الآية ١٠٠ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١٠٠ من سورة الإسراء

قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًۭا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ قَتُورًۭا ١٠٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٠ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٠ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لرسوله صلوات الله عليه وسلامه قل لهم يا محمد : لو أنكم - أيها الناس - تملكون التصرف في خزائن الله ، لأمسكتم خشية الإنفاق .

قال ابن عباس ، وقتادة : أي الفقر ، أي : خشية أن تذهبوها ، مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا ؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم ؛ ولهذا قال : ( وكان الإنسان قتورا ) قال ابن عباس ، وقتادة : أي بخيلا منوعا .

وقال الله تعالى : ( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) [ النساء : 53 ] أي : لو أن لهم نصيبا في ملك الله لما أعطوا أحدا شيئا ، ولا مقدار نقير ، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو ، إلا من وفقه الله وهداه ؛ فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين ) [ المعارج : 19 - 22 ] .

ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز ، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه ، وقد جاء في الصحيحين : " يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيّه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيها الناس تملكون خزائن أملاك ربي من الأموال، وعنى بالرحمة في هذا الموضع: المال ( إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ ) يقول: إذن لَبَخِلْتُمْ بِهِ فَلم تجودوا بها على غيركم، خشية من الإنفاق والإقتار.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ( إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ ) قال: الفقر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( خَشْيَةَ الإنْفَاقِ ) أي خشية الفاقة.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

وقوله ( وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا ) يقول: وكان الإنسان بخيلا ممسكا.

كما حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ( وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا ) يقول: بخيلا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله ( وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا ) قال : بخيلا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد ، عن قتادة ( وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا ) قال: بخيلا ممسكا.

وفي القتور في كلام العرب لغات أربع، يقال: قتر فلان يقْتُر ويقْتِر، وقتر يقتِّر، وأقتر يُقْتر، كما قال أبو دواد: لا أعُــدُّ الإقتــار عُدْمــا وَلَكِـنْ فَقْــدُ مَــنْ قَـد رُزِيتُـهُ الإعْـدَامُ (3) --------------------- الهوامش : (3) البيت لأبي دؤاد (بواو غير مهموزة بعد الدال، كما في التاج) وهو جارية بن الحجاج، أو هو حنظلة بن الشرتي الإيادي.

والبيت في (الشعر والشعراء لابن قتيبة طبعة ليدن سنة 1902 ص 122).

وفي اللسان: قتر يقتر ويقتر قترا وقتورا، فهو قاتر وقتور؛ وأقتر.

أي افتقر.

وقتر على عياله وأقتر وقتر: أي ضيق عليهم في النفقة.

ويقال: إنه لقتور: أي مقتر.

فتلخص أن اللغات في هذا أربع: قتر يقتر ويقتر (من بابي نصر وضرب) وقتر (بالتشديد) وأقتر (بالهمز) كما قال المؤلف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا قوله تعالى : قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي أي خزائن الأرزاق .

وقيل : خزائن النعم ، وهذا أعم .إذا لأمسكتم خشية الإنفاق من البخل ، وهو جواب قولهم : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا حتى نتوسع في المعيشة .

أي لو توسعتم لبخلتم أيضا .

وقيل : المعنى لو ملك أحد المخلوقين خزائن الله لما جاد بها كجود الله - تعالى - ; لأمرين : أحدهما : أنه لا بد أن يمسك منها لنفقته وما يعود بمنفعته .

الثاني : أنه يخاف الفقر ويخشى العدم .

والله - تعالى - يتعالى في جوده عن هاتين الحالتين .

والإنفاق في هذه الآية بمعنى الفقر ; قاله ابن عباس وقتادة .

وحكى أهل اللغة أنفق وأصرم وأعدم وأقتر إذا قل ماله .وكان الإنسان قتورا أي بخيلا مضيقا .

يقال : قتر على عياله يقتر ويقتر قترا وقتورا إذا ضيق [ ص: 301 ] عليهم في النفقة ، وكذلك التقتير والإقتار ، ثلاث لغات .

واختلف في هذه الآية على قولين : أحدهما : أنها نزلت في المشركين خاصة ; قاله الحسن .

والثاني : أنها عامة ، وهو قول الجمهور ; وذكره الماوردي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي } التي لا تنفذ ولا تبيد.

{ إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ } أي: خشية أن ينفد ما تنفقون منه، مع أنه من المحال أن تنفد خزائن الله ، ولكن الإنسان مطبوع على الشح والبخل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي ) أي : نعمة ربي وقيل : رزق ربي ( إذا لأمسكتم ) لبخلتم وحبستم ( خشية الإنفاق ) أي : خشية الفاقة قاله قتادة .

وقيل : خشية النفاد يقال : أنفق الرجل أي أملق وذهب ماله ونفق الشيء أي : ذهب .

وقيل : لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر .

( وكان الإنسان قتورا ) أي : بخيلا ممسكا عن الإنفاق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» لهم «لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي» من الرزق والمطر «إذا لأمسكتم» لبخلتم «خشية الإنفاق» خوف نفادها بالإنفاق فتقتروا «وكان الإنسان قتورا» بخيلاً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لو كنتم تملكون خزائن رحمة ربي التي لا تنفد ولا تبيد إذًا لبخلتم بها، فلم تعطوا منها غيركم خوفًا مِن نفادها فتصبحوا فقراء.

ومن شأن الإنسان أنه بخيل بما في يده إلا مَن عصم الله بالإيمان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يجابه هؤلاء الظالمين بما جبلوا عليه من بخل وشح ، بعد أن طلبوا منه ما طلبوا من مقترحات متعنتة ، فقال - تعالى - : ( قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق وَكَانَ الإنسان قَتُوراً ) .والمراد بخزائن رحمة ربى : أرزاقه التى وزعها على عباده ، ونعمه التى أنعم بها عليهم .و ( قتورًا ) من التقتير بمعنى البخل .

يقال : قتر فلان يقتر - بضم التاء وكسرها - إذا بالغ فى الإِمساك والشح .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الظالمين الذين أعرضوا عن دعوتك ، وطالبوك بما ليس فى وسعك من تفجير الأرض بالأنهار ، ومن غير ذلك من مقترحاتهم الفاسدة ، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت : لو أنكم تملكون - أيها الناس - التصرف فى خزائن الأرزاق التى وزعها الله على خلقه ، إذًا لبخلتم وأمسكتم فى توزيعها عليهم ، مخافة أن يصيبكم الفقر لو أنكم توسعتم فى العطاء ، مع أن خزائن الله لا تنفد أبدًا ، ولكن لأن البخل من طبيعتكم فعلتم ذلك .قال بعضهم : قوله : ( لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ ) فيه وجهان : أحدهما : أن المسألة من باب الاشتغال .

فأنتم مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر ، لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرا .

فهى كإن فى قوله - تعالى - : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ ) والأصل : لو تملكون ، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه - والثانى : أنه مرفوع بكان ، وقد كثر حذفها بعد لو ، والتقدير : لو كنتم تملكون .

.

.

.والمقصود بالإِمساك هنا : إمساكهم عن العطاء فى الدنيا ، وهذا لا ينافى قوله - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ .

.

.

) لأن ذلك حكاية عن أحوالهم فى الآخرة عندما يرون العذاب ، ويتمنون أن يفتدوا أنفسهم منه بأى شئ .وقوله ( إذًا ) ظرف لتملكون .

وقوله ( لأمسكتم ) جواب لو ، وقوله ( خشية الإِنفاق ) علة للإِمساك والبخل .وقوله : ( وَكَانَ الإنسان قَتُوراً ) أى : مبالغًا فى البخل والإِمساك .قال الإِمام ابن كثير : والله - تعالى - يصف الإِنسان من حيث هو ، إلا من وفقه الله وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال - تعالى - :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أن الكفار لما قالوا؛ ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ طلبوا إجراء الأنهار والعيون في بلدتهم لتكثر أموالهم وتتسع عليهم معيشتهم فبين الله تعالى لهم أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم ولما أقدموا على إيصال النفع إلى أحد وعلى هذا التقدير فلا فائدة في إسعافهم بهذا المطلوب الذي التمسوه فهذا هو الكلام في وجه النظم، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ لَّوْ أَنتُمْ ﴾ فيه بحث يتعلق بالنحو وبحث آخر يتعلق بعلم البيان، أما البحث النحوي: فهو أن كلمة لو من شأنها أن تختص بالفعل لأن كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال والمنتفى هو الأحوال والآثار لا الذوات فثبت أن كلمة لو مختصة بالأفعال وأنشدوا قول المتلمس: لو غير أخوالي أرادوا نقيصتي *** نصبت لهم فوق العرانين مأتما والمعنى لو أراد غير أخوالي وأما البحث المتعلق بعلم البيان فهو أن التقديم بالذكر يدل على التخصيص فقوله: ﴿ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ ﴾ دلالة على أنهم هم المختصون بهذه الحالة الخسيسة والشح الكامل.

المسألة الثالثة: خزائن فضل الله ورحمته غير متناهية فكان المعنى أنكم لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على الشح وهذا مبالغة عظيمة في وصفهم بهذا الشيء ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الإنسان قَتُورًا ﴾ أي بخيلاً يقال قتر يقتر قتراً وأقتر إقتاراً وقتر تقتيراً إذا قصر في الإنفاق فإن قيل فقد دخل في الإنسان الجواد الكريم فالجواب من وجوه: الأول: أن الأصل في الإنسان البخل لأنه خلق محتاجاً والمحتاج لابد أن يحب ما به يدفع الحاجة وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل في الإنسان البخل.

الثاني: أن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وللخروج عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل.

الثالث: إن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق: وهم الذين قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَوْ ﴾ حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، فلا بد من فعل بعدها في ﴿ لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ ﴾ وتقديره لو تملكون تملكون، فأضمر تملك إضماراً على شريطة التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل، وهو أنتم، لسقوط ما يتصل به من اللفظ، فأنتم: فاعل الفعل المضمر، وتملكون: تفسيره!

وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب.

فأمّا ما يقتضيه علم البيان، فهو: أنّ أنتم تملكون فيه دلالة على الاختصاص؛ وأنّ الناس هم المختصون بالشح المتبالغ ونحوه قول حاتم: لَوْ ذَاتُ سِوَارٍ لَطَمَتْنِي وقول المتلمس: وَلَوْ غَيْرُ أَخْوَالِي أرَادُوا نَقِيصَتِي وذلك لأنّ الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر، برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر.

ورحمة الله: رزقه وسائر نعمه على خلقه، ولقد بلغ هذا الوصف بالشح الغاية التي لا يبلغها الوهم.

وقيل: هو لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا من الينبوع والأنهار وغيرها، وأنهم لو ملكوا، خزائن الأرزاق لبخلوا بها ﴿ قَتُورًا ﴾ ضيقاً بخيلاً.

فإن قلت: هل يقدر ﴿ لأمْسَكْتُمْ ﴾ مفعول؟

قلت: لا؛ لأن معناه: لبخلتم، من قولك للبخيل ممسك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ أوْ لَمْ يَعْلَمُوا.

﴿ أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ فَإنَّهم لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِنهُنَّ ولا الإعادَةُ أصْعَبُ عَلَيْهِ مِنَ الإبْداءِ.

﴿ وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ هو المَوْتُ أوِ القِيامَةُ.

﴿ فَأبى الظّالِمُونَ ﴾ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ.

﴿ إلا كُفُورًا ﴾ إلّا جُحُودًا.

﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ خَزائِنَ رِزْقِهِ وسائِرَ نِعَمِهِ، وأنْتُمْ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِ حاتِمٍ: لَوْ ذاتَ سِوارٍ لَطَمَتْنِي وَفائِدَةُ هَذا الحَذْفِ والتَّفْسِيرِ المُبالَغَةُ مَعَ الإيجازِ والدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِصاصِ.

﴿ إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ ﴾ لَبَخِلْتُمْ مَخافَةَ النَّفادِ بِالإنْفاقِ إذْ لا أحَدَ إلّا ويَخْتارُ النَّفْعَ لِنَفْسِهِ ولَوْ آثَرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ فَإنَّما يُؤْثِرُهُ لِعِوَضٍ يَفُوقُهُ فَهو إذَنْ بَخِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جُودِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ هَذا وإنَّ البُخَلاءَ أغْلَبُ فِيهِمْ.

﴿ وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ بَخِيلًا لِأنَّ بِناءَ أمْرِهِ عَلى الحاجَةِ والضِّنَةِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ ومُلاحَظَةِ العِوَضِ فِيما يَبْذُلُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ} تقديره لو تملكون أنتم لأن لو تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها فأضمر تلك على شريطة التفسير وأبدل من الضمير المتصل وهو الواو ضمير منفصل وهو أنتم

لسقوط ما يتصل به من اللفظ فأنتم فاعل الفعل المضمر وتملكون تفسيره وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب وأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن أنتم تملكون فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ {خَزَآئِنَ رَحْمَةِ ربي} رزقه وسائر نعمه على خلقه {إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفَاقِ}

أي لبخلتم خشية أن يفنيه الإنفاق {وَكَانَ الإنْسانُ قَتُوراً} بخيلاً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ ﴾ أيْ خَزائِنَ نِعَمِهِ الَّتِي أفاضَها عَلى كافَّةِ المَوْجُوداتِ فالرَّحْمَةُ مَجازٌ عَنِ النِّعَمِ والخَزائِنُ اسْتِعارَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ أوْ تَخْيِيلِيَّةٌ، و«أنْتُمْ» عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحُوفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهم فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ؛ لِأنَّ «لَوْ» يَمْتَنِعُ أنْ يَلِيَها الِاسْمُ والأصْلُ: لَوْ تَمْلِكُونَ تَمْلِكُونَ فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ حاتِمٍ وقَدْ أُسِرَ فَلَطَمَتْهُ جارِيَةٌ: لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي، وقَوْلُ المُتَلَمِّسِ: ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي جَعَلْتُ لَهم فَوْقَ العِرانِينِ مِيسَما وفائِدَةُ الحَذْفِ والتَّفْسِيرِ عَلى ما قِيلَ الإيجازُ فَإنَّهُ بَعْدَ قَصْدِ التَّوْكِيدِ لَوْ قِيلَ: تَمْلِكُونَ تَمْلِكُونَ لَكانَ إطْنابًا وتَكْرارًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ، والمُبالَغَةُ لِتَكْرِيرِ الإسْنادِ أوْ لِتَكْرِيرِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي تَكَرُّرَ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلَيْهِ والدَّلالَةَ عَلى الِاخْتِصاصِ وذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ «أنْتُمْ» بِعَيْنِهِ ضَمِيرُ «تَمْلِكُونَ» المُؤَخَّرِ فَهو في المَعْنى فاعِلٌ مُقَدَّمٌ وتَقْدِيمُ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ إذا ناسَبَ المَقامَ فَيُفِيدُ الكَلامُ حِينَئِذٍ تَرَتُّبَ الإمْساكِ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المُرادُ مِنهُ عَلى تَفَرُّدِهِمْ بِمِلْكِ الخَزائِنِ ويُعْلَمُ مِنهُ تَرَتُّبُهُ عَلى مِلْكِها بِالِاشْتِراكِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وإلى تَخْرِيجِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عَلى هَذا الطَّرْزِ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ بَيْدَ أنَّ أبا الحَسَنِ بْنَ الصّائِغِ وغَيْرَهُ صَرَّحُوا بِأنَّهم يَمْنَعُونَ إيلاءَ لَوْ فِعْلًا مُضْمَرًا في الفَصِيحِ ويُجِيزُونَهُ في الضَّرُورَةِ وفي نادِرِ كَلامٍ، ولَعَلَّ شِعْرَ المُتَلَمِّسِ ومَثَلِ حاتِمٍ عِنْدَهم مِن ذَلِكَ، والحَقُّ خِلافُ ذَلِكَ.

وقالَ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فَضالَةَ المُجاشِعِيُّ: إنَّ التَّقْدِيرَ: لَوْ كُنْتُمْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ، وظاهِرُهُ أنَّ أنْتُمْ عِنْدَهُ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المَحْذُوفِ مَعَ الفِعْلِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ بْنُ الصّائِغِ: إنَّ الأصْلَ: لَوْ كُنْتُمْ تَمْلِكُونَ فَحُذِفَتْ كانَ وحْدَها وانْفَصَلَ الضَّمِيرُ فَهو عِنْدُهُ اسْمٌ لِكانَ مَحْذُوفَةً وجُمْلَةُ: «تَمْلِكُونَ» خَبَرُها وعَلى هَذا تُخَرَّجُ نَظائِرُهُ.

قالَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ نَقْلِ ما تَقَدَّمَ: وهَذا التَّخْرِيجُ أحْسَنُ لِأنَّ حَذْفَ كانَ بَعْدَ لَوْ مَعْهُودٌ في لِسانِ العَرَبِ، ولا يَخْفى أنَّ الكَلامَ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا أفْيَدُ وإنْ كانَ الظّاهِرُ أنَّ الإمْساكَ عَلى هَذا يَكُونُ عَلى اسْتِمْرارِ المِلْكِ، والمُرادُ مِنَ الإمْساكِ البُخْلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ البُخْلَ إمْساكٌ خاصٌّ، فَلَمّا حُذِفَ المَفْعُولُ ووُجِّهَ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِمَعْنى لَفَعَلْتُمُ الإمْساكَ جُعِلَ كِنايَةً عَنْ أبْلَغِ أنْواعِهِ وأقْبَحِها، وإلى كَوْنِهِ كِنايَةً عَمّا ذُكِرَ ذَهَبَ صاحِبُ الفَرائِدِ وغَيْرُهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى البُخْلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وعَلى ما ذَكَرْنا يَتَخَرَّجُ قَوْلُهم لِلْبَخِيلِ مُمْسِكٌ ﴿ خَشْيَةَ الإنْفاقِ ﴾ أيْ: مَخافَةَ الفَقْرِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ الرّاغِبُ قالَ: يُقالُ: أنْفَقَ فُلانٌ إذا افْتَقَرَ، وأبُو عُبَيْدَةَ قالَ: أنْفَقَ وأمْلَقَ وأعْدَمَ وأصْرَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الإنْفاقُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ وهو صَرْفُ المالِ، وفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ أيْ: خَشْيَةَ عاقِبَةِ الإنْفاقِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ لازِمِهِ وهو النَّفادُ، ونُصِبَ ﴿ خَشْيَةَ ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وجَعْلُهُ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ كَما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ بَلَغَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الوَصْفِ بِالشُّحِّ الغايَةَ القُصْوى الَّتِي لا يَبْلُغُها الوَهْمُ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا تَتَناهى وانْفَرَدُوا بِمِلْكِها مِن غَيْرِ مُزاحِمٍ أمْسَكُوها مِن غَيْرِ مُقْتَضٍ إلّا خَشْيَةَ الفَقْرِ، وإنْ شِئْتَ فَوازِنْ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: ولَوَ انَّ دارَكَ أنْبَتَتْ لَكَ أرْضُها ∗∗∗ إبَرًا يَضِيقُ بِها فِناءُ المَنزِلِ وأتاكَ يُوسُفُ يَسْتَعِيرُكَ إبْرَةً ∗∗∗ لِيَخِيطَ قَدَّ قَمِيصَهُ لَمْ تَفْعَلِ مَعَ أنَّ فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ ما يَزِيدُ عَلى العَشَرَةِ؛ تَرى التَّفاوُتَ الَّذِي لا يُحْصَرُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الخِطابَ فِيها عامًّا فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ بَخِيلًا كَما هو ظاهِرٌ ما بَعْدُ مَعَ أنَّهُ أثْبَتَ لِبَعْضِهِمُ الإيثارَ مَعَ الحاجَةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَوادِ الحَقِيقِيِّ والفَيّاضِ المُطْلَقِ عَزَّ مَجْدُهُ فَإنَّ الإنْسانَ إمّا مُمْسِكٌ أوْ مُنْفِقٌ، والإنْفاقُ لا يَكُونُ إلّا لِغَرَضٍ لِلْعاقِلِ كَعِوَضٍ مالِيٍّ أوْ مَعْنَوِيٍّ كَثَناءٍ جَمِيلٍ أوْ خِدْمَةٍ واسْتِمْتاعٍ كَما في النَّفَقَةِ عَلى الأهْلِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وما كانَ لِعِوَضٍ كانَ مُبادَلَةً لا مُباذَلَةً، أوْ هو بِالنَّظَرِ إلى الأغْلَبِ وتَنْزِيلِ غَيْرِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ كَما قِيلَ: عُدْنا في زَمانِنا ∗∗∗ عَنْ حَدِيثِ المَكارِمِ مَن كَفى النّاسَ شَرَّهُ ∗∗∗ فَهْوَ في جُودِ حاتِمِ وهَذا الجَوابُ عِنْدِي أوْلى مِنَ الأوَّلِ وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ مُبالِغًا في البُخْلِ، وجاءَ القَتْرُ بِمَعْنى تَقْلِيلِ النَّفَقَةِ وهو بِإزاءِ الإسْرافِ وكِلاهُما مَذْمُومٌ، ويُقالُ: قَتَّرْتُ الشَّيْءَ واقْتَرْتُهُ وقَتَّرْتُهُ أيْ: قَلَّلْتُهُ وفُلانٌ مُقَتِّرٌ فَقِيرٌ، وأصْلُ ذَلِكَ كَما قالَ الرّاغِبُ مِنَ القُتارِ والقَتْرِ وهو الدُّخانُ السّاطِعُ مِنَ الشِّواءِ والعُودِ ونَحْوِهِما فَكَأنَّ المُقَتِّرَ والمُقَتَّرَ هو الَّذِي يُتَناوَلُ مِنَ الشَّيْءِ قُتارَهُ، وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا ما اقْتَرَحُوا مِنَ اليَنْبُوعِ والأنْهارِ وغَيْرِها، والمُرادُ مِنَ الإنْسانِ كَما في القَوْلِ الأوَّلِ الجِنْسُ ولا شَكَّ في أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى البُخْلِ لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِ الحاجَةُ، وقِيلَ: الإنْسانُ وعَلَيْهِ الإمامُ، ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلى تَخْصِيصِ الخِطابِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ طَلَبُوا ما طَلَبُوا مِنَ اليَنْبُوعِ والأنْهارِ لِتَكْثُرَ أقْواتُهم وتَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَبَخِلُوا وشَحُّوا ولَما قَدِمُوا عَلى إيصالِ النَّفْعِ لِأحَدٍ، والمُرادُ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم في غايَةِ الشُّحِّ ويَقْتَرِحُونَ ما يَقْتَرِحُونَ أوِ المُرادُ أنَّ صِفَتَهم هَذِهِ فَلا فائِدَةَ في إسْعافِهِمْ بِما طَلَبُوا كَذا قالَ العَسْكَرِيُّ وغَيْرُهُ فالآيَةُ عِنْدَهم مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ ويَكْفِي عَلى العُمُومِ انْدِراجُ أهْلِ مَكَّةَ فِيهِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: المُناسِبُ في وجْهِ الِارْتِباطِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ مَنَحَهُ اللَّهُ تَعالى ما لَمْ يَمْنَحْهُ لِأحَدٍ مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إلى الإنْسِ والجِنِّ فَهو  أحْرَصُ النّاسِ عَلى إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ وإنْقاذِهِمْ مِنَ الضَّلالِ، يُثابِرُ عَلى ذَلِكَ ويُخاطِرُ بِنَفْسِهِ في دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَعْرِضُ ذَلِكَ عَلى القَبائِلِ وأحْياءِ العَرَبِ سَمْحًا بِذَلِكَ لا يَطْلُبُ مِنهم أجْرًا وهَؤُلاءِ أقْرِباؤُهُ لا يَكادُ يُجِيبُ مِنهم أحَدٌ إلّا الواحِدُ بَعْدَ الواحِدِ قَدْ لَجُّوا في عِنادِهِ وبَغْضائِهِ فَلا يَصِلُ مِنهم إلّا الأذى فَنَبَّهَ تَعالى شَأْنُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى سَماحَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَذْلِ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى وعَلى امْتِناعِ هَؤُلاءِ أنْ يَصِلَ مِنهم شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ إلَيْهِ  فَهي قَدْ جاءَتْ مُبَيِّنَةً تَبايُنَ ما بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم مِن حِرْصِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وعَدَمِ إيصالِ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ مِنهم إلَيْهِ اه.

فالِارْتِباطُ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ مَجْمُوعِ الآياتِ السّابِقَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تُشْعِرُ بِحِرْصِهِ  عَلى هِدايَتِهِمْ، ولَعَمْرِي إنَّ هَذا مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ والذِّهْنُ المُسْتَقِيمُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الِارْتِباطِ اشْتِمالَها عَلى ذَمِّهِمْ بِالشُّحِّ المُفْرِطِ كَما أنَّ ما قَبْلَها مُشْتَمِلٌ عَلى ذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ كَذَلِكَ وهُما صِفَتانِ سَيِّئَتانِ، ضَرَرُ إحْداهُما قاصِرٌ، وضَرَرُ الأُخْرى مُتَعَدٍّ، فَتَأمَّلْ؛ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ولَمّا حَكى سُبْحانَهُ عَنْ قُرَيْشٍ ما حَكى مِنَ العَنَتِ والعِنادِ مَعَ رَسُولِهِ  سَلّاهُ تَعالى جَدُّهُ بِما جَرى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ وما صَنَعَ سُبْحانَهُ بِفِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا، يعني: أو لم يخبروا في القرآن؟

أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ، يعني: يحييهم بعد الموت.

وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ، يقول: لا شك فيه عند المؤمنين أنه كائن.

فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً، أي أبى المشركون عن الإيمان، ولم يقبلوا إلاّ الكفر.

ثم قال تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي، يقول: لو تقدرون على مفاتيح رزق ربي، إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ، يقول: لبخلتم وامتنعتم عن الصدقة خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ، أي مخافة الفقر.

وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً، أي ممسكاً بخيلاً.

قال الزجاج هذا جواب لقولهم: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: 90] وقال بعضهم: هذا ابتداء وصف بخلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وُجُوهِهِم ...

» «١» الحديثَ، وقوله: كُلَّما خَبَتْ أي: كلما فرغَتْ من إِحراقهم، فسكن اللهيبُ القائمُ عليهم قَدْرَ ما يعادون، ثم يثورُ، فتلك زيادة السعير، قاله ابن عَبَّاس «٢» .

قال ع «٣» : فالزيادة في حيِّزهم، وأما جهنَّم، فعلى حالها من الشدَّة، لا فتور، وخَبَتِ النارُ، معناه: سَكَن اللهيبُ، والجَمْرُ على حاله، وخَمَدَتْ معناه، سكَن الجَمْر وضَعُف، وهَمَدَتْ معناه: طُفِئت جملةً.

وقوله سبحانه: ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا ...

الآية: الإِشارة ب ذلِكَ إِلى الوعيد المتقدِّم بجهنم.

قوله عز وجل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ...

الآية:

الرؤيةُ في هذه الآية هي رؤية القَلْبِ، وهذه الآية احتجاجٌ عليهم فيما استبعدوه من البعث، «والأجل» هاهنا: يحتمل أن يريد به القيامة، ويحتمل أن يريد أَجَلَ الموت.

وقوله سبحانه: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ...

الآية: ال رَحْمَةِ، في هذه الآية: المال والنِّعم التي تُصْرَفُ في الأرزاق.

وقوله: خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ المعنى: خشية عاقبةِ الإِنفاق، وهو الفَقْر، وقال بعض اللُّغويِّين، أنْفَقَ الرجُلُ معناه: افتقَرَ كما تقول أَتْرَبَ وأَقْتَرَ.

وقوله: وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً أي: ممسِكاً، يريدُ أنَّ في طبعه ومنتهى نظره أن الأشياء تتناهى وتفنى، فهو لو ملك خزائنَ رحمة الله، لأمسك خشيةَ الفَقْر، وكذلك يظنُّ أن قدرة اللَّه تقفُ دون البَعْث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى.

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ...

الآية: اتفق المتأوِّلون والرواةُ أن الآياتِ الخَمْسَ التي في «سورة الأعراف» هي من هذه التسْعِ، وهي: الطُّوفانُ والجَرَادُ والقُمَّل والضَّفادع والَّدمُ، واختلفوا في الأربَعِ.

ت: وفي هذا الاتفاق نظَرٌ، وَرَوَى في هذا صفوانُ بنُ عَسَّال أن يهوديًّا من يهودِ المدينةِ، قال لآخَرَ: سِرْ بِنَا إِلى هذا النبيِّ نسأله عن آيات موسى، فقال له الآخر: لا تقل له إنَّه نَبيٌّ، فإِنه لَوْ سَمِعَها، صَارَ له أربعة أعيُنٍ، قال: فَسَارَا إِلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فسألاه، فقال: «هي لا تُشْرِكُوا باللَّه شيئاً، ولا تسرِقُوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إِلا بالحق، ولا تمشوا ببريءٍ إلى السلطان ليقتله، ولا تَسْحَرُوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المُحْصَنَات، ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَّحْف، وعليْكُمْ- خاصَّةَ معْشَرِ اليهودِ ألاَّ تَعْدُوا في السبت» «١» .

انتهى، وقد ذكر ع «٢» هذا الحديث.

وقوله سبحانه: فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ، أي: إِذ جاءهم موسى واختلف في قوله: مَسْحُوراً فقالتْ فرقة: هو مفعولٌ على بابه، وقال الطبري «٣» : هو بمعنى ساحرٍ، كما قال/ حِجاباً مَسْتُوراً [الاسراء: ٤٥] وقرأ الجمهور: «لَقَدْ عِلمْتَ» ، وقرأ الكسائيُّ: «لَقَدْ عَلِمْتُ» بتاء المتكلِّم مضمومةً، وهي قراءة علي بن أبي طالب وغيره، وقال: ما علم عَدُوُّ اللَّه قطُّ، وإِنما علم موسى والإِشارة ب هؤُلاءِ إِلى التسع.

وقوله: بَصائِرَ: جمعُ بصيرةٍ، وهي الطريقةُ، أي طرائِقَ يُهْتَدَى بها، و «المثبور» المُهْلَكُ قاله مجاهد «٤» ، فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، أي: يستخفهم ويقتلهم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ في الوَصْلِ، وحَذَفاها في الوَقْفِ.

وأثْبَتَها يَعْقُوبُ في الوَقْفِ، وحَذَفَها الأكْثَرُونَ في الحالَتَيْنِ.

﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن يُرِدِ اللَّهُ هُداهُ ﴿ فَهُوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ﴾ يَهْدُونَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُمَشِّيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ، وشاهِدُهُ ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " صَحِيحَيْهِما " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ  : كَيْفَ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟

قالَ: " إنَّ الَّذِي أمْشاهُ عَلى رِجْلَيْهِ في الدُّنْيا، قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيهِ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» " .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ونَحْشُرُهم مَسْحُوبِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: نَحْشُرُهم مُسْرِعِينَ مُبادِرِينَ، فَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ عَنِ الإسْراعِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ مَرَّ القَوْمُ عَلى وُجُوهِهِمْ: إذا أسْرَعُوا، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمْيًا لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، وبُكْمًا لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، وصُمًّا لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ في رِوايَةٍ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جُعِلَ لِأوْلِيائِهِ، وبُكْمًا عَنْ مُخاطَبَةِ اللَّهِ، وصُمًّا عَمّا مَدَحَ بِهِ أوْلِياءَهُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ هَذا الحَشْرَ في بَعْضِ أحْوالِ القِيامَةِ بَعْدَ الحَشْرِ الأوَّلِ.

قالَ مُقاتِلٌ: هَذا يَكُونُ حِينَ يُقالُ لَهُمْ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها  ﴾ ، فَيَصِيرُونَ عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، لا يَرَوْنَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّما خَبَتْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: سَكَنَتْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّها تَأْكُلُهُمْ، فَإذا لَمْ تُبْقِ مِنهم شَيْئًا وصارُوا فَحْمًا ولَمْ تَجِدْ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، سَكَنَتْ، فَيُعادُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، فَتَعُودُ لَهم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَبَتِ النّارُ: إذا سَكَنَ لَهَبُها، فاللَّهَبُ يَسْكُنُ، والجَمْرُ يَعْمَلُ، فَإنْ سَكَنَ اللَّهَبُ، ولَمْ يُطْفَإ الجَمْرُ، قِيلَ: خَمَدَتْ تَخْمُدُ خُمُودًا، فَإنْ طُفِئَتْ ولَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ، قِيلَ: هَمَدَتْ تَهْمَدُ هُمُودًا.

ومَعْنى ﴿ زِدْناهم سَعِيرًا ﴾ : نارًا تَتَسَعَّرُ؛ أيْ: تَتَلَهَّبُ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الإسْراءِ: ٤٩ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلى أنْ يَخْلُقَهم مَرَّةً ثانِيَةً، وأرادَ بِـ " مِثْلَهم " إيّاهُمْ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ مُساوٍ لَهُ، فَجازَ أنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْ نَفْسِ الشَّيْءِ، يُقالُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ هَذا؛ أيْ: أنْتَ، ومَثَلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ  ﴾ .

وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " مِثْلَهم "، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ يَعْنِي: أجَلَ البَعْثِ، ﴿ فَأبى الظّالِمُونَ إلا كُفُورًا ﴾ ؛ أيْ: جُحُودًا بِذَلِكَ الأجَلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ، قالَ المُتَلَمِّسُ: ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي نَصَبْتُ لَهم فَوْقَ العَرانَيْنَ مَيْسَمًا المَعْنى: لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي.

وَفِي هَذِهِ الخَزائِنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ الأرْزاقِ.

والثّانِي: خَزائِنُ النِّعَمِ، فَيَخْرُجُ في الرَّحْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ.

والثّانِي: النِّعْمَةُ.

وتَحْرِيرُ الكَلامِ: لَوْ مَلَكْتُمْ ما يَمْلِكُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأمْسَكْتُمْ عَنِ الإنْفاقِ خَشْيَةَ الفاقَةِ.

﴿ وَكانَ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ، ﴿ قَتُورًا ﴾ ؛ أيْ: بَخِيلًا مُمْسِكًا، يُقالُ: قَتَرَ يَقْتُرُ، وقَتَرَ يَقْتِرُ: إذا قَصَّرَ في الإنْفاقِ.

وقالَ الماوَرْدِيُّ: لَوْ مَلَكَ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى، لَما جادَ كَجُودِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَ مِنهُ لِنَفَقَتِهِ ومَنفَعَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَخافُ الفَقْرَ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في جُودِهِ عَنِ الحالَيْنِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ إنْكارَ فِرْعَوْنَ آَياتِ مُوسى، تَشْبِيهًا بِحالِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى المُعْجِزاتِ والدَّلالاتِ، ثُمَّ اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى سَبْعِ آَياتٍ مِنها، وهِيَ: يَدُهُ، والعَصا، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقَمْلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، واخْتَلَفُوا في الآَيَتَيْنِ الآَخِرَتَيْنِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُما لِسانُهُ والبَحْرُ الَّذِي فُلِقَ لَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، يَعْنِي بِلِسانِهِ: أنَّهُ كانَ فِيهِ عُقْدَةٌ فَحَلَّها اللَّهُ تَعالى لَهُ.

والثّانِي: البَحْرُ والجَبَلُ الَّذِي نَتَقَ فَوْقَهُمْ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: السُّنُونُ ونَقْصُ الثَّمَراتِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّنُونُ ونَقْصُ الثَّمَراتِ آَيَةٌ واحِدَةٌ.

والرّابِعُ: البَحْرُ والمَوْتُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ ووَهْبٌ.

والخامِسُ: الحَجَرُ والبَحْرُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والسّادِسُ: لِسانُهُ وإلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والسّابِعُ: البَحْرُ والسُّنُونُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

والثّامِنُ: ذَكَرَهُ [ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ ] مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، فَذَكَرَ السَّبْعَ الآَياتِ الأُولى، إلّا أنَّهُ جَعَلَ مَكانَ يَدِهِ البَحْرَ، وزادَ الطَّمْسَةَ والحَجَرَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها آَياتُ الكِتابِ، رَوى أبُو داوُدَ السِّجِسْتانِيُّ مِن حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ، «أنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ: تَعال حَتّى نَسْألَ هَذا النَّبِيَّ، فَقالَ الآَخَرُ: لا تَقُلْ: إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ، صارَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ؛ فَأتَياهُ، فَسَألاهُ عَنْ تِسْعِ آَياتٍ بَيِّناتٍ، فَقالَ: " لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وَلا تَزْنُوا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِالبَرِيءِ إلى السُّلْطانِ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَناتِ، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةً يَهُودُ ألّا تَعْدُوا في السَّبْتِ "، قالَ: فَقَبَّلا يَدَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ.» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنَّ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظالِمُونَ إلا كُفُورًا ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ فِيما اسْتَبْعَدُوهُ مِنَ البَعْثِ، وذَلِكَ أنَّهم قَرَّرُوا عَلى خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي البَشَرُ جُزْءٌ مِنها، فَهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لَهم أنْ يُقِرُّوا بِخَلْقِهِ لِلْكُلِّ وإخْراجِهِ مِن خُمُولِ العَدَمِ ويُنْكِرُونَ إعادَتَهُ لِلْبَعْضِ؟

فَحَصَلَ الأمْرُ في حَيِّزِ الجَوازِ.

وأخْبَرَ الصادِقُ الَّذِي قامَتْ دَلائِلُ مُعْجِزاتِهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الجائِزِ.

والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ القَلْبِ، و"الأجَلُ" ها هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القِيامَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أجْلَ المَوْتِ، والأجْلُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الآجالِ.

ومَقْصِدُ هَذا الكَلامِ بَيانُ قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ومُلْكِهِ لِخَلْقِهِ، وبِتَقْرِيرِ ذَلِكَ يَقْوى جَوازُ بَعَثِهِ لَهم حِينَ يَشاءُ لا إلَهَ إلّا هو.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأبى" عِبارَةٌ عن تَكَسُّبِهِمْ وجُنُوحِهِمْ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آنِفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ ﴾ الآيَةَ.

حُكْمُ "لَوْ" أنْ يَلِيَها الفِعْلُ، إمّا مُظْهَرًا وإمّا مُضْمَرًا يُفَسِّرُهُ الظاهِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالتَقْدِيرُ هُنا: قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ، فَـ "أنْتُمْ" رُفِعَ عَلى تَبَعِ الضَمِيرِ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المالُ والنِعَمُ الَّتِي تُصْرَفُ في الأرْزاقِ، ومِن هَذا سُمِّيَتْ رَحْمَةٌ.

و"الإنْفاقُ" المَعْرُوفُ: إذْهابُ المالِ.

وهو مُؤَدٍّ إلى الفَقْرِ، فَكَأنَّ المَعْنى: خَشْيَةَ عاقِبَةِ الإنْفاقِ.

وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "أنْفَقَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: افْتَقَرَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ مَعْناهُ: مُمْسِكًا، يُرِيدُ أنَّ في طَبْعِهِ ومُنْتَهى نَظَرِهِ أنَّ الأشْياءَ تَتَناهى وتَفْنى، فَهو لَوْ مَلَكَ خَزائِنَ رَحْمَةِ اللهِ لَأمْسَكَ خَشْيَةَ الفَقْرِ، وكَذَلِكَ يَظُنُّ أنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى تَقِفُ دُونَ البَعْثِ، والأمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قُدْرَتُهُ لا تَتَناهى، فَهو يَخْتَرِعُ مِنَ الخَلْقِ ما يَشاءُ، ويَخْتَزِنُ مِنَ الرَحْمَةِ الأرْزاقَ، فَلا يَخافُ نَفاذَ خَزائِنِ رَحْمَتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ تَلْتَبِسُ هَذِهِ الآيَةُ بِما قَبِلَها، واللهُ ولِيُّ التَوْفِيقِ بِرَحْمَتِهِ، ومِنَ الإقْتارِ قَوْلُ أبِي داوُدَ: لا أعُدُّ الإقْتارَ عُدْمًا ولَكِنْ ∗∗∗ فَقْدُ مَن قَدْ رُزِئْتُهُ الإعْدامُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ .

اتَّفَقَ المُتَأوِّلُونَ والرُواةُ أنَّ الآياتِ الخَمْسَ الَّتِي في سُورَةِ الأعْرافِ هي مِن هَذِهِ التِسْعِ، وهِيَ: الطُوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَفادِعُ، والدَمُ.

واخْتَلَفُوا في الأرْبَعِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي يَدُهُ، ولِسانُهُ حِينَ انْحَلَّتْ عُقْدَتُهُ، وعَصاهُ، والبَحْرُ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هِيَ: البَحْرُ، والعَصا، والطَمْسَةُ، والحَجَرُ، وقالَ: سَألَنِي عن ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: وما الطَمْسَةُ؟

فَقُلْتُ: دَعا مُوسى وأمَّنَ هارُونُ عَلَيْهِما السَلامُ، فَطَمَسَ اللهُ أمْوالَهم ورَدَّها حِجارَةً.

فَقالَ عُمَرُ: وهَلْ يَكُونُ الفِقْهُ إلّا هَكَذا؟

ثُمَّ دَعا بِخَرِيطَةٍ فِيها غَرائِبُ كانَتْ لِعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوانٍ جَمَعَها بِمِصْرَ، فاسْتَخْرَجَ مِنها الحَوْزَةَ والبَيْضَةَ والعَدَسَةَ، وهي كُلُّها أحْجارٌ كانَتْ مِن بَقايا أمْوالِ فِرْعَوْنَ، وقالَ الضَحّاكُ: هي إلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ، واليَدُ، وعُقْدَةُ لِسانِهِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ، ومَطَرٌ الوَرّاقُ، والشَعْبِيُّ: هي العَصا، واليَدُ، والسُنُونَ، ونَقْصُ الثَمَراتِ.

وقالَ الحَسَنُ: هي العَصا في كَوْنِها ثُعْبانًا، واليَدُ، والسُنُونَ، وتَلْقَفُ العَصا ما يَأْفِكُونَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي السُنُونَ في بَوادِيهِمْ، ونَقْصُ الثَمَراتِ في قُراهُمْ، واليَدِ، والعَصا.

ورَوى مَصْرِفٌ عن مالِكٍ أنَّها العَصا، واليَدُ، والجَبَلُ إذْ نَتَقَ، والبَحْرُ.

ورَوى ابْنُ وهْبٍ عنهُ مَكانُ البَحْرِ الحَجَرُ، والَّذِي يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّ مِن آياتِ مُوسى -إذْ هي كَثِيرَةٌ جِدًّا تَنِيفُ عَلى أرْبَعٍ وعِشْرِينَ- تِسْعًا بِالذِكْرِ، ووَصَفَها بِالبَيانِ ولَمْ يُعَيِّنْها، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِها بِحَسْبَ اجْتِهادِهِمْ في بَيانِها، أو رِواياتِهِمُ التَوْقِيفِيَّةِ في ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما أُرِيدَ بِها آياتُ التَوْراةِ الَّتِي هي أوامِرُ ونَواهٍ، ورَوى في هَذا صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ «أنْ يَهُودِيًّا مِن يَهُودِ المَدِينَةِ قالَ لِآخَرَ: سِرْ بِنا إلى هَذا النَبِيِّ نَسْألُهُ عن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ-، فَقالَ لَهُ الآخَرُ: لا تَقُلْ إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ صارَ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ، قالَ: فَسارا إلى رَسُولِ اللهِ  : فَسَألُوهُ، فَقالَ: هي ألّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلّا بِالحَقِّ، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْخَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِبا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ، ولا تَفِرُّوا يَوْمَ الزَحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةٌ يَهُودٌ: ولا تَعُدُوا في السَبْتِ.» وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ: "فَسَلْ" عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "سَألَ يَسْألُ"، وهَذا كُلُّهُ عَلى مَعْنى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ  ، أيِ: اسْألْ مُعاصِرِيكَ عَمّا أعْلَمْناكَ بِهِ مِن غَيْبِ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إذْ جاءَهُمُ  ﴾ ، يُرِيدُ: آباءَهُمْ، وأدْخَلَهم في الضَمِيرِ إذْ هم مِنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ جاءَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وتَكُونُ إحالَتُهُ إيّاهُ عَلى سُؤالِهِمْ بِطَلَبِ إخْبارِهِمْ والنَظَرِ في أحْوالِهِمْ وما في كُتُبِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا  ﴾ ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَعِظُهُ: سَلِ الأُمَمَ الخالِيَةَ هَلْ بَقِيَ مِنها مُخَلَّدٌ؟

ونَحْوَ هَذا مِمّا يُجْعَلُ النَظَرُ فِيهِ مَكانَ السُؤالِ.

قالَ الحَسَنُ: سُؤالُكَ نَظَرُكَ في القُرْآنِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَسَألَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: سَألَ مُوسى فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ طَلَبَهم لِيُنْجِيَهم مِنَ العَذابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَسْحُورًا"، اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَفْعُولٌ عَلى بابِهِ، أيْ: إنَّكَ قَدْ سُحِرْتَ فَكَلامُكَ مُخْتَلٌّ وما تَأْتِي بِهِ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ.

وقالَ الطَبَرِيٌّ: هو مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حِجابًا مَسْتُورًا  ﴾ ، وكَما قالُوا: مَشْؤُومٌ ومَيْمُونٌ، وإنَّما هُوَ: شايِمٌ ويامِنٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَتَخَرَّجُ إلّا عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا سِحْرٍ مَلَكْتَهُ وعَلِمْتَهُ، فَأنْتَ تَأْتِي بِهَذِهِ الغَرائِبِ لِذَلِكَ.

وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ تَنْقُصُ، فَيَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ "مَسْحُورًا" مَفْعُولًا عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ساحِرٌ يُعارِضُنا، "أمّا" ما حُكِيَ عنهم أنَّهم قالُوا لَهُ -عَلى جِهَةِ المَدْحِ-: ﴿ يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ  ﴾ فَإمّا أنْ يَكُونَ القائِلُونَ هُنالِكَ لَيْسَ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ، وإمّا أنْ يَكُونَ فِيهِمْ لَكِنَّهُ تَنَقُّلٌ مَن تَنَقُّصِهِ إلى تَعْظِيمِهِ.

وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض ناشئ عن بعض مقترحاتهم التي توهموا عدم حصولها دليلاً على انتفاء إرسال بَشيرٍ، فالكلام استئناف لتكملة رد شبهاتهم.

وهذا رد لما تضمنه قولهم: ﴿ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ﴾ إلى قوله: ﴿ تفجيراً ﴾ [الإسراء: 90- 91]، وقولهم: ﴿ أو يكون لك بيت من زخرف ﴾ [الإسراء: 93] من تعذر حصول ذلك لعظيم قيمته.

ومعنى الرد: أن هذا ليس بعظيم في جانب خزائن رحمة الله لو شاء أن يظهره لكم.

وأدمج في هذا الرد بيانُ ما فيهم من البخل عن الإنفاق في سبيل الخير.

وأدمج في ذلك أيضاً تذكيرهم بأن الله أعطاهم من خزائن رحمته فكفروا نعمته وشكروا الأصنام التي لا نعمة لها.

ويصلح لأن يكون هذا خطاباً للناس كلهم مؤمنهم وكافرهم كل على قدر نصيبه.

وشأن (لو) أن يليها الفعل ماضياً في الأكثر أو مضارعاً في اعتبارات، فهي مختصة بالدخول على الأفعال، فإذا أوقعوا الاسم بعدها في الكلام وأخروا الفعل عنه فإنما يفعلون ذلك لقصدٍ بليغ: إما لقصد التقوي والتأكيد للإشعار بأن ذكر الفعل بعد الأداة ثم ذكر فاعله ثم ذكر الفعل مرةً ثانية تأكيدٌ وتقويةٌ؛ مثل قوله: ﴿ وإن أحد من المشركين استجارك ﴾ [التوبة: 6] وإما للانتقال من التقوي إلى الاختصاص، بناءً على أنه ما قدم الفاعل من مكانه إلا لمقصد طريققٍ غير مطروق.

وهذا الاعتبار هو الذي يتعين التخريج عليه في هذه الآية ونحوها من الكلام البليغ، ومنه قول عُمر لأبي عبيدة لَوْ غيرُك قالها.

والمعنى: لو أنتم اختصصتم بملك خزائن رحمة الله دون الله لَما أنفقتم على الفقراء شيئاً.

وذلك أشد في التقريع وفي الامتنان بتخييل أن إنعام غيره كالعدم.

وكلا الاعتبارين لا يُنَاكد اختصاص (لو) بالأفعال للاكتفاء بوقوع الفعل في حَيزها غيرَ مُوال إياها وموالاته إياها أمر أغلبي، ولكن لا يجوز أن يقال: لو أنت عالم لبذذت الأقران.

واختير الفعل المضارع لأن المقصود فرض أن يملكوا ذلك في المستقبل.

وأمسكتم} هُنا منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول، لأن المقصود: إذن لاتصفتم بالإمساك، أي البخل.

يقال: فلان مُمسك، أي بخيل.

ولا يراد أنه ممسك شيئاً معيناً.

وأكد جواب (لو) بزيادة حرف (إذن) فيه لتقوية معنى الجوابية، ولأن في (إذن) معنى الجزاء كما تقدم آنفاً عند قوله: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ﴾ [الإسراء: 42].

ومنه قول بشر بن عَوانة: أفاطم لو شهدت ببطن خَبْتٍ *** وقد لاقَى الهزبرُ أخاككِ بِشرَا إذن لرأيتتِ لَيْثا أمَّ لَيثا *** هِزَبْرا أغلباً لاقَى هِزبرا وجملة ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ حالية أو اعتراضية في آخر الكلام، وهي تفيد تذييلاً لأنها عامةُ الحكم.

فالواو فيها ليست عاطفة.

والقتور: الشديد البخل، مشتق من القتر وهو التضييق في الإنفاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ الأرْضِ الأرْزاقُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: خَزائِنُ النِّعَمِ، وهَذا أعَمُّ.

﴿ إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الفَقْرِ، والإنْفاقُ الفَقْرُ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: يَعْنِي أنَّهُ لَوْ مَلَكَ أحَدُ المَخْلُوقِينَ خَزائِنَ اللَّهِ تَعالى لَما جادَ بِها كَجُودِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَ مِنها لِنَفَقَتِهِ وما يَعُودُ بِمَنفَعَتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَخافُ الفَقْرَ ويَخْشى العَدَمَ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَتَعالى في جُودِهِ عَنْ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ.

﴿ وَكانَ الإنْسانُ قَتُورًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُقْتِرًا، قالَهُ قُطْرُبٌ والأخْفَشُ.

الثّانِي: بَخِيلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

واخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّها عامَّةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ خزائن رحمة ربي ﴾ قال: الرزق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ﴾ قال: إذن ما أطعمتم أحداً شيئاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ قال: الفقر، وفي قوله: ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ قال: بخيلاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ قال: خشية الفاقة ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ قال: بخيلاً ممسكاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿ أَنْتُمْ ﴾ مرفوعة بفعل مضمر، المعنى: قل: لو تملكون أنتم؛ لأن (لو) يقع بها الشيء لوقوع غيره، فلا يليها إلا الفعل، فإذا وليها الاسم عمل فيه الفعل المضمر (١) (٢) فلو غيرُ أخوالي أرادوا نَقِيصَتِي ...

نَصَبْتُ لهم فَوقَ العَرانِينِ مِيسَاً (٣) المعنى: لو أراد غير أخوالي (٤) وأنشد غيره لجرير (٥) لو غَيْرُكم عَلِقَ الزُّبَير بحبله ...

أدّى الجوارَ إلى بني العَوّامِ (٦) ﴿ قُلْ ﴾ : يا محمد (٧) ﴿ لَّوْ انتُمْ ﴾ : يا معشر المشركين، ﴿ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ﴾ يريد خزائن الرزق، ﴿ إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ ﴾ يريد إذا لبخلتم.

قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شُحًّا وبُخْلاً، قال: وهذا جواب لقولهم: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ ﴾ خشية منصوب على أنه مفعول له.

قال ابن عباس: خشية الفقر (٩) (١٠) قال أبو عبيدة: يقال: قد أملق الرجل إملاقًا، وأنفق إنفاقًا، إذا قَلّ ماله (١١) قال المبرد: المعروف في الإنفاق أنه إخراج المال عن اليد، فإن كان قد روي في اللغة معنى الإعدام فهو كما قال أبو عبيدة، وإلا فمعنى الكلام في الآية: خشية أن يستفرغكم الإنفاق ويُجْحِفَ بكم، فيكون الكلام من باب حذف المضاف على تقدير: خشية ضرر الإنفاق وما أشبهه (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ﴾ قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: بخيلًا (١٤) (١٥) قال الليث: القَتْرُ: الرُّمْقة في النَّفقة؛ وهو أن ينفق ما (١٦) (١٧) فإن قيل في الناس: الجواد المُبَذِّر، فلم قيل: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ﴾ ؟

الجواب: أن الأغلب عليهم البخل والاقتصار، ولا اعتبار بالنادر، على أن كل أحد بخيل بالإضافة إلى جُود الله؛ إذ لو ملك خزائن ربه لادّخر معظمها لنفسه، والله -عز وجل- يفيضها على عباده لا يمنعه عن ذلك الإبقاء لنفسه، لأنه يجلّ عن لحَاق النفع والضر.

وقال أبو إسحاق: يعني بالإنسان هاهنا الكافر خاصة، كما قال: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ  ﴾ ، أي: المال (١٨) ﴿ لَشَدِيدٌ ﴾ : لبخيل (١٩) (٢٠) (١) انظر: "المقتضب" 3/ 77، و"الكامل" 1/ 279، و"مغني اللبيب" ص 353، و"الدرر اللوامع" 5/ 99.

(٢) المتلمس؛ هو جرير بن عبد المسيح، من بني ضُبَيعة، وأخواله بنو يَشْكُر، وهو خال طرفة بن العبد، شاعر جاهلي مُفْلقٌ مُقلّ، عدّه الجمحي في الطبقة السابعة من شعراء الجاهلية، دبّر عمرو بن هند ملك الحيرة قتله هو وطرفة بعد أن هَجَوَاه، فنجا المتلمس وهرب إلى بني جفنة ملوك الشام وقتل ابن أخته، قتله عامل البحرين، توفي نحو سنة (569 م).

انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 155، و"الشعر والشعراء" ص 99، و"لأغاني" 24/ 216، و"الخزانة" 6/ 345.

(٣) "ديوانه" ص 29، وورد في "الأصمعيات" ص 245، و"مختارات ابن الشجري" ص 122، و"تفسير ابن الجوزي" 5/ 91، و"الخزانة" 10/ 59، وورد بلا نسبة في: "الكامل" 1/ 279، و"المقتضب" 3/ 77، و"تذكرة النحاة" ص 490، و"اللسان" (نقص) 8/ 4523، وفي الديوان وجميع المصادر -عدا ابن الجوزي-: (جعلت) بدل (نصبت).

(نقيصتي): تنقصي، (العرانين): جمع عِرْنين؟

وهو أعلى قصبة الأنف، (ميسما): الميسم: هو الآلة التي يوسم بها، ومقصوده: أَسِمُهم على العرانين، أي أهجوهم هجاءً يبقى أثرُه في وجوهم ويلزمهم لزوم الميسم للأ نف.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 262، بنصه.

(٥) ساقطة من (ش).

(٦) "ديوانه" ص 453 وفيه (ورَحْلَهُ)، وورد في: "الكامل" 1/ 279، == و"شرح شواهد المغني" 2/ 657، و"الخزانة" 5/ 432، و"الدرر اللوامع" 5/ 98، وورد بلا نسبة في "المقتضب" 3/ 78، و"تفسير الطوسي" 6/ 525، و"مغني اللبيب" ص 353.

(٧) ورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 170، و"الطوسي" 6/ 525.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 261، بنصه مع تقديم وتأخير.

(٩) أخرجه "الطبري" 15/ 170 بلفظه من طريق الحجاج عن ابن جريج (صحيحة)، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 198.

(١٠) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 390 - بلفظه، و"الطبري" 15/ 170 بلفظه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 198 - بمعناه، و"تفسير الماوردي" 3/ 276 - بمعناه، و"الطوسي" 6/ 525 - بمعناه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 369 - 370، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(١١) "مجاز القرآن" 1/ 208 وعبارته: ﴿ مِنْ إِمْلَاقٍ ﴾ : من ذهاب ما في أيديكم؛ يقال: أملق فلان؛ اي ذهب ماله.

(١٢) لم أقف عليه.

(١٣) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 554، بنصه.

(١٤) أخرجه "الطبري" 15/ 170 بلفظه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، ومن طريق ابن جريج (صحيحة)، وعن قتادة، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 199، عن ابن عباس، و"تفسير الماوردي" 3/ 276، عنهما، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 369 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.

(١٥) انظر: (قتر) في "جمهرة اللغة" 1/ 393، و"المحيط في اللغة" 5/ 360، و"مجمل اللغة" 2/ 742، و"اللسان" 6/ 3525.

(١٦) في (أ)، (د)، (ش): (ماله)، والمثبت من.

(ع)، وبه يستقيم المعنى، وهو أقرب لما في المصدر.

(١٧) ورد في "تهذيب اللغة" (قتر) 3/ 288، بتصرف.

(١٨) ساقطة من (ع).

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 261، بتصرف يسير.

(٢٠) ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 276، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 335، وورد بلا نسبة في: "تفسير مقاتل" 1/ 220 أ، و"هود الهواري" 2/ 445، والجمهور -كما في "التفسير الماوردي"- على أنها عامة، وهو الصحيح.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ ﴾ لو حرف امتناع، ولا يليها الفعل إلا ظاهراً أو مضمراً، فلابد من فعل يقدر هنا بعدها تقديره: تملكون ثم فسره بتملكون الظاهر، وأنتم تأكيد للضمير الذي في تملكون المضمر ﴿ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّى ﴾ أي الأموال والأرزاق، ﴿ إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق ﴾ أي لو ملكتم الخزائن لأمسكتم عن الإعطاء خشية الفقر، فالمراد بالإنفاق عاقبة الإنفاق وهو الفقر، ومفعول أمسكتم محذوف، وقال الزمخشري: لا مفعول هل لأن معناه بخلتم، من قولهم للبخيل ممسك، ومعنى الآية وصف الإنسان بالشح وخوف الفقر، بخلاف وصف الله تعالى بالجود والغنى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تفجر ﴾ من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب.

الآخرون من التفجير تكثيراً للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفرداً ﴿ حتى تنزل ﴾ بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب.

الآخرون بالتشديد ﴿ كسفاً ﴾ بفتح السين: أبو جعفر ونافع وعاصم وابن ذكوان.

الباقون بالإسكان ﴿ قال سبحان ﴾ بلفظ الماضي: ابن كثير وابن عامر الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ هو المهتدي ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الباقون بحذف الياء ﴿ ربي إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ خبت زدناهم ﴾ بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ لقد علمت ﴾ بضم التاء، على التكلم: عليّ.

الآخرون بالفتح على الخطاب ﴿ قل ادعو ﴾ بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس: الآخرون بضمها للإتباع ﴿ أو ادعوا ﴾ بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل.

الباقون بالضم ﴿ أيامّاً ﴾ حمزة ورويس يقفان على ﴿ أيا ﴾ ثم يبتدئان ﴿ ما تدعوا ﴾ ويسمى هذا الوقف وقف البيان.

الباقون على كلمة واحدة.

الوقوف: ﴿ ينبوعاً ﴾ ه لا ﴿ تفجيراً ﴾ ه لا ﴿ قبيلاً ﴾ ه لا ﴿ في السماء ﴾ ط لابتداء النفي بعد طول القصة.

وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ﴿ ولن نؤمن لرقيك ﴾ من كلامهم ﴿ نقرؤه ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ المهتد ﴾ ج لعطف جملتي الشرط مع التضاد ﴿ من دونه ﴾ لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف ﴿ وصماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ الإنفاق ﴾ ط ﴿ قتوراً ﴾ ه ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ بصائر ﴾ ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل ﴿ مثبوراً ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ لفيفياً ﴾ ، ط لانقطاع النظام والمعنى.

﴿ نزل ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ ونذيراً ﴾ ، احترازاً من إيهام العطف ﴿ تنزيلاً ﴾ ه ﴿ أولا تؤمنوا ﴾ ط ﴿ سجداً ﴾ ، لا ﴿ لمفعولاً ﴾ ه ﴿ خشوعاً ﴾ ه ﴿ الرحمن ﴾ ط لتصدير الشرط ﴿ الحسنى ﴾ ج لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ تكبيراً ﴾ ه.

التفسير: ليس من شرط كون النبي صادقاً تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبداً، ولكن المعجز الواحد يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله  إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بياناً لتصميمهم على الكفر.

قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله  - وهم جلوس عند الكعبة - فأتاهم فقالوا: يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعاً نزرع فيها.

فقال: لا أقدر عليه.

فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك عنا.

فقال: لا أقدر عليه.

فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.

فقال عبد الله ابن أمية المخزومي - وأمه عمة رسول الله  - لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ سلماً فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا.

فأنزل الله هذه الآيات.

ولنشرع في تفسير اللغات.

فقوله: ﴿ ينبوعاً ﴾ أي عيناً غزيرة من شأنها النبوع من غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء.

وقوله: ﴿ أو تكون لك جنة ﴾ معناه هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك.

وقوله: ﴿ كما زعمت ﴾ إشارة إلى قوله  : ﴿ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء  ﴾ أو إشارة إلى ما مرّ في السورة من قوله: ﴿ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً  ﴾ أي أجعل السماء قطعاً متفرقة كالحاصب واسقطها علينا.

وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا.

وقيل: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.

قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع "كسفة" بالسكون كسدرة وسدر وسدر.

وقال أبو علي: الكسف بالسكون الشيء المقطوع كالطحن للمطحون.

واشتقاقه - على ما قال أبو زيد - من كسفت الثوب كسفا إذا قطعته.

وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقاً علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين.

ومعنى ﴿ قبيلاً ﴾ كفيلاً بما تدعي من صحة النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلاً وبالملائكة قبيلاً فاختصر، أو المراد المقابل كالعشير بمعنى المعاشر.

وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا أنه  لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وقال ابن عباس: أراد فوجاً بعد فوج.

وقال الليث: كل جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: ﴿ إنه يراكم هو وقبيله  ﴾ .

قوله: ﴿ بيت من زخرف ﴾ قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة عبد الله "أو يكون لك بيت من ذهب".

وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب.

﴿ أو ترقى في السماء ﴾ أي في معارجها فحذف المضاف.

يقال: رقي في السلم وفي الدرجة.

والمصدر "رقى" وأصله "فعول" كقعود ﴿ و ﴾ معنى ﴿ لن نؤمن لرقيك ﴾ لن نؤمن لك لأجل رقيك ﴿ حتى تنزل علينا كتاباً ﴾ من السماء فيه تصديقك.

قال الرسول: متعجباً من اقتراحاتهم أو تنزيهاً لله من تحكماتهم أو من قولهم: ﴿ أو تأتي بالله ﴾ ﴿ سبحان ربي هل كنت ﴾ أي لست ﴿ إلا بشراً رسولاً ﴾ فإن طلبتم هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف أقدر أنا عليها؟

وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة.

ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا ﴾ أي الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ﴿ إذ جاءهم الهدي ﴾ وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة ﴿ إلا أن قالوا ﴾ منكرين ﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون ﴾ على الأقدام كما يمشي الإنس ﴿ مطمئنين ﴾ ساكنين فيها ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليهم.

فكأنه اعتبر لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ بشراً ﴾ و ﴿ ملكاً ﴾ منصوبين على الحال من ﴿ رسولاً ﴾ بل زعم أن المعنى له أجوب، ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفاً بحالة البشرية لا الملكية، وإذا كان أحد الصنفين المقابلين حالاً لزم أن يكون الآخر كذلك.

ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلاً: ﴿ قل كفى بالله ﴾ الآية.

وذلك أن إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله  له على الصدق.

فإذا لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟

علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك.

ثم بين أن الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ﴿ ومن يهد الله ﴾ الآية.

وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر "الأعراف" وغيره.

وقوه: ﴿ فهو المهتد ﴾ حمل على اللفظ وقوله: ﴿ فلن تجد ﴾ حمل على المعنى.

والخطاب في ﴿ لن تجد ﴾ إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب.

والأولياء الأنصار، والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: ﴿ يوم يسحبون في النار على وجوههم  ﴾ وإما بمعنى المشي عليها كما روي أنه  سئل عن ذلك فقال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" وقيل لابن عباس: قد أخبر الله  عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث قال: ﴿ رأى المجرمون النار ﴾ ﴿ دعوا هنالك ثبوراً ﴾ ﴿ سمعوا لها ﴾ الجمع بين ذاك تغيظاً وزفيراً فكيف وبين قوله: ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ ؟

فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم.

وفي رواية عطاء أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله، ومخاطبة الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال بعد قوله  لهم: ﴿ اخسئووا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو بعد أن يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار.

وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به ﴿ كلما خبت ﴾ أي سكن لهبها.

خبت النار تخبوا خبواً وأخباها غيرها أي أخمدها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ قال ابن قتيبة: أي تسعراً وهو التهلب.

ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع بينه وبين قوله: ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتعسر.

وقال في الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها.

ثم يعيدها.

وفيه زيادة في تحسرهم وفي الانتقام منهم.

ومما يدل على هذا التفسير قوله: ﴿ ذلك جزاؤهم ﴾ الآية.

ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: ﴿ أو لم يروا ﴾ الآية.

وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء.

ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاتعراض عليه كقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ أي يبعثهم.

وحين بيّن أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتاً معلوماً ما عنده فقال: ﴿ وجعل لهم ﴾ أي لبعثهم ﴿ أجلاً لا ريب فيه ﴾ قال جار الله: قوله: ﴿ وجعل ﴾ معطوف على قوله: ﴿ أو لم يروا ﴾ والمعنى قد علموا بدليل العقل أنه قادر على خلق أمثالهم وجعل لهم.

وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه على خلقه التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلاً أن يملكوا خزائن هن بصدد الفناء والنفاد.

قال النحويون: كلمة "لو" حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشي لانتفاء غيره.

والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا الذوات.

وأيضاً إنها ههنا بمعنى "إن" الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين: فأضمر "تملك" إضماراً على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلاً لسقوط ما كان يتصل هو به فـ ﴿ أنتم ﴾ فاعل الفعل المضمر ﴿ تملكون ﴾ تفسيره.

وقال علماء البيان: فائدة هذا التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني.

لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي لو حرة لطمتني وقوله: ﴿ خشية الإنفاق ﴾ أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم ﴿ وكان الإنسان قتوراً ﴾ أي بخيلاً شحيحاً، والقتر والإقتار والتقتير والتقصير في الإنفاق.

وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه الشح إذ كان باقياً على طبعه لأنه خلق محتاجاً إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة.

ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذاً الأصل في الإنسان هو البخل والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي طلباً للثناء أو الثواب.

وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ بين الله  أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها.

ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات ﴾ فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصحلة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل.

وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات.

مكان الحجر والبحر والطور.

وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم.

فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا.

أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم وحمص وعدس كلها حجارة.

وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالا: إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك" قال الإمام فخر الدين الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع.

وأقول: عد الأحكام من الآيات البينات فيه بعد، اللَّهم إلا أن يقال: النهي عن مساوىء الأخلاق والعادات من جملة علامات النبوة.

قال بعد العلماء: أجابهم النبي  بتسع وزاد واحدة تختص بهم.

وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: "ولا تقذفوا محصنة" وشك شعبة في أنه  : "ولا تقذفوا محصنة" أو قال: "تولوا الفرار" .

وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم.

إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه.

هكذا قال الأصوليون، ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة.

والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلاً فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر الصادق.

أما قوله: ﴿ فاسأل بني إسرائيل ﴾ فالخطاب فيه للنبي  والسؤال سؤال استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت.

والمسؤولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقوله: ﴿ إذا جاءهم ﴾ يتعلق بـ ﴿ آتينا ﴾ .

وينتصب بإضمار "اذكر"، أو هو للتعليل.

والمراد فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم.

ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله.

وقيل: هو بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء.

وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه أعطى علم السحر.

ومن قرأ "علمت" بضم التاء فظاهر لأن موسى كان علماً بصحة الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري بسبب تشكك مكذب مثلك.

ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود وعناد كقوله ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ .

وقوله للآيات: ﴿ هؤلاء ﴾ كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام *** ومعنى ﴿ بصائر ﴾ بينات مكشوفات وانتصابها على الحال كأنه أشار بقوله: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ﴾ إلى أنها أفعال خالقة للعادة، وبقوله: ﴿ بصائر ﴾ إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم حد المعجز بمجموع القيدين.

ثم قارع موسى ظن فرعون بظنه فقال: ﴿ إني لأظنك يا فرعون مثبوراً ﴾ قال الفراء: أي ملعوناً محبوساً عن الخير من قولهم "ما ثبرك عن هذا" أي ما منعك وصرفك.

وقال مجاهد وقتادة، أي هالكاً من الثبور الهلاك.

ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلاً وثبوراً وحسرة وندامة، ولهذا قال: ﴿ فأراد ﴾ أي فرعون ﴿ أن يستفزهم من الأرض ﴾ أي يستخف موسى وقومه من بسيط الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أبو بالنفي والإخراج.

والحاصل أن فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقاً لقوله: ﴿ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله  ﴾ ثم أخبر عن المعاد قائلاً ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وهو قيام الساعة ﴿ جئنا بكم ﴾ يعني معشر المكلفين كلهم ﴿ لفيفاً ﴾ جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم والجزاء والفصل والقضاء.

ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ويذكر جلالة قدره فقال: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ التقديم للتخصيص أي ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه.

قال جار الله: أي ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين.

وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور.

قال أبو علي الفارسي: بالباء في الموضعين بمعنى "مع" كما في قولك "خرج بسلاحه" أي أنزل القرآن مع الحق ونزل هو مع الحق.

ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى "على" كما في قولك "نزلت بزيد" فيكون الحق عبارة عن محمد  لأن القرآن نزل به أي عليه ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ بالجنة ﴿ ونذيراً ﴾ من النار ليس إليك وراء هذين شيء من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه.

ثم إن القوم كأنهم من تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿ وقرآناً ﴾ وهو منصوب بفعل يفسره ﴿ فرقناه ﴾ أي جعلنا نزوله مفرقاً منجماً.

وعن ابن عباس أنه قرأه مشدداً وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب.

وقال أبو عبيدة: التخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقاً.

فالفرق يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام.

وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله وبين آخره، فرأى التشديد أولى.

ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين المدة بدليل قوله: ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ بضم الميم أي على مهل وتؤدة ولقوله: ﴿ ونزلناه تنزيلاً ﴾ أي على حسب المصالح والحوادث.

ثم خاطب نبيه  بأن يقول للمقترحين ﴿ آمنوا به أو لا تؤمنوا ﴾ وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان.

قال جار الله: قوله: ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله ﴾ إما أن يكون تعليلاً لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن.

قال مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد  خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن سلام، وفي قوله: ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ دون أن يقول "يسجدون" مبالغة من وجهين: أحدهما إنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن.

فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من وجهه الذقن.

قلت: هذا تصحيح للمعنى ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة.

وقال غيره.

المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان إذا استولى عليه خوف الله  فربما سقط على الأرض مغشياً عليه.

وثانيهما أنه لم يقل "يخرون على الأذقان" كما هو ظاهر وإنما قال ﴿ للأذقان ﴾ لأن اللام للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم.

ثم حكى أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين ﴿ سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ﴾ بإنزال القرآن وبعثة محمد  في كتبنا ﴿ لمفعولاً ﴾ أي منجراً "وإن" مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل قوله ﴿ ويزيدهم ﴾ أي القرآن ﴿ خشوعاً ﴾ لين قلب ورطوبة عين، ثم أرد أن يعلمهم كيفية الخشوع والدعاء فقال: ﴿ قل ادعوا ﴾ عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن.

فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر.

وقيل: أن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت.

قال جار الله: الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين.

تقول: دعوته زيداً ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيداً و "أو" للتخيير والمعنى على السبب الأول سموه بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا ﴿ أياماً تدعوا ﴾ يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه "وما" صلة زيدت لتأكيد الإبهام.

والضمير "في ﴿ فله ﴾ لا يرجع إلى أحد الاسمين ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع موضعه.

قوله: ﴿ فله الأسماء الحسنى ﴾ .

لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان.

ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر "الأعراف".

ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتاً إذا انقطع كلامه أو ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله  كان يرفع صوته لعله أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل.

مصححه بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴿ ولا تخافت بها ﴾ فلا تسمع أصحابك ﴿ وابتغ بين ذلك ﴾ الذي ذكر من الجهر المخافتة ﴿ سبيلاً ﴾ وسطاً، وروي أن النبي  طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي.

وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان.

فأمر النبي  أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض قليلاً فنزلت الآية على حسب ذلك.

وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها.

وابتغ بين ذلك سبيلاً بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة ههنا الدعاء.

وقد يروى هذا مرفوعاً قال الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضاً في الجهر إسماع غيره الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله: ﴿ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية  ﴾ قال جار الله: ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة.

ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد بقوله: ﴿ وقل الحمد لله ﴾ الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟

وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد مركب وكل مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا يستحق كمال الحمد، وأيضاً الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزاً بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له ولي من الذل أي اتخذ حبيباً من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته.

وأيضاً قد يمنعه الشريك من إصابه الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجاً إليه فينعم عليه دون من استغنى عنه.

أما إذا كان منزهاً عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد ومستحقاً لأجلّ أقسام الشكر.

قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه.

ومنها تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال.

ومنها تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر.

قال: سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالساً في دار الصاحب بن عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني.

فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.

فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.

ومنها تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون العدالة وقضية الاستقامة.

ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا التعظيم، وكان النبي  إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ولم يطلبوا منه ما كان هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب المكاشفات في جنات المواصلات.

﴿ أبعث الله بشراً رسولاً ﴾ تعجبوا من كون البشر رسولاً حين ظن أن الملك أعلى حالاً من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة ﴿ مأواهم جهنم ﴾ الحرص والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها ﴿ زدناهم سعيراً ﴾ باشتعال طلب شهوة أخرى ﴿ تسع آيات بينات ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية أرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك: ﴿ وبالحق أنزلناه ﴾ لأن الأرواح المتعلقة بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن كقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ {آل عمران: 103] ﴿ وبالحق نزل ﴾ التميز بين أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه ﴿ إن الذين أوتوا العلم من ﴾ قبل نزوله في الأزل ﴿ إذا يتلى عليهم ﴾ في الأزل عند خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ يخرون للأذقان سجداً ﴾ للإجابة يقولون "بلى" ﴿ ويخرون للأذقان ﴾ في عالم الصورة يبكون.

فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد.

ثم بين أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: ﴿ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ﴾ أي كل اسم من أسمائه حسن فادعوه حسناً وهو الدعاء بالإخلاص ﴿ ولا تجهر بصلاتك ﴾ رياء وسمعة ﴿ ولا تخافت بها ﴾ أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة ﴿ وابتغ بين ذلك سبيلاً ﴾ بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ أي: إذ جاءهم الرسول بالهدى ﴿ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، لكن هذا على الإياس عن إيمانهم، إنهم لا يؤمنون إلا عند معاينتهم بأس الله، والإيمان في ذلك الوقت لا يقبل ولا ينفعهم.

وأما قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، فيخرج هذا القول منهم مخرج الاحتجاج: لو شاء الله أن نؤمن لأنزل ملائكة كقوله: ﴿ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً  ﴾ .

ففيه يوضح الشبهة لهم أن يقولوا: هو بشر [ونحن بشر] فليس هذا أولى بالرسالة إلينا من أن نكون نحن رسلاً إليه، فذلك موضع الشبهة، فأجابهم لذلك لما استنكروا واستبعدوا بعث الرسول إليهم من جوهرهم وجنسهم، فقال: ﴿ قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً ﴾ ؛ ثم اختلف فيه.

قال بعضهم: ﴿ لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ ﴾ ، أي: لو كان سكان الأرض ملائكة، فبعث إليهم رسولاً منهم أكان لهم أن يقولوا: أَبَعَثَ اللهُ مَلَكاً رَّسُولاً، أي: أبعث الله إلينا من جوهرنا؟!

أي: ليس لهم أن يقولوا ذلك؛ فعلى ذلك إذا كان سكانها البشر ليس لهم أن يقولوا: أبعث الله إلينا من جوهرنا رسولاً.

والثاني: لو كانت الأرض مكان الملائكة، وهم سكانها، لكان لكم أن تقولوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ من غير جوهرنا، فأمّا إذا كانت الأرض مكان البشر، وهم سكانها، فليس لهم أن ينكروا بعث الرسول منهم ومن جوهرهم؛ لأنهم لا يعرفون الملائكة، ولا من كان من غير جوهرهم، ويعرفون من كان من جوهرهم، فبعث الرسول من جوهرهم أولى بهم من غير جوهرهم.

أو يقول: لو كان في الأرض ملائكة وبشر، فعرفوا الملائكة، لكان لهم أن يسألوا رسولاً من الملائكة لما عرفوهم، فأمّا إذا كان سكان الأرض ليسوا إلا بشراً فليس لهم أن يقولوا ذلك؛ لأنهم لم يعرفوا قوى الملائكة، ولا قوى الجن، وقد عرفوا قوى البشر فيعرفون الآيات والحجج من التمويهات إذ عرفوا قواهم ولم يعرفوا قوى الملائكة والجنّ؛ فلا يعرفون ما أقاموا أنها آيات وحجج، أو كان ذلك بقواهم، ويعرفون ذلك من البشر إذا خرجت من احتمال وسعهم وقواهم.

وبعد فإنهم قد أقروا برسالة البشر؛ لأنهم لا يعرفون الملائكة إلا بخبر من البشر أنه ملك؛ إذ لم يكن [لهم خلطة معهم] ليعرفوهم؛ وإنما يعرفونهم بخبر من البشر: أنه ملك؛ فليس لهم أن ينكروا رسالة البشر.

وأصله ما قال: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً  ﴾ ؛ لما ذكرنا أنهم لا يعرفون الملائكة، ومَن كان من غير جوهرهم؛ فلا بدّ من أن يكون رجلاً، فكان في ذلك تلبيس عليهم على ما أخبر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: كفى بما أقام الله من الآيات والحجج على رسالتي وأني رسول إليكم؛ إذ كان ذلك [في قول كان] من أولئك الكفرة من إنكار الرسالة.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون على الإياس من إيمانهم كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا...

﴾ ، الآية [الشورى: 15].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ .

يذكر هذا - والله أعلم - بأنه - عن علم بإجابتهم وردّهم - بعثه إليهم رسولاً لا عن جهل بأحوالهم، وليس فيما يعلم أنهم يردون، ولا يجيبون رسله خروج عن الحكمة؛ لأنه ليس في إجابتهم منفعة للرسل، ولا في ردّهم ضرر له، وإنما المنفعة في الإجابة لهم، وفي الردّ الضرر عليهم؛ لذلك لم يكن في بعث الرسل على علم منه بالردّ خروجاً عن الحكمة [وفي الشاهد كان خروجاً عن الحكمة؛ لأن]؛ في الشاهد إنما يبعث الرسول لمنفعة تتأمّل وتصل إليه أو دفع ضرر عنه، فإذا علم أنه يرد رسالته، ولا يجيب، كان في بعث الرسول إليه بعد علمه بالردّ خروج من الحكمة.

أو يخرج قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ على الوعيد، وكذلك أمثاله.

وإن احتج علينا بعض المعتزلة بقوله: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ ، يقولون له: منعنا القضاء والقدر؛ إذ من قولهم: إن ما يفعل الإنسان من فعل أو معصية أو طاعة، فإنما يفعل بقضائه وتقديره؛ فيكون لهم الاحتجاج عليه بأن يقولوا: منعنا قضاؤك وتقديرك.

لكن هذا فاسد؛ لأنهم لا يفعلون هم ما يفعلون عند وقت فعلهم لأن الله -  - قضى ذلك وقدر، ولو جاز لهم [هذا] الاحتجاج لأنه كذلك قضى وقدر، فإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون ما يفعلون؛ لأنه كذلك قضى وقدر، لم يكن لهم الاحتجاج عليه بذلك؛ لأن القضاء والقدر، لم يضطرهم إلى ذلك، ولا قهرهم عليه، بل كان غيره ممكناً لهم؛ لذلك لم يكن لهم الاحتجاج [عليه بذلك؛ لأن القضاء] بهذا أعني بالقضاء والقدر، لكان لهم الاحتجاج عليه - أيضاً - بالعلم؛ إذ لا شك أنه علم ذلك منهم، فإذا لم يكن الاحتجاج عليه بما علم منهم ذلك؛ إذ لا يقدرون أن يفعلوا غير الذي علم منهم، فعلى ذلك لم يكن الاحتجاج عليه بالقضاء والقدر [لأن القضاء والقدر] لما علم أنه يختار ذلك ويؤثره على ضدّه لجاز ذلك لهم بالعلم ونحوه، دلّ أن ذلك ليس بشيء لما قضى ذلك عليهم وقدر، وإذا كانوا هم عند أنفسهم لا يفعلون وقت فعلهم؛ لما كذلك قضى عليهم؛ فلم يكن الاحتجاج لهم عليه بذلك؛ إذ القضاء والقدر لم يمنعهم عن ذلك لما لا يضطرون على ذلك، وإنما قضى ذلك لما علم أنهم يفعلون ويختارون ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وكذلك كل من قضى في الشاهد على آخر إنما يقضي؛ لما سبق منه العلم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ﴾ .

أي: من وفقه لقبول ما كان من الهدى وعصمه عما وسوس إليه الشيطان، فهو المهتدي عند الله وعند من عقل الهدى، ﴿ وَمَن يُضْلِلْ ﴾ ، أي: من خذله ولم يعصمه حتى يقبل من الشيطان ما جاء من وساوسه هو ضال.

﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ ﴾ .

يحتمل: لن تجد لهم أولياء من دونه يهدونهم لدينهم ويوفقونهم.

أو لن تجد لهم أولياء ينصرونهم من دونه، ويدفعون عنهم ما نزل بهم من العذاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ .

قال الحسن: يحاسبون حتى يعلموا سوء صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، ثم يحشرون إلى جهنم ما ذكر عمياً وبكماً وصمّاً، أو كلام نحو هذا.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ...

﴾ الآية [الزمر: 24]، إنما يتقي بوجهه؛ لما تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، وقوله: ﴿ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أسماهم: عمياً وبكماً وصمّاً لذهاب منافع هذه الحواس ولذاتها في الآخرة، ليس على حقيقة ذهابها، لكن حال بينهم وبين الانتفاع بها ما ذكر لهم: ﴿ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ...

﴾ الآية [الزمر: 16]، فتلك الظلل تحول بينهم وبين رؤية الأشياء.

وسماهم في الدنيا: عمياً وبكماً وصمّاً ليس على حقيقة ذهاب أعينها، ولكن لما لم ينتفعوا بهذه الحواس في الدنيا، ولم يستعملوها فيما أمروا باستعمالها - نفى ذلك عنهم، فعلى ذلك في الآخرة.

ويحتمل على حقيقة ذهاب أعين هذه الحواس؛ عقوبة لما لم يستعملوها في الدنيا لما له خلقت، كقوله: ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ .

أي: مقامهم جهنم، وإليها يأوون.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ [اختلف فيه: قال الحسن: قوله: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ ﴾ ، أي: كلما خبا لهبها، وسكن ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ] قال: يخمد لهبها من غير أن يذهب وجع ما أصابهم، ثم يزداد لهم سعيراً.

[و] قال بعضهم: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ ، أي: نضجت جلودهم، وسكنت النار ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ، أي: نعود بنار على ما كانت، وجعلت تلتهب، وتستعر؛ كقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: وذلك أن النار إذا أكلتهم فلم يبق منهم غير العظام وصاروا فحماً، سكنت النار؛ فهو الخبت، ثم بدلوا جلوداً غيرها، فتكون وقوداً لها، والله أعلم، وكله واحد.

وقال بعضهم: ﴿ كُلَّمَا خَبَتْ ﴾ ، أي: كلما أحرقتهم النار، فصاروا رماداً، خلقوا لها خلقاً جديداً، فتعاودهم النار فتحرقهم، وذلك قوله: ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ، وهو قول الله: ﴿ لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ  ﴾ لا تبقي منهم شيئاً إذا أخذت حتى تحرقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ جَزَآؤُهُم ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا، وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً، ثم قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ .

أي: أو لم يعتبروا، ولم ينظروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم.

هذا الاعتبار يحتمل وجهين: أحدهما: أنكم تقرّون: أن الله هو خالق السماوات والأرض، وخالقكم، فخلق السماوات والأرض على الابتداء، وخلق سائر الخلائق على الابتداء بلا احتذاء، تقدم وسبق - أعظم وأكبر من خلق من دونه، فمن قدر على إنشاء ذلك، فهو على إنشاء أمثالكم وإعادتكم أقدر، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من ابتدائه.

والثاني: تعلمون أنه خلق السماوات والأرض، وخلقكم أيضاً، فلم يخلقهما للفناء خاصة؛ إذ خلق الشيء للفناء خاصة لا لعاقبة عبث ولعب؛ فدلّ أنه خلقكم، وخلق السماوات والأرض؛ لعاقبة، وهي البعث.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه كائن لا محالة.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ جواباً لما استعجلوا من العذاب، فقال: وجعل لهم أجلاً لا يتقدم عنه ولا يتأخر.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

الموت الذي به تنقضي آجالهم، لكنه لم يخلقهم للموت خاصّة ولكن للعاقبة، وهو ما ذكرنا.

وقال القتبي: "خبت" أي: سكنت: [يقال: خبت] إذا سكن لهبها تخبو، فإذا سكن لهبها ولم يطفأ الجمر، قلت: خمدت تخمد خموداً، فإذ طفئت، ولم يبق منها شيء، قيل: همدت تهمد هموداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ .

أي: ناراً تتسعر، أي: تتلهب.

وقال أبو عوسجة: "السعير": النار، يقال: سعرت النار: إذا أوقدتها، ويقال: نار مسعورة، أي: موقدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً ﴾ .

أي: كفراً بالبعث، [و] "الظالمون" هاهنا هم الكافرون، ولو قال: فأبى الكافرون إلا ظلموا، ما كان واحداً.

وقوله عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ ﴾ .

تحتمل الآية وجوهاً: قال بعضهم: هي صلة ما تقدم من أسئلتهم، وهو قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً  أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً  أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا  ﴾ .

كانوا يسألون هذه الأشياء على التعنت والعناد والاستهزاء، فأخبر أنّه وإن أعطاهم ما سألوا لا ينفقون، بل يمسكون عن الإنفاق، ومن سنته: أنه إذا أعطاهم ما سألوا على السؤال، فتركوا الإيمان به والوفاء -: أنهم يهلكون، فأخبر أنهم يسألون سؤال تعنت، لا سؤال ما يتوسعون بها.

وفي الآية إثبات الرسالة؛ وهو ما بين من بخلهم وإمساكهم عن الإنفاق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ ﴾ في قوم خاص يعلم الله أنهم لو أعطوا ما سألوا لفعلوا ما ذكر، لا في كل منهم، وهو كقوله: ﴿ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ...

﴾ الآية [البقرة: 6]، وكقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ﴾ الآية [الأنعام: 111]، كان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون فعلى ذلك الأوّل.

ويحتمل أن تكون الآية في قوم ضمنوا آية الإنفاق والتوسيع، وعاهدوا الله على ذلك إن وسع عليهم، فأخبر أنهم لا يوفون ما عاهدوه وضمنوا؛ كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ الآية [التوبة: 75].

ويحتمل أن يكون هذا إخباراً منه عن طبع الخلق وعادتهم: وذلك أنهم إذا استكثروا من الأموال وجمعوا يزداد لهم بذلك حرص على جمعها، وبخل على التوسيع والإنفاق ما لم يكن قبل الجمع والاستكثار، هذا [هو] المعروف في الناس، فأخبر أنهم يمسكون عن الإنفاق والتوسيع إذا ملكوا ما ذكر على ما طبع الإنسان بالبخل والتضييق عند الاستكثار ما لم يكن قبل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا صفة كل كافر، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  ﴾ و ﴿ مَنُوعاً  ﴾ يكون عادتهم البخل والجزع عند المصائب.

وجائز أن يكون هذا صفة كل إنسان في الابتداء هكذا يكون، ثم بالامتحان والتجربة، يكونون أسخياء صابرين.

أو يكون يخبر أنهم لو ملكوا وأعطوا جميع ما يرزقون في عمرهم على التفاريق بدفعة واحدة مجموعاً، لأمسكوا عن الإنفاق؛ خشية الفقر في آخر عمرهم؛ إذ لا يعلمون إلى ما ينتهون من آجالهم؛ فيحملهم ذلك على البخل والإمساك.

أو يذكر لما أنه جبلهم، وأنشأهم على الإمساك والمنع في الابتداء، وإن لم تكن حاجة لهم إلى ذلك: ترى الصبيان والصغار من الأولاد يمنعون ما في أيديهم عن غيرهم وإن لم يكن لهم حاجة إلى ذلك، هذا معروف فيهم، وإنما جبلهم وأنشأهم هكذا؛ ليمتحنهم بالجود والتوسيع، والبخل والتضييق، وإلا كانوا في أصل خلقتهم وابتداء إنشائها على ما ذكر أشحة بخلاء وهو [ما أخبر] ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  ﴾ و ﴿ جَزُوعاً  ﴾ ، و ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً  ﴾ أنشأهم جزوعين عن الألم والمصائب غير صابرين عليها، وكذلك أنشأهم عجولين لا يصبرون على أمر واحد، ولا حال واحد.

ثم امتحنهم على الصبر، وترك الجزع والعجلة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً ﴾ أي: طمعاً بخيلاً ممسكاً مضيقاً، والله أعلم.

ثم ترك ذلك بالامتحان واعتياد ذلك، وخلافه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لو كنتم تملكون خزائن رحمة ربي التي لا تنفد ولا تنقضي، إذن لامتنعتم من إنفاقها خوفًا من نفادها حتى لا تصبحوا فقراء، ومن طبع الإنسان أنه بخيل إلا إن كان مؤمنًا، فهو ينفق رجاء ثواب الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.KkEoL"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل