الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٣٤ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 75 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٤ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وذلك أن يوسف ، عليه السلام ، عصمه الله عصمة عظيمة ، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع ، واختار السجن على ذلك ، وهذا في غاية مقامات الكمال : أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته ، وهي امرأة عزيز مصر ، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال ، والرياسة ويمتنع من ذلك ، ويختار السجن على ذلك ، خوفا من الله ورجاء ثوابه .
ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب ، فقال : إني أخاف الله "
القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما وجه قوله: (فاستجاب له ربه) ، ولا مسألةَ تقدَّمت من يوسف لربّه، ولا دعا بصَرْف كيدهنَّ عنه , وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته؟
قيل: إن في إخباره بذلك شكايةً منه إلى ربه مما لقي منهنَّ، وفي قوله: وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ، معنى دعاءٍ ومسألةٍ منه ربَّه صرفَ كيدهِنَّ , ولذلك قال الله تعالى ذكره: (فاستجاب له ربه) ، وذلك كقول القائل لآخر: " إن لا تزرني أهنك " , فيجيبه الآخر: " إذن أزورَك "، لأن في قوله: " إن لا تزرني أهنك " , معنى الأمر بالزيارة.
* * * قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: فاستجاب الله ليوسف دعاءه , فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله، كما: - 19252 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم) ، أي: نجاه من أن يركب المعصية فيهن , وقد نـزل به بعض ما حَذر منهنَّ.
* * * وقوله: (إنه هو السميع) ، دعاءَ يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه، ودعاءَ كل داع من خلقه ، (العليم) ، بمطلبه وحاجته , وما يصلحه , وبحاجة جميع خلقه وما يُصْلحهم.
(33) ---------------------- الهوامش: (33) انظر تفسير" السميع" و" العليم" فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .
قوله تعالى : فاستجاب له ربه لما قال .
وإلا تصرف عني كيدهن تعرض للدعاء ، وكأنه قال : اللهم اصرف عني كيدهن ; فاستجاب له دعاءه ، ولطف به وعصمه عن الوقوع في الزنا ." كيدهن " قيل : لأنهن جمع قد راودنه عن نفسه .
وقيل : يعني كيد النساء .
وقيل : يعني كيد امرأة العزيز ، على ما ذكر في الآية قبل ; والعموم أولى .
{ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ } حين دعاه { فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ } فلم تزل تراوده وتستعين عليه بما تقدر عليه من الوسائل، حتى أيسها، وصرف الله عنه كيدها، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } لدعاء الداعي { الْعَلِيمُ } بنيته الصالحة، وبنيته الضعيفة المقتضية لإمداده بمعونته ولطفه.
فهذا ما نجى الله به يوسف من هذه الفتنة الملمة والمحنة الشديدة
( فاستجاب له ) أجاب له .
( ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ) [ لدعائه ] العليم بمكرهن .
«فاستجاب له ربه» دعاءه «فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع» للقول «العليم» بالفعل.
فاستجاب الله ليوسف دعاءه فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله.
إن الله هو السميع لدعاء يوسف، ودعاء كل داع مِن خلقه، العليم بمطلبه وحاجته وما يصلحه، وبحاجة جميع خلقه وما يصلحهم.
وقوله - سبحانه - ( فاستجاب لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ) بيان لتقبل الله - تعالى - لدعائه بفضله ورحمته .أى : فاستجاب الله - تعالى - ليوسف دعاءه وضراعته ، فدفع عنه بلطفه وقدرته كيد هؤلاء النسوة ومكرهن ، بأن أدخل اليأس فى نفوسهن من الطمع فى استجابته لهن ، وبأن زاده ثباتا على ثباته ، وقوة على قوته ، فلم ينخدع بمكرهن ، ولم تلن له قناة أمام ترغيبهن أو ترهيبهن .وقال - سبحانه - ( فاستجاب ) بفاء التعقيب للإِشارة إلى أنه - سبحانه - بفضله وكرمه ، قد أجاب دعاء عبده يوسف - عليه السلام - بدون تأخير أو إبطاء .قال الإِمام ابن كثير : وقوله - سبحانه - ( فاستجاب لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ .
.
.
) .وذلك لأن يوسف - عليه السلام - عصمه الله عصمة عظيمة ، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع ، واختار السجن على ذلك ، وهذا فى غاية مقامات الكمال ، أنه مع شبابه وجماله وكماله ، تدعوه سيدته ، وهى امرأة عزيز مصر ، وهى مع هذا فى غاية الجمال والمال والرياسة ، فيمتنع من ذلك ويختار السجن خوفا من الله ، ورجاء فى ثوابه .ولهذا ثبت فى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ فى عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إنى أخاف الله " .ثم ساقت لنا السورة الكريمة بعد ذلك قصة دخول يوسف - عليه السلام - السجن ، مع ثبوت براءته ، مما نسب إليه ، وكيف أنه وهو فى السجن لم ينس الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، وترك عبادة ما سواه ، وكيف أنه أقام الأدلة على صحة ما يدعو إليه ، وفسر لصاحبيه فى السجن رؤياهما تفسيرا صادقا صحيحا .
.
واعلم أن المرأة لما قالت: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن الصاغرين ﴾ وسائر النسوة سمعن هذا التهديد فالظاهر أنهن اجتمعن على يوسف عليه السلام وقلن لا مصلحة لك في مخالفة أمرها وإلا وقعت في السجن وفي الصغار فعند ذلك اجتمع في حق يوسف عليه السلام أنواع من الوسوسة: أحدها: أن زليخا كانت في غاية الحسن.
والثاني: أنها كانت ذات مال وثروة، وكانت على عزم أن تبذل الكل ليوسف بتقدير أن يساعدها على مطلوبها.
والثالث: أن النسوة اجتمعن عليه وكل واحدة منهن كانت ترغبه وتخوفه بطريق آخر، ومكر النساء في هذا الباب شديد، والرابع: أنه عليه السلام كان خائفاً من شرها وإقدامها على قتله وإهلاكه، فاجتمع في حق يوسف جميع جهات الترغيب على موافقتها وجميع جهات التخويف على مخالفتها، فخاف عليه السلام أن تؤثر هذه الأسباب القوية الكثيرة فيه.
واعلم أن القوة البشرية والطاقة الإنسانية لا تفي بحصول هذه العصمة القوية، فعند هذا التجأ إلى الله تعالى وقال: ﴿ رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ ﴾ وقرئ ﴿ السجن ﴾ بالفتح على المصدر، وفيه سؤالان: السؤال الأول: السجن في غاية المكروهية، وما دعونه إليه في غاية المطلوبية، فكيف قال: المشقة أحب إلي من اللذة؟
والجواب: أن تلك اللذة كانت تستعقب آلاماً عظيمة، وهي الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، وذلك المكروه وهو اختيار السجن كان يستعقب سعادات عظيمة، وهي المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة، فلهذا السبب قال: ﴿ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ ﴾ .
السؤال الثاني: أن حبسهم له معصية كما أن الزنا معصية، فكيف يجوز أن يحب السجن مع أنه معصية.
والجواب: تقدير الكلام أنه إذا كان لابد من التزام أحد الأمرين أعني الزنا والسجن، فهذا أولى، لأنه متى وجب التزام أحد شيئين كل واحد منهما شر فأخفهما أولاهما بالتحمل.
ثم قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الجاهلين ﴾ أصب إليهن أمل إليهن يقال: صبا إلى اللهو يصبو صبواً إذا مال، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإنسان لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى عنها قالوا: لأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إن لم يصرفه عن ذلك القبيح وقع فيه وتقريره: أن القدرة والداعي إلى الفعل والترك إن استويا امتنع الفعل، لأن الفعل رجحان لأحد الطرفين ومرجوحية للطرف الآخر وحصولهما حال استواء الطرفين جمع بين النقيضين وهو محال، وإن حصل الرجحان في أحد الطرفين فذلك الرجحان ليس من العبد وإلا لذهبت المراتب إلى غير النهاية بل هو من الله تعالى فالصرف عبارة عن جعله مرجوحاً لأنه متى صار مرجوحاً صار ممتنع الوقوع لأن الوقوع رجحان، فلو وقع حال المرجوحية لحصل الرجحان حال حصول المرجوحية، وهو يقتضي حصول الجمع بين النقيضين وهو محال، فثبت بهذا أن انصراف العبد عن القبيح ليس إلا من الله تعالى.
ويمكن تقرير هذا الكلام من وجه آخر، وهو أنه كان قد حصل في حق يوسف عليه السلام جميع الأسباب المرغبة في تلك المعصية وهو الانتفاع بالمال والجاه والتمتع بالمنكوح والمطعوم وحصل في الإعراض عنها جميع الأسباب المنفرة، ومتى كان الأمر كذلك، فقد قويت الدواعي في الفعل وضعفت الدواعي في الترك، فطلب من الله سبحانه وتعالى أن يحدث في قلبه أنواعاً من الدواعي المعارضة النافية لدواعي المعصية إذ لو لم يحصل هذا المعارض لحصل المرجح للوقوع في المعصية خالياً عما يعارضه، وذلك يوجب وقوع الفعل وهو المراد بقوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الجاهلين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ السجن ﴾ بالفتح على المصدر.
وقال ﴿ يَدْعُونَنِى ﴾ على إسناد الدعوة إليهنّ جميعاً، لأنهنّ تنصحن له وزينّ له مطاوعتها، وقلن له: إياك وإلقاء نفسك في السجن والصغار، فالتجأ إلى ربه عند ذلك وقال: ربِّ نزولُ السجن أحبّ إلي من ركوب المعصية.
فإن قلت: نزول السجن مشقة على النفس شديدة، وما دعونه إليه لذة عظيمة، فكيف كانت المشقة أحبّ إليه من اللذة؟
قلت: كانت أحبّ إليه وآثر عنده نظراً في حسن الصبر على احتمالها لوجه الله، وفي قبح المعصية، وفي عاقبة كل واحدة منهما، لا نظراً في مشتهى النفس ومكروهها ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ ﴾ فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته، كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزم عليه ووطن عليه نفسه من الصبر، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف والإلجاء إليه ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ أمل إليهنّ.
والصبوة: الميل إلى الهوى.
ومنها: الصبا؛ لأنّ النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها وقرئ: ﴿ أصب إليهنّ ﴾ من الصبابة ﴿ مِنَ الجاهلين ﴾ من الذين لا يعملون بما يعلمون.
لأنّ من لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء.
أو من السفهاء، لأنّ الحكيم لا يفعل القبيح.
وإنما ذكر الاستجابة ولم يتقدّم الدعاء، لأنّ قوله ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى ﴾ فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف ﴿ السميع ﴾ لدعوات الملتجئين إليه ﴿ العليم ﴾ بأحوالهم وما يصلحهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ ﴾ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ.
﴿ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي مِن مُؤاتاتِها زِنًا نَظَرًا إلى العاقِبَةِ وإنْ كانَ هَذا مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ وذَلِكَ مِمّا تَكْرَهُهُ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها.
أوْ دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ، وقِيلَ إنَّما ابْتُلِيَ بِالسَّجْنِ لِقَوْلِهِ هَذا وإنَّما كانَ الأوْلى بِهِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ العافِيَةَ ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ.
﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي ﴾ وإنْ لَمْ تَصْرِفْ عَنِّي.
﴿ كَيْدَهُنَّ ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ عِنْدِي بِالتَّثْبِيتِ عَلى العِصْمَةِ.
﴿ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ أمِلْ إلى جانِبِهِنَّ أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ بِطَبْعِي ومُقْتَضى شَهْوَتِي، والصَّبْوَةُ المَيْلُ إلى الهَوى ومِنهُ الصَّبا لِأنَّ النُّفُوسَ تَسْتَطِيبُها وتَمِيلُ إلَيْها.
وقُرِئَ ﴿ أصْبُ ﴾ مِنَ الصَّبابَةِ وهي الشَّوْقُ.
﴿ وَأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ فَإنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ فَإنَّهم والجُهّالُ سَواءٌ.
﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإلا تَصْرِفْ ﴾ .
﴿ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ فَثَبَّتَهُ بِالعِصْمَةِ حَتّى وطَّنَ نَفْسَهُ عَلى مَشَقَّةِ السَّجْنِ وآثَرَها عَلى اللَّذَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْيانِ.
﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِدُعاءِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ.
﴿ العَلِيمُ ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يُصْلِحُهم.
<div class="verse-tafsir"
فلما كان في قوله وإلا تصرف عني كيدهن معنى طلب الصرف
يوسف (٣٤ _ ٣٧)
والدعاء قال {فاستجاب لَهُ رَبُّهُ} أي أجاب الله دعاءه {فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السميع} لدعوات الملتجئين إليه {العليم} بحاله وحالهن
﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ أيْ أجابَ لَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: اصْرِفْهُ عَنِّي بَلْ أقْوى مِنهُ في اسْتِدْعاءِ الصَّرْفِ عَلى ما عَلِمْتَ، وفي إسْنادِ الِاسْتِجابَةِ إلى الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ، وزادَ حُسْنَ مَوْقِعِ ذَلِكَ افْتِتاحُ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ تَعالى بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ حَسَبَ دُعائِهِ بِأنْ ثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ ﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِدُعاءِ المُتَضَرِّعِينَ إلَيْهِ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُهم وبِما يُصْلِحُهم لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فيما دعاه يوسف فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ يعني: فعلهن، وشرهن.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يسمع لمن دعاه.
ويقال: السَّمِيعُ للدعاء فيما دعاه يوسف الْعَلِيمُ به.
ثم إن المرأة قالت لزوجها: إن هذا الغلام العبراني لا يقلع عني، وقد فضحني في الناس، يعتذر إليهم ويخبرهم، ويقول: أنني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس وأخبرهم بحالي، وإما أن تحبسه حتى ينقطع حديثه فذلك قوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ يعني: ثم بدا للزوج من بعد ما رأى شق القميص، وقضاء ابن عمها بينهما لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ قال الكلبي: فسجنه خمس سنين.
ويقال: حَتَّى حِينٍ يعني: إلى يوم من الأيام، أو إلى وقت من الأوقات.
<div class="verse-tafsir"
الشاهدُ، قال ذلك، ونَزَعَ بهذه الآية مَنْ يرى الحُكْم بالإِمارة من العلماء فإِنها معتمدهم، و «يوسُفُ» في قوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا: منادًى، قال ابن عباس: ناداه الشاهدُ، وهو الرجل الذي كان مع العزيز «١» ، وأَعْرِضْ عَنْ هذا: معناه: عن الكلامِ بِهِ، أي:
اكتمه، ولا تتحدَّث به، ثم رَجَعَ إِليها، فقال: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أي: استغفري زَوْجَكَ وسيِّدَكَ، وقال: مِنَ الْخاطِئِينَ، ولم يقل «من الخاطئات» لأن الخاطئين أعمّ.
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)
وقوله سبحانه: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ:
نِسْوَةٌ: جمع قلَّة، وجمعُ التكثير نساءٌ، ويروَى أنَّ هؤلاء النسوة كُنَّ أربعاً: امرأة خبَّازَة، وامرأة ساقية، وامرأة بَوَّابة، وامرأة سَجَّانة، والعزيزُ: المَلِك، والفَتَى: الغلام، وعُرْفُه في المملوك، ولكنَّه قد قيل في غير المملوك ومنه: إِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ [الكهف: ٦٠] ، وأصل الفتى، في اللغة: الشَّابُّ، ولكن لما كان جُلُّ الخَدَمَةِ شبابا، استعير لهم اسم الفتى، وشَغَفَها: معناه بَلَغَ حتَّى صار مِنْ قلبها موضِعَ الشِّغافِ، وهو على أكثر القولِ: غِلاَفٌ من أغشية القَلْبِ.
وقيل: الشِّغاف: سويداءُ القَلْبِ.
وقيل: الشِّغَافُ: داءٌ يصلُ إِلى القلب.
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ليحضُرْن.
وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً: أي: أعَدَّتْ ويَسَّرت ما يُتَّكَأُ عليه من فُرُشٍ ووسَائِد وغَيْرِ ذلك، وقرأ ابن عباس «٢» وغيره: «مُتْكاً» - بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف-،
واختلف في معناها، فقيل: هو الأُتْرُنْجَ «١» ، وقيل: هو اسمٌ يعمُّ جميع ما يُقْطَعُ بالسِّكِّين، وقولها: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ: أمر ليوسف، وأطاعها بحسب المُلْك.
وقوله: أَكْبَرْنَهُ: معناه: أعظمنْهُ واستهولن جَمَاله، هذا قولُ الجمهور.
وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ: أي: كَثَّرْنَ الحَزَّ فيها بالسَّكَاكين، وقرأ أبو عمرو «٢» وحده:
«حاشَى للَّهِ» ، وقرأ سائر السبعة: حاشَ لِلَّهِ، فمعنى «حَاشَ للَّهِ» : أي: حاشَى يوسُفَ لطاعته للَّه، أو لمكانه من اللَّهِ أنْ يرمَى بِمَا رَمَيْتِهِ به، أوْ يدعَى إِلى مثله، لأَنَّ تلْكَ أفعال البشر، وهو لَيْسَ منهم، إِنما هو مَلَكٌ، هكذا رتَّب بعضهم معنَى هذا الكلامِ على القراءَتَيْنِ، وقرأ الحسنُ «٣» وغيره: «مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلِكٌ كَرِيمٌ» - بكسر اللام من «مَلِك» وعلى هذه القراءة، فالكلامُ فصيحٌ: لَمَّا استعظمن حُسْنَ صورته، قُلْنَ ما هذا مما يَصْلُح أنْ يكون عبداً بشَراً، إِنْ هذا إِلا مما يَصْلُح أنْ يكون مَلِكاً كريماً.
ت: وفي «صحيح مسلم» من حديث الإِسراء: «ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِيُوسُفَ صلّى الله عليه وسلّم، وإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ» «٤» انتهى.
وقولها: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ: المعنى: فهذا الذي لُمْتُنَّنِي فيه، وقطعتُنَّ أيديَكُنَّ بسببه: هو الذي جَعَلَنِي ضالَّةً في هواه، ثم أقرَّت امرأة العزيزِ للنّسوة بالمراودة،
واستأمنت إِليهن في ذلك إِذْ عَلِمَتْ أَنهنَّ قد عذرنها.
وفَاسْتَعْصَمَ معناه طلب العِصْمة، وتمسَّك بها، وعَصَاني، ثم جعلَتْ تتوعَّده، وهو يسمع بقولها.
وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ...
إِلى آخر الآية.
ت: واعترض ص: بأنَّ تفسيرُ «استعصم» ب «اعتصم» أولى من جعله للطَّلبِ، إِذ لا يلزم من طلب الشيء حصُولُه.
انتهى، واللام في «لَيُسْجَنَنَّ» : لام قَسَمٍ، واللام الأولَى هي المؤذنَةُ بالمجيء بالقَسَمِ، و «الصاغرون» : الأذلاَّء، وقَوْلُ يوسُفَ عليه السلام: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلى قوله: مِنَ الْجاهِلِينَ، كلامٌ يتضمَّن التشكِّيَ إِلى اللَّه تعالى من حاله معهن، / وأَصْبُ: مأخوذ من الصَّبْوَة، وهي أفعالُ الصِّبا، ومن ذلك قولُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: [الطويل]
صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلاَ الشَّيْبُ رَأْسَه ...
فَلَمَّا عَلاَهُ قَالَ لِلْبَاطِلِ ابعد «١»
قال ص: «أصْبُ» معناه: أَمِلْ، وهو جوابُ الشرطِ، والصَّبابة: إِفراط الشوْقِ.
انتهى.
فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ أي: أجابه إِلى إِرادته، وصَرَفَ عنه كَيْدُهِنَّ في أنْ حال بينه وبين المعصية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا قالَتْ: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ قُلْنَ: لا لَوْمَ عَلَيْكِ، قالَتْ: فاطْلُبْنَ إلى يُوسُفَ أنْ يُسْعِفَنِي بِحاجَتِي، فَقُلْنَ: يا يُوسُفُ افْعَلْ، فَقالَتْ: لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَأُخَلِّدَنَّهُ السِّجْنَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ .
وقَرَأ يَعْقُوبُ: " السَّجْنُ " بِفَتْحِ السِّينِ هاهُنا فَحَسْبُ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن كَسْرَ سِينَ " السِّجْنِ " فَعَلى اسْمِ المَكانِ، فَيَكُونُ المَعْنى: نُزُولُ السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ مِن رُكُوبِ المَعْصِيَةِ، ومَن فَتَحَ، فَعَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: أنْ أُسْجَنَ أحَبُّ إلَيَّ.
﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ أيْ: إلّا تَعْصِمْنِي ﴿ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ أيْ: أمِلْ إلَيْهِنَّ.
يُقالُ: صَبا إلى اللَّهْوِ يَصْبُو صَبْوًا وصُبُوًّا وصَباءً: إذا مالَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى هَذا الكَلامِ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ .
قالَ: فَإنْ قِيلَ: إنَّما كادَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ وحْدَها، فَكَيْفَ قالَ: " كَيْدَهُنَّ " ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ العَرَبَ تُوْقِعُ الجَمْعَ عَلى الواحِدِ، فَيَقُولُ قائِلُهم: خَرَجْتُ إلى البَصْرَةِ في السُّفُنِ، وهو لَمْ يَخْرُجْ إلّا في سَفِينَةٍ واحِدَةٍ.
والثّانِي: أنَّ المَكْنِيَّ عَنْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ والنِّسْوَةُ اللّاتِي عاضَدْنَها عَلى أمْرِها.
والثّالِثُ: أنَّهُ عَنى امْرَأةَ العَزِيزِ وغَيْرَها مِن نِساءِ العالَمِينَ اللّاتِي لَهُنَّ مِثْلُ كَيْدِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عن نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عنهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: فَهَذا الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، أيْ: هَذا الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ هو الَّذِي جَعَلْتُنَّنِي ضالَّةً في هَواهُ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ في "فِيهِ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى حُبِّ يُوسُفَ والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الحُبِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى غائِبٍ عَلى بابِهِ.
ثُمَّ أقَرَّتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِلنِّسْوَةِ بِالمُراوَدَةِ، واسْتَأْمَنَتْ إلَيْهِنَّ في ذَلِكَ؛ إذْ قَدْ عَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها.
و"فاسْتَعْصَمَ" مَعْناهُ: طَلَبَ العِصْمَةَ وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي، ثُمَّ جَعَلَتْ تَتَوَعَّدُهُ -وَهُوَ يَسْمَعُ- بِقَوْلِها: ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لَيُسْجَنَنَّ" لامُ القَسَمِ، واللامُ الأولى هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القِسْمِ، والنُونُ هي الثَقِيلَةُ والوُقُوفُ عَلَيْها بِشَدِّها، و"لَيَكُونًا" نُونُهُ هي النُونُ الخَفِيفَةُ، والوَقْفُ عَلَيْهِ بِالألِفِ، وهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لَنَسْفَعًا"، ومِثْلُها قَوْلُ الأعْشى: وصَلِّ عَلى حِينِ العَشِياتِ والضُحى ∗∗∗ ولا تَعْبُدُ الشَيْطانَ واللهَ فاعْبُدا أرادَ: فاعْبُدْنَ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَيَكُونُنَّ" بِالنُونِ الشَدِيدَةِ، والصاغِرُونَ: الأذِلّاءُ الَّذِينَ لَحِقَهُمُ الصَغارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَبِّ السِجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ .
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا تَوَعَّدَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ قالَ لَهُ النِسْوَةُ: (أطِعْ مَوْلاتَكَ، وافْعَلْ ما أمَرَتْكَ بِهِ)، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ ، قالَ نَحْوَهُ الحَسَنُ.
ووَزْنُ (يَدْعُونَ) فى هَذِهِ الآيَةِ: يَفْعُلْنَ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: (الرِجالُ يَدْعُونَ).
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السِجْنُ" بِكَسْرِ السِينِ، وهو الِاسْمُ.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "السَجْنُ" بِفَتْحِ السِينِ، وهي قِراءَةُ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وطارِقِ مَوْلاهُ، وهو المَصْدَرُ، وهو كَقَوْلِكَ: الجِدْعُ والجَدْعُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي...
﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، اسْتِسْلامٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ورَغْبَةٌ إلَيْهِ، وتَوَكُّلٌ عَلَيْهِ، المَعْنى: وإنْ لَمْ تُنَجِّنِي أنْتَ هَلَكْتُ، هَذا مُقْتَضى قَرِينَةِ كَلامِهِ وحالِهِ، والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الفاحِشَةِ المَعْنِيَّةِ بِـ"ما" في قَوْلِهِ: "مِمّا".
وَ"أصْبُ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَبْوَةِ، وهي أفْعالُ الصِبا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: -أنْشَدَهُ الطَبَرِيُّ -: إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي ومِن ذَلِكَ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: صَبا ما صَبا حَتّى عَلا الشَيْبُ رَأْسَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فَلَمّا عَلاهُ قالَ لِلْباطِلِ ابْعُدِ والجاهِلُونَ: هُمُ الَّذِينَ لا يُراعُونَ حُدُودَ اللهِ تَعالى ونَواهِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ الآيَةُ.
قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ رَبِّ السِجْنُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ كَلامٌ يَتَضَمَّنُ التَشَكِّي إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حالِهِ مَعَهُنَّ، والدُعاءُ إلَيْهِ في كَشْفِ بَلْواهُ، فَلِذَلِكَ قالَ -بَعْدَ مَقالَةِ يُوسُفَ -: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ ، أيْ: أجابَهُ إلى إرادَتِهِ، وصَرَفَ عنهُ كَيْدَهُنَّ في أنْ حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِقَوْلِهِ: "فاسْتَجابَ".
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني، لأن ما حُكي قبله مقام شدة من شأنه أن يَسأل سامعه عن حال تلقي يوسف عليه السّلام فيه لكلام امرأة العزيز.
وهذا الكلام مناجاة لربه الذي هو شاهدهم، فالظاهر أنه قال هذا القول في نفسه.
ويحتمل أنّه جهر به في ملئهن تأييساً لهن من أن يفعل ما تأمره به.
وقرأ الجمهور «السّجن» بكسر السين.
وقرأه يعقوب وحده بفتح السين على معنى المصدر، أي أن السجن أحب إليّ.
وفضّل السجن مع ما فيه من الألم والشدة وضيق النفس على ما يدعونه إليه من الاستمتاع بالمرأة الحسنة النفيسة على ما فيه منا للذة ولكن كرهه لفعل الحرام فضل عنده مقاساة السجن.
فلما علم أنه لا مَحيص من أحد الأمرين صار السجن محبوباً إليه باعتبار أنّه يخلصه من الوقوع في الحرام فهي محبة ناشئة عن ملاءمة الفكر، كمحبة الشجاع الحرب.
فالإخبار بأن السجن أحبُّ إليه مِن الاستمتاع بالمرأة مستعمل في إنشاء الرضى بالسجن في مرضاة الله تعالى والتباعد عن محارمه، إذ لا فائدة في إخبار من يعلم ما في نفسه فاسم التفضيل على حقيقته ولا داعي إلى تأويله بمسلوب المفاضلة.
وعبّر عما عرضته المرأة بالموصولية لما في الصلة من الإيماء إلى كون المطلوب حالة هي مظنة الطواعية، لأن تمالئ الناس على طلب الشيء من شأنه أن يوطن نفس المطلوب للفعل، فأظهر أن تمالئهن على طلبهن منه امتثالَ أمْر المرأة لم يَفُلّ من صارم عزمه على الممانعة، وجعل ذلك تمهيداً لسؤال العصمة من الوقوع في شَرك كيدهن، فانتقل من ذكر الرضى بوعيدها إلى سؤال العصمة من كيدها.
وأسند فعل ﴿ يدعونني ﴾ إلى نون النسوة، فالواو الذي فيه هو حرف أصلي وليست واو الجماعة، والنون ليست نون رفع لأنه مبني لاتصاله بنون النسوة، ووزنه يفعُلْنَ.
وأسند الفعل إلى ضمير جمع النساء مع أنّ التي دعته امرأة واحدة، إما لأن تلك الدعوة من رغبات صنف النساء فيكون على وزان جمع الضمير في ﴿ كيدهن ﴾ ، وإما لأنّ النسوة اللاّتي جمعتهن امرأة العزيز لما سمعن كلامها تمَالأن على لوم يوسف عليه السّلام وتحريضه على إجابة الداعية، وتحذيره من وعيدها بالسجن.
وعلى وزان هذا يكون القول في جمع الضمير في ﴿ كيدهن ﴾ [سورة يوسف: 28] أي كيد صنف النساء، مثل قول العزيز إنّ كيدكنّ عظيم } ، أي كيد هؤلاء النسوة.
وجملة ﴿ وإلاّ تصرف عني كيدهن ﴾ خبر مستعمل في التخوّف والتوقع التجاء إلى الله وملازمة للأدب نحو ربه بالتبرؤ من الحَول والقوة والخشية من تقلب القلب ومن الفتنة بالميل إلى اللذة الحرام.
فالخبر مستعمل في الدعاء، ولذلك فرع عنه جملة ﴿ فاستجاب له ربّه ﴾ .
ومعنى ﴿ أصبُ ﴾ أمِلْ.
والصبو: الميل إلى المحبوب.
والجاهلون: سفهاء الأحلام، فالجهل هنا مقابِل الحلم.
والقول في أن مبالغة ﴿ أكن من الجاهلين ﴾ أكثرُ من أكن جاهلاً كالقول في ﴿ وليكوناً من الصاغرين ﴾ [سورة يوسف: 32].
وعطْف جملة فاستجاب } بفاء التعقيب إشارة إلى أنّ الله عجّل إجابة دعائه الذي تضمنه قوله: ﴿ وإلاّ تصرف عني كيدهن ﴾ .
واستجاب: مبالغة في أجاب، كما تقدم في قوله: ﴿ فاستعصم ﴾ [سورة يوسف: 32].
وصَرْف كيدهن عنه صَرْف أثره، وذلك بأن ثبّته على العصمة فلم ينخدع لكيدها ولا لكيد خلائلها في أضيق الأوقات.
وجملة إنّه هو السميع العليم } في موضع العلة ل ﴿ استجاب ﴾ المعطوف بفاء التعقيب، أي أجاب دعاءه بدون مهلة لأنه سريع الإجابة وعليم بالضمائر الخالصة.
فالسمع مستعمل في إجابة المطلوب، يقال: سمع الله لمن حمده.
وتأكيده بضمير الفصل لتحقيق ذلك المعنى.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ ﴾ قالَ جُوَيْبِرٌ: كُنَّ أرْبَعًا: امْرَأةُ الحاجِبِ وامْرَأةُ السّاقِي وامْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ القَهْرَمانِ.
قالَ مُقاتِلٌ: وامْرَأةُ صاحِبِ السِّجْنِ.
وَفي هَذِهِ المَدِينَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِصْرُ.
الثّانِي: عَيْنُ شَمْسَ.
﴿ امْرَأتُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ قُلْنَ ذَلِكَ ذَمًّا لَها وطَعْنًا فِيها وتَحْقِيقًا لِبَراءَةِ يُوسُفَ وإنْكارًا لِذَنْبِهِ.
والعَزِيزُ اسْمُ المَلِكِ مَأْخُوذٌ مِن عِزَّتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي دُؤادٍ: دُرَّةٌ غاصَ عَلَيْها تاجِرٌ جُلِبَتْ عِنْدَ عَزِيزٍ يَوْمَ طَلٍّ ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ أيْ قَدْ دَخَلَ حُبُّهُ مِن شَغافِ قَلْبِها.
وَفي شَغافِ القَلْبِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حِجابُ القَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ وهو جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ بَيْضاءُ تَكُونُ عَلى القَلْبِ ورُبَّما سُمِّيَتْ لِباسُ القَلْبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وسُفْيانُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ باطِنُ القَلْبِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ هو حَبَّةُ القَلْبِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ما يَكُونُ في الجَوْفِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ.
الخامِسُ: هو الذُّعْرُ والفَزَعُ الحادِثُ عَنْ شِدَّةِ الحُبِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
وَقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: قَدْ شَعَفَها حُبًّا (بِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ) .
واخْتُلِفَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّغَفَ بِالغَيْنِ مُعْجَمَةً هو الجُنُونُ وبِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ هو الحُبُّ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّ الشَّغَفَ بِالإعْجامِ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعَفُ بِغَيْرِ إعْجامٍ دُونَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: فَلا وجْدَ إلّا دُونَ وجْدٍ وجَدْتُهُ ∗∗∗ أصابَ شَغافَ القَلْبِ والقَلْبُ يُشْغَفُ ﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في ضَلالٍ عَنِ الرُّشْدِ وعُدُولٍ عَنِ الحَقِّ.
الثّانِي: مَعْناهُ في مَحَبَّةٍ شَدِيدَةٍ.
وَلَمّا اقْتَرَنَ شِدَّةُ حُبِّها بِالشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِها بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، ولَوْ خَلَصَ مِنَ الشَّهْوَةِ طَلَبَتْ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ بِالصِّدْقِ عَلى نَفْسِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ذَمُّهُنَّ لَها وإنْكارُهُنَّ عَلَيْها.
الثّانِي: أنَّها أسَرَّتْ إلَيْهِنَّ بِحُبِّها لَهُ فَأشَعْنَ ذَلِكَ عَنْها.
﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ وفي "أعْتَدَتْ" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الإعْدادِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِنَ العُدْوانِ.
وَفي (المُتْكَأِ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَجْلِسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّمارِقُ والوَسائِدُ يُتَّكَأُ عَلَيْها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والسُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الطَّعامُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ طَعِمْنا عِنْدَهُ، وأصْلُهُ أنَّ مَن دُعِيَ إلى طَعامٍ أُعِدَّ لَهُ مُتَّكَأً فَسُمِّيَ الطَّعامُ بِذَلِكَ مُتَّكَأً عَلى الِاسْتِعارَةِ.
فَعَلى هَذا أيُّ الطَّعامِ هُوَ؟
فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الزُّماوَرْدُ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الأُتْرُجُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وهو وتَأْوِيلُ مَن قَرَأها مُخَفَّفَةً غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ، والمَتْكُ في كَلامِهِمُ الأُتْرُجُّ، قالَ الشّاعِرُ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المَتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا والإثْمُ: الخَمْرُ، والمَتْكُ: الأُتْرُجُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ ما يُجَزُّ بِالسِّكِّينِ وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُؤْكَلُ عَلى مُتَّكَأٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كُلُّ الطَّعامِ والشَّرابِ عَلى عُمُومِهِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ.
﴿ وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ وإنَّما دَفَعَتْ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ في الظّاهِرِ مَعُونَةً عَلى الأكْلِ، وفي الباطِنِ لِيَظْهَرَ مِن دَهْشَتِهِنَّ ما يَكُونُ شاهِدًا عَلَيْهِنَّ.
قالَ الزَّجّاجُ: كانَ كالعَبْدِ لَها فَلَمْ تُمَكِّنْهُ أنْ يَخْرُجَ إلّا بِأمْرِها.
﴿ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أعْظَمْنَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ وجَدْنَ شَأْنَهُ في الحُسْنِ والجَمالِ كَبِيرًا، قالَ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ: حِضْنَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وهو قَوْلٌ رَواهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ الهاشِمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ.
وَقِيلَ: إنَّ المَرْأةَ إذا جَزِعَتْ أوْ خافَتْ حاضَتْ، وقَدْ يُسَمّى الحَيْضُ إكْبارًا، قالَ الشّاعِرُ: نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا ﴿ وَقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ دَهَشًا لِيَكُونَ شاهِدًا عَلَيْهِنَّ عَلى ما أضْمَرَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ فِيهِنَّ.
وَفي قَطْعِ أيْدِيهِنَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى بانَتْ.
الثّانِي: أنَّهُنَّ جَرَحْنَ أيْدِيَهُنَّ حَتّى دَمِيَتْ، مِن قَوْلِهِمْ قَطَعَ فُلانٌ يَدَهُ إذا جَرَحَها.
﴿ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ بِالألِفِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ونافِعٍ في رِوايَةِ الأصْمَعِيِّ وقَرَأ الباقُونَ حاشَ لِلَّهِ بِإسْقاطِ الألِفِ، ومَعْناهُما واحِدٌ.
وَفي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعاذَ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَعْناهُ سُبْحانَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَفي أصْلِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ كُنْتُ في حَشا فُلانٍ أيْ في ناحِيَتِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ حاشَ فُلانًا أيِ اعْزِلْهُ في حَشًا يَعْنِي في ناحِيَةٍ.
﴿ ما هَذا بَشَرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما هَذا أهْلًا لِلْمُباشَرَةِ.
الثّانِي: ما هَذا مِن جُمْلَةِ البَشَرِ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِما عَلِمْنَ مِن عِفَّتِهِ وأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ البَشَرِ لَأطاعَها.
الثّانِي: لِما شاهَدْنَ مِن حُسْنِهِ البارِعِ وجَمالِهِ البَدِيعِ ﴿ إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ وقُرِئَ: ما هَذا بِشِرًا (بِكَسْرِ الباءِ والشِّينِ) أيْ ما هَذا عَبْدًا مُشْتَرًى إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، مُبالَغَةً في تَفْضِيلِهِ في جِنْسِ المَلائِكَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّها دَعَتْهُ إلى نَفْسِها ثانِيَةً بَعْدَ ظُهُورِ حالِهِما، فَقالَ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ يَعْنِي: الحَبْسُ في السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ امْرَأةَ العَزِيزِ فِيما دَعَتْهُ إلَيْهِ مِنَ الفاحِشَةِ وكَنّى عَنْها بِخِطابِ الجَمْعِ إمّا تَعْظِيمًا لِشَأْنِها في الخِطابِ وإمّا لِيَعْدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْرِيضِ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ جَماعَةَ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ حِينَ شاهَدْنَهُ لِاسْتِحْسانِهِنَّ لَهُ واسْتِمالَتِهِنَّ لِقَلْبِهِ.
﴿ وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما دُعِيَ إلَيْهِ مِنَ الفاحِشَةِ إذا أُضِيفَ ذَلِكَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ.
الثّانِي: اسْتِمالَةُ قَلْبِهِ إذا أُضِيفَ ذَلِكَ إلى النِّسْوَةِ.
﴿ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أُتابِعْهُنَّ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أمِلُ إلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن بكر بن عبيد الله رضي الله عنه قال: دخلت امرأة العزيز على يوسف عليه السلام، فلما رأته عرفته وقالت: الحمد لله الذي صير العبيد بطاعته ملوكاً، وجعل الملوك بمعصيته عبيداً.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ قال ابن عباس (١) (١) الطبري 12/ 212، الثعلبي 7/ 81 أ، البغوي 4/ 239.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة ﴾ أي في مصر، روى أنهن خمس نسوة: امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب ﴿ فتاها ﴾ أي خادمها، والفتى يقال بمعنى: الشاب، وبمعنى الخادم ﴿ شَغَفَهَا ﴾ بلغ شغاف قلبها وهو غلافه، وقيل: السويداء منه، وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب ﴿ سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أي بقولهم وسماه مكراً لأنه كان في خفية، وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه عليها ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ أي أعتدت لهن ما يتكأ عليه من الفرش ونحوها، وقيل: المتكأ طعام، وقرئ في الشاذ متكأ بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج، وإعطائها السكاكين لهن يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحماً ﴿ وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ ﴾ أمر ليوسف، وإنما أطاعها لأنه كان مملوك زوجها ﴿ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أي عظمن شأنه وجماله.
﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ أي اشتغلن بالنظر إليه وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن وهنّ لا يشعرن كما يقطع الطعام ﴿ حاش للَّهِ ﴾ معناه براءة وتنزيه: أي تنزيه الله وتعجب من قدرته على خلقة مثله، وحاش في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز المبرد النصب بها على أن تكون فعلاً وأما هنا فقال أبو علي الفارسي: إنها فعل، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما أنها دخلت على لام الخبر وهو اللام في قوله لله، ولا يدخل الحرف على حرف، والآخر أنها حذفت منها الألف على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يك ولا أدري، والفاعل بحاش ضمير يعود على يوسف تقديره: بَعُدَ يوسف عن الفاحشة لخوف الله وقال الزمخشري: إن حاش وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيهاً، ثم قال: لله ليبين من ينزه قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية ﴿ مَا هذا بَشَراً ﴾ أخرجنه من البشر وجعلنه من الملائكة؛ مبالغة في وصف الحسن ﴿ إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ توبيخ لهن على اللوم ﴿ فاستعصم ﴾ أي طلب العصمة وامتنع مما أرادت منه ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ أي أميل وكلامه هذا تضرع إلى الله ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ ﴾ أي ظهر والفاعل محذوف تقديره: رأى والضمير في لهم لزوجها وأهلها، أو من تشاور معه في ذلك ﴿ رَأَوُاْ الآيات ﴾ أي الأدلة على براءته.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.
والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.
وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.
الآخرون بالضم للإتباع.
﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.
الباقون.
بالكسر.
الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.
قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .
﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.
روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.
والمعنى ولقد جاء آباءكم.
وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.
وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.
ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.
وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.
وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.
ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟
واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .
ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.
وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.
وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.
ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.
والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.
﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.
ثم إنه بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.
وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.
والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.
فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.
قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.
واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.
والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.
عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.
ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.
والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.
يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.
قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.
وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.
وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.
وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.
وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.
وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.
ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.
وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله لأنه مسبب الأسباب.
الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.
وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.
قوله ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر بإسناده عن علي بن أبي طالب : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.
وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.
وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.
وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟
فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.
أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟
فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.
فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.
وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟
وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.
وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.
وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.
وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.
فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟
وقيل: رأى تمثال العزيز.
وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.
وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.
قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.
قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.
وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.
ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.
ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم .
فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.
وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.
وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.
روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.
وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.
روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.
ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟
فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.
وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.
ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.
وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.
وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.
قال ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .
وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.
وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.
واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.
وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.
والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.
قال في الكشاف: التنكير في "قبل".
و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.
أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.
يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.
وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.
﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.
قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.
وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.
وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.
والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.
﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.
وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.
وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف فلهذا سمي مكراً.
وقيل: كن أربعين.
﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.
وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.
وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.
وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.
وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا كان أملح.
قيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.
وعن النبي : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟
فقال: يوسف.
فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟
قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.
يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.
وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.
الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.
وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.
وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.
قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.
وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.
﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.
واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.
وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟
وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.
وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.
ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.
﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.
والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف إلى الله قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.
﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.
ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.
وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.
عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.
وعن الحسن: خمس سنين.
وعن غيره سبع سنين.
وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.
التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.
﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.
﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.
﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.
﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.
﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.
﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ .
يشبه أن تكون استكتمت سرها عند نسوة في المدينة، فأفشين سرها عند أهل المدينة، ليبلغ ذلك الخبر الملك.
أو أن لم تكن أعلمت تلك النسوة، فلا بدّ من أن يعلم ذلك بعض خدمها؛ فالخادم أعلمت سرها وأفشته عند نسوة في المدينة، فقلن عند ذلك: ﴿ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ أي: تدعو عبدها إلى نفسها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ .
قال بعضهم: الشغاف: هو حجاب القلب وغلافه، ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ أي: بلغ حبها إياه الشغاف، ومنه يقال: مشغوف.
والمشغوف: قيل: المجنون حبّاً، وهو من العشق.
قال الحسن: الشغف: أن يكون قد بطن لها حبه، والشغف: أن يكون مشغوفاً به.
قال أبو عوسجة: ﴿ شَغَفَهَا حُبّاً ﴾ أي: دخل الحبّ في شغاف القلب، وهو غطاؤه.
وقال: من قرِأها ﴿ شَغَفَهَا ﴾ أي: ذهب بعقلها؛ أي: عشقها.
لكن هذا قول أولئك النسوة، فلا ندري ما أردن بذلك، إنما ذلك خبر أخبر عن قول قلنه هن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .
حيث خانت زوجها.
أو ﴿ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ ، أي: في حيرة من حبه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ .
أي: بقولهن المكر: هو الأخذ في حال الأمن، وهو الخيانة فيما اؤتمن واستكتم؛ فهذه كأنها استكتمت سرّها وحبّها ليوسف عن الناس، وأفشت ذلك لنسوة في المدينة، على أن يستكتمن عن الناس، فأفشين عليها ذلك؛ فذلك المكر الذي سمعت، والله أعلم.
إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل.
وأمكن أن تكون المرأة لم تفش سرها إليهن، لكن بعض خدمها التي اطلعت على ذلك هي التي أفشت إليهن، فأفشين هن ذلك، فلما سمعت ذلك منهن أرسلت إليهن: إمّا تنويشاً ودعاء للضيافة، وإما استزارة يزرنها، وأما قول أهل التأويل: إن النسوة كانت امرأة الخباز والسّاقي؛ ولا أدري من ماذا، فذلك لا نعلمه، وليس لنا إلى [معرفة] ذلك حاجة.
وقال - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾ قال الحسن: متكأً: طعاماً وشراباً وتكأة.
وقال بعضهم: الأترنج والترنج.
وقال بعضهم: متكأً: وسائد وما يتكأ عليه.
وقال أبو عوسجة: متكأً: ممدوداً؛ يعني: هيئات المجلس وما يتكأ عليه.
ومن قرأ: (متكا) مقصوراً، وهو الأترنج وطعام؛ على ما قال الحسن.
وكذلك قال القتبي؛ قال: ويقال: البزماورد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً ﴾ .
أي: أعطت كل واحدة منهن سكيناً؛ ظاهر.
﴿ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ .
هاهنا كلام أن كيف أطاع يوسف بالخروج على النساء بقولها إياه: ﴿ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ فذلك مما لا يحل، لكنه يخرج على وجوه: أحدها: أنه إنما يكره الدخول عليهن، والخلوة بهن، وأما الخروج عليهن فهو ليس بمكروه؛ إذ فيه الخروج منهن؛ لأنه إذا خرج عليهن كان يقدر أن يخرج منهن؛ فكأنه لما أذنت له بالخروج عليهن خرج رغبة أن يخرج من عندهن؛ إذ لم [يكن ليقدر] أن يخرج من البيت عليهن بغير إذن منها؛ فالأمر بالخروج عليهن أفاد له إذناً بالخروج من البيت؛ إذ لا سبيل له إلى الخروج منه بلا إذن له منها، فخرج عليهن ثمت من عندهن إلى غيره من المكان، وذلك مما لا يكره إذا كان مما لا سبيل إلى ما سواه.
ويشبه أن يكون منها الأمر بالخروج حسب إذا خرج ولم تقل عليهن، ولم يعلم يوسف أنها إنما تأمره بالخروج على النساء فخرج، لكن الله - عز وجل - أخبر عن مقصودها، وكان مقصودها من الأمر بالخروج [خروجاً عليهن]، فأخبر عن مقصودها بقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ [ومثل هذا قد يكون في الكلام.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ ] أي: عنهن، وذلك جائز في اللغة: (على) مكان (عن) كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، أي: عن الناس، وأمثاله كثير.
وفي هذه الآية دلالة أن مشتري يوسف كان يمنع يوسف عن أن يخرج إلى البلد والسوق، ومن أن تخالطه الناس: إما إشفاقاً على نفسه، أو لئلا يفتن به النساء، أو لئلا يطلع على نفس يوسف؛ لما وقع عنده أنه مسروق، فكيفما كان ففيه: أن [على المرء أن] يحفظ ولده أو عبده إشفاقاً عليه.
وقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ .
أي: أكبرنه وأعظمنه من حسنه أن يكون مثل هذا بشراً؛ ألا ترى أنهن قلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ ؛ قيل: حزّاً بالسِّكِّين.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .
﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ : قال أهل التأويل: أي: معاذ الله.
وقال بعضهم: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ : كلمة تنزيه من القبيح، ودلّ هذا القول منهن أنهن كنّ يؤمِنَّ بالله؛ حيث قلن: ﴿ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .
قوله: ﴿ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ .
كان الملك وإن لم يرونه حَسناً عندهم، ينسبون كل حسن إلى الملائكة، والشيطان - لعنه الله - عندهم قبيح؛ فنسبوا كل قبيح إليه.
وقوله: ﴿ بَشَراً ﴾ .
قرأه بعضهم: (بشرًى) بالتنوين، أي: ما هذا بمشترى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ .
بقولهن: ﴿ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، أي: إنكن لمتنني فيه أني أراوده عن نفسه، وأنتن قطعتن أيديكن إذ رأيتنه، وأنكرتن أن يكون هذا بشراً؛ فذلك أعظم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ ﴾ .
أي: دعوته إلى نفسي فاستعصم؛ قيل: امتنع؛ كقوله: ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا مانع، ويشبه قوله: استعصم بالله أو بدينه أو نبوته أو بعقله، هذا يدّل على أنه لم يكن منه ما قال أهل التأويل من حَلّ السراويل ونحوه؛ حيث قالت: ﴿ فَٱسَتَعْصَمَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ ﴾ .
قالت ذلك امرأة العزيز.
﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ .
يشبه أن يكون قولها: ليسجنن وليكونن في السجن من الصاغرين، أو ليسجنن وليكونن من المذَلّين الصَّاغرين: هو: الذليل لأنه قال لامرأته: ﴿ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ ، فكان مكرماً عندها معظماً؛ فلما أبي ما راودته فقالت: ﴿ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ ﴾ أي: من الذليلين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ .
فيه دلالة أنه قد كان منهن من المراودة والدعاء ما كان من امرأة العزيز من المراودة والدعاء إلى نفسها؛ حيث قال: ﴿ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ ؛ ألا ترى أنه قال في موضع آخر: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ﴾ ، [وكذلك قالت امرأة العزيز: ﴿ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أي: كنتن لمتنني فيه أني راودته عن نفسه]؛ وأنتن قد راودتنّه عن نفسه.
وقول يوسف: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ .
أي: ذلك الذل والصغار أحبّ إليّ، أي: آثَر عندي وأخير في الدِّين مما يدعونني إليه؛ وإن كان ما يدعونه إليه تهواه نفسه وتميل إليه وتحبه؛ فأخبر أن السجن أحبّ إليه، أي: آثر وأخير في الدين؛ إذ النفس تكره السجن وتنفر عنه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!
فهذا يدل على أن ما قال: ﴿ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ إنما أراد به: محبة الاختيار والإيثار في الدِّين، لا محبّة النفس واختيارها؛ بل كانت النفس تحب وتهوى ما يدعونه إليه؛ دليله قوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .
وليس الدعاء في قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ كما يقول بعض الناس: إنه إنما وقع في السجن؛ لأنه سأل ربه السجن فاستجيب له في ذلك؛ ولكن الدعاء في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ، وهو كقول آدم وحواء: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...
﴾ الآية [الأعراف: 23] ليس الدعاء في قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾ الآية [الأعراف: 23] لأنه: إخبار عما كان منهم، إنما الدعاء في قوله: ﴿ وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ وكذلك قول نوح: ﴿ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ دلالة على أن عند الله لطفاً لم يكن أعطى يوسف ذلك؛ إذ لو كان أعطاه لكان كيدهن وشرهن مصروفاً عنه؛ حيث قال: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ولو كان أعطي ذلك لم يكن لسؤاله ذلك معنى، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم، حيث قالوا: إن الله قد أعطى كلا قدرة كل طاعة وقوة كل خير والدفع عن كل شر، وقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ أي: لا أحد يملك صرف كيدهن عنّي لو لم تصرفه أنت، وكذلك قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ وهو أبلغ في الدعاء من قوله: اللهم اغفر لي وارحمني.
وقوله: ﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ .
قال بعضهم: أمل إليهن.
وقال بعضهم: قال: لو لم تصرف عني كيدهن لأتابعهن.
ويقال: الصبو: هو الخروج عن الأمر؛ يقال: كل مَنْ خرج عن دينه فقد صبا.
وبهذا كان المشركون يُسَمّون النبي : صابئاً، أي: خرج مما نحن عليه.
وقال أبو بكر الأصم: الأصب: هو الأمر المعجب.
وقوله: ﴿ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ .
أي: يكون فِعْلي فعْل الجهّال لا فِعل العلماء والحكماء، إن لم تصرف عني كيدهن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ .
أي: أجاب له ربه؛ فصرف عنه كيدهن.
هذا يدل على أن الدعاء كان في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ ، ليس في قوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ ﴾ ، إنما هو خبر أخبره؛ حيث أخبر أنه أجاب له ربه فصرف عنه كيدهن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ .
السميع لكل قول وكلام؛ خَفِيّاً كان على الخلق أو ظاهراً، العليم به؛ لا يخفى عليه شيء.
وفي قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ ، ﴿ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ .
دلالة على أنهن كن يدعونه إلى ذلك من وجه كان يخفى عليه ولم يشعر به؛ فالتجأ إلى الله في صرف ذلك عنه.
وقوله: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ .
ذكر في بعض القصة أنها قالت لزوجها: ما زال يوسف يراودني عن نفسي فأبيت عليه فصدقها؛ فحبسه في السجن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ ﴾ .
قال أهل التأويل: هو قَدّ القميص من دُبره وخمش الوجه وغيره، ولكنه يشبه أن يكون الآيات التي رأوها هي آيات نبوته ورسالته.
وقال بعضهم: حبسوه، لينفوا عن المرأة ما رميت به، ولينقطع ذلك عن الناس، ويموت ذلك الخبر ويذهب، فيه أنهم حبسوه بعد ما رأوا آيات عصمته وبراءته عما اتهموه، وأنهم ظلمة في حبسه.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فأجاب الله دعوته، وكشف عنه مكر امرأة العزيز ومكر نسوة المدينة، إنه سبحانه وتعالى السميع لدعاء يوسف، ولدعاء كل داع، العليم بحال وحال غيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.eaG75"