الآية ١١ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١١ من سورة الإسراء

وَيَدْعُ ٱلْإِنسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلْخَيْرِ ۖ وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ عَجُولًۭا ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن عجلة الإنسان ، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله ) بالشر ) أي : بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك ، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه ، كما قال تعالى : ( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ) [ يونس : 11 ] ، وكذا فسره ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وقد تقدم في الحديث : " لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم ، أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها " .

وإنما يحمل ابن آدم على ذلك عجلته وقلقه ؛ ولهذا قال تعالى ( وكان الإنسان عجولا ) وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس - رضي الله عنهما - هاهنا قصة آدم ، عليه السلام ، حين هم بالنهوض قائما قبل أن تصل الروح إلى رجليه ، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه ، فلما وصلت إلى دماغه عطس ، فقال : الحمد لله .

فقال الله : يرحمك ربك يا آدم .

فلما وصلت إلى عينيه فتحهما ، فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه ، فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع وقال : يا رب عجل قبل الليل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره مذكرا عباده أياديه عندهم، ويدعو الإنسان على نفسه وولده وماله بالشرّ، فيقول: اللهمّ أهلكه والعنه عند ضجره وغضبه، كدعائه بالخير: يقول: كدعائه ربه بأن يهب له العافية، ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده، يقول: فلو استجيب له في دعائه على نفسه وماله وولده بالشرّ كما يستجاب له في الخير هلك، ولكن الله بفضله لا يستجيب له في ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ، قوله ( وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) يعني قول الإنسان: اللهمَّ العنه واغضب عليه، فلو يُعَجل له ذلك كما يُعجل له الخير، لهلك، قال: ويقال: هو وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا أن يكشف ما به من ضرّ، يقول تبارك وتعالى: لو أنه ذكرني وأطاعني، واتبع أمري عند الخير، كما يدعوني عند البلاء، كان خيرا له.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) يدعو على ماله، فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ) قال: يدعو على نفسه بما لو استجيب له هلك، وعلى خادمه، أو على ماله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) قال: ذلك دعاء الإنسان بالشرّ على ولده وعلى امرأته، فيعجل: فيدعو عليه، ولا يحب أن يصيبه.

واختلف في تأويل قوله ( وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) فقال مجاهد ومن ذكرت قوله: معناه: وكان الإنسان عَجولا بالدعاء على ما يكره، أن يُستجاب له فيه.

وقال آخرون: عنى بذلك آدم أنه عجل حين نفخ فيه الروح قبل أن تجري في جميع جسده ، فرام النهوض، فوصف ولده بالاستعجال، لما كان من استعجال أبيهم آدم القيام، قبل أن يتمّ خلقه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شُعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، أن سلمان الفارسيّ، قال: أوّل ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يُخلق، قال: وبقيت رجلاه؛ فلما كان بعد العصر قال: يا ربّ عَجِّل قبل الليل، فذلك قوله ( وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ).

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما نفخ الله في آدم من روحه أتت النفخة من قبَل رأسه، فجعل لا يجرى شيء منها في جسده، إلا صار لحما ودما؛ فلما انتهت النفخة إلى سرّته، نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من جسده فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تبارك وتعالى ( وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا ) قال: ضَجِرا لا صبر له على سرّاء، ولا ضرّاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا قوله تعالى : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير قال ابن عباس وغيره : هو دعاء الرجل على نفسه وولده عند الضجر بما لا يحب أن يستجاب له : اللهم أهلكه ، ونحوه .دعاءه بالخير أي كدعائه ربه أن يهب له العافية ; فلو استجاب الله دعاءه على نفسه بالشر هلك لكن بفضله لا يستجيب له في ذلك .

نظيره : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير وقد تقدم .

وقيل : نزلت في النضر بن الحارث ، كان يدعو ويقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم .

وقيل : هو أن يدعو في طلب المحظور كما يدعو في طلب المباح ، قال الشاعر وهو ابن جامع :أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزري المسبل وأسجد بالليل حتى الصباحوأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسفيسخر لي ربة المحملقال الجوهري : يقال ما على فلان محمل مثال مجلس أي معتمد .

والمحمل أيضا : واحد محامل الحاج .

والمحمل مثال المرجل : علاقة السيف .

وحذفت الواو من ويدع الإنسان [ ص: 204 ] في اللفظ والخط ولم تحذف في المعنى لأن موضعها رفع فحذفت لاستقبالها اللام الساكنة ; كقوله - تعالى - : سندع الزبانية ويمح الله الباطل وسوف يؤت الله المؤمنين يناد المناد فما تغن النذر .وكان الإنسان عجولا أي طبعه العجلة ، فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير .

وقيل : أشار به إلى آدم - عليه السلام - حين نهض قبل أن تركب فيه الروح على الكمال .

قال سلمان : أول ما خلق الله - تعالى - من آدم رأسه فجعل ينظر وهو يخلق جسده ، فلما كان عند العصر بقيت رجلاه لم ينفخ فيهما الروح فقال : يا رب عجل قبل الليل ; فذلك قوله : وكان الإنسان عجولا .

وقال ابن عباس : لما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فذهب لينهض فلم يقدر ; فذلك قوله : وكان الإنسان عجولا .

وقال ابن مسعود : لما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ; فذلك حين يقول : خلق الإنسان من عجل ذكره البيهقي .

وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لما صور الله - تعالى - آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك وقد تقدم .

وقيل : سلم - عليه السلام - أسيرا إلى سودة فبات يئن فسألته فقال : أنيني لشدة القد والأسر ; فأرخت من كتافه فلما نامت هرب ; فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : قطع الله يديك فلما أصبحت كانت تتوقع الآفة ; فقال - عليه السلام - : إني سألت الله - تعالى - أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر ونزلت الآية ; ذكره القشيري أبو نصر - رحمه الله - .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفينه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته [ ص: 205 ] فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة .

وفي الباب عن عائشة وجابر .

وقيل : معنى وكان الإنسان عجولا أي يؤثر العاجل وإن قل ، على الآجل وإن جل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا من جهل الإنسان وعجلته حيث يدعو على نفسه وأولاده وماله بالشر عند الغضب ويبادر بذلك الدعاء كما يبادر بالدعاء في الخير، ولكن الله -بلطفه - يستجيب له في الخير ولا يستجيب له بالشر.

{ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله تعالى : ( ويدع الإنسان ( حذف الواو لفظا لاستقبال اللام الساكنة كقوله : " سندع الزبانية " ( العلق - 18 ) وحذف في الخط أيضا وهي غير محذوفة في المعنى .

ومعناه : ويدعو الإنسان على ماله وولده ونفسه ، ( بالشر ( فيقول عند الغضب : اللهم العنه وأهلكه ونحوهما ، ( دعاءه بالخير ( أي : كدعائه ربه [ بالخير ] أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك ولكن الله لا يستجيب بفضله ( وكان الإنسان عجولا ( بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه .

قال جماعة من أهل التفسير وقال ابن عباس : ضجرا لا صبر له على السراء والضراء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويَدْعُ الإنسان بالشر» على نفسه وأهله إذا ضجر «دعاءه» أي كدعائه له «بالخير وكان الإنسان» الجنس «عجولا» بالدعاء على نفسه وعدم النظر في عاقبته.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويدعو الإنسان أحيانًا على نفسه أو ولده أو ماله بالشر، وذلك عند الغضب، مثل ما يدعو بالخير، وهذا من جهل الإنسان وعجلته، ومن رحمة الله به أنه يستجيب له في دعائه بالخير دون الشر؛ لأنه يعلم منه عدم القصد إلى إرادة ذلك، وكان الإنسان بطبعه عجولا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد بالإِنسان هنا : الجنس وليس واحدا معينا .قال الآلوسى : وقوله : ( دعاءه بالخير ) أى : دعاء كدعائه بالخير ، فحذف الموصوف وحرف التشبيه وانتصب المجرور على المصدرية .والمعنى : ويدعو الإِنسان حال غضبه وضجره ، على نفسه ، أو على غيره ، ( بالشر ) كأن يقول : " اللهم أهلكنى ، أو أهلك فلانا .

.

" .( دعاءه بالخير ) أى : يدعو بالشر على نفسه أو على غيره ، كدعائه بالخير ، كأن يقول : اللهم اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين .قال ابن كثير : يخبر - تعالى - عن عجلة الإِنسان ، ودعائه فى بعض الأحيان على نفسه أو ولده ، أو ماله ، ( بالشر ) أى : بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك ، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه ، كما قال - تعالى - : .( وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ .

.

) وفى الحديث : " لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم ، أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها " .وقيل المراد بالإِنسان هنا : الكافر ، أو الفاسق الذى يدعو الله - تعالى - بالشر ، كأن يسأله بأن ييسر له أمرا محرما كالقتل والسرقة والزنا وما يشبه ذلك .وقد أشار القرطبى إلى هذا الوجه بقوله : " وقيل نزلت فى النضر بن الحارث ، كان يدعو ويقول - كما حكى القرآن عنه - : ( اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) وقيل : هو أن يدعو فى طلب المحظور ، كما يدعو فى طلب المباح .

كما فى قول الشاعر :أطوف بالبيت فيمن يطوف ...

وأرفع من مئزرى المُسْبَلِواسجل بالليل حتى الصباح ...

وأتلوا من المحكمِ المنزلِعسى فارج الهم عن يوسفٍ ...

يُسخر لى ربة المَحْمَلِويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه المأثور عن بعض الصحابة والتابعين وهم أدرى بتفسير كتاب الله من غيرهم .قال ابن جرير - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية : عن ابن عباس قال فى قوله - تعالى - : ( وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير .

.

) يعنى قول الإِنسان اللهم العنه واغضب عليه ، فلو يعجل له الله ذلك كما يعجل له الخير لهلك .

.

.وقال قتادة : يدعو على ماله فيلعن ماله ، ويدعو على ولده ، ولو استجاب الله له لأهلكه .وقال مجاهد : ذلك دعاء الإِنسان بالشر على ولده وعلى امرأته ولا يحب أن يجاب .وقوله - تعالى - : ( وَكَانَ الإنسان عَجُولاً ) بيان للسبب الذى حمل الإِنسان على أن يدعو بالشر كما يدعو بالخير .والعجول من العجل - بفتح العين والجيم - وهو الإِسراع فى طلب الشئ قبل وقته .يقال : عجل - بزنة تعب - يعجل فهو عجلان ، إذا أسرع .أى : وكان الإِنسان متسرعا فى طلب كل ما يقع فى قلبه ، ويخطر بباله ، لا يتأنى فيه تأنى المتبصر ، ولا يتأمل تأمل المتدبر .وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى - : ( خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ ) ثم

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مباحث: البحث الأول: اعلم أن وجه النظم هو أن الإنسان بعد أن أنزل الله عليه القرآن وخصه بهذه النعمة العظيمة والكرامة الكاملة، قد يعدل عن التمسك بشرائعه والرجوع إلى بياناته، ويقدم على ما لا فائدة فيه فقال: ﴿ وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَاءهُ بالخير ﴾ .

البحث الثاني: اختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشر على أقوال: القول الأول: المراد منه: النضر بن الحرث حيث قال: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ  ﴾ فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته، فكان بعضهم يقول: ﴿ ائتنا بعذاب الله  ﴾ .

وآخرون يقولون: ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين  ﴾ .

وإنما فعلوا ذلك للجهل واعتقاد أن محمداً كاذب فيما يقول.

والقول الثاني: المراد أنه في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: ما لك تئن؟

فشكى ألم القيد فأرخت له من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح النبي عليه الصلاة والسلام دعا به فأعلم بشأنه، فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهم اقطع يدها» فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله يدها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني سألت الله أن يجعل دعائي على من لا يستحق عذاباً من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما تغضبون، فلترد سودة يدها».

والقول الثالث: أقول: يحتمل أن يكون المراد: أن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلباً لشيء يعتقد أن خيره فيه، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه عجولاً مغتراً بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها.

البحث الرابع: القياس: إثبات الواو في قوله: ﴿ وَيَدْعُ ﴾ إلا أنه حذف في المصحف من الكتابة، لأنه لا يظهر في اللفظ، أما لم تحذف في المعنى لأنها في موضع الرفع، ونظيره: ﴿ سَنَدْعُ الزبانية  ﴾ ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين  ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِ المناد  ﴾ ﴿ فَمَا تُغْنِ النذر  ﴾ ولو كان بالواو والياء لكان صواباً هذا كلام الفراء.

وأقول: إن هذا يدل على أنه سبحانه قد عصم هذا القرآن المجيد عن التحريف والتغيير فإن إثبات الياء والواو في أكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتهما في هذه المواضع المعدودة يدل على أن هذا القرآن نقل كما سمع، وأن أحداً لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوة عقله.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الإنسان عَجُولاً ﴾ وفي هذا الإنسان قولان: القول الأول: آدم عليه السلام، وذلك لأنه لما انتهت الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قوله: ﴿ وَكَانَ الإنسان عَجُولاً ﴾ .

والقول الثاني: أنه محمول على الجنس، لأن أحداً من الناس لا يعرى عن عجلة، ولو تركها لكان تركها أصلح له في الدين والدنيا، وأقول: بتقدير أن يكون المراد هو القول الأول، كان المقصود عائداً إلى القول الثاني، لأنا إذا حملنا الإنسان على آدم عليه الصلاة والسلام كان المعنى أن آدم الذي كان أصل البشر لما كان موصوفاً بهذه العجلة وجب أن تكون هذه صفة لازمة للكل، فكان المقصود عائداً إلى القول الثاني، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي: ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله، كما يدعوه لهم بالخير، كقوله: ﴿ وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير ﴾ [يونس: 11] .

﴿ وَكَانَ الإنسان عَجُولاً ﴾ يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأني المتبصر.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فأقبل يئن بالليل، فقالت له: مالك تئن؟

فشكا ألم القدّ، فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم دعا به فأعلم بشأنه، فقال صلى الله عليه وسلم «اللهم اقطع يديها» فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة، وأن يقطع الله يديها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلتردّ سودة يديها» ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وأنه يدعو بالعذاب استهزاء ويستعجل به، كما يدعو بالخير إذا مسته الشدّة.

﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ : يعني أن العذاب آتيه لا محالة، فما هذا الاستعجال، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو النضر بن الحرث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية، فأجيب له، فضربت عنقه صبراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ ﴾ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ غَضَبِهِ بِالشَّرِّ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ، أوْ يَدْعُوهُ بِما يَحْسَبُهُ خَيْرًا وهو شَرٌّ.

﴿ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ ﴾ مِثْلَ دُعائِهِ بِالخَيْرِ.

﴿ وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ يُسارِعُ إلى كُلِّ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ لا يَنْظُرُ عاقِبَتَهُ.

وقِيلَ المُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ لَمّا انْتَهى الرُّوحُ إلى سُرَّتِهِ ذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَسَقَطَ.

رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَفَعَ أسِيرًا إلى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَرَحِمَتْهُ لِأنِينِهِ فَأرْخَتْ كَتافَهَ، فَهَرَبَ فَدَعا عَلَيْها بِقَطْعِ اليَدِ ثُمَّ نَدِمَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ فَمَن دَعَوْتُ عَلَيْهِ فاجْعَلْ دُعائِي رَحْمَةً لَهُ فَنَزَلَتْ.» وَيَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالإنْسانِ الكافِرَ وبِالدُّعاءِ اسْتِعْجالَهُ بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً كَقَوْلِ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ: اللَّهُمَّ انْصُرْ خَيْرَ الحِزْبَيْنِ، ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ ﴾ الآيَةَ.

فَأُجِيبَ لَهُ فَضُرِبَ عُنُقُهُ صَبْرًا يَوْمَ بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَدْعُ الإنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَآءَهُ بِالْخَيْرِ} أي ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله وولده كما يدعو لهم بالخير أو يطلب النفع العاجل وإن قل بالضرر الآجل وإن جل {وَكَانَ الإنسَانُ عَجُولاً} يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله لا يأتى فيه تأني المتبصر أو أريد بالإنسان الكافر وأنه يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة وكان الإنسان عجولاً يعني أن العذاب آتيه لا محالة فما هذا الاستعجال وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو النصر بن الحرث قال اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ الآية فأجيب فضربت عنقه صبراً وسقوط الواو من يدع في الخط على موافقة اللفظ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ ﴾ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بَيانٌ لِحالِ المَهْدِيِّ إثْرَ بَيانِ حالِ الهادِي، وإظْهارٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، أُسْنِدَ إلَيْهِ حالُ بَعْضِ أفْرادِهِ وهو الكافِرُ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ حَكى عَنْهُ حالَهُ في بَعْضِ أحْيانِهِ كَما يَقْتَضِيهِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى الخَيْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فَوْقَهُ مِنَ الأجْرِ الكَبِيرِ ويُحَذِّرُهُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي لا شَرَّ وراءَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، وهو أيْ بَعْضُ أفْرادِهِ أعْنِي الكافِرَ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِما هو الشَّرُّ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ إمّا بِلِسانِهِ حَقِيقَةً كَدَأْبِ مَن قالَ مِنهُمْ: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ومَن قالَ: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حُكِيَ عَنْهُمْ، وإمّا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ المُوجِبَةِ لَهُ مَجازًا كَما هو دَيْدَنُ كُلِّهِمْ، وبَعْضُهم جَعَلَ الدُّعاءَ بِاللِّسانِ مَجازًا أيْضًا عَنِ الِاسْتِعْجالِ اسْتِهْزاءً.

﴿ دُعاءَهُ ﴾ أيْ دُعاءً كَدُعائِهِ فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وحَرْفُ التَّشْبِيهِ وانْتَصَبَ المَجْرُورُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: مِثْلَ دُعائِهِ ﴿ بِالخَيْرِ ﴾ المَذْكُورِ فَرْضًا لا تَحْقِيقًا؛ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدُّعاءِ بِهِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ اللّائِقُ بِحالِهِ.

﴿ وكانَ الإنْسانُ ﴾ أيْ: مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ الدُّعاءُ المَذْكُورُ مِن أفْرادِهِ ﴿ عَجُولا ﴾ يُسارِعُ إلى طَلَبِ كُلِّ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ مُتَعامِيًا عَنْ ضَرَرِهِ أوْ مُبالِغًا في العَجَلَةِ يَسْتَعْجِلُ الشَّرَّ والعَذابَ، وهو آتِيهِ لا مَحالَةَ، فَفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى أعْمالِهِمْ تُجْعَلُ العُجُولِيَّةُ عَلى اللَّجِّ والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ، والمَعْنى عَلى الثّانِي أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو الإنْسانَ إلى ما هو خَيْرٌ وهو في بَعْضِ أحْيانِهِ كَما عِنْدَ الغَضَبِ يَدَعُهُ ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى لِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِما هو شَرٌّ، وكانَ الإنْسانُ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ عَجُولًا ضَجِرًا لا يَتَأنّى إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ.

أخْرَجَ الواقِدِيُّ في المَغازِي «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «أنَّ النَّبِيَّ  دَخَلَ عَلَيْها بِأسِيرٍ وقالَ لَها: احْتَفِظِي بِهِ قالَتْ: فَلَهَوْتُ مَعَ امْرَأةٍ فَخَرَجَ ولَمْ أشْعُرْ فَدَخَلَ النَّبِيُّ  فَسَألَ عَنْهُ فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أدْرِي وغَفَلْتُ عَنْهُ فَخَرَجَ فَقالَ: قَطَعَ اللَّهُ يَدَكَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَصاحَ بِهِ فَخَرَجُوا في طَلَبِهِ حَتّى وجَدُوهُ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَآنِي وأنا أُقَلِّبُ يَدِي فَقالَ: ما لَكِ؟

قُلْتُ: أنْتَظِرُ دَعْوَتَكَ.

فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ آسَفُ وأغْضَبُ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، فَأيُّما مُؤْمِنٍ أوْ مُؤْمِنَةٍ دَعَوْتُكَ عَلَيْهِ بِدَعْوَةٍ فاجْعَلْها لَهُ زَكاةً وطُهْرًا»».

أوْ يَدْعُو بِما هو شَرٌّ ويَحْسَبُهُ خَيْرًا، وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا، غَيْرَ مُسْتَبْصِرٍ لا يَتَدَبَّرُ في أُمُورِهِ حَقَّ التَّدَبُّرِ، لِيَتَحَقَّقَ ما هو خَيْرٌ حَقِيقٌ بِالدُّعاءِ بِهِ وهو شَرٌّ جَدِيرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ اه.

مَعَ بَعْضِ زِيادَةٍ وتَغْيِيرٍ.

واخْتارَ إرادَةَ الكافِرِ مِنَ الإنْسانِ الأوَّلِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذَكَرَ في وجْهِ رَبْطِ الآياتِ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما خَصَّ بِهِ نَبِيَّهُ  مِنَ الإسْراءِ وإيتاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّوْراةَ وما فَعَلَهُ بِالعُصاةِ المُتَمَرِّدِينَ مِن تَسْلِيطِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى تُوجِبُ كُلَّ خَيْرٍ وكَرامَةً ومَعْصِيَتَهُ سُبْحانَهُ تُوجِبُ كُلَّ بَلِيَّةٍ وغَرامَةٍ، لا جَرَمَ قالَ: ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي ﴾ إلَخْ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي: يدعو ويدل ويرشد إلى التي هي أَقْوَمُ وهو توحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان برسول الله والعمل بطاعة الله.

هذه صفة الحال التي هي أقوم، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ يعني: القرآن بشارة للمؤمنين الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً في الجنة وَأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: لا يصدقون بالبعث أَعْتَدْنا لَهُمْ أي: هيأنا لهم عَذاباً أَلِيماً أي: وجيعاً.

قرأ حمزة والكسائي: ويبشر المؤمنين بنصب الياء وجزم الباء والتخفيف.

وقرأ الباقون: وَيُبَشِّرُ برفع الياء والتشديد.

قوله: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ وأصله في اللغة: ويدعو بالواو، إلا أن الواو والألف حذفت في الكتابة، لأن الضمة تقوم مقامها مثل قوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: 18] وأصله سندعو أي: يدعو الإنسان باللعن على نفسه وأهله وولده وماله وخدمه، دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ أي: دعاءه بالرزق والعافية والرحمة وما يستجاب له.

فلو استجيب له إذا دعاه باللعن كما يجاب له بالخير لهلك.

ويقال: نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال: 32] وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يعني: إن آدم عجل بالقيام قبل أن تتمّ فيه الروح، وكذلك النضر بن الحارث استعجل بالدعاء على نفسه، وهو يستعجل العذاب.

ويروي الحكم، عن إبراهيم، عن سلمان أنه قال: «لما خلق الله تعالى آدم، بدأ بأعلاه قبل أسفله، فجعل آدم ينظر وهو يخلق، فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجّل قبل الليل» .

فذلك قوله: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا قال ابن عباس: «لما جعل فيه الروح فإذا جاوز عن نصفه، أراد أن يقوم فسقط فلذلك قيل له: لا تعجل» ، فذلك قوله: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا.

قوله عز وجل: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ أي: خلقنا الشمس والقمر علامتين يدلان على أن خالقهما واحد فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي: ضوء القمر، وهو السواد الذي في جوف القمر.

وقال محمد بن كعب القرظي: «كانت شمس بالليل، وشمس بالنهار، فمحيت شمس الليل» .

وقال ابن عباس: «كان في الزمان الأول لا يعرف الليل من النهار.

فبعث الله جبريل، فمسح جناحه بالقمر، فذهب ضوؤه، وبقي علامة جناحه وهو السواد الذي في القمر» ، فذلك قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أي: وتركنا علامة النهار مضيئة مبينة لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي: لتطلبوا رزقاً من ربِّكم في النهار وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أي: حساب الشهور والأيام وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا أي: بينّاه في القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فطرية، والْإِنْسانُ هنا: يراد به/ الجنْس قاله مجاهد وغيره «١» .

وقال ابن عباس وسليمان: الإِشارة إِلى آدم لما نفخ الرَّوح في رأسه، عَطَس وأبصر، فلما مشى الرُّوح في بدنه قبل ساقيه، أعجبته نفسه، فذهب ليمشي مستعجلاً لذلك «٢» ، فلم يقدر، والمعنى على هذا فأنتم ذَوُوا عجَلةٍ موروثةٍ من أبيكم، وقالت فرقة: معنى الآية:

معاتبة الناس في دعائهم بالشرِّ مكانَ ما يجبُ أنْ يدعوه بالخير.

ت: قول هذه الفرقة نقله ع «٣» غير ملخَّص، فأنا لخَّصته.

وقوله سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ...

الآية هنا العلامةُ المنْصُوبة للنَّظَر والعبرة.

وقوله سبحانه: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ قالتْ فيه فرقة: سببُ تعقيب الفاء أن اللَّه تعالى خَلَق الشمْسَ والقَمَر مضيئَيْنِ، فمحا بعد ذلك القَمَرَ، محاه جبريلُ بجناحه ثلاثَ مرَّات، فمِنْ هنالك كَلَفُهُ، وقالت فرقة: إِن قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ إِنما يريدُ في أصْلِ خلقته، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، أي: يُبْصَرُ بها ومعها، ليبتغي الناس الرزَقَ وَفَضْلَ اللَّهِ، وجعَلَ سبحانه القمَرَ مخالفاً لحالِ الشمْسِ ليعلم به العدَدُ من السنينَ والحسابُ للأشهرِ والأيامِ، ومعرفةُ ذلك في الشرْعِ إِنما هو من جهة القمرِ، لا من جهة الشمس، وحكى عياضٌ في «المدارك» في ترجمة الغازي بن قَيْس قال: روي عن الغازي بن قَيْس أنه كان يقول: ما مِنْ يومٍ يأتي إِلاَّ ويقولُ: أَنَا خَلْقٌ جَدِيد، وعَلَى مَا يُفْعَلُ فيَّ شَهِيد، فَخُذُوا مِنِّي قَبْلَ أنْ أَبِيد، فإِذا أمْسى ذلك اليومُ، خَرَّ للَّهِ ساجِداً، وقال: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلنِي الَيْوَم العَقيم.

انتهى.

«والتفصيل» البيان.

وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)

وقوله سبحانه: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ قال ابن عباس: طائِرَهُ ما قدّر له

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ يَدْعُو في حالِ الضَّجَرِ والغَضَبِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ بِما لا يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ كَما يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِالخَيْرِ.

﴿ وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ يُعَجِّلُ بِالدُّعاءِ بِالشَّرِّ عِنْدَ الغَضَبِ والضَّجَرِ عَجَلَتُهُ بِالدُّعاءِ بِالخَيْرِ.

وَفِي المُرادِ بِالإنْسانِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ النّاسُ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.

والثّانِي: آَدَمُ، فاكْتَفى بِذِكْرِهِ مِن ذِكْرِ ولَدِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ  ﴾ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن آَدَمَ رَأْسَهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى جَسَدِهِ كَيْفَ يُخْلَقُ، قالَ فَبَقِيَتْ رِجْلاهُ، فَقالَ: يا رَبِّ عَجِّلْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِبَقِيَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ عَسى رَبُّكُمْ ﴾ إنْ أطَعْتُمْ في أنْفُسِكم واسْتَقَمْتُمْ ﴿ أنْ يَرْحَمَكُمْ ﴾ و"عَسى" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وهَذِهِ العِدَةُ لَيْسَتْ بِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي بِأنْ يَرْحَمَ المُطِيعَ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ الطاعَةِ اتِّباعُهم لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِمُحَمَّدٍ  ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وعادُوا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَعادَ عِقابُ اللهِ تَعالى، فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذُلَّ وقَتَلَهُمْ، وأذَلَّهم بِيَدِ كُلِّ أُمَّةٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةَ مُلُوكٍ.

و"الحَصِيرُ" فَعِيلٌ مِنَ الحَصْرِ، فَهي بِمَعْنى السَجْنِ، أيْ: تَحْصُرُهُمْ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، ويُقالُ: الحَصِيرُ أيْضًا مِنَ الحَصْرِ لِلْمَلِكِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ومَقامَةِ غُلْبِ الرِقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ وَيُقالُ لِجَنْبَيِ الإنْسانِ: حَصِيرانِ لَأنَّهُما يَحْصُرانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرْماحِ: قَلِيلًا تَتَلّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ الحَصِيرَيْنِ بادِنِ وقالَ الحَسَنُ: "الحَصِيرُ" في الآيَةِ أرادَ بِهِ ما يُفْتَرَشُ ويَبْسُطُ كالحَصِيرِ المَعْرُوفِ عندَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ الحَصِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي ﴾ الآيَةُ.

"يَهْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: يُرْشِدُ، ويَتَوَجَّهُ فِيها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: يَدْعُو، و"الَّتِي" يُرِيدُ بِها الحالَةَ والطَرِيقَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لِلَّتِي هي أقْوَمُ ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أعَمُّ، وكَلِمَةُ الإخْلاصِ وغَيْرَها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ داخِلَةٌ في الحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ حالٍ تُجْعَلُ بِإزائِها، والِاخْتِصارُ عَلى "أقْوَمُ" ولَمْ يَذْكُرْ: "مِن كَذا" إيجازٌ، والمَعْنى مَفْهُومٌ، أيْ: لِلَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ ما غايَرَها، فَهي النِهايَةُ في القِوامِ، وقَيَّدَ المُؤْمِنِينَ بِعَمَلِ الصالِحاتِ إذْ هو كَمالُ الإيمانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ، والمُؤْمِنُ المُفْرِدُ في العَمَلِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصالِحاتِ، و"الأجْرُ الكَبِيرُ": الجَنَّةُ، وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: "فَضْلٌ كَبِيرٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ" فَهو الجَنَّةُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُبَشِّرُ"، و"إنَّ" الثانِيَةَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وهي داخِلَةٌ في جُمْلَةِ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ.

بَشَّرَهُمُ القُرْآنُ بِالجَنَّةِ، وأنَّ الكَفّارَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا مَسَرَّةٌ لَهُمْ، وفي هَذِهِ البِشارَةِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ بِالمَعْنى، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُبَشِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطُلْحَةُ: "وَيُبَشِّرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.

و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أحْضَرْنا وأعْدَدْنا، ومِنهُ العَتادُ.

و"الألِيمُ": المُوجِعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ ﴾ .

سَقَطَتِ الواوُ مَن "يَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ لَأنَّهم كَتَبُوا المَسْمُوعَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ الناسُ مِنَ الدُعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ في وقْتِ الغَضَبِ والضَجَرِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهم يَدْعُونَ بِالشَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما يَدْعُونَ بِالخَيْرِ في وقْتِ التَثَبُّتِ، فَلَوْ أجابَ اللهُ دُعاءَهم أهْلَكَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى يَصْفَحُ ولا يُجِيبُ دُعاءَ الضَجِرِ المُسْتَعْجِلِ.

ثُمَّ عَذَرَ بَعْضَ العُذْرِ في أنَّ الإنْسانَ لَهُ عَجَلَةٌ فِطْرِيَّةٌ، و"الإنْسانُ" هُنا، قِيلَ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِحَسْبِ ما في الخْلْقِ مِن ذَلِكَ.

قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: إشارَتُهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في أنَّهُ لَمّا نَفَخَ الرُوحَ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقَيْهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا لِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأشارَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ.

والمَعْنى: فَأنْتُمْ ذَوُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمْ، ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ  جَعَلَ أسِيرًا في قَيْدٍ في بَيْتِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَسَمِعَتْ سَوْدَةُ أنِينَهُ فَأشْفَقَتْ، فَقالَتْ لَهُ: ما بالُكَ؟

فَقالَ: ألَمُ القَيْدِ، فَقامَتْ فَأرْخَتْ مِن رَبْطِهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ نامَتْ، فَتَحَيَّلَ في الِانْحِلالِ وفَّرَ، فَطَلَبَهُ النَبِيُّ  عِنْدَ الصُبْحِ فَأُخْبِرَ الخَبَرَ، فَقالَ: "قَطَعَ اللهُ يَدَيْها"، فَفَزِعَتْ سَوْدَةُ ورَفَعَتْ يَدَيْها نَحْوَ السَماءِ وهي تَخافُ الإجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : "إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ دُعائِي في مِثْلِ هَذا رَحْمَةً عَلى المَدْعُوِّ لَهُ؛ لَأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ وأعَجَلُ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَيْها".» وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ قُرَيْشٍ، قالُوا: ﴿ اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ  ﴾ الآيَةُ، وكانَ الأُولى أنْ يَقُولُوا: "فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا بِهِ"، فَذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مُعاتَبَةُ الناسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوا ولَجُّوا في الدُعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوَهُ في حالَةِ الخَيْرِ ويَلْزَمَهُ الكُلُّ، مِن ذِكْرِ اللهِ تَعالى وحَمْدِهِ والرَغْبَةِ إلَيْهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ يُقَصِّرُ حِينَئِذٍ، فَإذا مَسَّهُ الضُرُّ ألَحَّ واسْتَعْجَلَ الفَرَجَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية هنا غامض، وانتزاع المعنى من نظمها وألفاظها أيضاً، ولم يأت فيها المفسرون بما ينثلج له الصدر.

والذي يظهر لي أن الآية التي قبلها لما اشتملت على بشارة وإنذار وكان المنذرون إذا سمعوا الوعيد والإنذار يستهزئون به ويقولون: ﴿ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ﴾ [يس: 48] عُطف هذا الكلام على ما سبق تنبيهاً على أن لذلك الوعد أجلاً مسمى.

فالمراد بالإنسان الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة كما هو في قوله تعالى: ﴿ ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً ﴾ و ﴿ أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً ﴾ [مريم: 66 67] وإطلاق الإنسان على الكافر كثير في القرآن.

وفعل يدعو} مستعمل في معنى يطلب ويبتغي، كقول لبيد: ادْعُو بهن لعَاقر أو مُطْفِل *** بُذِلَت لجيران الجميع لِحَامُها وقوله: ﴿ دعاءه بالخير ﴾ مصدر يفيد تشبيهاً، أي يستعجل الشر كاستعجاله الخير، يعني يستبطئ حلول الوعيد كما يستبطئ أحد تأخر خير وعد به.

وقوله: ﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ تذييل، فالإنسان هنا مراد به الجنس لأنه المناسب للتذييل، أي وما هؤلاء الكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة إلا من نوع الإنسان، وفي نوع الإنسان الاستعجال فإن (كان) تدل على أن اسمها متصف بخبرها اتصافاً متمكناً كقوله تعالى: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ [الكهف: 54].

والمقصود من قوله: وكان الإنسان عجولاً } الكناية عن عدم تبصره وأن الله أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت الأشياء ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ﴾ [يونس: 11]، ولكنه دَرّج لهم وصول الخير والشر لطفاً بهم في الحالين.

والباء في قوله: بالشر وبالخير لتأكيد لصوق العامل بمعموله كالتي في قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6]؛ أو لتضمين مادة الدعاء معنى الاستعجال، فيكون كقوله تعالى: ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ [الشورى: 18].

وعجول: صيغة مبالغة في عاجل.

يقال: عجل فهو عاجل وعجول.

وكتب في المصحف ويدع } بدون واو بعد العين إجراء لرسم الكلمة على حالة النطق بها في الوصل كما كتب ﴿ سَنْدُع الزبانية ﴾ [العلق: 18] ونظائرها.

قال الفراء: لو كتبت بالواو لكان صواباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أحَدُها: أنْ يَطْلُبَ النَّفْعَ في العاجِلِ بِالضُّرِّ العائِدِ عَلَيْهِ في الآجِلِ.

الثّانِي: أنْ يَدْعُوَ أحَدُهم عَلى نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ بِالهَلاكِ، ولَوِ اسْتَجابَ دُعاءَهُ بِهَذا الشَّرِّ كَما اسْتَجابَ لَهُ بِالخَيْرِ لَهَلَكَ.

﴿ وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عَجُولًا في الدُّعاءِ عَلى نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وما يَخُصُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهُ عَنى آدَمَ حِينَ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، حَتّى بَلَغَتْ إلى سُرَّتِهِ فَأرادَ أنْ يَنْهَضَ عَجِلًا، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ والضَّحّاكِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ﴾ يعني قول الإنسان: اللهم إلعنه واغضب عليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ﴾ قال: ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته، يغضب أحدهم فيدعو عليه، فيسب نفسه ويسب زوجته وماله وولده، فإن أعطاه الله ذلك شق عليه، فيمنعه ذلك، ثم يدعو بالخير فيعطيه.

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه: في قوله: ﴿ ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير ﴾ قال: ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته يعجل فيه، فيدعو عليه لا يحب أن يصيبه.

وأخرج أبو داود والبزار، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم» .

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ قال: ضجراً لا صبر له على سراء ولا ضراء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن عساكر، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: أول ما خلق الله من آدم عليه السلام رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق وبقيت رجلاه، فلما كان بعد العصر قال: يا رب، اعجل قبل الليل، فذلك قوله: ﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد قال: لما خلق الله آدم خلق عينيه قبل بقية جسده، فقال: أي رب، أتم بقية خلقي قبل غيبوبة الشمس، فأنزل الله: ﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ﴾ الآية.

القياس إثبات الواو في ويدعو، وحُذف في المصحف من الكتابة؛ لأنها لا تظهر في اللفظ، ولم تحذف في المعنى؛ لأنها في موضع رفع، فكان [حذفها باستقبالها اللام الساكنة، ومثلها:] (١) ﴿ يُنَادِ الْمُنَادِ  ﴾ و ﴿ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ  ﴾ فلو كان بالياء والواو كان صوابًا، هذا كلام الفراء (٢) (٣) ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ أي في طلب ما هو شَرٌّ له، يَعْجل بالدعاء في الشر عجلته بالدعاء في الخير، هذا قول مجاهد وقتادة وعامة المفسرين (٤) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ ﴾ يعني النضر بن الحارث؛ قال: ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ ﴾ (٥) ﴿ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ﴾ يريد كما يدعو المؤمنون بالمغفرة والرحمة، ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ يعني آدم حين نهض قبل أن يجري الروح فيه؛ وذلك أن آدم لما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى، فذهب لينهض فلم يقدر، وهو قوله: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ (٦) (١) ما بين المعقوفين إضافة من المصدر ليتضح المراد، ويبدو أنها سقطت.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 117 بتصرف.

(٣) ورد نحوه في "تفسير الطبري" 15/ 47، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 13، و"الفخر الرازي" 20/ 162، و"القرطبي" 10/ 225، و"أبي حيان" 6/ 13.

(٤) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 374 - بمعناه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 48 بمعناه عن قتادة ومجاهد، وورد بمعناه في: "معاني القرآن" للنحاس 4/ 127، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، و"الماوردي" 3/ 232، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، والطوسي 6/ 453، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 81، و"ابن عطية" 9/ 27، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، و"الفخر الرازي" 20/ 162، و"القرطبي" 10/ 226، و"ابن كثير" 3/ 30.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 297، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 213 أبنصه، و"السمرقندي" 2/ 262، بنصه، و"ابن عطية" 9/ 28، و"ابن الجوزي" 5/ 13، و"الفخر الرازي" 20/ 162، و"القرطبي" 10/ 225، و"أبي حيان" 6/ 14، والتعميم أولى من التخصيص في مثل هذا.

(٦) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 213 أ، بنحوه، أخرجه "الطبري" 15/ 47 - 48، بنحوه عن ابن عباس وسلمان، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 128، عن سلمان، و"السمرقندي" 2/ 262، عنهما، و"الثعلبي" 7/ 105 أ، عنهما، و"الماوردي" 3/ 232، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 28، و"ابن الجوزي" 5/ 13، و"الفخر الرازي" 20/ 163، و"القرطبي" 10/ 226، و"أبي حيان" 6/ 13، و"ابن كثير" 3/ 30، وأغلب الظن أن هذا الخبر من الإسرائيليات.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَِهْدِى لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ أي الطريقة والحالة التي هي أقوم، وقيل: يعني لا إله إلا الله، واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير ﴾ المعنى ذم، وعتاب لما يفعله الناس عند الغضب من الدعاء على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وأنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت كما يدعون بالخير وفي وقت التثبت، وقيل: إن الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ ﴾ [الأنفال: 32] الآية، وقد تقدم أن الصحيح في قائلها أنه أبو جهل ﴿ وَكَانَ الإنسان عَجُولاً ﴾ الإنسان هنا وفي الذي قبله اسم جنس، وقيل: يعني هنا آدم وهو بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يتخذوا ﴾ بياء الغيبة.

أبو عمرو وعباس مخيراً.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ أساتم ﴾ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ليسوء ﴾ بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و ﴿ لنسوء ﴾ بالنون: علي.

الباقون ﴿ ليسؤوا ﴾ على الجمع ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً: حمزة وعلي.

﴿ ويخرج ﴾ بالياء مجهولاً: يزيد ﴿ ويخرج ﴾ لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً ﴿ تلقاه ﴾ مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة.

الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة ﴿ قرأ كتابك ﴾ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ﴿ أمرنا ﴾ من باب المفاعلة: يعقوب.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ تتخذوا ﴾ بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ﴿ ذرية ﴾ منادى ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ الديار ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ نفيراً ﴾ ه ﴿ فلها ﴾ ط لأن ما بعد عائد إلى قوله ﴿ فإذا جاء وعد أولٰهما ﴾ مع اعتراض العوارض ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ يرحمكم ﴾ ه للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ عدنا ﴾ ه حذراً من توهم العطف ﴿ حصيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ أليما ﴾ ه ﴿ بالخير ﴾ ط ﴿ عجولاً ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ، ط ﴿ تفصيلاً ﴾ ه ﴿ عنقه ﴾ ط ﴿ منشوراً ﴾ ه ﴿ كتابك ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ط للابتداء بعد بالشرط ﴿ لنفسه ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ تدميراً ﴾ ه ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ عطاء ربك ﴾ ط ﴿ محظوراً ﴾ ه ﴿ بعض ﴾ ط ﴿ تفصيلاً ﴾ .

الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: ﴿ سبحان الذي ﴾ وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: ﴿ سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا  ﴾ والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله ﴿ وأسرى ﴾ وسرى لغتان.

يروى أنه لما وصل النبي  إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟

فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية.

فأنزل فيه: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل ﴿ من المسجد الحرام ﴾ عن النبي  : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق.

وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به.

وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون.

قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة.

وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة.

﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.

﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى  ، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.

وقوله: ﴿ أسرى ﴾ مع قوله: ﴿ باركنا ﴾ سلوك لطريقة الالتفات ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ بيان لحكمة الإسراء.

سؤال: أرى إبراهيم  ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟

الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله  أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه هو السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك.

واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه.

حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه.

وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً.

وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك.

ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس.

ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه.

ومنها قوله  .

﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس  ﴾ وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج.

وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به.

ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء.

أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول  من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد  في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله  لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك  ﴾ .

وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام.

وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمرممكن في نفسه.

أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات.

وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز.

وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة.

وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد.

وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية.

وعن السادس أنه لا اعتراض على الله  في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير.

واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله { ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق  ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه.

يروى أنه  نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم.

وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟

قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني.

فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله  بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.

فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به.

وسعى رجال إلى أبي بكر  فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق.

قالوا: أتصدقه على ذلك؟

قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق.

وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له  بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب.

فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد  ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين.

ولما حكى طرفاً من إكرام محمد  ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ﴿ ألا تتخذوا ﴾ من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا ﴿ من دوني وكيلاً ﴾ رباً تكلون إليه أمركم يا ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح  لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك.

فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ وعلى القراءة الأولى انتصب ﴿ ذرية ﴾ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً  ﴾ من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير.

ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له.

ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص.

وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد.

يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به.

ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة.

وقول: ﴿ لتفسدن ﴾ جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ مرتين ولتعلن ﴾ لتعظمن وتستولن على الناس ﴿ علواً كبيراً ﴾ تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب ﴿ أولاهما ﴾ أولى المرتين ﴿ بعثنا ﴾ أرسلنا وسلطنا ﴿ عليكم عباد لنا أولي بأس شديد ﴾ أصحاب نجدة وشدة قتال ﴿ فجاسوا ﴾ ترددوا للمارة ﴿ خلال الديار ﴾ أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس ﴿ وكان ﴾ وعد العقاب ﴿ وعداً مفعولاً ﴾ لا بد من وقوعه ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الدولة والغلبة ﴿ عليهم ﴾ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ مما كنتم.

والنفير من ينفر مع الرجل من قومه.

احتجت الأشاعرة بقوله  : ﴿ قضينا ﴾ بعثنا ﴿ وكان وعداً مفعولاً ﴾ على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله.

وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها.

وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه.

ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض.

قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب المرة ﴿ الآخرة ﴾ بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه.

ومعنى ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ﴿ وليتبروا ما علوا ﴾ ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل.

وقوله: ﴿ تتبيراً ﴾ ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.

وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت.

عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهمالأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم  ، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك.

وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى.

واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم.

وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: ﴿ عسى ربكم ﴾ يا بني إسرائيل ﴿ أن يرحمكم ﴾ بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية ﴿ وإن عدتم ﴾ للثالثة ﴿ عدنا ﴾ لها.

قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي.

وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل.

فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً.

وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج.

ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد  وموسى  وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي ﴾ أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي ﴿ هي أقوام ﴾ وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب.

قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك.

إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر.

وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟

وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير.

وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان.

ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء.

ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً.

ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم.

قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟

وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.

قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال  : ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم  ﴾ .

وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا.

والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم.

قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة.

والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً.

واعلم أنه  قال ههنا: ﴿ أجراً كبيراً ﴾ وفي أول الكهف ﴿ أجراً حسناً  ﴾ ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة.

ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: ﴿ ويدع الإنسان ﴾ أي جنس الكافر.

وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا ﴿ اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك  ﴾ ، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً.

وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً  كاذب.

وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.

ويروى أنه  دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟

فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب.

فلما أصبح النبي  دعا به فأعلم بشأنه فقال  : اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي  : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها.

﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له.

وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر.

وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة.

قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار.

فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه.

وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان.

وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد.

﴿ فمحونا آية الليل ﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿ وجعلنا ﴾ الآية.

التي هي ﴿ النهار مبصرة ﴾ ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم.

﴿ ولتعلموا ﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿ عدد السنن ﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿ و ﴾ لتعلموا جنس ﴿ الحساب ﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار.

وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه.

وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله  جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء.

وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان.

ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً.

نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.

ثم قال: ﴿ وكل شيء ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه تفصيلاً ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ أي عمله ﴿ في عنقه ﴾ وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا.

قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه.

وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت.

فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.

وإنه  أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: ﴿ في عنقه ﴾ .

يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به.

فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل.

ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" ﴿ ونخرج له ﴾ من قرأ بالنون فظاهر.

وقوله: ﴿ يلقاه منشوراً ﴾ صفتان للكتاب أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة ﴿ منشوراً ﴾ حال من مفعول يلقاه.

ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر ﴿ وكتاباً ﴾ حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري.

عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك ﴿ اقرأ كتابك ﴾ على إضمار القول.

قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و ﴿ وبنفسك ﴾ فاعل كفى و ﴿ حسيباً ﴾ تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم.

"وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع.

موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.

وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب.

قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك.

وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله  له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة  ﴾ قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل.

ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: ﴿ من اهتدى ﴾ إلى قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ .

قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار.

وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة.

ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص.

أما قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية.

أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل.

وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل.

ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل.

ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.

فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم.

وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع.

ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله  منزه عن ذلك.

ولقائل أن يقول: إنه  منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن.

فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: ﴿ كان على ربك حتماً مقضياً  ﴾ ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ .

وللمفسرين في معنى ﴿ أمرنا ﴾ قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير.

وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا.

ولما كان من أصول الاعتزال أنه  لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك.

ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة.

ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية منحيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله.

القول الثاني إن معنى: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ أكثرنا فساقها.

قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم.

إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله  "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج.

وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، "وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله  : إني أرى أمرك هذا حقيراً.

فقال  : إنه سيأمر" أي سيكثر وسيكبر.

والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ﴿ ففسقوا فيها ﴾ خرجوا عما أمرهم الله ﴿ فحق عليها القول ﴾ استوجبت العذاب ﴿ فدمرناها تدميراً ﴾ أهلكناها على سبيل الاستئصال.

قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه  أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: ﴿ فحق عليها القول ﴾ أي بالكفر ثم التعذيب.

وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه  لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ وقوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك.

قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم.

الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.

وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً.

وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة.

ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية.

وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر.

ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ فـ ﴿ كم ﴾ مفعول ﴿ أهلكنا ﴾ و ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما.

ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً ﴿ وكفى بربك ﴾ الآية.

قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك.

وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضيإيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.

ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ ومن قوله: ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ بقوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿ عجلنا له فيها ﴾ ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: ﴿ ما نشاء ﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه.

وثانيهما قوله: ﴿ لمن نريد ﴾ وهو بدل من ﴿ له ﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ﴾ مطروداً من رحمة الله.

﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر.

والله   ، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله.

وفي قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط.

قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.

وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح.

قال  : ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل.

واعلم أنه  ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة.

وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي  قال حكاية عن رب العزة: "أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه" وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول.

الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين.

الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً.

واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض.

ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين ﴿ نمد ﴾ أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية.

وقوله: ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كل و ﴿ من عطاء ربك ﴾ متعلق بــ ﴿ نمد ﴾ ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه ﴿ أنظر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا ﴿ كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض.

﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا.

وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين.

وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!.

التأويل: نزه نفسه بقوله: ﴿ سبحان ﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه.

فقوله: ﴿ أسرى ﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿ بعبده ﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.

وقوله: ﴿ من المسجد الحرام ﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله.

﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ بالبقاء بالله ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به.

هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿ وأمددناكم بأموال ﴾ الطاعات ﴿ وبنين ﴾ الإيمان والإيقان ﴿ وإذا جاء وعد الآخرة ﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ ليسوؤا ﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿ وإن عدتم ﴾ إلى الجهل ﴿ عدنا ﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿ وجعلنا ليل ﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات.

﴿ ولتعلموا ﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ .

معنى: التأنيث في قوله ﴿ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ قيل بوجوه: قيل: إن هذا القرآن يهدي للملة التي هي أقوم الملل وأعدلها، والملة هي الدين، دين الله.

وقال بعضهم: يهدي إلى الأمور التي هي أعدل الأمور وأصوبها.

وقيل: يهدي إلى السبيل التي هي أقوم السبل وأعدلها.

يحتمل هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرناها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ ، أي: للأعمال الصالحات وللخيرات، لأن الأعمال الصالحات قوامها به.

ثمّ قوله: ﴿ يَِهْدِي ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: يبين، والثاني: يدعو؛ فهو يهدي الكل لو استهدوا، لكن خص هؤلاء لما منفعة تكون لمن ذكر، وقد ذكرنا أن هذا القرآن وغيره من كتب الله هدى ورحمة يدعو إلى ثلاث خصال: إلى معالي الأمور، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال ومصالحها.

وينهى عن مساوي الأعمال، وداني الأمور، وسوء الأخلاق ودناءتها؛ فهو هدى ورحمة على ما أخبر لمن استهدى به، ورشد لمن استرشد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ .

البشارة المطلقة إنما جعلت للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، لم يذكر للمؤمنين خاصّة على غير العمل الصالح؛ فالمسألة فيهم غير المسألة في هؤلاء.

وفيه دلالة أنه يقع اسم المؤمنين بدون العمل الصالح؛ لأنه قال: ﴿ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ دلّ أن ذلك الاسم يقع بدون ذلك الاسم.

وفيه دلالة أن اسم الإيمان قد يستحق بدون العمل الصالح؛ حيث يشرط فيه العمل الصالح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ﴾ .

سماه كبيراً؛ لكبير خطره عند الله، كما سمى عذاب النار عظيماً؛ لعظم خطره عنده، أو سماه كبيراً؛ لأنه أكبر ما يقصد إليه ويرغب فيه، وهو ثواب الجنة، والنار أعظم ما يحذر بها ويرهب عنها.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وأَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

إنكارهم البعث، وكفرهم به - هو الذي حملهم على تكذيبهم الرسل وكفرهم بالله، ليسلم لهم شهواتهم في الدنيا؛ لأن الرسل جميعاً دعوهم إلى ترك شهواتهم في الدنيا، ورغبوهم بما يوجب لهم الثواب في الآخرة وحذروهم عما يوجب العقاب، فأنكروا الآخرة والبعث رأساً ليسلم لهم الدنيا فذلك الذي حملهم على إنكار الرسل وتكذيبهم إياهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ أي: بالقرآن أو بمحمدّ، إيمانهم بالبعث حملهم على الإيمان بالقرآن والرسول، وتكذيبهم الآخرة حملهم على تكذيب الرسل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ ﴾ .

قال بعضهم: إذا غضب الإنسان يدعو على نفسه وولده وأهله، ويلعن، كدعائه عليهم بالخير؛ لذلك انتصب قوله: ﴿ دُعَآءَهُ ﴾ .

وقال الحسن: إن الإنسان يتضايق صدره وقلبه بأدنى شيء يكره؛ فيلعن على نفسه وأهله؛ فلا يجيبه الله، ثم يدعو بالخير؛ فيعطيه، أو نحوه من الكلام.

وقوله: ﴿ وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ويدعو الإنسان بالشرّ على العلم منه بذلك كدعائه بالخير على العلم منه بذلك.

والثاني: يدعو الإنسان بالشر لو أجيب فيه على الجهل منه والغفلة، كدعائه بالخير لو أجيب في ذلك.

ثم إن كان ذلك الإنسان هو الكافر فهو يدعو على الاستهزاء؛ كقوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ الآية [الأنفال: 32]، وكذلك قوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ ، ونحوه.

وإن كان مسلماً فهو يدعو بالشر على نفسه وأهله عند الغضب على علم منه به، ويدعو أيضاً بالشرّ على السهو والغفلة منه، نحو ما يسأل الأموال والنكاح، ولعل ذلك شرّ له.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾ .

قال بعضهم: هذا لازم؛ لأنه لما خلقه الله فنفخ الروح في بعض جسده - همّ أن يقوم؛ فسمّاه عجولاً، لكن كل الإنسان خلق في الطبع من الأصل عجولاً؛ ألا ترى أنه لا يصبر على أمر واحد ولا على شيء واحد، وإن كان نعمة لم يصبر عليها؛ ولكن يمل عنها؟!

وكذلك في أدنى شدّة وبلاء إذا بلي به لم يصبر عليه، فأبداً يريد الانتقال من حال إلى حال؛ ألا ترى أن قوم موسى قد أكرمهم الله بكرامات: من إنزال المنّ والسلوى عليهم من غير كد ولا جهد ولا مؤنة، وكذلك اللباس؛ ثم لم يصبروا على ذلك حتى قالوا: ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ  ﴾ فسألوا ربهم - الفوم، والبصل، ونحوه؟!

على هذا طبع الإنسان ملولاً عجولاً؛ ألا ترى أن الله مكن في باطنه، وجعل في سعة رياضة نفسه، وصرفها إلى أحد الوجهين اللذين يجهد عليه ولا يذم، وهو أن يروضها ويعودها على الصبر والحكم والوقار، ويصرف تلك العجلة إلى الخيرات والطاعات التي يحمد عليها المرء بالعجلة، وإلا: ففي ظاهر الخلقة والطبع منشأ على العجلة وما ذكر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً  ﴾ إلا كذا، وهو ما ذكرنا - والله أعلم - لكن بما امتحنه من الأمر والنهي والترغيب في الموعود والترهيب صيره بحيث يملك إخراجه عما طبع وأنشئ إلى حال أخرى بالرياضة التي ذكرنا؛ ألا ترى أنه ذكر الهلع والجزع، ثم استثنى إلا كذا؟!

وعلى ذلك خلق الله الخلق على همم مختلفة وأطوار متشتتة، لم يخلقهم جميعاً على همة واحدة، بحيث يرغبون جميعاً في معالي الأمور ومعاظم الحِرَف وأرفع الأسماء؛ بل طبعهم على أطباع مختلفة: فمنهم من يرغب في معالي الأمور ومعاظم الأمور والحرف، ومنهم من كانت همته الرغبة في الدون من الأمور والحرف في الحجامة والدباغة والحياكة ونحوها، وكذلك في الأسماء، [ومنهم بخلاف ذلك]، ولو كانت همتهم همة واحدة - لذهب المنافع والمعارف جميعاً، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: المراد بالليل والنهار: الشمس والقمر، أي: جعلنا في الشمس والقمر؛ ألا ترى أنه أضاف الآية إلى الليل والنهار حيث قال: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، وحيث قال - أيضاً -: و ﴿ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ  ﴾ ، وإنما يعلم ذلك بالقمر؛ ألا ترى أنه قال - أيضاً -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً...

﴾ الآية [يونس: 5]، إنما أضاف معرفة عدد السنين والحساب إلى القمر؛ دلّ أنه بالقمر يعلم ذلك، وهو قول علي وابن عبّاس -  م - وغيرهم من أهل التأويل؛ ويكون تأويل المحو الذي ذكر في قوله: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ ﴾ - ما قالوا في محوه، وهو السواد الذي يرى فيه والنقصان الذي يكون فيه في آخره.

وقال بعضهم: محي منه تسعة وستون جزءاً من سبعين جزءاً، إلى هذا يذهب هؤلاء.

وأما الحسن وأبو بكر وهؤلاء، فهم يقولون: ليس في الآية ذكر الشمس والقمر، إنما ذكر الليل والنهار وأخبر أنه جعل آيتين؛ فهما كذلك آيتان، وبهما يعلم عدد السنين والحساب؛ لأنه بالأيام يعرف ذلك، فأمّا الشهور فإنه إنما تعرف بالقمر لا تعرف بالأيام؛ ويكون قول تأويل: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: جعلنا آية الليل في الابتداء ممحوة مظلمة، وجعلنا آية النهار مبصرة مضيئة في الابتداء ليس أن كانا جميعاً مبصرتين مضيئتين ثم مُحِي آية الليل وأبقيت آية النهار مضيئة؛ ولكن إنشاء آية الليل في الابتداء [مظلمة، وإنشاء آية النهار في الابتداء] مبصرة، وهو كقوله: ﴿ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ رُفِعَتْ  وَإِلَىٰ ٱلْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ  ﴾ ، أي: إنشاؤها في الابتداء كذلك، لا أن السماء كانت موضوعة فرفعها، و[لا] كذلك الجبال [كانت] مبسوطة ثمّ نصبها؛ ولكن إنشاءهما في الابتداء كذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلَّيلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾ ، أي: جعلهما في الابتداء: هذا مظلماً ممحوّاً، وهذا مبصراً مضيئاً.

﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ﴾ : هما آيتان مختلفتان، بل متضادتان تضاد كل واحدة منهما صاحبتها؛ إذ كل واحدة تنسخ الأخرى حتى لا يبقى لها أثر، وهما آيتان دالتان على وحدانية الله  ؛ لأنه لو كانا فِعْلَ عدد - لكان إذا أتى هذا على هذا وغلب عليه - منع من أن يكون للآخر سلطان أو أمر؛ فإذ لم يكن دلّ أنه صنعُ واحدٍ، وفيهما دلالة تدبيره؛ حيث جريا على سَنَنٍ واحد ومقدار واحد، على غير تفاوت يكون فيهما وتفاضل، أو تغير على ما كان ومضى؛ دل أنه عن تدبير خرجا وكانا كذلك.

وفيه دلالة علمه وحكمته لما جعل فيهما من المنافع ما لو كان اللّيل سرمداً ذهب منفعة الليل نفسه، ولو كان النهار سرمداً لذهب منفعة النهار رأساً.

وفيه دلالة البعث؛ لأنه يتلف أحدهما إذا جاء الآخر حتى لا يبقى [له] أثر بتة، ثم يعيده على ما كان من غير أن يعلم أنه غير الأوّل.

ثم قول ﴿ آيَتَيْنِ ﴾ ، والآية علامة، وعلامتهما لا تعرف إلا بالتأمل والنظر فيهما؛ فعلى ذلك [لا يفهم] مراد ما في القرآن والمعنى المودع فيه - إلا بالتأمّل والنظر فيه.

وفيهما دلالة نقض قول أصحاب الطبائع وأصحاب النجوم والدهرية وجميع الملاحدة: أمّا نقض قول أصحاب الطبائع: لما ذكرنا من اتساق مجراها على سنن واحد وأمر واحد، دلّ أنه بالتدبير صار كذلك لا بالطبع.

وأمّا نقض قول أصحاب النجوم [لما جعل النجوم] مسخرة لمنافع الخلق ومغلوبة يغلبها ضوء الشمس ونور القمر حتى لا ترى؛ دلّ أنه لا تدبير لها وأن التدبير لغيرها.

وعلى غيرهم من الملاحدة ما ذكرنا من اتصال منافع هذا بهذا ومنافع هذا بهذا، دلّ أنه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

يحتمل الفضل الذي ذكر: الرزق والمعاش الذي ذكر في آية أخرى: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً  ﴾ ، ويحتمل أنواع فضل تكون في الدّين.

﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه بهما يعرف [عدد السنين والحساب].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ .

يحتمل التفصيل تفصيل آية من أخرى، أي: لم يجعلهما آية واحدة؛ على ما ذكر.

وقال الحسن: أي فصل بين ما أمر عباده ونهاهم، أي: بين وفصل ما يؤتى ممّا يُتَّقَى، و ﴿ فَصَّلْنَاهُ ﴾ : أي: فصله تفصيلاً لم يتركه مبهماً؛ بل بين غاية البيان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ طَآئِرَهُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ طَآئِرَهُ ﴾ : شقاوته وسعادته، ورزقه وعيشه.

وقال بعضهم: عمله الذي عمل من خير أو شر.

وقال بعضهم: حظه ونصيبه من عمله، وهو جزاؤه ونحو ذلك، فذلك كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إنما يسعد ويشقى بعمله الذي يعمله، وكذلك جزاء عمله؛ ولذلك قال الحسن في تأويل قوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ \[المؤمنون: 106\]، أي: بأعمالنا التي عملناها، ثم يخرج تسمية العمل وما ذكروا طائراً؛ لوجهين: أحدهما: على وجه التفاؤل والطيرة؛ كانوا يتفاءلون ويتطيرون بأشياء: بالطائر وغيره، ويقولون جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له بكذا من الشر؛ على طريق الفأل والطيرة؛ فخاطبهم على ما يستعملون، وأخبر أن ذلك يلزم أعناقهم، وهو ما قال الله -  -: ﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ  ﴾ ، وقوله - أيضاً -: ﴿ قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ...

﴾ الآية [النمل: 47]، ونحوه.

والثاني: سمى الأعمال التي عملوها طائراً؛ لما أن الذي يتولّد منه تلك الأعمال كالطائر، وهو الهمة، أو لا يخطر بباله شيء؛ ففي الأخطار لا صنع له فيه، ثم يهمُّ، ثم تبعث الهمّة على الإرادة، ثم الإرادة تبعث على الطلب والعمل، فالهمة التي في النفس التي يتولد منها الأعمال كالطائر؛ فسماه لذلك باسمه، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فِي عُنُقِهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون العنق كناية عن النفس، أي: ألزمناه نفسه، وذلك جائز؛ يقال: هذا لك عليّ وفي عنقي.

والثاني: ذكر العنق؛ كما يقول الرجل لآخر إذا أراد التخلص من عمل: قلّدتك هذا العمل وجعلته في عنقك، أي: تكون أنت المأخوذ به إثماً إن كان في ذلك شر، وأنت المأجور به المثاب إن كان فيه خير.

والمعنى في قوله: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ ، أي: لا يؤخذ غيره بعمله وشقائه؛ ولكن هو المأخوذ به، وهو ما قال: ﴿ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ﴾ ؛ هذه الآيات الثلاثة معناها واحد، وهو ما ذكرنا ألا يؤخذ غيره بعمل آخر، ولا تحمل نفس خطيئة أخرى ولا وزرها، ولكن كل نفس هي تحمل خطيئة نفسها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يجعل ما لزم عنقه كتاباً يلقاه منشوراً.

والثاني: أي: يجعل بما ألزم عنقه كتاباً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ .

قيل: شهيداً، وقيل: كافياً وحاسباً، وهو واحد: أن المؤمن بما سبق من صالحاته يقف فيها لا يقطع القول لرجائه في رحمته ولخوفه عن مساويه؛ فلا يشهد على نفسه بالعقوبة.

وأما الكفار فإنه يشهد على نفسه بالنار؛ لما لم يكن له ما يطمع رحمته.

وقوله: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ ﴾ ، أي: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ ؛ فيقال له: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ .

وفي ذلك لطف عظيم بقراءة كتابه بأي لسان كان؛ لأنه لم يبين بأي لسان يكتب، ثم يتذكر جميع ما عمل في عمره؛ وقد ينسى الرجل عملاً يعمل في أدنى مدة، لكن هذا يتذكر في ساعة ووهلة ما كان عاملاً منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويدعو الإنسان لجهله على نفسه وولده, وماله عند الغضب بالشرور، مثل دعائه لنفسه بالخير، فلو استجبنا دعاءه بالشر لهلك، وهلك ماله وولده، كان الإنسان مجبولًا على العجلة؛ ولذا فإنّه قد يتعجّل ما يضرّه.

<div class="verse-tafsir" id="91.MwDdR"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده