الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 441 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
[ بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ] تفسير سورة الإسراء وهي مكية قال الإمام [ الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسماعيل ] البخاري : حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : سمعت عبد الرحمن بن يزيد ، سمعت ابن مسعود - رضي الله عنه - قال في بني إسرائيل والكهف ومريم : إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا حماد بن زيد ، عن مروان ، عن أبي لبابة ، سمعت عائشة تقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول : ما يريد أن يفطر ، ويفطر حتى نقول : ما يريد أن يصوم ، وكان يقرأ كل ليلة " بني إسرائيل " ، و " الزمر " .
( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) يمجد تعالى نفسه ، ويعظم شأنه ، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه ، فلا إله غيره ( الذي أسرى بعبده ) يعني محمدا ، صلوات الله وسلامه عليه ) ليلا ) أي في جنح الليل ( من المسجد الحرام ) وهو مسجد مكة ( إلى المسجد الأقصى ) وهو بيت المقدس الذي هو إيلياء ، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ؛ ولهذا جمعوا له هنالك كلهم ، فأمهم في محلتهم ، ودارهم ، فدل على أنه هو الإمام الأعظم ، والرئيس المقدم ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .
وقوله : ( الذي باركنا حوله ) أي : في الزروع والثمار ) لنريه ) أي : محمدا ) من آياتنا ) أي : العظام كما قال تعالى : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) [ النجم : 18 ] .
وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه ، صلوات الله عليه وسلامه .
وقوله : ( إنه هو السميع البصير ) أي : السميع لأقوال عباده ، مؤمنهم وكافرهم ، مصدقهم ومكذبهم ، البصير بهم فيعطي كلا ما يستحقه في الدنيا والآخرة .
ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء رواية أنس بن مالك : قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثني عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا سليمان - هو ابن بلال - عن شريك بن عبد الله قال : سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة : إنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم : أيهم هو ؟
فقال أوسطهم : هو خيرهم ، فقال آخرهم : خذوا خيرهم .
فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه ، وتنام عيناه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل ، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ، فغسله من ماء زمزم ، بيده حتى أنقى جوفه ، ثم أتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشوا إيمانا وحكمة ، فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه .
ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابا من أبوابها ، فناداه أهل السماء : من هذا ؟
فقال : جبريل .
قالوا : ومن معك ؟
قال : معي محمد .
قالوا : وقد بعث إليه ؟
قال : نعم .
قالوا : مرحبا به وأهلا به ، يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم .
ووجد في السماء الدنيا آدم ، فقال له جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه ، فسلم عليه ، ورد عليه آدم فقال : مرحبا وأهلا بابني ، نعم الابن أنت ، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال : " ما هذان النهران يا جبريل ؟
" قال : هذا النيل والفرات عنصرهما ، ثم مضى به في السماء ، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر فقال : " ما هذا يا جبريل ؟
" قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك .
ثم عرج إلى السماء الثانية ، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى : من هذا ؟
قال : جبريل .
قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد .
قالوا : وقد بعث إليه ؟
قال : نعم .
قالوا : مرحبا وأهلا وسهلا .
ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية .
ثم عرج به إلى السماء الرابعة ، فقالوا له مثل ذلك .
ثم عرج به إلى السماء الخامسة ، فقالوا له مثل ذلك .
ثم عرج به إلى السماء السادسة ، فقالوا له مثل ذلك .
ثم عرج به إلى السماء السابعة ، فقالوا له مثل ذلك .
كل سماء فيها أنبياء قد سماهم ، قد وعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة ، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه ، وإبراهيم في السادسة ، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله .
فقال موسى : " رب لم أظن أن يرفع علي أحد " ثم علا به فوق ذلك ، بما لا يعلمه إلا الله - عز وجل - حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى ، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة .
ثم هبط به حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال : " يا محمد ، ماذا عهد إليك ربك ؟
" قال : " عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة " قال : " إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم " .
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك ، فأشار إليه جبريل : أن نعم ، إن شئت .
فعلا به إلى الجبار تعالى ، فقال وهو في مكانه : " يا رب ، خفف عنا ، فإن أمتي لا تستطيع هذا " فوضع عنه عشر صلوات ، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه ، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات .
ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال : " يا محمد ، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا ، فضعفوا فتركوه ، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا ، فارجع فليخفف عنك ربك " كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ، ولا يكره ذلك جبريل ، فرفعه عند الخامسة فقال : " يا رب ، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا " فقال : الجبار : " يا محمد ، قال : " لبيك وسعديك " قال : إنه لا يبدل القول لدي ، كما فرضت عليك في أم الكتاب : " كل حسنة بعشر أمثالها ، فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك " ، فرجع إلى موسى فقال : " كيف فعلت ؟
" فقال : " خفف عنا ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها " قال : موسى : " قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا " .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا موسى قد - والله - استحييت من ربي مما أختلف إليه " قال : " فاهبط باسم الله " ، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام .
هكذا ساقه البخاري في " كتاب التوحيد " ، ورواه في " صفة النبي صلى الله عليه وسلم " ، عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد ، عن سليمان بن بلال .
ورواه مسلم ، عن هارون بن سعيد ، عن ابن وهب ، عن سليمان قال : " فزاد ونقص ، وقدم وأخر " .
وهو كما قاله مسلم ، رحمه الله ، فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث ، وساء حفظه ولم يضبطه ، كما سيأتي بيانه في الأحاديث الأخر .
ومنهم من يجعل هذا مناما توطئة لما وقع بعد ذلك ، والله أعلم .
[ وقال ] البيهقي : في حديث " شريك " زيادة تفرد بها ، على مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ، يعني قوله : " ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى " قال : وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل - أصح .
وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة ، فإن أبا ذر قال : يا رسول الله ، هل رأيت ربك ؟
قال : " نور أنى أراه " .
وفي رواية " رأيت نورا " .
أخرجه مسلم ، رحمه الله .
وقوله : ( ثم دنا فتدلى ) [ النجم : 8 ] ، إنما هو جبريل ، عليه السلام ، كما ثبت ذلك في الصحيحين ، عن عائشة أم المؤمنين ، وعن ابن مسعود ، وكذلك هو في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنهم ، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس ، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت .
فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن .
قال جبريل : أصبت الفطرة " قال : " ثم عرج بي إلى السماء الدنيا ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟
قال : جبريل .
فقيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
قيل : وقد أرسل إليه ؟
[ قال : قد أرسل إليه ] .
ففتح لنا ، فإذا أنا بآدم ، فرحب ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟
قال : جبريل .
فقيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
فقيل : وقد أرسل إليه ؟
قال : قد أرسل إليه .
ففتح لنا ، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ، فرحبا بي ودعوا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟
فقال : جبريل .
فقيل : ومن معك ؟
فقال : محمد .
فقيل : وقد أرسل إليه ؟
قال : قد أرسل إليه .
ففتح لنا ، فإذا أنا ب يوسف ، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ، فرحب ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟
فقال : جبريل .
فقيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
فقيل : قد أرسل إليه ؟
قال : قد بعث إليه .
ففتح الباب ، فإذا أنا ب إدريس ، فرحب ودعا لي بخير .
ثم قال : يقول الله : ( ورفعناه مكانا عليا ) [ مريم : 57 ] .
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟
فقال : جبريل .
فقيل : [ و ] من معك ؟
فقال : محمد .
فقيل : قد أرسل إليه ؟
قال : قد بعث إليه .
ففتح لنا ، فإذا أنا ب هارون ، فرحب ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟
فقال : جبريل .
قيل ومن معك ؟
قال : محمد .
فقيل : وقد بعث إليه ؟
قال : قد بعث إليه .
ففتح لنا ، فإذا أنا ب موسى فرحب ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
فقيل : وقد بعث إليه ؟
قال : قد بعث إليه .
ففتح لنا ، فإذا أنا ب إبراهيم ، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه .
ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، فإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال .
فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت ، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها .
قال : " فأوحى الله إلي ما أوحى ، وفرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة ، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى " .
قال : " ما فرض ربك على أمتك ؟
قال : " قلت : خمسين صلاة في كل يوم وليلة " .
قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك ، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم " .
قال : " فرجعت إلى ربي ، فقلت : أي رب ، خفف عن أمتي ، فحط عني خمسا .
فرجعت إلى موسى فقال : ما فعلت ؟
قلت : قد حط عني خمسا " .
قال : " إن أمتك لا تطيق ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك " قال : " فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ، ويحط عني خمسا خمسا حتى قال : يا محمد ، هي خمس صلوات في كل يوم وليلة ، بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت [ له ] حسنة ، فإن عملها كتبت عشرا .
ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة .
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك " .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت " .
ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ ، عن حماد بن سلمة بهذا السياق ، وهو أصح من سياق شريك .
قال البيهقي : وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به - عليه الصلاة والسلام - من مكة إلى بيت المقدس .
وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه ، فاستصعب عليه ، فقال له جبريل : ما يحملك على هذا ؟
فوالله ما ركبك قط أكرم على الله منه .
قال : فارفض عرقا .
ورواه الترمذي عن إسحاق بن منصور ، عن عبد الرزاق ، وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديثه .
وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان ، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما عرج بي ربي - عز وجل - مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟
قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم " .
وأخرجه أبو داود ، من حديث صفوان بن عمرو ، به .
ومن وجه آخر ليس فيه أنس ، فالله أعلم .
وقال أيضا : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن سليمان التيمي ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مررت ليلة أسري بي على موسى ، عليه السلام ، قائما يصلي في قبره " .
ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن سليمان بن طرخان التيمي وثابت البناني ، كلاهما عن أنس .
قال النسائي : وهذا أصح من رواية من قال : سليمان عن ثابت ، عن أنس .
وقال [ الحافظ ] أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا وهب بن بقية ، حدثنا خالد ، عن التيمي ، عن أنس قال : أخبرني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره .
وقال أبو يعلى : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ، حدثنا معتمر ، عن أبيه قال : سمعت أنسا : أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر بموسى وهو يصلي في قبره - قال أنس : ذكر أنه حمل على البراق - فأوثق الدابة - أو قال : الفرس - قال أبو بكر : صفها لي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر كلمة فقال : أشهد أنك رسول الله ، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - قد رآها .
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده : حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا الحارث بن عبيد ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل عليه السلام ، فوكز بين كتفي ، فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير ، فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين وأنا أقلب طرفي ، ولو شئت أن أمس السماء لمسست ، فالتفت إلى جبريل ، عليه السلام ، كأنه حلس لاط فعرفت فضل علمه بالله علي ، وفتح لي باب من أبواب السماء فرأيت النور الأعظم ، وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت ، وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحي " ثم قال : هذا الحديث لا نعلم رواه إلا أنس ، ولا نعلم رواه عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن عبيد ، وكان رجلا مشهورا من أهل البصرة .
ورواه الحافظ البيهقي في " الدلائل " ، عن أبي بكر القاضي ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن دحيم ، عن محمد بن الحسين بن أبي الحنين ، عن سعيد بن منصور ، فذكر بسنده مثله ، ثم قال : وقال غيره في هذا الحديث في آخره : " ولط دوني - أو قال : دون الحجاب - رفرف الدر والياقوت " .
ثم قال : هكذا رواه الحارث بن عبيد .
ورواه حماد بن سلمة ، عن أبي عمران الجوني ، عن محمد بن عمير بن عطارد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ملإ من أصحابه ، فجاءه جبريل ، فنكت في ظهره فذهب به إلى الشجرة وفيها مثل وكري الطير ، فقعد في أحدهما وقعد جبريل في الآخر ، فنشأت بنا حتى بلغت الأفق ، فلو بسطت يدي إلى السماء لنلتها ، فدلي بسبب وهبط النور ، فوقع جبريل مغشيا عليه كأنه حلس ، فعرفت فضل خشيته على خشيتي .
فأوحى إلي : نبيا ملكا أو نبيا عبدا ؟
وإلى الجنة ما أنت ؟
فأومأ إلي جبريل وهو مضطجع : أن تواضع .
قال : قلت : لا .
بل نبيا عبدا .
قلت : وهذا إن صح يقتضي أنها واقعة غير ليلة الإسراء ، فإنه لم يذكر فيها بيت المقدس ، ولا الصعود إلى السماء ، فهي كائنة غير ما نحن فيه ، والله أعلم .
وقال البزار أيضا : حدثنا عمرو بن عيسى ، حدثنا أبو بحر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ، عز وجل ، هذا غريب .
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا يونس ، حدثنا عبد الله بن وهب ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، عن أنس بن مالك قال : لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق فكأنها أمرت ذنبها ، فقال لها جبريل : مه يا براق ، فوالله إن ركبك مثله .
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو بعجوز على جانب الطريق ، فقال : " ما هذه يا جبريل ؟
" قال : سر يا محمد .
قال : فسار ما شاء الله أن يسير ، فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول : هلم يا محمد فقال له جبريل : سر يا محمد فسار ما شاء الله أن يسير ، قال : فلقيه خلق من الخلق فقالوا : السلام عليك يا أول ، السلام عليك يا آخر ، السلام عليك يا حاشر ، فقال له جبريل : اردد السلام يا محمد .
فرد السلام ، ثم لقيه الثانية فقال له مثل مقالته الأولى ، ثم الثالثة كذلك ، حتى انتهى إلى بيت المقدس .
فعرض عليه الماء والخمر واللبن ، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن ، فقال له جبريل : أصبت الفطرة ، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك ، ولو شربت الخمر لغويت ولغوت أمتك .
ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء ، عليهم السلام ، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة .
ثم قال له جبريل : أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق ، فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز ، وأما الذي أراد أن تميل إليه ، فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه ، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى ، عليهم الصلاة والسلام .
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في " دلائل النبوة " من حديث ابن وهب ، وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة .
طريق أخرى عن أنس بن مالك : وفيها غرابة ونكارة جدا ، وهي في سنن النسائي المجتبى ، ولم أرها في " الكبير " قال : أخبرنا عمرو بن هشام ، حدثنا مخلد - هو ابن الحسين - عن سعيد بن عبد العزيز ، حدثنا يزيد بن أبي مالك ، حدثنا أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل ، خطوها عند منتهى طرفها ، فركبت ومعي جبريل عليه السلام فسرت فقال : انزل فصل .
فصليت ، فقال : أتدري أين صليت ؟
[ صليت بطيبة وإليها المهاجر ، ثم قال : انزل فصل .
فصليت ، فقال : أتدري أين صليت ؟
] صليت بطور سيناء ، حيث كلم الله موسى ، ثم قال : انزل فصل .
فصليت ، فقال : أتدري أين صليت .
صليت ببيت لحم ، حيث ولد عيسى ، عليه السلام ، ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام ، فقدمني جبريل حتى أممتهم [ ثم صعد بي إلى السماء الدنيا ، فإذا فيها آدم ، عليه السلام ] ثم صعد بي إلى السماء الثانية ، فإذا فيها ابنا الخالة : عيسى ويحيى ، عليهما السلام ، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة ، فإذا فيها يوسف عليه السلام .
ثم صعد بي إلى السماء الرابعة ، فإذا فيها هارون ، عليه السلام .
ثم صعد بي إلى السماء الخامسة ، فإذا فيها إدريس عليه السلام .
ثم صعد بي إلى السماء السادسة ، فإذا فيها موسى ، عليه السلام .
ثم صعد بي إلى السماء السابعة ، فإذا فيها إبراهيم عليه السلام ، ثم صعد بي فوق سبع سموات وأتيت سدرة المنتهى ، فغشيتني ضبابة فخررت ساجدا فقيل لي : إني يوم خلقت السموات والأرض ، فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة ، فقم بها أنت وأمتك [ فرجعت إلى إبراهيم فلم يسألني ، عن شيء .
ثم أتيت موسى فقال : كم فرض الله عليك وعلى أمتك ؟
] قلت : خمسين صلاة .
قال : فإنك لا تستطيع أن تقوم بها ، لا أنت ولا أمتك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرا .
ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع ، فرجعت فخفف عني عشرا ، ثم ردت إلى خمس صلوات ، قال : فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين ، فما قاموا بهما .
فرجعت إلى ربي - عز وجل - فسألته التخفيف ، فقال : إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة ، فخمس بخمسين ، فقم بها أنت وأمتك .
فعرفت أنها من الله عز وجل صرى فرجعت إلى موسى ، عليه السلام فقال : ارجع ، فعرفت أنها من الله صرى - يقول : أي حتم - فلم أرجع " .
طريق أخرى : وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك ، عن أبيه ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ، أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل ، حمله جبريل عليها ، ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها .
فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له : " باب محمد صلى الله عليه وسلم " أتى إلى الحجر الذي ثمة ، فغمزه جبريل بأصبعه فثقبه ، ثم ربطها .
ثم صعد فلما استويا في صرحة المسجد ، قال جبريل : يا محمد ، هل سألت ربك أن يريك الحور العين ؟
فقال : نعم .
فقال : فانطلق إلى أولئك النسوة ، فسلم عليهن وهن جلوس عن يسار الصخرة ، قال : فأتيتهن فسلمت عليهن ، فرددن علي السلام ، فقلت : من أنتن ؟
فقلن : نحن خيرات حسان ، نساء قوم أبرار ، نقوا فلم يدرنوا ، وأقاموا فلم يظعنوا ، وخلدوا فلم يموتوا " .
قال : " ثم انصرفت ، فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير ، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة " .
قال : " فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا ، فأخذ بيدي جبريل عليه السلام ، فقدمني فصليت بهم .
فلما انصرفت قال جبريل : يا محمد ، أتدري من صلى خلفك ؟
" قال : " قلت : لا .
قال : صلى خلفك كل نبي بعثه الله عز وجل " .
قال : " ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء ، فلما انتهينا إلى الباب استفتح فقالوا : من أنت ؟
قال : أنا جبريل ، قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد .
قالوا : وقد بعث ؟
قال : نعم " .
قال : " ففتحوا له وقالوا : مرحبا بك وبمن معك " .
قال : " فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم ، فقال لي جبريل : يا محمد ، ألا تسلم على أبيك آدم ؟
" قال : " قلت : بلى .
فأتيته فسلمت عليه ، فرد علي وقال : مرحبا بابني والنبي الصالح " .
قال : " ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح ، قالوا : من أنت ؟
قال : جبريل .
قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد .
قالوا : وقد بعث ؟
قال : نعم " : " ففتحوا له وقالوا : مرحبا بك وبمن معك ، فإذا فيها عيسى وابن خالته يحيى عليهما السلام .
قال : " ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح ، قالوا : من أنت ؟
قال : جبريل .
قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد .
قالوا : وقد بعث ؟
قال : نعم " .
ففتحوا وقالوا : مرحبا بك وبمن معك ، فإذا فيها يوسف ، عليه السلام ، ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح ، قالوا : من أنت ؟
قال : جبريل ؟
قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد .
قالوا : وقد بعث ؟
قال : نعم .
ففتحوا وقالوا : مرحبا بك وبمن معك .
فإذا فيها إدريس عليه السلام " .
قال : " فعرج بي إلى السماء الخامسة ، فاستفتح ، قالوا : من أنت ؟
قال : جبريل .
قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد .
قالوا : وقد بعث ؟
قال : نعم .
قال : ففتحوا وقالوا : مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها هارون ، عليه السلام " .
قال : " ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح ، قالوا : من أنت ؟
قال : جبريل .
قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد .
قالوا : وقد بعث ؟
قال : نعم .
ففتحوا وقالوا : مرحبا بك وبمن معك ، فإذا فيها موسى ، عليه السلام .
ثم عرج بي إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل ، فقالوا من أنت ؟
قال : جبريل .
قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد .
قالوا : وقد بعث إليه ؟
قال : نعم .
ففتحوا له وقالوا : مرحبا بك وبمن معك ، فإذا فيها إبراهيم ، عليه السلام .
فقال جبريل : يا محمد ، ألا تسلم على أبيك إبراهيم ؟
قال : قلت : بلى .
فأتيته فسلمت عليه ، فرد علي السلام وقال : مرحبا بك بابني والنبي الصالح .
ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة ، حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد وعليه طير خضر أنعم طير رأيت .
فقلت : يا جبريل ، إن هذا الطير لناعم قال : يا محمد ، آكله أنعم منه ثم قال : يا محمد ، أتدري : أي نهر هذا ؟
قال : " قلت : لا .
قال : هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه .
فإذا فيه آنية الذهب والفضة ، يجري على رصراض من الياقوت والزمرد ، ماؤه أشد بياضا من اللبن " قال : " فأخذت منه آنية من الذهب ، فاغترفت من ذلك الماء فشربت ، فإذا هو أحلى من العسل ، وأشد رائحة من المسك .
ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة ، فغشيتني سحابة فيها من كل لون ، فرفضني جبريل ، وخررت ساجدا لله - عز وجل - فقال الله لي : يا محمد ، إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة ، فقم بها أنت وأمتك " .
قال : " ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل ، فانصرفت سريعا فأتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئا ، ثم أتيت على موسى فقال : ما صنعت يا محمد ؟
فقلت : فرض ربي علي وعلى أمتي خمسين صلاة .
قال : فلن تستطيعها أنت ولا أمتك ، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك .
فرجعت سريعا حتى انتهيت إلى الشجرة ، فغشيتني السحابة ، ورفضني جبريل وخررت ساجدا وقلت : رب ، إنك فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة ، ولن أستطيعها أنا ولا أمتي ، فخفف عنا .
قال : قد وضعت عنكم عشرا .
قال : ثم انجلت عني السحابة ، وأخذ بيدي جبريل وانصرفت سريعا حتى أتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئا ، ثم أتيت على موسى ، فقال لي : ما صنعت يا محمد ؟
فقلت : وضع ربي عني عشرا فقال : أربعون صلاة !
لن تستطيعها أنت ولا أمتك ، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم - فذكر الحديث كذلك إلى خمس صلوات ، وخمس بخمسين ثم أمره موسى أن يرجع فيسأل التخفيف ، فقلت : " إني قد استحييت منه تعالى " .
قال : ثم انحدر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : " ما لي لم آت على سماء إلا رحبوا بي وضحكوا إلي ، غير رجل واحد ، فسلمت عليه فرد علي السلام فرحب بي ولم يضحك إلي .
قال : يا محمد ، ذاك مالك خازن جهنم لم يضحك منذ خلق ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك " .
قال : ثم ركب منصرفا ، فبينا هو في بعض طريقه مر بعير لقريش تحمل طعاما ، منها جمل عليه غرارتان : غرارة سوداء ، وغرارة بيضاء ، فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت ، وصرع ذلك البعير وانكسر .
ثم إنه مضى فأصبح ، فأخبر عما كان ، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر فقالوا : يا أبا بكر ، هل لك في صاحبك ؟
يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ، ثم رجع في ليلته .
فقال أبو بكر ، رضي الله عنه : إن كان قاله فقد صدق ، وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا ، نصدقه على خبر السماء .
فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما علامة ما تقول ؟
قال : " مررت بعير لقريش ، وهي في مكان كذا وكذا ، فنفرت العير منا واستدارت ، [ وفيها بعير عليه ] غرارتان : غرارة سوداء ، وغرارة بيضاء ، فصرع فانكسر " .
فلما قدمت العير سألوهم ، فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق .
وسألوه وقالوا : هل كان معك فيمن حضر موسى وعيسى ؟
قال : " نعم " .
قالوا : فصفهم .
قال : " نعم " ؛ أما موسى فرجل آدم ، كأنه من رجال أزد عمان ، وأما عيسى فرجل ربعة ، سبط ، تعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان " .
هذا سياق فيه غرائب عجيبة .
رواية أنس - رضي الله عنه - عن مالك بن صعصعة : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، قال : سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك : أن مالك بن صعصعة حدثه : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به ، قال : " بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة : في الحجر - مضطجعا إذ أتاني آت " فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة ، قال : " فأتاني فقد - وسمعت قتادة يقول : فشق - ما بين هذه إلى هذه " .
وقال قتادة : فقلت للجارود وهو إلى جنبي : ما يعني ؟
قال : من ثغرة نحره إلى شعرته ، وقد سمعته يقول : من قصته إلى شعرته قال : " فاستخرج قلبي " قال : " فأتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا وحكمة فغسل قلبي ثم حشي ، ثم أعيد .
ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض " قال : فقال الجارود : وهو البراق يا أبا حمزة ؟
قال : نعم ، يقع خطوه عند أقصى طرفه .
قال : " فحملت عليه ، فانطلق بي جبريل ، عليه السلام ، حتى أتى بي إلى السماء الدنيا ، فاستفتح فقيل : من هذا ؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
قيل : أو قد أرسل إليه ؟
قال : نعم .
فقيل : مرحبا به ، ولنعم المجيء جاء " قال : " ففتح فلما خلصت ، فإذا فيها آدم ، عليه السلام ، فقال : هذا أبوك آدم ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح .
ثم صعد حتى أتى السماء الثانية ، فاستفتح فقيل : من هذا ؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد قيل : أو قد أرسل إليه ؟
قال : نعم .
قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء " ، قال : " ففتح ، فلما خلصت ، فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة .
قال : هذا يحيى وعيسى ، فسلم عليهما .
قال : فسلمت فردا السلام ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح .
ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
قيل : أو قد أرسل إليه ؟
قال : نعم .
قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء " .
قال : ففتح فلما خلصت ، فإذا يوسف ، عليه السلام ، قال : هذا يوسف قال : " فسلمت عليه ، فرد السلام ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح .
ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة ، فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
قيل : أو قد أرسل إليه ؟
قال : نعم .
قيل : مرحبا به ، ولنعم المجيء جاء " قال : " ففتح فلما خلصت فإذا إدريس ، قال : هذا إدريس فسلم عليه " .
قال : " فسلمت عليه .
فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح " .
قال : " ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
قيل : أو قد أرسل إليه ؟
قال : نعم .
قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء " .
قال : " ففتح ، فلما خلصت ، فإذا هارون ، عليه السلام ، قال : هذا هارون فسلم عليه .
قال : فسلمت عليه فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالأخ والنبي الصالح " .
قال : " ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
قيل : أو قد أرسل إليه ؟
قال : نعم .
قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء .
ففتح ، فلما خلصت ، فإذا أنا بموسى ، قال : هذا موسى ، عليه السلام ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح " .
قال : " فلما تجاوزته بكى .
قيل له : ما يبكيك ؟
قال : أبكي ؛ لأن غلاما بعث بعدي ، يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي " .
قال : " ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح ، قيل : من هذا ؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد .
قيل : أو قد أرسل إليه ؟
قال : نعم .
قيل : مرحبا به ولنعم المجيء جاء " .
قال : " ففتح ، فلما خلصت ، فإذا إبراهيم ، عليه السلام .
فقال : هذا إبراهيم ، فسلم عليه " .
قال : " فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح " .
قال : ثم رفعت إلي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، فقال : هذه سدرة المنتهى " .
قال : " وإذا أربعة أنهار : نهران باطنان ونهران ظاهران ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟
قال : أما الباطنان فنهران في الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات " .
قال : ثم رفع إلي البيت المعمور .
قال قتادة : وحدثني الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ، ثم لا يعودون فيه .
ثم رجع إلى حديث أنس [ قال : " ثم ] أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل " .
قال : " فأخذت اللبن ، قال : هذه الفطرة وأنت عليها وأمتك " .
قال : " ثم فرضت الصلاة خمسين صلاة كل يوم " .
قال : " فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ، قال ما فرض ربك على أمتك ؟
" قال : " قلت خمسين صلاة كل يوم .
قال : إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة ، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، عن أمتك " .
قال : " فرجعت فوضع عني عشرا ، قال : فرجعت إلى موسى ، فقال : بم أمرت ؟
قلت : بأربعين صلاة كل يوم .
قال : إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم ، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك .
قال : فرجعت فوضع عني عشرا أخر .
فرجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟
فقلت : أمرت بثلاثين صلاة .
قال : إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم ، وإني قد خبرت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك " .
قال : " فرجعت فوضع عني عشرا أخر ، فرجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟
قلت : بعشرين صلاة كل يوم .
فقال : إن أمتك لا تستطيع لعشرين صلاة كل يوم ، وإني قد خبرت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك " .
قال : " فرجعت فوضع عني عشرا أخر ، فرجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟
فقلت : أمرت بعشر صلوات في كل يوم .
فقال : إن أمتك لا تستطيع لعشر صلوات كل يوم ، وإني قد خبرت الناس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك " .
قال : " فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى فقال : بم أمرت ؟
فقلت : أمرت بخمس صلوات كل يوم .
فقال : إن أمتك لا تستطيع لخمس صلوات كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك " .
قال : " قلت : لقد سألت ربي [ عز وجل ] حتى استحييت ، ولكن أرضى وأسلم .
فنفذت ، فناداني مناد : قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي " .
وأخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة ، بنحوه .
" رواية أنس ، عن أبي ذر : قال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك قال : كان أبو ذر - رضي الله عنه - يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فرج سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل ففرج [ صدري ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، فأفرغه ] في صدري ، ثم أطبقه .
ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء ، فلما جئت إلى السماء [ الدنيا ] قال جبريل لخازن السماء : افتح .
قال : من هذا ؟
قال : جبريل .
قال : هل معك أحد ؟
قال : نعم ، معي محمد .
قال : أرسل إليه ؟
قال : نعم .
فلما فتح علونا السماء الدنيا وإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة ، فإذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى .
فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح .
قلت : لجبريل : من هذا ؟
قال : هذا آدم .
وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار .
فإذا نظر ، عن يمينه ضحك ، وإذا نظر ، عن شماله بكى .
" ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها : افتح .
فقال له خازنها مثل ما قال له الأول ، ففتح " .
قال أنس : فذكر أنه وجد في السموات آدم ، وإدريس ، وموسى ، وعيسى ، وإبراهيم ، ولم يثبت كيف منازلهم ، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا ، وإبراهيم في السماء السادسة .
قال أنس : فلما مر جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس قال : " مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح .
فقلت : من هذا ؟
فقال : هذا إدريس .
ثم مررت بموسى فقال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح .
قلت : من هذا ؟
قال : موسى ثم مررت بعيسى فقال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح .
قلت : من هذا ؟
قال : عيسى ابن مريم .
ثم مررت بإبراهيم فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح .
قلت : من هذا ؟
قال : هذا إبراهيم " .
قال الزهري : فأخبرني ابن حزم : أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام " .
قال ابن حزم وأنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ففرض الله على أمتي خمسين صلاة ، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى ، فقال : ما فرض الله على أمتك ؟
قلت : فرض خمسين صلاة .
قال : فارجع إلى ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فرجعت [ فوضع شطرها ، فرجعت إلى موسى ، قلت : وضع شطرها .
فقال : ارجع إلى ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك .
فرجعت فوضع شطرها .
فرجعت إليه فقال : ارجع إلى ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك .
فراجعته ] فقال : هي خمس وهي خمسون ، لا يبدل القول لدي .
فرجعت إلى موسى فقال : ارجع إلى ربك .
قلت : قد استحييت من ربي .
ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي ، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك " .
هذا لفظ البخاري في " كتاب الصلاة " ورواه في ذكر بني إسرائيل ، وفي الحج وفي أحاديث الأنبياء من طرق أخر ، عن يونس به ، ورواه مسلم في صحيحه في " كتاب الإيمان " منه ، عن حرملة ، عن ابن وهب ، عن يونس به نحوه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا همام ، عن قتادة ، عن عبد الله بن شقيق قال : قلت لأبي ذر : لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته .
قال : وما كنت تسأله ؟
قال : كنت أسأله : هل رأى ربه ؟
فقال : إني قد سألته فقال : " إني قد رأيته نورا أنى أراه " .
هكذا قد وقع في رواية الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن يزيد بن إبراهيم ، عن قتادة ، عن عبد الله بن شقيق ، [ عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك ؟
قال : " نور أني أراه " .
وعن محمد بن بشار ، عن معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن عبد الله بن شقيق ] قال : قلت لأبي ذر : لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته .
فقال : عن أي شيء كنت تسأله ؟
قال : كنت أسأله : هل رأيت ربك ؟
قال أبو ذر : قد سألت فقال : " رأيت نورا " .
رواية أنس ، عن أبي بن كعب الأنصاري ، رضي الله عنه : قال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد بن المسيبي حدثنا أنس بن عياض ، عن يونس بن يزيد قال : قال ابن شهاب : قال أنس بن مالك : كان أبي بن كعب يحدث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فرج سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل ففرج صدري ، ثم غسله من ماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، فأفرغها في صدري ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء .
فلما جاء السماء [ فافتتح فقال : من هذا ؟
قال : جبريل .
قال : هل معك أحد ؟
قال : نعم ، معي محمد .
قال : أرسل إليه ؟
قال : نعم ، فافتح .
فلما علونا السماء الدنيا ] إذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة ، فإذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى قال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح " .
قال : " قلت لجبريل : من هذا ؟
قال : هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه ، فأهل اليمين هم أهل الجنة ، والأسودة التي عن شماله هم أهل النار .
فإذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى " قال : " ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية ، فقال لخازنها : افتح .
فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح له " .
قال أنس : فذكر أنه وجد في السموات : آدم ، وإدريس ، وموسى ، وعيسى ، وإبراهيم ، ولم يثبت لي كيف منازلهم ؟
غير أنه ذكر أنه وجد آدم ، عليه السلام ، في السماء الدنيا ، وإبراهيم في السماء السادسة .
قال أنس : فلما مر جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم بإدريس قال : " مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح " .
قال : " قلت : من هذا يا جبريل ؟
قال : هذا إدريس " ، قال : " ثم مررت ب موسى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح .
فقلت : من هذا ؟
قال : هذا موسى ، ثم مررت ب عيسى فقال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح .
قلت : من هذا ؟
.
قال : هذا عيسى ابن مريم " قال : " ثم مررت ب إبراهيم فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح .
قلت : من هذا ؟
قال : هذا إبراهيم " .
قال ابن شهاب : وأخبرني ابن حزم : أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع صريف الأقلام " قال ابن حزم وأنس بن مالك : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فرض الله على أمتي خمسين صلاة " قال : " فرجعت بذلك حتى أمر على موسى ، فقال موسى : ماذا فرض ربك على أمتك ؟
قلت : فرض عليهم خمسين صلاة .
فقال لي موسى : راجع ربك ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك " قال : " فراجعت ربي فوضع شطرها ، فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فرجعت فقال : هي خمس وهي خمسون ، لا يبدل القول لدي " .
قال : " فرجعت إلى موسى فقال : راجع ربك .
فقلت قد استحييت من ربي " قال : " ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى .
قال : " فغشيها ألوان ما أدري ما هي ؟
" قال : " ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك " .
هكذا رواه عبد الله بن [ الإمام ] أحمد في مسند أبيه .
وليس هو في شيء من الكتب الستة ، وقد تقدم في الصحيحين من طريق يونس ، عن الزهري ، عن أبي ذر ، مثل هذا السياق سواء ، فالله أعلم .
رواية بريدة بن الحصيب الأسلمي : قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل ويعقوب بن إبراهيم - واللفظ له - قالا : حدثنا أبو نميلة ، أخبرنا الزبير بن جنادة ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما كان ليلة أسري به قال : فأتى جبريل الصخرة التي ب بيت المقدس ، فوضع إصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق " .
ثم قال البزار : لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو نميلة ، ولا نعلم هذا الحديث [ يروى ] إلا عن بريدة .
وقد رواه الترمذي في التفسير من جامعه ، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي به وقال : غريب .
رواية جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب قال : قال أبو سلمة : سمعت جابر بن عبد الله يحدث : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس ، قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس ، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه " .
أخرجاه في الصحيحين من طرق ، عن الزهري به .
وقال البيهقي : أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا العباس بن محمد الدوري ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتهى إلى بيت المقدس ، لقي فيه إبراهيم وموسى وعيسى ، وإنه أتي بقدحين : قدح من لبن وقدح خمر ، فنظر إليهما ، ثم أخذ قدح اللبن .
فقال جبريل : أصبت ، هديت للفطرة ، لو اخترت الخمر لغوت أمتك .
ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، فأخبر أنه أسري به ، فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه .
قال ابن شهاب : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : فتجهز - أو كلمة نحوها - ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا : هل لك في صاحبك ؟
يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة !
فقال أبو بكر : أو قال ذلك ؟
قالوا : نعم .
قال : فأشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق .
قالوا : فتصدقه بأن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح ؟
قال : نعم ، إني أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء .
قال أبو سلمة : فبها سمي أبو بكر : الصديق .
قال أبو سلمة : فسمعت جابر بن عبد الله يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس ، قمت في الحجر ، فجلى الله لي بيت المقدس ، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه " .
رواية حذيفة بن اليمان ، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد : ثنا أبو النضر ، ثنا شيبان ، عن عاصم ، عن زر بن حبيش ، قال : أتيت على حذيفة بن اليمان وهو يحدث ، عن ليلة أسري ب محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول : " فانطلقنا حتى أتينا بيت المقدس " .
فلم يدخلاه .
قال : قلت : بل دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ وصلى فيه .
قال : ما اسمك يا أصلع ؟
فإني أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك ؟
قال : قلت : أنا زر بن حبيش .
قال : فما علمك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه ليلتئذ ؟
قال : قلت : القرآن يخبرني بذلك .
قال : من تكلم بالقرآن فلج ، اقرأ .
قال : فقلت : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) قال : يا أصلع ، هل تجد " صلى فيه " ؟
قلت : لا .
قال : والله ما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ ، ولو صلى فيه لكتب عليكم صلاة فيه ، كما كتب عليكم صلاة في البيت العتيق ، والله ما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء ، فرأيا الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع ، ثم عادا عودهما على بدئهما .
قال : ثم ضحك حتى رأيت نواجذه .
قال : وتحدثوا أنه ربطه ، لا يفر منه ، وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة .
قلت : أبا عبد الله : أي دابة البراق ؟
قال : دابة أبيض طويل هكذا ، خطوه مد البصر .
ورواه أبو داود الطيالسي ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم ، به .
ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث عاصم - وهو ابن أبي النجود - به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وهذا الذي قاله حذيفة - رضي الله عنه - نفي ، وما أثبته غيره ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربط الدابة بالحلقة ومن الصلاة ب البيت المقدس ، مما سبق وما سيأتي مقدم على قوله ، والله أعلم بالصواب .
رواية أبي سعيد - سعد بن مالك بن سنان الخدري : قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب " دلائل النبوة " : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، أخبرنا أبو محمد راشد الحماني ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله
سبحان الذي أسرى بعبده القول في تأويل قوله تعالى { سبحان الذي أسرى بعبده } قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : يعني تعالى ذكره بقوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } تنزيها للذي أسرى بعبده وتبرئة له مما يقول فيه المشركون من أن له من خلقه شريكا , وأن له صاحبة وولدا , وعلوا له وتعظيما عما أضافوه إليه , ونسبوه من جهالاتهم وخطأ أقوالهم .
وقد بينت فيما مضى قبل , أن قوله { سبحان } اسم وضع موضع المصدر , فنصب لوقوعه موقعه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
وقد كان بعضهم يقول : نصب لأنه غير موصوف , وللعرب في التسبيح أماكن تستعمله فيها .
فمنها الصلاة , كان كثير من أهل التأويل يتأولون قول الله : { فلولا أنه كان من المسبحين } : 37 143 فلولا أنه كان من المصلين .
ومنها الاستثناء , كان بعضهم يتأول قول الله تعالى : { ألم أقل لكم لولا تسبحون } : 68 28 لولا تستثنون , وزعم أن ذلك لغة لبعض أهل اليمن , ويستشهد لصحة تأويله ذلك بقوله : { إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون } 68 17 : 18 قال : { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } 68 28 فذكرهم تركهم الاستثناء .
ومنها النور , وكان بعضهم يتأول في الخبر الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء " أنه عنى بقوله : سبحات وجهه : نور وجهه .
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : { سبحان الذي أسرى بعبده } قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 16613 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن عثمان بن موهب , عن موسى بن طلحة , عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التسبيح أن يقول الإنسان : سبحان الله , قال : " إنزاه الله عن السوء " .
16614 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا عبدة بن سليمان , عن الحسن بن صالح , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قوله : سبحان الله : قال : إنكاف لله .
وقد ذكرنا من الآثار في ذلك ما فيه الكفاية فيما مضى من كتابنا هذا قبل .
والإسراء والسرى : سير الليل .
فمن قال : أسرى , قال : يسري إسراء ; ومن قال : سرى , قال : يسري سرى , كما قال الشاعر : وليلة ذات دجى سريت ولم يلتني عن سراها ليت ويروى : ذات ندى سريت .ليلا ويعني بقوله : { ليلا } من الليل .
وكذلك كان حذيفة بن اليمان يقرؤها .
16615 - حدثنا أبو كريب , قال : سمعت أبا بكر بن عياش ورجل يحدث عنده بحديث حين أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له : لا تجيء بمثل عاصم ولا زر , قال : قرأ حذيفة : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى " وكذا قرأ عبد الله .من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وأما قوله : { من المسجد الحرام } فإنه اختلف فيه وفي معناه , فقال بعضهم : يعني من الحرم , وقال : الحرم كله مسجد .
وقد بينا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا .
وقال : وقد ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان نائما في بيت أم هانئ ابنة أبي طالب .
ذكر من قال ذلك : 16616 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثنا محمد بن إسحاق , قال : ثني محمد بن السائب , عن أبي صالح بن باذام عن أم هانئ بنت أبي طالب , في مسرى النبي صلى الله عليه وسلم , أنها كانت تقول : ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة , فصلى العشاء الآخرة , ثم نام ونمنا , فلما كان قبيل الفجر , أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما صلى الصبح وصلينا معه قال : " يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت لهذا الوادي , ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه , ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين " .
وقال آخرون : بل أسري به من المسجد , وفيه كان حين أسري به .
ذكر من قال ذلك : 16617 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر بن عدي , عن سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة , عن أنس بن مالك , عن مالك بن صعصعة , وهو رجل من قومه قال : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان , إذ سمعت قائلا يقول , أحد الثلاثة , فأتيت بطست من ذهب فيها من ماء زمزم , فشرح صدري إلى كذا وكذا " قال قتادة : قلت : ما يعني به ؟
قال : إلى أسفل بطنه ; قال : " فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه , ثم حشي إيمانا وحكمة , ثم أتيت بدابة أبيض " , وفي رواية أخرى : " بدابة بيضاء يقال له البراق , فوق الحمار ودون البغل , يقع خطوه منتهى طرفه , فحملت عليه , ثم انطلقنا حتى أتينا إلى بيت المقدس فصليت فيه بالنبيين والمرسلين إماما , ثم عرج بي إلى السماء الدنيا " .
...
فذكر الحديث .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا خالد بن الحارث , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن أنس بن مالك , عن مالك , يعني ابن صعصعة رجل من قومه , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن أنس بن مالك , عن مالك بن صعصعة رجل من قومه , قال : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم , ثم ذكر نحوه .
16618 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : قال محمد بن إسحاق : ثني عمرو بن عبد الرحمن , عن الحسن بن أبي الحسن , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بقدمه , فجلست فلم أر شيئا , فعدت لمضجعي , فجاءني الثانية فهمزني بقدمه , فجلست فلم أر شيئا , فعدت لمضجعي , فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه , فجلست , فأخذ بعضدي فقمت معه , فخرج بي إلى باب المسجد , فإذا دابة بيضاء بين الحمار والبغل , له في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه , يضع يده في منتهى طرفه , فحملني عليه ثم خرج معي , لا يفوتني ولا أفوته " .
16619 - حدثنا الربيع بن سليمان , قال : أخبرنا ابن وهب , عن سليمان بن بلال , عن شريك بن أبي نمر , قال : سمعت أنسا يحدثنا عن ليلة المسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام , فقال أولهم : أيهم هو ؟
قالا أوسطهم : هو خيرهم , فقال أحدهم : خذوا خيرهم , فكانت تلك الليلة , فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه - والنبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه , ولا ينام قلبه .
وكذلك الأنبياء تنام أعينهم , ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم , فتولاه منهم جبرائيل عليه السلام , فشق ما بين نحره إلى لبته , حتى فرغ من صدره وجوفه , فغسله من ماء زمزم حتى أنقى جوفه , ثم أتي بطست من ذهب فيه تور محشو إيمانا وحكمة , فحشا به جوفه وصدره ولغاديده , ثم أطبقه ثم ركب البراق , فسار حتى أتى به إلى بيت المقدس فصلى فيه بالنبيين والمرسلين إماما , ثم عرج به إلى السماء الدنيا , فضرب بابا من أبوابها , فناداه أهل السماء : من هذا ؟
قال : هذا جبرائيل , قيل : من معك ؟
قال : محمد , قيل : أوقد بعث إليه ؟
قال : نعم , قالوا : فمرحبا به وأهلا , فيستبشر به أهل السماء , لا يعلم أهل السماء بما يريد الله بأهل الأرض حتى يعلمهم , فوجد في السماء الدنيا آدم , فقال له جبرائيل : هذا أبوك , فسلم عليه , فرد عليه , فقال : مرحبا بك وأهلا يا بني , فنعم الابن أنت , ثم مضى به إلى السماء الثانية , فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها , فقيل : من هذا ؟
فقال : جبرائيل , قيل : ومن معك ؟
قال : محمد , قيل : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم قد أرسل إليه , فقيل : مرحبا به وأهلا , ففتح لهما ; فلما صعد فيها فإذا هو بنهرين يجريان , فقال : ما هذان النهران يا جبرائيل ؟
قال : هذا النيل والفرات عنصرهما ; ثم عرج به إلى السماء الثالثة , فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها , فقيل : من هذا ؟
قال : جبرائيل , قيل : ومن معك ؟
قال : محمد , قيل : أوقد بعث إليه ؟
قال : نعم قد بعث إليه , قيل : مرحبا به وأهلا , ففتح له فإذا هو بنهر عليه قباب وقصور من لؤلؤ وزبرجد وياقوت , وغير ذلك ما لا يعلمه إلا الله , فذهب يشم ترابه , فإذا هو مسك أذفر , فقال : يا جبرائيل ما هذا المهر ؟
قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك في الآخرة ; ثم عرج به إلى الرابعة , فقالوا به مثل ذلك ; ثم عرج به إلى الخامسة , فقالوا له مثل ذلك ; ثم عرج به إلى السادسة , فقالوا له مثل ذلك ; ثم عرج به إلى السابعة , فقالوا له مثل ذلك , وكل سماء فيها أنبياء قد سماهم أنس , فوعيت منهم إدريس في الثانية , وهارون في الرابعة , وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه , وإبراهيم في السادسة , وموسى في السابعة بتفضيل كلامه الله , فقال موسى : رب لم أظن أن يرفع علي أحد !
ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله , حتى جاء سدرة المنتهى , ودنا باب الجبار رب العزة , فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى , فأوحى إلى عبده ما شاء , وأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمته كل يوم وليلة , ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه , فقال : يا محمد ماذا عهد إليك ربك ؟
قال : " عهد إلي خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة " ; قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك , فارجع فليخفف عنك وعنهم , فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك , فأشار إليه أن نعم , فعاد به جبرائيل حتى أتى الجبار عز وجل وهو مكانه , فقال : " رب خفف عنا , فإن أمتي لا تستطيع هذا " , فوضع عنه عشر صلوات ; ثم رجع إلى موسى عليه السلام فاحتبسه , فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات , ثم احتبسه عند الخمس , فقال : يا محمد قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس , فضعفوا وتركوه , فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا , فارجع فليخفف عنك ربك , كل ذلك يلتفت إلى جبرائيل ليشير عليه , ولا يكره ذلك جبرائيل , فرفعه عند الخمس , فقال : " يا رب إن أمتي ضعاف أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم , فخفف عنا " , قال الجبار جل جلاله : يا محمد , قال : " لبيك وسعديك " , فقال : إني لا يبدل القول لدي كما كتبت عليك في أم الكتاب , ولك بكل حسنة عشر أمثالها , وهي خمسون في أم الكتاب , وهي خمس عليك ; فرجع إلى موسى , فقال : كيف فعلت ؟
فقال : " خفف عني , أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها " , قال : قد والله راودني بني إسرائيل على أدنى من هذا فتركوه فارجع فليخفف عنك أيضا , قال : " يا موسى قد والله استحييت من ربي مما أختلف إليه " , قال : فاهبط باسم الله , فاستيقظ وهو في المسجد الحرام .
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب , أن يقال : إن الله عز وجل أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام , والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه , وقوله : { إلى المسجد الأقصى } يعني : مسجد بيت المقدس , وقيل له : الأقصى , لأنه أبعد المساجد التي تزار , وينبغي في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام .
فتأويل الكلام تنزيها لله , وتبرئة له ما نحله المشركون من الإشراك والأنداد والصاحبة , وما يجل عنه جل جلاله , الذي سار بعبده ليلا من بيته الحرام إلى بيته الأقصى .
ثم اختلف أهل العلم في صفة إسراء الله تبارك وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , فقال بعضهم : أسرى الله بجسده , فسار به ليلا على البراق من بيته الحرام إلى بيته الأقصى حتى أتاه , فأراه ما شاء أن يريه من عجائب أمره وعبره وعظيم سلطانه , فجمعت له به الأنبياء , فصلى بهم هنالك , وعرج به إلى السماء حتى صعد به فوق السماوات السبع , وأوحى إليه هنالك ما شاء أن يوحي ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته , فصلى به صلاة الصبح .
ذكر من قال ذلك , وذكر بعض الروايات التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيحه : 16620 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس بن يزيد , عن ابن شهاب , قال : أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به على البراق , وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام , يقع حافرها موضع طرفها , قال : فمرت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية , فنفرت العير , وفيها بعير عليه غرارتان : سوداء , وزرقاء , حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيلياء فأتي بقدحين : قدح خمر , وقدح لبن , فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدح اللبن , فقال له جبرائيل : هديت إلى الفطرة , لو أخذت قدح الخمر غوت أمتك .
قال ابن شهاب : فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي هناك إبراهيم وعيسى , فنعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : " فأما موسى فضرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة , وأما عيسى فرجل أحمر كأنما خرج من ديماس , فأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي ; وأما إبراهيم فأنا أشبه ولده به " ; فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم , حدث قريشا أنه أسري به .
قال عبد الله : فارتد ناس كثير بعد ما أسلموا , قال أبو سلمة : فأتى أبو بكر الصديق , فقيل له : هل لك في صاحبك , يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة , قال أبو بكر : أوقال ذلك ؟
قالوا : نعم , قال : فأشهد إن كان قال ذلك لقد صدق , قالوا : أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة ؟
قال : إني أصدقه بأبعد من ذلك , أصدقه بخبر السماء .
قال أبو سلمة : سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لما كذبتني قريش قمت فمثل الله لي بيت المقدس , فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه " .
16621 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري , عن أبيه , عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص , عن أنس بن مالك , قال : لما جاء جبرائيل عليه السلام بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكأنها ضربت بذنبها , فقال لها جبرائيل : مه يا براق , فوالله إن ركبك مثله ; فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإذا هو بعجوز ناء عن الطريق : أي على جنب الطريق .
قال أو جعفر : ينبغي أن يقال : نائية , ولكن أسقط منها التأنيث .
فقال : " ما هذه يا جبرائيل ؟
" قال : سر يا محمد , فسار ما شاء الله أن يسير , فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق يقول : هلم يا محمد , قال جبرائيل : سر يا محمد , فسار ما شاء الله أن يسير ; قال : ثم لقيه خلق من الخلائق , فقال أحدهم : السلام عليك يا أول , والسلام عليك يا آخر , والسلام عليك يا حاشر , فقال له جبرائيل : اردد السلام يا محمد , قال : فرد السلام ; ثم لقيه الثاني , فقال له مثل مقالة الأولين حتى انتهى إلى بيت المقدس , فعرض عليه الماء واللبن والخمر , فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن , فقال له جبرائيل : أصبت يا محمد الفطرة , ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك , ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك .
ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء , فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة , ثم قال له جبرائيل : أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق , فلم يبق من الدنيا إلا بقدر ما بقي من عمر تلك العجوز , وأما الذي أراد أن تميل إليه , فذاك عدو الله إبليس , أراد أن تميل إليه ; وأما الذين سلموا عليك , فذاك إبراهيم وموسى وعيسى .
16622 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا حجاج , قال : أخبرنا أبو جعفر الرازي , عن الربيع بن أنس , عن أبي العالية الرياحي , عن أبي هريرة أو غيره - شك أبو جعفر - في قول الله عز وجل : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله , لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } قال .
جاء جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ميكائيل , فقال جبرائيل لميكائيل : ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه , وأشرح له صدره , قال : فشق عن بطنه , فغسله ثلاث مرات , واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسات من ماء زمزم , فشرح صدره , ونزع ما كان فيه من غل , وملأه حلما وعلما وإيمانا ويقينا وإسلاما , وختم بين كتفيه بخاتم النبوة , ثم أتاه بفرس فحمل عليه كل خطوة منه منهى طرفه وأقصى بصره .
قال : فسار وسار معه جبرائيل عليه السلام , فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم , كلما حصدوا عاد كما كان , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا جبرائيل ما هذا ؟
" قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل الله , تضاعف لهم الحسنة بسبع مائة ضعف , وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ; ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر , كلما رضخت عادت كما كانت , لا يفتر عنهم من ذلك شيء , فقال : " ما هؤلاء يا جبرائيل ؟
" قال : هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة ; ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع , وعلى أدبارهم رقاع , يسرحون كما تسرح الإبل والغنم , ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها , قال : " ما هؤلاء يا جبرائيل ؟
" قال : هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم , وما ظلمهم الله شيئا , وما الله بظلام للعبيد ; ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدور , ولحم آخر نيء قذر خبيث , فجعلوا يأكلون من النيء , ويدعون النضيج الطيب , فقال : " ما هؤلاء يا جبرائيل ؟
" قال : هذا الرجل من أمتك , تكون عنده المرأة الحلال الطيب , فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح , والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا , فتأتي رجلا خبيثا , فتبيت معه حتى تصبح .
قال : ثم أتى على خشبة في الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته , ولا شيء إلا خرقته , قال : " ما هذا يا جبرائيل ؟
" قال : هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه .
ثم قرأ : { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون } 7 86 الآية .
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها , وهو يزيد عليها , فقال : " ما هذا يا جبرائيل ؟
" قال : هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها , وهو يزيد عليها , ويريد أن يحملها , فلا يستطيع ذلك ; ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد , كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء , قال : " ما هؤلاء يا جبرائيل ؟
" فقال : هؤلاء خطباء أمتك خطباء الفتنة يقولون ما لا يفعلون ; ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم , فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع , فقال : " ما هذا يا جبرائيل ؟
" قال : هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة , ثم يندم عليها , فلا يستطيع أن يردها ; ثم أتى على واد , فوجد ريحا طيبة باردة , وفيه ريح المسك , وسمع صوتا , فقال : " يا جبرائيل ما هذه الريح الطيبة الباردة وهذه الرائحة التي كريح المسك , وما هذا الصوت ؟
" قال : هذا صوت الجنة تقول : يا رب آتني ما وعدتني , فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي وعبقري , ولؤلئي ومرجاني , وفضتي وذهبي , وأكوابي وصحافي وأباريقي , وفواكهي ونخلي ورماني , ولبني وخمري , فآتني ما وعدتني , فقال : لك كل مسلم ومسلمة , ومؤمن ومؤمنة , ومن آمن بي وبرسلي , وعمل صالحا ولم يشرك بي , ولم يتخذ من دوني أندادا , ومن خشيني فهو آمن , ومن سألني أعطيته , ومن أقرضني جزيته , ومن توكل علي كفيته , إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد , وقد أفلح المؤمنون , وتبارك الله أحسن الخالقين , قالت : قد رضيت ; ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا , ووجد ريحا منتنة , فقال : وما هذه الريح يا جبرائيل وما هذا الصوت ؟
" قال : هذا صوت جهنم , تقول : يا رب آتني ما وعدتني , فقد كثرت سلاسلي وأغلالي , وسعيري وجحيمي , وضريعي وغساقي , وعذابي وعقابي , وقد بعد قعري واشتد حري , فآتني ما وعدتني , قال : لك كل مشرك ومشركة , وكافر وكافرة , وكل خبيث وخبيثة , وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب , قالت : قد رضيت ; قال : ثم سار حتى أتى بيت المقدس , فنزل فربط فرسه إلى صخرة , ثم دخل فصلى مع الملائكة ; فلما قضيت الصلاة .
قالوا : يا جبرائيل من هذا معك ؟
قال : محمد , فقالوا : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم , قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة , فنعم الأخ ونعم الخليفة , ونعم المجيء جاء ; قال : ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم , فقال إبراهيم : الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكا عظيما , وجعلني أمة قانتا لله يؤتم بي , وأنقذني من النار , وجعلها علي بردا وسلاما ; ثم إن موسى أثنى على ربه فقال : الحمد لله الذي كلمني تكليما , وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي , وجعل من أمتي قوما يهدون بالحق وبه يعدلون ; ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه , فقال : الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما وعلمني الزبور , وألان لي الحديد , وسخر لي الجبال يسبحن والطير , وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب ; ثم إن سليمان أثنى على ربه , فقال : الحمد لله الذي سخر لي الرياح , وسخر لي الشياطين , يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب , وقدور راسيات , وعلمني منطق الطير , وآتاني من كل شيء فضلا , وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير , وفضلني على كثير من عباده المؤمنين , وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي , وجعل ملكي ملكا طيبا ليس علي فيه حساب ; ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه , فقال : الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب , ثم قال له : كن فيكون , وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل , وجعلني أخلق من الطين هيئة الطير , فأنفخ فيه , فيكون طيرا بإذن الله , وجعلني أبرئ الأكمة والأبرص , وأحيي الموتى بإذن الله , ورفعني وطهرني , وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم , فلم يكن للشيطان علينا سبيل ; قال : ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه , فقال : " كلكم أثنى على ربه , وأنا مثن على ربي " , فقال : " الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين , وكافة للناس بشيرا ونذيرا , وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء , وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس , وجعل أمتي وسطا , وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون , وشرح لي صدري , ووضع عني وزري ورفع لي ذكري , وجعلني فاتحا خاتما " قال إبراهيم : بهذا فضلكم محمد - قال : أبو جعفر : وهو الرازي : خاتم النبوة , وفاتح بالشفاعة يوم القيامة - ثم أتى إليه بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها , فأتي بإناء منها فيه ماء , فقيل : اشرب , فشرب منه يسيرا ; ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن , فقيل له : اشرب , فشرب منه حتى روي ; ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر , فقيل له : اشرب , فقال : " لا أريده قد رويت " فقال له جبرائيل صلى الله عليه وسلم : أما إنها ستحرم على أمتك , ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل , ثم عرج به إلى سماء الدنيا , فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها , فقيل : من هذا ؟
قال : جبرائيل , قيل : ومن معك ؟
فقال : محمد , قالوا : أوقد أرسل إليه , قال : نعم , قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة , فنعم الأخ ونعم الخليفة , ونعم المجيء جاء ; فدخل فإذا هو برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء , كما ينقص من خلق الناس , على يمينه باب يخرج منه ريح طيبة , وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة , إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر , وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن , فقلت : " يا جبرائيل من هذا الشيخ التام الخلق الذي لم ينقص من خلقه شيء , وما هذان البابان ؟
" قال : هذا أبوك آدم , وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة , إذا نظر إلى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر , والباب الذي عن شماله باب جهنم , إذا نظر إلى من يدخله من ذريته بكى وحزن ; ثم صعد به جبرائيل صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية فاستفتح , فقيل : من هذا ؟
قال : جبرائيل , قيل : ومن معك ؟
قال : محمد رسول الله , فقالوا : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم , قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة , فنعم الأخ ونعم الخليفة , ونعم المجيء جاء , قال : فإذا هو بشابين , فقال : " يا جبرائيل من هذان الشبان ؟
" قال : هذا عيسى ابن مريم , ويحيى بن زكريا ابنا الخالة , قال : فصعد به إلى السماء الثالثة , فاستفتح , فقالوا : من هذا ؟
قال : جبرائيل , قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد , قالوا : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم , قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة , فنعم الأخ ونعم الخليفة , ونعم المجيء جاء , قال : فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس كلهم في الحسن , كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب , قال : " من هذا يا جبرائيل الذي فضل على الناس في الحسن ؟
" قال : هذا أخوك يوسف ; ثم صعد به إلى السماء الرابعة , فاستفتح , فقيل : من هذا ؟
قال جبرائيل , قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد , قالوا : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم , قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة , فنعم الأخ ونعم الخليفة , ونعم المجيء جاء ; قال : فدخل , فإذا هو برجل , قال : " من هذا يا جبرائيل ؟
" قال : هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا .
ثم صعد به إلى السماء الخامسة , فاستفتح جبرائيل , فقالوا : من هذا ؟
فقال : جبرائيل , قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد , قالوا : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم , قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة , فنعم الأخ ونعم الخليفة , ونعم المجيء جاء ; ثم دخل فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم , قال : " من هذا يا جبرائيل ومن هؤلاء الذين حوله ؟
" قال : هذا هارون المحبب في قومه , وهؤلاء بنو إسرائيل ; ثم صعد به إلى السماء السادسة , فاستفتح جبرائيل , فقيل له : من هذا ؟
قال : جبرائيل , قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد , قالوا : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم , قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة , فنعم الأخ ونعم الخليفة , ونعم المجيء جاء ; فإذا هو برجل جالس , فجاوزه , فبكى الرجل , فقال : " يا جبرائيل من هذا ؟
" قال : موسى , قال : " فما باله يبكي ؟
" قال : تزعم بنو إسرائيل أني أكرم بنى آدم على الله , وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا , وأنا في أخرى , فلو أنه بنفسه لم أبال , ولكن مع كل نبي أمته ; ثم صعد به إلى السماء السابعة , فاستفتح جبرائيل , فقيل : من هذا ؟
قال : جبرائيل , قالوا : ومن معك ؟
قال : محمد , قالوا : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم , قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة , فنعم الأخ ونعم الخليفة , ونعم المجيء جاء , قال : فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي , وعنده قوم جلوس بيض الوجوه , أمثال القراطيس , وقوم في ألوانهم شيء , فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء , فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه , فخرجوا وقد خلص , من ألوانهم شيء , ثم دخلوا نهرا آخر , فاغتسلوا فيه , فخرجوا وقد خلص , من ألوانهم شيء , ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه , فخرجوا وقد خلص , ألوانهم شيء , فصارت مثل ألوان أصحابهم , فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم , فقال : " يا جبرائيل من هذا الأشمط , ثم من هؤلاء البيض وجوههم , ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء , وما هذه الأنهار التي دخلوا , فجاءوا وقد صفت ألوانهم ؟
" قال : هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض , وأما هؤلاء البيض الوجوه : فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم , وأما هؤلاء الذين .
في ألوانهم شيء , فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا , فتابوا , فتاب الله عليهم , وأما الأنهار : فأولها رحمة الله , وثانيها : نعمة الله , والثالث : سقاهم ربهم شرابا طهورا ; قال : ثم انتهى إلى السدرة , فقيل له : هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك , فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن , وأنهار من لبن لم يتغير طعمه , وأنهار من خمر لذة للشاربين , وأنهار من عسل مصفى , وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها , والورقة منها مغطية للأمة كلها , قال : فغشيها نور الخلاق عز وجل , وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة , قال : فكلمه عند ذلك , فقال له : سل , فقال : " اتخذت إبراهيم خليلا , وأعطيته ملكا عظيما , وكلمت موسى تكليما , وأعطيت داود ملكا عظيما , وألنت له الحديد , وسخرت له الجبال , وأعطيت سليمان ملكا عظيما , وسخرت له الجن والإنس والشياطين , وسخرت له الرياح , وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده , وعلمت عيسى التوراة والإنجيل , وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص , ويحيي الموتى بإذن الله , وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم , فلم يكن للشيطان عليهما سبيل " .
فقال له ربه : قد اتخذتك حبيبا وخليلا , وهو مكتوب في التوراة : حبيب الله ; وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا , وشرحت لك صدرك , ووضعت عنك وزرك , ورفعت لك ذكرك , فلا أذكر إلا ذكرت معي , وجعلت أمتك أمة وسطا , وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون , وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة , حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي , وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم , وجعلتك أول النبيين خلقا , وآخرهم بعثا , وأولهم يقضى له , وأعطيتك سبعا من المثاني , لم يعطها نبي قبلك , وأعطيتك الكوثر , وأعطيتك ثمانية أسهم الإسلام والهجرة , والجهاد , والصدقة , والصلاة , وصوم رمضان , والأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , وجعلتك فاتحا وخاتما , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فضلني ربي بست : أعطاني فواتح الكلم وخواتيمه , وجوامع الحديث , وأرسلني إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا , وقذف في قلوب عدوي الرعب من مسيرة شهر , وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي , وجعلت لي الأرض كلها طهورا ومسجدا , قال : وفرض علي خمسين صلاة " ; فلما رجع إلى موسى , قال : بم أمرت يا محمد , قال : " بخمسين صلاة " , قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف , فإن أمتك أضعف الأمم , فقد لقيت من بني إسرائيل شدة , قال : فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه فسأله التخفيف , فوضع عنه عشرا , ثم رجع إلى موسى , فقال : بكم أمرت ؟
قال : " بأربعين " , قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف , فإن أمتك أضعف الأمم , وقد لقيت من بنى إسرائيل شدة , قال : فرجع إلى ربه , فسأله التخفيف , فوضع عنه عشرا , فرجع إلى موسى , فقال : بكم أمرت ؟
قال : " أمرت بثلاثين " , فقال له موسى : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف , فإن أمتك أضعف الأمم , وقد لقيت من بني إسرائيل شدة , قال : فرجع إلى ربه فسأله التخفيف , فوضع عنه عشرا , فرجع إلى موسى فقال : بكم أمرت ؟
قال : " بعشرين " , قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف , فإن أمتك أضعف الأمم , وقد لقيت من بني إسرائيل شدة , قال : فرجع إلى ربه فسأله التخفيف , فوضع عنه عشرا , فرجع إلى موسى , فقال : بكم أمرت ؟
قال : " بعشر " , قال : ارجع إلى ربك فاسأله التحفيف , فإن أمتك أضعف الأمم , وقد لقيت من بني إسرائيل شدة , قال : فرجع على حياء إلى ربه فسأله التخفيف , فوضع عنه خمسا , فرجع إلى موسى , فقال : بكم أمرت ؟
قال : " بخمس " , قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف , فإن أمتك أضعف الأم , وقد لقيت من بني إسرائيل شدة , قال : " قد رجعت إلى ربي حتى استحييت فما أنا راجع إليه " , فقيل له : أما إنك كما صبرت نفسك على خمس صلوات فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة فإن كل حسنة بعشر أمثالها , قال : فرضي محمد صلى الله عليه وسلم كل الرضا , فكان موسى أشدهم عليه حين مر به , وخيرهم له حين رجع إليه .
* - حدثني محمد بن عبيد الله , قال : أخبرنا أبو النضر هاشم بن القاسم , قال : ثنا أبو جعفر الرازي , عن الربيع بن أنس , عن أبي العالية أو غيره - شك أبو جعفر - عن أبي هريرة في قوله : { سبحان الذي أسرى بعبده } .
...
إلى قوله : { إنه هو السميع البصير } قال : جاء جبرائيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فذكر نحو حديث علي بن سهل , عن حجاج , إلا أنه قال : جاء جبرائيل ومعه مكائيل , وقال فيه : وإذا بقوم يسرحون كما تسرح الأنعام يأكلون الضريع والزقوم , وقال في كل موضع قال علي : " ما هؤلاء " , " من هؤلاء يا جبرائيل " , وقال في موضع " تقرض ألسنتهم " " تقص ألسنتهم " , وقال أيضا في موضع قال علي فيه : " ونعم الخليفة " .
قال في ذكر الخمر , فقال : " لا أريده قد رويت " , قال جبرائيل : قد أصبت الفطرة يا محمد , إنها ستحرم على أمتك , وقال في سدرة المنتهى أيضا : هذه السدرة المنتهى , إليها ينتهي كل أحد خلا على سبيلك من أمتك ; وقال أيضا في الورقة منها : " تظل الخلق كلهم , تغشاها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجرة , من حب الله عز وجل " وسائر الحديث مثل حديث علي .
16623 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن أبي هارون العبدي , عن أبي سعيد الخدري ; وحدثني الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : ثنا معمر , قال : أخبرنا أبو هارون العبدي , عن أبي سعيد الخدري , واللفظ لحديث الحسن بن يحيى , في قوله : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } قال : ثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " أتيت بدابة هي أشبه الدواب بالبغل , له أذنان مضطربتان وهو البراق , وهو الذي كان تركبه الأنبياء قبلي , فركبته , فانطلق بي يضع يده عند منتهى بصره , فسمعت نداء عن يميني : يا محمد على رسلك أسألك , فمضيت ولم أعرج عليه ; ثم سمعت نداء عن شمالي : يا محمد على رسلك أسألك , فمضيت ولم أعرج عليه ; ثم استقبلت امرأة في الطريق , فرأيت عليها من كل زينة من زينة الدنيا رافعة يدها , تقول : يا محمد على رسلك أسألك , فمضيت ولم أعرج عليها , ثم أتيت بيت المقدس , أو قال المسجد الأقصى , فنزلت عن الدابة فأوثقتها بالحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها , ثم دخلت المسجد فصليت فيه , فقال له جبرائيل : ماذا رأيت في وجهك , فقلت : سمعت نداء عن يميني أن يا محمد على رسلك أسألك , فمضيت ولم أعرج عليه , قال : ذاك داعي اليهود , أما لو أنك وقفت عليه لتهودت أمتك , قال : ثم سمعت نداء عن يساري أن يا محمد على رسلك أسألك , فمضيت ولم أعرج عليه , قال : ذاك داعي النصارى , أما إنك لو وقفت عليه لتنصرت أمتك , قلت : ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة من زينة الدنيا رافعة يدها تقول على رسلك , أسألك , فمضيت ولم أعرج عليها , قال : تلك الدنيا تزينت لك , أما إنك لو وقفت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة , ثم أتيت بإناءين أحدهما فيه لبن , والآخر فيه خمر , فقيل لي : اشرب أيهما شئت , فأخذت اللبن فشربته , قال : أصبت الفطرة أو قال : أخذت الفطرة " .
قال معمر : وأخبرني الزهري , عن ابن المسيب أنه قيل له : أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك .
قال أبو هارون في حديث أبي سعيد : " ثم جيء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيت ألم تر إلى الميت كيف يحد بصره إليه فعرج بنا فيه حتى انتهينا إلى باب السماء الدنيا , فاستفتح جبرائيل , فقيل من هذا ؟
قال : جبرائيل ؟
قيل : ومن معك ؟
قال : محمد , قيل : أوقد أرسل إليه ؟
قال : نعم , ففتحوا وسلموا علي , وإذا ملك موكل يحرس السماء يقال له إسماعيل , معه سبعون ألف ملك مع كل ملك منهم مائة ألف , ثم قرأ : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } 74 31 وإذا أنا برجل كهيئته يوم خلقه الله لم يتغير منه شيء , فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته , فإذا كانت روح مؤمن , قال : روح طيبة , وريح طيبة , اجعلوا كتابه في عليين ; وإذا كان روح كافر قال : روح خبيثة وريح خبيثة , اجعلوا كتابه في سجيل , فقلت : يا جبرائيل من هذا ؟
قال : أبوك آدم , فسلم علي ورحب بي ودعا لي بخير وقال : مرحبا بالنبي الصالح والولد الصالح , ثم نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل , وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم , ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم , قلت : يا جبرائيل من هؤلاء ؟
قال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .
ثم نظرت فإذا أنا بقوم يحذى من جلودهم ويرد في أفواههم , ثم يقال : كلوا كما أكلتم , فإذا أكره ما خلق الله لهم ذلك , قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟
قال : هؤلاء الهمازون اللمازون الذين يأكلون لحوم الناس , ويقعون في أعراضهم بالسب ; ثم نظرت فإذا أنا بقوم على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن ما رأيت من اللحم , وإذا حولهم جيف , فجعلوا يميلون على الجيف يأكلون منها ويدعون ذلك اللحم , قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟
قال : هؤلاء الزناة عمدوا إلى ما حرم الله عليهم , وتركوا ما أحل الله لهم ; ثم نظرت فإذا أنا بقوم لهم بطون كأنها البيوت وهي على سابلة آل فرعون , فإذا مر بهم آل فرعون ثاروا , فيميل بأحدهم بطنه فيقع , فيتوطئوهم آل فرعون بأرجلهم , وهم يعرضون على النار غدوا وعشيا ; قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟
قال : هؤلاء أكلة الربا , ربا في بطونهم , فمثلهم كمثل الذي يتخبطه الشيطان من المس ; ثم نظرت , فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن , ونساء منكسات بأرجلهن , قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟
قال : هن اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن قال : ثم صعدنا إلى السماء الثانية , فإذا أنا بيوسف وحوله تبع من أمته , ووجهه كالقمر ليلة البدر , فسلم علي ورحب بي , ثم مضينا إلى السماء الثالثة , فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى , يشبه أحدهما صاحبه , ثيابهما وشعرهما , فسلما علي , ورحبا بي ; ثم مضينا إلى السماء الرابعة , فإذا أنا بإدريس , فسلم علي ورحب وقد قال الله : { ورفعناه مكانا عاليا } ; ثم مضينا إلى السماء الخامسة , فإذا أنا بهارون المحبب في قومه , حوله تبع كثير من أمته " فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم : " طويل اللحية تكاد لحيته تمس سرته , فسلم علي ورحب ; ثم مضينا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران " فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " كثير الشعر لو كان عليه قميصان خرج شعره منهما ; قال موسى : تزعم الناس أني أكرم الخلق على الله , فهذا أكرم على الله مني , ولو كان وحده لم أكن أبالي , ولكن كل نبي ومن تبعه من أمته ; ثم مضينا إلى السماء السابعة , فإذا أنا بإبراهيم وهو جالس مسند ظهره إلى البيت المعمور فسلم علي وقال : مرحبا بالنبي الصالح والولد الصالح , فقيل : هذا مكانك ومكان أمتك , ثم تلا : { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا , والله ولي المؤمنين } ; ثم دخلت البيت المعمور فصليت فيه , وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إلى يوم القيامة ; ثم نظرت فإذا أنا بشجرة إن كانت الورقة منها لمغطية هذه الأمة , فإذا في أصلها عين تجري قد تشعبت شعبتين , فقلت : ما هذا يا جبرائيل ؟
قال : أما هذا : فهو نهر الرحمة , وأما هذا : فهو الكوثر الذي أعطاكه الله , فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر , ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت الجنة , فإذا فيها ما لا عين رأت , ولا أذن سمعت , ولا خطر على قلب بشر , وإذا فيها رمان كأنه جلود الإبل المقتبة , وإذا فيها طير كأنها البخت " فقال أبو بكر : إن تلك الطير لناعمة , قال : " أكلتها أنعم منها يا أبا بكر , وإني لأرجو أن تأكل منها , ورأيت فيها جارية , فسألتها : لمن أنت ؟
فقالت : لزيد بن حارثة " فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا ; قال : " ثم إن الله أمرني بأمره , وفرض علي خمسين صلاة , فمررت على موسى , فقال : بم أمرك ربك ؟
قلت : فرض علي خمسين صلاة , قال : ارجع إلى ربك فأسأله التخفيف , فإن أمتك لن يقوموا بهذا , فرجعت إلى ربي فسألته فوضع عني عشرا , ثم رجعت إلى موسى , فلم أزل أرجع إلى ربي إذا مررت لموسى حتى فرض علي خمس صلوات , فقال موسى : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف , فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحييت " أو قال : " قلت : ما أنا براجع , فقيل لي : إن لك بهذه الخمس صلوات خمسين صلاة , الحسنة بعشر أمثالها , ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة , ومن عملها كتبت له عشرا , ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا , فإن عملها كتبت واحدة " .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن محمد بن إسحاق , قال : ثني روح بن القاسم , عن أبي هارون عمارة بن جوين العبدي , عن أبي سعيد الخدري ; وحدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : وثني أبو جعفر , عن أبي هارون , عن أبي سعيد , قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لما فرغت مما كان في بيت المقدس , أتي بالمعراج , ولم أر شيئا قط أحسن منه , وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر , فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى إلى باب من الأبواب يقال له باب الحفظة , عليه ملك يقال له إسماعيل , تحت يديه اثنا عشر ألف ملك , تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث هذا الحديث : " ما يعلم جنود ربك إلا هو " ثم ذكر نحو حديث معمر , عن أبي هارون إلا أنه قال في حديثه : قال : " ثم دخل بي الجنة فرأيت فيها جارية , فسألتها لمن أنت ؟
وقد أعجبتني حين رأيتها , فقالت : لزيد بن حارثة " فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ثم انتهى حديث ابن حميد عن سلمة إلى ههنا .
* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن ابن المسيب , عن أبي هريرة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه ليلة أسري به إبراهيم وموسى وعيسى فقال : " أما إبراهيم فلم أر رجلا أشبه بصاحبكم منه .
وأما موسى فرجل آدم طوال جعد أقنى , كأنه من رجال شنوءة .
وأما عيسى فرجل أحمر بين القصير والطويل سبط الشعر كثير خيلان الوجه , كأنه خرج من ديماس كأن رأسه يقطر ماء , وما به ماء , أشبه من رأيت به عروة بن مسعود " .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن محمد , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه , ولم يقل عن أبي هريرة .
16624 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن أنس , أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه , فاستصعب عليه , فقال له جبرائيل : ما يحملك على هذا , فوالله ما ركبك أحد أكرم على الله منه !
قال : فارفض عرقا .
16625 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , في قوله : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله } أسري بنبي الله عشاء من مكة إلى بيت المقدس , فصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فيه , فأراه الله من آياته وأمره بما شاء ليلة أسري به , ثم أصبح بمكة .
ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " حملت على دابة يقال لها البراق , فوق الحمار ودون البغل , يضع حافره عند منتهى طرفه " فحدث نبي الله بذلك أهل مكة , فكذب به المشركون وأنكروه وقالوا : يا محمد تخبرنا أنك أتيت بيت المقدس , وأقبلت من ليلتك , ثم أصبحت عندنا بمكة , فما كنت تجيئنا به , وتأتي به قبل هذا اليوم مع هذا !
فصدقه أبو بكر , فسمي أبو بكر الصديق من أجل ذلك .
16626 - حدثنا ابن أبي الشوارب , قال : ثنا عبد الواحد بن زياد , قال : ثنا سليمان الشيباني , عن عبد الله بن شداد , قال : لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بدابة يقال لها البراق , دون البغل وفوق الحمار , تضع حافرها عند منتهى ظفرها ; فلما أتى بيت المقدس أتي بإناءين : إناء من لبن , وإناء من خمر , فشرب اللبن .
قال : فقال له جبرائيل : هديت وهديت أمتك .
وقال آخرون من قال : أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بنفسه وجسمه أسرى به عليه السلام , غير أنه لم يدخل بيت المقدس , ولم يصل فيه , ولم ينزل عن البراق حتى رجع إلى مكة .
ذكر من قال ذلك : 16627 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان , قال : ثنا سفيان , قال : ثني عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش , عن حذيفة بن اليمان , أنه قال في هذه الآية : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } قال : لم يصل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه , كما كتب عليكم الصلاة عند الكعبة .
* - حدثنا أبو كريب , قال : سمعت أبا بكر بن عياش , ورجل يحدث عنده بحديث حين أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم , فقال له : لا تجيء بمثل عاصم ولا زر ; قال : قال حذيفة لزر بن حبيش ; قال : وكان زر رجلا شريفا من أشراف العرب , قال : قرأ حذيفة { سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله , لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } وكذا قرأ عبد الله , قال : وهذا كما يقولون : إنه دخل المسجد فصلى فيه , ثم دخل فربط دابته , قال : قلت : والله قد دخله , قال : من أنت فإني أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك , قال : قلت : زر بن حبيش , قال : ما عملك هذا ؟
قال : قلت : من قبل القرآن , قال : من أخذ بالقرآن أفلح , قال : فقلت : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله } قال : فنظر إلي فقال : يا أصلع , هل ترى دخله ؟
قال : قلت : لا والله , قال حذيفة : أجل والله الذي لا إله إلا هو ما دخله , ولو دخله لوجبت عليكم صلاة فيه , لا والله ما نزل عن البراق حتى رأى الجنة والنار , وما أعد الله في الآخرة أجمع ; وقال : تدري ما البراق ؟
قال : دابة دون البغل وفوق الحمار , خطوه مد البصر .
وقال آخرون : بل أسري بروحه , ولم يسر بجسده .
ذكر من قال ذلك : 16628 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن محمد بن إسحاق , قال : ثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان , كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كانت رؤيا من الله صادقة .
16629 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن محمد , قال : ثني بعض آل أبي بكر , أن عائشة كانت تقول : ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولكن الله أسرى بروحه .
16630 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال ابن إسحاق : فلم ينكر ذلك من قولها الحسن أن هذه الآية نزلت { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } 17 60 ولقول الله في الخبر عن إبراهيم , إذ قال لابنه : { يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى } 37 102 ثم مضى على ذلك , فعرفت أن الوحي يأتي بالأنبياء من الله أيقاظا ونياما , وكان رسول صلى الله عليه وسلم يقول : " تنام عيني وقلبي يقظان " فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه من أمر الله ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظانا كل ذلك حق وصدق .
والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , كما أخبر الله عباده , وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , أن الله حمله على البراق حين أتاه به , وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل , فأراه ما أراه من الآيات ; ولا معنى لقول من قال : أسري بروحه دون جسده , لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلا على نبوته , ولا حجة له على رسالته , ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك , وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه , إذ لم يكن منكرا عندهم , ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة , فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل ؟
وبعد , فإن الله
تفسير سورة الإسراء هذه السورة مكية ، إلا ثلاث آيات : قوله - عز وجل - وإن كادوا ليستفزونك حين جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفد ثقيف ، وحين قالت اليهود : ليست هذه بأرض الأنبياء .
وقوله - عز وجل - : وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق وقوله - تعالى - إن ربك أحاط بالناس الآية .
وقال مقاتل : وقوله - عز وجل - إن الذين أوتوا العلم من قبله الآية .
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - في بني إسرائيل والكهف ومريم : إنهن من العتاق الأول ، وهن من تلادي ; يريد من قديم كسبه .بسم الله الحمن الرحيم سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير فيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : سبحان سبحان اسم موضوع موضع المصدر ، وهو غير متمكن ; لأنه لا يجري بوجوه الإعراب ، ولا تدخل عليه الألف واللام ، ولم يجر منه فعل ، ولم ينصرف لأن في آخره زائدتين ، تقول : سبحت تسبيحا وسبحانا ، مثل كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا .
ومعناه التنزيه والبراءة لله - عز وجل - من كل نقص .
فهو ذكر عظيم لله - تعالى - لا يصلح لغيره ; فأما قول الشاعر :أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر[ ص: 186 ] فإنما ذكره على طريق النادر .
وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ما معنى سبحان الله ؟
فقال : تنزيه الله من كل سوء .
والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه ، إذ لم يجر من لفظه فعل ، وذلك مثل قعد القرفصاء ، واشتمل الصماء ; فالتقدير عنده : أنزه الله تنزيها ; فوقع ( سبحان الله ) مكان قولك تنزيها .الثانية : قوله تعالى : أسرى بعبده أسرى فيه لغتان : سرى وأسرى ; كسقى وأسقى ، كما تقدم .
قال :أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البردوقال آخر :حي النضيرة ربة الخدر أسرت إلي ولم تكن تسريفجمع بين اللغتين في البيتين .
والإسراء : سير الليل ; يقال : سريت مسرى وسرى ، وأسريت إسراء ; قال الشاعر :وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني من سراها ليتوقيل : أسرى سار من أول الليل ، وسرى سار من آخره ; والأول أعرف .الثالثة : قوله تعالى : بعبده قال العلماء : لو كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية .
وفي معناه أنشدوا :يا قوم قلبي عند زهراء يعرفه السامع والرائيلا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائيوقد تقدم .
قال القشيري : لما رفعه الله - تعالى - إلى حضرته السنية ، وأرقاه فوق الكواكب العلوية ، ألزمه اسم العبودية تواضعا للأمة .الرابعة : ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث ، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه .
وذكر النقاش : ممن رواه عشرين صحابيا .
روى الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أتيت بالبراق وهو دابة أبيض [ طويل ] فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه - قال - فركبته حتى أتيت بيت المقدس - قال - فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء - قال - ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت [ ص: 187 ] فجاءني جبريل - عليه السلام - بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة - قال - ثم عرج بنا إلى السماء .
.
.
وذكر الحديث .
ومما ليس في الصحيحين ما خرجه الآجري والسمرقندي ، قال الآجري عن أبي سعيد الخدري في قوله - تعالى - سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله قال أبو سعيد : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة أسري به ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أتيت بدابة هي أشبه الدواب بالبغل له أذنان يضطربان وهو البراق الذي كانت الأنبياء تركبه قبل فركبته فانطلق تقع يداه عند منتهى بصره فسمعت نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه ثم سمعت نداء عن يساري يا محمد على رسلك فمضيت ولم أعرج عليه ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج ثم أتيت بيت المقدس الأقصى فنزلت عن الدابة فأوثقته في الحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها ثم دخلت المسجد وصليت فيه فقال لي جبريل - عليه السلام - ما سمعت يا محمد فقلت نداء عن يميني يا محمد على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج فقال ذلك داعي اليهود ولو وقفت لتهودت أمتك - قال - ثم سمعت نداء عن يساري على رسلك حتى أسألك فمضيت ولم أعرج عليه فقال ذلك داعي النصارى أما إنك لو وقفت لتنصرت أمتك - قال - ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة الدنيا رافعة يديها تقول على رسلك فمضيت ولم أعرج عليها فقال تلك الدنيا لو وقفت لاخترت الدنيا على الآخرة - قال - ثم أتيت بإناءين أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر فقيل لي خذ فاشرب أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقال لي جبريل أصبت الفطرة ولو أنك أخذت الخمر غوت أمتك ثم جاء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم فإذا هو أحسن ما رأيت أولم تروا إلى الميت كيف يحد بصره إليه فعرج بنا حتى أتينا باب السماء الدنيا فاستفتحجبريل فقيل : من هذا قال : جبريل قالوا : ومن معك قال : محمد قالوا وقد أرسل إليه ؟
قال : نعم ، ففتحوا لي وسلموا علي وإذا ملك يحرس السماء يقال له إسماعيل معه سبعون ألف ملك مع كل ملك مائة ألف - قال - وما يعلم جنود ربك إلا هو .
.
.
وذكر الحديث إلى أن قال : ثم مضينا إلى السماء الخامسة وإذا أنا بهارون بن عمران المحب في قومه وحوله تبع كثير من أمته فوصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال طويل اللحية تكاد لحيته تضرب في سرته ثم مضينا إلى السماء السادسة [ ص: 188 ] فإذا أنا بموسى فسلم علي ورحب بي - فوصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال - رجل كثير الشعر ولو كان عليه قميصان خرج شعره منهما .
.
.
الحديث .
وروى البزار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بفرس فحمل عليه ، كل خطوة منه أقصى بصره .
.
.
وذكر الحديث .
وقد جاء في صفة البراق من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بينا أنا نائم في الحجر إذ أتاني آت فحركني برجله فاتبعت الشخص فإذا هو جبريل - عليه السلام - قائم على باب المسجد معه دابة دون البغل وفوق الحمار وجهها وجه إنسان وخفها خف حافر وذنبها ذنب ثور وعرفها عرف الفرس فلما أدناها مني جبريل - عليه السلام - نفرت ونفشت عرفها فمسحها جبريل - عليه السلام - وقال يا برقة لا تنفري من محمد فوالله ما ركبك ملك مقرب ولا نبي مرسل أفضل من محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا أكرم على الله منه قالت قد علمت أنه كذلك وأنه صاحب الشفاعة وإني أحب أن أكون في شفاعته فقلت أنت في شفاعتي إن شاء الله - تعالى - .
.
.
الحديث .
وذكر أبو سعيد عبد الملك بن محمد النيسابوري عن أبي سعيد الخدري قال : لما مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإدريس - عليه السلام - في السماء الرابعة قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح الذي وعدنا أن نراه فلم نره إلا الليلة قال فإذا فيها مريم بنت عمران لها سبعون قصرا من لؤلؤ ولأم موسى بن عمران سبعون قصرا من مرجانة حمراء مكللة باللؤلؤ أبوابها وأسرتها من عرق واحد فلما عرج المعراج إلى السماء الخامسة وتسبيح أهلها سبحان من جمع بين الثلج والنار من قالها مرة واحدة كان له مثل ثوابهم استفتح الباب جبريل - عليه السلام - ففتح له فإذا هو بكهل لم ير قط كهل أجمل منه عظيم العينين تضرب لحيته قريبا من سرته قد كاد أن تكون شمطة وحوله قوم جلوس يقص عليهم فقلت يا جبريل من هذا قال هارون المحب في قومه .
.
) وذكر الحديث .
فهذه نبذة مختصرة من أحاديث الإسراء خارجة عن الصحيحين ، ذكرها أبو الربيع سليمان بن سبع بكمالها في كتاب ( شفاء الصدور ) له .
ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة في حين الإسراء حين عرج به إلى السماء .
[ ص: 189 ] واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة ، وهل كان إسراء بروحه أو جسده ; فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية ، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها ، وهي أهم من سرد تلك الأحاديث ، وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله - تعالى - .فأما المسألة الأولى : وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده ; اختلف في ذلك السلف والخلف ، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ، ولم يفارق شخصه مضجعه ، وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق ، ورؤيا الأنبياء حق .
ذهب إلى هذا معاوية وعائشة ، وحكي عن الحسن وابن إسحاق .
وقالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس ، وإلى السماء بالروح ; واحتجوا بقوله - تعالى - : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء .
قالوا : ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره ، فإنه كان يكون أبلغ في المدح .
وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة ، وأنه ركب البراق بمكة ، ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسري بجسده .وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها والآية .
وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة ، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ، ولو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل بعبده .
وقوله ما زاغ البصر وما طغى يدل على ذلك .
ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ، ولما قالت له أم هانئ : لا تحدث الناس فيكذبوك ، ولا فضل أبو بكر بالتصديق ، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب ، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا ، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر ، وقد قال له المشركون : إن كنت صادقا فخبرنا عن عيرنا أين لقيتها ؟
قال : بمكان كذا وكذا مررت عليها ففزع فلان فقيل له : ما رأيت يا فلان ، قال : ما رأيت شيئا !
غير أن الإبل قد نفرت .
قالوا : فأخبرنا متى تأتينا العير ؟
قال : تأتيكم يوم كذا وكذا .
قالوا : أية ساعة ؟
قال : ( ما أدري ، طلوع الشمس من هاهنا أسرع أم طلوع العير من هاهنا ) .
فقال رجل : ذلك اليوم ؟
هذه الشمس قد طلعت .
وقال رجل : هذه عيركم قد طلعت ، واستخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك .
روى الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد رأيتني في [ ص: 190 ] الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط - قال - فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به الحديث .
وقد اعترض قول عائشة ومعاوية ( إنما أسري بنفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( بأنها كانت صغيرة لم تشاهد ، ولا حدثت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مشاهد للحال ، ولم يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على ( كتاب الشفاء ) للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء .
وقد احتج لعائشة بقوله - تعالى - : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس فسماها رؤيا .
وهذا يرده قوله - تعالى - : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ولا يقال في النوم أسرى .
وأيضا فقد يقال لرؤية العين : رؤيا ، على ما يأتي بيانه في هذه السورة .
وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أن الإسراء كان بالبدن ، وإذا ورد الخبر بشيء هو مجوز في العقل في قدرة الله - تعالى - فلا طريق إلى الإنكار ، لا سيما في زمن خرق العوائد ، وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - معارج ; فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا ، وعليه يحمل قوله - عليه السلام - في الصحيح : بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان .
.
.
الحديث .
ويحتمل أن يرد من الإسراء إلى نوم .
والله أعلم .المسألة الثانية : في تاريخ الإسراء ، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا ، واختلف في ذلك على ابن شهاب ; فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسري به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة .
وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة .
قال ابن شهاب : وذلك بعد مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبعة أعوام .
وروي عن الوقاصي قال : أسري به بعد مبعثه بخمس سنين .
قال ابن شهاب : وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر ، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة ، وحرمت الخمر بعد أحد .
وقال ابن إسحاق : أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس ، وقد فشا الإسلام بمكة في القبائل .
وروى عنه يونس بن بكير قال : صلت خديجة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وسيأتي .
قال أبو عمر : وهذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام ; لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بثلاث وقيل بأربع .
وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب ، على أن ابن شهاب قد اختلف [ ص: 191 ] عنه كما تقدم .
وقال الحربي : أسري به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة .
وقال أبو بكر محمد بن علي بن القاسم الذهبي في تاريخه : أسري به من مكة إلى بيت المقدس ، وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا .
قال أبو عمر : لا أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبي ، ولم يسند قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم ، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم .المسألة الثالثة : وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت ، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج به إلى السماء ، وذلك منصوص في الصحيح وغيره .
وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت ; فروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها فرضت ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا ، وأقرت صلاة السفر على ركعتين .
وبذلك قال الشعبي وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق .
قال الشعبي : إلا المغرب .
قال يونس بن بكير : وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل - عليه السلام - أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين فرضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر - عليهما السلام - فوضأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه ، ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات ، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله - تعالى - ، فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة ، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء .
وروي عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين .
وكذلك قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو قول ابن جريج ، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يوافق ذلك .
ولم يختلفوا في أن جبريل - عليه السلام - هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال ، فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ومواقيتها .
وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران يقول : كان أول الصلاة مثنى ، ثم صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعا فصارت سنة ، وأقرت الصلاة للمسافر وهي تمام .
قال أبو عمر : وهذا إسناد لا يحتج بمثله ، وقوله ( فصارت سنة ) قول منكر ، وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له .
وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر [ ص: 192 ] أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا ، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها .الخامسة : قد مضى الكلام في الآذان في " المائدة " والحمد لله .
ومضى في [ آل عمران ] أن أول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام ، ثم المسجد الأقصى .
وأن بينهما أربعين عاما من حديث أبي ذر ، وبناء سليمان - عليه السلام - المسجد الأقصى ودعاؤه له من حديث عبد الله بن عمرو ووجه الجمع في ذلك ; فتأمله هناك فلا معنى للإعادة .
ونذكر هنا قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس .
خرجه مالك من حديث أبي هريرة .
وفيه ما يدل على فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد ; لهذا قال العلماء : من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا برحلة وراحلة فلا يفعل ، ويصلي في مسجده ، إلا في الثلاثة المساجد المذكورة فإنه من نذر صلاة فيها خرج إليها .
وقد قال مالك وجماعة من أهل العلم فيمن نذر رباطا في ثغر يسده : فإنه يلزمه الوفاء حيث كان الرباط لأنه طاعة الله - عز وجل - .
وقد زاد أبو البختري في هذا الحديث مسجد الجند ، ولا يصح وهو موضوع ، وقد تقدم في مقدمة الكتاب .السادسة : قوله تعالى : إلى المسجد الأقصى سمي الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام ، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم بالزيارة ،الذي باركنا حوله قيل : بالثمار وبمجاري الأنهار .
وقيل : بمن دفن حوله من الأنبياء والصالحين ; وبهذا جعله مقدسا .
وروى معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : يقول الله - تعالى - يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي .لنريه من آياتنا هذا من باب تلوين الخطاب والآيات التي أراه الله من العجائب التي أخبر بها الناس ، وإسراؤه من مكة إلى المسجد الأقصى في ليلة وهو مسيرة شهر ، وعروجه إلى السماء ووصفه الأنبياء واحدا واحدا ، حسبما ثبت في صحيح مسلم وغيره .إنه هو السميع البصير تقدم .
ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن الجسيمة التي من جملتها أن { أَسْرَى بِعَبْدِهِ } ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم { مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } الذي هو أجل المساجد على الإطلاق { إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } الذي هو من المساجد الفاضلة وهو محل الأنبياء.
فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة جدا ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته ما ازداد به هدى وبصيرة وثباتا وفرقانا، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه حيث يسره لليسرى في جميع أموره وخوله نعما فاق بها الأولين والآخرين، وظاهر الآية أن الإسراء كان في أول الليل وأنه من نفس المسجد الحرام، لكن ثبت في الصحيح أنه أسري به من بيت أم هانئ، فعلى هذا تكون الفضيلة في المسجد الحرام لسائر الحرم، فكله تضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد، وأن الإسراء بروحه وجسده معا وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى ومنقبة عظيمة.
وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء، وذكر تفاصيل ما رأى وأنه أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به من هناك إلى السماوات حتى وصل إلى ما فوق السماوات العلى ورأى الجنة والنار، والأنبياء على مراتبهم وفرض عليه الصلوات خمسين، ثم ما زال يراجع ربه بإشارة موسى الكليم حتى صارت خمسا بالفعل، وخمسين بالأجر والثواب، وحاز من المفاخر تلك الليلة هو وأمته ما لا يعلم مقداره إلا الله عز وجل.
وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن ومقام التحدي بصفة العبودية لأنه نال هذه المقامات الكبار بتكميله لعبودية ربه.
وقوله: { الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } أي: بكثرة الأشجار والأنهار والخصب الدائم.
ومن بركته تفضيله على غيره من المساجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه وأن الله اختصه محلا لكثير من أنبيائه وأصفيائه.
مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية .
( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ( سبحان الله : تنزيه الله تعالى من كل سوء ، ووصفه بالبراءة من كل نقص على طريق المبالغة ، ويكون " سبحان " بمعنى التعجب ، " أسرى بعبده " أي : سيره ، وكذلك سرى به ، والعبد هو : محمد صلى الله عليه وسلم .
( من المسجد الحرام ( قيل : كان الإسراء من مسجد مكة ، روى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق " فذكر حديث المعراج .
وقال قوم : عرج به من دار أم هانئ بنت أبي طالب ومعنى قوله : ( من المسجد الحرام ( أي : من الحرم .
قال مقاتل : كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ، ويقال : كان في رجب .
وقيل : كان في شهر رمضان .
( إلى المسجد الأقصى ( يعني : بيت المقدس ، وسمي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار .
وقيل : لبعده من المسجد الحرام .
( الذي باركنا حوله ( بالأنهار والأشجار والثمار ، وقال مجاهد : سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي ، ومنه يحشر الناس يوم القيامة .
( لنريه من آياتنا ( من عجائب قدرتنا ، وقد رأى هناك الأنبياء والآيات الكبرى .
( إنه هو السميع البصير ( ذكر " السميع " لينبه على أنه المجيب لدعائه ، وذكر " البصير " لينبه على أنه الحافظ له في ظلمة الليل .
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول : ما فقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله أسرى بروحه .
والأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة ، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك .
أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، حدثنا هدبة بن خالد ، حدثنا همام بن يحيى ، حدثنا قتادة ( ح ) قال البخاري : وقال لي خليفة العصفري ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد وهشام .
قالا حدثنا قتادة ( ح ) عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، حدثهم عن ليلة أسري به ، ( ح ) قال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن يونس عن ابن شهاب عن أنس قال : كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ح ) ، وأخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد [ الفارسي أنبأنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ] بن سفيان ، حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج ، حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - دخل حديث بعضهم في بعض - قال أبو ذر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فرج عني سقف بيتي ، وأنا بمكة ، فنزل جبريل ففرج صدري ، ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، فأفرغه في صدري ، ثم أطبقه " .
وقال مالك بن صعصعة : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال : " بينما أنا في الحطيم ، وربما قال في الحجر بين النائم واليقظان " ، وذكر بين رجلين " فأوتيت بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن واستخرج قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد " .
وقال سعيد وهشام : ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيمانا وحكمة ، ثم أوتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه ، فركبته فانطلقت مع جبريل حتى أتيت بيت المقدس ، قال : فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء ، قال : ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت ، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل : اخترت الفطرة ، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح ، قيل : من هذا؟
قال : جبريل .
قيل : ومن معك؟
قال : محمد .
قيل : وقد أرسل إليه؟
قال : نعم .
قيل : مرحبا به ، فنعم المجيء جاء ، ففتح ، فلما خلصت ، فإذا فيها آدم ، فقال لي : هذا أبوك آدم ، فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح .
وفي حديث أبي ذر : علونا السماء الدنيا ، فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة ، إذا نظر قبل يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى ، فقال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح .
قلت لجبريل : من هذا؟
قال : هذا آدم ، وهذه الأسودة التي عن يمينه وشماله نسم بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنة ، والأسودة التي عن شماله أهل النار ، فإذا نظر عن يمينه ضحك ، وإذا نظر قبل شماله بكى .
ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح ، قيل : من هذا؟
قال : جبريل ، قيل : ومن معك؟
قال : محمد ، قيل : وقد أرسل إليه؟
قال : نعم ، قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، ففتح ، فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى عليهما السلام ، وهما ابنا خالة ، قال : هذا يحيى وعيسى ، فسلم عليهما ، فسلمت فردا ، ثم قالا : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح .
ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح ، قيل : من هذا؟
قال : جبريل ، قيل : ومن معك؟
قال : محمد .
قيل : وقد أرسل إليه؟
قال : نعم .
قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، ففتح ، فلما خلصت فإذا يوسف ، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ، قال : هذا يوسف فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد علي ، ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح ، والنبي الصالح .
ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة ، فاستفتح ، قيل : من هذا؟
قال : جبريل ، قيل : ومن معك؟
قال : محمد ، قيل : وقد أرسل إليه؟
قال : نعم ، قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس ، قال هذا إدريس فسلم عليه ، فسلمت عليه ، فرد ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح .
ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح ، قيل : من هذا؟
قال : جبريل ، قيل : ومن معك؟
قال : محمد ، قيل : وقد أرسل إليه؟
قال : نعم ، قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، فلما خلصت فإذا هارون ، قال : هذا هارون فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد ثم قال : مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح .
ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح ، قيل : من هذا؟
قال : جبريل ، قيل : ومن معك؟
قال : محمد ، قيل : وقد أرسل إليه؟
قال : نعم ، قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، فلما خلصت فإذا موسى ، قال : هذا موسى فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد ثم قال : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ، فلما جاوزت بكى قيل له : ما يبكيك؟
قال : أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي .
ثم صعد بي إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبريل ، قيل : من هذا؟
قال جبريل ، قيل : ومن معك؟
قال : محمد ، قيل : وقد أرسل إليه؟
قال : نعم ، قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، فلما خلصت فإذا إبراهيم ، قال : هذا أبوك إبراهيم ، فسلم عليه ، فسلمت عليه فرد السلام ، ثم قال : مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ، فرفع لي البيت المعمور ، فسألت جبريل فقال : هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك ، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم .
وقال ثابت عن أنس : فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة ، قال : فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها ، في أصلها أربعة أنهار : نهران باطنان ، ونهران ظاهران ، فقلت : ما هذان يا جبريل؟
فقال : أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات .
وأوحى إلي ما أوحى ، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة ، فنزلت إلى موسى ، فقال : ما فرض ربك على أمتك؟
قلت : خمسين صلاة ، قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم ، قال : فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمسا ، قال : إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف .
قال : فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال : يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة .
قال : فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك .
فقلت : سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم ، قال : فلما جاوزت نادى مناد : أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي .
ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك .
قال ابن شهاب : فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري ، كانا يقولان : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى فيه صريف الأقلام .
قال ابن حزم وأنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة .
وروى معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم : أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا ، فاستصعب عليه ، فقال جبريل : أبمحمد تفعل هذا؟
فما ركبك أحد أكرم على الله منه ، فارفض عرقا .
وقال ابن بريدة عن أبيه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه فخرق بها الحجر وشد بها البراق .
أنبأنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثني محمود ، أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليلة أسري بي لقيت موسى ، قال : فنعته فإذا هو رجل - حسبته قال مضطرب - رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة " .
قال : لقيت عيسى فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني الحمام ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به ، قال : وأوتيت بإناءين : أحدهما لبن والآخر فيه خمر ، فقيل لي : خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته ، فقيل لي : هديت الفطرة [ أو أصبت الفطرة ] أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك " .
أنبأنا عبد الواحد المليحي حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس " ، قال : هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس .
قال : والشجرة الملعونة في القرآن قال : هي شجرة الزقوم .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني سليمان عن شريك بن عبد الله قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم : أيهم هو؟
فقال أوسطهم : هو خيرهم ، فقال آخرهم : خذوا خيرهم ، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه ، وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه ووضعوه عند بئر زمزم ، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ، فغسله من ماء زمزم بيده .
وساق حديث المعراج بقصته .
فقال : فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان ، قال : هذا النيل والفرات عنصرهما واحد ، ثم مضى به في السماء الثانية فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك أذفر ، قال : ما هذا يا جبريل؟
قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك .
وساق الحديث ، وقال : ثم عرج بي إلى السماء السابعة ، وقال : قال موسى : رب لم أظن أن ترفع علي أحدا ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى إليه خمسين صلاة كل يوم وليلة وقال فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال : يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه فأمتك أضعف قلوبا وأجسادا وأبدانا وأبصارا وأسماعا ، فارجع فليخفف عنك ربك ، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ، ولا يكره ذلك جبريل ، فرفعه عند الخامسة فقال : يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا فقال الجبار : يا محمد ، قال : لبيك وسعديك ، قال : إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فقال موسى : ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه " ، قال : فاهبط بسم الله ، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام .
وروى مسلم هذا الحديث مختصرا عن هارون بن سعيد الإيلي عن ابن وهب عن سليمان بن بلال .
قال شيخنا الإمام رضي الله عنه : قد قال بعض أهل الحديث ما وجدنا لمحمد بن إسماعيل ولمسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا هذا ، وأحال الأمر فيه إلى شريك بن عبد الله ، وذلك أنه ذكر فيه أن ذلك قبل أن يوحى إليه ، واتفق أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة سنة قبل الهجرة بسنة .
وفيه أيضا : " أن الجبار دنا فتدلى " .
وذكرت عائشة أن الذي دنا فتدلى جبريل عليه السلام .
قال شيخنا الإمام رضي الله عنه : وهذا الاعتراض عندي لا يصح ، لأن هذا كان رؤيا في النوم ، أراه الله عز وجل قبل الوحي بدليل آخر الحديث : قال فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه من قبل كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة ، ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل قوله عز وجل " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق " ( الفتح - 27 ) .
وروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وكان بذي طوى قال : يا جبريل إن قومي لا يصدقوني ، قال : يصدقك أبو بكر وهو الصديق .
قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما كانت ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فضقت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فروي أنه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلا حزينا فمر به أبو جهل فجلس إليه فقال له كالمستهزئ : هل استفدت من شيء؟
قال : نعم إني أسري بي الليلة قال : إلى أين؟
قال : إلى بيت المقدس ، قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا قال : نعم ، فلم ير أبو جهل أنه ينكر مخافة أن يجحده الحديث قال : أتحدث قومك ما حدثتني؟
قال : نعم ، قال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا ، قال : فانفضت إليه المجالس فجاءوا حتى جلسوا إليهما ، قال : فحدث قومك ما حدثتني قال : نعم إني أسري بي الليلة ، قالوا : إلى أين؟
قال : إلى بيت المقدس ، قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا؟
قال : نعم قال : فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا ، وارتد ناس ممن كان آمن به وصدقه وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال : هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال : أوقد قال ذلك؟
قال : نعم ، قال : لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا : وتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء قبل أن يصبح؟
قال : نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق .
قال : وفي القوم من قد أتى المسجد الأقصى ، فقالوا : هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟
قال : نعم قال : فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي [ بعض النعت ] قال : فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعت المسجد وأنا أنظر إليه فقال القوم : أما النعت فوالله لقد أصاب ثم قالوا : يا محمد أخبرنا عن عيرنا هي أهم إلينا فهل لقيت منها شيئا؟
قال : نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته فشربته ثم وضعته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه؟
قالوا : هذه آية قال : ومررت بعير بني فلان ، وفلان وفلان راكبان قعودا لهما بذي طوى فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان فانكسرت يده فسلوهما عن ذلك قالوا : وهذه آية قالوا : فأخبرنا عن عيرنا نحن؟
قال : مررت بها بالتنعيم قالوا : فما عدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها؟
قال : نعم هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا : وهذه آية ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم يقولون والله لقد قص محمد شيئا وبينه حتى أتوا كدى فجلسوا عليه فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم : والله هذه الشمس قد طلعت وقال آخر : وهذه والله الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال لهم فلم يؤمنوا " وقالوا إن هذا إلا سحر مبين " .
أنبأنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب حدثنا حجر بن المثنى أنبأنا عبد العزيز - وهو ابن أبي سلمة - عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط قال : فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به ولقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فجاءت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل : يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام " .
(سبحان) أي تنزيه (الذي أسرى بعبده) محمد صلى الله عليه وسلم (ليلاً) نصب على الظرف والإسراء سير الليل وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدته (من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) بيت المقدس لبعده منه (الذي باركنا حوله) بالثمار والأنهار (لنريه من آياتنا) عجائب قدرتنا (إنه هو السميع البصير) أي العالم بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله فأنعم عليه بالإسراء المشتمل على اجتماعه بالأنبياء وعروجه إلى السماء، ورؤية عجائب الملكوت، ومناجاته له تعالى، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "" أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، قال جبريل: أصبت الفطرة، قال: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل قيل: من أنت قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد قيل: أو قد أرسل إليه؟
قال: قد أرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بالخير، ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل: من أنت فقال: جبريل قيل: ومن معك قال: محمد قيل أو قد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بالخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل فقيل: ومن معك قال: محمد فقيل: أو قد أرسل إليه قال: قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت قال جبريل فقيل: ومن معك قال: محمد فقيل: أو قد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت قال: جبريل فقيل: ومن معك قال: محمد فقيل: أو قد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت فقال: جبريل فقيل: ومن معك قال: محمد فقيل: أو قد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت فقال: جبريل قيل ومن معك فقال: محمد قيل: أو قد بعث إليه قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم فإذا هو مستند إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه; ثم ذهب إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها قال: فأوحى الله إلي ما أوحى وفرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال: فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى قال: ما فعلت فقلت قد حط عني خمسا قال: إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسا خمسا حتى قال: يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت له سيئة واحدة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فقلت:"قد رجعت إلى ربي حتى استحييت" رواه الشيخان واللفظ لمسلم وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"رأيت ربي عز وجل".
يمجِّد الله نفسه ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، لا إله غيره، ولا رب سواه، فهو الذي أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم زمنًا من الليل بجسده وروحه، يقظة لا منامًا، من المسجد الحرام بـ "مكة" إلى المسجد الأقصى بـ "بيت المقدس" الذي بارك الله حوله في الزروع والثمار وغير ذلك، وجعله محلا لكثير من الأنبياء؛ ليشاهد عجائب قدرة الله وأدلة وحدانيته.
إن الله سبحانه وتعالى هو السميع لجميع الأصوات، البصير بكل مُبْصَر، فيعطي كُلا ما يستحقه في الدنيا والآخرة.
افتتحت سورة الإسراء بتنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يليق بجلاله ، كما يدل على ذلك لفظ " سبحان " الذى من أحسن وجوه إعرابه ، أنه اسم مصدر منصوب - على أنه مفعول مطلق - بفعل محذوف ، والتقدير : سبحت الله - تعالى - سبحانا أى تسبيحا ، بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء .قال القرطبى : " وقد روى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة - أى المبشرين بالجنة - أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم : ما معنى سبحان الله؟
فقال : " تنزيه الله من كل سوء " " .وقوله ( أسرى ) من الإِسراء ، وهو السير بالليل خاصة .قال الجمل : يقال أسرى وسرى ، بمعنى سار فى الليل ، وهما لازمان ، لكن مصدر الأول الإِسراء ومصدر الثانى السرى - بضم السين كالهدى - فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول ، وإنما جاءت التعدية هنا من الباء .
ومعنى أسرى به ، صيره ساريا فى الليل .والمراد ( بعبده ) خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم ، والإِضافة للتشريف والتكريم .وأوثر التعبير بلفظ العبد ، للدلالة على أن مقام العبودية لله - تعالى - هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها ، إذ لو كان هناك وصف أعظم منه فى هذا المقام لعبر به ، وللإِشارة - أيضا - إلى تقرير هذه العبودية لله - تعالى - وتأكيدها ، حتى لا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية ، كما التبسا فى العقائد المسيحية ، حيث ألهوا عيسى - عليه السلام - ، وألهوا أمه مريم ، مع أنهما بريئان من ذلك .
.
.قال الشيخ القاسمى نقلا عن الإِمام ابن القيم فى كتاب " طريق الهجرتين " : أكمل الخلق أكملهم عبودية لله - تعالى - ، ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم أقرب الخلق إلى الله - تعالى - وأعظمهم عنده جاها ، وأرفعهم عنده منزلة ، لكماله فى مقام العبودية .
وكان صلى الله عليه وسلم يقول : " أيها الناس ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتى .
إنما أنا عبد " وكان يقول : " لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله " .وذكره - سبحانه - بسمة العبودية فى أشرف مقاماته : فى مقام الإِسراء حيث قال : ( سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ) .وفى مقام الدعوة حيث قال : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ ) وفى مقام التحدى حيث قال : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا ) وقوله : ( ليلا ) ظرف زمان لأسرى .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : الإِسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل؟
.قلت : أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير ، تقليل مدة الإِسراء ، وأنه أسرى به بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية ..
.
" .وقوله : ( مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) بيان لابتداء الإِسراء وانتهائه .أى : جل شأن الله - عز وجل - وتنزه عن كل نقص ، حيث أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم فى جزء من الليل ، من المسجد الحرام الذى بمكة إلى المسجد الأقصى الذى بفلسطين .ووصف مسجد مكة بالحرام ، لأنه لا يحل انتهاكه بقتال فيه ، ولا بصيد صيده ، ولا بقطع شجره .ووصف مسجد فلسطين بالأقصى ، لبعده عن المسجد الحرام ، إذ المسافة بينهما كان يقطعها الراكب للإِبل فى مدة شهر أو أكثر .قال الآلوسى : ووصفه بالأقصى - أى الأبعد - بالنسبة إلى من بالحجاز .
وقال غير واحد : إنه سمى به لأنه أبعد المساجد التى تزار من المسجد الحرام وبينهما زهاء أربعين ليلة .
وقيل - وصف بذلك - : لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها .
.
.وظاهر الآية يفيد أن الإِسراء كان من المسجد الحرام ، فقد أخرج الشيخان والترمذى والنسائى من حديث أنس بن مالك - رضى الله عنه - " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بينا أنا فى الحجر - وفى رواية - فى الحطيم ، بين النائم واليقظان ، إذ أتانى آت فشق ما بين هذه إلى هذه ، فاستخرج قلبى فغسله ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق فحملت عليه " " .وقيل أُسرِى به من بيت أم هانئ بنت أبى طالب ، فيكون المراد بالمسجد الحرام : الحرم لإِحاطته بالمسجد والتباسه به .
فعن ابن عباس - رضى الله عنهما - : الحرم كله مسجد .ويمكن الجمع بين هذه الروايات ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بقى فى بيت أم هانئ لفترة من الليل ، ثم ترك فراشه عندها وذهب إلى المسجد ، فلما كان فى الحِجْر أو فى الحطيم بين النائم واليقظان ، أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السموات العلا .
ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد - كما جاء فى بعض الروايات .وبذلك يترجح لدينا أن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم فى تلك الليلة فى بيت أم هانئ ، لا ينفى أن الإِسراء بدأ من المسجد الحرام ، كما تقرر الآية الكريمة .وقوله ( الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) صفة مدح للمسجد الأقصى .أى : جل شأن الله الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، الذى أحطنا جوانبه بالبركات الدينية والدنيوية .أما البركات الدينية فمن مظاهرها : أن هذه الأرض التى حوله ، جعلها الله - تَعالى - مقرا لكثير من الأنبياء ، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وداود وسليمان ، وزكريا ويحيى وعيسى .قال - تعالى - : ( وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا .
.
) وقال - سبحانه - فى شأن إبراهيم : ( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) والمقصود بهذه الأرض : أرض الشام ، التى منها فلسطين .وأما البركات الدنيوية فمن مظاهرها : كثرة الأنهار والأشجار والثمار والزروع فى تلك الأماكن .قال بعض العلماء : وقد قيل فى خصائص المسجد الأقصى : أنه متعبد الأنبياء السابقين ، ومسرى خاتم النبيين ، ومعراجه إلى السموات العلا .
.
وأولى القبلتين وثاني المسجدين ، وثالث الحرمين ، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه .وقوله - سبحانه - : ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ ) إشارة الى الحكمة التى من أجلها أسرى الله - تعالى - بنبيه صلى الله عليه وسلم فقوله ( لنريه ) متعلق بأسرى .و " من " للتبعيض لأن ما رآه النبى صلى الله عليه وسلم وإن كان عظيما إلا أنه مع عظمته بعض آيات الله بالنسبة لما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب .أى : أسرينا بعبدنا محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله ، ثم عرجنا به إلى السموات العلا ، لنطلعه على آياتنا ، وعلى عجائب قدرتنا ، والتى من بينها : مشاهدته لأنبيائنا الكرام ، ورؤيته لما نريد أن يراه من عجائب وغرائب هذا الكون .ولقد وردت أحاديث متعددة فى بيان ما أراه الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى تلك الليلة المباركة ، ومن ذلك ما رواه البخارى عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " .
.
.
ووجدت فى السماء الدنيا آدم فقال لى جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه ورد على آدم السلام فقال : مرحبا وأهلا بابنى ، فنعم الابن أنت .
.
" .وفى رواية للإِمام أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما عرج بى ربى - عز وجل - مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟
قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون فى أعراضهم .
.
" .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على سعة علمه ، ومزيد فضله فقال - تعالى - : ( إِنَّهُ هُوَ السميع البصير ) .أى : إنه - سبحانه - هو السميع لأقوال عباده : مؤمنهم وكافرهم ، مصدقهم ومكذبهم .
بصير بما يسرونه ويعلنونه ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب ، بدون ظلم أو محاباة .هذا وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل منها :1- أن هذه الآية دلت على ثبوت الإِسراء للنبى صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وأما العروج به صلى الله عليه وسلم إلى السموات العلا فقد استدل عليه بعضهم بآيات سورة النجم ، وهى قوله - تعالى - :( والنجم إِذَا هوى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى ذُو مِرَّةٍ فاستوى وَهُوَ بالأفق الأعلى ثُمَّ دَنَا فتدلى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى فأوحى إلى عَبْدِهِ مَآ أوحى مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى ) وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة بأسانيدها ومتونها ، وقال فى أعقاب ذكر بعضها :قال البيهقى : وفى هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسرى به - عليه الصلاة والسلام - من مكة إلى بيت المقدس ، وهذا الذى قاله هو الحق الذى لاشك فيه ولا مرية .وقال القرطبى : ثبت الإِسراء فى جميع مصنفات الحديث ، وروى عن الصحابة فى كل أقطار الإِسلام ، فهو من المتواتر بهذا الوجه ، وذكر النقاش ممن رواه عشرين صحابيا .2- قال بعض العلماء ما ملخصه : ذهب الاكثرون إلى أن الإِسراء كان بعد المبعث ، وأنه قبل الهجرة بسنة .
قاله الزهرى وابن سعد وغيرهما .
وبه جزم النووى ، وبالغ ابن حزم فنقل الإِجماع فيه .
وقال : كان فى رجب سنة اثنتى عشرة من النبوة .وإختار الحافظ المقدسى أنه كان فى ليلة السابع والعشرين من شهر رجب .والذى تطمئن إليه النفس أن حادث الإِسراء والمعراج ، كان بعد وفاة أبى طالب والسيدة خديجة - رضى الله عنها - .ووفاتهما كانت قبل الهجرة بسنتين أو ثلاثة .
وفى هذه الفترات التى أعقبت وفاتهما اشتد أذى المشركين بالنبى صلى الله عليه وسلم فكان هذا الحادث لتسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم ، ولتشريفه وتكريمه .
.3- من المسائل التى ثار الجدل حولها ، مسألة : أكان الإِسراء والمعراج فى اليقظة أم فى المنام؟
وبالروح والجسد أم بالروح فقط؟
.وقد لخص بعض المفسرين أقوال اللعماء فى هذه المسألة فقال : اعلم أن هذا الإِسراء به صلى الله عليه وسلم المذكور فى هذه الآية الكريمة زعم بعض أهل العلم أنه بروحه دون جسده ، زاعما أنه فى المنام لا فى اليقظة ، لأن رؤيا الأنبياء وحى .وزعم بعضهم أن الإِسراء بالجسد ، والمعراج بالروح دون الجسد .ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما ، لأنه قال : ( بعبده ) والعبد مجموع الروح والجسد .ولأنه قال : ( سبحان ) والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام ، فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه .ولأنه لو كان رؤيا منام لما كان فتنة ، ولا سببا لتكذيب قريش له صلى الله عليه وسلم لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح .ولأنه - سبحانه - قال ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ ) والظاهر أن ما أراه الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم إنما كان رؤيا عن طريق العين ويؤيده قوله - تعالى - : ( مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكبرى ) ولأنه ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استعمل فى رحلته البراق ، واستعماله البراق يدل على أن هذا الحادث كان بالروح والجسد وفى اليقظة لا فى المنام .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال النحويون: ﴿ سُبْحَانَ ﴾ اسم علم للتسبيح يقال: سبحت الله تسبيحاً وسبحاناً، فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم علم للتسبيح كقولك: كفرت اليمين تكفيراً وكفراناً وتفسيره تنزيه الله تعالى من كل سوء.
قال صاحب النظم: السبح في اللغة التباعد، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً ﴾ أي تباعداً فمعنى: سبح الله تعالى، أي بعده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلية في لفظ التسبيح قد ذكرناها في أول سورة الحديد، وقد جاء في لفظ التسبيح معان آخرى: أحدها: أن التسبيح يذكر بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين ﴾ أي من المصلين، والسبحة الصلاة النافلة، وإنما قيل للمصلي مسبح، لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما لا ينبغي.
وثانيها: ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ ﴾ أي تستثنون وتأويله أيضاً يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته.
وثالثها: جاء في الحديث: «لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء» قيل معناه نور وجهه، وقيل: سبحات وجهه، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال: سبحان الله، وقوله: ﴿ أسرى ﴾ قال أهل اللغة: أسرى وسرى لغتان: وقوله: ﴿ بِعَبْدِهِ ﴾ أجمع المفسرون على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام، وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه الله قال: سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري قال: لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في العارج أوحى الله تعالى إليه: يا محمد بم أشرفك؟
قال: ﴿ رب بأن تنسبني إلى نفسك بالعبودية ﴾ فأنزل الله فيه: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ﴾ وقوله: ﴿ لَيْلاً ﴾ نصب على الظرف.
فإن قيل: الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل؟
قلنا: أراد بقوله: ﴿ لَيْلاً ﴾ بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل: كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة، ونقل صاحب الكشاف عن أنس والحسن أنه كان ذلك قبل البعثة.
وقوله: ﴿ مّنَ المسجد الحرام ﴾ اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه، فقيل هو المسجد الحرام بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق» وقيل أسري به من دار أم هانيء بنت أبي طالب.
والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به، وعن ابن عباس الحرم كله مسجد، وهذا قول الأكثرين وقوله: ﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ اتفقوا على أن المراد منه بيت المقدس وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله: ﴿ الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ قيل بالثمار والأزهار، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة.
واعلم أن كلمة ﴿ إلى ﴾ لانتهاء الغاية فمدلول قوله: ﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ أنه وصل إلى حد ذلك المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في اللفظ دلالة عليه، وقوله: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا ﴾ يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى.
فإن قالوا: قوله: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا ﴾ يدل على أنه تعالى ما أراه إلا بعض الآيات، لأن كلمة ﴿ مِنْ ﴾ تفيد التبعيض، وقال في حق إبراهيم: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض ﴾ فيلزم أن يكون معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد صلى الله عليه وسلم.
قلنا: الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض، والذي رآه محمد صلى الله عليه وسلم بعض آيات الله تعالى، ولا شك أن آيات الله أفضل.
ثم قال: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم ﴾ أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع لأقوال محمد، البصير بأفعاله، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء، مقرونة بالصدق والصفاء، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات، وقيل: المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر، بصير بما يعملون في هذه الواقعة.
المسألة الثانية: اختلف في كيفية ذلك الإسراء فالأكثرون من طوائف المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون قالوا: إنه ما أسري إلا بروحه حكي عن محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال ذلك رؤيا.
وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أسري بروحه، وحكي هذا القول أيضاً عن عائشة رضي الله عنها، وعن معاوية رضي الله عنه.
واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في مقامين: أحدهما: في إثبات الجواز العقلي.
الثاني: في الوقوع.
أما المقام الأول: وهو إثبات الجواز العقلي، فنقول: الحركة الواقعة في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها والله تعالى قادر على جميع الممكنات، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع، فنفتقر هاهنا إلى بيان مقدمتين: المقدمة الأولى: في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة وسبع وبتقدير أن يقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع من مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر فلما حصل في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر أولى بالإمكان، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه، وإذا كان كذلك كان حصوله في كل الليل أولى بالإمكان، والله أعلم.
الوجه الثاني: وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مائة وستين وكذا مرة ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه.
الوجه الثالث: أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد صلى الله عليه وسلم في الليلة الواحدة ممتنعاً في العقول، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة والسلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعاً، ولو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعناً في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه الصلاة والسلام في اللحظة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلاً كان ما ذكروه أيضاً باطلاً.
فإن قالوا: نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان إلى مكان، وإنما نقول المراد من نزول جبريل عليه السلام هو زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد صلى الله عليه وسلم حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضراً متجلياً في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام.
قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة، وإذاكان كذلك كان الإلزام المذكور قوياً، روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له: إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر: إن كان قد قال ذلك فهو صادق، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الرسول له تلك التفاصيل، فكلما ذكر شيئاً قال أبو بكر صدقت فلما تمم الكلام قال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله حقاً، فقال له الرسول: وأنا أشهد أنك الصديق حقاً، وحاصل الكلام أن أبا بكر رضي الله عنه كأنه قال لما سلمت رسالته فقد صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا؟
الوجه الرابع: أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ويسلمون أنه هو الذي يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، ويسلمون أنه يمكنه الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم، فلما سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جواز مثلها في حق أكابر الأنبياء كان أولى، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ينتقل من مكان إلى مكان، أما الذين يقولون إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة وأنه ليس بجسم ولا جسماني، فهذا الإلزام غير وارد عليهم، إلا أن أكثر أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل.
فإن قالوا: هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة السريعة لأنهم أجسام لطيفة، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ذواتها، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة فيه؟
قلنا: نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر، وأما بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضاً ممكنة الحصول في جسم البدن الإنساني، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
الوجه الخامس: أنه جاء في القرآن أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفة مسير سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾ بل نقول: الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان في غاية البعد في اللحظة الواحدة، وذلك أيضاً يدل على أن مثل هذه الحركة السريعة في نفسها ممكنة.
الوجه السادس: أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى: ﴿ قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ وإذاكان ممكناً في حق بعض الناس، علمنا أنه في نفسه ممكن الوجود.
الوجه السابع: إن من الناس من يقول: الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى رجل رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك اللحظة اللطيفة، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السريعة من الممكنات لا من الممتنعات، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه.
المقدمة الثانية: في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها وجب أن لا يكون حصولها في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممتنعاً، والذي يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها، فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلى الله عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه.
وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات، وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممكن، فوجب كونه تعالى قادراً عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه، أقصى ما في الباب أنه يبقى التعجب، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فانقلاب العصا ثعباناً تبلغ سبعين ألف حبل من الحبال والعصي، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب، وخروج الناقة العظيمة من الجبل الأصم، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب، وكذا القول في جميع المعجزات فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع، لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل النبوة وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال فكذا هاهنا، فهذا تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع، والله أعلم.
المقام الثاني: في البحث عن وقوع المعراج قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح محمد صلى الله عليه وسلم وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر، أما القرآن فهو هذه الآية، وتقرير الدليل أن العبد اسم لمجموع الجسد والروح، فوجب أن يكون الإسراء حاصلاً لمجموع الجسد والروح.
واعلم أن هذا الاستدلال موقوف على أن الإنسان هو الروح وحده أو الجسد وحده أو مجموع الجسد والروح، أما القائلون بأن الإنسان هو الروح وحده، فقد احتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن الإنسان شيء واحد باق من أول عمره إلى آخر، والأجزاء البدنية في التبدل والتغير والانتقال والباقي غير متبدل، فالإنسان مغاير لهذا البدن.
وثانيها: إن الإنسان قد يكون عارفاً بذاته المخصوصة حال ما يكون غافلاً عن جميع أجزائه البدنية، والمعلوم مغاير للمغفول عنه، فالإنسان مغاير لهذا البدن.
وثالثها: أن الإنسان يقول بمقتضى فطرته السليمة يدي ورجلي ودماغي وقلبي، وكذا القول في سائر الأعضاء فيضيف كلها إلى ذاته المخصوصة والمضاف غير المضاف إليه فذاته المخصوصة وجب أن تكون مغايرة لكل هذه الأعضاء.
فإن قالوا: أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم أن تكون نفسه مغايرة لذاته، وهذا محال.
قلنا: نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه، بل إنما نتمسك بمحض العقل، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد وذلك الشيء الواحد يأخذ بآلة اليد ويبصر بآلة العين، ويسمع بآلة الأذن فالإنسان شيء واحد، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال، وذلك يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذه الأعضاء والآلات، فثبت بهذه الوجوه أن الإنسان شيء مغاير لهذه البنية ولهذا الجسد.
إذا ثبت هذا فنقول: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ﴾ المراد من العبد جوهر الروح وعلى هذا التقدير فلم يبق في الآية دلالة على حصول الإسراء بالجسد.
فإن قالوا: فالإسراء بالروح ليس بأمر مخالف للعادة، فلا يليق به أن يقال: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ﴾ .
قلنا: هذا أيضاً بعيد، لأنه لا يبعد أن يقال: إنه حصل لروحه من أنواع المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره ألبتة، فلا جرم كان هذا الكلام لائقاً به، فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات المعراج بالروح والجسد معاً.
والجواب: أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰٓ ﴾ ولا شك أن المراد من العبد هاهنا مجموع الروح والجسد.
وقال أيضاً في سورة الجن: ﴿ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴾ والمراد مجموع الروح والجسد فكذا هاهنا، وأما الخبر فهو الحديث المروي في الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى السموات، واحتج المنكرون له بوجوه: أحدها: بالوجوه العقلية وهي ثلاثة: أولها: أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة.
وثانيها: أن صعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول.
وثالثها: أن صعوده إلى السموات يوجب انحراق الأفلاك، وذلك محال.
والشبهة الثانية: أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد، فإنه يكون ذلك عبثاً، وذلك لا يليق بالحكيم.
والشبهة الثالثة: تمسكوا بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ ﴾ وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج، وإنما كان فتنة للناس؟
لأن كثيراً ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر به فكان حديث المعراج سبباً لفتنة الناس، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام.
الشبهة الرابعة: أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة، منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بما زمزم وهو بعيد، لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد، لأنه تعالى لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأي حاجة إلى البراق، ومنها ما روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ثم إن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يزل يتردد بين الله تعالى وبين موسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى عليه الصلاة والسلام.
قال القاضي: وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره، وأنه يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما يجوز قبوله فكان مردوداً.
والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها.
والجواب عن الشبهة الثانية: ما ذكره الله تعالى وهو قوله: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا ﴾ وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه: الأول: أن خيرات الجنة عظيمة، وأهوال النار شديدة، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في الدنيا، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو خاف من أهوال النار، أما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب بهما، وحينئذ يتفرغ للشفاعة.
الثاني: لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة المعراج للأنبياء والملائكة، صارت سبباً لتكامل مصلحته أو مصلحتهم.
الثالث: أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد أحوال السموات والكرسي والعرش، صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه، فتحصل له زيادة قوة في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل وقلة التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى، يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى في هذا الباب، لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين.
واعلم أن قوله: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا ﴾ كالدلالة على أن فائدة ذلك الإسراء مختصة به وعائدة إليه على سبيل التعيين.
والجواب عن الشبهة الثالثة: أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام.
والجواب عن الشبهة الرابعة: لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والله أعلم.
المسألة الرابعة: أما العروج إلى السموات وإلى ما فوق العرش، فهذه الآية لا تدل عليه، ومنهم من استدل عليه بأول سورة والنجم، ومنهم من استدل عليه بقوله تعالى: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه، وأما دلالة الحديث فكما سلف، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سُبْحَانَ ﴾ علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره: أسبح الله سبحان، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسدّه، ودل على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله.
و ﴿ أسرى ﴾ وسرى لغتان.
و ﴿ لَيْلاً ﴾ نصب على الظرف فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟
قلت: أراد بقوله ﴿ لَيْلاً ﴾ بلفظ التنكير: تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشأم مسيرة أربعين ليلة، وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية.
ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: ﴿ من الليل ﴾ ، أي بعض الليل، كقوله ﴿ وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً ﴾ [الإسراء: 79] يعني الأمر بالقيام في بعض الليل.
واختلف في المكان الذي أسرى منه فقيل: هو المسجد الحرام بعينه، وهو الظاهر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل عليه السلام بالبراق» وقيل: أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب والمراد بالمسجد الحرام: الحرم، لإحاطته بالمسجد والتباسه به.
وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وروي: (أنه كان نائماً في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته، وقص القصة على أم هانيء.
وقال: مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه فقال: مالك؟
قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم، قال: وإن كذبوني، فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراء، فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي، هلم فحدّثهم، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً.
وارتد ناس ممن كان قد آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق.
قالوا: أتصدقه على ذلك؟
قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك، فسمي الصدّيق.
وفيهم من سافر إلى ماثمّ، فاستنعتوه المسجد فجلى له بيت المقدس، فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أمّا النعت فقد أصاب، فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية، فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد).
ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلا سحر مبين، وقد عرج به إلى السماء في تلك الليلة، وكان العروج به من بيت المقدس وأخبر قريشاً أيضاً بما رأى في السماء من العجائب وأنه لقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى واختلفوا في وقت الإسراء فقيل كان قبل الهجرة بسنة.
وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعث واختلف في أنه كان في اليقظة أم في المنام فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «والله ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عرج بروحه» وعن معاوية: إنما عرج بروحه.
وعن الحسن.
كان في المنام رؤيا رآها.
وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك.
والمسجد الأقصى: بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ يريد بركات الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.
وقرأ الحسن: ﴿ ليريه ﴾ بالياء، ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم فقيل: أسرى به ثم باركنا ليريه، على قراءة الحسن، ثم من آياتنا، ثم إنه هو، وهي طريقة الالتفات التي هي من طرق البلاغة ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله، العالم بتهذبها وخلوصها، فيكرمه ويقرّبه على حسب ذلك.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ مَكِّيَّةٌ وقِيلَ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ إلى آخِرِ ثَمانِ آياتٍ وهي مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا ﴾ سُبْحانَ اسْمٌ بِمَعْنى التَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّنْزِيهُ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَمًا لَهُ فَيُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ ويُمْنَعُ عَنِ الصَّرْفِ قالَ: قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ.
.
.
سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِهِ لِلتَّنْزِيهِ عَنِ العَجْزِ عَمّا ذُكِرَ بَعْدُ.
و ﴿ أسْرى ﴾ وسَرى بِمَعْنى، و ﴿ لَيْلا ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ.
وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ بِتَنْكِيرِهِ عَلى تَقْلِيلِ مُدَّةِ الإسْراءِ، ولِذَلِكَ قُرِئَ: « مِنَ اللَّيْلِ» أيْ بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ .
﴿ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ بِعَيْنِهِ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «بَيْنا أنا في المَسْجِدِ الحَرامِ في الحِجْرِ عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذا أتانِي جِبْرِيلُ بِالبُراقِ» .
أوْ مِنَ الحَرَمِ وسَمّاهُ المَسْجِدَ الحَرامَ لِأنَّهُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ أوْ لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ، أوْ لِيُطابِقَ المَبْدَأُ المُنْتَهى.
لِما رُوِيَ «أنَّهُ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ، وقَصَّ القِصَّةَ عَلَيْها وقالَ: « مُثِّلَ لِيَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ»، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وأخْبَرَ بِهِ قُرَيْشًا فَتَعَجَّبُوا مِنهُ اسْتِحالَةً، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ لَقَدْ صَدَقَ، فَقالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ، قالَ: إنِّي لَأُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدِ مِن ذَلِكَ فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ، واسْتَنْعَتَهُ طائِفَةٌ سافَرُوا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَجُلِّيَ لَهُ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ فَقالُوا أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا، فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها وأحْوالِها وقالَ تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ، فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ إلى الثَّنِيَّةِ فَصادَفُوا العِيرَ كَما أخْبَرَ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وقالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُّبِينٌ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ.» واخْتُلِفَ في أنَّهُ كانَ في المَنامِ أوْ في اليَقَظَةِ بِرُوحِهِ أوْ بِجَسَدِهِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّمَواتِ حَتّى انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، ولِذَلِكَ تَعَجَّبَ قُرَيْشٌ واسْتَحالُوهُ، والِاسْتِحالَةُ مَدْفُوعَةٌ بِما ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعْفُ ما بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِها الأعْلى في أقَلِّ مِن ثانِيَةٍ، وقَدْ بَرْهَنَ في الكَلامِ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الأعْراضِ وأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ فَيَقْدِرُ أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في بَدَنِ النَّبِيِّ ، أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، والتَّعَجُّبُ مِن لَوازِمِ المُعْجِزاتِ.
﴿ إلى المَسْجِدِ الأقْصى ﴾ بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وراءَهُ مَسْجِدٌ.
﴿ الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ﴾ بِبَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا لِأنَّهُ مَهْبِطُ الوَحْيِ ومُتَعَبَّدُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن لَدُنْ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَحْفُوفٌ بِالأنْهارِ والأشْجارِ.
﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾ كَذَهابِهِ في بُرْهَةٍ مِنَ اللَّيْلِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ومُشاهَدَتِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ وتَمَثُّلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، ووُقُوفِهِ عَلى مَقاماتِهِمْ، وصَرْفُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِتَعْظِيمِ تِلْكَ البَرَكاتِ والآياتِ.
وقُرِئَ « لِيُرِيَهُ» بِالياءِ.
﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِأقْوالِ مُحَمَّدٍ .
﴿ البَصِيرُ ﴾ بِأفْعالِهِ فَيُكَرِّمُهُ ويُقَرِّبُهُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَآتَيْنَا مُوَسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ} أي الكتاب وهو التوارة {هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا} أي لا تتخذوا وبالياء أبو عمرو أي لئلا يتخذوا {مِن دُونِي وَكِيلاً} رباً تكلون إليه أموركم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ 17 وتُسَمّى الإسْراءَ وسُبْحانَ أيْضًا، وهي كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَكِّيَّةٌ، وكَوْنُها كَذَلِكَ بِتَمامِها قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ صاحِبُ «الغَنِيّانِ» بِإجْماعٍ، وقِيلَ: الآيَتَيْنِ: ﴿ وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ ﴿ وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ﴾ وقِيلَ: إلّا أرْبَعًا هاتانِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وزادَ مُقاتِلٌ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ ﴾ الآيَةَ.
وعَنِ الحَسَنِ إلّا خَمْسَ آياتٍ: ﴿ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ ﴾ الآيَةَ.
﴿ ولا تَقْرَبُوا الزِّنا ﴾ الآيَةَ.
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ الآيَةَ.
﴿ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ الآيَةَ.
﴿ وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ ﴾ الآيَةَ، وقالَ قَتادَةُ: إلّا ثَمانِيَ آياتٍ؛ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ إلى آخِرِهِنَّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وهي مِائَةٌ وعَشْرُ آياتٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإحْدى عَشْرَةَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ.
«وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُمْ، عَنْ عائِشَةَ يَقْرَؤُها والزُّمَرَ كُلَّ لَيْلَةٍ،» وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ والكَهْفِ ومَرْيَمَ وطه والأنْبِياءِ: هُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ، وهُنَّ مِن تِلادِي، وهَذا وجْهٌ في تَرْتِيبِها، ووَجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ بِالنَّحْلِ - كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ - أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ في آخِرِها: ﴿ إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ شَرِيعَةَ أهْلِ السَّبْتِ الَّتِي شَرَعَها سُبْحانَهُ لَهم في التَّوْراةِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّ التَّوْراةَ كُلَّها في خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً مِن سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ تَعالى فِيها عِصْيانَهم وإفْسادَهم وتَخْرِيبَ مَسْجِدِهِمْ واسْتِفْزازَهُمُ النَّبِيَّ وإرادَتَهم إخْراجَهُ مِنَ المَدِينَةِ وسُؤالَهم إيّاهُ عَنِ الرُّوحِ، ثُمَّ خَتَمَها جَلَّ شَأْنُهُ بِآياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّسْعِ وخِطابِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأُهْلِكَ ووَرِثَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن بَعْدِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِهِمْ أنَّهم سَيَنالُهم ما نالَ فِرْعَوْنَ حَيْثُ أرادُوا بِالنَّبِيِّ ما أرادَ هو بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأصْحابِهِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُصَدَّرَةً بِقِصَّةِ تَخْرِيبِ المَسْجِدِ الأقْصى افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ إسْراءِ المُصْطَفى تَشْرِيفًا لَهُ بِحُلُولِ رِكابِهِ الشَّرِيفِ جَبْرًا لِما وقَعَ مِن تَخْرِيبِهِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصَّبْرِ ونَهاهُ عَنِ الحُزْنِ عَلى الكَفَرَةِ وضِيقِ الصَّدْرِ مِن مَكْرِهِمْ، وكانَ مِن مَكْرِهِمْ نِسْبَتُهُ إلى الكَذِبِ والسِّحْرِ والشِّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَمَوْهُ وحاشاهُ بِهِ عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ شَرَفِهِ وفَضْلِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ عِنْدَهُ عَزَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ اشْتِمالُها عَلى ذِكْرِ نِعَمٍ مِنها خاصَّةٌ ومِنها عامَّةٌ، وقَدْ ذَكَرَ في سُورَةِ النَّحْلِ مِنَ النِّعَمِ ما سُمِّيَتْ لِأجْلِهِ سُورَةَ النِّعَمِ واشْتِمالِها عَلى ذِكْرِ شَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ كَما اشْتَمَلَتْ تِلْكَ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ في النَّحْلِ: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ وذَكَرَ هاهُنا في القُرْآنِ: ﴿ ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وذَكَرَ سُبْحانَهُ في تِلْكَ أمْرَهُ بِإيتاءِ ذِي القُرْبى وأمَرَ هُنا بِذَلِكَ مَعَ زِيادَةٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ أمَرَ جَلَّ وعَلا بِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مَنشَأُ القَرابَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى فَلْيُتَأمَّلْ.
واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ ﴾ سُبْحانَ هُنا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مَصْدَرُ سَبَّحَ تَسْبِيحًا، بِمَعْنى نَزَّهَ تَنْزِيهًا، لا بِمَعْنى قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ.
نَعَمْ جاءَ التَّسْبِيحُ بِمَعْنى القَوْلِ المَذْكُورِ كَثِيرًا حَتّى ظَنَّ بَعْضُهم أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ صاحِبُ القامُوسِ في شَرْحِ دِيباجَةِ الكَشّافِ، وجَعَلَ سُبْحانَ مَصْدَرَ سَبَحَ مُخَفَّفًا ولَيْسَ بِذاكَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَمًا لِلتَّنْزِيهِ فَيُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ لِأنَّ الأعْلامَ لا تُضافُ قِياسًا، ويُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والزِّيادَةِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الأعْشى: قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وقالَ الرَّضِيُّ: لا دَلِيلَ عَلى عَلَمِيَّتِهِ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ مُضافًا فَلا يَكُونُ عَلَمًا، وإذا قُطِعَ فَقَدْ جاءَ مُنَوَّنًا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ ∗∗∗ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ وقَدْ جاءَ بِاللّامِ كَقَوْلِهِ: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ذُو السُّبْحانِ» ولا مانِعَ مِن أنْ يُقالَ في البَيْتِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ: حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وهو مُرادٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وأُبْقِيَ المُضافُ عَلى حالِهِ مُراعاةً لِأغْلَبِ أحْوالِهِ أيِ التَّجَرُّدِ عَنِ التَّنْوِينِ كَقَوْلِهِ: «خالَطَ مِن سَلْمى خَياشِيمُ وفا».
انْتَهى، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ دائِمًا وهو عَلَمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ عَلَمَ الجِنْسِ كَما يُوضَعُ لِلذَّواتِ يُوضَعُ لِلْمَعانِي فَلا تَفْصِيلَ عِنْدَهُ، وانْتَصَرَ لَهُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ هو الوَجْهُ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَتِ العَلَمِيَّةُ بِدَلِيلِها فالإضافَةُ لا تُنافِيها ولَيْسَتْ مِن بابِ - زَيْدُ المَعارِكِ - لِتَكُونَ شاذَّةً بَلْ مِن بابِ - حاتِمُ طَيِّئٍ وعَنْتَرَةُ عَبْسٍ - وذَكَرَ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ البَلِيغِ وذَلِكَ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِنَ السَّبَحِ وهو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، ثُمَّ ما يُعْطِيهِ نَقْلُهُ إلى التَّفْعِيلِ ثُمَّ العُدُولُ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً لا سِيَّما وهو عَلَمٌ يُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ وما فِيهِ مِن قِيامِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ؛ فَإنَّ انْتِصابَهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكِ الإظْهارِ، ولِهَذا لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُهُ إلّا فِيهِ تَعالى أسْماؤُهُ وعَظُمَ كِبْرِياؤُهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ما أبْعَدَ الَّذِي لَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ فَلا يَكُونُ اصْطِفاؤُهُ لِعَبْدِهِ الخِصِّيصِ بِهِ إلّا حِكْمَةً وصَوابًا.
انْتَهى.
وأُورِدَ عَلى ما ذَكَرَهُ أوَّلًا أنَّ مَن مَنَعَ إضافَةَ العَلَمِ قِياسًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إضافَةٍ وإضافَةٍ، فَإنِ ادَّعى أنَّ بَعْضَ الأعْلامِ اشْتُهِرَتْ بِمَعْنًى كَحاتِمٍ بِالكَرَمِ فَيَجُوزُ في نَحْوِهِ الإضافَةُ لِقَصْدِ التَّخْصِيصِ ودَفْعِ العُمُومِ الطّارِئِ فَما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ كَما لا يَخْفى، وما ذُكِرَ مِن دَلالَتِهِ عَلى التَّنْزِيهِ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ هو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ المَأْثُورُ، فَفي العِقْدِ الفَرِيدِ «عَنْ طَلْحَةَ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِ سُبْحانَ اللَّهِ فَقالَ: «تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ سُوءٍ»».
وقالَ الطِّيبِيُّ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ دَلَّ عَلى التَّنْزِيهِ البَلِيغِ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ الَّتِي يُضِيفُها إلَيْهِ أعْداءُ اللَّهِ تَعالى، إنَّ ذَلِكَ مِمّا يَأْباهُ مَقامُ الإسْراءِ إباءَ العَيُوفِ الوُرُودَ، وهو مُزَيَّفٌ بَلْ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ كَما قالَ في النُّورِ: الأصْلُ في ذَلِكَ أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ رُؤْيَةِ العَجِيبِ مِن صَنائِعِهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، فَفي الكَشْفِ أنَّ التَّنْزِيهَ لا يُنافِي التَّعَجُّبَ كَما تُوُهِّمَ واعْتُرِضَ، وجَعْلُهُ مَدارًا، والتَّعَجُّبُ تَبَعًا هاهُنا هو الوَجْهُ بِخِلافِ آيَةِ النُّورِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ مِن كَلامِ الكَشّافِ في مَواضِعَ أنَّهُ لا يَرْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ التَّنْزِيهِ والتَّعَجُّبِ لِلْمُنافاةِ بَيْنَهُما، بَلْ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مَعْنًى مُسْتَقِلٌّ فالجَمْعُ بَيْنَهُما جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنى المُشْتَرَكِ، وعَلى الجَمْعِ فالوَجْهُ ما ذُكِرَ أنَّهُ الوَجْهُ فافْهَمْ، وقِيلَ: إنَّ سُبْحانَ لَيْسَ عَلَمًا أصْلًا بِلا تَفْصِيلٍ فَفِيهِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ في الآيَةِ عَلى مَعْنى الأمْرِ أيْ: نَزِّهُوا اللَّهَ تَعالى وبَرِّئُوهُ مِن جَمِيعِ النَّقائِصِ، ويَدْخُلُ فِيها العَجْزُ عَمّا بَعُدَ أوْ مِنَ العَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، والمُتَبادَرُ اعْتِبارُ المُضارِعِ، والإسْراءُ السَّيْرُ بِاللَّيْلِ خاصَّةً كالسُّرى، فَأسْرى وسَرى بِمَعْنًى.
ولَيْسَتْ هَمْزَةُ أسْرى لِلتَّعْدِيَةِ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: أسْرى مَلائِكَتُهُ بِعَبْدِهِ، قالَ في البَحْرِ: وإنَّما احْتاجَ إلى هَذِهِ الدَّعْوى لِاعْتِقادِ أنَّهُ إذا كانَ أسْرى بِمَعْنى سَرى لَزِمَ مِن كَوْنِ الباءِ لِلتَّعْدِيَةِ مُشارَكَةُ الفاعِلِ لِلْمَفْعُولِ وهَذا شَيْءٌ، ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ فَإذا قُلْتَ: قُمْتُ بِزَيْدٍ يَلْزَمُ مِنهُ قِيامُكَ وقِيامُ زَيْدٍ عِنْدَهُ، وإذا جَعَلْتَ الباءَ كالهَمْزَةِ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وقالَ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أسْرى بِمَعْنى سَرى عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، والأصْلُ أسْرى مَلائِكَتُهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أيْضًا، وقالَ اللَّيْثُ: يُقالُ: أسْرى لِأوَّلِ اللَّيْلِ وسَرى لِآخِرِهِ، وأمّا سارَ فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ عامٌّ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِلَيْلٍ أوْ نَهارٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالنَّهارِ ولَيْسَ مَقْلُوبًا مِن سَرى، وإيثارُ لَفْظَةِ العَبْدِ لِلْإيذانِ بِتَمَحُّضِهِ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وبُلُوغِهِ في ذَلِكَ غايَةَ الغاياتِ القاصِيَةِ ونِهايَةَ النِّهاياتِ النّائِيَةِ حَسْبَما يَلُوحُ بِهِ مَبْدَأُ الإسْراءِ ومُنْتَهاهُ، والعُبُودِيَّةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ العارِفُونَ أشْرَفُ الأوْصافِ وأعْلى المَراتِبِ وبِها يَفْتَخِرُ المُحِبُّونَ كَما قِيلَ: لا تَدْعُنِي إلّا بَيا عَبْدَها ∗∗∗ فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي وقالَ آخَرُ: بِاللَّهِ إنْ سَألُوكَ عَنِّي قُلْ لَهم ∗∗∗ عَبْدِي ومِلْكُ يَدِي وما أعْتَقْتُهُ وعَنْ أبِي القاسِمِ سُلَيْمانَ الأنْصارِيِّ أنَّهُ قالَ: لَمّا وصَلَ النَّبِيُّ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ والمَراتِبِ الرَّفِيعَةِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا مُحَمَّدُ، بِمَ نُشَرِّفُكَ؟
قالَ: بِنِسْبَتِي إلَيْكَ بِالعُبُودِيَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ ﴾ وجاءَ: «قُولُوا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»، وقِيلَ: إنَّ في التَّعْبِيرِ بِهِ هُنا دُونَ حَبِيبِهِ مَثَلًا سَدًّا لِبابِ الغُلُوِّ فِيهِ كَما وقَعَ لِلنَّصارى في نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَكَرُوا أنَّهُ لَمْ يُعَبِّرِ اللَّهُ تَعالى عَنْ أحَدٍ بِالعَبْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ المُشارِ بِهِ إلى الهُوِيَّةِ إلّا النَّبِيَّ ، وفي ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ ما فِيهِ، ومَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ ما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا ﴾ ظَهَرَ لَهُ الفَرْقُ التّامُّ بَيْنَ مَقامِ الحَبِيبِ ومَقامِ الكَلِيمِ ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا في هَذِهِ السُّورَةِ ما يُفْهَمُ مِنهُ الفَرْقُ أيْضًا فَلا تَغْفُلْ، وإضافَةُ: ( سُبْحانَ ) إلى المَوْصُولِ المَذْكُورِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْمُضافِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أدِلَّةِ كَمالِ قُدْرَتِهِ وبالِغِ حَكَمْتِهِ وغايَةِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْلا ﴾ ظَرْفٌ لِأسْرى، وفائِدَتُهُ الدَّلالَةُ بِتَنْكِيرِهِ عَلى تَقْلِيلِ مُدَّةِ الإسْراءِ، وأنَّها بَعْضٌ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ قَرَأعَبْدُ اللَّهِ، وحُذَيْفَةُ: (مِنَ اللَّيْلِ) أيْ: بَعْضِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ ﴾ .
واعْتُرِضَ بِأنَّ البَعْضِيَّةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ هي البَعْضِيَّةُ في الأجْزاءِ، والبَعْضِيَّةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّنْكِيرِ البَعْضِيَّةُ فِي الأفْرادِ والجُزْئِيّاتِ فَكَيْفَ يُسْتَفادُ مِنَ التَّنْكِيرِ أنَّ الإسْراءَ كانَ في بَعْضٍ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ؟
فالصَّوابُ أنَّ تَنْكِيرَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ الإسْراءَ كانَ في لَيالٍ أوْ لِإفادَةِ تَعْظِيمِهِ كَما هو المُناسِبُ لِلسِّياقِ والسِّباقِ؛ أيْ: لَيْلًا أيَّ لَيْلٍ، دَنا فِيهِ المُحِبُّ إلى المَحْبُوبِ وفازَ في مَقامِ الشُّهُودِ بِالمَطْلُوبِ.
وأجابَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُ الكامِلِينَ بِما لا يَخْفى نَقْصُهُ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلَ الإعْجازِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ الِاعْتِراضُ ابْتِداءً.
وتَحْقِيقُهُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ نَقْلًا عَنْ سِيبَوَيْهِ وابْنِ مالِكٍ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ إذا عُرِفا كانا مِعْيارًا لِلتَّعْمِيمِ وظَرْفًا مَحْدُودًا، فَلا تَقُولُ: صَحِبْتُهُ اللَّيْلَةَ، وأنْتَ تُرِيدُ ساعَةً مِنها إلّا أنْ تَقْصِدَ المُبالَغَةَ كَما تَقُولُ: أتانِي أهْلُ الدُّنْيا لِناسٍ مِنهم بِخِلافِ المُنَكَّرِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، فَلَمّا عُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِهِ هَنا عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُقْصَدِ اسْتِغْراقُ السُّرى لَهُ، وهَذا هو المُرادُ مِنَ البَعْضِيَّةِ المَذْكُورَةِ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ اللَّيْلِ مَجازًا عَنْ بَعْضِهِ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: جَلَسْتُ في السُّوقِ وجُلُوسُكَ في بَعْضِ أماكِنِهِ لا يَكُونُ فِيهِ السُّوقُ مَجازًا كَما لا يَخْفى، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المُدَقِّقِ في الكَشْفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِتَنْكِيرِهِ أنَّهُ وقَعَ في وسَطِهِ ومُعْظَمِهِ كَما يُقالُ: جاءَنِي فُلانٌ بِلَيْلٍ؛ أيْ: في مُعْظَمِ ظُلْمَتِهِ فَيُفِيدُ البَعْضِيَّةَ أيْضًا، ويُنافِيهِ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الحَدِيثِ، وزَعَمَ أنَّ ذِكْرَ ( لَيْلًا ) لِلتَّأْكِيدِ أوْ تَجْرِيدِ الإسْراءِ وإرادَةِ مُطْلَقِ السَّيْرِ مِنهُ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ البِضاعَةِ كَما لا يَخْفى.
وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانُ حِكْمَةِ كَوْنِ الإسْراءِ لَيْلًا ﴿ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ المَسْجِدُ المَشْهُورُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ بِعَيْنِهِ، وكانَ إذْ ذاكَ في الحِجْرِ مِنهُ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَيْنا أنا في الحِجْرِ - وفي رِوايَةٍ - في الحَطِيمِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذْ أتانِي آتٍ فَشَقَّ ما بَيْنَ هَذِهِ إلى هَذِهِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي فَغَسَلَهُ ثُمَّ أُعِيدَ ثُمَّ أُتِيتُ بِدابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ، أبْيَضَ يُقالُ لَهُ البُراقُ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ»» الحَدِيثَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ جاءَهُ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو مُضْطَجِعٌ في الحِجْرِ بَيْنَ عَمِّهِ حَمْزَةَ وابْنِ عَمِّهِ جَعْفَرٍ فاحْتَمَلَتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وجاءُوا بِهِ إلى زَمْزَمَ فَألْقَوْهُ عَلى ظَهْرِهِ وشَقَّ جِبْرِيلُ صَدْرَهُ مِن ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إلى أسْفَلِ بَطْنِهِ بِغَيْرِ آلَةٍ ولا سَيَلانِ دَمٍ ولا وُجُودِ ألَمٍ ثُمَّ قالَ لِمِيكائِيلَ: ائْتِنِي بِطَسْتٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ فَأتاهُ بِهِ فاسْتَخْرَجَ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ وغَسَلَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ أعادَهُ إلى مَكانِهِ ومَلَأهُ إيمانًا وحِكْمَةً وخَتَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلى بابِ المَسْجِدِ فَإذا بِالبُراقِ مُسْرَجًا مُلْجَمًا فَرَكِبَهُ.
الخَبَرَ.
ويُعْلَمُ مِنهُ الجَمْعُ بَيْنَ ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ في الحِجْرِ وما قِيلَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ زَمْزَمَ والمَقامِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَرَمُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ لِإحاطَتِهِ بِهِ؛ فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ المُجاوَرَةِ الحِسِّيَّةِ والإحاطَةِ أوْ لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَحَلٌّ لِلسُّجُودِ ومُحَرَّمٌ لَيْسَ يَحِلُّ فَهو حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، والنُّكْتَةُ في هَذا التَّعْبِيرِ مُطابَقَةُ المَبْدَأِ المُنْتَهِيَ.
وكانَ إذْ ذاكَ في دارِ فاخِتَةَ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ.
فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي يَعْلى في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ مِن حَدِيثِها «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ نائِمًا في بَيْتِها بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ فَأُسْرِيَ بِهِ ورَجَعَ مِن لَيْلَتِهِ وقَصَّ القِصَّةَ عَلَيْها، وقالَ: «مُثِّلَ لِيَ النَّبِيُّونَ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ».
ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ وأخْبَرَ بِهِ قُرَيْشًا فَمِن مُصَفِّقٍ وواضِعٍ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا وإنْكارًا، وارْتَدَّ أُناسٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ.
قالُوا: تُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ؟
قالَ: إنِّي أُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدَ مِن ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّماءِ غُدْوَةً أوْ رَوْحَةً فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ، وكانَ في القَوْمِ مَن يَعْرِفُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فاسْتَنْعَتُوهُ إيّاهُ فَجُلِّيَ لَهُ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْعَتُهُ لَهم فَقالُوا: أما النَّعْتُ فَقَدْ أصابَ فِيهِ.
فَقالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا فَهي أهَمُّ إلَيْنا؛ هَلْ لَقِيتَ مِنها شَيْئًا؟
قالَ: نَعَمْ مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ، وهي بِالرَّوْحاءِ وقَدْ أضَلُّوا بَعِيرًا لَهم وهم في طَلَبِهِ وفي رِحالِهِمْ قَدَحٌ مِن ماءٍ فَعَطِشْتُ فَأخَذْتُهُ وشَرِبْتُهُ ووَضَعْتُهُ كَما كانَ؛ فاسْألُوا: هَلْ وجَدُوا الماءَ في القَدَحِ حِينَ رَجَعُوا؟
قالُوا: هَذِهِ آيَةٌ.
قالَ: ومَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ وفُلانٍ راكِبانِ قَعُودًا فَنَفَرَ بِعِيرِهِما مِنِّي فانْكَسَرَ.
فاسْألُوهُما عَنْ ذَلِكَ قالُوا: هَذِهِ آيَةٌ أُخْرى، ثُمَّ سَألُوهُ عَنِ العُدَّةِ والأحْمالِ والهَيْئاتِ فَمُثِّلَتْ لَهُ العِيرُ فَأخْبَرَهم عَنْ كُلِّ ذَلِكَ وقالَ: تَقْدُمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وفِيها فُلانٌ وفُلانٌ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ عَلَيْهِ غِرارَتانِ مُخَيَّطَتانِ.
قالُوا: وهَذِهِ آيَةٌ أُخْرى.
فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ ذَلِكَ اليَوْمَ نَحْوَ الثَّنِيَّةِ فَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ مَتى تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيُكَذِّبُوهُ إذْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ وقالَ آخَرُ: هَذِهِ العِيرُ قَدْ أقْبَلَتْ يَقْدُمُها بَعِيرٌ أوْرَقُ فِيها فُلانٌ وفُلانٌ كَما قالَ.
فَلَمْ يُؤْمِنُوا وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ».
وفي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ أُمَّ هانِئٍ قالَتْ: فَقَدْتُهُ وكانَ نائِمًا عِنْدِي فامْتَنَعَ مِنِّي النَّوْمُ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ،» ويُقالُ: «إنَّهُ تَفَرَّقَتْ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ يَلْتَمِسُونَهُ ووَصَلَ العَبّاسُ إلى ذِي طُوًى وهو يُنادِي: يا مُحَمَّدُ، يا مُحَمَّدُ، فَأجابَهُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، أعْيَيْتَ قَوْمَكَ أيْنَ كُنْتَ؟
قالَ: ذَهَبْتُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَ: مِن لَيْلَتِكَ قالَ: نَعَمْ.
قالَ: هَلْ أصابَكَ الأخِيرُ؟
قالَ: ما أصابَنِي الأخِيرُ.» وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وكَما اخْتُلِفَ في مَبْدَأِ الإسْراءِ اخْتُلِفَ في سَنَتِهِ، فَذَكَرَ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ أنَّهُ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِعَشْرِ سِنِينَ وثَلاثَةِ أشْهُرٍ، وفي الفَتاوى أنَّهُ كانَ سَنَةَ خَمْسٍ أوْ سِتٍّ مِنَ النُّبُوَّةِ، ونَقَلَ عَنْهُ الفاضِلُ المُلّا أمِينُ العُمَرِيِّ في شَرْحِ ذاتِ الشِّفاءِ الجَزْمَ بِأنَّهُ كانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ المَبْعَثِ.
وعَنِ ابْنِ حَزْمٍ دَعْوى الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، وضُعِّفَ ما في الفَتاوى بِأنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَمْ تَصِلِ الخَمْسَ وقَدْ ماتَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ.
وقِيلَ: كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وخَمْسَةِ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ووَقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أبِي نَمِرَةَ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ وقَدْ خَطَّأهُ غَيْرُ واحِدٍ في ذَلِكَ، ونَقَلَ الحافِظُ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِهِ: (الجَمْعُ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ) حَدِيثَ شَرِيكٍ الواقِعَ فِيهِ ذَلِكَ بِطُولِهِ، ثُمَّ قالَ: هَذا الحَدِيثُ بِهَذا اللَّفْظِ مِن رِوايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أنَسٍ قَدْ زادَ فِيهِ زِيادَةً مَجْهُولَةً وأتى بِألْفاظٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ.
وقَدْ رَوى حَدِيثَ الإسْراءِ عَنْ أنَسٍ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ المُتْقِنِينَ والأئِمَّةِ المَشْهُورِينَ كابْنِ شِهابٍ.
وثابِتٍ البُنانِيِّ وقَتادَةَ فَلَمْ يَأْتِ أحَدٌ مِنهم بِما أتى بِهِ شَرِيكٌ، وشَرِيكٌ لَيْسَ بِالحافِظِ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ.
وأجابَ عَنْ ذَلِكَ مُحْيِي السُّنَّةِ وغَيْرُهُ بِما سَتَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَذا اخْتُلِفَ في شَهْرِهِ ولَيْلَتِهِ؛ فَقالَ النَّوَوِيُّ في الفَتاوى: كانَ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ، وقالَ في شَرْحِ مُسْلِمٍ تَبَعًا لِلْقاضِي عِياضٍ: إنَّهُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ، وجَزَمَ في الرَّوْضَةِ بِأنَّهُ في رَجَبٍ، وقِيلَ: في شَهْرِ رَمَضانَ، وقِيلَ: في شَوّالٍ، وكانَ عَلى ما قِيلَ اللَّيْلَةَ السّابِعَةَ والعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ وكانَتْ لَيْلَةَ السَّبْتِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ المُلَقِّنِ عَنْ رِوايَةِ الواقِدِيِّ، وقِيلَ: كانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ لِمَكانِ فَضْلِها وفَضْلِ الإسْراءِ، ورُدَّ بِأنَّ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ (صَلّى) بِالنَّبِيِّ أوَّلَ يَوْمٍ بَعْدَ الإسْراءِ الظُّهْرَ، ولَوْ كانَ يَوْمَ الجُمْعَةِ لَمْ يَكُنْ فَرْضُها الظُّهْرَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ السُّفَيْرِيُّ، وفِيهِ أنَّ العُمَرِيَّ ذَكَرَ في شَرْحِ ذاتِ الشِّفاءِ أنَّ الجُمُعَةَ والجِنازَةَ وجَبَتا بَعْدَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وفي شَرْحِ المِنهاجِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ: إنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ ولَمْ تُقَمْ بِها لِفَقْدِ العَدَدِ، أوْ لِأنَّ شِعارَها الإظْهارُ، وكانَ بِها مُسْتَخْفِيًا، وأوَّلُ مَن أقامَها بِالمَدِينَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ بِقَرْيَةٍ عَلى مِيلٍ مِنَ المَدِينَةِ.
ونَقَلَ الدُّمَيْرِيُّ عَنِ ابْنِ الأثِيرِ أنَّهُ قالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّها كانَتْ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ واخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ، وفي البَحْرِ: قِيلَ: إنَّ الإسْراءَ كانَ في سَبْعَ عَشْرَةَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ والرَّسُولُ ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةَ أشْهُرٍ وثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وحَكى أنَّها لَيْلَةُ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ عَنِ الجَرْمِيِّ، وهي عَلى ما نَقَلَ السُّفَيْرِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ أفْضَلُ اللَّيالِي حَتّى لَيْلَةِ القَدْرِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هي أفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ إلى أُمَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَهِيَ أفْضَلُ مُطْلَقًا نَعَمْ لَمْ يُشْرَعِ التَّعَبُّدُ فِيها والتَّعَبُّدُ في لَيْلَةِ القَدْرِ مَشْرُوعٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واخْتُلِفَ أيْضًا أنَّهُ في اليَقَظَةِ أوْ في المَنامِ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ في المَنامِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ ومُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولَعَلَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْها كَما في البَحْرِ، وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إذْ ذاكَ صَغِيرَةً، ولَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ مُعاوِيَةُ كافِرًا يَوْمَئِذٍ، واحْتُجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ لِأنَّ الرُّؤْيا تَخْتَصُّ بِالنَّوْمِ لُغَةً، ووَقَعَ في حَدِيثِ شَرِيكٍ المُتَقَدِّمِ ما يُؤَيِّدُهُ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ في اليَقَظَةِ بِبَدَنِهِ ورُوحِهِ ، والرُّؤْيا تَكُونُ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ في اليَقَظَةِ كَما في قَوْلِ الرّاعِي يَصِفُ صائِدًا: وكَبَّرَ لِلرُّؤْيا وهَشَّ فُؤادُهُ ∗∗∗ وبَشَّرَ قَلْبًا كانَ جَمًّا بِلابِلُهْ وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها رُؤْيَةُ اليَقَظَةِ لَيْلًا فَقَطْ، وخَبَرُ شَرِيكٍ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الحَقِّ، وقالَ النَّوَوِيُّ: وأمّا ما وقَعَ في رِوايَةٍ عَنْ شَرِيكٍ وهو نائِمٌ وفي أُخْرى عَنْهُ: بَيْنا أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ فَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَن يَجْعَلُها رُؤْيا نَوْمٍ ولا حَجَّةَ فِيهِ إذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ أوَّلَ وُصُولِ المَلَكِ إلَيْهِ ولَيْسَ في الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ نائِمًا في القِصَّةِ كُلِّها.
واحْتَجَّ الجُمْهُورُ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مَنامًا ما تَعَجَّبَ مِنهُ قُرَيْشٌ ولا اسْتَحالُوهُ؛ لَأنَّ النّائِمَ قَدْ يَرى نَفْسَهُ في السَّماءِ ويَذْهَبُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ولا يَسْتَبْعِدُهُ أحَدٌ، وأيْضًا العَبْدُ ظاهِرٌ في الرُّوحِ والبَدَنِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ القاضِي أبُو بَكْرٍ والبَغَوِيُّ إلى تَصْدِيقِ القائِلِينَ بِأنَّهُ في المَنامِ والقائِلِينَ بِأنَّهُ في اليَقَظَةِ وتَصْحِيحِ الحَدِيثَيْنِ في ذَلِكَ (بِأنَّ) الإسْراءَ كانَ مَرَّتَيْنِ؛ إحْداهُما في نَوْمِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَأُسْرِيَ بِرُوحِهِ تَوْطِئَةً وتَيْسِيرًا لِما يَضْعُفُ عَنْهُ قُوى البَشَرِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ ثُمَّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وبَدَنِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا هو الحَقُّ وبِهِ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ.
وحَكى المازِرِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلًا رابِعًا جَمَعَ بِهِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ فَقالَ: كانَ الإسْراءُ بِجَسَدِهِ في اليَقَظَةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَكانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ ثُمَّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ إلى ما فَوْقَهُ فَكانَتْ رُؤْيا قَلْبٍ؛ ولِذا شَنَّعَ الكُفّارُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَوْلَهُ: أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ في لَيْلَتِي هَذِهِ ولَمْ يُشَنِّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ فِيما سِوى ذَلِكَ ولَمْ يَتَعَجَّبُوا مِنهُ؛ لِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ مَحَلَّ التَّعَجُّبِ، ولَيْسَ مَعْنى الإسْراءِ بِالرُّوحِ الذَّهابَ يَقَظَةً كالِانْسِلاخِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ والحُكَماءُ فَإنَّهُ وإنْ كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ ومَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا إلّا أنَّهُ أمْرٌ لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ المِعْراجَ كالإسْراءِ بِالرُّوحِ والبَدَنِ ولا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ بِالهَنْدَسَةِ أنَّ مِساحَةَ قُطْرِ جِرْمِ الأرْضِ ألْفانِ وخَمْسُمِائَةٍ وخَمْسَةٌ وأرْبَعُونَ فَرْسَخًا ونِصْفُ فَرْسَخٍ وأنَّ مِساحَةَ قُطْرِ كُرَةِ الشَّمْسِ خَمْسَةُ أمْثالِ ونِصْفُ مَثَلٍ لِقُطْرِ جِرْمِ الأرْضِ، وذَلِكَ أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفَ فَرْسَخٍ وأنَّ طَرَفَ قُطْرِها المُتَأخِّرَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِهِ المُتَقَدِّمِ في ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ فَتَقْطَعُ الشَّمْسُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ أرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفَ فَرْسَخٍ في ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ.
وذَكَرَ الإمامُ في الأرْبَعِينَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في الذَّواتِ والحَقائِقِ، فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها ما يَصِحُّ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأعْراضِ؛ لِأنَّ قابِلِيَّةَ ذَلِكَ العَرَضِ إنْ كانَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ فَأيْنَما حَصَلَتْ حَصَلَ لَزِمَ حُصُولُ تِلْكَ القابِلِيَّةِ فَوَجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى كُلٍّ مِنها ما يَصِحُّ عَلى الآخَرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن لَوازِمِها كانَ مِن عَوارِضِها فَيَعُودُ الكَلامُ، فَإنْ سُلِّمَ وإلّا دارَ أوْ تَسَلْسَلَ وذَلِكَ مُحالٌ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِالصِّحَّةِ المَذْكُورَةِ واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ فَيَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ في بَدَنِ النَّبِيِّ أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، وقالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ: الِاسْتِحالَةُ مَدْفُوعَةٌ بِما ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعْفُ ما بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ مَوْضِعَ طَرَفِها الأعْلى في أقَلِّ مِن ثانِيَةٍ إلى آخِرِ ما قالَ، وما ذَكَرْناهُ هو الصَّوابُ في التَّعْبِيرِ؛ فَإنَّ المُقْدِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُما مَمْنُوعَتانِ، أمّا الأُولى بِأنَّ النِّسْبَةَ الَّتِي ذَكَرَها إنَّما هي نِسْبَةُ جِرْمِ الشَّمْسِ إلى جِرْمِ الأرْضِ كَما بَرْهَنُوا عَلَيْهِ في بابِ مَقادِيرِ الأجْرامِ والأبْعادِ مِن كُتُبِ الهَيْئَةِ لَكِنَّهم قالُوا: جِرْمُ الشَّمْسِ مِثْلُ جِرْمِ الأرْضِ مِائَةً وسِتَّةً وسِتِّينَ مَرَّةً ورُبْعَ مَرَّةٍ وثُمُنَ مَرَّةٍ.
والعَلامَةُ جَعْلُ ذَلِكَ نِسْبَةَ القُطْرِ إلى القُطْرِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِمّا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وإرادَةُ الجِرْمِ مِنهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وكانَ يَكْفِيهِ لَوْ أرادَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: قُرْصُ الشَّمْسِ ضِعْفُ كُرَةِ الأرْضِ فَأيُّ مَعْنًى لِما زادَهُ، وأمّا الثّانِيَةُ فَإنْ أرادَ بِالثّانِيَةِ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ الَّتِي هي سِتُّونَ دَقِيقَةً فَمَنَعَها بِما حَرَّرَهُ العَلّامَةُ القُطْبُ الشِّيرازِيُّ في نِهايَةِ الإدْراكِ حَيْثُ قالَ: مِقْدارُ الدَّرَجَةِ الواحِدَةِ مِن مُقَعَّرِ الفَلَكِ الأطْلَسِ بِالأمْيالِ 9343593 مِيلًا فالفَلَكُ الأعْلى يَقْطَعُ فِيما مِقْدارُهُ مِنَ الزَّمانِ جُزْءٌ واحِدٌ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ وهو ثُلْثُ خُمْسِها، هَذا المِقْدارُ مِنَ الأمْيالِ فَإذا تَحَرَّكَ مِقْدارَ دَقِيقَةٍ وهي جُزْءٌ مِن تِسْعِمِائَةِ جُزْءٍ مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ كانَ قَدْرُ قَطْعِهِ مِنَ المَسافَةِ 155718 مِيلًا وسُدْسَ مِيلٍ وخُمْسَ رُبْعٍ أوْ رُبْعَ خُمْسِ مِيلٍ، ولِأنَّ حِينَ ما يَبْدُو قَرْنُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَطْلُعَ بِالتَّمامِ يَكُونُ بِقَدْرِ ما يَعُدُّ واحِدٌ مِن واحِدٍ إلى ثَلاثِمِائَةٍ فَبِمِقْدارِ ما يَعُدُّ ثَلاثِينَ يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ 155718 مِيلًا وهو ألْفٌ وسَبْعُمِائَةٍ واثْنانِ وثَلاثُونَ فَرْسَخًا مِن مُقَعَّرِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما يَتَحَرَّكُ مُحَدَّبُهُ حِينَئِذٍ، فَسُبْحانَ اللَّهِ تَعالى ما أعْظَمَ شَأْنَهُ اه.
وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ يَتَحَرَّكُ مِنَ ابْتِداءِ طُلُوعِ جِرْمِ الشَّمْسِ إلى أنْ يَطْلُعَ بِتَمامِهِ سُدْسَ دَرَجَةٍ وهو عَشْرُ دَقائِقَ مِن سِتِّينَ دَقِيقَةً مِن دَرَجَةٍ فَلَكِيَّةٍ ومِقْدارُ مِساحَةِ هَذِهِ الدَّقائِقِ 519600 أيْ خَمْسُمِائَةِ ألْفٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا وسِتُّمِائَةِ فَرْسَخٍ، وإذا جَعَلْنا هَذِهِ الدَّقائِقَ ثَوانِيَ كانَتْ سِتَّمِائَةِ ثانِيَةٍ.
فَأيْنَ الأقَلُّ مِن ثانِيَةٍ.
وإنْ أرادَ بِالثّانِيَةِ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ السّاعَةِ الَّتِي هي رُبْعُ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ فَسُدْسُ الدَّرَجَةِ هاهُنا يَكُونُ ثُلُثَيْ دَقِيقَةٍ، وإذا جَعَلْنا ثُلُثَيِ الدَّقِيقَةِ ثَوانِيَ كانا أرْبَعِينَ ثانِيَةً، وهَذِهِ الثَّوانِي السِّتُّمِائَةِ بِعَيْنِها إلّا أنَّ المُنَجِّمِينَ لَمّا جَعَلُوا السّاعَةَ سِتِّينَ دَقِيقَةً تَسْهِيلًا لِلْحِسابِ، والسّاعَةُ عِبارَةٌ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ دَرَجَةً فَلَكِيَّةً اقْتَضى أنْ تَكُونَ الدَّرَجَةُ الفَلَكِيَّةُ وكُلُّ ثانِيَةٍ مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ثانِيَةً مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ، فالخِلافُ بَيْنَ ثَوانِي دَقائِقِ الدَّرَجَةِ الفَلَكِيَّةِ وثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ اعْتِبارٌ لَفْظِيٌّ، وأجابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الكُرْدِيُّ الشَّهِيرُ بِالفاضِلِ بِأنَّ الثّانِيَةَ جُزْءٌ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن دَقِيقَةٍ، والدَّقِيقَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن دَرَجَةٍ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى جُزْءٍ مِن سِتِّينَ جُزْءًا مِن يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ، ومُرادُ العَلّامَةِ البَيْضاوِيِّ مِنَ الثّانِيَةِ الثّانِيَةَ الثّالِثَةَ لا الثّانِيَةَ الأُولى، وهو ظاهِرٌ، ولا الثّانِيَةَ الثّانِيَةَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سَعْدِي جَلَبِي وتَبِعَهُ ابْنُ صَدْرِ الدِّينِ، وفِيهِ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الفَلَكِيِّينَ قَدْ يُقَسِّمُونَ اليَوْمَ بِلَيْلَتِهِ إلى سِتِّينَ دَقِيقَةً كَما يُقَسِّمُونَها إلى السّاعاتِ والدَّرَجاتِ والدَّقائِقِ قِسْمَةً يَتَمَيَّزُ بِها أجْزاءُ الزَّمانِ، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أحَدٌ مِنهُمْ، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهم تَسْهِيلًا لِمَعْرِفَةِ الكَسْرِ الزّائِدِ عَلى الأيّامِ التّامَّةِ مِنَ السَّنَةِ لِتُعْرَفَ مِنهُ السَّنَةُ الكَبِيسَةُ في ثَلاثِ سِنِينَ أوْ أرْبَعِ سِنِينَ وهو بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ مِن قَطْعِ المَسافَةِ البَعِيدَةِ بِالزَّمانِ القَلِيلِ، ولَوْ سَلَّمْنا ما زَعَمَهُ كانَ ناقِصًا مِن مُدَّةِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِنَ ابْتِداءِ طُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ إلى انْتِهائِهِ وهو ثُلُثا دَقِيقَةٍ هُما أرْبَعُونَ ثانِيَةً، وذَلِكَ جُزْءٌ مِن تِسْعِينَ جُزْءًا مِن ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ كَما حَرَّرَهُ العَلّامَةُ الشِّيرازِيُّ، وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الثّانِيَةَ مِن دَقِيقَةِ اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ عِبارَةٌ عَنْ أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ ثانِيَةً مِن ثَوانِي دَقِيقَةِ السّاعَةِ، وهي أقَلُّ مِن ثُلْثَيْ دَقِيقَةٍ بِسِتَّةَ عَشَرَ ثانِيَةً خَطَأٌ عَلى خَطَأٍ، تِلْكَ إذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزى، نَعَمْ قَدْ أصابَ في الرَّدِّ عَلى الفاضِلَيْنِ وقَدْ أخْطَأ الفاضِلُ الأوَّلُ في غَيْرِ ذَلِكَ في هَذا المَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كَلامِهِ وكانَ لَهُ أدْنى اطِّلاعٍ عَلى كُتُبِ القَوْمِ، ولِتَداوُلِ هَذا المَبْحَثِ بَيْنَ الطَّلَبَةِ وعَدَمِ وِجْدانِهِمْ مَن يَبُلُّ غَلِيلَهم تَعَرَّضْنا لَهُ بِما نَرْجُو أنَّ يَبُلَّ بِهِ الغَلِيلَ، هَذا والعُلَماءُ دَرَجاتٌ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِفَهْمِ الدَّقائِقِ فَتَأمَّلْ مَرَّةً وثانِيَةً وثالِثَةً، فَلَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
وما ذُكِرَ مِن تَساوِي الأجْسامِ مَبْنِيٌّ عَلى ما قِيلَ عَلى تَرَكُّبِها مِنَ الجَواهِرِ الفَرْدَةِ وفِيهِ خِلافُ النِّظامِ والفَلاسِفَةِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، ولا يُسْتَدَلُّ عَلى الِاسْتِحالَةِ بِلُزُومِ الخَرْقِ والِالتِئامِ، وقَدْ بَرْهَنُوا عَلى اسْتِحالَةِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ بُرْهانَهم عَلى ذَلِكَ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِأنَّهُ كانَ في الإسْراءِ بِهِ مَحْمُولًا عَلى شَيْءٍ لَكِنْ صَحَّتِ الأخْبارُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُسْرِيَ بِهِ عَلى البُراقِ ﴿ إلى المَسْجِدِ الأقْصى ﴾ وهو بَيْتُ المَقْدِسِ، ووَصَفَهُ بِالأقْصى أيِ الأبْعَدِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن بِالحِجازِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ أبْعَدُ المَساجِدِ الَّتِي تُزارُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وبَيْنَهُما نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ وراءَهُ مَوْضِعُ عِبادَةٍ فَهو أبْعَدُ مَواضِعِها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأقْصى البَعِيدُ دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما سِواهُ وهو بَعِيدٌ في نَفْسِهِ لِلزّائِرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بُعْدُهُ عَنِ الأقْذارِ والخَبائِثِ.
واخْتُلِفَ في رُكُوبِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ فَقِيلَ: رَكِبَ خَلْفَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ بَلْ أخَذَ بِرِكابِهِ ومِيكائِيلُ يَقُودُ البُراقَ.
واخْتُلِفَ أيْضًا في اسْتِمْرارِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عُرُوجِهِ إلى السَّماءِ فَقِيلَ: عَرَجَ عَلَيْهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ نُصِبَ لَهُ مِعْراجٌ فَعَرَجَ عَلَيْهِ، وجاءَ في وصْفِهِ وعِظَمِهِ ما جاءَ، ووَهَّمَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ كَما قالَ الحَلَبِيُّ القائِلِينَ ومِنهم صاحِبُ الهَمْزِيَّةِ إنَّ عُرُوجَهُ عَلى البُراقِ، ومِنَ الأكاذِيبِ المَشْهُورَةِ أنَّهُ لَمّا أرادَ العُرُوجَ صَعِدَ عَلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ ورَكِبَ البُراقَ فَمالَتِ الصَّخْرَةُ وارْتَفَعَتْ لِتَلْحَقَهُ فَأمْسَكَتْها المَلائِكَةُ فَفي طَرَفٍ مِنها أثَرُ قَدَمِهِ الشَّرِيفِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ أثَرُ أصابِعِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَهي واقِفَةٌ في الهَواءِ قَدِ انْقَطَعَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ لا يُمْسِكُها إلّا الَّذِي يُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَكَرَ العَلائِيُّ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ كانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلَةَ الإسْراءِ خَمْسَةُ مَراكِبَ، الأوَّلُ البُراقُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، الثّانِي المِعْراجُ مِنهُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، الثّالِثُ أجْنِحَةُ المَلائِكَةِ مِنها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، الرّابِعُ جَناحُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، الخامِسُ الرَّفْرَفُ مِنها إلى قابِ قَوْسَيْنِ، ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في الرُّكُوبِ إظْهارُ الكَرامَةِ وإلّا فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُوصِلَهُ إلى أيِّ مَوْضِعٍ أرادَ في أقَلَّ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ إلّا البُراقُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، والمِعْراجُ مِنهُ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ كانَ لَهُ عَشْرُ مَراقٍ، سَبْعَةٌ إلى السَّمَواتِ والثّامِنُ إلى السِّدْرَةِ، والتّاسِعُ إلى المُسْتَوى الَّذِي سَمِعَ فِيهِ صَرِيفَ الأقْلامِ، والعاشِرُ إلى العَرْشِ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِنَ العَجائِبِ ما سَمِعْتُهُ عَنِ الطّائِفَةِ الكَشْفِيَّةِ والعُهْدَةُ عَلى الرّاوِي أنَّ لِلرُّوحِ جَسَدَيْنِ، جَسَدٌ مِن عالَمِ الغَيْبِ لَطِيفٌ لا دَخْلَ لِلْعَناصِرِ فِيهِ، وجَسَدٌ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ كَثِيفٌ مُرَكَّبٌ مِنَ العَناصِرِ، والنَّبِيُّ حِينَ عُرِجَ بِهِ ألْقى كُلَّ عُنْصُرٍ مِن عَناصِرِ الجَسَدِ العُنْصُرِيِّ في كُرَتِهِ فَما وصَلَ إلى تِلْكَ القُمُرِ حَتّى ألْقى جَمِيعَ العَناصِرِ ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا الجَسَدُ اللَّطِيفُ، فَرَقى بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ لَمّا رَجَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجَعَ إلَيْهِ ما ألْقاهُ واجْتَمَعَ فِيهِ ما تَفَرَّقَ مِنهُ، ولَعَمْرِي إنَّهُ حَدِيثُ خُرافَةٍ لا مُسْتَنَدَ لَهُ شَرْعًا ولا عَقْلًا.
وذَكَرَ مَوْلانا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّشْتِيُّ ثُمَّ الجامِيُّ أنَّ المِعْراجَ إلى العَرْشِ بِالرُّوحِ والجَسَدِ وإلى ما وراءَ ذَلِكَ بِالرُّوحِ فَقَطْ، وأنْشَدَ بِالفارِسِيَّةِ: جو رفرف شد مشرف از وجودش ∗∗∗ كرفت از دست رفرف عرش زودش بدست عرش تن جون خرقه ب ذاشت ∗∗∗ علم بر لا مكان بي خرقه افراشت كلى برد ندا زين دهليزه يست ∗∗∗ بدان دركاه والا دست بر دست جهت را مهره از ششدر رهانيد ∗∗∗ مكانرا مركب از تنكي جهانيد مكاني يافت خالي از مكان نيز ∗∗∗ كه تن محرم نبود آنجا وجان نيز ولَمْ أقِفْ عَلى مُسْتَنَدٍ لَهُ مِنَ الآثارِ وكَأنَّهُ لاحَظَ أنَّ العُرُوجَ فَوْقَ العَرْشِ بِالجَسَدِ يَسْتَدْعِي مَكانًا، وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الحُكَماءِ أنَّ ما وراءَ العَرْشِ لا خَلا ولا مَلا وبِهِ تَنْتَهِي الأمْكِنَةُ وتَنْقَطِعُ الجِهاتُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أمْرُ المِعْراجِ أجَلُّ مَن أنْ يُكَيَّفَ، وماذا عَسى يُقالُ سِوى أنَّ المُحِبَّ القادِرَ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ دَعا حَبِيبَهُ الَّذِي خَلَقَهُ مِن نُورِهِ إلى زِيارَتِهِ وأرْسَلَ إلَيْهِ مَن أرْسَلَ مِن خَواصِّ مَلائِكَتِهِ فَكانَ جِبْرِيلُ هو الآخِذُ بِرِكابِهِ ومِيكائِيلُ الآخِذُ بِزِمامِ دابَّتِهِ إلى أنْ وصَلَ إلى ما وصَلَ ثُمَّ تَوَلّى أمْرَهُ سُبْحانَهُ بِما شاءَ حَتّى حَصَلَ، فَأيُّ مَسافَةٍ تَطُولُ عَلى ذَلِكَ الحَبِيبِ الرَّبّانِيِّ، وأيُّ جِسْمٍ يَمْتَنِعُ عَنِ الخَرْقِ لِذَلِكَ الجَسَدِ النُّورانِيِّ: جُزْ بِحَزْوى فَثَمَّ عالَمُ لُطْفٍ ∗∗∗ مِن بَقايا أجْسادِهِ الأرْواحُ ومَن تَأمَّلَ في العَيْنِ وإحْساسِها بِالقَرِيبِ والبَعِيدِ ولَوْ كانَ فاقِدَها وذُكِرَ لَهُ حالُها لَأنْكَرَ ذَلِكَ إنْكارًا ما عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وكَذا في غَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ والواقِعِ عَلى جَلالَةِ قَدْرِها الِاتِّفاقُ لَمْ يَسَعْهُ إلّا تَسْلِيمُ ما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ وصَحَّتْ بِهِ الرِّواياتُ، ويُشْبِهُ كَلامُ هَذا البَعْضِ ما قالَهُ بَعْضُ شُعَراءِ الفُرْسِ إلّا أنَّ فِيهِ مَيْلًا إلى مَذْهَبِ أهْلِ الوَحْدَةِ وهو قَوْلُهُ: قصه بيرن معراج از من بيدل م رس ∗∗∗ قطره دريا كشت وبيغمر نميدانم ه شد والظّاهِرُ أنَّ المَسافَةَ الَّتِي قَطَعَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَسِيرِهِ كانَتْ باقِيَةً عَلى امْتِدادِها.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ في وصْفِ البُراقِ أنَّهُ إذا أتى وادِيًا طالَتْ يَداهُ وقَصُرَتْ رِجْلاهُ، وإذا أتى عَقَبَةً طالَتْ رِجْلاهُ وقَصُرَتْ يَداهُ، وكانَتِ المَسافَةُ في غايَةِ الطُّولِ، فَفي حَقائِقِ الحَقائِقِ كانَتِ المَسافَةُ مِن مَكَّةَ إلى المَقامِ الَّذِي أوْحى اللَّهُ تَعالى فِيهِ إلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أوْحى قَدْرَ ثَلاثِمِائَةِ ألْفِ سَنَةٍ، وقِيلَ: خَمْسِينَ ألْفًا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ طَيُّ مَسافَةٍ عَلى نَحْوِ ما يُثْبِتُهُ الصُّوفِيَّةُ وبَعْضُ الفُقَهاءِ لِلْأوْلِياءِ كَرامَةً، وجَهَّلَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ مُثْبِتِيهِ لَهُمْ، وكَفَّرَهم آخَرُونَ، ولَيْسَ لَهُ وجْهٌ ظاهِرٌ، ورُبَّما يَلْزَمُ مُثْبِتِيهِ القَوْلُ بِتَداخُلِ الجَواهِرِ والفَلاسِفَةُ والمُتَكَلِّمُونَ سِوى النَّظّامِ يُحِيلُونَهُ ويُبَرْهِنُونَ عَلى اسْتِحالَتِهِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الضَّرُورَةَ في ذَلِكَ وقالُوا: المَنعُ مُكابَرَةٌ، وقَدْ أثْبَتَ الصُّوفِيَّةُ لِلْأوْلِياءِ نَشْرَ الزَّمانِ، ولَهم في ذَلِكَ حِكاياتٌ عَجِيبَةٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها، ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مَنِ المُتَشَرِّعِينَ وهو أمْرٌ وراءَ عُقُولِنا المَشُوبَةِ بِالأوْهامِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: الأزَلُ والأبَدُ نُقْطَةٌ واحِدَةٌ الفَرْقُ بَيْنَهُما بِالِاعْتِبارِ، ولَيْسَ لِفَهْمِ ذَلِكَ عِنْدِي إلّا المُتَجَرِّدُونَ مِن جَلابِيبِ أبْدانِهِمْ وقَلِيلٌ ما هُمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ حِكايَةُ إنْكارِ طَيِّ المَسافَةِ أيْضًا، وذِكْرُ ما فِيهِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
وإنَّما أُسْرِيَ بِهِ لَيْلًا لِمَزِيدِ الِاحْتِفالِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فَإنَّ اللَّيْلَ وقْتُ الخَلْوَةِ والِاخْتِصاصِ ومُجالَسَةِ المُلُوكِ، ولا يَكادُ يَدْعُو المَلِكُ لِحَضْرَتِهِ لَيْلًا إلّا مَن هو خاصٌّ عِنْدَهُ، وقَدْ أكْرَمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ قَوْمًا مِن أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنْواعِ الكَراماتِ وهو كالأصْلِ لِلنَّهارِ، وأيْضًا الِاهْتِداءُ فِيهِ لِلْمَقْصِدِ أبْلَغُ مِنَ الِاهْتِداءِ في النَّهارِ، وأيْضًا قالُوا: إنَّ المُسافِرَ يَقْطَعُ في اللَّيْلِ ما لا يَقْطَعُ في النَّهارِ ومِن هُنا جاءَ: ««عَلَيْكم بِالدُّلْجَةِ؛ فَإنَّ الأرْضَ تُطْوى بِاللَّيْلِ ما لا تُطْوى بِالنَّهارِ»» وأيْضًا أُسْرِيَ بِهِ لَيْلًا لِيَكُونَ ما يَعْرُجُ إلَيْهِ مِن عالَمِ النُّورِ المَحْضِ أبْعَدَ عَنِ الشَّبَهِ بِما يَعْرُجُ مِنهُ مِن عالَمِ الظُّلْمَةِ؛ وذَلِكَ أبْلَغُ في الإعْجابِ.
وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في ذَلِكَ: إنَّ النَّبِيَّ سِراجٌ، والسِّراجُ لا يُوقَدُ إلّا لَيْلًا، وبَدْرٌ وكَذا مَسِيرُ البَدْرِ في الظُّلَمِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ إنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في دُخُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَسْجِدَ الأقْصى إلّا أنَّ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ نَصٌّ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ﴾ صِفَةُ مَدْحٍ وفِيها إزالَةُ اشْتِراكٍ عارِضٍ، وبَرَكَتُهُ بِما خُصَّ بِهِ مِن كَوْنِهِ مُتَعَبَّدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِبْلَةً لَهم وكَثْرَةَ الأنْهارِ والأشْجارِ حَوْلَهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى بارَكَ فِيما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَّقْدِيسِ.
وقِيلَ: بَرَكَتُهُ أنْ جَعَلَ سُبْحانَهُ مِياهَ الأرْضِ كُلِّها تَنْفَجِرُ مِن تَحْتِ صَخْرَتِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وهو أحَدُ المَساجِدِ الثَّلاثِ الَّتِي تُشَدُّ إلَيْها الرَّحّالُ، والأرْبَعُ الَّتِي يُمْنَعُ مِن دُخُولِها الدَّجّالُ؛ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ في المُسْنَدِ «أنَّ الدَّجّالَ يَطُوفُ الأرْضَ إلّا أرْبَعَةَ مَساجِدَ: مَسْجِدِ المَدِينَةِ، ومَسْجِدِ مَكَّةَ، والأقْصى والطُّورِ، والصَّلاةُ فِيهِ مُضاعَفَةٌ،» فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ رَسُولِ اللَّهِ أنَّها قالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أفْتِنا في بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ: «أرْضُ المَحْشَرِ والمَنشَرِ، ائْتُوهُ وصَلُّوا فِيهِ؛ فَإنَّ صَلاةً فِيهِ بِألْفِ صَلاةٍ»».
وفِي رِوايَةٍ لِأحْمَدَ «عَنْ بَعْضِ نِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ إحْدانا أنْ تَأْتِيَهُ قالَ: «إذا لَمْ تَسْتَطِعْ إحْداكُنَّ أنْ تَأْتِيَهُ فَلْتَبْعَثْ إلَيْهِ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ؛ فَإنَّ مَن بَعَثَ إلَيْهِ بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِيهِ كانَ كَمَن صَلّى فِيهِ،» ورَوى بَعْضَهُ أبُو داوُدَ، وهو ثانِي مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ لِخَبَرِ أبِي ذَرٍّ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرْضِ أوَّلًا؟
قالَ: «المَسْجِدُ الحَرامُ».
قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟
قالَ: «المَسْجِدُ الأقْصى».
قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟
قالَ: «أرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أيْنَما أدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ؛ فَإنَّ الفَضْلَ فِيهِ»».
وقَدْ أسَّسَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ بِناءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الكَعْبَةَ بِما ذُكِرَ في الحَدِيثِ، وجَدَّدَهُ سُلَيْمانُ أوْ أتَمَّ تَجْدِيدَ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، والكَلامُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مُفَصَّلٌ في مَحَلِّهِ ﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾ أيْ: لِنَرْفَعَهُ إلى السَّماءِ حَتّى يَرى ما يَرى مِنَ العَجائِبِ العَظِيمَةِ.
فَقَدْ صَحَّ «أنَّهُ عُرِجَ بِهِ مِن صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ» كَما تَقَدَّمَ، واجْتَمَعَ في كُلِّ سَماءٍ مَعَ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، واطَّلَعَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحْوالِ الجَنَّةِ والنّارِ ورَأى مِنَ المَلائِكَةِ ما لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى.
ونُقِلَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى لَيْلَةَ المِعْراجِ في مَمْلَكَةِ اللَّهِ تَعالى خَلْقًا كَهَيْئَةِ الرِّجالِ عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ شاكِّينَ السِّلاحَ طُولُ الواحِدِ مِنهم ألْفُ عامٍ، والفَرَسُ كَذَلِكَ، يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، لا يُرى أوَّلُهم ولا آخِرُهُمْ، فَقالَ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَؤُلاءِ؟
فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ ﴾ فَأنا أهْبِطُ وأصْعَدُ أراهم هَكَذا يَمُرُّونَ لا أدْرِي مِن أيْنَ يَجِيئُونَ ولا إلى أيْنَ يَذْهَبُونَ.» وقَدْ صَلّى بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَ في العَقائِقِ: وكانَتْ صَلاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، قَرَأ في الأُولى: قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ، وفي الثّانِيَةِ الإخْلاصَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ دُعاءً، وذُكِرَ أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا سَبْعَةَ صُفُوفٍ، ثَلاثَةٌ مِنهم مُرْسَلُونَ، وأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَلَّتْ مَعَهُمْ، وهَذا مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ القاضِي زَكَرِيّا في شَرْحِ الرَّوْضِ، والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ يَظْهَرَ أنَّهُ إمامُ الكُلِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَلْ صَلّى بِأرْواحِهِمْ خاصَّةً أوْ بِها مَعَ الأجْسادِ؟
فِيهِ خِلافٌ، وكَذا اخْتُلِفَ في أنَّهُ صَلّى بِهِمْ قَبْلَ العُرُوجِ أوْ بَعْدَهُ، فَصَحَّحَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّهُ بَعْدَهُ، وصَحَّحَ القاضِي عِياضٌ وغَيْرُهُ أنَّهُ قَبْلَهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَلّى في كُلِّ سَماءٍ رَكْعَتَيْنِ يَؤُمُّ أمْلاكَها،» وكانَ الإسْراءُ والعُرُوجُ في بَعْضِ لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وكانَ رُجُوعُهُ عَلى ما كانَ ذَهابُهُ عَلَيْهِ، ولَمْ يُعَيَّنْ مِقْدارُ ذَلِكَ البَعْضِ، وكَيْفَما كانَ فَوُقُوعُ ما وقَعَ فِيهِ مِن أعْجَبِ الآياتِ وأغْرَبِ الكائِناتِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ لَمّا رَجَعَ وجَدَ فِراشَهُ لَمْ يَبْرُدْ مِن أثَرِ النَّوْمِ،» وقِيلَ: إنَّ غُصْنَ شَجَرَةٍ أصابَهُ بِعِمامَتِهِ في ذَهابِهِ فَلَمّا رَجَعَ وجَدَهُ بَعْدُ يَتَحَرَّكُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ لَيْلَةَ الإسْراءِ غَيْرُ لَيْلَةِ المِعْراجِ، وظاهِرُ الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ يَقْتَضِي أنَّهُما في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وإنَّما أُسْرِيَ بِهِ أوَّلًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وعُرِجَ بِهِ ثانِيًا مِنهُ لِيَكُونَ وُصُولُهُ إلى الأماكِنِ الشَّرِيفَةِ عَلى التَّدْرِيجِ، فَإنَّ شَرَفَ بَيْتِ المَقْدِسِ دُونَ شَرَفِ الحَضْرَةِ الَّتِي عَرَجَ إلَيْها عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: تَوْطِينًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما في المِعْراجِ مِنَ الغَرابَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ في الإسْراءِ، وإنْ كانَ غَرِيبًا أيْضًا، وقِيلَ: لِتَتَشَرَّفَ بِهِ أرْضُ المَحْشَرِ ذَهابًا وإيابًا، وقِيلَ: لِأنَّ بابَ السَّماءِ الَّذِي يُقالُ: مِصْعَدُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى مُقابَلَةِ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى بابًا مَفْتُوحًا مِن سَماءِ الدُّنْيا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، يَنْزِلُ مِنهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن أتى بَيْتَ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ، فَأُسْرِيَ بِهِ إلى هُناكَ أوَّلًا، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ لِيَكُونَ صُعُودُهُ عَلى الِاسْتِواءِ، وقِيلَ: إنَّ أُسْطُواناتِ المَسْجِدِ قالَتْ: رَبَّنا، حَصَلَ لَنا مِن كُلِّ نَبِيٍّ حَظٌّ، وقَدِ اشْتَقْنا إلى مُحَمَّدٍ فارْزُقْنا لِقاءَهُ فَبُدِئَ بِالإسْراءِ بِهِ إلى المَسْجِدِ تَعْجِيلًا لِلْإجابَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وعُبِّرَ بِمَنِ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ، لِأنَّ إراءَةَ جَمِيعِ آياتِ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ تَناهِيها مِمّا لا تَكادُ تَقَعُ، ولَوْ قِيلَ: آياتِنا لَتَبادَرَ الكُلُّ، ورُبَّما يُسْتَعانُ بِالمَقامِ عَلى إرادَتِهِ واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَرى نَبِيُّنا بَعْضَ الآياتِ ويَرى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وفَرْقٌ بَيْنَ الحَبِيبِ والخَلِيلِ، وأُجِيبَ بِأنَّ بَعْضَ الآياتِ المُضافَةِ إلَيْهِ تَعالى أشْرَفُ وأعْظَمُ مِن مَلَكُوتِ السَّمَواتِ والأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى ﴾ ، وقالَ الخَفاجِيُّ: السُّؤالُ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّ ما رَآهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ والحُجَجِ ولَيْسَ ذَلِكَ مُقاوِمًا لِلْمِعْراجِ فَتَأمَّلْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: لِنَرى مُحَمَّدًا لِلنّاسِ آيَةً مِن آياتِنا؛ أيْ لِيَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آيَةً في أنَّهُ يَصْنَعُ اللَّهُ تَعالى بِبَشَرٍ هَذا الصُّنْعَ، ويَنْدَفِعُ بِهَذا السُّؤالُ المَذْكُورُ، إلّا أنَّهُ احْتِمالٌ في غايَةِ البُعْدِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ رَأى رَبَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ؛ إذْ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَعالى أنَّهُ مِن آياتِهِ، بَلْ لا يَصْدُقُ سُبْحانَهُ أنَّهُ آيَةٌ، نَعَمْ مُثْبِتُو الرُّؤْيَةِ يَحْتَجُّونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وكَذا لَيْسَتِ الآيَةُ نَصًّا في المِعْراجِ بَلْ هي نَصٌّ في الإسْراءِ دُونَهُ؛ إذْ يَجُوزُ حَمْلُ بَعْضِ الآياتِ عَلى ما حَصَلَ لَهُ في الإسْراءِ فَقَطْ، بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ في الآياتِ مُطْلَقًا ما هو نَصٌّ في ذَلِكَ، مِن هُنا قالُوا: الإسْراءُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَطْعِيٌّ ثَبَتَ بِالكِتابِ، فَمَن أنْكَرَهُ فَهو كافِرٌ، والمِعْراجُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَمَن أنْكَرَهُ فَلَيْسَ بِكافِرٍ بَلْ مُبْتَدَعٌ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ كَما صَرَّحَ بِالإسْراءِ رَحْمَةً بِالقاصِرِينَ عَلى ما قِيلَ، وفي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ المَسْجِدِ الأقْصى فَقَطْ دُونَ السَّماءِ أنَّهُ لَوْ ذُكِرَ صُعُودُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لاشْتَدَّ إنْكارُهم لِذَلِكَ، فَلَمّا أخْبَرَ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وبِأنَّ لَهم صَدَقَةً فِيما أخْبَرَ بِهِ مِنَ العَلاماتِ الَّتِي فِيهِ وصَدَّقُوهُ عَلَيْها أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِعْراجِهِ إلى السَّماءِ فَكانَ الإسْراءُ كالتَّوْطِئَةِ لِلْمِعْراجِ اه.
وهَذا ظاهِرٌ في الخَبَرِ الوارِدِ في هَذا البابِ لا في الآيَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ فِيها بِالمِعْراجِ كَما أخْبَرَ فِيها بِالإسْراءِ دَلالَةً، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّصْرِيحِ كافِيَةٌ فَتَدَبَّرْ، وصَرْفُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ ﴾ إلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ فِي: ﴿ بارَكْنا ﴾ «ونُرِيَهُ آياتِنا» لِتَعْظِيمِ البَرَكاتِ والآياتِ لِأنَّها كَما تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ تَدُلُّ عَلى عِظَمِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ وصَدَرَ عَنْهُ كَما قِيلَ: إنَّما يَفْعَلُ العَظِيمُ العَظِيمَ، وقَدْ ذَكَرُوا لِهَذا التَّلْوِينِ نُكْتَةً خاصَّةً وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا ﴾ يَدُلُّ عَلى مَسِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ إلى عالَمِ الغَيْبِ، فَهو بِالغَيْبَةِ أنْسَبُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بارَكْنا حَوْلَهُ ﴾ دَلَّ عَلى إنْزالِ البَرَكاتِ فَيُناسِبُ تَعْظِيمَ المُنْزِلِ، والتَّعْبِيرُ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِنُرِيَهُ ﴾ عَلى مَعْنى بُعْدِ الِاتِّصالِ وعِزِّ الحُضُورِ، فَيُناسِبُ التَّكَلُّمُ مَعَهُ، وأمّا الغَيْبَةُ فَلِكَوْنِهِ إذْ ذاكَ لَيْسَ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ، ولِذا قِيلَ: إنَّ فِيهِ إعادَةً إلى مَقامِ السِّرِّ والغَيْبُوبَةِ مِن هَذا العالَمِ، والغَيْبَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن آياتِنا ﴾ عَوْدٌ إلى التَّعْظِيمِ كَما سَبَقَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وأمّا الغَيْبَةُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لَهُ تَعالى كَما هو الأظْهَرُ وعَلَيْهِ الأكْثَرُ فَلِيُطابِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ بِعَبْدِهِ ﴾ ويُرَشِّحُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ بِما يُوقِعُ هَذا الِالتِفاتَ أحْسَنَ مَواقِعِهِ ويَنْطَبِقُ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ أتَمَّ انْطِباقٍ، إذِ المَعْنى قَرَّبَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ الكَرامَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مُطَّلِعٌ عَلى أحْوالِهِ عالِمٌ بِاسْتِحْقاقِهِ لِهَذا المَقامِ، قالَ الطِّيبِيُّ: إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِأقْوالِ ذَلِكَ العَبْدِ، البَصِيرُ بِأفْعالِهِ بِكَوْنِها مُهَذَّبَةً خالِصَةً عَنْ شَوائِبِ الهَوى مَقْرُونَةً بِالصِّدْقِ والصَّفا، مُسْتَأْهِلَةً لِلْقُرْبِ والزُّلْفى، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلنَّبِيِّ كَما نَقَلَهُ أبُو البَقاءِ عَنْ بَعْضِهِمْ وقالَ: أيِ السَّمِيعُ لِكَلامِنا البَصِيرُ لِذاتِنا، وقالَ الجَلَبِيُّ: إنَّهُ لا يَبْعُدُ، والمَعْنى عَلَيْهِ: إنَّ عَبْدَيِ الَّذِي شَرَّفْتُهُ بِهَذا التَّشْرِيفِ هو المُسْتَأْهِلُ لَهُ فَإنَّهُ السَّمِيعُ لِأوامِرِي ونَواهِيَّ، العامِلُ بِهِما، البَصِيرُ الَّذِي يَنْظُرُ بِنَظْرَةِ العِبْرَةِ في مَخْلُوقاتِي فَيَعْتَبِرُ، أوِ البَصِيرُ بِالآياتِ الَّتِي أرَيْناهُ إيّاها؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى ﴾ فَقِيلَ: لِمُطابَقَةِ الضَّمائِرِ العائِدَةِ عَلَيْهِ.
وكَذا لَمّا عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: «عَبْدِهِ»، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى اخْتِصاصِهِ بِالمِنَحِ والزُّلْفى وغَيْبُوبَةِ شُهُودِهِ في عَيْنٍ، بِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، ولا يَمْتَنِعُ إطْلاقُ السَّمِيعِ والبَصِيرِ عَلى غَيْرِهِ تَعالى كَما تُوُهِّمَ لا مُطْلَقًا ولا هُنا، قالَ الطِّيبِيُّ: ولَعَلَّ السِّرَّ في مَجِيءِ الضَّمِيرِ مُحْتَمِلًا لِلْأمْرَيْنِ الإشارَةُ إلى أنَّهُ إنَّما رَأى رَبَّ العِزَّةِ وسَمِعَ كَلامَهُ بِهِ سُبْحانَهُ كَما في الحَدِيثِ المُشارِ إلَيْهِ آنِفًا فافْهَمْ تَسْمَعْ وتُبْصِرْ، وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ إمّا لِأنَّ سَماعَهُ تَعالى بِلا أُذُنٍ، وبَصَرَهُ بِلا عَيْنٍ، عَلى نَحْوٍ لا يُشارِكُهُ فِيهِ تَعالى أحَدٌ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِاخْتِصاصِهِ بِتِلْكَ الكَرامَةِ.
وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ في أمْرِ الإسْراءِ أيْ: إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِما تَقُولُونَ أيُّها المُكَذِّبُونَ، البَصِيرُ بِما تَفْعَلُونَ فَيُعاقِبُكم عَلى ذَلِكَ.
وقَرَأ الحَسَنُ: «لِيُرِيَهُ» بِياءِ الغَيْبَةِ فَفي الآيَةِ حِينَئِذٍ أرْبَعُ التِفاتاتٍ: <div class="verse-tafsir"
مكية وهي: مائة وإحدى عشرة آية قوله تعالى: سُبْحانَ أي: عجبٌ من أمر الله تعالى الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ.
ويقال: تنزيه الله تعالى.
وروى موسى بن طلحة قال: كان رسول الله سئل عن سُبْحانَ.
فقال: «نَزَّهَ الله نَفْسَهُ عَنِ السُّوءِ» .
وروي عن علي بن أبي طالب، أن ابن أبي الْكَوَّاءَ سأله عن سبحان الله فقال عليّ: «كلمة رضيها الله لنفسه» .
ويقال: معناه سبحوا الله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ أي: أدلج برسوله لَيْلًا أي: في ليلة.
ويقال: أَسْرى يعني: سار بعبده ليلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي: مكة.
وقال ابن عباس: من بيت أم هانئ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى يعني: إلى بيت المقدس.
قال الفقيه: أخبرني الثقة بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: سئل رسول الله عن الليلة التي أسرى به فيها، فقال: «أوتِيتُ بِدَابَّةٍ هِيَ أَشْبَهُ الدَّوَابِّ بِالبَغْلِ وَهُوَ البُرَاقُ، وَهُوَ الَّذِي كَان يَرْكَبُهُ الأَنْبِيَاءِ» .
قال: «فَانْطَلَقَ بِي يَضَعُ يَدَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى بَصَرِهِ، فَسَمِعْتُ نِداءً عَنْ يَمِيني: يا مُحَمَّدُ عَلَى رِسْلِكَ.
فمضيت ولم أعرّج عليه أي ما التفت إليه، ثُمَّ سَمِعْتُ نِداءً عَنْ شِمَالِي فَمَضَيْتُ.
ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْنِي امْرَأَةٌ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينةٍ، فَمَدَّتْ يدَيْهَا، وَقَالَتْ: عَلَى رِسْلِكَ فَمَضَيْتُ وَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَيْهَا.
ثُمَّ أَتَيْتُ البَيْتَ المَقْدِسَ.
أوْ قَالَ: المَسْجِدَ، فَنَزَلْتُ وَأَوْثَقْتَهُ بِالحَلقَةِ الَّتِي كَانَتِ الأنْبِياءُ يُوثِقُونَ بِهَا، ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ سَمِعْتُ نِداءً عَنْ يَمينِي، فَقَالَ: ذاكَ داعِي اليَهُودِيَّةِ، أما إنك لو وقفت عَلَيْهِ لَتَهَوَّدَتْ أُمَّتُكَ.
فَقُلْتُ: وَسَمِعْتُ نِداءً عَنْ شِمَالِي.
قالَ: كانَ ذلك دَاعِيَ النَّصَارَى، أمَا إنَّكَ لَوْ وَقَفْتَ عَلَيْهِ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ، وَأمَّا المَرْأَةُ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزَيَّنَتْ لَكَ.
أمَا إنَّكَ لَوْ وَقَفْتَ عَلَيْهَا لاخْتَارَتْ أمَّتُكَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ.
قالَ: ثُمَّ أوتِيتَ بِإنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيهِ لَبَنٌ، وَالآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ.
فَقَالَ لِي: اشْرَبْ أيَّهُمَا شِئْتَ، فأَخَذْتُ اللَّبَنَ وَشَربْتُ.
فَقَالَ أَصَبْتَ الفِطْرَةَ، أَيْ أُعْطِيَتْ أُمَّتُكَ الإسْلاَم.
أَمَا إنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَةَ لَغَوَتْ أمَّتُكَ.
ثُمَّ جِيءَ بِالمِعْرَاجِ الْذِي تَعْرُجُ فِيهِ أرْوَاحُ بَنِي آدَمَ، فَإذا هُوَ أَحْسَنُ ما رَأَيْتُ، فَعُرِجَ بِنَا فيهِ» (١) من أول الليل من المسجد الحرام.
يقول: من الحرم من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، إلى المَسْجِدِ الأَقْصَى أي: الأبعد.
يعني: إلى مسجد إيلياء وهو بيت المقدس الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ بالماء والأشجار، وهو المدائن التي حوله مثل دمشق والأردن وفلسطين.
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا أي: لكي نريه من آياتنا.
أراه الله تعالى في تلك الليلة من عجائب السموات والأرض.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لمقالة أهل مكة وإنكارهم الْبَصِيرُ أي: العليم بهم.
وذلك أنه لما أخبرهم عن قصة تلك الليلة، أنكروا.
وروى الزهري عن عروة قال: إنه لما أسري به إلى المسجد الأقصى، فأخبر الناس بذلك، فارتد ناس كثير ممن كان صدقه، وفتنوا بذلك، وكذبوا به، وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر، فقالوا له: هذا صاحبك يزعم أنه قد أُسري به الليلة إلى بيت المقدس، ثم رجع من ليلته.
فقال أبو بكر: أو قال ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: فَإِنِّي أشهد إن كان قال ذلك أنه قد صدق.
فقالوا: أتصدقه بأنه جاء إلى الشام ورجع في ليلة واحدة، قبل أن يصبح؟
فقال أبو بكر: نعم.
إني أصدقه في أبعد من ذلك.
أصدقه بخبر السماء غدوة وعشية.
فذلك سمي أبو بكر «الصديق» .
قال الزهري: أخبرني أنس بن مالك: أن النبيّ فرضت عليه الصلاة ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت إلى خمس، ثم نودي يا محمد ما يبدل القول لدى، وإن لك بالخمس خمسين.
(١) عزاه السيوطي: 5/ 217 إلى ابن مردويه.
<div class="verse-tafsir"
الإسراء فيما قال مقاتِلٌ وقتادةُ: قبل الهجرة بعامٍ «١» ، وقيل: بعام ونصفٍ، والمتحقِّق أن ذلك كان بَعْدَ شَقِّ الصحيفة، وقبل بيعة العقبة، ووقع في «الصحيحين» لشَرِيك بن أبي نَمِرٍ، وَهْمٌ في هذا المعنى فإنه روى حديثَ الإِسراء، فقال فيه: وذلك قبل أنْ يوحى إِليه، ولا خلاف بين المحدِّثين أن هذا وَهْمَ من شريك.
قال ص: أَسْرى بِعَبْدِهِ بمعنى: سَرَى، وليست همزتُهُ للتعدية، بل ك «سقى وأسقى» ، والباء للتعدية، ولَيْلًا ظرفٌ للتأكيد لأن السُّرَى لا يكون لغةً إِلا بليلٍ، وقيل: يعنى به في جوف الليل، فلم يكن إِدْلاجاً ولا ادلاجا انتهى.
والْمَسْجِدِ الْأَقْصَى: بيت المقدس، «والأقصى» البعيدُ، والبركة حولَهُ منْ وجهين:
أحدهما، النبوَّة والشرائعُ والرسُل الذين كانوا في ذَلِكَ القُطْر، وفي نواحيه.
والآخر: النِّعَم من الأشجار والمياه والأرض المفيدة.
وقوله سبحانه: لِنُرِيَهُ يريد لنري محمَّداً بعينه آياتنا في السموات والملائكة والجَنَّةَ والسِّدْرةَ وغير ذلك من العجائبِ، مما رآه تلك الليلة، ولا خلاف أنَّ في هذا الإِسراء فُرِضَت الصلواتُ الخمسُ على هذه الأمة.
وقوله سبحانه: إِنَّهُ هُوَ/ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وعيد للمكذِّبين بأمر الإِسراء، أي: هو السميع لما تقولون، البصير بأفعالكم.
وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، أي: التوراة.
وقوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ...
الآية: التقديرُ: فعلنا ذلك لَئِلاَّ تتخذوا يا ذرية ف ذُرِّيَّةَ: منصوب على النداء، وهذه مخاطبة للعالَم، ويتجه نصبُ (ذرِّيَّة) على أنه مفعول ب «تتخذوا» ، ويكون المعنى أَلاَّ يتخذوا بشراً إِلاها من دون الله، وقرأ أبو عمرو «٢»
وحده: «أَلاَّ يَتَّخِذُوا» بالياء، على لفظ الغائب، «والوكيل» هنا من التوكيل، أي: متوكَّلاً عليه في الأمور، فهو ندٌّ للَّه بهذا الوجه، وقال مجاهد: وَكِيلًا: شريكاً «١» ، ووصف نوح بالشُّكْر لأنه كان يحمد اللَّه في كل حالٍ، وعلى كل نعمةٍ من المطعم والمشرب والملبس والبراز وغير ذلك صلّى الله عليه وسلّم، قاله سلمانُ الفارسيُّ وغيره «٢» ، وقال ابن المبارك في «رقائقه» : أخبرنا ابنُ أبي ذئبٍ عن سعيدٍ المُقْبُرِيِّ عن أبيه عن عبد الله بن سَلاَمٍ: أن موسى عليه السلام قال: يا ربِّ، ما الشكْرُ الذي ينبغي لَكَ؟
قَالَ: يَا مُوسَى لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِي «٣» ، انتهى، وقد رُوِّيناه مسنداً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعني قوله: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّه» «٤» .
وقوله سبحانَهُ: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية: قالتْ فرقة: قَضَيْنا معناه:
في أم الكتاب.
قال ع «٥» : وإنما يُلْبِسُ في هذا المكان تعديةُ قَضَيْنا ب «إلى» ، وتلخيصُ المعنى عندي: أنَّ هذا الأمر هو مما قضاه اللَّه عزَّ وجلَّ في أمِّ الكتاب على بني إسرائيل،
سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ * فَصْلٌ في نُزُولِها هِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَماعَةِ، إلّا أنَّ بَعْضَهم يَقُولُ: فِيها مَدَنِيٌّ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَمانِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ نَصِيرًا ﴾ ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ ﴾ والَّتِي تَلِيها [ الإسْراءِ: ٧٤، ٧٥ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سُبْحانَ ﴾ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ " سُبْحانَ اللَّهِ "، فَقالَ: " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ» "، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى في ( البَقَرَةِ: ٣٢ ) .
قالَ الزَّجّاجُ: و " أسْرى " بِمَعْنى: سَيَّرَ عَبْدَهُ، يُقالُ: أسْرَيْتُ وسَرَيْتُ: إذا سِرْتُ لَيْلًا.
وقَدْ جاءَتِ اللُّغَتانِ في القُرْآَنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واللَّيْلِ إذا يَسْرِ ﴾ .
وَفِي مَعْنى التَّسْبِيحِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تُسَبِّحُ عِنْدَ الأمْرِ المُعَجِّبِ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى عَجَّبَ العِبادَ مِمّا أسْدى إلى رَسُولِهِ مِنَ النِّعْمَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَدَّثَهم بِالإسْراءِ كَذَّبُوهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: تَنَزَّهَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ رَسُولًا كَذّابًا.
ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِن نَفْسِ المَسْجِدِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ويَسْنِدُهُ حَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وهو في " الصَّحِيحَيْنِ ": " «بَيْنا أنا في الحَطِيمِ» "، ورُبَّما قالَ بَعْضُ الرُّواةِ: " في الحِجْرِ " .
والثّانِي: أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، فَعَلى هَذا يَعْنِي بِالمَسْجِدِ الحَرامِ: الحَرَمُ.
والحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى وغَيْرُهُ.
فَأمّا ﴿ المَسْجِدِ الأقْصى ﴾ : فَهو بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ لَهُ: الأقْصى؛ لِبُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ.
ومَعْنى ﴿ بارَكْنا حَوْلَهُ ﴾ : أنَّ اللَّهَ أجْرى حَوْلَهُ الأنْهارَ وأنْبَتَ الثِّمارَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَقَرُّ الأنْبِياءِ ومَهْبِطُ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ أمْ لا؛ فَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وصَلّى فِيهِ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ.
وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ، ولا نَزَلَ عَنِ البُراقِ حَتّى عُرِجَ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إلى المَسْجِدِ الأقْصى ﴾ ، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: صَعِدَ إلى السَّماءِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ الإسْراءَ كانَ إلى هُنالِكَ، والمِعْراجَ كانَ مِن هُنالِكَ.
وَقِيلَ: إنَّ الحِكْمَةَ في ذِكْرِ ذَلِكَ: أنَّهُ لَوْ أُخْبِرَ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ في بَدْءِ الحَدِيثِ، لاشْتَدَّ إنْكارُهُمْ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وبانَ لَهم صِدْقُهُ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِنَ العَلاماتِ الصّادِقَةِ، أُخْبِرَ بِمِعْراجِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾ ، يَعْنِي: ما رَأى؛ أيْ: تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي أخْبَرَ بِها النّاسَ.
﴿ " إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ " لِمَقالَةِ قُرَيْشٍ، ﴿ البَصِيرُ ﴾ بِها.
وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا المُسَمّى بِـ " الحَدائِقِ " أحادِيثَ المِعْراجِ، وكَرِهْنا الإطالَةَ هاهُنا.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الإسْراءِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ: قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ﴾ ، نَزَلَتْ حِينَ جاءَ رَسُولَ اللهِ وفْدُ ثَقِيفَ، وحِينَ قالَتِ اليَهُودُ: "لَيْسَتْ هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ"، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ ، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ ﴾ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: في بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "إنَّهُنَّ مِنَ العَتاقِ، الأُوَلِ، وهُنَّ مَنَّ تِلادِي"، يُرِيدُ أنَّهُنَّ مِن قَدِيمِ كَسْبِهِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنَ آياتِنا إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ لَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أسْرى بِعَبْدِهِ، وهو مُحَمَّدٌ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: سَرى بِعَبْدِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ "أسْرى" مُعَدّاةٌ بِالهَمْزِ إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أسْرى المَلائِكَةُ بِعَبْدِهِ، وذَلِكَ لَأنَّهُ يُقْلِقُ أنْ يُسْنَدَ "أسْرى" -وَهُوَ بِمَعْنى "سَرى"- إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، إذْ هو فِعْلٌ يُعْطِي النَقْلَةَ كَمَشى وجَرى وأحْضَرَ وانْتَقَلَ، فَلا يَحْسُنُ إسْنادُ شَيْءٍ مِن هَذا ونَحْنُ نَجِدُ مَندُوحَةً، فَإذا صَرَّحَتِ الشَرِيعَةُ بِشَيْءٍ مِن هَذا النَحْوِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الحَدِيثِ: « "أتَيْتُهُ سَعْيًا، وأتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"» حُمِلَ ذَلِكَ بِالتَأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ المُخَلِّصِ مِن نَفْيِ الحَوادِثِ، و"أسْرى" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- تَخْرُجُ فَصِيحَةً كَما ذَكَرْنا، ولا تَحْتاجُ إلى تَجَوُّزِ قَلَقٍ في مِثْلِ هَذا اللَفْظِ، فَإنَّهُ ألْزَمُ لِلنَّقْلَةِ مَن "أتَيْتُهُ" و ﴿ فَأتى اللهُ بُنْيانَهُمْ ﴾ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أسْرى" بِمَعْنى: "سَرى" عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ﴾ .
ووَقَعَ الإسْراءُ في جَمِيعِ مُصَنَّفاتِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ عَنِ الصَحابَةِ في كُلِّ أقْطارِ الإسْلامِ، فَهو مِنَ المُتَواتِرِ بِهَذا الوَجْهِ.
وذَكَرَ النَقّاشُ مِمَّنْ رَواهُ عِشْرِينَ صَحابِيًّا، فَرَوى جُمْهُورُ الصَحابَةِ، وتَلَقّى جُلُّ العُلَماءِ مِنهم أنَّ الإسْراءَ كانَ بِشَخْصِهِ ، وأنَّهُ رَكِبَ البُراقُ مِن مَكَّةَ ووَصَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ.
ورَوى حُذَيْفَةُ وغَيْرُهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يَنْزِلْ عَنِ البُراقِ في بَيْتِ المَقْدِسِ ولا دَخَلَهُ، - قالَ حُذَيْفَةُ: ولَوْ صَلّى فِيهِ لَكُتِبَتْ عَلَيْكُمُ الصَلاةُ فِيهِ- وأنَّهُ رَكِبَ البُراقَ بِمَكَّةَ ولَمْ يَنْزِلْ عنهُ حَتّى انْصَرَفَ إلى بَيْتِهِ إلّا في صُعُودِهِ إلى السَماءِ.
وقالَتْ عائِشَةُ ومُعاوِيَةُ: إنَّما أُسْرِيَ بِنَفْسِ رَسُولِ اللهِ ، ولَمْ يُفارِقْ شَخْصُهُ مَضْجَعَهُ، وإنَّها كانَتْ رُؤْيا رَأى فِيها الحَقائِقَ مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وجَوَّزَهُ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحَدِيثُ مُطَوَّلٌ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا نَصَّهُ في هَذا الكِتابِ، ورُكُوبُ البُراقِ عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ يَكُونُ مِن جُمْلَةِ ما رُئِيَ في النَوْمِ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: البُراقُ هو دابَّةُ إبْراهِيمَ الَّذِي كانَ يَزُورُ عَلَيْهِ البَيْتَ الحَرامَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدانِ: يَجِيءُ مِن يَوْمِهِ ويَرْجِعُ، وذَلِكَ مِن مَسْكَنِهِ بِالشامِ.
والصَحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، ولَوْ كانَتْ مَنامَةً ما أمْكَنَ قُرَيْشًا أنْ تُشَنِّعَ، ولا فُضِّلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالتَصْدِيقِ، ولا قالَتْ لَهُ أمْ هانِيءٍ: لا تُحَدِّثُ الناسَ بِهَذا فَيُكَذِّبُوكَ، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الدَلائِلِ.
واحْتَجَّ لِقَوْلِ عائِشَةَ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا الرُؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَحْتَمِلُ القَوْلَ الآخَرَ؛ لَأنَّهُ يُقالُ لِرُؤْيَةِ العَيْنِ: رُؤْيا.
واحْتَجَّ أيْضًا بِأنْ في بَعْضِ الأحادِيثِ: « "فاسْتَيْقَظْتُ وأنا في المَسْجِدِ الحَرامِ"،» وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَرُدَّ مِنَ الإسْراءِ إلى نَوْمٍ.
واعْتُرِضَ قَوْلُ عائِشَةَ بِأنَّها كانَتْ صَغِيرَةً لَمْ تُشاهِدْ ولا حَدَّثَتْ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا مُعاوِيَةُ فَكانَ كافِرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، غَيْرَ مُشاهِدٍ لِلْحالِ، صَغِيرًا، ولَمْ يُحَدِّثْ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "سُبْحانَ" مَصْدَرٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ؛ لَأنَّهُ لا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ، ولِمَ يَجِيءْ مِنهُ فَعَلَ، وسَبَّحَ مَعْناهُ: قالَ سُبْحانَ اللهِ، فَلَمْ تُسْتَعْمَلْ سَبَّحَ إلّا إشارَةً إلى سُبْحانَ، ولَمْ يَتَصَرَّفْ لَأنَّ في آخِرِهِ زائِدَتَيْنِ، وهو مَعْرِفَةٌ بِالعَلَمِيَّةِ وإضافَتُهُ لا تَزِيدُهُ تَعْرِيفًا، هَذا كُلُّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فِيهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَصْبُهُ عَلى النِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: يا سُبْحانَ الَّذِي أسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، ومَعْناهُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ.
«وَرَوى طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الفَيّاضُ أحَدُ العَشْرَةِ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ : ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟
فَقالَ: "تَنْزِيهٌ لِلَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ"،» والعامِلُ فِيهِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي هو مِن مَعْناهُ لا مِن لَفْظِهِ إذْ يَجُرُّ مِن لَفْظِهِ فَعَلَ، وذَلِكَ مِثْلَ: "قَعَدَ القُرْفُصاءَ واشْتَمَلَ الصَمّاءَ"، فالتَقْدِيرُ عِنْدَهُ: أُنَزِّهُ اللهَ تَنْزِيهًا، فَوَقَعَ "سُبْحانَ" مَكانَ قَوْلِكَ: تَنْزِيهًا.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "أسْرى" فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، عَدّاهُ هُنا بِحَرْفِ الجَرِّ، تَقُولُ: أسَرى الرَجُلُ وسَرى إذا سارَ بِاللَيْلِ بِمَعْنى.
وقَدْ ذَكَرْتُ ما يَظْهَرُ في اللَفْظِ مِن جِهَةِ العَقِيدَةِ.
وقَرَأ حُذَيْفَةُ وابْنُ مَسْعُودٍ: "أسْرى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَيْلِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ .
قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أرادَ المَسْجِدَ المُحِيطَ بِالكَعْبَةِ نَفْسِها، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ: هو الَّذِي يُعْرَفُ إذا ذُكِرَ هَذا الِاسْمُ، ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "بَيْنَما أنا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النائِمِ واليَقْظانِ"،» وذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الكَشِّيِّ في تَفْسِيرِهِ، عن سُفْيانَ الثَوْرِيِّ أنَّهُ قالَ: أُسْرِيَ بِالنَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن شِعْبِ أبِي طالِبٍ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "المَسْجِدِ الحَرامِ" مَكَّةُ كُلُّها، واسْتَنَدُوا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ ، وعَظُمَ المَقْصِدُ هُنا إنَّما هو مَكَّةُ.
ورَوى بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ عن أُمِّ هانِئٍ أنَّها قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ في بَيْتِي، ورُوِيَ بَعْضُها عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "خَرَجَ سَقْفُ بَيْتِي"،» وهَذا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللهُ عنها.
وكانَ الإسْراءُ فِيما قالَ مُقاتِلٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: بِعامٍ ونِصْفٍ، قالَهُ عُرْوَةُ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وكانَ ذَلِكَ في رَجَبٍ، وقِيلَ: في لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ، والنَبِيُّ ابْنُ إحْدى وخَمْسِينَ سَنَةً وتِسْعَةَ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، والمُتَحَقِّقُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ شَقِّ الصَحِيفَةِ، وقِيلَ: بَيْعَةُ العَقَبَةِ، ووَقَعَ في الصَحِيحَيْنِ لِشَرِيكِ بْنِ أبِي نَمْرٍ وهُمٌ في هَذا المَعْنى، فَإنَّهُ رَوى حَدِيثَ الإسْراءِ فَقالَ فِيهِ: "وَذَلِكَ قَبْلَ الوَحْيِ إلَيْهِ".
ولا خِلافَ بَيْنِ المُحَدِّثِينَ أنَّ هَذا وهُمٌ مِن شَرِيكٍ.
و"المَسْجِدِ الأقْصى" مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وسَمّاهُ "الأقْصى" أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ أقْصى بُيُوتِ اللهِ الفاضِلَةِ مِنَ الكَعْبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأقْصى": البَعِيدُ، دُونَ مُفاضَلَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ، ويَكُونُ المَقْصِدُ إظْهارَ العَجَبِ في الإسْراءِ إلى هَذا البُعْدِ في لَيْلَةٍ.
والبَرَكَةُ حَوْلَهُ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما النُبُوَّةُ والشَرائِعُ والرُسُلُ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ القُطْرِ وفي نَواحِيهِ ونَوادِيهِ، والأُخْرى النِعَمُ مِنَ الأشْجارِ والمِياهِ والأرْضِ المُفِيدَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ الشامَ بِها، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ بارَكَ فِيما بَيْنُ العَرِيشِ إلى الفُراتِ، وخَصَّ فِلَسْطِينَ بِالتَقْدِيسِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾ يُرِيدُ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا بِعَيْنِهِ آياتِنا في السَماواتِ، والمَلائِكَةِ، والجَنَّةِ، والسِدْرَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا رَآهُ تِلْكَ اللَيْلَةَ مِنَ العَجائِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ آيَةً، أيْ: يَكُونُ النَبِيُّ آيَةً في أنْ يَصْنَعَ اللهُ لِبَشَرٍ هَذا الصُنْعَ، وتَكُونُ الرُؤْيَةُ -عَلى هَذا- رُؤْيَةَ قَلْبٍ.
ولا خِلافَ أنَّ في هَذا الإسْراءِ فُرِضَتِ الصَلَواتُ الخَمْسُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ وعِيدٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِلْكُفّارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أمْرِ الإسْراءِ، فَهي إشارَةٌ لَطِيفَةٌ بَلِيغَةٌ إلى ذَلِكَ، أيْ: هو السَمِيعُ لِما تَقُولُونَ، البَصِيرُ بِأفْعالِكم.
<div class="verse-tafsir"
الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام مُتضمّننٍ ما يَجب تنزيه الله عنه يؤذن بأن خبراً عجيباً يستقبله السامعون دالاً على عظيم القدرة من المتكلم ورفيع منزلة المتحدث عنه.
فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيهاً أو تنقيصاً لا يليقان بجلال الله تعالى مثل ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون ﴾ [الصافّات: 180] يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه، وذلك هو التعجيب من الخبر المتحدث به كقوله ﴿ قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ [النور: 16]، وقول الأعشى: قد قلتُ لما جاءني فخرُه *** سُبْحَان من علقمَةَ الفاخِرِ ولما كان هذا الكلام من جانب الله تعالى والتسبيح صادراً منه كان المعنى تعجيب السامعين، لأن التعجب مستحيلة حقيقته على الله لا لأن ذلك لا يلتفت إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل، مثل مجيء الرجاء في كلامه تعالى نحو ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ [البقرة: 189]، بل لأنه لا يستقيم تعجب المتكلم من فعل نفسه، فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم أتعجب من قول فلان كيْت وكيْت.
ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ما لا يليق بالله تعالى.
ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلاً للشك في قدرة الله وللإشراك به كان من شأنه أن يُنطق المتأمل بتسبيح الله تعالى، أي تنزيهه عن العجز.
وأصل صيغ التسبيح هو كلمة سبحان الله } التي نُحت منها السبحلة.
ووقع التصرف في صيغها بالإضمار نحو سبحانَك وسبحانه، وبالموصول نحو ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج كلها ﴾ [يس: 36] ومنه هذه الآية.
والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه، وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى.
ويفيد أن حديث الإسراء أمر فَشا بين القوم، فقد آمن به المسلمون وأكبَره المشركون.
وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد وإثباتُ أنه رسول من الله، وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قِبل لهم بإنكاره، فقد كان إسراؤه إطلاعاً له على غائب من الأرض، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام.
وأسرى } لغة في سَرَى، بمعنى سار في الليل، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن التعدية حاصلة بالباء، بل أسرى فعل مفتح بالهمزة مرادف سَرى، وهو مثل أبان المرادف بَان، ومثل أنهج الثوبُ بمعنى نَهَجَ أي بلِيَ، ف ﴿ أسرى بعبده ﴾ بمنزلة ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ [البقرة: 17].
وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعولَ في الفعل، فأصل (ذهب به) أنه استصحبه، كما قال تعالى ﴿ وسار بأهله ﴾ [القصص: 29].
وقالت العرب أشبعهم شتماً، ورَاحوا بالإبل.
وفي هذا لطيفة تناسب المقام هنا إذ قال أسرى بعبده } دون سرّى بعبْدَه، وهي التلويح إلى أن الله تعالى كان مع رسوله في إسرائه بعنايتهِ وتوفيقه، كما قال تعالى ﴿ فإنك بأعيننا ﴾ [الطور: 48]، وقال: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40].
فالمعنى: الذي جعل عبده مُسرياً، أي سارياً، وهو كقوله تعالى: ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل ﴾ [هود: 81].
وإذ قد كان السُرى خاصاً بسير الليل كان قوله: ليلاً} إشارة إلى أن السير به إلى المسجد الأقصى كان في جُزء ليلة، وإلا لم يَكن ذكره إلا تأكيداً، على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة.
وفي ذلك إيماء إلى أنه أسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة، وأيضاً ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم.
فتنكير ﴿ ليلاً ﴾ للتعظيم، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل ﴿ أسرى ﴾ ، وبقرينة عدم تعريفه، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمناً لذلك السرى العظيم، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم.
ألا ترى كيف احْتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ﴾ [القدر: 1 2] إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة.
و (عَبْد) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد كما هو مصطلح القرآن، فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافاً إلى ضمير الغيبة الراجع إلى الله تعالى إلا مراداً به النبي؛ ولأن خبر الإسراء به إلى بيت المقدس قد شاع بين المسلمين وشاع إنكاره بين المشركين، فصار المراد بعبده} معلوماً.
والإضافة إضافة تشريف لا إضافة تعريف لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفاً.
والمسجد الحرام هو الكعبة والفِناء المحيط بالكعبة بمكة المتخذ للعبادة المتعلقة بالكعبة من طواف بها واعتكاف عندها وصلاة.
وأصل المسجد: أنه اسم مكان السجود.
وأصل الحرام: الأمر الممنوع، لأنه مشتق من الحَرْم بفتح فسكون وهو المنع، وهو يرادف الحرم.
فوصف الشيء بالحرام يكون بمعنى أنه ممنوع استعماله استعمالاً يناسبه، نحو ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] أي أكل الميتة، وقول عنترة: حُرمت علي وليتها لم تَحرم *** أي ممنوع قربانها لأنها زوجة أبيه وذلك مذموم بينهم.
ويكون بمعنى الممنوع من أن يعمل فيه عمل ما.
ويبين بذكر المتعلق الذي يتعلق به.
وقد لا يذكر متعلّقة إذا دل عليه العرف، ومنه قولهم: ﴿ الشهر الحرام ﴾ [البقرة: 194] أي الحرام فيه القتال في عرفهم.
وقد يحذف المتعلق لقصد التكثير، فهو من الحذف للتعميم فيَرجع إلى العموم العرفي، ففي نحو ﴿ البيت الحرام ﴾ [المائدة: 2] يراد الممنوع من عُدوان المعتدين، وغزوِ الملوك والفاتحين، وعمللِ الظلم والسوءِ فيه.
والحرام: فَعال بمعنى مفعول، كقولهم: امرأة حَصان، أي ممنوعة بعفافها عن الناس.
فالمسجد الحرام هو المكان المعد للسجود، أي للصلاة، وهو الكعبة والفناء المجعول حرماً لها.
وهو يختلف سعة وضيقاً باختلاف العصور من كثرة الناس فيه للطواف والاعتكاف والصلاة.
وقد بنى قريش في زمن الجاهلية بيوتهم حول المسجد الحرام.
وجعل قُصي بقربه دارَ الندوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة، فانحصر لما أحاطت به بيوت عشائر قريش.
وكانت كل عشيرة تتخذ بيوتها متجاورة.
ومجموع البيوت يسمى شِعباً بكسر الشين.
وكانت كل عشيرة تسلك إلى المسجد الحرام من منفذ دُورها، ولم يكن للمسجد الحرام جدار يُحفظ به.
وكانت المسالك التي بين دُور العشائر تسمى أبواباً لأنها يسلك منها إلى المسجد الحرام، مثل باب بني شيبة، وباب بني هاشم، وباب بني مخزوم وهو باب الصفا، وباب بني سهم، وباب بني تيم.
وربما عُرِف بعض الأبواب بجهة تقرب منه مثل بَاب الصفا ويسمى باب بني مخزوم.
وباب الحزورة سمي بمكان كانت به سوق لأهل مكة تسمى الحَزْورة.
ولا أدري هل كانت أبواباً تغلق أم كانت منافذ في الفضاء فإن الباب يطلق على ما بين حاجزين.
وأول من جعل للمسجد الحرام جداراً يُحفظ به هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبعَ عشرة من الهجرة.
ولُقب بالمسجد لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام جعله لإقامة الصلاة في الكعبة كما حكى الله عنه ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ [إبراهيم: 37].
ولما انقرضت الحنيفية وترك أهل الجاهلية الصلاة تناسوا وصفهُ بالمسجد الحرام فصاروا يقولون: البيت الحرام.
وأما قول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فإنه عبر عنه باسمه في الإسلام.
فغلبَ عليه هذا التعريف التوصيفي فصار له علماً بالغلبة في اصطلاح القرآن.
ولا أعرف أنه كان يعرف في الجاهلية بهذا الاسم، ولا على مسجد بيت المقدس في عصر تحريمه عند بَني إسرائيل.
وقد تقدم وجه ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ في [البقرة: 144]، وعند قوله تعالى: ﴿ أن صدوكم عن المسجد الحرام ﴾ في أول العقود [المائدة: 2].
وعلميته بمجموع الوصف والموصوف وكلاهما معَرّف باللام.
فالجزء الأول مثل النجم والجزء الثاني مثل الصعِق، فحصل التعريف بمجموعهما، ولم يعد النحاةُ هذا النوع في أقسام العلم بالغلبة.
ولعلهم اعتبروه راجعاً إلى المعرف باللام.
ولا بد من عده لأن علميته صارت بالأمرين.
والمسجد الأقصى هو المسجد المعروف ببيتتِ المقدِس الكائن بإيلياء، وهو المسجد الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام.
والأقصى، أي الأبعد.
والمراد بعده عن مكة، بقرينة جعله نهاية الإسراء من المسجد الحرام، وهو وصف كاشف اقتضاه هنا زيادة التنبيه على معجزة هذا الإسراء وكونه خارقاً للعادة لكونه قطْعَ مسافة طويلة في بعض ليلة.
وبهذا الوصف الوارد له في القرآن صار مجموع الوصف والموصوف علماً بالغلبة على مسجد بيت المقدس كما كان المسجد الحرام علماً بالغلبة على مسجد مكة.
وأحسب أن هذا العلم له من مبتكرات القرآن فلم يكن العرب يصفونه بهذا الوصف ولكنهم لما سمعوا هذه الآية فهموا المراد منه أنه مسجد إيلياء.
ولم يكن مسجد لدين إلهي غيرهما يومئذٍ.
وفي هذا الوصف بصيغة التفضيل باعتبار أصل وضعها معجزةٌ خفية من معجزات القرآن إيماء إلى أنه سيكون بين المسجدين مسجد عظيم هو مسجد طيبة الذي هو قَصِيٌ عن المسجد الحرام، فيكون مسجد بيت المقدس أقصى منه حينئذٍ.
فتكون الآية مشيرة إلى جميع المساجد الثلاثة المفضلة في الإسلام على جميع المساجد الإسلامية، والتي بينها قول النبي:» " لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي " وفائدة ذكر مبدأ الإسراء ونهايته بقوله: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا} أمران: أحدهما: التنصيص على قطع المسافة العظمية في جزء ليلة، لأن كلا من الظرف وهو ﴿ ليلاً ﴾ ومن المجرورين ﴿ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا ﴾ قد تعلق بفعل ﴿ أسرى ﴾ ، فهو تعلق يقتضي المقارنة، ليعلم أنه من قبيل المعجزات.
وثانيهما: الإيماء إلى أن الله تعالى يجعل هذا الإسراء رمزاً إلى أن الإسلام جمع ما جاءت به شرائع التوحيد والحنيفية من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام الصادر من المسجد الحرام إلى ما تفرع عنه من الشرائع التي كان مقرها بيت المقدس ثم إلى خاتمتها التي ظهرت من مكة أيضاً؛ فقد صدرت الحنيفية من المسجد الحرام وتفرعت في المسجد الأقصى.
ثم عادت إلى المسجد الحرام كما عاد الإسراء إلى مكة لأن كل سُرى يعقبه تأويب.
وبذلك حصل رد العجز على الصدر.
ومن هنا يظهر مناسبة نزول التشريع الاجماعي في هذه السورة في الآيات المفتتحة بقوله تعالى: ﴿ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ﴾ [الإسراء: 23 35] إيماء إلى أن هذا الدين سيكون ديناً يحكم في الناس وتنفذ أحكامه.
والمسجد الأقصى هو ثاني مسجد بناه إبراهيم عليه السلام كما ورد ذلك عن النبي.
ففي الصحيحين} عن أبي ذر قال: قلتُ يا رسول الله أي مسجد وُضع في الأرض أولُ؟
قال المسجدُ الحرام.
قلت: ثم أي؟
قال: المسجد الأقصى.
قلت كمْ بينهما؟
قال أربعون سنة».
فهذا الخبر قد بين أن المسجد الأقصى من بناء إبراهيم لأنه حُدد بمدة هي من مدة حياة إبراهيم عليه السلام.
وقد قُرن ذكره بذكر المسجد الحرام.
وهذا مما أهملَ أهل الكتاب ذكره.
وهو مما خَصّ الله نبيئه بمعرفته.
والتوراة تشهد له، فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر: أن إبراهيم لما دخل أرض كنعان (وهي بلاد فلسطين) نصب خيمته في الجبل شرقي بيت إيل (بيت إيل مدينة على بعد أحد عشر ميلاً من أورشليم إلى الشمال وهو بلد كان اسمه عند الفلسطينيين (لوزا) فسماه يعقوب: بيت إيل، كما في الإصحاح الثامن والعشرين من سفر التكوين) وغربي بلاد عاي (مدينة عبرانية تعرف الآن «الطيبة») وبنى هنالك مذبحاً للرب.
وهم يطلقون المذبح على المسجد لأنهم يذبحون القرابين في مساجدهم.
قال عمر بن أبي ربيعة: دُميةٌ عند راهب قسيس *** صوروها في مذبح المحراب أي مَكانَ المذبح من المسجد، لأن المحراب هو محل التعبد، قال تعالى: ﴿ وهو قائم يصلي في المحراب ﴾ [آل عمران: 39].
ولا شك أن مسجد إبراهيم هو الموضع الذي توخى داود عليه السلام أن يضع عليه الخيمة وأن يبني عليه محرابه أو أوحى الله إليه بذلك، وهو الذي أوصى ابنَه سليمان عليه السلام أن يبني عليه المسجدَ، أي الهيكل.
وقد ذكر مؤرخو العبرانيين ومنهم (يوسيفوس) أن الجبل الذي سكنه إبراهيم بأرض كنعان اسمه (نَابو) وأنه هو الجبل الذي ابتنى عليه سليمان الهيكل وهو المسجد الذي به الصخرة.
وقصة بناء سليمان إياه مفصلة في سفر الملوك الأول من أسفار التوراة.
وقد انتابه التخريب ثلاث مرات: أولاها:} حين خربه بختَنَصّر ملكُ بابل سنة 578 قبل المسيح ثم جدده اليهود تحت حكم الفُرس.
الثانية: خربه الرومان في مدة طيطوس بعد حروب طويلة بينه وبين اليهود وأعيد بناؤه، فأكمل تخريبَه أدريانوس سنة 135 للمسيح وعفى آثاره فلم تبق منه إلا أطلال.
الثالثة لما تنصرت الملكة هيلانة أم الأنبراطور قسطنطين ملككِ الروم (بيزنطة) وصارت متصلبة في النصرانية، وأشرب قلبُها بُغْض اليهود بما تعتقده من قتلهم المسيح كان مما اعتدت عليه حين زارت أورشليم أن أمرت بتعفية أطلال هيكل سليمان وأن ينقل ما بقي من الأساطين ونحوها فتبني بها كنيسة على قبر المسيح المزعوم عندهم في موضع توسموا أن يكون هو موضع القبر (والمؤرخون من النصارى يشكون في كون ذلك المكان هو المكان الذي يُدَّعَى أن المسيح دفن فيه) وأن تسميها كنيسة القيامة، وأمَرَت بأن يجعل موضعُ المسجد الأقصى مرمَى أزبال البلد وقُماماته فصار موضعُ الصخرة مَزْبلة تراكمت عليها الأزبال فغطتها وانحدرت على درجها.
ولما فتح المسلمون بقية أرض الشام في زمن عمر وجاء عمر بن الخطاب ليشهد فتح مدينة إيلياء وهي المعروفة من قبلُ (أورشليم) وصارت تسمى إيلياء بكسر الهمزة وكسر اللام وكذلك كان اسمها المعروف عند العرب عندما فتح المسلمون فلسطين.
وإيلياء اسم نبيء من بني إسرائيل كان في أوائل القرن التاسع قبل المسيح.
قال الفرزدق: وبيتان بيتُ الله نحن ولاته *** وبيتٌ بأعلى إيلياء مشرَّف وانعقد الصلح بين عُمر وأهل تلك المدينة وهم نصارى.
قال عمر لبطريق لهم اسمه (صفرونيوس) «دُلني على مسجد داوود»، فانطلق به حتى انتهى إلى مكان الباب وقد انحدر الزبل على دَرَج الباب فتجشم عمر حتى دخَل ونظر فقال: الله أكبر، هذا والذي نفسي بيده مسجدُ داوود الذي أخبرنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أُسري به إليه».
ثم أخذ عمر والمسلمون يكنسون الزبل عن الصخرة حتى ظهرت كلها، ومضى عمر إلى جهة محراب داوود فصلى فيه، ثم ارتحل من بلد القدس إلى فلسطين.
ولم يَبن هنالك مسجداً إلى أن كان في زمن عبد الملك بن مروان أمر بابتداء بناء القبة على الصخرة وعمارة المسجد الأقصى.
ووكل على بنائها رَجاء بن حَيْوَة الكِندي أحد علماء الإسلام، فابتدأ ذلك سنة ست وستين وكان الفراغ من ذلك في سنة ثلاث وسبعين.
كان عمر أول من صلى فيه من المسلمين وجعل له حرمة المساجد.
ولهذا فتسمية ذلك المكان بالمسجد الأقصى في القرآن تسمية قرآنية اعتبر فيها ما كان عليه من قبل لأن، حكم المسجدية لا ينقطع عن أرض المسجد.
فالتسمية باعتبار ما كان، وهي إشارة خفية إلى أنه سيكون مسجداً بأكمل حقيقة المساجد.
واستقبله المسلمون في الصلاة من وقت وجوبها المقارن ليلة الإسراء إلى ما بعد الهجرة بستة عشر شهراً.
ثم نسخ استقباله وصارت الكعبة هي القبلة الإسلامية.
وقد رأيت أن سائحاً نصرانياً اسمه (اركولف) زار القدس سنة 670 م، أي بعد خلافة عمر بأربع وثلاثين سنة، وزعم أنه رأى مسجداً بناه عمر على شكل مربع من ألواح وجذوع أشجار ضخمة وأنه يسع نحو ثلاثة آلاف.
والظاهر أن نسبة المسجد الأقصى إلى عمر بن الخطاب وهَم من أوهام النصارى اختلط عليهم كشف عمر موضع المسجد فظنوه بناءً.
وإذا صدق اركولف فيما ذكر من أنه رأى مكاناً مربعاً من ألواح وعمد أشجار كان ذلك شيئاً أحدثه مسلمو البلاد لصيانة ذلك المكان عن الامتهان.
وقوله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ صفة للمسجد الأقصى.
وجيء في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهر بالصلة عند السامعين.
والمقصود إفادة أنه مبارك حوله.
وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل، مثل عافاك الله.
والبركة: نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين فيه.
وقد تقدم ذكر البركة عند قوله تعالى: ﴿ مباركاً وهدى للعالمين ﴾ في [آل عمران: 96].
وقد وصف المسجد الحرام بمثل هذا في قوله تعالى: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين ﴾ [آل عمران: 96].
ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك أن شهرة المسجد الحرام بالبركة وبكونه مقام إبراهيم معلومة للعرب؛ وأما المسجد الأقصى فقد تناسى الناس ذلك كله، فالعرب لا علم لهم به والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود، واليهود قد ابتعدوا عنه وأيسوا من عوده إليهم، فاحتيج إلى الإعلام ببركته.
و حولَ يدل على مكان قريب من مكان اسم ما أضيف (حولَ) إليه.
وكونُ البركة حولَه كنايةٌ عن حصول البركة فيه بالأوْلى، لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه؛ ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوَى الخطاب، ولطيفة المبالغة بالتكثير.
وقريب منه قول زياد الأعجم: إنّ السماحةَ والمروءة والندى *** في قبةٍ ضُربت على ابن الحشرج ولكلمة ﴿ حوله ﴾ في هذه الآية من حسن الموقع ما ليس لكلمة (في) في بيت زياد، ذلك أن ظرفية (في) أعم.
فقوله: (في قبة) كناية عن كونها في ساكن القبة لكن لا تفيد انتشارها وتجاوزها منه إلى ما حوله.
وأسباب بركة المسجد الأقصى كثيرة كما أشارت إليه كلمة ﴿ حوله ﴾ .
منها أن واضعه إبراهيم عليه السلام، ومنها ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داوود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى عليه السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله، ومنها بركة من دُفن حوله من الأنبياء، فقد ثبت أن قبري داوود وسليمان حول المسجد الأقصى.
وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم.
وقوله: ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ تعليل الإسراء بإرادة إراءة الآيات الربانية، تعليلٌ ببعض الحِكَم التي لأجلها منح الله نبيئه منحة الإسراء، فإن للإسراء حِكماً جمة تتضح من حديث الإسراء المروي في «الصحيح».
وأهمها وأجمعها إراءته من آيات الله تعالى ودلائل قدرته ورحمته، أي لنريه من الآيات فيخبرهم بما سألوه عن وصف المسجد الأقصى.
ولام التعليل لا تفيد حصر الغرض من متعلقها في مدخولها.
وإنما اقتُصر في التعليل على إراءة الآيات لأن تلك العلة أعلق بتكريم المُسرَى به والعناية بشأنه، لأن إراءة الآيات تزيد يقين الرائي بوجودها الحاصل من قبل الرؤية.
قال تعالى: ﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ﴾ [الأنعام: 75].
فإن فطرة الله جعلت إدراك المحسوسات أثبت من إدراك المدلولات البرهانية.
قال تعالى: ﴿ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ [البقرة: 260]، ولذلك لم يقل الله بعد هذا التعليل أو لم يطمئن قلبك، لأن اطمئنان القلب مُتَّسِعُ المدى لا حد له فقد أنطق الله إبراهيم عن حكمة نبوءة، وقد بادر محمداً بإراءة الآيات قبل أن يسأله إياها توفيراً في الفضل.
قال علي بن حزم الظاهري وأجاد: ولكن للعيان لطيفُ معنى *** له سأل المعايَنة الكليمُ.
واعلم أن تقوية يقين الأنبياء من الحكم الإلهية لأنهم بمقدار قوة اليقين يزيدون ارتقاء على درجة مستوى البشر والتحاقاً بعلوم عالم الحقائق ومساواة في هذا المضمار لمراتب الملائكة.
وفي تغيير الأسلوب من الغيبة التي في اسم الموصول وضميريه إلى التكلم في قوله: باركنا...
ولنُريه من آياتنا سلوكٌ لطريقة الالتفات المتبعة كثيراً في كلام البلغاء.
وقد مضى الكلام على ذلك في قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾ في [الفاتحة: 5].
والالتفات هنا امتاز بلطائف: منها: أنه لما استُحضرت الذات العلية بجملة التسبيح وجملة الموصولية صار مقام الغيبة مقام مشاهدة فناسب أن يغير الإضمار إلى ضمائر المشاهدة وهو مقام التكلم.
ومنها: الإيماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام عند حلوله بالمسجد الأقصى قد انتقل من مقام الاستدلال على عالم الغيب إلى مقام مصيره في عالم المشاهدة.
ومنها: التوطئة والتمهيد إلى محمل معاد الضمير في قوله: إنه هو السميع البصير } ، فيتبادر عود ذلك الضمير إلى غير من عاد إليه ضمير ﴿ نريه ﴾ لأن الشأن تناسق الضمائر، ولأن العود إلى الالتفات بالقرب ليس من الأحسن.
فقوله: ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ الأظهرُ أن الضميرين عائدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقاله بعض المفسرين، واستقرَبَه الطيبي، ولكن جمهرة المفسرين على أنه عائد إلى الله تعالى.
ولعل احتماله للمعنيين مقصود.
وقد تجيء الآيات محتملة عدّةَ معاننٍ.
واحتمالها مقصود تكثيراً لمعاني القرآن، ليأخذ كل منه على مقدار فهمه كما ذكرنا في المقدمة التاسعة.
وأياما كان فموقع (إنّ) التوكيد والتعليل كما يؤذن به فصل الجملة عما قبلها.
وهي إما تعليل لإسناد فعل {نريه إلى فاعله؛ وإما تعليل لتعليقه بمفعوله، فيفيد أن تلك الإراءة من باب الحكمة، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فهو من إيتاء الحكمة من هو أهلها.
والتعليل على اعتبار مرجع الضمير إلى النبي أوقع، إذ لا حاجة إلى تعليل إسناد فعل الله تعالى لأنه محقق معلوم.
وإنما المحتاج للتعليل هو إعطاء تلك الإراءة العجيبة لمن شك المشركون في حصولها له ومن يحسبون أنه لا يطيقها مثله.
على أن الجملة مشتملة على صيغة قصر بتعريف المسند باللام وبضمير الفصل قصراً مؤكداً، وهو قصر موصوف على صفة قصراً إضافياً للقلب، أي هو المدرك لما سمعه وأبصرهُ لا الكاذِبُ ولا المتوهمُ كما زعم المشركون.
وهذا القصر يؤيد عود الضمير إلى النبي لأنه المناسب للرد.
ولا ينازع المشركون في أن الله سميع وبصير إلا على تأويل ذلك بأنه المُسمع والمبصِر لرسوله الذي كذبتموه، فيؤول إلى تنزيه الرسول عن الكذب والتوهم.
ثم إن الصفتين على تقدير كونهما للنبيء هما على أصل اشتقاقهما للمبالغة في قوة سمعه وبصره وقبولهما لتلقي تلك المشاهدات المدهشة، على حد قوله تعالى: ﴿ ما زاغ البصر وما طغى ﴾ [النجم: 17]، وقوله: ﴿ أفتمارونه على ما يرى ﴾ [النجم: 12].
وأما على تقدير كونهما صفتين لله تعالى فالمناسب أن تؤولا بمعنى المسمع المبصر، أي القادر على إسماع عبده وإبصاره، كما في قول عمرو بن معد يكرب: أمن ريحانة الداعي السميع *** أي المُسمع.
وقد اختلف السلف في الإسراء أكان بجسد رسول الله من مكة إلى بيت المقدس أم كان بروحه في رؤيا هي مشاهدة رُوحانية كاملة ورؤيا الأنبياء حق.
والجمهور قالوا: هو إسراء بالجسد في اليقظة، وقالت عائشة ومعاوية والحسن البصري وابن إسحاق رضي الله عنهم أنه إسراء بروحه في المنام ورؤيا الأنبياء وحي.
واستدل الجمهور بأن الامتنان في الآية وتكذيبَ قريش بذلك دليلان على أنه ما كان الإخبار به إلا على أنه بالجسد.
واتفق الجميع على أن قريشاً استوصفوا من النبي علامات في بيت المقدس وفي طريقه فوصفها لهم كما هي، ووصف لهم عيراً لقريش قافلة في طريق معين ويوم معين فوجدوه كما وصف لهم.
ففي صحيح البخاري} أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " بينما أنا في المسجد الحرام بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل...
" إلى آخر الحديث.
وهذا أصح وأوضح مما روي في حديث آخر أن الإسراء كان من بيته أو كان من بيت أم هاني بنت أبي طالب أو من شعب أبي طالب.
والتحقيق حمل ذلك على أنه إسراء آخر، وهو الوارد في حديث المعراج إلى السماوات وهو غير المراد في هذه الآية.
فللنبيء صلى الله عليه وسلم كرامتان: أولاهما الإسراء وهو المذكور هنا، والأخرى المعراج وهو المذكور في حديث «الصحيحين» مطولاً وأحاديث غيرِه.
وقد قيل: إنه هو المشار إليه في سورة النجم.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الإسْراءِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا ثَمانِيَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ سُلْطانًا نَصِيرًا ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى ﴾ أمّا قَوْلُهُ ﴿ سُبْحانَ ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى مِنَ السُّوءِ، وقِيلَ بَلْ نَزَّهَ نَفْسَهُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ في إسْراءِ عَبْدِهِ تَأْثِيرٌ.
الثّانِي: مَعْناهُ بَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ السُّوءِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وَهُوَ ذِكْرُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ لا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وإنَّما ذَكَرَهُ الشّاعِرُ عَلى طَرِيقِ النّادِرِ، وهُوَ مِنَ السَّبْحِ في التَّعْظِيمِ وهو الجَرْيُ فِيهِ إلى أبْعَدِ الغاياتِ.
وَذَكَرَ أبانُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أنَّها كَلِمَةٌ بِالنَّبَطِيَّةِ (شُبْهانَكَ) .
وقَدْ ذَكَرَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: إنَّ سُبْحانَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى عَجَبٌ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: عَجَبٌ مِنَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا، وقَدْ وافَقَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ سِيبَوَيْهِ وقُطْرُبٌ، وجَعَلَ البَيْتَ شاهِدًا عَلَيْهِ، وأنَّ مَعْناهُ عَجَبٌ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ.
وَوَجْهُ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ إذا كانَ مُشاهَدَةُ العَجَبِ سَبَبًا لِلتَّسْبِيحِ صارَ التَّسْبِيحُ تَعَجُّبًا فَقِيلَ عَجَبٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ بَشّارٍ: تُلْقِي بِتَسْبِيحَةٍ مِن حَيْثُما انْصَرَفَتْ ∗∗∗ وتَسْتَفِزُّ حَشا الرّائِي بِإرْعادِ وَقَدْ جاءَ التَّسْبِيحُ في الكَلامِ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يُسْتَعْمَلَ في مَوْضِعِ الصَّلاةِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ ﴾ أيْ مِنَ المُصَلِّينَ.
الثّانِي: أنْ يُسْتَعْمَلَ في الِاسْتِثْناءِ، كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ ﴾ أيْ لَوْلا تَسْتَثْنُونَ.
الثّالِثُ: النُّورُ، لِلْخَبَرِ المَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: « (لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ)» أيْ نُورُ وجْهِهِ.
الرّابِعُ: التَّنْزِيهُ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّسْبِيحِ فَقالَ: (تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ)» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْرى بِعَبْدِهِ ﴾ أيْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ، والسُّرى: سَيْرُ اللَّيْلِ، قالَ الشّاعِرُ: ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي مِن سُراها لَيْتُ وَقَوْلُهُ ﴿ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِنَ الحَرَمِ، والحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ.
وَكانَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ، رَوى ذَلِكَ أبُو صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أسْرى بِهِ مِنَ المَسْجِدِ، وفِيهِ كانَ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ رَوى ذَلِكَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إسْرائِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أُسْرِيَ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ، رَوى ذَلِكَ ابْنُ المُسَيِّبِ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وأبُو هُرَيْرَةَ وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.
واخْتَلَفَ قائِلُو ذَلِكَ هَلْ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ وصَلّى فِيهِ أمْ لا ؟
فَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ صَلّى فِيهِ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ، ثُمَّ رُجِعَ بِهِ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ فَصَلّى فِيهِ صَلاةَ الصُّبْحِ مِن صَبِيحَةِ لَيْلَتِهِ.
وَرَوى حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ أنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ ولا نَزَلَ عَنِ البُراقِ حَتّى عُرِجَ بِهِ، ثُمَّ عادَ إلى مُلْكِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ ولَمْ يُسْرَ بِجِسْمِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ما فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ، ولَكِنَّ اللَّهَ أسْرى بِرُوحِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: كانَتْ رُؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى صادِقَةً، وكانَ الحَسَنُ يَتَأوَّلُ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ ﴾ أنَّها في المِعْراجِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كَذَّبُوا ذَلِكَ وجَعَلُوا يَسْألُونَهُ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ وما رَأى في طَرِيقِهِ فَوَصَفَهُ لَهم، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم أنَّهُ رَأى في طَرِيقِهِ قَعْبًا مُغَطًّى مَمْلُوءًا ماءً، فَشَرِبَ الماءَ ثُمَّ غَطّاهُ كَما كانَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهم صِفَةَ إبِلٍ كانَتْ لَهم في طَرِيقِ الشّامِ تَحْمِلُ مَتاعًا، وأنَّها تَقْدُمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ; فَخَرَجُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ يَسْتَقْبِلُونَها، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: هَذِهِ واللَّهِ الشَّمْسُ قَدْ أشْرَقَتْ ولَمْ تَأْتِ، وقالَ آخَرُ: هَذِهِ واللَّهِ العِيرُ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ.
وَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّهُ أُسْرِيَ بِجِسْمِهِ ورُوحِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى المَسْجِدِ الأقْصى ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، وهو مَسْجِدُ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ وسُمِّيَ الأقْصى لِبُعْدِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالثِّمارِ ومَجارِي الأنْهارِ.
الثّانِي: بِمَن جُعِلَ حَوْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ؛ ولِهَذا جَعَلَهُ مُقَدَّسًا.
وَرَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يا شامُ أنْتِ صَفْوَتِي مِن بِلادِي وأنا سائِقٌ إلَيْكِ صَفْوَتِي مِن عِبادِي)» .
﴿ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الآياتِ الَّتِي أراهُ في هَذا المَسْرى أنْ أسْرى بِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى في لَيْلَةٍ، وهي مَسِيرَةُ شَهْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ أراهُ في هَذا المَسْرى آياتٍ.
وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما أراهُ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي فِيها اعْتِبارٌ.
الثّانِي: مَن أُرِيَ مِنَ الأنْبِياءِ حَتّى وصَفَهم واحِدًا واحِدًا.
﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وصَفَ نَفْسَهُ في هَذِهِ الحالِ بِالسَّمِيعِ والبَصِيرِ، وإنْ كانَتا مِن صِفاتِهِ اللّازِمَةِ لِذاتِهِ في الأحْوالِ كُلِّها لِأنَّهُ حَفِظَ رَسُولَهُ عِنْدَ إسْرائِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَلا يَضُرُّ ألّا يُبْصِرَ فِيها، وسَمِعَ دُعاءَهُ فَأجابَهُ إلى ما سَألَ، فَلِهَذَيْنَ وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِالسَّمِيعِ البَصِيرِ.
الثّانِي: أنَّ قَوْمَهُ كَذَّبُوهُ عَنْ آخِرِهِمْ بِإسْرائِهِ، فَقالَ: السَّمِيعُ يَعْنِي لِما يَقُولُونَهُ مِن تَصْدِيقٍ أوْ تَكْذِيبٍ، البَصِيرُ لِما يَفْعَلُهُ مِنَ الإسْراءِ والمِعْراجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن حذيفة أنه قرأ ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾ .
وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ﴾ قال: ﴿ سبحان ﴾ تنزيه الله تعالى ﴿ الذي أسرى ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ من المسجد الحرام ﴾ إلى بيت المقدس، ثم رده إلى المسجد الحرام.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: قلت له لما علا فخره ** سبحان من علقمة الفاجر وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من طريق ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه...
فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن فقال جبريل: اخترت الفطرة.
ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بإبني الخالة، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا، فرحّبا بي ودعوا إلي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بموسى، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: قد بعث إليه.
ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها فيها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى وفرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟
قلت: خمسين صلاة.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب، خفف عن أمتي.
فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمساً، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
قال: فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً، فإن عملها كتبت سيئة واحدة.
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال: «ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟
فقال أوسطهم: هو خيرهم.
فقال أحدهم: خذوا خيرهم.
فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب محشواً إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده- يعني عروق حلقه- ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب باباً من أبوابها فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
قالوا: مرحباً به وأهلاً.
ووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم وقال: مرحباً وأهلاً بابني...
نعم الإبن أنت.
فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال: ما هذان النهرين يا جبريل؟
قال: هذا النيل والفرات عنصرهما.
ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر.
قال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
قالوا: مرحبا به وأهلاً.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب لم أظن أن ترفع عليّ أحداً، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما يوحي إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟
قال: عهد إلي، خمسين صلاة كل يوم وليلة.
قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، ارجع فليخفف عنك ربك وعنهم.
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يستشيره فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، فعلا به إلى الجبار تبارك وتعالى فقال وهو مكانه: يا رب، خفف عنا...؛ فإن أمتي لا تستطيع ذلك.
فوضع عنه عشر صلوات.
ثم رجع إلى موسى واحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك.
يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا.
فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك.
قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب، وكل حسنة بعشر أمثالها.
فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك.
فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟
فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها.
فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا موسى، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه.
قال: فاهبط بسم الله.
واستيقظ وهو في المسجد الحرام» .
وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتيت ليلة أسرى بي بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها...
كانت تسخّر للأنبياء قبلي، فركبته معي جبريل فسرت، فقال: انْزِلْ فَصَلِّ.
ففعلت...
فقال: أتدري أين صليت؟
صليت بطيبة وإليها المهاجر إن شاء الله.
ثم قال: انزل فصَلِّ.
ففعلت فقال: أتدري أين صليت؟
صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى، ثم قال: انزل فَصلِّ.
فصليت فقال أتدري أين صليت؟
صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى.
ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام، فقدَّمني جبريل فصليت بهم.
ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم فقال لي: سلم عليه فقال: مرحباً بإبني والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف.
ثم صعد بي إلى السماء الرابعة، فإذا فيها هارون.
ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس.
ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبراهيم، ثم صعد بي إلى فوق السبع سموات، وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة...
فخررت ساجداً، فقيل لي: إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، فمررت على إبراهيم فلم يسألني شيئاً، ثم مررت على موسى فقال لي: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: خمسين صلاة.
قال: إنك لن تستطيع أن تقوم بها أنت ولا أمتك، فاسأل ربك التخفيف.
فرجعت فأتيت سدرة المنتهى فخررت ساجداً...
فقلت: يا رب، فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة، فلن أستطيع أن أقوم بها أنا ولا أمتي...
فخفف عني عشراً.
فمررت على موسى فسألني فقلت: خفف عني عشراً.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فخفف عني عشراً ثم عشراً حتى قال: هن خمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك.
فعلمت أنها من الله صرى.
فمررت على موسى فقال لي: كم فرض عليك؟
فقلت: خمس صلوات، فقال: فرض على بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما، فقلت: إنها من الله فلم أرجع» .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن يزيد بن أبي مالك، عن أنس رضي الله عنه قال: «لما كان ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاه جبريل عليه السلام بدابة فوق الحمار ودون البغل.
حمله جبريل عليها ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها فلما بلغ بيت المقدس أتى إلى الحجر الذي ثمة، فغمزه جبريل عليه السلام بإصبعه فثقبه، ثم ربطها ثم صعد...
فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل: يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟
قال: نعم.
قال: فانطلق إلى أولئك النسوة فسلّم عليهن، وهن جلوس عن يسار الصخرة.
فأتيتهن فسلَّمت عليهن فرددن عليَّ السلام، فقلت: من أنتن؟
فقلن: خيرات حسان...
نساء قوم أبرار نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا.
ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيراً حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفاً فانتظرنا من يؤمنا، فأخذ جبريل بيدي فقدّمني...
فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد، أتدري من صلَّى خلفك؟
قلت: لا.
قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله.
ثم أخذ بيدي فصعد بي إلى السماء، فلما انتهينا إلى الباب استفتح، قالوا: من أنت؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قالوا: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
ففتحوا له وقالوا: مرحباً بك وبمن معك.
فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم.
فقال لي جبريل: ألا تسلِّم على أبيك آدم؟
قلت: بلى...
فأتيته فسلمت عليه، فردّ عليّ وقال لي: مرحباً بابني والنبي الصالح.
ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها عيسى ويحيى.
ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها يوسف.
ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها إدريس.
ثم عرج بي إلى السماء الخامسة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها هارون.
ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها موسى.
ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح، فقالوا له مثل ذلك، فإذا فيها إبراهيم.
ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر أنعم طير رأيت.
فقلت: يا جبريل، إن هذا الطير لناعم.
قال: يا محمد، آكله انعم منه.
ثم قال: اتدري أي نهر هذا؟
قلت: لا.
قال: الكوثر الذي أعطاك الله إياه، فإذا فيه آنية الذهب والفضة تجري على رضراض من الياقوت والزمرّد، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك.
ثم انطلق بي حتى انتهى إلى الشجرة، فغشيتني سحابة فيها من كل لون، فرفضني جبريل وخررت ساجداً لله.
فقال الله لي: يا محمد، إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك.
ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعاً، فأتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئاً، ثم أتيت على موسى فقال: ما صنعت يا محمد؟
قلت: فرض عليَّ وعلى أمتي خمسين صلاة.
قال: فلن تستطيع أنت ولا أمتك.
فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك.
فرجعت سريعاً حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني السحابة وخررت ساجداً وقلت: ربي، خفف عنّا.
قال: قد وضعت عنكم عشراً.
ثم انجلت عني السحابة، فرجعت إلى موسى فقلت: وضع عني عشراً.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم.
فوضع عشراً إلى أن قال: هن خمس بخمسين، ثم انحدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما لي لم آت على أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا إلي، غير رجل واحد سلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي ولم يضحك إلي؟!
قال: ذاك مالك خازن النار، لم يضحك منذ خلق ولو ضحك لأحد لضحك إليك.
قال: ثم ركبت منصرفاً، فبينما هو في بعض طريقه مرّ بعير من قريش تحمل طعاماً منها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم إنه مضى فأصبح فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: يا أبا بكر، هل لك في صاحبك؟
يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ثم رجع من ليلته...
!
فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قاله فقد صدق، وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا، نصدقه على خبر السماء.
فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما علامة ما تقول؟
قال: مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا، فنفرت العير منا واستدارت...
وفيها بعير عليه غرارتان: غرارة بيضاء، وغرارة سوداء.
فصرع فانكسر، فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك سمي أبو بكر (الصديق) وسألوه: هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى؟
قال: نعم.
قالوا: فصفهما.
قال: أما موسى، فرجل آدم كأنه من رجال ازد عمان.
وأما عيسى، فرجل ربعة سبط، تعلوه حمرة كأنه يتحادر من لحيته الجمان» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة، عن أنس رضي الله عنه قال: «لما جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق، فكأنها هزت أذنيها فقال جبريل: يا براق، فوالله ما ركبك مثله.
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقال: ما هذه يا جبريل؟
قال: سر يا محمد.
فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه متنحياً عن الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد.
فسار ما شاء الله أن يسير فلقيه خلق من خلق الله فقالوا: السلام عليك يا أول...
السلام عليك يا آخر...
السلام عليك يا حاشر.
فقال له جبريل عليه السلام: اردد السلام.
فرد السلام، ثم لقيه الثانية فقال له مثل ذلك، ثم الثالثة كذلك حتى انتهى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فتناول رسول الله اللبن.
فقال له جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغوت أمتك، ثم بعث له آدم عليه السلام فمن دونه من الأنبياء، فأمّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، ثم قال جبريل: أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه.
وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى» .
وأخرج ابن مردويه من طريق كثير بن خنيس، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا مضطجع في المسجد ليلة نائماً، إذ رأيت ثلاثة نفر أقبلوا نحوي، فقال الأول: هو...
هو.
قال الأوسط: نعم.
قال الآخر: خذوا سيد القوم، فرجعوا عني، ثم رأيتهم الليلة الثانية، فقال الأول: هو...
هو.
قال الأوسط: نعم.
قال الآخر: خذوا سيد القوم، فرجعوا عني حتى إذا كانت الليلة الثالثة رأيتهم، فقال الأول هو هو.
وقال الأوسط: نعم.
وقال الآخر: خذوا سيد القوم، حتى جاؤوا بي زمزم فاستلقوني على ظهري ثم غسلوا حشوة بطني، ثم قال بعضهم لبعض: أنقوا.
ثم أتى بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً، فأفرغ في جوفي.
ثم عرج بي إلى السماء فاستفتح فقالوا: من هذا؟
قال: جبريل.
قالوا: ومن معك؟
قال: محمد.
قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح...
فإذا آدم إذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى.
قلت: يا جبريل، من هذا...
!؟
قال: هذا أبوك آدم، إذا نظر عن يمينه رأى من في الجنة من ذريته ضحك، وإذا نظر عن يساره رأى من في النار من ذريته بكى» .
ثم قال أنس بن مالك: يا ابن أخي إنه يطول علي الحديث.
«ثم عرج بي حتى جاء السماء السادسة فاستفتح...
فقال: من هذا؟
قال: جبريل.
قال: ومن معك؟
قال: محمد.
قال: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح فإذا موسى.
ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح...
قيل من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قال: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح فإذا إبراهيم، قال مرحباً بالابن والرسول.
ثم مضى حتى جاء الجنة فاستفتح فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قال: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح الباب.
قال: فدخلت الجنة فأُعْطِيتُ الكوثر، فإذا نهر في الجنة عضادتاه بيوت مجوفة من لؤلؤ، ثم مضى حتى جاء سدرة المنتهى ﴿ فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ [ النجم: 9] ففرض عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة، فرجعت حتى أمر موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: خمسين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
فقلت: أربعين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: ثلاثين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت إليه فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: عشرين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت فوضع عني عشراً، ثم مررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: عشر صلوات.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فرجعت فوضع عني خمساً.
ثم قال: إنه لا يبدل قولي ولا ينسخ كتابي، تخفيفها عنكم كتخفيف خمس صلوات، وإنها لكم كأجر خمسين صلاة.
فمررت على موسى فقال: كم فرض عليك وعلى أمتك؟
قلت: خمس صلوات.
قال: فارجع إلى ربك فاسأله يخفف عنك وعن أمتك.
فإن بني إسرائيل قد أُمِرُوا بأيسر من هذا فلم يطيقوه.
قال: لقد رجعت إلى ربي حتى إني لأستحي منه» .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وصححه، عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: «قلنا يا رسول الله، كيف أسري بك؟
فقال: صليت بأصحابي العتمة بمكة معتماً، فأتاني جبريل بدابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل وقال: اركب، فاستصعبت علي فأدارها بأذنها ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا...
يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضاً ذات نخل، فقال: انزل.
فنزلت فقال: صَلِّ.
فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟
قلت: الله أعلم.
قال: صليت بيثرب...
صليت بطيبة، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً فقال: انزل.
فنزلت.
فقال: صلِّ فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟
قلت: الله أعلم.
قال: صليت بمدين، صليت عند شجرة موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً بدت لنا قصورها، فقال: انزل فنزلت، ثم قال: صَلِّ فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟
فقلت: الله أعلم.
فقال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم، ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد فربط فيه الدابة، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني فأُتيتُ بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، أُرْسِلَ إلي بهما جميعاً فعدلت بينهما، فهداني الله فأخذت اللبن فشربت حتى فرغت منه، وكان إلى جانبي شيخ متكئ على منبره فقال: أخذ صاحبك الفطرة وإنه لمهدي.
ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابي فقلنا: يا رسول الله، كيف وجدتها؟
قال: مثل الحمة السخنة.
ثم انصرف بي فمررنا بعير قريش بمكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان، فسلّمت عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر فقال: يا رسول الله، أين كنت الليلة؟
قد التمستك في مكانك.
فقلت: أعلمت أني أتيت بيت المقدس الليلة؟
فقال: يا رسول الله، إنه مسيرة شهر فصفه لي.
قال: ففتح لي صراط كأني أنظر إليه، لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم عنه.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله.
وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة، زعم أنه أتى بيت المقدس الليلة فقال: إن من آية ما أقول لكم: أني مررت بعير لكم بمكان كذا وكذا وقد أضلوا بعير لهم فجمعه فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم كذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه شيخ أسود وغرارتان سوداوان، فلما كان ذلك اليوم أشرف القوم ينظرون حتى كان قريباً من نصف النهار قدمت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه من طريق قتادة رضي الله عنه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن مالك بن صعصعة حدثه أن رسول الله حدثهم عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم- وربما قال قتادة رضي الله عنه- في الحجر مضطجعاً، إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة، فأتاني فشق ما بين هذه إلى هذه- يعني من ثغر نحره إلى شعرته- فاستخرج قلبي، فأوتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً وحكمة فغسل قلبي بماء زمزم ثم حشى ثم أعيد مكانه.
ثم أوتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار يقال له البراق، يقع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء، ففتح لنا فلما خلصت فإذا فيها آدم فقلت: يا جبريل، من هذا؟
قال: هذا أبوك آدم عليه السلام، فسلم عليه.
فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: أو قد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة فقلت: يا جبريل، من هذان؟
قال: هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا السلام ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا يوسف فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد حتى أتى إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا إدريس فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
فلما خلصت إذا هارون فسلمت عليه فرد عليّ السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى إلى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا أنا بموسى فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى.
قيل له: ما يبكيك؟
قال: أبكي لأن غلاماً بُعِثَ بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.
ثم صعد حتى أتى إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟
قال: محمد.
قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قيل: مرحباً به، ولنعم المجيء جاء.
ففتح لنا فلما خلصت إذا إبراهيم، قلت: من هذا يا جبريل قال: هذا أبوك إبراهيم فسلّم عليه، فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا أربعة أنهار يخرجن من أصلها: نهران باطنان: ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار...
!؟
فقال: أما الباطنان، فنهران في الجنة.
وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع إليَّ البيت المعمور قلت: يا جبريل، ما هذا؟
قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخر ما عليهم.
ثم أُتِيتُ باناءين أحدهما خمر والآخر لبن، فعرضا عليّ فقيل: خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فقيل لي: أصبت الفطرة، أنت عليها وأمتك.
ثم فرضت عليَّ الصلاة خمسون صلاة كل يوم، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟
قلت: خمسين صلاة كل يوم.
قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
فرجعت إلى ربي فحط عني خمساً، فأقبلت حتى أتيت على موسى فأنبأته بما حط فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك.
قال: فما زلت بين موسى وبين ربي يحط عني خمساً خمساً حتى أقبلت بخمس صلوات، فأتيت على موسى فقال: بم أمرت؟
قلت: بخمس صلوات كل يوم.
قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك...
إني قد بلوت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
فقلت: لقد رجعت إلى ربي حتى لقد استحيت، ولكني أرضى وأسلم فنوديت أن يا محمد، إني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي الحسنة بعشر أمثالها» .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وابن مردويه من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يحدث أن رسول الله قال: «فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بما زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء، فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل عليه السلام لخازن السماء: افتح.
قال: من هذا؟
قال: جبريل.
قال: هل معك أحد؟
قال: نعم، معي محمد.
قال: أرسل إليه؟
قال: نعم.
ففتح، فلما علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه تبسم وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟
قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة.
والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى، ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح.
فقال له خازنها مثل ما قال الأول، ففتح» .
قال أنس رضي الله عنه: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم.
قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» قال ابن حزم وأنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله على أمتك؟
قلت: فرض خمسين صلاة.
قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فرجعت فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعت ربي فقال: هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي فرجعت إلى موسى فقال: ارجع إلى ربك قلت: قد استحيت من ربي ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيتها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها مسك» وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله بالمدينة عن ليلة أسري به من مكة إلى المسجد الأقصى قال: «بينا أنا نائم عشاء بالمسجد الحرام إذ أتاني آت فأيقظني فاستيقظت فلم أر شيئا وإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعه بصري حتى خرجت من المسجد فإذا أنا بدابة أدنى شبهة بدوابكم هذه بغالكم غير أن مضطرب الأذنين يقال له البراق وكانت الأنبياء تركبه قبلي يقع حافره عند مد بصره فركبته فبينا أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ثم دعاني داع عن شمالي يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه فبينا أنا سائر إذا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله فقالت: يا محمد أنظرني أسألك فلما ألتفت إليها حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء عليهم السلام توثقها بها ثم أتاني جبريل عليه السلام بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن فشربت اللبن وتركت الخمر فقال جبريل: أصبت الفطرة أما أنك لو أخذت الخمر غوت أمتك فقلت: الله أكبر الله أكبر فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟
قلت: بينا أنا اسير إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد أنظرني أسألك فلم أجبه قال: ذاك داعي اليهود أما لو أنك لو أجبته لتهودت أمتك قلت: وبينا أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد أنظرني أسألك فلم أجبه قال: ذاك داعي النصارى أما أنك لو أجبته لتنصرت أمتك فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة تقول: يا محمد أنظرني أسألك فلم أجبها قال: تلك الدنيا أما أنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم فلم تر الخلائق أحسن من المعراج !
أما رأيت الميت حين رمى بصره طامحا إلى السماء عجبه المعراج؟
فصعدت أنا وجبريل فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف فاستفتح جبريل باب السماء قيل: من هذا؟
قال: جبريل قيل: ومن معك؟
قال: محمد قيل: قد بعث إليه؟
قال: نعم فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته لم يتغير منه شيء وإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفار الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين فقلت: يا جبريل من هذا؟
قال: هذا أبوك آدم فسلم علي ورحب بي فقال: مرحبا بالابن الصالح ثم مصيت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم قد أروح وأنتن عندها أناس يأكلون منها قلت: يا جبريل من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام.
وفي لفظ: فإذا أنا بقوم على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن ما رأيت من اللحم وإذا حوله جيف فجعلوا يقبلون على الجيف يأكلون منها ويدعون اللحم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الزناة عمدوا إلى ما حرم الله عليهم وتركوا ما أحل الله لهم ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر يقول: الله لا تقم الساعة وهم على سابلة آل فرعون فتجيء السابلة فتطؤهم فسمعتهم يضجون إلى الله قلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الإبل قد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون إلى الله قلت: يا جبريل من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن ونساء منكسات بأرجلهن فسمعتهن يضججن إلى الله قلت يا جبريل من هؤلاء النساء؟
قال: هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم ثم يدس في أفواههم ويقول: كلوا مما أكلتم فإذا أكره ما خلق الله لهم ذلك قلت: يا جبريل من هؤلاء؟
قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون الذين يأكلون لحوم الناس ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب !
قلت: يا جبريل من هذا؟
قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء الثالثة فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ومعهما نفر من قومهما شبيه أحدهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما فسلمت عليهما وسلما علي ورحبا بي ثم صعدنا إلى السماء الرابعة فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها قلت: يا جبريل من هذا؟
قال: هذا المحبب في قومه هذا هرون بن عمران ومعه نفر كثير من قومه فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى رجل آدم كثير الشعر لو كان عليه قميصان خرج شعره منهما وإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم الخلق على الله وهذا أكرم على الله مني ولو كان وحده لم أبال ولكن كل نبي ومن تبعه من أمته قلت: يا جبريل من هذا؟
قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي ورحب بي ثم صعدنا إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم وإذا هو جالس مسند ظهره إلى البيت المعمور ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي وقال: مرحبا بالابن الصالح فقيل لي: هذا مكانك ومكان أمتك ثم تلا ﴿ إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ﴾ [آل عمران 68 ]وإذا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطر عليهم ثياب رمد ثم دخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد وهم على خير فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور ثم خرجت أنا ومن معي قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة ثم رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة وغذا في أصلها عين تجري يقال لها سلسبيل فيشق منها نهران فقلت: ما هذا يا جبريل؟
فقال: أما هذه فهو نهر الرحمة وأما هذا فهو نهر الكوثر الذي أعطاكه الله.
فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي من ذنبي ما تقدم وما تأخر ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت الجنة فإذا فيها ما لا عين رأت وما لا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وإذا أنا بأنهار من ماء غير آسن وأنها من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى.
وإذا فيها رمان كأنه جلود الإبل المقتبة وإذا فيها طير كأنها البخت.
قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إن تلك الطير لناعمة؟
قال: آكلها أنعم منها يا أبا بكر وإني لأرجو أن تأكل منها.
قال: ورأيت فيها جارية لعساء فسألتها لمن أنت؟
فقالت: لزيد بن حارثة.
فبشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا.
ثم عرضت علي النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته ولو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم غلقت دوني.
ثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاها فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة ثم إن الله أمرني بأمره وفرض علي خمسين صلاة وقال: لك بكل حسنة عشر وإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة فإذا عملتها كتبت لك عشرا وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء فإن عملتها كتبت عليك سيئة.
ثم دفعت إلى موسى فقال: بم أمرك ربك؟
قلت: بخمسين صلاة.
قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا يطيقون ذلك.
فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم.
فوضع عني عشرا.
فما زلت أختلف بين موسى وبين ربي حتى جعلها خمسا فناداني ملك: عندها تمت فريضتي وخففت عن عبادي فأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها.
ثم رجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟
قلت: بخمس صلوات: قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
قلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييته.
ثم أصبح بمكة يخبرهم العجائب: إني رأيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء ثم رأيت كذا وكذا فقال أبو جهل: ألا تعجبون مما يقول محمد؟
قال: فأخبرته بعير لقريش لما كانت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا وإنها نفرت فلما رجعت رأيتها عند العقبة وأخبرتهم بكل رجل وبعيره كذا ومتاعه كذا.
فقال رجل: أنا أعلم الناس ببيت المقدس.
فكيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل؟
فرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس فنظر إليه فقال: بناؤه كذا وهيئته كذا وقربه من الجبل كذا.
فقال: صدقت» .
وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا من حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ﴾ قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح صدره.
فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل عليه السلام بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدره ونزع ما كان فيه من غلّ وملأه حلماً وعلماً وإيماناً ويقيناً وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوّة، ثم أتاه بفرس فحمل عليه...
كل خطوة منه منتهى بصره.
فسار وسار معه جبريل، فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم...
كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، ما هذا..
!؟
قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟
فقال: هؤلاء الذين تثتاقل رؤوسهم عن الصلاة ثم أتى على قوم على اقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع...
يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: ما هؤلاء يا جبريل...
!؟
قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئاً ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم آخر نيء خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث ويتركون النضيج الطيب.
قلت: ما هؤلاء يا جبريل!؟
قال: هذا الرجل من أمتك...
تكون عنده المرأة الحلال فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي رجلاً خبيثاً تبيت معه حتى تصبح ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قال: ما هذا يا جبريل...
!!؟
قال: هذا مثل أقوام من أمتك...
يقعدون على الطريق فيقطعونه.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم بمقاريض من نار...
كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: ما هؤلاء يا جبريل...
!؟
قال: هؤلاء خطباء الفتنة.
ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع.
قال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.
ثم أتى على واد فوجد ريحاً طيبة باردة وريح مسك، وسمع صوتاً فقال: يا جبريل، ما هذا؟
قال: هذا صوت الجنة...
تقول: يا رب، ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي واكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي ومائي ولبني وخمري، فائتني ما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة.
قالت: رضيت.
ثم أتى على وادٍ فسمع شكوى ووجد ريحاً منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا صوت جهنم، تقول: رب ائتني بما وعدتني، فلقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري فائتني ما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب.
قالت: قد رضيت.
ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة عليهم السلام...
فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل، من هذا معك؟
قال: محمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وقد بعث إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء.
ثم لقي أرواح الأنبياء عليهم السلام فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً وأعطاني ملكاً عظيماً وجعلني أمة قانتاً يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها عليّ برداً وسلاماً.
ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليماً وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي ﴿ قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 159] ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملك عظيماً، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب.
ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين يعملون ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلاً، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكاً طيباً، ليس فيه حساب، ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعل مثلي مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
ثم إن محمد صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال: «كلكم أثنى على ربه وإني مثن على ربي» فقال: «الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان لكل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطاً، وجعل أمتي هم الأولون والآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً» .
فقال إبراهيم عليه السلام: بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم: أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء، فقيل: اشرب، فشرب منه يسيراً، ثم رفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم رفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، فقال: لا أريده قد رويت.
فقال له جبريل:- عليه السلام- أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا قليل.
ثم صعدوا بي إلى السماء فاستفتح، فقيل: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، على يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه فرح وضحك، وإذا نظر إلى الباب الذي عن يساره بكى وحزن، فقلت يا جبريل، من هذا؟
قال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر من يدخله بكى وحزن.
ثم صعد بي جبريل عليه السلام إلى السماء الثانية، فاستفتح قيل: من هذا معك؟
قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فإذا هو بشابين، قال: يا جبريل، من هذان؟
قال: عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟
قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟
قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا أخوك يوسف عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح فقيل: من هذا؟
قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟
قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل، قال: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا إدريس رفعه الله مكاناً علياً.
ثم صعد إلى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: مرحباً به حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثم دخل فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم، قال: من هذا يا جبريل ومن هؤلاء حوله؟
قال: هذا هرون المحبب وهؤلاء بنو إسرائيل.
ثم صعد به إلى السماء السادسة فاستفتح فقيل له: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل قال: يا جبريل من هذا؟
قال: موسى، قال: فما له يبكي؟
قال: زعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته.
ثم صعد به إلى السماء السابعة فاستفتح، فقيل من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمد، قالوا: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم.
قالوا: حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانها شيء فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص ولم يكن في أبدانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاؤوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريل، من هذا الأشمط، ومن هؤلاء بيض الوجوه، ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي دخلوا؟
قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض.
وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شراباً طهوراً.
ثم انتهى إلى السدرة، قيل له هذه السدرة ينتهي إليها كل واحد خلا من أمتك على نسك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها، والورقة منها مغطية للأمة كلها، فغشيها نور الخلاق عز وجل، وغشيتها الملائكة عليهم السلام أمثال الغربان حين تقع على الشجرة.
فكلمه الله تعالى عند ذلك فقال له: سل، فقال: اتخذت إبراهيم خليلاً، وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى تكليماً، وأعطيت داود ملكاً عظيماً، وألنت له الحديد وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً عظيماً وسخرت له الجن والإنس والشياطين وسخرت له الرياح وأعطيته ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك وَأَعَذْتَهُ وأمَّه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل.
فقال له ربه عز وجل: وقد اتخذتك خليلاً، وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك.
ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقاً، وآخرهم بعثاً، وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعاً من المثاني لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلتك فاتحاً وخاتماً.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فضلني ربي وأرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وألقى في قلب عدوي الرعب من مسيرة شهر، وأحل لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً، وأعطيت فواتح الكلام وخواتمه وجوامعه، وعرضت علي أمتي فلم يخف علي التابع والمتبوع، ورأيتهم أتوا على قوم ينتعلون الشعر، ورأيتهم أتوا على قوم عراض الوجوه صغار الأعين، كأنما خرمت أعينهم بالمخيط، فلم يخف عليّ ما هم لاقون من بعدي، وأمرت بخمسين صلاة، فلما رجع إلى موسى عليه السلام قال: بم أمرت؟
قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك أضعف الأمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً، ثم رجع إلى موسى فقال: بكم أمرت؟
قال: بأربعين: قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع فوضع عنه عشراً، إلى أن جعلها خمساً، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه، فما أنا براجع إليه.
قيل له: أما إنك كما صبرت نفسك على خمس صلوات، فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة، وإن كل حسنة بعشر أمثالها فرضي محمد صلى الله عليه وسلم كل الرضا.
قال: وكان موسى عليه السلام من أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع إليه» .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن، عن أبيه أبي ليلى: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالبراق فحمله بين يديه، ثم جعل يسير به فإذا بلغ مكاناً مطأطئاً طالت يداه وقصرت رجلاه حتى يستوي به، وإذا بلغ مكاناً مرتفعاً قصرت يداه وطالت رجلاه حتى يستوي به ثم عرض له رجل عن يمين الطريق، فجعل يناديه يا محمد، إلى الطريق، مرتين، فقال له جبريل عليه السلام: امض ولا تكلم أحداً، ثم عرض له رجل عن يسار الطريق، فقال له إلى الطريق يا محمد، فقال له جبريل عليه السلام: امض ولا تكلم أحداً، ثم عرضت له امرأة حسناء جميلة، ثم قال له جبريل السلام: تدري من الرجل الذي دعاك عن يمين الطريق؟
قال: لا، قال: تلك اليهود دعتك إلى دينهم.
ثم قال: تدري من الرجل الذي دعاك عن يسار الطريق؟
قال: لا، قال: تلك النصارى، دعتك إلى دينهم.
ثم قال: تدري من المرأة الحسناء الجميلة؟
قال: لا، قال: تلك الدنيا تدعوك إلى نفسها، ثم انطلقا حتى أتيا بيت المقدس، فإذا هم بنفر جلوس، فقالوا مرحباً بالنبي الأمي، وإذا في النفر شيخ، قال: ومن هذا يا جبريل؟
قال: هذا أبوك إبراهيم، وهذا موسى، وهذا عيسى، ثم أقيمت الصلاة، فتدافعوا.
حتى قدموا محمداً صلى الله عليه وسلم، ثم أتوا بأشربة، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم اللبن، فقال له جبريل عليه السلام أصبت الفطرة، ثم قيل له: قم إلى ربك، فقام فدخل، ثم جاء فقيل له: ماذا صنعت؟
قال: «فرضت على أمتي خمسون صلاة» فقال له موسى عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا تطيق هذا، فرجع ثم جاء فقال له موسى عليه السلام: ماذا صنعت؟
فقال: «ردها إلى خمس وعشرين صلاة» فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع ثم جاء فقال: ردها إلى اثنتي عشرة، فقال موسى عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع ثم جاء فقال: «ردها إلى خمس» فقال موسى عليه السلام: ارجع فاسأله التخفيف قال: «قد استحيت من ربي فما أراجعه وقد قال لي ربي أن لك بكل ردة رددتها مسألة أعْطَيْتُكَها» .
وأخرج ابن عرفة في جزئه المشهور وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر في تاريخه من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام بدابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طَوَال سِبْطَ آدم كأنه من رجال شنوأة، وهو يقول: ويرفع صوته أكرمته وفضلته، فدفعنا إليه فسلمنا، فرد السلام، فقال: من هذا معك يا جبريل؟
قال: هذا أحمد قال: مرحباً بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، ثم اندفعنا، فقلت: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، قلت: ومن يعاتب؟
قال: يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟!
قال: إن الله قد عرف له حديثه، ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السراح تحتها شيخ وعياله، فقال لي جبريل عليه السلام: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام، فقال إبراهيم: من معك يا جبريل؟
قال: هذا ابنك أحمد، فقال: مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته، يا بني، إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل، ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة بالحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء عليهم السلام تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل عليه السلام منكبي، وقال أصبت الفطرة، ثم أقيمت الصلاة فأممتهم ثم انصرفنا فأقبلنا» .
وأخرج الحارث بن أبي أسامة والبزار والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر من طريق علقمة رضي الله عنه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتيت بالبراق فركبته إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه، فسار بنا في أرض غمة منتنة، ثم أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة، فسألت جبريل عليه السلام؟
قال: تلك أرض النار وهذه أرض الجنة، فأتيت على رجل قائم يصلي، فقلت: من هذا يا جبريل؟
فقال: هذا أخوك عيسى عليه السلام فسرنا، فسمعنا صوتاً وتذمراً، فأتينا على رجل فقال: من هذا معك؟
قال: هذا أخوك محمد صلى الله عليه وسلم، فسلم ودعا بالبركة وقال: سل لأمتك اليسر، فقلت من هذا يا جبريل؟
قال: هذا أخوك موسى عليه السلام، قلت على من كان تذمره؟
قال: على ربه عز وجل، قلت: أعلى ربه؟!
قال: نعم.
قد عرف حدته، ثم سرنا فرأيت مصابيح وضوءاً، فقلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم عليه السلام ادن منها، فدنوت منها، فرحب بي ودعا لي بالبركة، ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي تربط بها الأنبياء عليهم السلام، ثم دخلت المسجد فنشرت لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من سمى الله منهم ومن لم يسم، فصليت بهم إلا هؤلاء الثلاث: إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام» .
وأخرج ابن مردويه من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد، ثم دخلت إلى الصخرة، فإذا ملك قائم معه آنية ثلاث، فتناولت العسل، فشربت منه قليلاً، ثم تناولت الآخر فشربت منه حتى رويت، فإذا هو لبن، فقال اشرب من الآخر، فإذا هو خمر، قلت قد رويت.
قال: أما أنك لو شربت من هذا لم تجتمع أمتك على الفطرة أبداً، ثم انطلق بي إلى السماء، ففرضت عليّ الصلاة، ثم رجعت إلى خديجة رضي الله عنها وما تحوّلت عن جانبها الآخر» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع عني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل عليه السلام أتاني فأخذ بيدي فأخرجني فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليها ثم انطلق حتى أتى بي إلى بيت المقدس، فأراني إبراهيم يشبه خلقه خلقي، ويشبه خلقي خلقه، وأرأني موسى آدم طوالاً، سبط الشعر أشبهه برجال ازد شنوأة، وأراني عيسى ابن مريم ربعة أبيض يضرب إلى الحمرة شبهته بعروة بن مسعود الثقفي، وأراني الدجال ممسوح العين اليمنى شبهته بقطن بن عبد العزى، قال: وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم ما رأيت» فأخذت بثوبه، فقلت إني أذكرك الله، إنك تأتي قوماً يكذبونك وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه من يدي، ثم خرج إليهم فأتاهم وهم جلوس، فأخبرهم، فقام مطعم بن عدي فقال: يا محمد، لو كنت شاباً كما كنت ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا.
فقال رجل من القوم: يا محمد، هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟
قال: «نعم، والله وجدتهم قد أضلوا بعيراً لهم فهم في طلبه» قال: هل مررت بإبل لبني فلان قال: «نعم وجدتهم في مكان كذا وكذا، قد انكسرت لهم ناقة حمراء، فوجدتهم وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها» قالوا: فأخبرنا عن عدتها وما فيها من الرعاء.
قال: «قد كنت عن عدتها مشغولاً» فقام وأتى بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاء.
ثم أتى قريشاً فقال لهم: «سألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاء فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا وفيها من الرعاء ابن أبي قحافة وفلان وفلان وهي مصبحتكم الغداة الثنية» فقعدوا إلى الثنية ينظرون أصدقهم ما قال، فاستقبلوا الإبل فسألوا، هل ضل لكم بعير؟
قالوا: نعم.
فسألوا الآخر، هل انكسر لكم ناقة حمراء؟
قالوا: نعم.
قال: فهل كان عندكم قصعة من ماء؟
قال أبو بكر رضي الله عنه: والله أنا وضعتها فما شربها أحد منا ولا أهريقت في الأرض، فصدقه أبو بكر رضي الله عنه وآمن به، فسمي يومئذ الصديق.
وأخرج أبو يعلى وابن عساكر، عن أم هانئ رضي الله عنها قال: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم بغلس وأنا على فراشي، فقال: «شعرت أني نمت الليلة في المسجد الحرام فأتاني جبريل، فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل مضطرب الأذنين فركبته، فكان يضع حافره مد بصره، إذا أخذ بي في هبوط طالت يداه وقصرت رجلاه، وإذا أخذ بي في صعود طالت رجلاه وقصرت يداه، وجبريل لا يفوتني حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقته بالحلقة التي كانت الأنبياء توثق بها، فنشر لي رهط من الأنبياء عليهم السلام منهم إبراهيم وموسى وعيسى فصليت بهم وكلمتهم، وأتيت بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل عليه السلام: شربت اللبن وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتدت أمتك، ثم ركبته فأتيت المسجد الحرام، فصليت به الغداة،» فتعلقت بردائه وقلت: أنشدك الله يا ابن عم، إن تحدث بها قريشاً، فيكذبك من صدقك، فضربت بيدي على ردائه فانتزعته من يدي، فارتفع عن بطنه فنظرت إلى عكنه فوق ازاره كأنها طي القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد يختطف بصري، فخررت ساجدة، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي: ويحك اتبعيه، وانظري ماذا يقول وماذا يقال له، فلما رجعت أخبرتني أنه انتهى إلى نفر من قريش فيهم المطعم بن عدي وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة.
فقال: «إني صليت الليلة العشاء في هذه المسجد وصليت به الغداة وأتيت فيما بين ذلك ببيت المقدس فنشر لي رهط من الأنبياء فيهم إبراهيم وموسى وعيسى فصليت بهم وكلمتهم» فقال عمرو بن هشام- كالمستهزئ-: صفهم لي.
فقال: صلى الله عليه وسلم: «أما عيسى ففوق الربعة ودون الطويل عريض الصدر جعد الشعر يعلوه صهبة كأنه عروة بن مسعود الثقفي، وأما موسى فضخم آدم طوال كأنه من رجال شنوأة كثير الشعر غائر العينين متراكب الأسنان مقلص الشفة خارج اللثة عابس، وأما إبراهيم فوالله لأنا أشبه الناس به خلقاً» فضجوا وأعظموا ذاك، فقال المطعم: كل أمرك قبل اليوم كان أمماً غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعداً شهراً ومنحدراً شهراً تزعم أنك أتيته في ليلة!
واللات والعزى لا أصدقك.
فقال أبو بكر رضي الله عنه- يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك جبهته وكذبته، أنا أشهد أنه صادق، فقالوا: يا محمد، صف لنا بيت المقدس، قال: دخلته ليلاً وخرجت منه ليلاً، فأتاه جبريل عليه السلام فصوّره في جناحه، فجعل يقول: باب منه كذا في موضع كذا، وباب منه كذا في موضع كذا، وأبو بكر رضي الله عنه يقول: صدقت صدقت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: «يا أبا بكر إن الله قد سماك الصديق» قالوا يا محمد، أخبرنا عن عيرنا، قال: «أتيت على عير بني فلان بالروحاء قد أضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها فانتهيت إلى رحالهم ليس بها منهم أحد وإذا قدح ماء فشربت منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان فنفرت مني الإبل وبرك منها جمل أحمر عليه جوالق مخطط ببياض لا أدري أكسر البعير أم لا، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم يقدمها جمل أورق وها هي ذه تطلع عليكم من الثنية» فقال الوليد بن المغيرة: ساحر، فانطلقوا فنظروا فوجدوا كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد.
فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس ﴾ [ الإسراء: 60] .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: ما أسري برسول الله إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال صلى الله عليه وسلم: «يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين» .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر، عن عبد الله بن عمر، وأم سلمة وعائشة وأم هانئ وابن عباس رضي الله عنهما، دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حملت على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل في فخذها جناحان تحفز بهما رجليها، فلما دنوت لأركبها شمست، فوضع جبريل عليه السلام يده على معرفتها ثم قال: ألا تستحيين يا براق مما تصنعي، والله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه، فاستحيت حتى ارفضت عرقاً، ثم قرت حتى ركبتها، فعلت بأذنيها وقبضت الأرض حتى كان منتهى وقع حافرها طرفها، وكانت طويلة الظهر طويلة الأذنين.
وخرج معي جبريل لا يفوتني ولا أفوته حتى أتى بيت المقدس، فأتى البراق إلى موقفه الذي كان يقف فربطه فيه، وكان مربط الأنبياء عليهم السلام، رأيت الأنبياء جمعوا لي، فرأيت إبراهيم وموسى وعيسى، فظننت أنه لا بد أن يكون لهم إمام، فقدمني جبريل عليه السلام حتى صليت بين أيديهم، وسألتهم؟
فقالوا: بعثنا بالتوحيد» .
وقال بعضهم: فقد النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، فتفرقت بنو عبد المطلب يطلبونه يلتمسونه، وخرج العباس رضي الله عنه حتى إذا بلغ ذا طوى، فجعل يصرخ يا محمد يا محمد، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك لبيك، فقال: ابن أخي، أعييت قومك منذ الليلة، فأين كنت؟
قال: أتيت من بيت المقدس، قال: في ليلتك؟!
قال: نعم.
قال: هل أصابك إلا خير؟
قال: ما أصابني إلا خير.
وقالت أم هانئ رضي الله عنها: ما أسري به إلا من بيتنا، بينا هو نائم عندنا تلك الليلة صلى العشاء ثم نام، فلما كان قبل الفجر أنبهناه للصبح فقام فصلى الصبح.
قال: «يا أم هانئ، لقد صليت معكم العشاء كما رأيت بهذا الوادي ثم قد جئت بيت المقدس فصليت به، ثم صليت الغداة معكم» ثم قام ليخرج، فقلت لا تحدث هذا الناس فيكذبوك ويؤذوك.
فقال: والله لأحدثنهم، فأخبرهم، فتعجبوا وقالوا لم نسمع بمثل هذا قط.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: «يا جبريل، إن قومي لا يصدقوني» قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق.
وافتتن ناس كثير وضلوا كانوا قد أسلموا وقمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه، فقال بعضهم: كم للمسجد من باب؟- ولم أكن عددت أبوابه- فجعلت أنظر إليها وأعدها باباً باباً وأعلمهم، وأخبرتهم عن عير لهم في الطريق وعلامات فيها، فوجدوا ذلك كما أخبرتهم.
وأنزل الله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ قال: كانت رؤيا عين رآها بعينه.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً ليركبه فاستصعب عليه فقال له جبريل عليه السلام: أبمحمد صلى الله عليه وسلم تفعل هذا؟
فوالله ما ركبك خلق أكرم على الله منه.
قال: فأرفضّ عرقاً.
وأخرج ابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: أسري بالنبي- صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول، قبل الهجرة بسنة.
وأخرج البيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب رضي الله عنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، قبل خروجه إلى المدينة بستة عشر شهراً.
وأخرج البيهقي عن عروة مثله.
وأخرج البيهقي، عن السدي رضي الله عنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، قبل مهاجره بستة عشر شهراً.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام قائماً يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر» .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: حدثني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، مر على موسى وهو يصلي في قبره.
قال: وذكر لي أنه حمل على البراق.
قال: فأوثقت الفرس.
أو قال: الدابة بالحلقة.
فقال أبو بكر رضي الله عنه صفها لي يا رسول الله، قال: كذه وذه.
وكان أبو بكر رضي الله عنه قد رآها.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى يصلي في قبره» .
وأخرج الطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على موسى وهو قائم يصلي في قبره.
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما أسري بالنبي- صلى الله عليه وسلم- جعل يمر بالنبي والنبيين معهم الرهط، والنبيين معهم القوم والنبي والنبيين ليس معهم أحد، حتى مر بسواد عظيم،» فقلت: من هؤلاء؟
فقيل موسى وقومه، ولكن ارفع رأسك وانظر، فإذا سواد عظيم!
قد سد الأفق من ذا الجانب وذا الجانب، فقيل لي: هؤلاء وسوى هؤلاء من أمتك، سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب «قال: فدخل ولم يسألوه بأنفسهم ولم يفسر لهم.
فقال قائلون: نحن هم.
وقال قائلون هم أبناؤنا الذين ولدوا في الإسلام، فخرج فقال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» .
فقام عكاشة بن محصن فقال: أنا منهم يا رسول الله؟
فقال: «أنت منهم» ، فقام رجل آخر فقال: أنا منهم؟
قال: «سبقك بها عكاشة» .
وأخرج أحمد والنسائي والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟
قال: ماشطة بنت فرعون وأولادها كانت تمشطها، فسقط المشط من يدها، فقالت بسم الله، فقالت ابنة فرعون، أبي؟
قالت: بل ربي وربك ورب أبيك.
قالت: أولك رب غير أبي؟
قالت: نعم.
قالت: فأخبر بذلك أبي؟
قالت: نعم فأخبرته فدعاها فقال: ألك رب غيري؟
قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء.
فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها لتلقي فيها وأولادها.
قالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟
قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي، فتدفنه جميعاً.
قال: ذلك لك لما لك علينا من الحق، فألقوا واحداً واحداً حتى بلغ رضيعاً فيهم قال: أسرعي يا أمه ولا تقاعسي فإنك على الحق، فألقيت هي وولدها» .
قال ابن عباس رضي الله عنه وتكلم أربعة وهم صغار: هذا، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم.
وأخرج ابن ماجه وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة أسري بي وجدت ريحاً طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه؟
قال: هذه الماشطة وزوجها وابنها، بينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقال: تعس فرعون، فأخبرت أباها، وكان للمرأة ابنان وزوج، فأرسل إليهم، فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما، فأبيا، فقال: إني قاتلكما: فقالا إحسان منك إلينا، إن قتلتنا أن تجعلنا في بيت، ففعل،» فلما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجد ريحاً طيبة، فسأل جبريل عليه السلام؟
فأخبره.
وأخرج أحمد وأبو داود، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون في وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة أسري بي مررت بناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت عادت كما كانت، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون» .
وأخرج ابن مردويه، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي رأيت رجلاً يسبح في نهر يلقم الحجارة فسألت من هذا؟
فقيل لي: هذا آكل الربا» .
وأخرج الترمذي والبزار والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كان ليلة أسري بي، أتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس، فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: لما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به الماء، ثم الخمر، ثم اللبن، أخذ اللبن.
فقال له جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة، وبه غذيت كل دابة، ولو أخذت الخمر غويت وغوت أمتك وكنت من أهل هذه، وأشار إلى الوادي الذي يقال له وادي جهنم، فنظر إليه فإذا هو نار تلتهب.
وأخرج أحمد وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني ليلة أسري بي، وضعت قدمي حيث توضع أقدام الأنبياء عليهم السلام من بيت المقدس، وعرض عليّ عيسى عليه السلام، فإذا أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود، وعرض عليّ موسى عليه السلام، فإذا رجل جعد ضرب من الرجال، وعرض عليّ إبراهيم عليه السلام، فإذا أقرب الناس به شبهاً صاحبكم» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام، فنعته فإذا هو رجل مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوأة، ولقيت عيسى عليه الصلاة والسلام فنعته ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، ورأيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنا أشبه ولده به، وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، قيل لي خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت، قيل لي هديت للفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك» .
وأخرج مسلم والنسائي وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كرباً ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما سألوني عن شيء، إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وإذا موسى عليه السلام قائم وإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوأة، وإذا عيسى عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم،- يعني نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار، فالتفت إليه فبدأني بالسلام» .
وأخرج ابن مردويه، عن عمر رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم رأى مالكاً خازن النار، فإذا رجل عابس يعرف الغضب في وجهه.
وأخرج أحمد، عن عبيد بن آدم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس، فقال لكعب رضي الله عنه: أين ترى أن أصلي؟
قال: خلف الصخرة.
قال: لا.
ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى.
وأخرج أحمد وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والضياء في المختارة بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليلة أسري بالنبي دخل الجنة فسمع في جانبها وجساً، فقال: يا جبريل ما هذا؟
فقال: هذا بلال المؤذن.
فقال النبي حين جاء إلى الناس: «قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا» فلقيه موسى عليه الصلاة والسلام فرحب به وقال مرحباً بالنبي الأمي، قال: «وهو رجل آدم طويل سبط، شعره مع أذنيه أو فوقهما، فقال: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا موسى عليه السلام، فمضى فلقيه رجل فرحب به، قال: من هذا؟
قال: هذا عيسى عليه السلام، فمضى فلقيه شيخ جليل مهيب فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: من هذا يا جبريل؟، قال: أبوك إبراهيم عليه السلام.
قال: ونظر في النار، فإذا قوم يأكلون الجيف!
قال: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس.
ورأى رجلاً أحمر أزرق جداً، قال: من هذا يا جبريل؟
قال: هذا عاقر الناقة، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى، قام يصلي، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن، وفي الآخرة عسل، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة» .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن مردويه وابو نعيم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول: فارتدوا كفاراً!
فضرب الله رقابهم مع أبي جهل.
وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمراً وزبداً فتزقموا به.
ورأى الدجال في صورته، رؤيا عين ليس برؤيا منام.
وعيسى وموسى وإبراهيم عليهم السلام، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال؟
فقال: «رأيته قيلمانياً أقمرهجان، إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعره أغصان شجرة.
ورأيت عيسى عليه السلام شاباً أبيض جعد الرأس حديد البصر مبطن الخلق، ورأيت موسى أسحم آدم كثير الشعر شديد الخلق، ونظرت إلى إبراهيم عليه السلام فلا أنظر إلى أرب منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل سلم على أبيك فسلمت عليه» .
وأخرج البخاري ومسلم والطبراني وابن مردويه من طريق قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران عليه السلام رجلاً طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوأة، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن جهنم، والدجال في آيات أراهن الله» قال: ﴿ فلا تكن في مرية من لقائه ﴾ [ السجدة: 23] فكان قتادة رضي الله عنه يفسرها أن النبي صلى الله عليه وسام قد لقي موسى عليه السلام.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقيت ليلة أسري بي، إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا الله تعالى.
وفيما عهد إلي ربي، أن الدجال خارج، ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، فيهلكه الله إذا رآني، حتى أن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافراً، فتعال فاقتله، فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطأون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، لا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم يرجع الناس إلي، فيشكونهم فأدعو الله تعالى عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجيف الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر.
ففيما عهد إليَّ ربي إن كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن حذيفة رضي الله عنه أنه حدث، عن ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: ما زايل البراق حتى فتحت له أبواب السماوات، فرأى الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم عاد ولفظ ابن مردويه، فأري ما في السماوات وأري ما في الأرض قيل له أي دابة البراق؟
قال: دابة طويل أبيض خطوه مد البصر.
وأخرج أبو يعلى والطبراني في الأوسط وابن عساكر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوباً، محمد رسول الله، وأبو بكر الصديق خلفي» .
وأخرج البزار عن ابن عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوباً، محمد رسول الله» .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند صحيح، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على الملأ الأعلى، فإذا جبريل كالحلس البالي من خشية الله» ، وفي لفظ لابن مردويه، «مررت على جبريل في السماء الرابعة، فإذا هو كأنه حلس بال من خشية الله» .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة، عن عبد الرحمن بن قرط رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة أسري بي إلى المسجد الأقصى، كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السماوات العلى، فلما رجع قال: سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات من ذي العلوّ بما علا، سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى» .
وأخرج ابن عساكر، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسرى بي جبريل، سمعت تسبيحاً في السماوات العلى، فرجف فؤادي فقال لي جبريل عليه السلام: تقدم يا محمد ولا تخف، فإن اسمك مكتوب على العرش، لا إله إلا الله محمد رسول الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي لما نتهينا إلى السماء السابعة، نظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات والعقارب ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت إلى أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم، لا يتفكرون في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي، مررت بالكوثر، فقال جبريل عليه السلام: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فضربت بيدي على تربته، فإذا مسك أذفر» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما عرج بي إلى السماء، رأيت نهراً يطرد عجاجاً مثل السهم، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، حافتاه قباب من در مجوف، فضربت بيدي إلى جانبه، فإذا مسكة ذفراء، فضربت بيدي إلى رضراضها، فإذا در.
قلت: يا جبريل، ما هذا النهر؟
قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت إبراهيم ليلة أسري بي وهو أشبه من رأيت بصاحبكم» .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن حبان وابن رمدويه، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم خليل الرحمن، فقال إبراهيم: يا جبريل، من هذا الذي معك؟
فقال جبريل: هذا محمد، فرحب بي وقال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة.
فقال له النبي:- صلى الله عليه وسلم- وما غراس الجنة؟
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتيت ليلة أسري بي على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمد، أخبر أمتك أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» .
وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي رأيت الجنة من درة بيضاء، فقلت يا جبريل، إنهم يسألوني عن الجنة؟
قال: أخبرهم أن أرضها قيعان وترابها المسك» .
وأخرج ابن ماجة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي مكتوباً على باب الجنة، الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟
قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» .
وأخرج الطبراني، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء، أدخلت الجنة، فوقعت على شجرة من أشجار الجنة، لم أر في الجنة أحسن منها ولا أبيض ورقاً ولا أطيب ثمرة، فتناولت ثمرة من ثمراتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة رضي الله عنها، فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة» .
وأخرج الحاكم وضعفه، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام بسفرجلة، فأكلتها ليلة أسري بي، فعلقت خديجة بفاطمة، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة» .
وأخرج البزار وأبو قاسم البغوي وابن قانع كلاهما في معجم الصحابة وابن عدي وابن عساكر، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي انتهيت إلى قصر من لؤلؤة» ولفظ البغوي «أسري بي في قفص من لؤلؤة، فراشه ذهب يتلألأ نوراً وأعطيت ثلاثاً: إنك سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين» .
وأخرج ابن قانع والطبراني وابن مردويه، عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء السابعة، فإذا على ساق العرش الأيمن، لا إله إلا الله محمد رسول الله» .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «لما عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي» .
وأخرج ابن عساكر، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة أسري بي، رأيت على العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين» .
وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب وابن عساكر، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري بي في العرش فريدة خضراء فيها مكتوب بنور أبيض، لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق عمر الفاروق» .
وأخرج البزار، عن علي رضي الله عنه قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان، أتاه جبريل عليه السلام بدابة يقال لها البراق، فذهب يركبها فاستصعبت، فقال لها جبريل عليه السلام- أسكني، فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد- صلى الله عليه وسلم- فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك، إذ خرج عليه ملك من الحجاب، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا الله لا إله إلا أنا.
فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أرسلت محمداً، فقال الملك: حيّ على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة.
ثم قال: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، فقيل من وراء الحجاب صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه، فأم أهل السموات فيهم آدم ونوح، فيومئذ أكمل الله لمحمد الشرف على أهل السموات والأرض.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى السماء، فانتهى إلى مكان من السماء وقف فيه، وبعث الله ملكاً فقام من السماء مقاماً ما قامه قبل ذلك، فقيل له: علمه الأذان، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر فقال الله: صدق عبدي أنا الله الأكبر، فقال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الله: صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا فقال الملك: أشهد أن محمداً رسول الله، فقال الله: صدق عبدي أنا أرسلته وأنا اخترته وأنا ائتمنته، فقال: حي على الصلاة، فقال الله: صدق عبدي ودعا إلي فريضتي وحقي، فمن أتاها محتسباً كانت كفارة لكل ذنب، فقال الملك: حي على الفلاح، فقال الله: صدق عبدي أنا أقمت فرائضها وعدتها ومواقيتها، ثم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تقدم، فتقدم، فائتم به أهل السموات، فتم له شرفه على سائر الخلائق.
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء أذن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدّمني فصليت بالملائكة» .
وأخرج الطبراني في الأوسط، عن ابن عمر رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به إلى السماء، أوحى إليه بالأذان، فنزل به فعلمه جبريل.
وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم- علم الأذان ليلة أسري به وفرضت عليه الصلاة.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- فرضت عليه الصلاة ليلة أسري به.
وأخرج أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: فرض الله على نبيه صلى الله عليه وسلم الصلاة خمسين صلاة، فسأل ربه فجعلها خمس صلوات.
وأخرج أبو داود والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل؟
حتى جعلت الصلاة خمساً، وغسل الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة.
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى سدرة المنتهى وإليها ينتهي ما يصعد به، وفي لفظ: يعرج به من الأرواح حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها حتى يقبض ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ [ النجم: 16] قال: غشيها فراش من ذهب.
وأعطي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات.
وأخرج الطبراني، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لما أسري بي انتهيت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها أمثال القلال» .
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه- وسلم لما انتهى إلى سدرة المنتهى رأى فراشاً من ذهب يلوذ بها.
وأخرج ابن مردويه، عن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- قالت: «سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: يصف سدرة المنتهى، فقال: فيها فراش من ذهب، وثمرها كالقلال، وأوراقها كآذان الفيلة قلت: يا رسول، ما رأيت عندها؟
قال: رأيته عندها» يعني ربه عز وجل.
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مررت ليلة أسري بي بملأ من الملائكة إلا قالوا لي يا محمد، مر أمتك بالحجامة» .
وأخرج أحمد ووالحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي، إلا قالوا عليك بالحجامة» وفي لفظ مر أمتك بالحجامة.
وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مررت على ملأ من الملائكة ليلة أسري بي إلا أمروني بالحجامة» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثني الله ليلة أسري بي إلى يأجوج ومأجوج أدعوهم إلى دين الله وعبادته، فأمروا أن يجيبوني وهم في النار مع من يحصى من ولد آدم، وولد إبليس» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والطبراني في الأوسط وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكان بذي طوى قال: يا جبريل، إن قومي لا يصدقوني، قال يصدقك أبو بكر وهو الصديق.
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس.
قال: أو قال ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: لئن قال ذلك، لقد صدق.
قالوا: فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟!
قال: نعم.
إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة.
فلذلك سمي أبا بكر الصديق.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والبزار والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والضياء في المختارة وابن عساكر بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كان ليلة أسري بي، فأصبحت في مكة قطعت وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلاً حزيناً، فمر به عدوّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ، هل كان من شيء؟
قال: نعم.
قال وما هو؟
قال: إني أسري بي الليلة قال: إلى أين؟
قال: إلى بيت المقدس قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟
قال: نعم.
فلم يرد أن يكذبه مخافة أن يجحده الحديث، إن دعا قومه إليه.
قال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟
قال: نعم.
قال: هيا يا معشر بني كعب بن لؤي، فانقضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.
قال: حدث قومك بما حدثتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أسري بي الليلة قالوا: إلى أين؟
قال: إلى بيت المقدس قالوا إيليا؟
قال: نعم.
قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟
قال: نعم.
قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً!
قالوا: وتستطيع أن تنعت المسجد؟
وفي القوم من قد سافر إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت، فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه، حتى وضع دون دار عقيل أو عقال فنعته وأنا أنظر إليه، فقام القوم أما النعت فوالله لقد أصاب» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما كذبتني قريش لما أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن عروة رضي الله عنه قال: قالت قريش لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما أخبرهم بمسراه إلى بيت المقدس، أخبرنا ماذا ضل عنا وائتنا بآية ما تقول: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضلت منكم ناقة ورقاء عليها بر لكم» فلما قدمت عليهم قالوا انعت لنا ما كان عليها، ونشر له جبريل عليه السلام ما عليها كله ينظر إليه، فأخبرهم بما كان عليها وهم قيام ينظرون، فزادهم ذلك شكاً وتكذيباً.
وأخرج البيهقي في الدلائل، عن السدي رضي الله عنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة في العير قالوا: فمتى تجيء؟
قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولى النهار ولم تجئ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس، فلم ترد الشمس على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى يوشع بن نون عليه السلام حين قاتل الجبارين.
واخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أتى بدابة دون البغل وفوق الحمار يضع حافره عند منتهى طرفه، يقال له البراق.
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعير للمشركين، فنفرت فقالوا: يا هؤلاء ما هذا؟
فقالوا ما نرى شيئاً؛ ما هذه الرائحة إلا ريح، حتى أتى بيت المقدس، فأتى بإناءين: في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن فأخذ اللبن فقال جبريل عليه السلام: «هديت وهديت أمتك» .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر، عن الواقدي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وغيره من رجاله قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يريه الجنة والنار فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم في بيته ظهراً أتاه جبريل وميكائيل، فقالا: انطلق إلى ما سألت الله، فانطلقا به إلى السموات ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظراً، فعرج به إلى السموات سماءً سماءً فلقي فيها الأنبياء وانتهى إلى سدرة المنتهى، ورأى الجنة والنار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولما انتهيت إلى السماء السابعة لم أسمع إلا صريف الأقلام» وفرضت عليه الصلوات الخمس ونزل جبريل عليه السلام، فصلى برسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات في مواقيتها.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسري به، ريحه ريح عروس وأطيب من ريح عروس.
وأخرج ابن مردويه، عن جبير قال: سمعت سفيان الثوري رضي الله عنه سئل، عن ليلة أسري به، فقال: أسري ببدنه.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر وكتب إليه معه، فلقيه بحمص ودعا الترجمان، فإذا في الكتاب من محمد رسول الله، إلى قيصر صاحب الروم، فغضب أخ له وقال: تنظر في كتاب رجل بدأ بنفسه قبلك، وسماك قيصر صاحب الروم ولم يذكر أنك ملك؟!
قال له قيصر: إنك والله ما علمت أحمق صغيراً، مجنوناً كبيراً: تريد أن تحرق كتاب رجل قبل أن أنظر فيه؟
فلعمري لئن كان رسول الله كما يقول: فنفسه أحق أن يبدأ بها مني، وإن كان سماني صاحب الروم، فلقد صدق، ما أنا إلا صاحبهم وما أملكهم، ولكن الله سخرهم لي ولو شاء لسلطهم علي، ثم قرأ قيصر الكتاب، فقال: يا معشر الروم، إني لأظن هذا الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولو أعلم أنه هو مشيت إليه حتى أخدمه بنفسي، لا يسقط وضوءه إلا على يدي، قالوا: ما كان الله ليجعل ذلك في الإِعراب الأميين ويدعنا، ونحن أهل الكتاب قال: فأصل الهدى بيني وبينكم الإِنجيل، ندعو به فنفتحه، فإن كان هو إياه اتبعناه، وإلا أعدنا عليه خواتمه كما كانت إنما هي خواتيم مكان خواتم قال: وعلى الإِنجيل يومئذ اثنا عشر خاتماً من ذهب ختم عليه هرقل، فكان كل ملك يليه بعده ظاهر عليه بخاتم آخر، حتى ألقى ملك قيصر وعليه إثنا عشر خاتماً، يخبر أوّلهم لآخرهم أنه لا يحل لهم أن يفتحوا الإنجيل في دينهم، وإنهم يوم يفتحونه يغير دينهم ويهلك ملكهم، فدعا بالإنجيل ففض عنه أحد عشر خاتماً حتى بقي عليه خاتم واحد، فقامت الشمامسة والأساقفة والبطارقة، فشقوا ثيابهم وصكوا وجوههم ونتفوا رؤوسهم!
قال: ما لكم؟
قالوا: اليوم يهلك ملك بيتك، وتغير دين قومك.
قال: فأصل الهدى عندي.
قالوا: لا تعجل حتى نسأل عن هذا ونكاتبه وننظر في أمره؟
قال: فمن نسأل عنه؟
قالوا: قوماً كثيراً بالشام، فأرسل يبتغي قوماً يسألهم؟
فجمع له أبو سفيان وأصحابه، فقال: أخبرني يا أبا سفيان عن هذا الرجل الذي بعث فيكم، فلم يأل أن يصغر أمره ما استطاع، قال: أيها الملك، لا يكبر عليك شأنه، إنا لنقول: هو ساحر، ونقول: هو شاعر، ونقول: هو كاهن.
قال قيصر: كذلك والذي نفسي بيده كان يقال للأنبياء عليهم السلام قبله.
قال: أخبرني عن موضعه فيكم.
قال: هو أوسطنا.
قال: كذلك بعث الله كل نبي من أوسط قومه.
أخبرني عن أصحابه.
قال: غلماننا وأحداث أسنانهم والسفهاء، أما رؤساؤنا فلم يتبعه منهم أحد.
قال: أولئك والله أتباع الرسل، أما الملأ والرؤوس فأخذتهم الحمية.
قال: أخبرني عن أصحابه هل يفارقونه بعدما يدخلون في دينه؟
قال: ما يفارقه منهم أحد.
قال: فلا يزال داخل منكم في دينه؟
قال: نعم.
قال: ما تزيدونني عليه إلا بصيرة، والذي نفسي بيده ليوشكن أن يغلب على ما تحت قدمي.
يا معشر الروم، هلموا إلى أن نجيب هذا الرجل إلى ما دعا إليه ونسأله الشام أن لا يطأ علينا أبداً.
فإنه لم يكتب قط نبي من الأنبياء إلى ملك من الملوك يدعوه إلى الله فيجيبه إلى ما دعاه، ثم يسأله مسألة إلا أعطاه مسألته ما كانت، فأطيعوني.
قالوا: لا نطاوعك في هذا أبداً.
قال أبو سفيان: والله ما يمنعني من أن أقول عليه قولاً أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي، ولا يصدقني حتى ذكرت قوله ليلة أسري به.
قلت: أيها الملك، أنا أخبرك عنه خبراً تعرف أنه قد كذب.
قال: وما هو؟
قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيليا، ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح قال: وبطريق إيليا عند رأس قيصر.
قال البطريق: قد علمت تلك الليلة.
فنظر إليه قيصر فقال ما علمك بهذا؟
قال: إني كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه عمالي ومن يحضرني كلهم، فعالجته فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلاً، فدعوت الناجرة، فنظروا إليه، فقالوا هذا باب سقط عليه التجاق والبنيان، فلا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من اين أتى، فرجعت وتركته مفتوحاً فلما أصبحت غدوت، فإذا الحجر الذي من زاوية الباب مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة، فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، فقد صلى الليلة في مسجدنا، فقال قيصر: يا معشر الروم، أليس تعلمون أن بين عيسى وبين الساعة نبي بشركم به عيسى عليه السلام؟
وهذا هو النبي الذي بشر به عيسى، فأجيبوه إلى ما دعا إليه، فلما رأى نفورهم قال: يا معشر الروم، دعاكم ملككم يختبركم كيف صلابتكم في دينكم، فشتمتموه وسببتموه وهو بين أظهركم فخروا له سجداً.
وأخرج الواسطي في فضائل بيت المقدس، عن كعب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، وقف البراق في الموقف الذي كان يقف فيه الأنبياء، ثم دخل من باب النبي، وجبريل عليه السلام أمامه، فأضاء له ضوء كما تضيء الشمس، ثم تقدم جبريل عليه السلام أمامه، حتى كان من شامي الصخرة، فأذن جبريل عليه السلام، ونزلت الملائكة عليهم السلام من السماء، وحشر الله لهم المرسلين عليهم السلام، فأقام الصلاة ثم تقدم جبريل عليه السلام، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالملائكة والمرسلين، ثم تقدم قدام ذلك إلى موضع، فوضع له مرقاة من ذهب ومرقاة من فضة وهو المعراج حتى عرج جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء.
وأخرج الواسطي من طريق أبي حذيفة مؤذن بيت المقدس، عن جدته أنها رأت صفية زوج النبي رضي الله عنها وكعباً رضي الله عنه يقول: لها يا أم المؤمنين، صلي ههنا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالنبيين عليهم السلام حين أسري به ههنا، وأومأ أبو حذيفة بيده إلى القبلة القصوى في دبر الصخرة.
وأخرج الواسطي، عن الوليد بن مسلم رضي الله عنه قال: حدثني بعض أشياخنا أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما ظهر على بيت المقدس ليلة أسري به فإذا عن يمين المسجد وعن يساره نوران ساطعان، فقلت يا جبريل، ما هذان النوران؟
قال: أما هذا الذي عن يمينك فإنه محراب أخيك داود- عليه السلام- وأما هذا الذي عن يسارك فعلى قبر أختك مريم.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن بن الحسين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني برجله، فجلست فلم أر شيئاً، فعدت لمضجعي، فجاءني الثانية فهمزني بقدمه، فجلست فلم أر شيئاً، فعدت لمضجعي فجاءني فهمزني بقدمه، فجلست فأخذ بعضدي، فقمت معه فخرج إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض بين الحمار والبغل له في فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه يضع يده في منتهى طرفه، فحملني عليه، ثم خرج لا يفوتني ولا أفوته» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ الآية.
قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فحمله على البراق، فسار به إلى بيت المقدس، فمر بأبي سفيان في بعض الطريق وهو يحتلب ناقة، فنفرت من حس البراق فأهرقت اللبن، فسب أبو سفيان من نفرها، ونَدَّ جمل لهم أورق، فذهب إلى بعض المياه فطلبوه، فأخذوه، ومر بواد فنفخ عليه من ريح المسك، فسأل جبريل- عليه السلام- ما هذا الريح فقال: هؤلاء أهل بيت من المسلمين، حرقوا بالنار في الله عز وجل.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت ليلة أسري بي عمود أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة، قلت: ما تحملون، قالوا: عمود الإسلام أمرنا أن نضعه بالشام» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ قال: أسري به من شعب أبي طالب.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما فقدت جسد رسول الله ولكن الله أسرى بروحه.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن معاوية بن أبي سفيان: أنه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة.
وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل بالبراق، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: قد رأيتها يا رسول الله؟
قال: صفها لي، قال: بدنة.
قال: صدقت، قد رأيتها يا أبا بكر» .
وأخرج الخطيب، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أسري بي إلى السماء قربني الله تعالى حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى لا بل أدنى، وعلمني المسميات، قال: يا محمد، قلت: لبيك يا رب، قال: هل غمك أن جعلتك آخر النبيين؟
قلت: يا رب، لا.
قال: فهل غم أمتك أن جعلتهم آخر الأمم؟
قلت: يا رب لا، قال: أبلغ أمتك مني السلام، وأخبرهم أني جعلتهم آخر الأمم، لأفضح الأمم عندهم، ولا أفضحهم عند الأمم» .
وأخرج الطبراني، عن أم هانئ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به: «إني أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم» فكذبوه، وصدقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فسمي يومئذ الصديق.
وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب رضي الله عنه قال: أخبرني ابن المسيب وأبو أسامة بن عبد الرحمن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أسري به على البراق- وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام، يقع حافرها موضع طرفها.
قال: فمرت بعير من عيرات قريش- بواد من تلك الأودية، فنفر بعير عليه غرارتان سوداء وزرقاء، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيليا، فأتي بقدحين قدح خمر وقدح لبن، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن.
قال له جبريل عليه السلام: هديت إلى الفطرة، لو أخذت قدح الخمر غوت أمتك.
قال ابن شهاب رضي الله عنه: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي هناك إبراهيم وموسى وعيسى، فنعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما موسى فضرب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوأة، وأما عيسى فرجل أحمر كأنما خرج من ديماس، فأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي، وأما إبراهيم فأنا أشبه ولده به.
فلما رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حدث قريشاً أنه أسري به، فارتد ناس كثير بعدما أسلموا.
قال أبو سلمة: فأتى أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقيل له: هل لك في صاحبك؟
يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس.
ثم رجع في ليلة واحدة.
قال أبو بكر رضي الله عنه: أو قال ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: فأشهد إن كان قال ذلك، لقد صدق.
قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟
قال: إني أصدقه بأبعد من ذلك!
أصدقه بخبر السماء.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج قال نافع بن جبير رضي الله عنه وغيره: لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسري به فيها، لم يرعه إلا جبريل عليه السلام يتدلى حين زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى، فأمر بلالاً يصيح في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا، فصلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم- وصلى النبي صلى الله عليه وسلم- للناس، طوّل الركعتين الأوليين، ثم قصر في الباقيتين، ثم سلم جبريل- عليه السلام- على النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم في العصر عمل مثل ذلك، ففعلوا كما فعلوا في الظهر، ثم نزل في أول الليل، فصيح الصلاةُ جامعة، فصلى جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم- وصلى النبي صلى الله عليه وسلم- للناس طوّل في الأولتين وقصر في الثالثة، ثم سلم جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم لما ذهب ثلث الليل نزل فصيح الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصلى جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى النبي صلى الله عليه وسلم للناس، فقرأ في الأولتين فطوّل وجَهَرَ وقصر في الباقيتين، ثم سلم جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم لما طلع الفجر صيح الصلاة جامعة، فصلى جبريل عليه السلام للنبي- صلى الله عليه وسلم- وصلى النبي صلى الله عليه وسلم للناس، فقرأ فيهما وجهر وطول ورفع صوته، ثم سلم جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم- وسلم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس.
وأخرج أبو بكر الواسطي في كتاب بيت المقدس، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كانت الأرض ماء فبعث الله تعالى ريحاً فمسحت الماء مسحاً، فظهرت على الأرض زبدة، فقسمها أربع قطع: خلق من قطعة مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة.
وقال الواسطي رضي الله عنه، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أن داود عليه السلام أراد أن يعلم عدد بني إسرائيل كم هم، فبعث نقباء وعرفاء وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ عددهم، فعتب الله عليه لذلك، وقال: قد علمت أني وعدت إبراهيم أن أبارك فيه وفي ذريته حتى أجعلكم كعدد الذر، وأجعلهم لا يحصى عددهم، وأردت أن تعلم عددهم، إنه لا يحصى عددهم، فاختاروا إثنين أن أبتليكم بالجوع ثلاث سنين، أو أسلط عليكم العدو ثلاثة أشهر، أو الموت ثلاثة أيام، فأشار بذلك داود عليه السلام على بني إسرائيل، فقالوا ما لنا بالجوع ثلاث سنين صبر، ولا بالعدوّ ثلاثة أشهر صبر، فليس لهم تقية، فإن كان لا بد، فالموت بيده لا بيده غيره، فمات منهم في ساعة ألوف كثيرة ما يدري عددهم، فلما رأى ذلك داود- عليه السلام- شق عليه ما بلغه من كثرة الموت فسأل الله ودعا، فقال: يا رب، أنا آكل الحامض وبنو إسرائيل تدرس؟
أنا طلبت ذلك، وأمرت به بني إسرائيل، فما كان من شيء فبي، وارفع عن بني إسرائيل.
فاستجاب له، ورفع عنهم الموت، فرأى داود عليه السلام الملائكة- عليهم السلام- سالين سيوفهم يغمدونها، يرفعون في سلم من ذهب من الصخرة، فقال داود: هذا مكان ينبغي أن يبنى فيه لله مسجد أو تكرمة، وأراد أن يأخذ في بنيانه، فأوحى الله إليه: هذا بيت المقدس، وإنك بسطت يدك في الدماء فلست ببانيه، ولكن ابن لك بعدك اسمه سليمان، أسلمه من الدماء.
فلما ملك سليمان عليه الصلاة والسلام بناه وشرفه، فلما أراد سليمان عليه السلام أن يبنيه قال للشياطين: إن الله عز وجل أمرني أن أبني بيتاً له لا يقطع فيه حجر بحديدة.
فقالت الشياطين: لا يقدر على هذا إلا شيطان في البحر له مشربة يردها، فانطلقوا إلى مشربته فأخرجوا ماءها، وجعلوا مكانه خمراً فجاء يشرب، فوجد ريحاً، فقال شيئاً ولم يشرب، فلما اشتد ظمؤه جاء فشرب فأخذ، فبينما هم في الطريق إذا هم برجل يبيع الثوم بالبصل فضحك، ثم مر بامرأة تكهن لقوم فضحك، فلما انتهى إلى سليمان أخبر بضحكه، فسأله؟
فقال: مررت برجل يبيع الدواء بالداء، ومررت بامرأة تكهن وتحتها كنز لا تعلم به.
فذكر له شأن البناء، فأمر أن يؤتى بقدر من نحاس لا تقلها البقر.
فجعلوها على فروخ النسر، ففعلوا ذلك، فأقبل إليه، فلم يصل إلى فروخه، فعلا في جوّ السماء ثم تدلى فأقبل بعود في منقاره فوضعه على القدر فانفلقت، فعمدوا إلى ذلك العود فأخذوه فعملوا به الحجارة.
وأخرج ابن سعد، عن سالم أبي النضر رضي الله عنه قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر رضي الله عنه ضاق بهم المسجد، فاشترى عمر رضي الله عنه ما حول المسجد من الدور، إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر رضي الله عنه للعباس: يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم، وقد ابتعت ما حوله من المنازل؛ نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين.
قال عمر: فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، أوسع بها في مسجدهم.
فقال العباس رضي الله عنه ما كنت لأفعل.
فقال عمر رضي الله عنه: اختر مني أحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أحطك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فيوسع بها في مسجدهم.
فقال: لا ولا واحدة منها.
فقال عمر رضي الله عنه: اجعل بيني وبينك من شئت.
فقال أبي بن كعب رضي الله عنه فانطلقا إلى أبي فقصا عليه القصة فقال أبي رضي الله عنه إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالا: حدثنا.
فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أوحى إلى داود، ابن لي بيتاً أُذْكَرُ فيه، فخط له هذه الخطة- خطة بيت المقدس- فإذا بربعها زاوية بيت من بني إسرائيل، فسأل داود أن يبيعه إياه فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه: أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتاً أذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك أن لا تبنيه قال: يا رب، فمن ولدي قال: من ولدك» .
قال: فأخذ عمر رضي الله عنه بمجامع ثياب أبي بن كعب رضي الله عنه وقال: جئتك بشيء، فجئت بما هو أشد منه، لتخرجنّ مما قلت، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد، فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيهم أبو ذر رضي الله عنه.
فقال أبي رضي الله عنه إني نشدت الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم- يذكر حديث بيت المقدس، حيث أمر الله تعالى، داود أن يبينه إلا ذكره.
فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال آخر: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأرسل أبياً.
فأقبل أبي على عمر رضي الله عنه فقال: يا عمر، أتتهمني على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما اتهمتك عليه، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهراً.
قال: وقال عمر رضي الله عنه للعباس رضي الله عنه: اذهب فلا أعرض لك في ذلك.
فقال العباس رضي الله عنه: أما إذ فعلت هذا، فإني تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا.
فخط له عمر رضي الله عنه داره التي هي له اليوم وبناها من بيت مال المسلمين.
وأخرج ابن سعد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت للعباس دار بالمدينة فقال عمر رضي الله عنه هبها لي أو بعنيها حتى أدخلها في المسجد فأبى.
قال اجعل بيني وبينك رجلاً من أصحاب رسول الله، فجعلا أبي بن كعب رضي الله عنه بينهما، فقضى أبي على عمر.
فقال عمر رضي الله عنه ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أجرأ علي من أبي.
قال: إذ أنصح لك يا أمير المؤمنين، أما علمت قصة المرأة؟
أن داود- عليه السلام- لما بنى بيت المقدس، ادخل فيه بيت امرأة بغير إذنها، فلما بلغ حجراً لرجال منع بناءه، فقال: أي رب، إذ منعتني ففي عقبي من بعدي.
فلما كان بعد قال له العباس رضي الله عنه أليس قد قضيت لي؟
قال: بلى.
قال: فهي لك قد جعلتها لله.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأخذ دار العباس بن عبد المطلب ليزيد بها في المسجد، فأبى العباس رضي الله عنه أن يعطيها إياه.
فقال عمر رضي الله عنه لآخذنها.
قال: فاجعل بيني وبينك أبي بن كعب.
قال: نعم، فأتيا أبياً فذكرا له، فقال أبي رضي الله عنه أوحى الله إلى سليمان بن داود- عليه السلام- أن يبني بيت المقدس، وكانت أرض لرجل فاشترى منه الأرض، فلما أعطاه الثمن، قال: الذي أعطيتني خير أم الذي أخذت مني؟
قال: بل الذي أخذت منك.
قال: فإني لا أجيز، ثم اشتراها منه بشيء أكثر من ذلك، فصنع الرجل مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً، فاشترط عليه سليمان عليه السلام أني أبتاعها منك على حكمك، ولا تسألني أيهما خير.
قال: نعم.
فاشتراها منه بحكمة، فاحتكم إثني عشر ألف قنطار ذهباً، فتعاظم ذلك سليمان أن يعطيه، فأوحى الله إليه «إن كنت تعطيه من شيء هو لك فأنت أعلم، وإن كنت تعطيه من رزقنا، فأعطه حتى يرضى» قال: ففعل.
قال: وإني أرى أن عباساً رضي الله عنه أحق بداره حتى يرضى.
قال العباس رضي الله عنه- فإذ قضيت، فإني أجعلها صدقة على المسلمين.
وأخرج عبد الرزاق، عن زيد بن أسلم قال: كان للعباس بن عبد المطلب دار إلى جنب مسجد المدينة، فقال له عمر رضي الله عنه بعنيها.
وأراد عمر أن يدخلها في المسجد، فأبى العباس أن يبيعها إياه.
فقال عمر رضي الله عنه: فهبها لي، فأبى.
فقال عمر: فوسعها أنت في المسجد.
فأبى، فقال عمر: لا بد لك من إحداهن، فأبى عليه.
قال: فخذ بيني وبينك رجلاً.
فأخذا أبي بن كعب، فاختصما إليه، فقال أبي لعمر: ما أرى أن تخرجه من داره حتى ترضيه: فقال له عمر: أرأيت قضاءك هذا في كتاب الله، أم سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال أبي: بل سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر: وما ذاك؟
قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس جعل كلما بنى حائطاً أصبح منهدماً، فأوحى الله إليه أن لا تبن في حق رجل حتى ترضيه» فتركه عمر رضي الله عنه فوسعها العباس رضي الله عنه بعد ذلك في المسجد.
وأخرج الواسطي عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما أمر الله تعالى داود أن يبني بيت المقدس قال: يا رب وأين أبنيه؟
قال: «حيث ترى الملك شاهراً سيفه» قال: فرآه في ذلك المكان.
فأخذ داود عليه السلام فأسس قواعده ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم.
فقال داود عليه السلام: يا رب، أمرتني أن أبني لك بيتاً، فلما ارتفع هدمته!
فقال: «يا داود إنما جعلت خليفتي في خلقي، لم أخذته من صاحبه بغير ثمن؟
إنه يبنيه رجل من ولدك» فلما كان سليمان عليه السلام ساوم صاحب الأرض بها.
فقال له: هي بقنطار، فقال له سليمان عليه السلام: قد استوجبتها، فقال له صاحب الأرض: هي خير أم ذاك؟
قال: لا، بل هي خير، قال: فإنه قد بدا لي.
قال: أو ليس قد أوجبتها.
قال: لا، ولكن البيعان بالخيار ما لم يتفرقا.
قال ابن المبارك رضي الله عنه هذا أصل الخيار.
قال: فلم يزل يزايده ويقول له مثل قوله الأول حتى استوجبتها منه بتسعة قناطير، فبناه سليمان عليه السلام حتى فرغ منه، وتغلقت أبوابه فعالجها سليمان عليه السلام أن يفتحها فلم تنفتح حتى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا تفتحت الأبواب، فتفتحت الأبواب.
قال: ففرغ له سليمان- عليه السلام- عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل، خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، ولا تأتي ساعة من ليل ولا نهار، إلا والله عز وجل يعبد فيه.
وأخرج الواسطي، عن الشيباني قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود- عليه السلام- إنك لم تتم بناء بيت المقدس.
قال أي رب، ولم؟
قال: لأنك غمرت يدك في الدم.
قال: أي رب، ولم يكن ذلك في طاعتك؟
قال: بلى وإن كان.
وأخرج ابن حبان في الضعفاء، والطبراني وابن مردويه والواسطي، عن رافع بن عمير رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله لداود عليه السلام: ابن لي بيتاً في الأرض فبنى داود عليه السلام بيتاً لنفسه قبل البيت الذي أمر به.
فأوحى الله إليه: يا داود قضيت بيتك قبل بيتي قال: يا رب، هكذا قلت: من ملك استأثر، ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تم السور سقط ثلث، فشكا ذلك إلى الله.
فأوحى الله إليه: إنك لا تصلح أن تبني لي بيتاً قال: ولم يا رب؟
قال: لما جرى على يديك من الدماء!
قال: يا رب أو لم يكن ذلك في هواك ومحبتك؟
قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه لا تحزن، فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان فلما مات داود عليه السلام، أخذ سليمان في بنائه، فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل.
فأوحى الله تعالى إليه: قد أرى سرورك ببنيان بيتي، فاسألني أعطك قال: أسألك ثلاث خصال: حكماً يصادف حكمك، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الاثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة» .
وأخرج الواسطي عن كعب، قال: أوحى الله إلى داود عليه السلام: «ابن لي بيت المقدس: فعارضه ببناء له.
فأوحى الله إليه يا داود أمرتك أن تبني بيتاً لي فعارضته ببناء لك ليس لك أن تبنيه قال: يا رب، ففي عقبي.
قال: في عقبك.
فلما ولي سليمان- عليه السلام- أوحى الله إليه أن ابن بيت المقدس فبناه فلما كمل خرَّ ساجداً شاكراً لله تعالى.
قال: يا رب، من دخله من خائف فأمنه، أو من داع فاستجب له، أو مستغفر فاغفر له، فأوحى الله إليه أني قد خصصت لآل داود الدعاء قال: فذبح أربعة آلاف بقرة، وسبعة آلاف شاة، وصنع طعاماً ودعا بني إسرائيل» .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سليمان عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة.
سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد يعني بيت المقدس خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه قال النبي صلى الله عليه وسلم:ونحن نرجو أن يكون الله أعطاه ذلك» .
وأخرج ابن أبي شيبة والواسطي، عن عبد الله بن عمر قال: إن الحرم، لَحَرَم في السموات السبع بمقداره من الأرض.
وإن بيت المقدس لمقدس في السموات السبع بمقداره من الأرض.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
وأخرج الواسطي، عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: لما فرغ سليمان بن داود عليه السلام من بناء بيت المقدس، أنبت الله له شجرتين عند باب الرحمة: إحداهما تنبت الذهب، والأخرى تنبت الفضة.
فكان في كل يوم ينتزع من كل واحدة مائتي رطل من ذهب وفضة، ففرش المسجد بلاطة ذهباً، وبلاطة فضة، فلما جاء بختنصر، خربه واحتمل منه ثمانين عجلة ذهباً وفضة فطرحه برومية.
وأخرج ابن عساكر، عن يحيى بن عمرو الشيباني قال: لما بنى داود عليه السلام مسجد بيت المقدس، نهى أن يدخل الرخام بيت المقدس، لأنه الحجر الملعون، فخر على الحجارة فلعن.
وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: تذاكرنا ونحن عند النبي- صلى الله عليه وسلم- أيهما أفضل؟
مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مسجد بيت المقدس؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى، وليوشكن أن يكون للرجل مثل بسط فرشه من الأرض، حيث يرى منه بيت المقدس، خير له من الدنيا جميعاً، أو قال خير من الدنيا وما فيها» .
وأخرج الواسطي، عن كعب رضي الله عنه قال: أن الله عز وجل ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين.
وأخرج الواسطي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال، وهو ببيت المقدس: يا نافع، أخرج بنا من هذا البيت، فإن السيئات تضاعف فيه، كما تضاعف الحسنات.
وأخرج الواسطي عن مكحول رضي الله عنه: أن ميمونة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيت المقدس، قال: «نعم المسكن بيت المقدس، ومن صلى فيه صلاة بألف صلاة فيما سواه» قالت: فمن لم يطق ذلك، قال فليهد إليه زيتاً.
وأخرج الواسطي، عن مكحول رضي الله عنه قال: من صلى في بيت المقدس ظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً وصبحاً، ثم صلى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وأخرج الواسطي، عن كعب رضي الله عنه قال: شكا بيت المقدس إلى الله عز وجل الخراب، فقيل: هل يتكلم المسجد؟
فقال: إنه ما من مسجد إلا وله عينان يبصر بهما، ولسان يتكلم به، وإنه ليلتوي من البزاق والنجاسة كما تلتوي الدابة من ضرب السوط.
وأخرج الواسطي، عن كعب في بيت المقدس: اليوم فيه كألف يوم، والشهر فيه كألف شهر، والسنة فيه كألف سنة، ومن مات فيه فكأنما مات في السماء الدنيا.
وأخرج الواسطي، عن الشيباني رضي الله عنه قال: ليس يعد من الخلفاء إلا من ملك المسجدين المسجد الحرام ومسجد بيت المقدس.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ قال: أنبتنا حوله الشجر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ قال جعله الله هدى، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وجعله رحمة لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أن لا يتخذوا من دوني وكيلاً ﴾ قال: شريكاً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال: هو على النداء، يا ذرية من حملنا مع نوح.
وأخرج ابن مردويه، عن عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ ما كان مع نوح إلا أربعة أولاد: حام وسام ويافث وكوش، فذاك أربعة أولاد انتسلوا هذا الخلق» .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان نوح عليه السلام لا يحمل شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلا قال: بسم الله والحمد لله، فسماه الله عبداً شكوراً» .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن سلمان رضي الله عنه قال: كان نوح عليه السلام إذا لبس ثوباً أو طعم طعاماً قال: الحمد لله فسمي عبداً شكوراً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني، عن سعيد بن مسعود الثقفي الصحابي رضي الله عنه قال: إنما سمي نوح عليه السلام عبداً شكوراً، لأنه كان إذا أكل أو شرب أو لبس ثوباً أحمد الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن نوحاً لم يقم عن خلاء قط إلا قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ منفعته، وأخرج عني أذاه» .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، عن العوّام قال: حدثت أن نوحاً عليه السلام كان يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه.
واخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن أصبغ بن زيد: أن نوحاً عليه السلام كان إذا خرج من الكنيف قال ذلك، فسمي ﴿ عبداً شكوراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه: أن نوحاً عليه السلام إذا خرج من الغائط قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
وأخرج عبد الله بن حمد في زوائد الزهد، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: شكره أن يسمي إذا أكل، ويحمد الله إذا فرغ.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ قال: لم يأكل شيئاً قط إلا حمد الله، ولم يشرب شراباً قط إلا حمد الله عليه، فأثنى عليه ﴿ إنه كان عبدا شكوراً ﴾ .
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: كان نوح عليه السلام إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله، وإذا لبس قال: الحمد لله، وإذا ركب قال: الحمد لله، فسماه الله ﴿ عبداً شكوراً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه، عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمى الله نوحاً ﴿ عبداً شكوراً ﴾ لأنه كان إذا أمسى وأصبح قال: سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن علي رضي الله عنه أنه قال: حق الطعام أن يقول العبد: بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وشكره أن يقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن تميم بن سلمة رضي الله عنه قال: حدثت أن الرجل إذا ذكر اسم الله على طعامه، وحمد الله على آخره، لم يسأل عن نعيم لذة الطعام.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة والطبراني في الدعاء، عن حاتم عن عمر بن الخطاب أنه لبس جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي.
ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لبس ثوباً جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الذي خلق فتصدق به، كان في كنف الله وفي حفظ الله، وفي ستر الله حياً وميتاً» قالها ثلاثاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لبس أحدكم ثوباً جديداً، فليقل الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في الناس» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عون بن عبد الله قال: لبس رجلا ثوباً جديداً، فحمد الله، فأدخل الجنة، أو غفر له.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ قال: أعلمناهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ قال: أخبرناهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ قال: قضينا عليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ قال: هذا تفسير الذي قبله.
وأخرج ابن المنذر والحاكم، عن طاوس قال: كنت عند ابن عباس- رضي الله عنهما- ومعنا رجل من القدرية، فقلت إن أناساً يقولون لا قدر.
قال: أوفي القوم أحد منهم؟
قلت: لو كان، ما كنت تصنع به؟
قال: لو كان فيهم أحد منهم لأخذت برأسه.
ثم قرأت عليه ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً ﴾ .
وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الله عهد إلى بني إسرائيل في التوراة ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ .
فكان أوّل الفساد: قتل زكريا عليه السلام، فبعث الله عليهم ملك النبط، فبعث الجنود وكانت أساورته ألف فارس ﴿ فهم أولو بأس ﴾ فتحصنت بنو إسرائيل، وخرج فيهم بختنصر يتيماً مسكيناً، إنما خرج يستطعم، وتلطف حتى دخل المدينة، فأتى مجالسهم وهم يقولون: لو يعلم عدوّنا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم وأشد القيام على الجيش، فرجعوا وذلك قول الله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ الآية.
ثم أن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط، فأصابوا منهم، فاستنقذوا ما في أيديهم، فذلك قوله: ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ الآية.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ قال: الأولى، قتل زكريا عليه الصلاة والسلام، والأخرى، قتل يحيى عليه السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطية العوفي رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ قال: أفسدوا المرة الأولى، فبعث الله عليهم جالوت فقتلهم، وأفسدوا المرة الثانية، فقتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام، فبعث الله عليهم بختنصر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث الله عليهم في الأولى جالوت، فجاس خلال ديارهم وضرب عليهم الخراج والذل، فسألوا الله أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله، فبعث الله طالوت، فقتل جالوت فنصر بنو إسرائيل، وقتل جالوت بيدي داود عليه السلام، ورجع إلى بني إسرائيل ملكهم، فلما أفسدوا: بعث الله عليهم في المرة الآخرة بختنصر، فخرب المساجد وتبر ﴿ ما علوا تتبيراً ﴾ قال الله: بعد الأولى والآخرة ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا ﴾ قال: فعادوا فسلط الله عليهم المؤمنين.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي هاشم العبدي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ملك ما بين المشرق والمغرب أربعة: مؤمنان، وكافران، أما الكافران، فالفرخان وبختنصر.
فأنشأ أبو هاشم يحدث قال: كان رجل من أهل الشام صالحاً فقرأ هذه الآية ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ علواً كبيراً ﴾ قال: يا رب، أما الأولى فقد فاتتني، فأرني الآخرة، فأتى وهو قاعد في مصلاه قد خفق برأسه فقيل: الذي سألت عنه ببابل واسمه بختنصر، فعرف الرجل أنه قد استجيب له، فاحتمل جراباً من دنانير فأقبل حتى انتهى إلى بابل، فدخل على الفرخان فقال: إني قد جئت بمال فأقسمه بين المساكين، فأمر به فأنزل، فجمعوهم له، ثم جعل يعطيهم ويسألهم عن أسمائهم، حتى إذا فرغ ممن بحضرته قيل له: فإنه قد بقيت منهم بقايا في الرساتيق، فجعل يبعث فتاه حتى إذا كان الليل رجع إليه فاقرأه رجلاً رجلاً، فأتى على ذكر بختنصر فقال: قف.
كيف قلت؟
قال: بختنصر.
قال: وما بختنصر هذا؟
قال: هو أشدهم فاقة، وهو مقعد يأتي عليه السفارون، فيلقي أحدهم إليه الكسرة، ويأخذ بأنفه.
قال: فإني مسلم به [ 7] لا بد.
قال الآخر: فإنما هو في خيمة له يحدث فيها، حتى أذهب فأقبلها وأغسله.
قال: دونك هذه الدنانير.
فأقبل إليه بالدنانير فأعطاه إياها.
ثم رجع إلى صاحبه فجاء معه، فدخل الخيمة فقال: ما اسمك؟
قال: بختنصر.
قال: من سماك بختنصر؟
قال: من عسى أن يسميني إلا أمي!
قال: فهل لك أحد؟
قال: لا والله، إني لههنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب.
قال: فأي الناس أشد بلاء؟
قال: أنا.
قال: أفرأيت إن ملكت يوماً من دهر أتجعل لي أن لا تعصيني؟
قال أي سيدي لا يضرك أن لا تهزأ بي.
قال: أرأيت إن ملكت مرة أتجعل لي أن لا تعصيني؟
قال: أما هذه فلا أجعلها لك ولكن سوف أكرمك كرامة لا أكرمها أحداً.
قال دونك هذه الدنانير، ثم انطلق فلحق بأرضه، فقام الآخر فاستوى على رجليه، ثم انطلق فاشترى حماراً وأرساناً، ثم جعل يستعرض تلك الأعاجم فيجزها فيبيعه، ثم قال: إلى متى هذا الشقاء؟
فعمد فباع ذلك الحمار وتلك الأرسان واكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، فجعل يشير عليهم بالرأي وترتفع منزلته حتى انتهوا إلى بواب الفرخان الذي يليه، فقال له الفرخان: قد ذكر لي رجل عندك، فما هو؟
قال: ما رأيت مثله قط!
قال: ائتني به، فكلمه فأعجب به.
قال: إن بيت المقدس وتلك البلاد قد استعصوا علينا، وانا باعثون عليهم بعثاً، وإني باعث إلى البلاد من يختبرها، فنظر حينئذ إلى رجال من أهل الأرب والمكيدة، فبعثهم جواسيس، فلما فصلوا إذا بختنصر قد أتى بخرجيه على بغلة، قال: أين تريد؟
قال: معهم قال: أفلا آذنتني فابعثك عليهم؟
قال: لا، حتى إذا وقعوا بالأرض قال: تفرقوا وسأل بختنصر عن أفضل أهل البلد؟
فدل عليه، فألقى خرجيه في داره.
قال لصاحب المنزل: ألا تخبرني عن أهل بلادك، قال: على الخبير سقطت، هم قوم فيهم كتاب فلا يقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم متفرقون.
قال بختنصر كالمتعجب منه: كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون!
فكتبهن في ورقة وألقى في خرجيه وقال: ارتحلوا، فاقبلوا، حتى قدموا على الفرخان، فجعل يسأل كل رجل منهم، فجعل الرجل يقول: أتينا بلاد كذا ولها حصن كذا ولها نهر كذا قال: يا بختنصر، ما تقول؟
قال: قدمنا أرضاً على قوم لهم كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون، فأمر حينئذ، فندب الناس وبعث إليهم سبعين ألفاً، وأمر عليهم بختنصر، فساروا حتى إذا علوا في الأرض أدركهم البريد: إن الفرخان قد مات ولم يستخلف أحداً.
قال للناس: مكانكم.
ثم أقبل على البريد حتى قدم على الناس وقال: كيف صنعتم؟
قالوا: كرهنا أن نقطع أمراً دونك.
قال: إن الناس قد بايعوني.
فبايعوه، ثم استخلف عليهم وكتب بينهم كتاباً، ثم انطلق بهم سريعاً حتى قدم على أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه وقالوا: ما بنا رغبة عنك.
فساروا، فلما سمع أهل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كل كوكب، فشعث ما هناك، أي أفسد، وقتل من قتل وخرب بيت المقدس، واستبى أبناء الأنبياء فيهم دانيال.
فسمع به صاحب الدنانير فأتاه فقال: هل تعرفني؟
قال: نعم.
فأدنى مجلسه ولم يشفعه في شيء، حتى إذا نزل بابل لا ترد له راية.
فكان كذلك ما شاء الله، ثم إنه رأى رؤيا فأفظعته، فأصبح قد نسيها.
قال: عليّ بالسحرة والكهنة.
قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، والله لتخبرني بها، أو لأقتلنكم.
قالوا: ما هي؟
قال: قد نسيتها قالوا: ما عندنا من هذا علم، إلا أن ترسل إلى أبناء الأنبياء.
فأرسل إلى أبناء الأنبياء.
قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، والله لتخبرني بها أو لأقتلنكم.
قالوا: ما هي؟
قال: قد نسيتها.
قالوا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى.
قال والله لتخبرني بها، أو لأضربن أعناقكم.
قالوا: فدعنا حتى نتوضأ ونصلي وندعو الله تعالى.
قال: فافعلوا.
فانطلقوا فأحسنوا الوضوء، فأتوا صعيداً طيباً فدعوا الله، فأخبروا بها، ثم رجعوا إليه فقالوا: رأيت كأن رأسك من ذهب، وصدرك من فخار، ووسطك من نحاس، ورجليك من حديد.
قال: نعم.
قال: أخبروني بعبارتها أو لأقتلنكم.
قالوا: فدعنا ندعو ربنا.
قال اذهبوا، فدعوا ربهم فاستجاب لهم، فرجعوا إليه قالوا: رأيت كأن رأسك من ذهب، ملكك هذا يذهب عند رأس الحول من هذه الليلة.
قال: ثم مه؟
قالوا: ثم يكون بعدك ملك يفخر على الناس، ثم يكون ملك يخشى الناس شدته، ثم يكون ملك لا يقله شيء، إنما هو مثل الحديد يعني الإسلام فأمر بحصن فبني له، بينه وبين السماء، ثم جعل ينطقه بمقاعد الرجال والاحراس، وقال لهم: إنما هي هذه الليلة لا يجوز عليكم أحد، وإن قال أنا بختنصر إلا قتلتموه مكانه، كائناً من كان من الناس.
فقعد كل أناس في مكانهم الذي وكلوا به.
واهتاج بطنه من الليل، فكره أن يرى مقعده هناك.
وضرب على أسمخة القوم، فاستثقلوا نوماً، فأتى عليهم وهم نيام، ثم أتى عليهم فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟
قال: بختنصر.
قال: هذا الذي حفي إلينا فيه الليلة.
فضربه فقتله، فأصبح الخبيث قتيلاً.
وأخرج ابن جرير نحوه أخصر منه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، وعن السدي وعن وهب بن منبه.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: ظهر بختنصر على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كباء فسألهم ما هذا الدم؟
قالوا: أدركنا آبائنا على هذا وكلما [ 7] ظهر عليهم الكباء ظهر، فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من المسلمين وغيرهم فسكن.
وأخرج ابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه: أن بختنصر لما قتل بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وسار بسبايا بني إسرائيل إلى أرض بابل، فسامهم سوء العذاب، أراد أن يتناول السماء، فطلب حيلة يصعد بها، فسلط الله عليه بعوضة، فدخلت منخره فوقفت في دماغه، فلم تزل تأكل دماغه وهو يضرب رأسه بالحجر حتى مات.
وأخرج ابن جرير، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت وعلوا وقتلوا الأنبياء عليهم السلام بعث الله عليهم ملك فارس بختنصر، وكان الله ملكه سبعمائة سنة، فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس، فحاصرها وفتحها، وقتل على دم زكريا عليه السلام سبعين ألفاً، ثم سبى أهلها وبني الأنبياء، وسلب حلى بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفاً ومائة ألف عجلة من حلى، حتى أورده بابل» قال حذيفة رضي الله عنه فقلت: يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عظيماً عند الله؟!
قال: «أجل , فبناه سليمان بن داود- عليه السلام- من ذهب ودر وياقوت وزبرجد وكان بلاطة ذهبا وبلاطة فضة، وعمده ذهباً، أعطاه الله ذلك وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فسار بختنصر بهذه الأشياء حتى نزل بها بابل، فأقام بنو إسرائيل مائة سنة يعذبهم المجوس وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثم إن الله رحمهم، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له كورس- وكان مؤمناً- أن: سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم، فسار كورس ببني إسرائيل ودخل بيت المقدس حتى رده إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي، فسلط عليهم ابطنانحوس فغزا ثانياً بمن غزا مع بختنصر، فغزا بني إسرائيل، حتى أتاهم بيت المقدس، فسبى أهلها وأحرق بيت المقدس.
وقال لهم: يا بني إسرائيل، إن عدتم في المعاصي، عدنا عليكم في السباء، فعادوا في المعاصي، فسير الله عليهم السباء الثالث: ملك رومية يقال له فاقس بن اسبايوس، فغزاهم في البر والبحر فسباهم، وسيَّر حلى بيت المقدس وأحرق بيت المقدس بالنيران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهذا من صفة حلى بيت المقدس ويرده المهدي إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا، حتى تنتقل إلى بيت المقدس وبها يجتمع إليه الأوّلون والآخرون» .
وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال: كان إفسادهم الذي يفسدون في الأرض مرتين: قتل زكريا عليه السلام ويحيى بن زكريا، فسلط عليهم سابور ذا الأكتاف، ملكاً من ملوك فارس، من قبل زكريا، وسلط عليهم بختنصر من قبل يحيى.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما ﴾ قال: إذا جاء وعد أولى تينك المرتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل ﴿ لتفسدن في الأرض مرتين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ قال جند أتوا من فارس يتجسسون من أخبارهم ويسمعون حديثهم معهم بختنصر فوعى حديثهم من بين أصحابه، ثم رجعت فارس ولم يكثر قتال ونصرت عليهم بنو إسرائيل، فهذا وعد الأولى ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ بعث ملك فارس ببابل جيشاً وأمر عليهم بختنصر فدمروهم، فهذا وعد الآخرة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فجاسوا ﴾ قال فمشوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: أما المرة الأولى فسلط عليهم جالوت، حتى بعث طالوت ومعه داود فقتله داود، ثم رد الكرة لبني إسرائيل ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ أي عدداً وذلك في زمان داود ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ آخر العقوبتين ﴿ ليسوءوا وجوهكم ﴾ قال ليقبحوا وجوهكم، ﴿ وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ﴾ قال: كما دخل عدوهم قبل ذلك ﴿ وليتبروا ما علوا تتبيرا ﴾ قال: يدمروا ما علوا تدميراً، فبعث الله عليهم في الآخرة بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلق الله إليه، فسبى وقتل وخرب بيت المقدس، وسامهم سوء العذاب.
وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: كانت الآخرة أشد من الأولى بكثير، فإن الأولى كانت هزيمة فقط، والآخرة كانت تدميراً، وحرق بختنصر التوراة حتى لم يترك فيها حرفاً واحداً، وخرب بيت المقدس.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تتبيراً ﴾ قال: تدميراً.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: ﴿ تبرنا ﴾ دمرنا بالنبطية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى ربكم أن يرحمكم ﴾ قال: كانت الرحمة التي وعدهم: بعث محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾ قال: فعادوا، فبعث الله عليهم محمداً- صلى الله عليه وسلم- فهم يعطون ﴿ الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ [ التوبة: 29].
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ قال: سجناً.
وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ قال سجناً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ يقول جعل الله مأواهم فيها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حصيراً ﴾ قال: يحصرون فيها.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ حصيراً ﴾ قال: فراشاً ومهاداً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾ الآية.
قال النحويون: ﴿ سُبْحَانَ ﴾ : اسم موضوع في موضع مصدر سبَّحتُ الله تسبيحًا وسبحانًا، فالتسبيح هو المصدر، وسبحان اسم منه (١) (٢) ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴾ ، أي: من المصلين (٣) (٤) ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُون ﴾ ، أي: [لو] (٥) (٦) (٧) وجاء في الحديث: "لولا ذلك لأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ ما أدرَكَتْ مِنْ شَيء" (٨) (٩) قال أبو عبيد: ولم نَسمع هذه الكلمة ولا نَعرف لها شاهدًا في كلامهم إلا في الحديث (١٠) وقال غيره: (سُبُحات وجهه): نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال: سبحان الله (١١) (١٢) سبحانَ مِنْ عَلْقمَةَ الفَاجِرِ (١٣) أي براءة منه، وهو ذِكْرٌ بِعِظَمِ اللهِ لا يصلح لغيره، وإنما ذَكَرَه الشاعرُ نادرًا؛ بأن ردَّه إلى الأصل وأجراه كالمثل (١٤) وقال صاحب النظم: السبح في اللغة: التباعد، يدل عليه قوله -عز وجل-: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴾ أي متباعدًا في المذهب والمدة لما تريد من قضاء حوائجك، ومعنى سَبَّحَ الله: بعّده ونزهه عما لا يليق به (١٥) (١٦) ﴿ سُبْحَنَ ﴾ اسم بمعنى المصدر، موضوع موضع الفعل، وكثيرًا ما تضع العربُ المصادرَ مواضع الأفعال؛ كقوله عز وجل: ﴿ فَضَرْبَ اَلرِّقَابِ ﴾ أي اضربوها، ومثله: ﴿ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ ﴾ أي ويقول، فعلى هذا معنى ﴿ سُبْحَنَ ﴾ أي سَبِّحوه ونَزِّهوه عن الشريك والولد و (١٧) (١٨) ﴿ سُبْحَنَ ﴾ على النداء بمعنى: يا سبحان الذي أسرى بعبده.
قال الزجاج: معناه سَيَّر عبدَه (١٩) -، ومضى الكلام في السُّرَى والإسراء [[سورة هود آية [81].]].
وقوله تعالى: ﴿ لَيْلًا ﴾ قال مقاتل: كان ذلك الليل قبل الهجرة بسنة (٢٠) ﴿ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ اختلفوا فيه، فقال الحسن وقتادة: يعني نفس المسجد (٢١) - قال: "بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق ..
" (٢٢) وقال عامة المفسرين: أُسري برسول الله - - من دار أمِّ هانئ (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) ﴿ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾ قالوا كلهم: يعني بيت المقدس (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ ، الأكثرون قالوا: باركنا حوله بالثمار والأنهار (٢٩) (٣٠) (٣١) وقوله تعالى: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ﴾ ، يعني ما رأى في تلك الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله وعظمته، وأخبر بها الناس من غد تلك الليلة (وهي معروفة مشهورة في الأخبار.
﴿ إِنَّهُ ﴾ أي الذي أسرى بعبده، ﴿ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ، قال العلماء في هذه الآية: أخبر الله تعالى عن إسرائه بعبده) (٣٢) (٣٣) - أنه عرج به تلك الليلة إلى السماء على ما يروى في الحديث (٣٤) (١) انظر: "الكتاب" 1/ 322، و"المقتضب" 3/ 217، و"تفسير الطبري" 15/ 1، و"المخصص" 17/ 163، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 107، و"شرح المفصل" 1/ 37، و"الخزانة" 7/ 245.
(٢) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 444 بنصه وعزاه إلى أبي عبيد، وليس في غريبه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 145، و"القرطبي" 10/ 204.
(٣) ورد في "غريب الحديث" 1/ 98 بلفظه، و"الغريب" لابن قتيبة 2/ 96 بلفظه، أخرجه "الطبري" 15/ 1 بلفظه عن ابن عباس وابن جبير والسديّ، وورد بلفظه في "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 313، و"تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1610، و"المفردات" ص 392، و"تفسير الماوردي" 3/ 224، و"الطوسي" 6/ 445، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 146.
(٤) ورد بنحوه في "غريب الحديث" 1/ 198، و"تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1610، عن الليث، و"المحيط في اللغة" (سبح) 2/ 495، و"تفسير الطوسي" 6/ 445، انظر: "تفسير الفخر الرازى" 20/ 146، و"اللسان" (سبح) 4/ 1916.
(٥) ما بين المعقوفين إضافة ليتلاءم لفظ التفسير مع لفظ الآية.
(٦) أخرجه "الطبري" 15/ 1، بنحوه عن مجاهد من طريقين، وورد في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 209، بنحوه، و"المحيط في اللغة" (سبح) 2/ 495، بنحوه، و"المفردات" ص 393، بنحوه، و"تفسير الماوردي" 3/ 224 بنصه، والطوسي 6/ 445، بنحوه.
انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 146، و"عمدة الحفاظ" 2/ 189.
(٧) قال الزجاج: فالاستثناء تعظيم الله والإقرار بأنه لا يقدر أحدٌ أن يفعل فعلًا إلا بمشيئة الله -عزوجل-.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 209.
(٨) طرفه: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ..
"، عن أبي موسى، أخرجه أحمد 4/ 401، 405، بنحوه، ومسلم (179) كتاب: الإيمان، باب: قوله (: "إن الله لاينام" بنحوه، ابن ماجه (195) كتاب: المقدمة فيما أنكرت الجهمية 1/ 39، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 272، بنحوه، والآجري في "الشريعة" ص 291، 304، والسهمي في "تاريخ جرجان" ص 130 - بنحوه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 391، بنحوه، والبغوي في "شرح السنة" الإيمان الرد على الجهمية 1/ 173، بنحوه، وورد في "غريب الحديث" 1/ 457 - بنحوه، و"تفسير الطبري" 8/ 3 بنصه.
(٩) ورد في "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 610 بنصه، قالي ابن شميل.
(١٠) "غريب الحديث" 3/ 173، بنحوه.
(١١) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 445 بنصه، وعزاه إلى المبرد.
(١٢) "الكتاب" 1/ 324 بنصه، وورد في "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609 بنصه.
(١٣) وصدره: أقولُ لما جاءني فجرُهُ.
"ديوانه" ص 93، وورد في "الكتاب" 1/ 324، و"مجاز القرآن" 1/ 36، و"جمهرة اللغة" 1/ 278، و"الخصائص" 2/ 435، و"وتهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609، و"مجمل اللغة" 1/ 482، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 107، 578، و"تفسير الثعلبي" 7/ 93أ، و"الطوسي" 6/ 445، و"الأساس" 1/ 418، و"شرح المفصل" 1/ 37، و"اللسان" (سبح) 4/ 1914، و"الدر المنثور" 4/ 258، و"الخزانة" 7/ 237، وورد بلا نسبة في "المقتضب" 8/ 213، و"الخصائص" 2/ 197، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 118، و"المخصص" 15/ 187 و"المفردات" ص 393، و"تفسير الماوردي" 3/ 223، و"عمدة الحفاظ" 2/ 188.
وفي جميع المصادر -عدا الديوان- فخره، الفاخر، فلعلها تصحفت فيه، فرواية المصادر أصح؛ لأن الكلام في الفخر لا الفجْر، كما قال أبو عبيدة: قال الأعشى تبرؤا وتكذيبًا لفخر علقمةَ.
"مجاز القرآن" 1/ 36.
(١٤) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 445 بنصه تقريبًا، قال الراغب: تقديره سُبحان علقمة، على طريق التهكم، فزاد فيه (منْ) ردًا إلى أصله، وقيل: أراد سبحان الله == من أجل علقمة، وقد اعترض السمين والبغدادي على قوله الأول؛ فقال السمين: وفيه نظر، وقال البغدادي: وهو ضعيف لغةً وصناعة، انظر: "الدر المصون" 1/ 259، و"الخزانة" 7/ 245.
(١٥) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 145 بنصه.
(١٦) انظر (سبح) في "تهذيب اللغة" 2/ 1609، و"اللسان" 4/ 1914.
(١٧) الواو ساقطة من (أ)، (د).
(١٨) انظر: "تنوير المقباس" ص 282، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 200 أ، و"هود الهواري" 2/ 359، و"السمرقندي" 2/ 228، و"الفخر الرازي" 19/ 218.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 225 بنصه.
(٢٠) "تفسير مقاتل" 1/ 210 بنصه.
(٢١) ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 195 بنصه عنهما، و"الطوسي" 6/ 446 بنصه عنهما، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 4، عنهما.
(٢٢) ثبت حديث الإسراء والمعراج بعدة روايات مختصرة ومطولة وفي بعض الروايات زيادات لا تصح، فرواه أنس بن مالك ومالك بن صعصعة - ما- برواية: "بينما أنا في الحطيم- الحِجْر- مضطجعًا إذ أتاني ..
" أخرجه أحمد 4/ 208، والبخاري (3207) كتاب: بدء الخلق، باب: ذِكْر الملائكة 3/ 1173 وفي: فضائل الصحابة/المعراج (3/ 1410، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 377، وابن عبد البر في "التمهيد" 8/ 38، والبغوي في "شرح السنة" الفضائل/المعراج 13/ 336، ورواه أنس بن مالك وأبو سيد برواية: (أُتيت بالبراق) و (أُتيت بدابة) أخرجه أحمد 3/ 148، ومسلم (162) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء، و"عبد الرزاق" 2/ 365، و"الطبري" 15/ 3 - 4، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 382، والبغوي في "شرح السنة" 13/ 343، وراه أبو ذر برواية: (فُرج سقف بيتي وأنا بمكة)، وأخرجه مسلم (163) كتاب: الإيمان، باب: الإسراء، و"البغوي" 5/ 60، ورواه مالك بن صعصعة برواية: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان) أخرجه مسلم (164)، كتاب: الأيمان، باب: الإسراء، و"الطبري" 15/ 3، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 373، وورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 211 أ، وسيرة ابن هشام 2/ 2 - 10، و"تفسير السمرقندي" 2/ 258، و"هود الهواري" 2/ 397، و"الثعلبي" 7/ 93 ب، و"تفسير == البغوي" 5/ 59، و"القرطبي"10/ 205، و"الخازن" 3/ 145، وابن كثير 3/ 3 - 28، و"مجمع الزوائد" 1/ 64 - 73، و"الدر المنثور" 4/ 258، و"الكنز" 11/ 385 - 391، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 1/ 380.
(٢٣) أخرجه "الطبري" 15/ 2، بنحوه عن الكلبي عن أبي صالح عنها طريق واهية، وورد بنحوه في: "تفسير الجصاص" 3/ 194، عنها، و"السمرقندي" 2/ 258، عن ابن عباس، و"الثعلبي" 7/ 93 أ، عن الكلبي، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 4، و"الفخر الرازي" 20/ 146.
تقدمت ترجمتها.
(٢٤) ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 195 بنصه، و"الماوردي" 3/ 225، بنحوه عن أبي صالح عن أم هانئ، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 350، عن ابن عباس، و"ابن الجوزي" 5/ 5، عن أبي يعلى، و"الفخر الرازي"20/ 146، عن ابن عباس.
(٢٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 115، بنحوه.
(٢٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 225، بنحوه.
(٢٧) ورد بنصه في "تفسير مقاتل" 1/ 210 أ، و"السمرقندي" 2/ 258، و"هود الهواري" 2/ 397، و"الثعلبي" 7/ 93 أ، و"الماوردي" 3/ 226 بنصه، و"الطوسي" 6/ 446، انظر: "تفسير الخازن" 3/ 145.
(٢٨) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 93 أبنصه، و"الماوردي" 3/ 226 بنصه، و"الطوسي" 6/ 446، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 9، و"ابن الجوزي" 5/ 5، و"الفخر الرازي" 20/ 146، و"القرطبي" 10/ 212، و"الخازن" 3/ 145.
(٢٩) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 211 أ، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 115، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 225، و "معاني القرآن" للنحاس 4/ 119، و"تفسير السمرقندي" 2/ 259، و"الثعلبي" 7/ 93 ب، و"الماوردي" 3/ 226، و"الطوسي" 6/ 446، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 10، و"ابن الجوزي" 5/ 5، و"الفخر الرازي" 20/ 146، و"القرطبي" 10/ 212، و"الخازن" 3/ 145، و"ابن كثير" 3/ 3، و"الدر المنثور" 5/ 236، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.
(٣٠) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 447 بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 212.
(٣١) ليس في تفسيره، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 93 ب بنصه، و"الماوردي" 3/ 226 بنصه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 58، وبلا نسبة في "تفسير ابن الجوزي" 5/ 5، و"الفخر الرازي" 20/ 146، و"الخازن" 3/ 145.
(٣٢) ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).
(٣٣) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 211 أ، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 116، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 226، و"تفسير هود الهواري" 2/ 406، و"الثعلبي" 7/ 99 ب، و"الطوسي" 6/ 446.
(٣٤) سبق ذكر الحديث وعزوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سبحان الذي أسرى بِعَبْدِهِ ﴾ معنى سبحان تنزه، وهو مصدر غير منصرف، وأسرى وسرى لغتان، وهو فعل غير متعدّ، واختار ابن عطية أن يكون أسرى هنا متعدياً أي أسرى الملائكة بعبده وهو بعيد، والعبد هنا هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما وصفه بالعبودية تشريفاً له وتقريباً ﴿ لَيْلاً ﴾ إن قيل: ما فائدة قوله ليلاً مع أن السرى هو بالليل؟
فالجواب: أنه أراد بقوله: ليلاً بلفظ التنكير تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل مسيرة أربعين ليلة، وذلك أبلغ في الأعجوبة ﴿ مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا ﴾ يعني بالمسجد الحرام مسجد مكة المحيط بالكعبة، وقد روي في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل» وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء في بيته، فالمسجد الحرام على هذا مكة أي بلد المسجد الحرام؛ وأما المسجد الأقصى فهو بيت المقدس الذي بإيلياء، وسُمِّيَ الأقصى لأنه لم يكن وراءه حينئذ مسجد، ويحتمل أن يريد بالأقصى الأبعد؛ فيكون المقصد إظهار العجب في الإسراء إلى هذا الموضع البعيد في ليلة، واختلف العلماء في كيفية الإسراء، فقال الجمهور: كان بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه، وقال قوم: كان بروحه خاصة وكانت رؤيا نوم حق، فحجة الجمهور؛ أنه لو كان مناماً لم تنكره قريش، ولم يكن في ذلك ما يكذب به الكفار، ألا ترى قول أم هانئ له: لا تخبر بذلك فيكذبك قومك، وحجة من قال: أن الإسراء كان مناماً قوله تعالى: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، وإنما يقال الرؤيا في المنام، ويقال فيما يرى بالعين رؤية، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: بينما أنا بين النائم واليقظان وذكر الإسراء، وقال في آخر الحديث: فاستيقظت وأنا في المسجد الحرام، وجمع بعض الناس بين الأدلة فقال: الإسراء كان مرتين: أحدهما بالجسد والآخر بالروح، وأن الإسراء بالجسد كان من مكة إلى بيت المقدس، وهو الذي أنكرته قريش، وأن الإسراء بالروح كان إلى السموات السبع، ليلة فرضت الصلوات الخمس، ولقي الأنبياء في السموات ﴿ الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ صفة للمسجد الأقصى، والبركة حوله بوجهين: أحدهما: ما كان فيه وفي نواحيه من الأنبياء، والآخر: كثرة ما فيه من الزروع والأشجار التي خص الله بها الشام ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتنآ ﴾ أي لنري محمداً صلى الله عليه وسلم تلك الليلة من العجائب، فإنه رأى السموات والجنة والنار وسدرة المنتهى والملائكة والأنبياء، وكلمه الله تعالى حسبما ورد في أحاديث الإسراء، وهي في مصنفات الحديث فأغنى ذلك عن ذكرها هنا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتخذوا ﴾ بياء الغيبة.
أبو عمرو وعباس مخيراً.
الباقون بتاء الخطاب ﴿ أساتم ﴾ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ ليسوء ﴾ بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و ﴿ لنسوء ﴾ بالنون: علي.
الباقون ﴿ ليسؤوا ﴾ على الجمع ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً: حمزة وعلي.
﴿ ويخرج ﴾ بالياء مجهولاً: يزيد ﴿ ويخرج ﴾ لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً ﴿ تلقاه ﴾ مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة.
الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة ﴿ قرأ كتابك ﴾ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ﴿ أمرنا ﴾ من باب المفاعلة: يعقوب.
الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ تتخذوا ﴾ بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ﴿ ذرية ﴾ منادى ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ الديار ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ نفيراً ﴾ ه ﴿ فلها ﴾ ط لأن ما بعد عائد إلى قوله ﴿ فإذا جاء وعد أولٰهما ﴾ مع اعتراض العوارض ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ يرحمكم ﴾ ه للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ عدنا ﴾ ه حذراً من توهم العطف ﴿ حصيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ أليما ﴾ ه ﴿ بالخير ﴾ ط ﴿ عجولاً ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ، ط ﴿ تفصيلاً ﴾ ه ﴿ عنقه ﴾ ط ﴿ منشوراً ﴾ ه ﴿ كتابك ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ط للابتداء بعد بالشرط ﴿ لنفسه ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ تدميراً ﴾ ه ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ عطاء ربك ﴾ ط ﴿ محظوراً ﴾ ه ﴿ بعض ﴾ ط ﴿ تفصيلاً ﴾ .
الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: ﴿ سبحان الذي ﴾ وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: ﴿ سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا ﴾ والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله ﴿ وأسرى ﴾ وسرى لغتان.
يروى أنه لما وصل النبي إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟
فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية.
فأنزل فيه: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل ﴿ من المسجد الحرام ﴾ عن النبي : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق.
وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به.
وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون.
قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة.
وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة.
﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.
﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.
وقوله: ﴿ أسرى ﴾ مع قوله: ﴿ باركنا ﴾ سلوك لطريقة الالتفات ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ بيان لحكمة الإسراء.
سؤال: أرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟
الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه هو السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك.
واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه.
حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه.
وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً.
وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك.
ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس.
ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه.
ومنها قوله .
﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس ﴾ وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج.
وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به.
ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء.
أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ .
وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام.
وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمرممكن في نفسه.
أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات.
وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز.
وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة.
وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد.
وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية.
وعن السادس أنه لا اعتراض على الله في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير.
واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله { ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه.
يروى أنه نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم.
وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟
قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني.
فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.
فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به.
وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق.
قالوا: أتصدقه على ذلك؟
قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق.
وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب.
فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين.
ولما حكى طرفاً من إكرام محمد ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ﴿ ألا تتخذوا ﴾ من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا ﴿ من دوني وكيلاً ﴾ رباً تكلون إليه أمركم يا ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك.
فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ وعلى القراءة الأولى انتصب ﴿ ذرية ﴾ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير.
ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له.
ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص.
وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد.
يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به.
ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة.
وقول: ﴿ لتفسدن ﴾ جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ مرتين ولتعلن ﴾ لتعظمن وتستولن على الناس ﴿ علواً كبيراً ﴾ تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب ﴿ أولاهما ﴾ أولى المرتين ﴿ بعثنا ﴾ أرسلنا وسلطنا ﴿ عليكم عباد لنا أولي بأس شديد ﴾ أصحاب نجدة وشدة قتال ﴿ فجاسوا ﴾ ترددوا للمارة ﴿ خلال الديار ﴾ أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس ﴿ وكان ﴾ وعد العقاب ﴿ وعداً مفعولاً ﴾ لا بد من وقوعه ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الدولة والغلبة ﴿ عليهم ﴾ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ مما كنتم.
والنفير من ينفر مع الرجل من قومه.
احتجت الأشاعرة بقوله : ﴿ قضينا ﴾ بعثنا ﴿ وكان وعداً مفعولاً ﴾ على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله.
وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها.
وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه.
ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض.
قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب المرة ﴿ الآخرة ﴾ بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه.
ومعنى ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ﴿ وليتبروا ما علوا ﴾ ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل.
وقوله: ﴿ تتبيراً ﴾ ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.
وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت.
عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهمالأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم ، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك.
وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى.
واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم.
وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: ﴿ عسى ربكم ﴾ يا بني إسرائيل ﴿ أن يرحمكم ﴾ بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية ﴿ وإن عدتم ﴾ للثالثة ﴿ عدنا ﴾ لها.
قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي.
وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل.
فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً.
وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج.
ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد وموسى وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي ﴾ أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي ﴿ هي أقوام ﴾ وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب.
قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك.
إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر.
وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟
وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير.
وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان.
ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء.
ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً.
ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم.
قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟
وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.
قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال : ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ﴾ .
وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا.
والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم.
قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة.
والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً.
واعلم أنه قال ههنا: ﴿ أجراً كبيراً ﴾ وفي أول الكهف ﴿ أجراً حسناً ﴾ ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة.
ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: ﴿ ويدع الإنسان ﴾ أي جنس الكافر.
وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا ﴿ اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك ﴾ ، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً.
وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً كاذب.
وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.
ويروى أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟
فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب.
فلما أصبح النبي دعا به فأعلم بشأنه فقال : اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها.
﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له.
وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر.
وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة.
قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار.
فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه.
وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان.
وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد.
﴿ فمحونا آية الليل ﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿ وجعلنا ﴾ الآية.
التي هي ﴿ النهار مبصرة ﴾ ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه.
وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم.
﴿ ولتعلموا ﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿ عدد السنن ﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿ و ﴾ لتعلموا جنس ﴿ الحساب ﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار.
وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه.
وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء.
وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان.
ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً.
نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.
ثم قال: ﴿ وكل شيء ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه تفصيلاً ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ أي عمله ﴿ في عنقه ﴾ وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا.
قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه.
وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت.
فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.
وإنه أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: ﴿ في عنقه ﴾ .
يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به.
فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل.
ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" ﴿ ونخرج له ﴾ من قرأ بالنون فظاهر.
وقوله: ﴿ يلقاه منشوراً ﴾ صفتان للكتاب أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة ﴿ منشوراً ﴾ حال من مفعول يلقاه.
ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر ﴿ وكتاباً ﴾ حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري.
عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك ﴿ اقرأ كتابك ﴾ على إضمار القول.
قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و ﴿ وبنفسك ﴾ فاعل كفى و ﴿ حسيباً ﴾ تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم.
"وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع.
موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.
وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب.
قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك.
وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ﴾ قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل.
ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: ﴿ من اهتدى ﴾ إلى قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ .
قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار.
وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة.
ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص.
أما قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية.
أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل.
وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل.
ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل.
ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.
فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم.
وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع.
ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله منزه عن ذلك.
ولقائل أن يقول: إنه منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن.
فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: ﴿ كان على ربك حتماً مقضياً ﴾ ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ .
وللمفسرين في معنى ﴿ أمرنا ﴾ قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير.
وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا.
ولما كان من أصول الاعتزال أنه لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك.
ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة.
ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية منحيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله.
القول الثاني إن معنى: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ أكثرنا فساقها.
قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم.
إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج.
وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، "وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله : إني أرى أمرك هذا حقيراً.
فقال : إنه سيأمر" أي سيكثر وسيكبر.
والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ﴿ ففسقوا فيها ﴾ خرجوا عما أمرهم الله ﴿ فحق عليها القول ﴾ استوجبت العذاب ﴿ فدمرناها تدميراً ﴾ أهلكناها على سبيل الاستئصال.
قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: ﴿ فحق عليها القول ﴾ أي بالكفر ثم التعذيب.
وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ وقوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك.
قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم.
الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.
وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً.
وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة.
ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية.
وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر.
ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ فـ ﴿ كم ﴾ مفعول ﴿ أهلكنا ﴾ و ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما.
ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً ﴿ وكفى بربك ﴾ الآية.
قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك.
وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضيإيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.
ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ ومن قوله: ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ بقوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿ عجلنا له فيها ﴾ ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: ﴿ ما نشاء ﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه.
وثانيهما قوله: ﴿ لمن نريد ﴾ وهو بدل من ﴿ له ﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ﴾ مطروداً من رحمة الله.
﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر.
والله ، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله.
وفي قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط.
قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.
وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح.
قال : ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل.
واعلم أنه ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة.
وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي قال حكاية عن رب العزة: "أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه" وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول.
الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين.
الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً.
واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض.
ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين ﴿ نمد ﴾ أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية.
وقوله: ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كل و ﴿ من عطاء ربك ﴾ متعلق بــ ﴿ نمد ﴾ ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه ﴿ أنظر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا ﴿ كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض.
﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا.
وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين.
وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!.
التأويل: نزه نفسه بقوله: ﴿ سبحان ﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه.
فقوله: ﴿ أسرى ﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿ بعبده ﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.
وقوله: ﴿ من المسجد الحرام ﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله.
﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ بالبقاء بالله ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به.
هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿ وأمددناكم بأموال ﴾ الطاعات ﴿ وبنين ﴾ الإيمان والإيقان ﴿ وإذا جاء وعد الآخرة ﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ ليسوؤا ﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿ وإن عدتم ﴾ إلى الجهل ﴿ عدنا ﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿ وجعلنا ليل ﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات.
﴿ ولتعلموا ﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً ﴾ .
﴿ سُبْحَانَ ﴾ : كلمة إجلال الله عن الأكفاء، وتنزيهه عن الشركاء، وتبريئه عما قالت المعطّلة فيه وظنت الملاحدة به: من الولد، والحاجات، والآفات، وجميع معاني الخلق.
وروي في بعض الأخبار "عن رسول الله أنه سئل عن تفسير: (سبحان الله)؛ قال: هو تنزيه الله عن كل سوء" .
ومعنى قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ﴾ هو - والله أعلم - كأنه ذكر أن من قدر على أن يسري بعبده ليلاً مسيرة شهر يقدر على إحياء الموتى بعد الموت، ويملك: حفظ رسوله والنصر له وإظهار آيات نبوته ورسالته، وقطع جميع حيل المكذبين له والمخالفين.
وقوله: ﴿ مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ﴾ .
سماه أقصى، وهو الأبعد، من قصا يقصو قصوّاً؛ فهو قاصٍ، كأنه لم يكن يومئذ إلا المسجد الحرام ومسجده بالمدينة ومسجد بيت المقدس؛ فسمّاه لذلك - والله أعلم - المسجد الأقصى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ .
سميّ: مباركاً؛ لكثرة أنزاله وخيراته وسعته.
وقيل: سميّ: مباركاً؛ لأنه مكان الأنبياء ومقامهم؛ فبورك فيه ببركتهم منافع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ ﴾ .
أي: لنريه من آياتنا الحسية بعد ما أراه الآيات العقليّة؛ لأن الآيات الحسيّة أكبر في قطع الشبه ودفع الوساوس من العقلية؛ إذ لا يشك أحد فيما كان سبيل معرفته الحسّ والعيان.
وقد يعترض ربما الشبه والوساوس في العقليات؛ لأنه لا يشك أحد في نفسه أنه هو؛ فأحبّ - عزّ وجلّ - أن يري رسوله آيات حسّية تضطر المنصفين على قبولها، والإيمان بها، والإقرار له أنه رسول الله ؛ لما يعلمون أن ما كان يخبرهم من أخبار - حيث قال: إنه رأى عِيرَ فلان، وأموراً - يعلمون أنه لا يقول إلا عن مشاهدة وعيان؛ لأنه كان ما أتى من الآيات العقليات قالوا: إنه سحر، وما ذكر من الأشياء التي كانت في كتبهم المتقدمة - قالوا: ﴿ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، و ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
ليس ذلك عمل سحر ولا إفكاً ولا افتراء ولا أساطير الأوّلين؛ على ما نسبوه إلى السحر مرة وإلى الإفك والافتراء ثانياً، ونحوه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ ﴾ .
أي: من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يخفى عليه شيء من قول أو عمل، ثم ما روي من الأخبار أنه عُرِج به إلى السماء حتى رأى إخوانه الأنبياء الماضين قبله، وما ذكر فيها - فنحن نقول ما قال الصديق - رضوان الله عليه -: "إن كان قال ذلك فأنا أشهد على ذلك"، وإلا نَقُلْ [على مقدار] ما في الآية: إنه أسرى به إلى بيت المقدس المسجد الأقصى، ولا نزيد عليه؛ لأنّه من أخبار الآحاد فلا تسع الشهادة له.
<div class="verse-tafsir"
تنزه الله سبحانه وتعظَّم؛ لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فهو الذي سيّر عبده محمدًا روحًا وجسدًا يقظة بجزء من الليل من المسجد الحرام إلى مسجد بيت المقدس الذي باركنا حوله بالثمار والزروع وبمنازل الأنبياء عليهم السلام؛ ليرى بعض آياتنا الدالة على قدرة الله سبحانه، إنه هو السميع فلا يخفى عليه مسموع، البصير فلا يخفى عليه مُبْصَر.
<div class="verse-tafsir" id="91.LLbWa"