في آلة مُربن ...

يمشي العرضى في الحديد المتقن وبلا نسبة في "الأشباه والنظائر" 2/ 449، و"الخزانة" 1/ 131.

(٦٦) "الكتاب" 2/ 309.

(٦٧) "المقتضب" 4/ 391، قال محقق الكتاب: وهذه المسألة من المسائل التي رد فيها المبرد على سيبويه، وقد تعقبه ابن ولاد في الانتصار، وانظر: "الحجة" 4/ 422.

(٦٨) سبق التعليق على البيت.

(٦٩) ما بين المعقوفين في (ب) وهو ساقط من (أ)، (ج).

(٧٠) "الإيضاح" ص 33.

(٧١) من هنا يبدأ سقط في نسخة (ب) حتى ص 111.

(٧٢) "معاني القرآن" 2/ 42.

(٧٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 107.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة ﴾ أي في مصر، روى أنهن خمس نسوة: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب ﴿ فتاها ﴾ أي خادمها، والفتى يقال بمعنى: الشاب، وبمعنى الخادم ﴿ شَغَفَهَا ﴾ بلغ شغاف قلبها وهو غلافه، وقيل: السويداء منه، وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب ﴿ سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أي بقولهم وسماه مكراً لأنه كان في خفية، وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه عليها ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ أي أعتدت لهن ما يتكأ عليه من الفرش ونحوها، وقيل: المتكأ طعام، وقرئ في الشاذ متكأ بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج، وإعطائها السكاكين لهن يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحماً ﴿ وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ ﴾ أمر ليوسف، وإنما أطاعها لأنه كان مملوك زوجها ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أي عظمن شأنه وجماله.

﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ أي اشتغلن بالنظر إليه وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن وهنّ لا يشعرن كما يقطع الطعام ﴿ حاش للَّهِ ﴾ معناه براءة وتنزيه: أي تنزيه الله وتعجب من قدرته على خلقة مثله، وحاش في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرد النصب بها على أن تكون فعلاً وأما هنا فقال أبو علي الفارسي: إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله لله، ولا يدخل الحرف على حرف، والآخر أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يك ولا أدري، والفاعل بحاش ضمير يعود على يوسف تقديره: بَعُدَ يوسف عن الفاحشة لخوف الله وقال الزمخشري: إن حاش وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيهاً، ثم قال: لله ليبين من ينزه قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية ﴿ مَا هذا بَشَراً ﴾ أخرجنه من البشر وجعلنه من الملائكة؛ مبالغة في وصف الحسن ﴿ إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ توبيخ لهن على اللوم ﴿ فاستعصم ﴾ أي طلب العصمة وامتنع مما أرادت منه ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ أي أميل وكلامه هذا تضرع إلى الله ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ ﴾ أي ظهر والفاعل محذوف تقديره: رأى والضمير في لهم لزوجها وأهلها، أو من تشاور معه في ذلك ﴿ رَأَوُاْ الآيات ﴾ أي الأدلة على براءته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.

والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.

وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.

الآخرون بالضم للإتباع.

﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.

الباقون.

بالكسر.

الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.

قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .

﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.

روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات  ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

والمعنى ولقد جاء آباءكم.

وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.

وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.

ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.

وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.

وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.

ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟

واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .

ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.

وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.

وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.

ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.

والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.

﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.

ثم إنه  بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.

وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.

والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.

فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.

قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.

واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.

والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.

عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.

والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.

يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.

قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.

وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.

وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.

وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.

وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.

وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.

ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف  بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله  يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.

وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله  لأنه مسبب الأسباب.

الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.

وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.

قوله  ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر  بإسناده عن علي بن أبي طالب  : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.

وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.

وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.

وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟

فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.

أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟

فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.

فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.

وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟

وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.

وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.

وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.

وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً  ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله  ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله  لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.

فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟

وقيل: رأى تمثال العزيز.

وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.

وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.

قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.

قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.

وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله  فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.

ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن  ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله  بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.

ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم  .

فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف  وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.

وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.

وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.

روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.

وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.

روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.

ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟

فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.

وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.

ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.

وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.

وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين  ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.

قال  ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي  أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .

وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.

وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.

واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.

وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.

والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.

قال في الكشاف: التنكير في "قبل".

و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.

أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه  يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً  ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله  إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال  : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله  لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار  ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.

يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.

وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.

﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.

قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.

وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.

وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.

والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.

﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.

وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.

وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف  فلهذا سمي مكراً.

وقيل: كن أربعين.

﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف  من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.

وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.

وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.

وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.

وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا  كان أملح.

قيل: كان يشبه آدم  يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.

وعن النبي  : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟

فقال: يوسف.

فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟

قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.

يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.

وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.

الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.

وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.

وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.

قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.

وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.

﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.

واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.

وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟

وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.

وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.

ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.

﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.

والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف  إلى الله  قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.

﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.

ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال  ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله  : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.

وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.

عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.

وعن الحسن: خمس سنين.

وعن غيره سبع سنين.

وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.

التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.

﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.

﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.

﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.

﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.

﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.

﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

يشبه أن تكون استكتمت سرها عند نسوة في المدينة، فأفشين سرها عند أهل المدينة، ليبلغ ذلك الخبر الملك.

أو أن لم تكن أعلمت تلك النسوة، فلا بدّ من أن يعلم ذلك بعض خدمها؛ فالخادم أعلمت سرها وأفشته عند نسوة في المدينة، فقلن عند ذلك: ﴿ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي: تدعو عبدها إلى نفسها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ .

قال بعضهم: الشغاف: هو حجاب القلب وغلافه، ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ أي: بلغ حبها إياه الشغاف، ومنه يقال: مشغوف.

والمشغوف: قيل: المجنون حبّاً، وهو من العشق.

قال الحسن: الشغف: أن يكون قد بطن لها حبه، والشغف: أن يكون مشغوفاً به.

قال أبو عوسجة: ﴿ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ أي: دخل الحبّ في شغاف القلب، وهو غطاؤه.

وقال: من قرِأها ﴿ شَغَفَهَا ﴾ أي: ذهب بعقلها؛ أي: عشقها.

لكن هذا قول أولئك النسوة، فلا ندري ما أردن بذلك، إنما ذلك خبر أخبر عن قول قلنه هن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

حيث خانت زوجها.

أو ﴿ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في حيرة من حبه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ .

أي: بقولهن المكر: هو الأخذ في حال الأمن، وهو الخيانة فيما اؤتمن واستكتم؛ فهذه كأنها استكتمت سرّها وحبّها ليوسف عن الناس، وأفشت ذلك لنسوة في المدينة، على أن يستكتمن عن الناس، فأفشين عليها ذلك؛ فذلك المكر الذي سمعت، والله أعلم.

إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل.

وأمكن أن تكون المرأة لم تفش سرها إليهن، لكن بعض خدمها التي اطلعت على ذلك هي التي أفشت إليهن، فأفشين هن ذلك، فلما سمعت ذلك منهن أرسلت إليهن: إمّا تنويشاً ودعاء للضيافة، وإما استزارة يزرنها، وأما قول أهل التأويل: إن النسوة كانت امرأة الخباز والسّاقي؛ ولا أدري من ماذا، فذلك لا نعلمه، وليس لنا إلى [معرفة] ذلك حاجة.

وقال - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ قال الحسن: متكأً: طعاماً وشراباً وتكأة.

وقال بعضهم: الأترنج والترنج.

وقال بعضهم: متكأً: وسائد وما يتكأ عليه.

وقال أبو عوسجة: متكأً: ممدوداً؛ يعني: هيئات المجلس وما يتكأ عليه.

ومن قرأ: (متكا) مقصوراً، وهو الأترنج وطعام؛ على ما قال الحسن.

وكذلك قال القتبي؛ قال: ويقال: البزماورد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً ﴾ .

أي: أعطت كل واحدة منهن سكيناً؛ ظاهر.

﴿ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ .

هاهنا كلام أن كيف أطاع يوسف بالخروج على النساء بقولها إياه: ﴿ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ فذلك مما لا يحل، لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه إنما يكره الدخول عليهن، والخلوة بهن، وأما الخروج عليهن فهو ليس بمكروه؛ إذ فيه الخروج منهن؛ لأنه إذا خرج عليهن كان يقدر أن يخرج منهن؛ فكأنه لما أذنت له بالخروج عليهن خرج رغبة أن يخرج من عندهن؛ إذ لم [يكن ليقدر] أن يخرج من البيت عليهن بغير إذن منها؛ فالأمر بالخروج عليهن أفاد له إذناً بالخروج من البيت؛ إذ لا سبيل له إلى الخروج منه بلا إذن له منها، فخرج عليهن ثمت من عندهن إلى غيره من المكان، وذلك مما لا يكره إذا كان مما لا سبيل إلى ما سواه.

ويشبه أن يكون منها الأمر بالخروج حسب إذا خرج ولم تقل عليهن، ولم يعلم يوسف أنها إنما تأمره بالخروج على النساء فخرج، لكن الله - عز وجل - أخبر عن مقصودها، وكان مقصودها من الأمر بالخروج [خروجاً عليهن]، فأخبر عن مقصودها بقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ [ومثل هذا قد يكون في الكلام.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ ] أي: عنهن، وذلك جائز في اللغة: (على) مكان (عن) كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ، أي: عن الناس، وأمثاله كثير.

وفي هذه الآية دلالة أن مشتري يوسف كان يمنع يوسف عن أن يخرج إلى البلد والسوق، ومن أن تخالطه الناس: إما إشفاقاً على نفسه، أو لئلا يفتن به النساء، أو لئلا يطلع على نفس يوسف؛ لما وقع عنده أنه مسروق، فكيفما كان ففيه: أن [على المرء أن] يحفظ ولده أو عبده إشفاقاً عليه.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ .

أي: أكبرنه وأعظمنه من حسنه أن يكون مثل هذا بشراً؛ ألا ترى أنهن قلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ ؛ قيل: حزّاً بالسِّكِّين.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ : قال أهل التأويل: أي: معاذ الله.

وقال بعضهم: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ : كلمة تنزيه من القبيح، ودلّ هذا القول منهن أنهن كنّ يؤمِنَّ بالله؛ حيث قلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .

كان الملك وإن لم يرونه حَسناً عندهم، ينسبون كل حسن إلى الملائكة، والشيطان - لعنه الله - عندهم قبيح؛ فنسبوا كل قبيح إليه.

وقوله: ﴿ بَشَراً ﴾ .

قرأه بعضهم: (بشرًى) بالتنوين، أي: ما هذا بمشترى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ .

بقولهن: ﴿ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، أي: إنكن لمتنني فيه أني أراوده عن نفسه، وأنتن قطعتن أيديكن إذ رأيتنه، وأنكرتن أن يكون هذا بشراً؛ فذلك أعظم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .

أي: دعوته إلى نفسي فاستعصم؛ قيل: امتنع؛ كقوله: ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: لا مانع، ويشبه قوله: استعصم بالله أو بدينه أو نبوته أو بعقله، هذا يدّل على أنه لم يكن منه ما قال أهل التأويل من حَلّ السراويل ونحوه؛ حيث قالت: ﴿ فَٱسَتَعْصَمَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ ﴾ .

قالت ذلك امرأة العزيز.

﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ .

يشبه أن يكون قولها: ليسجنن وليكونن في السجن من الصاغرين، أو ليسجنن وليكونن من المذَلّين الصَّاغرين: هو: الذليل لأنه قال لامرأته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ، فكان مكرماً عندها معظماً؛ فلما أبي ما راودته فقالت: ﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ أي: من الذليلين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ .

فيه دلالة أنه قد كان منهن من المراودة والدعاء ما كان من امرأة العزيز من المراودة والدعاء إلى نفسها؛ حيث قال: ﴿ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ ؛ ألا ترى أنه قال في موضع آخر: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ ، [وكذلك قالت امرأة العزيز: ﴿ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أي: كنتن لمتنني فيه أني راودته عن نفسه]؛ وأنتن قد راودتنّه عن نفسه.

وقول يوسف: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ .

أي: ذلك الذل والصغار أحبّ إليّ، أي: آثَر عندي وأخير في الدِّين مما يدعونني إليه؛ وإن كان ما يدعونه إليه تهواه نفسه وتميل إليه وتحبه؛ فأخبر أن السجن أحبّ إليه، أي: آثر وأخير في الدين؛ إذ النفس تكره السجن وتنفر عنه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!

فهذا يدل على أن ما قال: ﴿ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ إنما أراد به: محبة الاختيار والإيثار في الدِّين، لا محبّة النفس واختيارها؛ بل كانت النفس تحب وتهوى ما يدعونه إليه؛ دليله قوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .

وليس الدعاء في قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ كما يقول بعض الناس: إنه إنما وقع في السجن؛ لأنه سأل ربه السجن فاستجيب له في ذلك؛ ولكن الدعاء في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ، وهو كقول آدم وحواء: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23] ليس الدعاء في قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ الآية [الأعراف: 23] لأنه: إخبار عما كان منهم، إنما الدعاء في قوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ  ﴾ وكذلك قول نوح: ﴿ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ دلالة على أن عند الله لطفاً لم يكن أعطى يوسف ذلك؛ إذ لو كان أعطاه لكان كيدهن وشرهن مصروفاً عنه؛ حيث قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ولو كان أعطي ذلك لم يكن لسؤاله ذلك معنى، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم، حيث قالوا: إن الله قد أعطى كلا قدرة كل طاعة وقوة كل خير والدفع عن كل شر، وقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ أي: لا أحد يملك صرف كيدهن عنّي لو لم تصرفه أنت، وكذلك قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ  ﴾ وهو أبلغ في الدعاء من قوله: اللهم اغفر لي وارحمني.

وقوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ .

قال بعضهم: أمل إليهن.

وقال بعضهم: قال: لو لم تصرف عني كيدهن لأتابعهن.

ويقال: الصبو: هو الخروج عن الأمر؛ يقال: كل مَنْ خرج عن دينه فقد صبا.

وبهذا كان المشركون يُسَمّون النبي  : صابئاً، أي: خرج مما نحن عليه.

وقال أبو بكر الأصم: الأصب: هو الأمر المعجب.

وقوله: ﴿ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .

أي: يكون فِعْلي فعْل الجهّال لا فِعل العلماء والحكماء، إن لم تصرف عني كيدهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ .

أي: أجاب له ربه؛ فصرف عنه كيدهن.

هذا يدل على أن الدعاء كان في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ ، إنما هو خبر أخبره؛ حيث أخبر أنه أجاب له ربه فصرف عنه كيدهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .

السميع لكل قول وكلام؛ خَفِيّاً كان على الخلق أو ظاهراً، العليم به؛ لا يخفى عليه شيء.

وفي قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ، ﴿ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ .

دلالة على أنهن كن يدعونه إلى ذلك من وجه كان يخفى عليه ولم يشعر به؛ فالتجأ إلى الله في صرف ذلك عنه.

وقوله: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .

ذكر في بعض القصة أنها قالت لزوجها: ما زال يوسف يراودني عن نفسي فأبيت عليه فصدقها؛ فحبسه في السجن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ ﴾ .

قال أهل التأويل: هو قَدّ القميص من دُبره وخمش الوجه وغيره، ولكنه يشبه أن يكون الآيات التي رأوها هي آيات نبوته ورسالته.

وقال بعضهم: حبسوه، لينفوا عن المرأة ما رميت به، ولينقطع ذلك عن الناس، ويموت ذلك الخبر ويذهب، فيه أنهم حبسوه بعد ما رأوا آيات عصمته وبراءته عما اتهموه، وأنهم ظلمة في حبسه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما سمعت امرأة العزيز إنكارهن عليها واغتيابهن إياها بعثت إليهن تدعوهن ليرين يوسف فيعذرنها، وهَيَّأت لهن محلًّا فيه فراش ووسائد، وأعطت كل واحدة من المدعوات سكينًا تقطع به الطعام، وقالت ليوسف  : اخرج عليهن، فلما نظرن إليه أعظمنه، واندهشن لحسنه، وانبهرن بجماله، وجرَّحن أيديهن من شدة الانبهار به بالسكاكين المعدّة لقطع الطعام، وقلن: تنزه الله، ليس هذا الغلام بشرًا، فما هو فيه من الجمال لم يُعْهد في البشر، ليس إلا مَلَكًا كريمًا من الملائكة الكرام.

<div class="verse-tafsir" id="91.okr5Z"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله