الآية ١٥ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١٥ من سورة الإسراء

مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 150 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة ، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه ) ومن ضل ) أي : عن الحق ، وزاغ عن سبيل الرشاد ، فإنما يجني على نفسه ، وإنما يعود وبال ذلك عليه .

ثم قال : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أي : لا يحمل أحد ذنب أحد ، ولا يجني جان إلا على نفسه ، كما قال تعالى : ( وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ) [ فاطر : 18 ] .

ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى : ( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) [ العنكبوت : 13 ] ، وقوله [ تعالى ] ( ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ) [ النحل : 25 ] ، فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم ، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك ، ولا يحملوا عنهم شيئا .

وهذا من عدل الله ورحمته بعباده .

وكذا قوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) إخبار عن عدله تعالى ، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه ، كما قال تعالى : ( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ) [ الملك : 8 ، 9 ] ، وكذا قوله [ تعالى ] : ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ) [ الزمر : 71 ] ، وقال تعالى : ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ) [ فاطر : 37 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه ، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى : ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) [ الأعراف : 56 ] .

حدثنا عبيد الله بن سعد ، حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن صالح بن كيسان ، عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اختصمت الجنة والنار " فذكر الحديث إلى أن قال : " وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدا ، وأنه ينشئ للنار خلقا فيلقون فيها ، فتقول : هل من مزيد ؟

ثلاثا ، وذكر تمام الحديث .

فإن هذا إنما جاء في الجنة لأنها دار فضل ، وأما النار فإنها دار عدل ، لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه .

وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا : لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تحاجت الجنة والنار " فذكر الحديث إلى أن قال : " فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه ، فتقول : قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله من خلقه أحدا ، وأما الجنة فينشئ الله لها خلقا " .

بقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها ، قديما وحديثا ، وهي : الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ، ماذا حكمهم ؟

وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ، ومن مات في الفترة ولم تبلغه الدعوة .

وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها لك بعون الله [ تعالى ] وتوفيقه ثم نذكر فصلا ملخصا من كلام الأئمة في ذلك ، والله المستعان .

فالحديث الأول : عن الأسود بن سريع : قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، عن قتادة ، عن الأحنف بن قيس ، عن الأسود بن سريع [ رضي الله عنه ] أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئا ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ورجل مات في فترة ، فأما الأصم فيقول : رب ، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا ، وأما الأحمق فيقول : رب ، قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : رب ، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا ، وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ، ما أتاني لك رسول .

فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار ، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما " .

وبالإسناد عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي رافع ، عن أبى هريرة ، مثل هذا الحديث غير أنه قال في آخره : " من دخلها كانت عليه بردا وسلاما ، ومن لم يدخلها يسحب إليها " .

وكذا رواه إسحاق بن راهويه ، عن معاذ بن هشام ، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد ، من حديث حنبل بن إسحاق ، عن علي بن عبد الله المديني ، به وقال : هذا إسناد صحيح ، وكذا رواه حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربعة كلهم يدلي على الله بحجة " فذكر نحوه .

ورواه ابن جرير ، من حديث معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة ، فذكره موقوفا ، ثم قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) .

وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة موقوفا .

الحديث الثاني : عن أنس بن مالك : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا الربيع ، عن يزيد بن أبان قال : قلنا لأنس : يا أبا حمزة ، ما تقول في أطفال المشركين ؟

فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها فيكونوا من أهل النار ، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك أهل الجنة هم من خدم أهل الجنة " .

الحديث الثالث : عن أنس أيضا : قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن عبد الوارث ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بأربعة يوم القيامة : بالمولود ، والمعتوه ، ومن مات في الفترة ، والشيخ الفاني الهرم ، كلهم يتكلم بحجته ، فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار : ابرز .

ويقول لهم : إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم ، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه .

قال : فيقول من كتب عليه الشقاء : يا رب ، أنى ندخلها ومنها كنا نفر ؟

قال : ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا ، قال : فيقول الله تعالى : أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية ، فيدخل هؤلاء الجنة ، وهؤلاء النار " .

وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار ، عن يوسف بن موسى ، عن جرير بن عبد الحميد ، بإسناده مثله .

الحديث الرابع : عن البراء بن عازب ، رضي الله عنه : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضا : حدثنا قاسم بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الله .

- يعني ابن داود - عن عمر بن ذر ، عن يزيد بن أمية ، عن البراء قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين قال : " هم مع آبائهم " .

وسئل عن أولاد المشركين فقال : " هم مع آبائهم " .

فقيل : يا رسول الله ، ما يعملون ؟

قال : " الله أعلم بهم " .

ورواه عمر بن ذر ، عن يزيد بن أمية ، عن رجل ، عن البراء ، عن عائشة ، فذكره .

الحديث الخامس : عن ثوبان : قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا ريحان بن سعيد ، حدثنا عباد بن منصور ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن المسألة ، قال : " إذا كان يوم القيامة ، جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم ، فيقولون : ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر ، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك ، فيقول لهم ربهم : أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟

فيقولون : نعم ، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها ، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا ، فرجعوا إلى ربهم فيقولون : ربنا أخرجنا - أو : أجرنا - منها ، فيقول لهم : ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟

فيأخذ على ذلك مواثيقهم .

فيقول : اعمدوا إليها ، فادخلوها .

فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا ورجعوا ، فقالوا : ربنا فرقنا منها ، ولا نستطيع أن ندخلها فيقول : ادخلوها داخرين " .

فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما " .

ثم قال البزار : ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه ، لم يروه عن أيوب إلا عباد ، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد .

قلت : وقد ذكره ابن حبان في ثقاته ، وقال يحيى بن معين والنسائي : لا بأس به ، ولم يرضه أبو داود .

وقال أبو حاتم : شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به .

الحديث السادس : عن أبي سعيد - سعد بن مالك بن سنان الخدري : قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي : حدثنا سعيد بن سليمان ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الهالك في الفترة والمعتوه والمولود ، يقول الهالك في الفترة : لم يأتني كتاب ، ويقول المعتوه : رب ، لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ، ويقول المولود : رب لم أدرك العقل فترفع لهم نار فيقال لهم : ردوها " ، قال : فيردها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل ، فيقول : إياي عصيتم ، فكيف لو أن رسلي أتتكم ؟

" .

وكذا رواه البزار ، عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي ، عن عبيد الله بن موسى ، عن فضيل بن مرزوق ، به ثم قال : لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه ، عن عطية عنه ، وقال في آخره : " فيقول الله : إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب ؟

" الحديث السابع : عن معاذ بن جبل ، رضي الله عنه : قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري حدثنا عمر بن واقد ، عن يونس بن حلبس ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن معاذ بن جبل ، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة ، وبالهالك صغيرا .

فيقول الممسوخ : يا رب ، لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني - وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك - فيقول الرب عز وجل : إني آمركم بأمر فتطيعوني ؟

فيقولون : نعم ، فيقول : اذهبوا فادخلوا النار - قال : ولو دخلوها ما ضرتهم - فتخرج عليهم قوابص ، فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء ، فيرجعون سراعا ، ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك ، فيقول الرب عز وجل : قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون ، وعلى علمي خلقتكم ، وإلى علمي تصيرون ، ضميهم ، فتأخذهم النار " .

الحديث الثامن : عن أبي هريرة ، رضي الله عنه : قد تقدم ، روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع ، رضي الله عنه : وفي الصحيحين ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟

" .

وفي رواية قالوا : يا رسول الله ، أفرأيت من يموت صغيرا ؟

قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت ، عن عطاء بن قرة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما أعلم ، شك موسى - قال : " ذراري المسلمين في الجنة ، يكفلهم إبراهيم عليه السلام " .

وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حمار ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الله - عز وجل - أنه قال : " إني خلقت عبادي حنفاء " وفي رواية لغيره " مسلمين " .

الحديث التاسع : عن سمرة ، رضي الله عنه : رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه " المستخرج على البخاري " من حديث عوف الأعرابي ، عن أبي رجاء العطاردي ، عن سمرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مولود يولد على الفطرة " فناداه الناس : يا رسول الله ، وأولاد المشركين ؟

قال : " وأولاد المشركين " .

وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد ، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي ، عن عيسى بن شعيب ، عن عباد بن منصور ، عن أبي رجاء ، عن سمرة قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال : " هم خدم أهل الجنة " .

الحديث العاشر : عن عم حسناء .

قال [ الإمام ] أحمد : [ حدثنا إسحاق ، يعني الأزرق ] ، أخبرنا روح ، حدثنا عوف ، عن حسناء بنت معاوية من بني صريم قالت : حدثني عمي قال : قلت : يا رسول الله ، من في الجنة ؟

قال : " النبي في الجنة ، والشهيد في الجنة ، والمولود في الجنة ، والوئيد في الجنة " .

فمن العلماء من ذهب إلى التوقف فيهم لهذا الحديث ، ومنهم من جزم لهم بالجنة ، لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري : أنه عليه الصلاة والسلام قال في جملة ذلك المنام ، حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان ، فقال له جبريل : هذا إبراهيم ، عليه السلام ، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين ، قالوا : يا رسول الله ، وأولاد المشركين ؟

.

قال " نعم ، وأولاد المشركين " .

ومنهم من جزم لهم بالنار ، لقوله عليه السلام : " هم مع آبائهم " .

ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات ، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة ، ومن عصى دخل النار داخرا ، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة .

وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها ، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض .

وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، رحمه الله ، عن أهل السنة والجماعة ، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في " كتاب الاعتقاد " وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ النقاد .

وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان ، ثم قال : وأحاديث هذا الباب ليست قوية ، ولا تقوم بها حجة وأهل العلم ينكرونها ؛ لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل ولا ابتلاء ، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين ، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها ؟

!

والجواب عما قال أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح ، كما قد نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف يقوى بالصحيح والحسن .

وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط ، أفادت الحجة عند الناظر فيها ، وأما قوله : " إن الآخرة دار جزاء " .

فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار ، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة ، من امتحان الأطفال ، وقد قال الله تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ) [ ن : 42 ] وقد ثبتت السنة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة ، وأما المنافق فلا يستطيع ذلك ويعود ظهره طبقا واحدا كلما أراد السجود خر لقفاه .

وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك مرارا ، ويقول الله تعالى : يا ابن آدم ، ما أغدرك!

ثم يأذن له في دخول الجنة .

وأما قوله : " وكيف يكلفهم دخول النار ، وليس ذلك في وسعهم ؟

" فليس هذا بمانع من صحة الحديث ، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ، وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة ، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم ، كالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل والركاب ، ومنهم الساعي ومنهم الماشي ، ومنهم من يحبو حبوا ، ومنهم المكدوش على وجهه في النار ، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم ، وأيضا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ، فإنه يكون عليه بردا وسلاما ، فهذا نظير ذلك ، وأيضا فإن الله تعالى [ قد ] أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا ، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم ، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل ، وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور ، والله أعلم .

فصل فإذا تقرر هذا ، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال : أحدها : أنهم في الجنة ، واحتجوا بحديث سمرة أنه ، عليه السلام رأى مع إبراهيم أولاد المسلمين وأولاد المشركين وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والمولود في الجنة " .

وهذا استدلال صحيح ، ولكن أحاديث الامتحان أخص منه .

فمن علم الله [ عز وجل ] منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة ، ومن علم منه أنه لا يجيب ، فأمره إلى الله تعالى ، ويوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان ، ونقله الأشعري عن أهل السنة [ والجماعة ] ثم من هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة من يجعلهم مستقلين فيها ، ومنهم من يجعلهم خدما لهم ، كما جاء في حديث علي بن زيد ، عن أنس ، عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف ، والله أعلم .

القول الثاني : أنهم مع آبائهم في النار ، واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب ، حدثني عبد الله بن أبى قيس مولى غطيف ، أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هم تبع لآبائهم " .

فقلت : يا رسول الله ، بلا عمل ؟

فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب ، عن محمد بن زياد الألهاني ، سمعت عبد الله بن أبي قيس سمعت ، عائشة تقول : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين قال : " هم من آبائهم " .

قلت : فذراري المشركين ؟

قال : " هم مع آبائهم " قلت : بلا عمل ؟

قال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

ورواه [ الإمام ] أحمد أيضا ، عن وكيع ، عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل - وهو متروك - عن مولاته بهية عن عائشة ؛ أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أطفال المشركين فقال : " إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار " .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل بن غزوان ، عن محمد بن عثمان ، عن زاذان عن علي - رضي الله عنه - قال : سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال : " هما في النار " .

قال : فلما رأى الكراهية في وجهها [ قال ] لو رأيت مكانهما لأبغضتهما " .

قالت : فولدي منك ؟

قال : [ قال : " في الجنة " .

قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ] .

" إن المؤمنين وأولادهم في الجنة ، وإن المشركين وأولادهم في النار " ثم قرأ : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ) [ الطور : 21 ] .

وهذا حديث غريب ؛ فإن محمد بن عثمان هذا مجهول الحال ، وشيخه زاذان لم يدرك عليا ، والله أعلم .

وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة ، عن أبيه ، عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الوائدة والموءودة في النار " .

ثم قال الشعبي : حدثني به علقمة ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود .

وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال : أتيت أنا وأخي النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا : إن أمنا ماتت في الجاهلية ، وكانت تقري الضيف وتصل الرحم ، وأنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث .

فقال : " الوائدة والموءودة في النار ، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام ، فتسلم " .

وهذا إسناد حسن .

والقول الثالث : التوقف فيهم ، واعتمدوا على قوله صلى الله عليه وسلم : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين قال : الله أعلم بما كانوا عاملين " وكذلك هو في الصحيحين ، من حديث الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، وعن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه سئل عن أطفال المشركين ، فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف .

وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة ؛ لأن الأعراف ليس دار قرار ، ومآل أهلها إلى الجنة كما تقدم تقرير ذلك في " سورة الأعراف " ، والله أعلم .

فصل وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين ، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي ، عن الإمام أحمد أنه قال : لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة .

وهذا هو المشهور بين الناس ، وهو الذي نقطع به إن شاء الله ، عز وجل .

فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر ، عن بعض العلماء : أنهم توقفوا في ذلك ، وأن الولدان كلهم تحت مشيئة الله ، عز وجل .

قال أبو عمر : ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث منهم : حماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وابن المبارك ، وإسحاق بن راهويه وغيرهم قالوا : وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر ، وما أورده من الأحاديث في ذلك ، وعلى ذلك أكثر أصحابه .

وليس عن مالك فيه شيء منصوص ، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة ، انتهى كلامه وهو غريب جدا .

وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب " التذكرة " نحو ذلك أيضا ، والله أعلم .

وقد ذكروا في ذلك حديث عائشة بنت طلحة ، عن عائشة أم المؤمنين قالت : دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار ، فقلت : يا رسول الله ، طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه ، فقال : " أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم " .

رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة ، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع ؛ كره جماعة من العلماء الكلام فيها ، روي ذلك عن ابن عباس ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، ومحمد ابن الحنفية وغيرهم .

وأخرج ابن حبان في صحيحه ، عن جرير بن حازم سمعت أبا رجاء العطاردي ، سمعت ابن عباس وهو على المنبر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا - أو مقاربا - ما لم يتكلموا في الولدان والقدر " .

قال ابن حبان : يعني أطفال المشركين .

وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم ، به .

ثم قال : وقد رواه جماعة عن أبي رجاء ، عن ابن عباس موقوفا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: من استقام على طريق الحقّ فاتبعه، وذلك دين الله الذي ابتعث به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عليه وسلم (فإِنَّمَا يهتَدِي لِنَفسِهِ) يقول: فليس ينفع بلزومه الاستقامة، وإيمانه بالله ورسوله غير نفسه (وَمَنْ ضَلَّ) يقول: ومن جار عن قصد السبيل، فأخذ على غير هدى، وكفر بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله من الحقّ، فليس يضرّ بضلاله وجوره عن الهدى غير نفسه، لأنه يوجب لها بذلك غضب الله وأليم عذابه..

وإنما عنى بقوله ( فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) فإنما يكسب إثم ضلاله عليها لا على غيرها، وقوله ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) يعني تعالى ذكره: ولا تحمل حاملة حمل أخرى غيرها من الآثام.

وقال ( وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) لأن معناها: ولا تزر نفس وازرة وزر نفس أخرى يقال منه: وزرت كذا أزره وزرا، والوزر: هو الإثم، يجمع أوزارا، كما قال تعالى وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ وكأن معنى الكلام: ولا تأثم آثمة إثم أخرى، ولكن على كل نفس إثمها دون إثم غيرها من الأنفس.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) والله ما يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذ إلا بعمله.

وقوله ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) يقول تعالى ذكره: وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم.

كما حدثنا بشر ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) : إن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، أو يأتيه من الله بيِّنة، وليس معذّبا أحدا إلا بذنبه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أبي هريرة، قال: إذا كان يوم القيامة، جمع الله تبارك وتعالى نسم الذين ماتوا في الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم، والشيوخ الذين جاء الإسلام وقد خرفوا، ثم أرسل رسولا أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم يأتنا رسول، وايم الله لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه قبل؛ قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ).

حدثنا القاسم ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة نحوه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاقوله تعالى : من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها أي إنما كل أحد يحاسب عن نفسه لا عن غيره ; فمن اهتدى فثواب اهتدائه له ، ومن ضل فعقاب كفره عليه .ولا تزر وازرة وزر أخرى تقدم في [ الأنعام ] .

وقال ابن عباس : نزلت في الوليد بن [ ص: 208 ] المغيرة ، قال لأهل مكة : اتبعون واكفروا بمحمد وعلي أوزاركم ، فنزلت هذه الآية ; أي إن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه .

يقال : وزر يزر وزرا ، ووزرة ، أي أثم .

والوزر : الثقل المثقل والجمع أوزار ; ومنه يحملون أوزارهم على ظهورهم أي أثقال ذنوبهم .

وقد وزر إذا حمل فهو وازر ; ومنه وزير السلطان الذي يحمل ثقل دولته .

والهاء في قوله كناية عن النفس ، أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، حتى أن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة فتقول : يا بني ألم يكن حجري لك وطاء ، ألم يكن ثديي لك سقاء ، ألم يكن بطني لك وعاء ، فيقول : بلى يا أمه فتقول : يا بني فإن ذنوبي أثقلتني فاحمل عني منها ذنبا واحدا فيقول : إليك عني يا أمه فإني بذنبي عنك اليوم مشغول .مسألة : نزعت عائشة - رضي الله عنها - بهذه الآية في الرد على ابن عمر حيث قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله .

قال علماؤنا : وإنما حملها على ذلك أنه لم تسمعه ، وأنه معارض للآية .

ولا وجه لإنكارها ، فإن الرواة لهذا المعنى كثير ، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة ، وهم جازمون بالرواية ; فلا وجه لتخطئتهم .

ولا معارضة بين الآية والحديث ; فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته ، كما كانت الجاهلية تفعله ، حتى قال طرفة :إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا بنت معبدوقال :إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذروإلى هذا نحا البخاري .

وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث ، وأنه إنما يعذب بنوحهم ; لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك ، فيعذب بتفريطه في ذلك ; وبترك ما أمره الله به من قوله : قوا أنفسكم وأهليكم نارا لا بذنب غيره ، والله أعلم .[ ص: 209 ] قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا أي لم نترك الخلق سدى ، بل أرسلنا الرسل .

وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع ، خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر .

وقد تقدم في البقرة القول فيه .

والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا ; أي إن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار .

وقالت فرقة : هذا عام في الدنيا والآخرة ، لقوله - تعالى - : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا .

قال ابن عطية : والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم - عليه السلام - بالتوحيد وبث المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله ، ثم تجدد ذلك في زمن نوح - عليه السلام - بعد غرق الكفار .

وهذه الآية أيضا يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة ، وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم .

وأما ما روي من أن الله - تعالى - يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ، ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف .

قال المهدوي : وروي عن أبي هريرة أن الله - عز وجل - يبعث يوم القيامة رسولا إلى أهل الفترة والأبكم والأخرس والأصم ; فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا ، وتلا الآية ; رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ، ذكره النحاس .قلت : هذا موقوف ، وسيأتي مرفوعا في آخر سورة [ طه ] إن شاء الله - تعالى - ; ولا يصح .

وقد استدل قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى ; وهذا صحيح ، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: هداية كل أحد وضلاله لنفسه لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين لا يعذب أحدا حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة.

وأما من انقاد للحجة أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه.

واستدل بهذه الآية على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا لأنه منزه عن الظلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ( لها ثوابه ( ومن ضل فإنما يضل عليها ( لأن عليها عقابه .

( ولا تزر وازرة وزر أخرى ( أي : لا تحمل حاملة حمل أخرى من الآثام أي : لا يؤخذ أحد بذنب أحد .

( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( إقامة للحجة وقطعا للعذر ، وفيه دليل على أن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه» لأن ثواب اهتدائه له «ومن ضل فإنما يضل عليها» لأن إثمه عليها «ولا تزر» نفس «وازرة» آثمة أي لا تحمل «وزر» نفس «أخرى وما كنا معذبين» أحدا «حتى نبعث رسولاً» يبين له ما يجب عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى.

ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - قاعدة كلية ، لتحمل كل إنسان نتيجة عمله ، فقال - تعالى - : ( مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ) .والفعل ( تزر ) من الوزر بمعنى الإِثم والحمل والثقل .

يقال : وزر يزر وزرا ، أى : أثم ، أو حمل حملا ثقيلا ، ومنه سمى الوزير ، لأنه يحمل أعباء تدبير شئون الدولة .أى : من اهتدى إلى الطريق المستقيم ، وقدم فى حياته العمل الصالح فثمرة هدايته راجعة إلى نفسه ، ومن ضل عن الطريق القويم ، وفسق عن أمر ربه فوبال ضلاله راجع إليه وحده ، ولا تحمل نفس آثمة ، إثم نفس أخرى ، وإنما تسأل كل نفس عن آثامها فحسب .وقد تكرر هذا المعنى فى كثير من آيات القرآن الكريم ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ) وقوله - تعالى - : ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى .

.

) ولا يتنافى هذا مع قوله - تعالى - : ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ .

.

) وقوله - تعالى - : ( لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ .

.

) لأن المقصود فى هاتين الآيتين وأشباههما ، أن دعاة الكفر والفسوق والعصيان ، يحملون ذنوبهم يوم القيامة ، ويحملون فوق ذلك جانبا من ذنوب من كانوا هم سببا فى ضلالهم ، لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها - كما جاء فى الحديث الصحيح - فهم يحملون آثام أنفسهم ، والآثام التى كانوا سببا فى ارتكاب غيرهم لها .كذلك لا يتنافى قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ) مع ما ثبت فى الحديث الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما من " أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه .

.

" .لأن العلماء حملوا الحديث على أن يكون الميت قد أوصى بذلك قبل موته ، أو أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته ، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ويشقون الجيوب ، ويلطمون الخدود .

.

فتعذيبه بسبب تفريطه ، وعدم تنفيذه لقوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة .

.

) وقوله - تعالى - : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ) بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده - ورأفته بهم ، وكرمه معهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: ﴿ وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِي عُنُقِهِ  ﴾ ومعناه: أن كل أحد مختص بعمل نفسه، عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى أقرب إلى الأفهام وأبعد عن الغلط فقال: ﴿ مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ يعني أن ثواب العمل الصالح مختص بفاعله، ولا يتعدى منه إلى غيره، ويتأكد هذا بقوله: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ  وَأَنَّ سَعْيَهُۥ سَوْفَ يُرَىٰ  ﴾ قال الكعبي: الآية دالة على أن العبد متمكن من الخير والشر، وأنه غير مجبور على عمل بعينه أصلاً لأن قوله: ﴿ مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء وأراد، أما المجبور على أحد الطرفين، الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا يليق به.

المسألة الثانية: أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عل نفسه بقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ قال الزجاج: يقال وزر يزر فهو وازر ووزر وزرا وزرة، ومعناه: أثم يأثم إثماً قال: وفي تأويل الآية وجهان: الأول: أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره، وأيضاً غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل أحد مختص بذنب نفسه.

والثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم، لأن غيره عمله كما قال الكفار: ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون  ﴾ .

واعلم أن الناس تمسكوا بهذه الآية في إثبات أحكام كثيرة.

الحكم الأول: قال الجبائي في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم، وإلا لكان الطفل مؤاخذاً بذنب أبيه، وذلك على خلاف ظاهر هذه الآية.

الحكم الثاني: روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله» فعائشة طعنت في صحة هذا الخبر، واحتجت على صحة ذلك الطعن بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ فإن تعذيب الميت بسبب بكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره، وذلك خلاف هذه الآية.

الحكم الثالث: قال القاضي: دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من فعل الله تعالى.

وبيانه من وجوه: أحدها: أنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره.

وثانيها: أنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلاً، لأن الوازر إنما يصح أن يوصف بذلك إذا كان مختاراً يمكنه التحرز، ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بهذا.

الحكم الرابع: أن جماعة من قدماء الفقهاء امتنعوا من ضرب الدية على العاقلة، وقالوا: لأن ذلك يقتضي مؤاخذة الإنسان بسبب فعل الغير، وذلك على مضادة هذه الآية.

وأجيب عنه بأن المخطئ ليس بمؤاخذ على ذلك الفعل، فكيف يصير غيره مؤاخذاً بسبب ذلك الفعل، بل ذلك تكليف واقع على سبيل الابتداء من الله تعالى.

المسألة الثالثة: قال أصحابنا وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ وجه الاستدلال أن الوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية، فوجب أن لا يتحقق الوجوب قبل الشرع.

ثم أكدوا هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل  ﴾ وبقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى  ﴾ .

ولقائل أن يقول: هذا الاستدلال ضعيف، وبيانه من وجهين: الأول: أن نقول: لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي ألبتة، وهذا باطل فذاك باطل بيان الملازمة من وجوه: أحدها: أنه إذا جاء المشرع وادعى كونه نبياً من عند الله تعالى وأظهر المعجزة، فهل يجب على المستمع استماع قوله والتأمل في معجزاته أو لا يجب؟

فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة.

وإن وجب، فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب العقلي، وإن وجب بالشرع فهو باطل، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك المدعي أو غيره، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي، وهذا إثبات للشيء بنفسه، وإن كان ذلك الشارع غيره كان الكلام فيه كما في الأول: ولزم إما الدور أو التسلسل وهما محالان.

وثانيها: أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض الأفعال، وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم، إلا أن يقول: لو تركت كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول: إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا يجب، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب ألبتة، وهذا باطل فذاك باطل، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب، فإما أن يجب بالعقل أو بالسمع، فإن وجب بالعقل فهو المقصود، وإن وجب بالسمع لم يتقرر معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب العقاب عليه، وحينئذ يعود التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال.

وثالثها: أن مذهب أهل السنة أنه يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، فلم يبق إلا أن يقال: إن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل، فثبت أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد العقل، فلزم أن يقال: الوجوب حاصل بمحض العقل.

فإن قالوا: ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم؟

قلنا: إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل، فثبت بهذه الوجوه أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.

وإذا ثبت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: أن نجري الآية على ظاهرها.

ونقول: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الأنبياء، فالعقل هو الرسول الأصلي، فكان معنى الآية وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل.

والثاني: أن نخصص عموم الآية فنقول: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع، وتخصيص العموم وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة، على أنا لو نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي، والله أعلم.

واعلم أن الذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد العقل سبب في أن يجب علينا فعل ما ينتفع به، وترك ما يتضرر به، أما مجرد العقل لا يدل على أنه يجب على الله تعالى شيء.

وذلك لأنا مجبولون على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، فلا جرم كان العقل وحده كافياً في الوجوب في حقنا والله تعالى منزه عن طلب النفع والهرب من الضرر، فامتنع أن يحكم العقل عليه بوجوب فعل أو ترك فعل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي: كل نفس حاملة وزراً، فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ ﴾ وما صحّ منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوماً إلا بعد أن ﴿ نَبْعَثَ ﴾ إليهم ﴿ رَسُولاً ﴾ فتلزمهم الحجة.

فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأنّ معهم أدلة العقل التي بها يعرف الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان.

قلت: بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا: كنا غافلين فلو لا بعث إلينا رسولاً ينبهنا على النظر في أدلة العقل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ أيْ كَفى نَفْسُكَ، والباءُ مَزِيدَةٌ و ﴿ حَسِيبًا ﴾ تَمْيِيزٌ وعَلى صِلَتُهُ لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى الحاسِبِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ وضَرِيبِ القِداحِ بِمَعْنى ضارِبِها مِن حَسَبَ عَلَيْهِ كَذا أوْ بِمَعْنى الكافِي فَوُضِعَ مَوْضِعَ الشَّهِيدِ، لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِيَ ما أهَمَّهُ، وتَذْكِيرُهُ عَلى أنَّ الحِسابَ والشَّهادَةَ مِمّا يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ أوْ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ.

﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ لا يُنْجِي اهْتِداؤُهُ غَيْرَهُ ولا يُرْدِي ضَلالُهُ سِواهُ.

﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ ولا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةً وِزْرًا وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، بَلْ إنَّما تَحْمِلُ وِزْرَها.

﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ يُبَيِّنُ الحُجَجَ ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ فَيُلْزِمُهُمُ الحُجَّةَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنْ لا وُجُوبَ قَبْلَ الشَّرْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} أي فلها ثواب الاهتداء وعليها وبال الضلال {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} أي كل نفس حاملة وزراً فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى {وَمَا كنا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} وما صح منا أن نعذب قوماً عذاب استئصال في الدنيا إلا بعد أن نرسل إليهم رسولاً يلزمهم الحجة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ القُرْآنِ هادِيًا لِلَّتِي هي أقْوَمُ ولِلُزُومِ الأعْمالِ لِأصْحابِها، أيْ: مَنِ اهْتَدى بِهِدايَتِهِ وعَمِلَ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ وانْتَهى عَمّا نَهاهُ عَنْهُ فَإنَّما تَعُودُ مَنفَعَةُ الِاهْتِداءِ بِهِ إلى نَفْسِهِ لا تَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَهْتَدِ ﴿ ومَن ضَلَّ ﴾ عَمّا يَهْتَدِيهِ إلَيْهِ ﴿ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ أيْ: فَإنَّما وبالُ ضَلالِهِ عَلَيْها لا عَلى مَن لَمْ يُباشِرْهُ حَتّى يُمْكِنَ مُفارَقَةُ العَمَلِ صاحِبَهُ ﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الثّانِيَةِ أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى حَتّى يُمْكِنَ تَخَلُّصُ النَّفْسِ الثّانِيَةِ عَنْ وِزْرِها ويَخْتَلُّ ما بَيْنَ العامِلِ وعَمَلِهِ مِنَ التَّلازُمِ، وخُصَّ التَّأْكِيدُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ قَطْعًا لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ فالتَّبِعَةُ عَلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ قَلَّدُوهم.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ لَمّا قالَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ  وعَلَيَّ أوْزارُكُمْ، ولا يُنافِي هَذِهِ الآيَةَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مِن حَمْلِ الغَيْرِ وِزْرَ الغَيْرِ وانْتِفاعِهِ بِحَسَنَتِهِ وتَضَرُّرِهِ بِسَيِّئَتِهِ؛ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ انْتِفاعٌ بِحَسَنَةِ نَفْسِهِ وتَضَرُّرٌ بِسَيِّئَتِهِ، فَإنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ اللَّتَيْنِ يَعْمَلُهُما العامِلُ لازِمٌ لَهُ، وإنَّما يَصِلُ إلى مَن يَشْفَعُ جَزاءُ شَفاعَتِهِ لا جَزاءُ أصْلِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ جَزاءُ الضَّلالِ مَقْصُورٌ عَلى الضّالِّينَ وما يَحْمِلُهُ المُضِلُّونَ إنَّما هو جَزاءُ الإضْلالِ لا جَزاءُ الضَّلالِ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ طَعَنَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها في صِحَّةِ خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ  قالَ: ««إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ»».

فَإنَّ فِيهِ أخْذَ الإنْسانِ بِجُرْمِ غَيْرِهِ وهو خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الآيَةُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلى ما إذا أوْصى المَيِّتُ بِذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ التَّعْذِيبُ مِن قَبِيلِ جَزاءِ الإضْلالِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَيِّتِ المُحْتَضِرُ مَجازًا وبِالتَّعْذِيبِ التَّعْذِيبُ في الدُّنْيا أيْ إنَّ المُحْتَضِرَ يَتَألَّمُ بِبُكاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَبْكُوا، ولَها أيْضًا مَنَعَ جَماعَةٌ مِن قُدَماءِ الفُقَهاءِ صَرْفَ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ لِما فِيهِ مِن مُؤاخَذَةِ الإنْسانِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ تَكْلِيفٌ واقِعٌ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ وإلّا فالمُخْطِئُ نَفْسُهُ لَيْسَ بِمُؤاخَذٍ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ فَكَيْفَ يُؤاخَذُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، واسْتَدَلَّ بِها الجُبائِيُّ عَلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ لا يُعَذَّبُونَ وإلّا كانُوا مُؤاخَذِينَ بِذَنْبِ آبائِهِمْ وهو خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: «هم مِن آبائِهِمْ».

ثُمَّ سَألَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: «اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» ثُمَّ سَألَتْهُ بَعْدَ ما اسْتَحْكَمَ الإسْلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ فَقالَ: «هم عَلى الفِطْرَةِ» أوْ قالَ: «فِي الجَنَّةِ»».

والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ وفِيها مَذاهِبُ؛ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هم في النّارِ تَبَعًا لِآبائِهِمْ، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ «عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: سَألْتُ النَّبِيَّ  عَنْ وِلْدانِ المُسْلِمِينَ أيْنَ هُمْ؟

قالَ: «فِي الجَنَّةِ».

وسَألْتُهُ عَنْ وِلْدانِ المُشْرِكِينَ: أيْنَ هُمْ؟

قالَ: «فِي النّارِ».

قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُدْرِكُوا الأعْمالَ ولَمْ تَجْرِ عَلَيْهِمُ الأقْلامُ.

قالَ: «رَبُّكِ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنْ شِئْتِ أسْمَعْتُكِ تَضاغِيَهم في النّارِ»».

وفِيهِ أنَّ هَذا الخَبَرَ قَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فَلا يُحْتَجُّ بِهِ، نَعَمْ صَحَّ «أنَّهُ  سُئِلَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: «اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ»».

ولَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم في النّارِ، وحَقِيقَةُ لَفْظِهِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ لَوْ بَلَغُوا ولَمْ يَبْلُغُوا، والتَّكْلِيفُ لا يَكُونُ إلّا بِالبُلُوغِ.

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأصْحابُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «حَدَّثَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثّامَةَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُصِيبُ في البَياتِ مِن ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ، قالَ: «هم مِنهُمْ»».

وهُوَ عِنْدَ المُخالِفِينَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم مِنهم في الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالِاسْتِرْقاقِ.

وتَوَقَّفَتْ طائِفَةٌ فِيهِمْ ومِن هَؤُلاءِ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: فِيهِمْ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ومَن يَدْخُلُ النّارَ لِما أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في النَّوادِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  أتاهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا صِغارًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ ساعَةً ثُمَّ قالَ: أيْنَ السّائِلُ؟

فَقالَ: ها أنا ذا يا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى إذا قَضى بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ ولَمْ يَبْقَ غَيْرُهم عَجُّوا فَقالُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا لَمْ تَأْتِنا رُسُلُكَ ولَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّكم إلَيْكم فانْطَلَقُوا فاتَّبَعُوا حَتّى أتَوُا النّارَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا فِيها، فاقْتَحَمَتْ طائِفَةٌ مِنهم ثُمَّ خَرَجُوا مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ أصْحابُهم فَجَعَلُوا في السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ ثُمَّ جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا في النّارِ فاقْتَحَمَتْ طائِفَةٌ أُخْرى ثُمَّ أُخْرِجُوا مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فَجُعِلُوا في أصْحابِ اليَمِينِ، ثُمَّ جاءَ الرَّسُولُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا في النّارِ فَقالُوا: رَبَّنا لا طاقَةَ لَنا بِعَذابِكَ فَأمَرَ بِهِمْ فَجُمِعَتْ نَواصِيهِمْ وأقْدامُهم ثُمَّ أُلْقُوا في النّارِ».

وذَهَبَ المُحَقِّقُونَ إلى أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وهو الصَّحِيحُ ويُسْتَدَلُّ لَهُ بِأشْياءَ مِنها الآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ الجُبّائِيِّ، ومِنها «حَدِيثُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ  في الجَنَّةِ وحَوْلَهُ أوْلادُ النّاسِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأوْلادُ المُشْرِكِينَ.

قالَ: «وأوْلادُ المُشْرِكِينَ»».

رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.

ومِنها ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا في النَّوادِرِ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ «عَنْ أنَسٍ قالَ: سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ فَقالَ: هم خُدّامُ أهْلِ الجَنَّةِ».

ومِنها الآيَةُ الآتِيَةُ حَيْثُ أفادَتْ أنْ لا تَعْذِيبَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ، ولا يَتَوَجَّهُ عَلى المَوْلُودِ التَّكْلِيفُ ويَلْزَمُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتّى يَبْلُغَ، ولَمْ يُخالِفْ أحَدٌ في أنَّ أوْلادَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ إلّا بَعْضَ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ فَإنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِمْ، لِحَدِيثِ عائِشَةَ: «تُوَفِّي صَبِيٌّ مِنَ الأنْصارِ فَقُلْتُ: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِن عَصافِيرِ الجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ ولَمْ يُدْرِكْهُ.

فَقالَ  : «أوَغَيْرَ ذَلِكَ يا عائِشَةُ؟

إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أهْلًا، خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ لِلنّارِ أهْلًا، خَلَقَهم لَها وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ»».

وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَهاها عَنِ المُسارَعَةِ إلى القَطْعِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها دَلِيلٌ قاطِعٌ كَما أنْكَرَ عَلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ في قَوْلِهِ: أعْطِهِ إنِّي لَأراهُ مُؤْمِنًا.

قالَ: أوْ مُسْلِمًا.

الحَدِيثَ.

ويُحْتَمَلُ أنَّهُ  قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أطْفالَ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ، فَلَمّا عَلِمَ قالَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ  : ««ما مِن مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى الجَنَّةَ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ إيّاهُمْ»».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ، وقالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الوِزْرَ لَيْسَ مِن فِعْلِهِ تَعالى لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لامْتَنَعَ أنْ يُؤاخَذَ العَبْدُ بِهِ كَما لا يُؤاخَذُ بِوِزْرِ غَيْرِهِ، ولِأنَّهُ كانَ يَجِبُ ارْتِفاعُ الوِزْرِ أصْلًا لِأنَّ الوازِرَ إنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ إذا كانَ مُخْتارًا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ، ولِهَذا المَعْنى لا يُوصَفُ الصَّبِيُّ بِذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنَّما يَنْتَهِضُ عَلى الجَبْرِيَّةِ لا عَلى الجَماعَةِ القائِلِينَ لا جَبْرَ ولا تَفْوِيضَ ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ ﴾ بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ آثارِ الهِدايَةِ والضَّلالِ بِأصْحابِها وعَدَمِ حِرْمانِ المُهْتَدِي مِن ثَمَراتِ هِدايَتِهِ وعَدَمِ مُؤاخَذَةِ النَّفْسِ بِجِنايَةِ غَيْرِها.

أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ مِنّا بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ أوْ ما كانَ في حُكْمِنا الماضِي وقَضائِنا السّابِقِ أنْ نُعَذِّبَ أحَدًا بِنَوْعٍ ما مِنَ العَذابِ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ أوْ تَرْكِ شَيْءٍ أصْلِيًّا كانَ أوْ فَرْعِيًّا ﴿ حَتّى نَبْعَثَ ﴾ إلَيْهِ ﴿ رَسُولا ﴾ يَهْدِي إلى الحَقِّ ويَرْدَعُ عَنِ الضَّلالِ ويُقِيمُ الحُجَجَ ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ أوْ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا كَذَلِكَ تَبْلُغُهُ دَعْوَتُهُ سَواءٌ كانَ مَبْعُوثًا إلَيْهِ أمْ لا عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخِلافِ، وهَذا غايَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ وُقُوعِ العَذابِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ مُطْلَقًا كَيْفَ والأُخْرَوِيُّ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَقِيبَ البَعْثِ والدُّنْيَوِيُّ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الفِسْقِ والعِصْيانِ، ألا يَرى إلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَيْفَ تَأخَّرَ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ زُهاءَ ألْفِ سَنَةٍ، وأُلْزِمَ المُعْتَزِلَةُ القائِلُونَ بِالوُجُوبِ العَقْلِيِّ قَبْلَ البَعْثَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ تَعالى نَفى فِيها التَّعْذِيبَ مُطْلَقًا قَبْلَ البَعْثَةِ وهو مِن لَوازِمِ الوُجُوبِ بِشَرْطِ تَرْكِ الواجِبِ عِنْدَهم إذْ لا يُجَوِّزُونَ العَفْوَ فَيَنْتَفِي الوُجُوبُ قَبْلَ البَعْثَةِ لِانْتِفاءِ لازِمِهِ، ومَحْصُولُهُ أنَّهُ لَوْ كانَ وُجُوبٌ عَقْلِيٌّ لَثَبَتَ قَبْلَ البَعْثَةِ ولا شُبْهَةَ في أنَّ العُقَلاءَ كانُوا يَتْرُكُونَ الواجِباتِ حِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُعَذَّبِينَ قَبْلَها وهو باطِلٌ بِالآيَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا أُرِيدَ بِالعَذابِ ما يَشْمَلُ الدُّنْيَوِيَّ والأُخْرَوِيَّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، لَكِنَّ المُناسِبَ لِما بَعْدَ أنْ يُرادَ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ قَبْلَ البَعْثِ انْتِفاءُ الوُجُوبِ؛ لِأنَّ لازِمَ الوُجُوبِ عِنْدَهم هو العَذابُ الأُخْرَوِيُّ، وأُجِيبَ بَعْدَ تَسْلِيمٍ أنَّ المُناسِبَ لِما بَعْدُ أنْ يُرادَ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ بِأنَّ الآيَةَ لَمّا دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ إيصالُ العَذابِ الأدْنى عَلى تَرْكِ الواجِبِ قَبْلَ التَّنْبِيهِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ فَدَلالَتُها عَلى عَدَمِ إيصالِ العَذابِ الأكْبَرِ عَلى تَرْكِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أوْلى، وأوْرَدَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ المَحْصُولِ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الوُجُوبِ العَقْلِيِّ قَبْلَ البَعْثَةِ أُمُورًا، الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالرَّسُولِ فِيها العَقْلُ، الثّانِي: أنّا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ لَكِنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ تَعْذِيبِ المُباشَرَةِ قَبْلَ البَعْثَةِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ نَفْيُ مُطْلَقِ التَّعْذِيبِ.

الثّالِثُ: أنّا سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى نَفْيِ التَّعْذِيبِ قَبْلَها عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ، الرّابِعُ: أنّا سَلَّمْنا الدَّلالَةَ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ المُؤاخَذَةِ انْتِفاءُ الِاسْتِحْقاقِ لِجَوازِ سُقُوطِ المُؤاخَذَةِ بِالمَغْفِرَةِ، ثُمَّ أجابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ حَقِيقَةَ الرَّسُولِ هو النَّبِيُّ المُرْسَلُ والأصْلُ في الكَلامِ الحَقِيقَةُ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ مِن شَأْنِ عَظِيمِ القَدْرِ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْيِ التَّعْذِيبِ مُطْلَقًا بِنَفْيِ المُباشَرَةِ، وعَنِ الثّالِثِ بِما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ أحَدًا ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ انْتِفاءُ تَعْذِيبِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ؛ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ لِأنَّ الخَصْمَ لا يَقُولُ بِهِ.

وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ التَّعْذِيبِ قَبْلَ البَعْثَةِ وانْتِفاؤُهُ قَبْلَها ظاهِرًا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ قَبْلَها، فَمَنِ ادَّعى أنَّ الوُجُوبَ ثابِتٌ وقَدْ وقَعَ التَّجاوُزُ بِالمَغْفِرَةِ فَعَلَيْهِ البَيانُ اه.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا كانَ الِاسْتِدْلالُ إلْزامِيًّا كَما قالَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ لا يَرِدُ الأمْرُ الرّابِعُ أصْلًا لِأنَّ المُعْتَزِلَةَ لا يُجَوِّزُونَ العَفْوَ عَنْ تارِكِ الواجِبِ العَقْلِيِّ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ، نَعَمْ قالَ المَراغِيُّ في شَرْحِ مِنهاجِ الأُصُولِ لِلْقاضِي: لا حاجَةَ إلى جَعْلِ الدَّلِيلِ إلْزامِيًّا بَلْ يَجُوزُ إتْمامُهُ عَلى تَقْدِيرِ جَوازِ العَفْوِ أيْضًا بِأنْ يُقالَ: وُقُوعُ العَذابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لازِمًا لِلْوُجُوبِ لَكِنَّ عَدَمَ الأمْنِ مِن وُقُوعِهِ لازِمٌ لَهُ ضَرُورَةً؛ إذْ يَجُوزُ العِقابُ عَلى تَرْكِ الواجِبِ عِنْدَنا وإنْ لَمْ يَجِبْ وهَذا اللّازِمُ أعْنِي عَدَمَ الأمْنِ مُنْتَفٍ لِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ فَيَنْتَفِي المَلْزُومُ.

ورُدَّ ذَلِكَ أوَّلًا بِمَنعِ أنَّ عَدَمَ الأمْنِ مِن وُقُوعِ العَذابِ مِن لَوازِمِ تَرْكِ الواجِبِ مُطْلَقًا بَلْ عَدَمُ الأمْنِ إذا لَمْ يُتَيَقَّنْ عَدَمُ وُقُوعِ العَذابِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنَّ انْتِفاءَ عَدَمِ الأمْنِ إنَّما هو بِالآيَةِ إذْ قُبِلَ وُرُودُها كانَ العِقابُ جائِزًا ولا شَكَّ أنَّ انْتِفاءَهُ بِها انْتِفاءٌ بِالعَفُوِّ لِأنَّ مَعْنى العَفْوِ عَدَمُ العِقابِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَتِمَّ الدَّلِيلُ عَلى تَقْدِيرِ جَوازِ العَفْوِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: نَجْعَلُ اللّازِمَ جَوازَ العِقابِ فَيَتِمُّ الدَّلِيلُ تَحْقِيقًا لِأنَّ جَوازَ العَفْوِ لا يُنافِي جَوازَ العِقابِ.

ورُدَّ بِأنَّ المُلازَمَةَ القائِلَةَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ الوُجُوبُ ثابِتًا قَبْلَ الشَّرْعِ لَعُذِّبَ تارِكُ الواجِبِ، وإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً حِينَئِذٍ لَكِنَّ بُطْلانَ التّالِي مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى نَفْيِ وُقُوعِ العَذابِ لا عَلى نَفْيِ جَوازِهِ.

وفِيهِ أنَّ مَعْنى: ما كُنّا مُعَذِّبِينَ ما سَمِعْتَ وهو يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الجَوازِ، وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا التَّرْكِيبِ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنّا ظالِمِينَ ﴾ ، (وما كُنّا لاعِبِينَ) إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَوْ أُرِيدَ نَفْيُ الوُقُوعِ لَقِيلَ: وما نُعَذِّبُ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا.

وضَعَّفَ الإمامُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ العَقْلِيُّ لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ البَتَّةَ، وهَذا باطِلٌ فَذاكَ باطِلٌ.

قالَ: بَيانُ المُلازَمَةِ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنَّهُ إذا جاءَ الشّارِعُ وادَّعى كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ فَهَلْ يَجِبُ عَلى المُسْتَمِعِ اسْتِماعُ قَوْلِهِ والتَّأمُّلُ في مُعْجِزَتِهِ أوْ لا يَجِبُ، فَإنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ، وإنْ وجَبَ فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالشَّرْعِ أوْ بِالعَقْلِ، فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَقَدْ ثَبَتَ الوُجُوبُ العَقْلِيُّ، وإنْ وجَبَ بِالشَّرْعِ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشّارِعَ إمّا أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ المُدَّعِيَ أوْ غَيْرَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَرْجِعُ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنْ يَقُولَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أنِّي أقُولُ: يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي وهَذا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ غَيْرَهُ كانَ الكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ، ولَزِمَ إمّا الدَّوْرُ أوِ التَّسَلْسُلُ وهُما مُحالانِ.

وثانِيها: أنَّ الشَّرْعَ إذا جاءَ وأوْجَبَ بَعْضَ الأفْعالِ وحَرَّمَ بَعْضَها فَلا مَعْنى لِلْإيجابِ والتَّحْرِيمِ إلّا أنْ يَقُولَ: لَوْ تَرَكْتَ كَذا أوْ فَعَلْتَ كَذا لَعاقَبْتُكَ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ أوْ لا يَجِبُ، فَإنْ لَمْ يَجِبْ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى الوُجُوبِ البَتَّةَ، وإنْ وجَبَ فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ، فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ وجَبَ بِالسَّمْعِ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى الوُجُوبِ إلّا بِسَبَبِ تَرْتِيبِ العِقابِ عَلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.

وثالِثُها أنَّ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى العَفْوُ عَنِ العِقابِ عَلى تَرْكِ الواجِبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ ماهِيَّةُ الوُجُوبِ حاصِلَةً مَعَ عَدَمِ العِقابِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ماهِيَّةَ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ العِقابِ وهَذا الخَوْفُ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ فَثَبَتَ أنَّ ماهِيَّةَ الوُجُوبِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ، وأنَّ هَذا الخَوْفَ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ فَلَزِمَ أنْ يُقالَ: الوُجُوبُ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ، فَإنْ قالُوا: ماهِيَّةُ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الذَّمِّ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى إذا عَفا فَقَدْ سَقَطَ الذَّمُّ فَعَلى ماهِيَّةِ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ وذَلِكَ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الوُجُوبَ العَقْلِيَّ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ اه.

وتَعَقَّبَهُ العِبادِيُّ بِأنَّهُ يُمْكِنُ الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ إذا أظْهَرَ المُعْجِزَةَ عَلى دَعْواهُ أنَّهُ رَسُولٌ ثَبَتَ صِدْقُهُ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ فَيَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ في كُلِّ ما يُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ لُزُومِ مَحْذُورٍ مِن إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ أوِ الدَّوْرِ أوِ التَّسَلْسُلِ، وإنْ كانَ ثُبُوتُ ما أُخْبِرَ بِالشَّرْعِ بِمَعْنى أنَّ ثُبُوتَهُ بِإخْبارِ مَن ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِالمُعْجِزَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ ولَيْسَ حاصِلُ الكَلامِ عَلى هَذا أنَّهُ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أنِّي أقُولُ: يَجِبُ قَوْلِي حَتّى يَلْزَمَ ما يَلْزَمُ بَلْ حاصِلُهُ أنَّهُ يَقُولُ: يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي لِأنَّهُ ثَبَتَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ تَعالى فَيَجِبُ صِدْقِي وتَصْدِيقِي في كُلِّ ما أدَّعِيهِ، ولَيْسَ في هَذا شَيْءٌ مِنَ المَحاذِيرِ السّابِقَةِ، وقَدْ صَرَّحَ السَّيِّدُ السَّنَدُ في شَرْحِ المَواقِفِ بِأنَّهُ يَثْبُتُ الشَّرْعُ وتَجِبُ المُتابَعَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوى الرِّسالَةِ مَعَ اقْتِرانِ المُعْجِزَةِ وتَمَكُّنِ المَبْعُوثِ إلَيْهِ العاقِلِ مِنَ النَّظَرِ وإنْ لَمْ يَنْظُرْ، وذَكَرَ أنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ الِاسْتِمْهالُ ولَوِ اسْتَمْهَلَ لَمْ يَجِبِ الإمْهالُ لِجَرَيانِ العادَةِ بِإيجابِ العِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ الَّذِي هو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ فَعُلِمَ أنَّهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوى الرِّسالَةِ مَعَ ما ذُكِرَ يَثْبُتُ الوُجُوبُ بِإخْبارِهِ وهُوَ ثُبُوتُ الشَّرْعِ لِأنَّ مَعْنى الثُّبُوتِ بِهِ هو الثُّبُوتُ بِالإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا، وعَلى هَذا لا يَتَأتّى التَّرْدِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْعَ إمّا أنْ يَكُونَ إلَخْ.

فَلْيُتَأمَّلْ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ وُجُوبَ الِاحْتِرازِ عَنِ العِقابِ لَيْسَ أمْرًا أجْنَبِيًّا عَنْ وُجُوبِ كَذا حَتّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ التَّرْدِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَلْ هو نَفْسُ وُجُوبِ كَذا أوْ لازِمُهُ؛ إذِ الِاحْتِرازُ لَيْسَ إلّا بِالإتْيانِ بِكَذا الَّذِي هو الواجِبُ، فَوُجُوبُ الِاحْتِرازِ أمّا وُجُوبُ كَذا أوْ لازِمِهِ فَوُجُوبُهُ بِوُجُوبِهِ فَلا يَلْزَمُ التَّرْدِيدُ المَذْكُورُ.

وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِقَوْلِهِ: إنَّ ماهِيَّةَ الواجِبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ العِقابِ أنَّ حُصُولَ الواجِبِ في الخارِجِ بِالإتْيانِ بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ فَلَيْسَ الكَلامُ فِيهِ ومَعَ ذَلِكَ أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الإتْيانَ بِالواجِبِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ وإنْ أرادَ أنَّ تَحَقُّقَ وُجُوبِ الواجِبِ أيْ تَعَلُّقَ وُجُوبِهِ بِالمُكَلَّفِ الَّذِي هو التَّكْلِيفُ التَّنْجِيزِيُّ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ المَذْكُورِ فَهو مَمْنُوعٌ كَما هو ظاهِرٌ.

اه.

فَتَدَبَّرْ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَمامِهِ لا يَخْتَصُّ بِالمُعْتَزِلَةِ بَلْ يُشارِكُهم في ذَلِكَ أحَدُ فَرِيقَيِ الحَنَفِيَّةِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ وهُمُ الماتُرِيدِيَّةُ وعامَّةُ مَشايِخِ سَمَرْقَنْدَ لِأنَّهم وإنْ لَمْ يَقُولُوا كالمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ العَقْلَ حاكِمٌ بِالحُسْنِ والقُبْحِ اللَّذَيْنِ أثْبَتُوهُما جَمِيعًا لَكِنَّهم قالُوا: إنَّ العَقْلَ آلَةٌ لِلْعِلْمِ بِهِما فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَ نَظَرِ العَقْلِ نَظَرًا صَحِيحًا، وأوْجَبُوا الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى وتَعْظِيمَهُ وحَرَّمُوا نِسْبَةَ ما هو شَنِيعٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ حَتّى رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا لَوَجَبَ عَلى الخَلْقِ مَعْرِفَتُهُ.

وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَمائِهِمْ بِأنَّ العَقْلَ حُجَّةٌ مِن حُجَجِ اللَّهِ تَعالى ويَجِبُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ: ﴿ إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ حَيْثُ قالَ ذَلِكَ ولَمْ يَقُلْ: أُوحِيَ إلَيَّ، ومِنَ اسْتِدْلالِهِ بِالنُّجُومِ ومَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِها وجَعْلِها حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ وكَذاكَ كُلُّ الرُّسُلِ حاجُّوا قَوْمَهم بِحُجَجِ العَقْلِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةَ.

بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ﴾ الآيَةَ.

حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ بَعْدَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ أوْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ خَبَرًا عَنْ أهْلِ النّارِ: ﴿ وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ ﴾ حَيْثُ أخْبَرُوا أنَّهم صارُوا في النّارِ لِتَرْكِهِمُ الِانْتِفاعَ بِالسَّمْعِ والعَقْلِ.

وفِيهِ أنَّهم لَوِ انْتَفَعُوا بِالعُقُولِ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَمْ يَصِيرُوا في النّارِ، وبِأنَّ الحُجَجَ السَّمْعِيَّةَ لَمْ تَكُنْ حُجَجًا إلّا بِاسْتِدْلالٍ عَقْلِيٍّ، وبِأنَّ دُعاءَ جَمِيعِ الكَفَرَةِ إلى دِينِ الإسْلامِ واجِبٌ عَلى الأُمَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الدَّهْرِيَّةَ لا يُحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا حُجَجُ العُقُولِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُمْ: لَوْ وجَبَ عَلى الخَلْقِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى والإيمانُ بِهِ قَبْلَ بِعْثَةِ رَسُولٍ لَزِمَ تَعْذِيبُ الكافِرِ قَبْلَها؛ لِإخْبارِهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ بِهِ، وقَدْ نَفى التَّعْذِيبَ في الآيَةِ فَلا وُجُوبَ ضَرُورَةً انْتِفاءُ المَلْزُومِ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ عَلى نَهْجِ ما فُعِلَ مَعَ المُعْتَزِلَةِ، والإمامُ الرّازِيُّ بَعْدَ أنْ ضَعَّفَ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ وأثْبَتَ الوُجُوبَ العَقْلِيَّ ذَكَرَ في الآيَةِ وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: حَمْلُ الرَّسُولِ عَلى العَقْلِ، والثّانِي: تَخْصِيصُ العُمُومِ بِأنْ يُقالَ: المُرادُ ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ ﴾ في الأعْمالِ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالشَّرْعِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَرْتَضِيهِ ونَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ مُجَرَّدَ العَقْلِ سَبَبٌ في أنْ يَجِبَ عَلَيْنا فِعْلُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ وتَرْكُ ما يُتَضَرَّرُ بِهِ ويَمْتَنِعُ أنْ يَحْكُمَ العَقْلَ عَلَيْهِ تَعالى بِوُجُوبِ فِعْلٍ أوْ تَرْكِ فِعْلٍ اه.

وأنْتَ تَعْلَمُ ما قِيلَ مِن حَمْلِ الرَّسُولِ عَلى العَقْلِ وهو خِلافُ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، ويُبْعِدُهُ تَوْبِيخُ الخَزَنَةِ الكُفّارَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ ﴾ ولَمْ يَقُولُوا: أوَلَمْ تَكُونُوا عُقَلاءَ، وحَمْلُ الرَّسُولِ فِيهِ عَلى العَقْلِ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ العَقْلُ، واعْتَذَرَ هو عَنِ التَّخْصِيصِ بِأنَّهُ وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وقَدْ قامَ بِزَعْمِهِ.

وأبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ ومُتَّبِعُوهُ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى نَفْيِ تَعْذِيبِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، وذَهَبَ هَؤُلاءِ إلى تَعْذِيبِ أهْلِ الفَتْرَةِ بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وهم كُلُّ مَن كانَ بَيْنَ رَسُولَيْنِ ولَمْ يَكُنِ الأوَّلُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ ولا أدْرَكُوا الثّانِيَ، واعْتَمَدَ القَوْلَ بِتَعْذِيبِهِمُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقالَ: إنَّ مَن ماتَ في الفَتْرَةِ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ في النّارِ ولَيْسَ في هَذا مُؤاخَذَةٌ قَبْلَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ كانَتْ بَلَغَتْهم دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّ النَّوَوِيَّ يَكْتَفِي في وُجُوبِ الإيمانِ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِبُلُوغِهِ دَعْوَةَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلَيْهِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ حُكْمِهِ بِأنَّهم أهْلُ فَتْرَةٍ بِالمَعْنى السّابِقِ وحُكْمِهِ بِأنَّ الدَّعْوَةَ بَلَغَتْهم خِلافًا لِلْآبِيِّ في زَعْمِهِ ذَلِكَ، نَعَمْ إنَّما تَلْزَمُ المُنافاةُ لَوِ ادَّعى أنَّ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الرُّسُلِ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ ولَيْسَ فَلَيْسَ.

وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الحَلِيمِيُّ فَقالَ في مِنهاجِهِ: إنَّ العاقِلَ المُمَيِّزَ إذا سَمِعَ أيَّةَ دَعْوَةٍ كانَتْ إلى اللَّهِ تَعالى فَتَرَكَ الِاسْتِدْلالَ بِعَقْلِهِ عَلى صِحَّتِها وهو مِن أهْلِ الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ كانَ بِذَلِكَ مُعْرِضًا عَنِ الدَّعْوَةِ فَكَفَرَ، ويَبْعُدُ أنْ يُوجَدَ شَخْصٌ لَمْ يَبْلُغْهُ خَبَرُ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وتَطاوُلِ أزْمانِ دَعْوَتِهِمْ ووُفُورِ عَدَدِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ واتَّبَعُوهم والَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ وخالَفُوهُمْ؛ فَإنَّ الخَبَرَ قَدْ يَبْلُغُ عَلى لِسانِ المُخالِفِ كَما يَبْلُغُ عَلى لِسانِ المُوافِقِ ولَوْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ لَمْ يَسْمَعْ قَطُّ بِدِينٍ ولا دَعْوَةِ نَبِيٍّ ولا عُرْفٍ أنَّ في العالَمِ مَن يُثْبِتُ إلَهًا ولا نَرى أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، فَأمْرُهُ عَلى الِاخْتِلافِ في أنَّ الإيمانَ هَلْ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ أوْ لا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ النَّقْلِ، وهَذا صَرِيحٌ في ثُبُوتِ تَكْلِيفِ كُلِّ أحَدٍ بِالإيمانِ بَعْدَ وُجُودِ دَعْوَةِ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِ، وبالَغَ بَعْضَهم في اعْتِمادِ ذَلِكَ حَتّى قالَ: فَمَن بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ أحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَقَصَّرَ في البَحْثِ عَنْها فَهو كافِرٌ مِن أهْلِ النّارِ فَلا تَغْتَرَّ بِقَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ بِنَجاةِ أهْلِ الفَتْرَةِ مَعَ أخْبارِ النَّبِيِّ  بِأنَّ آباءَهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا في الجاهِلِيَّةِ في النّارِ اه.

والَّذِي عَلَيْهِ الأشاعِرَةُ مِن أهْلِ الكَلامِ والأُصُولِ والشّافِعِيَّةُ مِنَ الفُقَهاءِ أنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ لا يُعَذَّبُونَ وأطْلَقُوا القَوْلَ في ذَلِكَ، وقَدْ صَحَّ تَعْذِيبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ أحادِيثَهم آحادٌ لا تُعارِضُ القَطْعَ بِعَدَمِ التَّعْذِيبِ قَبْلَ البَعْثَةِ، وبِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْذِيبُ مَن صَحَّ تَعْذِيبُهُ مِنهم لِأمْرٍ مُخْتَصٍّ بِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ عِلْمَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ  نَظِيرَ ما قِيلَ في الحُكْمِ بِكُفْرِ الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ صِباهُ، وقِيلَ: إنَّ تَعْذِيبَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في الأحادِيثِ مَقْصُورٌ عَلى مَن غَيَّرَ وبَدَّلَ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ بِما لا يُعْذَرُ بِهِ كَعِبادَةِ الأوْثانِ وتَغْيِيرِ الشَّرائِعِ كَما فَعَلَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يُوافِقُ إطْلاقَ هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ ولا القَوْلَ بِأنَّهُ لا وُجُوبَ إلّا بِالشَّرْعِ ولَوْ أمْكَنَ أنْ يَكُونَ مَن ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ مِنَ اتِّباعِ مَن بَقِيَ شَرْعُهُ إذْ ذاكَ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْقَ أشْكالٌ أصْلًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن يَقُولُ بِتَعْذِيبِهِمْ مُطْلَقًا بِما أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: ««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِالمَمْسُوخِ عَقْلًا وبِالهالِكِ في الفَتْرَةِ وبِالهالِكِ صَغِيرًا فَيَقُولُ المَمْسُوخُ عَقْلًا: يا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عَقْلًا ما كانَ مَن آتَيْتَهُ عَقْلًا بِأسْعَدَ بِعَقْلِهِ مِنِّي.

ويَقُولُ الهالِكُ في الفَتْرَةِ: يا رَبِّ، لَوْ أتانِي مِنكَ عَهْدٌ ما كانَ مَن أتاهُ مِنكَ عَهْدٌ بِأسْعَدَ بِعَهْدِكَ مِنِّي.

ويَقُولُ الهالِكُ صَغِيرًا: يا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عُمْرًا ما كانَ مَن آتَيْتَهُ عُمْرًا بِأسْعَدَ بِعُمْرِهِ مِنِّي.

فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: فاذْهَبُوا فادْخُلُوا جَهَنَّمَ ولَوْ دَخَلُوها ما ضَرَّتْهم شَيْئًا، فَتَخْرُجُ عَلَيْهِمْ قَوابِصُ مِن نارٍ يَظُنُّونَ أنَّها قَدْ أهْلَكَتْ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن شَيْءٍ، فَيَرْجِعُونَ سِراعًا ويَقُولُونَ: يا رَبَّنا، خَرَجْنا وعِزَّتِكَ نُرِيدُ دُخُولَها فَخَرَجَتْ عَلَيْنا قَوابِصُ مِن نارٍ ظَنَنّا أنْ قَدْ أهْلَكَتْ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى مِن شَيْءٍ، ثُمَّ يَأْمُرُهم ثانِيَةً فَيَرْجِعُونَ لِذَلِكَ ويَقُولُونَ كَذَلِكَ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: خَلَقْتُكم عَلى عِلْمِي، وإلى عِلْمِي تَصِيرُونَ، يا نارُ ضُمِّيهِمْ فَتَأْخُذُهُمُ النّارُ»».

وبَعْضُ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ مِنهم مَن يُعَذَّبُ ومِنهم مَن لا يُعَذَّبُ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ راهَوَيْهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ««أرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا، ورَجُلٌ أحْمَقُ، ورَجُلٌ هَرِمٌ، ورَجُلٌ ماتَ في فَتْرَةٍ.

فَأمّا الأصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وما أسْمَعُ شَيْئًا، وأمّا الأحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، جاءَ الإسْلامُ والصِّبْيانُ يَحْذِفُونَنِي بِالبَعْرِ، وأمّا الهَرِمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وما أعْقِلُ شَيْئًا، وأمّا الَّذِي ماتَ في الفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، ما أتانِي لَكَ رَسُولٌ.

فَيَأْخُذُ سُبْحانَهُ مَواثِيقَهم لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا أنِ ادْخُلُوا النّارَ، فَمَن دَخَلَها كانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، ومَن لَمْ يَدْخُلْها سُحِبَ إلَيْها»».

وأخْرَجَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِأرْبَعَةٍ.

بِالمَوْلُودِ والمَعْتُوهِ ومَن ماتَ في الفَتْرَةِ والشَّيْخِ الهَرِمِ الفانِي، كُلُّهم يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لِعُنُقٍ مِن جَهَنَّمَ: ابْرُزِي.

ويَقُولُ لَهُمْ: إنِّي كُنْتُ أبْعَثُ إلى عِبادِي رُسُلًا مِن أنْفُسِهِمْ وإنِّي رَسُولُ نَفْسِي إلَيْكم.

فَيَقُولُ لَهُمْ: ادْخُلُوا هَذِهِ.

فَيَقُولُ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ: يا رَبِّ، أتُدْخِلْناها ومِنها كُنّا نَفِرُّ؟

وأمّا مَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ فَيَمْضِي فَيَقْتَحِمُ فِيها فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ عايَنْتُمُونِي فَعَصَيْتُمُونِي.

فَأنْتُمْ لِرُسُلِي أشَدُّ تَكْذِيبًا ومَعْصِيَةً فَيَدْخُلُ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ وهَؤُلاءِ النّارَ»».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ويَحْتَجُّ بِها مَن قالَ بِانْقِسامِ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ بَلْ وذَرارِيِّ المُؤْمِنِينَ وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِها شَيْءٌ، وإنْ قالَ في الإصابَةِ: إنَّها ورَدَتْ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ، وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِها فَمُعارِضُها أصَحُّ مِنها، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّ العَقْلَ حُجَّةٌ في مَعْرِفَةِ الصّانِعِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الوَلَدِ سُبْحانَهُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ وغَيْرِها وإنْ كانَ في بَعْضِها ما يُقالُ، وإرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى، أوْ أنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ ما لا يُنالُ بِالعُقُولِ مِن أنْواعِ العِباداتِ والحُدُودِ فَلا يَرِدُ أنَّهُ لَوْ كانَ العَقْلُ حُجَّةً ما أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا ولاكْتَفى بِهِ.

وقِيلَ في جَوابِهِ: لَمّا كانَ أمْرُ البَعْثِ والجَزاءِ مِمّا يُشْكِلُ مَعَ العَقْلِ وحْدَهُ إلّا بِعَظِيمِ تَأمُّلٍ فِيهِ حَرَجٌ يُعْذَرُ الإنْسانُ بِمِثْلِهِ ولا إيمانَ بِدُونِهِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِبَيانِ ما بِهِ تَتِمَّةُ الدِّينِ لا لِنَفْسِ مَعْرِفَةِ الخالِقِ؛ فَإنَّها تُنالُ بِبِدايَةِ العُقُولِ، فالبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلى البَعِيرِ، والأثَرُ عَلى المَسِيرِ، فَسَماءٌ ذاتُ أبْراجٍ، وأرْضٌ ذاتُ فِجاجٍ، وبِحارٌ ذاتُ أمْواجٍ ألا تَدُلُّ عَلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.

وأيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَدَعْنا ورَسُولًا مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى آخِرِهِ، والحُجَّةُ كانَتْ قائِمَةً بِالواحِدِ كَما بَقِيَتْ بِمُحَمَّدٍ  إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً كافِيَةً، وكَذَلِكَ لَمْ يَدَعْنا سُبْحانَهُ، والبَيانُ بِآيَةٍ واحِدَةٍ بَلْ مَنَّ عَلَيْنا جَلَّ شَأْنُهُ بِآياتٍ مُتَكَرِّرَةٍ، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ الواحِدَةَ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً كافِيَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى خَبَرًا عَنْ قَوْلِ الخَزَنَةِ لِأهْلِ النّارِ: ﴿ أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ ﴾ تَوْبِيخٌ بِالأظْهَرِ، وهو لا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآخَرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ عَلى مَعْنى: لِئَلّا يَكُونَ لَهُمُ احْتِجاجٌ بِزَعْمِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: ﴿ لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ ﴾ مَحْمُولٌ عَلى الإهْلاكِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وأمّا جَزاءُ الكُفْرِ فالنّارُ في العُقْبى، وكَذا يُقالُ في الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها لِكَثْرَةِ ما يَدْعُو إلَيْهِ فَلا عُذْرَ لِمَن لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ سُبْحانَهُ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ إذا كانَ عاقِلًا مُمَيِّزًا مُتَمَكِّنًا مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لا سِيَّما إذا بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَكادُ يُوجَدُ مَن لَمْ تَبْلُغْهُ كَما سَمِعْتَ عَنِ الحَلِيمِيِّ وقِيلَ بِوُجُودِهِ في أمْرِيقا وهي المُسَمّاةُ بِيكِي دُنْيا قَبْلَ أنْ يَظْفَرَ بِها في حُدُودِ الألْفِ بَعْدِ الهِجْرَةِ كِرِشْتُوفِيلْ المَشْهُورُ بِقُلُوبْنُو فَإنَّ أهْلَها عَلى ما بَلَغَنا إذْ ذاكَ لَمْ يَسْمَعُوا بِدَعْوَةِ رَسُولٍ أصْلًا، ثُمَّ المَفْهُومُ مِن كَلامِ الأجِلَّةِ أنَّ النِّزاعَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِأحْكامِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى بِخِلافِ الفُرُوعِ فَلا خِلافَ في أنَّها لا تَثْبُتُ إلّا في حَقِّ مَن بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وهو الظّاهِرُ، نَعَمْ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ المِلَلُ مِنَ الفُرُوعِ هَلْ هو كالإيمانِ حَتّى يَجْرِيَ فِيهِ النِّزاعُ المُتَقَدِّمُ؟

فِيهِ نَظَرٌ، وأمّا الإيمانُ بِنَبِيِّنا  فَلَيْسَ بِواجِبٍ عَلى مَن لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَتُهُ؛ إذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ في ذَلِكَ مَجالٌ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي عَقْلٍ، بَلْ قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ: النّاسُ بَعْدَ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أصْنافٌ: صِنْفٌ لَمْ تَبْلُغْهم دَعْوَتُهُ ولَمْ يَسْمَعُوا بِهِ أصْلًا فَأُولَئِكَ مَقْطُوعٌ لَهم بِالجَنَّةِ، وصِنْفٌ بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ وظُهُورُ المُعْجِزَةِ عَلى يَدِهِ وما كانَ عَلَيْهِ  مِنَ الأخْلاقِ العَظِيمَةِ والصِّفاتِ الكَرِيمَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ كالكَفَرَةِ الَّذِينَ بَيْنَ ظَهْرانِينا، فَأُولَئِكَ مَقْطُوعٌ لَهم بِالنّارِ، وصِنْفٌ بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وسَمِعُوا بِهِ لَكِنْ كَما يَسْمَعُ أحَدُنا بِالدَّجّالِ وحاشا قَدْرِهِ الشَّرِيفِ  عَنْ ذَلِكَ فَهَؤُلاءِ أرْجُو لَهُمُ الجَنَّةَ؛ إذْ لَمْ يَسْمَعُوا ما يُرَغِّبُهم في الإيمانِ بِهِ اه، ولَعَلَّ القَطْعَ بِالجَنَّةِ لِلْأوَّلِينَ ورَجاءَها لِلْآخَرِينَ إنَّما يَكُونانِ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ تَعالى، وأمّا إذا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ فَهم عَلى الخِلافِ، ثُمَّ إنَّ مَسْألَةَ عَدَمِ الوُجُوبِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إنَّما يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِالآيَةِ عِنْدَ المُسْتَدِلِّينَ بِها كَما قالَ الأصْفَهانِيُّ: إذا كانَ المَقْصُودُ تَحْصِيلَ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِيها فَإنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً فَلا يُمْكِنُ إثْباتُها بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ، وفِيها عِنْدُهم نَوْعُ اكْتِفاءٍ، أيْ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ ولا مُثِيبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، قالُوا: واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الثَّوابِ بِذِكْرِ مُقابِلِهِ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَعْكِسْ لِأنَّهُ أظْهَرُ مِنهُ في تَحَقُّقِ مَعْنى التَّكْلِيفِ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ قال ابن عباس: «أي: خيره وشره مكتوب عليه لا يفارقه» .

وقال قتادة: «سعادته وشقاوته» .

قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل.

قال: حدثنا محمد بن جعفر.

قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف.

قال: حدثنا يزيد بن ربيع عن يونس عن الحسن.

قال في قوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ قال: طائِرَهُ عمله، وإليه هداه أُمِّيَّاً كان أو غير أمي.

وروى الحكم عن مجاهد قال: ما من مولود إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد.

وقال الضحاك: طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ الشقاوة والسعادة والأجل والرزق.

وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً أي: مفتوحاً.

قرأ ابن عامر: يَلْقاهُ بضم الياء، وتشديد القاف، أي: يعطاه.

والباقون يَلْقاهُ أي: يراه.

وقوله: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي: شاهداً، ويقال: محاسباً لما ترى فيه كل حسنة وسيئة محصاة عليك.

قال ابن عباس: «فإن كان مؤمناً أعطي كتابه بيمينه، وهي صحيفة يقرأ سيئاته في باطنها وحسناته في ظاهرها، فيجد فيها: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا وصنعت كذا وكذا، وقلت كذا وكذا، في سنة كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، وفي يوم كذا وفي ساعة كذا وكذا، فإذا انتهى إلى أسفلها، قيل له: قد غفرها الله لك، اقرأ ما في ظهرها فيقرأ حسناته، فيسره ما يرى فيها، ويشرق لونه، عند ذلك يقول» : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: 19] .

قال: «ويعطى الكافر كتابه بشماله، ويقرأ حسناته في باطنها، وسيئاته في ظاهرها.

فإذا انتهى إلى آخره، قيل له: هذه حسناتك قد ردت عليك، اقرأ ما في ظهرها، فيرى فيها سيئاته قد حفظت عليه كل صغيرة وكبيرة، فيسوءه ذلك، ويسود وجهه، وتزرق عيناه، ويقول عند ذلك: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ [الحاقة: 25] فذلك قوله: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي: حفيظاً» .

وقال مقاتل: وذلك حين جحد، فختم على لسانه، وتكلمت جوارحه، فشهدت جوارحه على نفسه، وذلك قوله: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي: شهيداً، فلا شاهد عليك أفضل من نفسك.

ثم قال: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: من اجتهد حتى اهتدى فثوابه لنفسه وَمَنْ ضَلَّ أي: ومن تغافل حتى ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي: إثمه عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي: لا تؤخذ نفس بذنب نفس أُخرى.

وقال: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا حجة عليهم مع علمه أنهم لا يطيعون، وينذرهم على ما هم عليه من المعصية، فإن أجابوا وإلاّ عذبوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فطرية، والْإِنْسانُ هنا: يراد به/ الجنْس قاله مجاهد وغيره «١» .

وقال ابن عباس وسليمان: الإِشارة إِلى آدم لما نفخ الرَّوح في رأسه، عَطَس وأبصر، فلما مشى الرُّوح في بدنه قبل ساقيه، أعجبته نفسه، فذهب ليمشي مستعجلاً لذلك «٢» ، فلم يقدر، والمعنى على هذا فأنتم ذَوُوا عجَلةٍ موروثةٍ من أبيكم، وقالت فرقة: معنى الآية:

معاتبة الناس في دعائهم بالشرِّ مكانَ ما يجبُ أنْ يدعوه بالخير.

ت: قول هذه الفرقة نقله ع «٣» غير ملخَّص، فأنا لخَّصته.

وقوله سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ...

الآية هنا العلامةُ المنْصُوبة للنَّظَر والعبرة.

وقوله سبحانه: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ قالتْ فيه فرقة: سببُ تعقيب الفاء أن اللَّه تعالى خَلَق الشمْسَ والقَمَر مضيئَيْنِ، فمحا بعد ذلك القَمَرَ، محاه جبريلُ بجناحه ثلاثَ مرَّات، فمِنْ هنالك كَلَفُهُ، وقالت فرقة: إِن قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ إِنما يريدُ في أصْلِ خلقته، وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً، أي: يُبْصَرُ بها ومعها، ليبتغي الناس الرزَقَ وَفَضْلَ اللَّهِ، وجعَلَ سبحانه القمَرَ مخالفاً لحالِ الشمْسِ ليعلم به العدَدُ من السنينَ والحسابُ للأشهرِ والأيامِ، ومعرفةُ ذلك في الشرْعِ إِنما هو من جهة القمرِ، لا من جهة الشمس، وحكى عياضٌ في «المدارك» في ترجمة الغازي بن قَيْس قال: روي عن الغازي بن قَيْس أنه كان يقول: ما مِنْ يومٍ يأتي إِلاَّ ويقولُ: أَنَا خَلْقٌ جَدِيد، وعَلَى مَا يُفْعَلُ فيَّ شَهِيد، فَخُذُوا مِنِّي قَبْلَ أنْ أَبِيد، فإِذا أمْسى ذلك اليومُ، خَرَّ للَّهِ ساجِداً، وقال: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلنِي الَيْوَم العَقيم.

انتهى.

«والتفصيل» البيان.

وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)

وقوله سبحانه: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ قال ابن عباس: طائِرَهُ ما قدّر له

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ ؛ أيْ: لَهُ ثَوابُ اهْتِدائِهِ، وعَلَيْهِ عِقابُ ضَلالِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ ﴾ ؛ أيْ: نَفْسٌ وازِرَةٌ.

﴿ وِزْرَ أُخْرى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: اتَّبِعُونِي وأنا أحْمِلُ أوْزارَكُمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ .

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والمَعْنى: ولا تَأْثَمْ آَثِمَةً إثْمَ أُخْرى.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وزَرَ، يَزِرُ، فَهو وازِرٌ، وِزْرًا، ووُزْرًا، ووَزْرَةً، ومَعْناهُ: أثِمَ إثْمًا.

وَفِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآَيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الآَثِمَ لا يُؤْخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ بِالإثْمِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ عَمِلَهُ كَما قالَ الكُفّارُ: ﴿ إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ  ﴾ .

ومَعْنى ﴿ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ؛ أيْ: حَتّى نُبَيِّنَ ما بِهِ نُعَذِّبُ، وما مِن أجْلِهِ نُدْخِلُ الجَنَّةَ.

* فَصْلٌ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَجِبُ عَقْلًا، وإنَّما تَجِبُ بِالشَّرْعِ، وهو بَعْثَةُ الرُّسُلِ، وأنَّهُ لَوْ ماتَ الإنْسانُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ عَلَيْهِ بِالنّارِ.

قالَ: وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ في ما طَرِيقُهُ السَّمْعُ إلّا بِقِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ، ولِهَذا قالُوا: لَوْ أسْلَمَ بَعْضُ أهْلِ الحَرْبِ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يَسْمَعْ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ونَحْوِها، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضاءُ شَيْءٍ مِنها؛ لِأنَّها لَمْ تَلْزَمْهُ إلّا بَعْدَ قِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ، والأصْلُ فِيهِ قِصَّةِ أهْلِ قَباءَ حِينَ اسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ ولَمْ يَسْتَأْنِفُوا، ولَوْ أسْلَمَ في دارِ الإسْلامِ ولَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِ الصَّلاةِ، فالواجِبُ عَلَيْهِ القَضاءُ؛ لِأنَّهُ قَدْ رَأى النّاسَ يُصَلُّونَ في المَساجِدِ بِأذانٍ وإقامَةٍ، وذَلِكَ دُعاءٌ إلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ﴿ وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِنَ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُحاسَبُ عن نَفْسِهِ لا عن غَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ -  - وإثْمُكم عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: إنَّ الوَلِيدَ لا يَحْمِلُ آثامَكُمْ، وإنَّما إثْمُ كُلِّ واحِدٍ عَلَيْهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ، والإشارَةُ بِالضَلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

و"وَزَرَ" مَعْناهُ: حَمَلَ، و"الوِزْرُ": الثِقْلُ، ومِنهُ: وزِيرُ السُلْطانِ، أيِ: الَّذِي يَحْمِلُ ثُقْلَ دَوْلَتِهِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ نَزَعَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها في الرَدِّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما هي أنَّ التَعْذِيبَ إنَّما يَقَعُ إذا كانَ البُكاءُ مِن سُنَّةِ المَيِّتِ وتُسَبُّبُهُ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: هَذا في حُكْمِ الدُنْيا، أيْ إنَّ اللهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا عامٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا المَعْنى أنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ في هَذا المَوْضِعِ الإعْلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى مَعَ الأُمَمِ في الدُنْيا، وبِهَذا يَقْرُبُ الوَعِيدُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ.

ويُؤَيِّدُ هَذا ما يَجِيءُ بَعْدُ مِن وصْفِهِ ما يَكُونُ عِنْدَ إرادَةِ اللهِ إهْلاكَ قَرْيَةٍ، ومِن إعْلامِهِ بِكَثْرَةٍ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، ومَعَ هَذا فالظاهِرُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنَ النَظَرِ، أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ فِي الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرُسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ  ﴾ ﴿ قالُوا بَلى  ﴾ ، وظاهِرُ "كُلَّما" الحَصْرُ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ  ﴾ ، وأمّا مِن جِهَةِ النَظَرِ فَإنَّ بِعْثَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَوْحِيدِ، وبَعْثِ المُعْتَقِداتِ في بَنِيهِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، مَعَ سَلامَةِ البَصَرِ، يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ العالِمِ الإيمانَ واتِّباعَ شَرِيعَةِ اللهِ، ثُمَّ تَجَدَّدَ ذَلِكَ في مُدَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ غَرَقِ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا يُعْطِي احْتِمالُ ألْفاظِها نَحْوَ هَذا، ويَجُوزُ مَعَ الفَرْضِ وُجُودُ قَوْمٍ لَمْ تَصِلْهم رِسالَةٌ، ومِنهم أهْلُ الفَتَراتِ الَّذِينَ قَدْ قَدَّرَ وُجُودَهم بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَبْعَثُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى المَجانِينِ والأطْفالِ، فَحَدِيثٌ لَمْ يَصِحُّ، ولا يَقْتَضِيهِ ما تَقْضِيهِ الشَرِيعَةُ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ﴾ الآيَةُ.

في مُصْحَفِ أُبَيِّ "بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها"، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ المُجْتَمِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِن: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، إذا جَمَعْتُهُ، ولَيْسَتْ مَن "قَرَأ" الَّذِي هو مَهْمُوزٌ، وإنْ كانَ فِيهِما جَمِيعًا مَعْنى الجَمْعِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَرْنا" عَلى صِيغَةِ الماضِي، مِن: أمَرَ ضِدَّ نَهى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُما-: "آمَرْنا" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: كَثَّرْنا، ورُوِيتُ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وعَنِ الأعْرَجِ، وقَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا، وآمَرَهُمُ اللهُ تَعالى فَيَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِخِلافٍ-: "أمَّرْنا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: القِراءَةُ الأُولى مَعْناها: أمَرْناهم بِالطاعَةِ فَعَصَوْا وفَسَقُوا فِيها، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والثانِيَةُ مَعْناها: كَثَّرْناهُمْ، والثالِثَةُ هي مِنَ الإمارَةِ، أيْ: مَلَّكْناهم عَلى الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "الجَيِّدُ في "أمَرْنا" أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: كَثَّرْنا، يَتَعَدّى الفِعْلُ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: رَجَعَ ورَجَعْتُهُ، وشَتِرَتْ عَيْنُهُ وشَتَرْتُها، فَتَقُولُ: أمَرَ القَوْمُ وأمَّرَهُمُ اللهُ، أيْ كَثَّرَهُمْ، و"آمَرْنا" مُبالَغَةٌ في "أمْرَنا" بِالهَمْزَةِ، و"أمَّرْنا" مُبالَغَةٌ فِيهِ بِالتَضْعِيفِ، ولا وجْهَ لِكَوْنِ "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ؛ لِأنَّ رِياسَتَهم لا تَكُونُ إلّا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، والإهْلاكُ إنَّما يَكُونُ في مُدَّةِ واحِدٍ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُتْرَفَ وغَيْرَهَ، فَخَصَّ المُتْرَفَ بِالذِكْرِ إذْ فِسْقُهُ هو المُؤَثِّرُ في فَسادِ القَرْيَةِ وهم عُظْمُ الضَلالَةِ وسِواهم تَبِعَ لَهم.

وأمّا "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ فَمُتَوَجِّهٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يُرِيدَ إمارَةَ المُلْكِ، بَلْ كَوْنُهم يَأْمُرُونَ ويُؤْتَمَرُ لَهُمْ؛ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِمَن يَأْمُرُ الإنْسانَ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا-: هو أمِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إذا كانَ هادِيَ الفَتى في البِلا ∗∗∗ دِ صَدْرَ القَناةِ أطاعَ الأمِيرا ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ أمْرِهِ بِالِاسْتِقادَةِ مِن لَطْمَةِ عَمْرُو بْنِ العاصِ: إنَّ عَلَيَّ أمِيرًا لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهُ، أرادَ مُعاوِيَةُ أباهُ، وأرادَ الأعْشى أنَّهُ إذا شاخَ الإنْسانُ وعَمِي واهْتَدى بِالعَصا أطاعَ كُلَّ مَن يَأْمُرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذْ هم ∗∗∗ ∗∗∗ خِطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ وَأيْضًا فَلَوْ أرادَ إمارَةَ المُلْكِ في الآيَةِ لَحَسُنَ المَعْنى؛ لِأنَّ الأُمَّةَ إذا مَلَّكَ اللهُ عَلَيْها مُتْرَفًا فَفَسَقَ، ثُمَّ ولِيَ مَثَلَهُ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ، عَظُمَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ واسْتَحَقُّوا العَذابَ فَنَزَلَ بِهِمْ عَلى الرَجُلِ الأخِيرِ مِن مُلُوكِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أمِرْنا" بِكَسْرِ المِيمِ، وحَكاها النَحاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ولا أتَحَقَّقُ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ؛ إلّا إنْ كانَ "أمِرَ القَوْمُ" يَتَعَدّى بِلَفْظِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "أمِرَ بَنُو فُلانٍ" إذا كَثُرُوا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإنْ أُمِرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ والنَفَدِ ومِنهُ: (لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ )، ورَدَّ الفَرّاءُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَدْ حُكِيَ "أمِرَ" مُتَعَدِّيًا عن أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، و"المُتْرَفُ" الغَنِيُّ مِنَ المالِ المُتَنَعِّمُ، والتُرْفَةُ: النِعْمَةُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَرْيَةً بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ ﴾ أيْ وعِيدُ اللهِ لَها الَّذِي قالَهُ رَسُولُهم.

و"التَدْمِيرُ": الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الآثارِ وهَدْمِ البِناءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: وكانَ لَهم كَبَكْرِ ثَمُودٍ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهَمْ دَمارا وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ ﴾ الآيَةُ، "كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا"، وهَذا الذِكْرُ لِكَثْرَةِ مَن أهْلَكَ اللهُ مِنَ القُرُونِ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ ووَعِيدٌ، أيْ: لَسْتُمْ بِبَعِيدٍ مِمّا حَصَلُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ إذا أنْتُمْ كَذَّبْتُمْ نَبِيَّكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْنِ -فَقالَ ابْنُ سِيرِينِ عَنِ النَبِيِّ  : أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي أوفى: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقالَتْ طائِفَةٌ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ في قَوْلِهِ  : « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي".»«وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ في خَتْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: وضَعَ رَسُولُ اللهِ  يَدَهُ عَلى رَأْسِي وقالَ: "سَيَعِيشُ هَذا الغُلامُ قَرْنًا"، قُلْتُ: كَمُ القَرْنُ؟

قالَ: "مِائَةُ سَنَةٍ"،» قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: فَما زِلْنا نُعِدُّ لَهُ حَتّى أكْمَلَ مِائَةَ سَنَةٍ، وماتَ رَحِمَهُ اللهُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِرَبِّكَ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: كَفى بِرَبِّكَ، وهَذِهِ الباءُ إنَّما تَجِيءُ في الأغْلَبِ في مَدْحٍ أو ذَمٍّ، وكَأنَّها تُعْطِي مَعْنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ، أيْ: ما أكْفاهُ في هَذا، وقَدْ تَجِيءُ "كَفى" بِدُونِ باءٍ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وكَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ ويُخْبِرُنِي عن غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ هذه الجملة بيان أو بدل اشتمال من جملة ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ﴾ مع توابعها.

وفيه تبيين اختلاف الطائر بين نافع وضار، فطائر الهداية نفع لصاحبه وطائر الضلال ضر لصاحبه.

ولكون الجملة كذلك فصلت ولم تعطف على التي قبلها.

وجملة ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ واقعة موقع التعليل لمضمون جملة ﴿ ومن ضل فإنما يضل عليها ﴾ لما في هذه من عموم الحكم فإن عَمل أحد لا يُلحق نفعُه ولا ضَره بغيره.

ولما كان مضمون هذه الجملة معنى مهما اعتبر إفادة أنفاً للسامع، فلذلك عطفت الجملة ولم تُفصل.

وقد روعي فيها إبطال أوهام قوم يظنون أن أوزارهم يحملها عنهم غيرهم.

وقد روي أن الوليد بن المغيرة وهو من أيمة الكفر كان يقول لقريش: اكفروا بمحمد وعلي أوزاركم، أي تبعاتكم ومؤاخذتكم بتكذيبه إن كان فيه تبعة.

ولعله قال ذلك لما رأى ترددهم في أمر الإسلام وميلهم إلى النظر في أدلة القرآن خشية الجزاء يوم البعث، فأراد التمويه عليهم بأنه يتحمل ذنوبهم إن تبين أن محمداً على حق، وكان ذلك قد يروج على دهمائهم لأنهم اعتادوا بالحملات والكفالات والرهائن، فبين الله للناس إبطال ذلك إنقاذاً لهم من الاغترار به الذي يهوي بهم إلى المهالك مع ما في هذا البيان من تعليم أصل عظيم في الدين وهو ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .

فكانت هذه الآية أصلاً عظيماً في الشّريعة، وتفرع عنها أحكام كثيرة.

ولمّا روى ابن عمر عن النّبيء صلى الله عليه وسلم " أنّ الميت ليعذّب ببكاء أهله عليْه " قالت عائشة رضي الله عنها: «يرحم الله أبا عبد الرحمان، ما قال رسول الله ذلك والله يقول: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .

ولما مُرّ برسول الله جنازةُ يهودية يبكي عليها أهلها فقال: «إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب».

والمعنى أن وزر أحد لا يحمله غيره فإذا كان قد تسبب بوزره في إيقاع غيره في الوِزر حُمل عليْه وزر بوزر غيره لأنه متسبب فيه، وليس ذلك بحمل وزر الغير عليه ولكنه حمل وزر نفسه عليها وهو وزر التسبب في الأوزار.

وقد قال تعالى: ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون، وكذلك وزر من يَسُنّ للناس وزراً لم يكونوا يعملونه من قبل.

وفي الصحيح ﴾ : «مَا من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوللِ كِفْل من دمها ذلك أنه أول من سن القتل».

وسكتت الآية عن أن لا ينتفع أحد بصالح عمل غيره اكتفاء إذ لا داعي إلى بيانه لأنه لا يوقع في غرور، وتعلم المساواة بطريق لحن الخطاب أو فحواه، وقد جاء في القرآن ما يومئ إلى أن المتسبب لأحد في هدي ينال من ثواب المهتدي قال تعالى: ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً ﴾ [الفرقان: 74] وفي الحديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخير.

ومن التخليط توهم أن حمل الدية في قتل الخطأ على العاقلة مناففٍ لهذه الآية، فإن ذلك فرع قاعدة أخرى وهي قاعدة التعاون والمواساة وليست من حمل التبعات.

وتزر } تحمل الوزر، وهو الثقل.

والوازرة: الحاملة، وتأنيثها باعتبار أنها نفس لقوله قبله ﴿ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ﴾ [فصّلت: 46].

وأطلق عليها وازرة} على معنى الفرض والتقدير، أي لو قدرت نفس ذات وزر لا تزاد على وزرها وزر غيرها، فعلم أن النفس التي لا وزر لها لا تزر وزر غيرها بالأوْلى.

والوزر: الإثم لتشبيهه بالحمل الثقيل لما يجره من التعب لصاحبه في الآخرة، كما أطلق عليه الثقل، قال تعالى: ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾ [العنكبوت: 13].

عطف على آية ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ الآية.

وهذا استقصاء في الإعذار لأهل الضلال زيادة على نفي مؤاخذتهم بأجرام غيرهم، ولهذا اقتصر على قوله: ﴿ وما كنا معذبين ﴾ دون أن يقال ولا مثيبين.

لأن المقام مقام إعذار وقطع حجة وليس مقام امتنان بالإرشاد.

والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ [الإسراء: 16] الآية.

ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى: ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين ﴾ [الشعراء: 209] وقال: ﴿ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ﴾ [يونس: 47].

(على أن معنى (حتى) يؤذن بأن بعثة الرسول متصلة بالعذاب شأن الغاية، وهذا اتصال عرفي بحسب ما تقتضيه البعثة من مدةٍ للتبليغ والاستمرار على تكذيبهم الرسول والإمهال للمكذبين، ولذلك يظهر أن يكون العذاب هنا عذاب الدنيا وكما يقتضيه الانتقال إلى الآية بعدها.

على أننا إذا اعتبرنا التوسع في الغاية صح حمل التعذيب على ما يعم عذاب الدنيا والآخرة.

ووقوع فعل معذبين} في سياق النفي يفيد العموم، فبعثة الرسل لتفصيل ما يريده الله من الأمة من الأعمال.

ودلت الآية على أن الله لا يؤاخذ الناس إلا بعد أن يرشدهم رحمة منه لهم.

وهي دليل بين على انتفاء مؤاخذة أحد ما لم تبلغه دعوة رسول من الله إلى قوم، فهي حجة للأشعري ناهضة على الماتريدي والمعتزلة الذين اتفقوا على إيصال العقل إلى معرفة وجود الله، وهو ما صرح به صدر الشريعة في التوضيح في المقدمات الأربع.

فوجود الله وتوحيده عندهم واجبان بالعقل فلا عذر لمن أشرك بالله وعطل ولا عذر له بعد بعثة رسول.

وتأويل المعتزلة أن يراد بالرسول العقل تطوُّحٌ عن استعمال اللغة وإغماض عن كونه مفعولاً لفعل ﴿ نبعث ﴾ إذ لا يقال بعث عقلاً بمعنى جعل.

وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ في سورة [النساء: 165].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ يَعْنِي لِما يَحْصُلُ لَهُ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ.

﴿ وَمَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ يَعْنِي لِما يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِن عِقابِ مَعْصِيَتِهِ.

﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.

الثّانِي: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُعْصى لِمَعْصِيَةِ غَيْرِهِ.

الثّالِثُ: لا يَأْثَمُ أحَدٌ بِإثْمِ غَيْرِهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ لا يَتَحَمَّلَ أحَدٌ ذَنْبَ غَيْرِهِ ويَسْقُطُ مَأْثَمُهُ عَنْ فاعِلِهِ.

﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ عَلى الشَّرائِعِ الدِّينِيَّةِ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا مُبِينًا، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ العَقْلَ تَقَدَّمَ الشَّرْعَ.

الثّانِي: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا داعِيًا، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ جاءا مَعًا.

وَفي العَذابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَذابُ الآخِرَةِ.

وَهو ظاهِرُ قَوْلِ قَتادَةَ.

الثّانِي: عَذابٌ بِالِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة: المعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، فيقولون كيف؟

ولم تأتنا رسل!

قال: وايم الله، لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرأوا إن شئتم ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ .

وأخرج إسحاق بن راهويه وأحمد وابن حبان وأبو نعيم في المعرفة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في كتاب الاعتقاد، عن الأسود بن سريع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفطرة، فأما الأصم، فيقول: رب، لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق، فيقول: رب، جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفطرة فيقول: رب، ما آتاني لك رسول.

فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، ويرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار.

قال: فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها كانت عليهم برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها» .

وأخرج ابن راهويه وأحمد وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله، غير أنه قال في آخره: فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها.

وأخرج قاسم بن أصبغ والبزار وأبو يعلى وابن عبد البر في التمهيد، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى يوم القيامة بأربعة: بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الهرم الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى: لعنق من جهنم أبرزي، ويقول لكم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم.

فيقول لهم: ادخلوا هذه، فيقول: من كتب عليه الشقاء يا رب؟

أندخلها ومنها كنا نفر؟!

قال: وأما من كتب له السعادة فيمضي فيها، فيقول الرب: قد عاينتموني فعصيتموني، فأنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني وأبو نعيم، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب، لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني، ويقول الهالك في الفترة رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني، ويقول الهالك صغيراً: يا رب، لو آتيتني عمراً ما كان من أتيته عمراً بأسعد بعمره مني، فيقول الرب:- تبارك وتعالى- فإني آمركم بأمر أفتطيعوني؟

فيقولون: نعم وعزتك، فيقول لهم: اذهبوا فادخلوا جهنم، ولو دخلوها ما ضرتهم شيئاً، فخرج عليهم قوابص من نار يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعاً ويقولون: يا ربنا، خرجنا وعزتك نريد دخولها، فخرجت علينا قوابص من نار، ظننا أن قد أهلكت ما خلق الله من شيء، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك ويقولون: كذلك، فيقول الرب: خلقتكم على علمي، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: يحاسب يوم القيامة الذين أرسل إليهم الرسل، فيدخل الله الجنة من أطاعه، ويدخل النار من عصاه، ويبقى قوم من الولدان والذين هلكوا في الفترة، فيقول: وإني آمركم أن تدخلوا هذه النار، فيخرج لهم عنق منها، فمن دخلها كانت نجاته، ومن نكص فلم يدخلها كانت هلكته.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه: «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أتاه رجل فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغاراً؟

فوضع رأسه ساعة ثم قال: أين السائل؟

فقال: ها أنا يا رسول الله، فقال: إن الله تبارك وتعالى إذا قضى بين أهل الجنة والنار لم يبق غيرهم عجّوا، فقالوا: اللهم ربنا، لم تأتنا رسلك ولم نعلم شيئاً، فأرسل إليهم ملكاً، والله أعلم بما كانوا عاملين، فقال: إني رسول ربكم إليكم، فانطلقوا فاتبعوا حتى أتوا النار، فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا فيها، فاقتحمت طائفة منهم، ثم أخرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم، فجعلوا في السابقين المقربين، ثم جاءهم الرسول فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار، فاقتحمت طائفة أخرى، ثم خرجوا من حيث لا يشعرون، فجعلوا في أصحاب اليمين، ثم جاء الرسول فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار، فقالوا: ربنا، لا طاقة لنا بعذابك، فأمر بهم، فجمعت نواصيهم وأقدامهم ثم ألقوا في النار والله أعلم» .

وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ قال أمروا بالطاعة فعصوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول؛ في قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية ﴾ الآية.

قال: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ بحق، فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدمير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك، أهلكناهم بالعذاب.

وهو قوله: ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ﴾ [ الأنعام: 123] .

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله وجل: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ قال: سلطنا عليهم الجبابرة فساموهم سوء العذاب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: إن يعطبوا يبرموا وإن أمروا ** يوماً يصيروا للهلك والفقد وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية رضي الله عنه- كان يقرأ ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ مثقلة.

يقول: أمرنا عليهم أمراء.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قرأ ﴿ آمرنا مترفيها ﴾ يعني بالمد.

قال: أكثرنا فساقها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ قال: أكثرناهم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ قال: أكثرنا.

وأخرج البخاري وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية قد أمروا بني فلان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ ، أي: ثواب اهتدائه له ولنفسه؛ يعني الخير باهتدائه، ﴿ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: على نفسه عقوبة ضلاله؛ فهُداه له كما أن ضلاله عليه، ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الوليد بن المغيرة قال: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم (١) قال قتادة: لا والله، ما يحمل اللهُ على عبدٍ ذَنْبَ غيرِه، ولا يُؤاخَذ إلا بعمله (٢) (٣) ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 231 بنصه، إلا أنه أورد الآية [22] التي قبلها وهي: ﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ .]] [الزخرف: 23]، ومضى الكلام في معنى الوِزْر والأوْزَار في سورة الأنعام [[آية [31].]].

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ قال ابن عباس: يريد اتخاذ الحجة على خلقه.

وقال قتادة: إن الله ليس معذبًا أحدًا حتى يسبق من الله إليه خبرٌ (٤) (٥) وقال أبو إسحاق: أي حتى (٦) (٧) (٨) (٩)  - (١٠) (١) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 481، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 17، و"القرطبي" 10/ 151، و"الألوسي" 15/ 35، وورد بلا نسبة في "تفسير ابن عطية" 9/ 36، و"أبي حيان" 6/ 16، وحمل الآية على العموم أولى من التخصيص.

(٢) أخرجه "الطبري" 15/ 54 بنصه.

(٣) هذه الواو إضافة يقتضيها المقام؛ كما في "تفسير ابن الجوزي" 5/ 17.

(٤) في جميع النسخ: (خير)، والصحيح المثبت، كما في المصادر.

(٥) أخرجه "الطبري" 15/ 54 بنصه تقريبًا.

(٦) في جميع النسخ: (حين)، والمثبت هو الصحيح، وموافق للمصدر.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 231 بنصه.

(٨) وهو بهذا يرد على المعتزلة القائلين بأن الواجبات تجب بالعقل أولاً ثم بالشرع ..

، انظر: "فضل الاعتزال" ص 139 نقلاً عن كتاب "الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة" 1/ 166.

(٩) جمعُ ثُبَةٍ، وهي الفرقة، والمقصود النفير بفرق وسرايا.

انظر: "عمدة الحفاظ" 1/ 317.

(١٠) كتاب "الأم" 4/ 157، بنحوه، وقد نص على ذلك الماوردي، وقال: فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بالحجة، وقتلهم غرة وبياتًا ضمن ديات نفوسهم وكانت -على الأصح من مذهب الشافعي- كديات المسلمين، وقيل: بل كديات الكفار على اختلافها اختلاف معتقدهم.

"الأحكام السلطانية للماوردي" ص 46، انظر: "حواشي تحفة المحتاج على المنهاج" 9/ 242، "الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته" 1/ 206.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ معناه حيث وقع لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، والوزر في اللغة الثقل والحمل، ويراد به هنا الذنوب، ومعنى تزر تحمل وزر أخرى: أي وزر نفس أخرى ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ قيل: إن هذا في حكم الدنيا، أي أن الله لا يهلك أمة إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسول إليهم، وقيل: هو عام في الدنيا والآخرة، وأن الله لا يعذب قوماً في الآخرة إلا وقد أرسل إليهم رسولاً فكفروا به وعصوه، ويدل على هذا قوله: ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بلى ﴾ [تبارك: 8-9] ومن هذا يؤخذ حكم أهل الفترات، واستدل أهل السنة بهذه الآية على أن التكليف لا يلزم العباد إلا من الشرع، لا من مجرد العقل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يتخذوا ﴾ بياء الغيبة.

أبو عمرو وعباس مخيراً.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ أساتم ﴾ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف.

﴿ ليسوء ﴾ بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و ﴿ لنسوء ﴾ بالنون: علي.

الباقون ﴿ ليسؤوا ﴾ على الجمع ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً: حمزة وعلي.

﴿ ويخرج ﴾ بالياء مجهولاً: يزيد ﴿ ويخرج ﴾ لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً ﴿ تلقاه ﴾ مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة.

الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة ﴿ قرأ كتابك ﴾ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ﴿ أمرنا ﴾ من باب المفاعلة: يعقوب.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ تتخذوا ﴾ بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ﴿ ذرية ﴾ منادى ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ الديار ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ نفيراً ﴾ ه ﴿ فلها ﴾ ط لأن ما بعد عائد إلى قوله ﴿ فإذا جاء وعد أولٰهما ﴾ مع اعتراض العوارض ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ يرحمكم ﴾ ه للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ عدنا ﴾ ه حذراً من توهم العطف ﴿ حصيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ أليما ﴾ ه ﴿ بالخير ﴾ ط ﴿ عجولاً ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ، ط ﴿ تفصيلاً ﴾ ه ﴿ عنقه ﴾ ط ﴿ منشوراً ﴾ ه ﴿ كتابك ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ط للابتداء بعد بالشرط ﴿ لنفسه ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ تدميراً ﴾ ه ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ عطاء ربك ﴾ ط ﴿ محظوراً ﴾ ه ﴿ بعض ﴾ ط ﴿ تفصيلاً ﴾ .

الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: ﴿ سبحان الذي ﴾ وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: ﴿ سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا  ﴾ والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله ﴿ وأسرى ﴾ وسرى لغتان.

يروى أنه لما وصل النبي  إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟

فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية.

فأنزل فيه: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل ﴿ من المسجد الحرام ﴾ عن النبي  : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق.

وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به.

وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون.

قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة.

وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة.

﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.

﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى  ، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.

وقوله: ﴿ أسرى ﴾ مع قوله: ﴿ باركنا ﴾ سلوك لطريقة الالتفات ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ بيان لحكمة الإسراء.

سؤال: أرى إبراهيم  ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟

الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله  أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه هو السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك.

واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه.

حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه.

وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً.

وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك.

ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس.

ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه.

ومنها قوله  .

﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس  ﴾ وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج.

وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به.

ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء.

أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول  من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد  في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله  لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك  ﴾ .

وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام.

وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمرممكن في نفسه.

أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات.

وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز.

وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة.

وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد.

وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية.

وعن السادس أنه لا اعتراض على الله  في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير.

واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله { ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق  ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه.

يروى أنه  نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم.

وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟

قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني.

فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله  بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.

فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به.

وسعى رجال إلى أبي بكر  فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق.

قالوا: أتصدقه على ذلك؟

قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق.

وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له  بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب.

فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد  ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين.

ولما حكى طرفاً من إكرام محمد  ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ﴿ ألا تتخذوا ﴾ من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا ﴿ من دوني وكيلاً ﴾ رباً تكلون إليه أمركم يا ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح  لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك.

فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ وعلى القراءة الأولى انتصب ﴿ ذرية ﴾ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً  ﴾ من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير.

ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له.

ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص.

وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد.

يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به.

ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة.

وقول: ﴿ لتفسدن ﴾ جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ مرتين ولتعلن ﴾ لتعظمن وتستولن على الناس ﴿ علواً كبيراً ﴾ تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب ﴿ أولاهما ﴾ أولى المرتين ﴿ بعثنا ﴾ أرسلنا وسلطنا ﴿ عليكم عباد لنا أولي بأس شديد ﴾ أصحاب نجدة وشدة قتال ﴿ فجاسوا ﴾ ترددوا للمارة ﴿ خلال الديار ﴾ أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس ﴿ وكان ﴾ وعد العقاب ﴿ وعداً مفعولاً ﴾ لا بد من وقوعه ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الدولة والغلبة ﴿ عليهم ﴾ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ مما كنتم.

والنفير من ينفر مع الرجل من قومه.

احتجت الأشاعرة بقوله  : ﴿ قضينا ﴾ بعثنا ﴿ وكان وعداً مفعولاً ﴾ على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله.

وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها.

وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه.

ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض.

قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب المرة ﴿ الآخرة ﴾ بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه.

ومعنى ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ﴿ وليتبروا ما علوا ﴾ ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل.

وقوله: ﴿ تتبيراً ﴾ ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.

وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت.

عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهمالأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم  ، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك.

وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى.

واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم.

وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: ﴿ عسى ربكم ﴾ يا بني إسرائيل ﴿ أن يرحمكم ﴾ بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية ﴿ وإن عدتم ﴾ للثالثة ﴿ عدنا ﴾ لها.

قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي.

وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل.

فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً.

وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج.

ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد  وموسى  وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي ﴾ أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي ﴿ هي أقوام ﴾ وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب.

قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك.

إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر.

وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟

وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير.

وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان.

ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء.

ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً.

ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم.

قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟

وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.

قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال  : ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم  ﴾ .

وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا.

والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم.

قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة.

والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً.

واعلم أنه  قال ههنا: ﴿ أجراً كبيراً ﴾ وفي أول الكهف ﴿ أجراً حسناً  ﴾ ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة.

ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: ﴿ ويدع الإنسان ﴾ أي جنس الكافر.

وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا ﴿ اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك  ﴾ ، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً.

وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً  كاذب.

وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.

ويروى أنه  دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟

فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب.

فلما أصبح النبي  دعا به فأعلم بشأنه فقال  : اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي  : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها.

﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له.

وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر.

وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة.

قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار.

فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه.

وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان.

وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد.

﴿ فمحونا آية الليل ﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿ وجعلنا ﴾ الآية.

التي هي ﴿ النهار مبصرة ﴾ ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم.

﴿ ولتعلموا ﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿ عدد السنن ﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿ و ﴾ لتعلموا جنس ﴿ الحساب ﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار.

وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه.

وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله  جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء.

وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان.

ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً.

نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.

ثم قال: ﴿ وكل شيء ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه تفصيلاً ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ أي عمله ﴿ في عنقه ﴾ وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا.

قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه.

وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت.

فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.

وإنه  أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: ﴿ في عنقه ﴾ .

يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به.

فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل.

ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" ﴿ ونخرج له ﴾ من قرأ بالنون فظاهر.

وقوله: ﴿ يلقاه منشوراً ﴾ صفتان للكتاب أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة ﴿ منشوراً ﴾ حال من مفعول يلقاه.

ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر ﴿ وكتاباً ﴾ حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري.

عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك ﴿ اقرأ كتابك ﴾ على إضمار القول.

قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و ﴿ وبنفسك ﴾ فاعل كفى و ﴿ حسيباً ﴾ تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم.

"وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع.

موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.

وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب.

قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك.

وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله  له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة  ﴾ قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل.

ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: ﴿ من اهتدى ﴾ إلى قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ .

قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار.

وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة.

ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص.

أما قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية.

أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل.

وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل.

ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل.

ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.

فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم.

وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع.

ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله  منزه عن ذلك.

ولقائل أن يقول: إنه  منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن.

فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: ﴿ كان على ربك حتماً مقضياً  ﴾ ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ .

وللمفسرين في معنى ﴿ أمرنا ﴾ قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير.

وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا.

ولما كان من أصول الاعتزال أنه  لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك.

ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة.

ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية منحيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله.

القول الثاني إن معنى: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ أكثرنا فساقها.

قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم.

إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله  "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج.

وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، "وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله  : إني أرى أمرك هذا حقيراً.

فقال  : إنه سيأمر" أي سيكثر وسيكبر.

والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ﴿ ففسقوا فيها ﴾ خرجوا عما أمرهم الله ﴿ فحق عليها القول ﴾ استوجبت العذاب ﴿ فدمرناها تدميراً ﴾ أهلكناها على سبيل الاستئصال.

قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه  أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: ﴿ فحق عليها القول ﴾ أي بالكفر ثم التعذيب.

وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه  لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم  ﴾ وقوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك.

قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم.

الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.

وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً.

وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة.

ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية.

وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر.

ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ فـ ﴿ كم ﴾ مفعول ﴿ أهلكنا ﴾ و ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما.

ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً ﴿ وكفى بربك ﴾ الآية.

قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك.

وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضيإيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.

ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ ومن قوله: ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ بقوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿ عجلنا له فيها ﴾ ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: ﴿ ما نشاء ﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه.

وثانيهما قوله: ﴿ لمن نريد ﴾ وهو بدل من ﴿ له ﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ﴾ مطروداً من رحمة الله.

﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر.

والله   ، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله.

وفي قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط.

قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.

وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح.

قال  : ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل.

واعلم أنه  ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة.

وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي  قال حكاية عن رب العزة: "أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه" وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول.

الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين.

الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً.

واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض.

ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين ﴿ نمد ﴾ أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية.

وقوله: ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كل و ﴿ من عطاء ربك ﴾ متعلق بــ ﴿ نمد ﴾ ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه ﴿ أنظر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا ﴿ كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض.

﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا.

وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين.

وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!.

التأويل: نزه نفسه بقوله: ﴿ سبحان ﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه.

فقوله: ﴿ أسرى ﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿ بعبده ﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.

وقوله: ﴿ من المسجد الحرام ﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله.

﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ بالبقاء بالله ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به.

هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿ وأمددناكم بأموال ﴾ الطاعات ﴿ وبنين ﴾ الإيمان والإيقان ﴿ وإذا جاء وعد الآخرة ﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ ليسوؤا ﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿ وإن عدتم ﴾ إلى الجهل ﴿ عدنا ﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿ وجعلنا ليل ﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات.

﴿ ولتعلموا ﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ ﴾ .

أي: من اهتدى إلى ما جعل الله عليه من أنواع النعم، وقام بأداء شكرها فإنما فعل ذلك لنفسه؛ لأنه هو المنتفع به.

أو يقول: من اختار الهدى وأجابه إلى ما دعاه مولاه فإنّما يهتدي لنفسه، أي: فإنّما اختار ذلك لنفسه؛ لأنه هو المنتفع به وهو الساعي في فكاك رقبته.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ .

أي: من ضلّ، أي: من اختار الضلال ﴿ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: فإنما يرجع عليها ضرره، وهو ما ذكر: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ عن ذلك ﴿ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ .

أي: إلى نفسه يرجع ضرر ضلاله على نفسه؛ كقوله: ﴿ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ .

هو ما ذكرنا، أي: لا تحمل نفسٌ خطيئةَ أخرى، ولا تأثم بوزر أخرى، والله أعلم؛ ذكر هذا ليعلم أن أمر الآخرة خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يؤخذ نفس مكان أخرى، ويحتمل نفس مؤمنة أخرى، وفي الآخرة لا تؤخذ [نفس] بدل أخرى.

والثاني: قد يتبرع بعض عن بعض بتحمل المؤُنات والقيام في فكاكها، وأمّا في الآخرة فلا يتبرع بذلك.

وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ .

يحتمل: ما كنا معذِّبين تعذيب استئصال في الدنيا إلا بعد دفع الشبه - ودفعها عن الحجج - من كل وجه، وبعد تمامها، وإن كانت الحجة قد لزمتهم بدون بعث الرسل؛ ليدفع عنهم عذرهم من كل وجه، أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ إفضالاً منه ورحمة، وإن كان العذاب قد يلزمهم، والحجة قد قامت عليهم، والعذاب الذي كانوا [يعذبونهم في] الدنيا ليس هو عذاب الكفر؛ لأن عذاب الكفر دائم أبداً لا انقطاع له، وهذا مما ينقطع وينفصل، لكن يعذبون بأشياء كانت منهم من العناد ودفع الآيات، وأما عذاب الكفر فهو في الآخرة أبداً لا ينقطع.

وفي الآية دلالة أن حجة التوحيد قد لزمتهم وقامت عليهم بالعقل، حيث قال: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ ؛ فلو لم تلزمهم لكان الرسل إذا دعوهم إلى ذلك يقولون: من أنتم ومن بعثكم إلينا؟

فإذا لم يكن لهم هذا الاحتجاج دل أن الحجة قد قامت عليهم، لكن الله بفضله أراد أن يدفع الشبه عنهم ويقطع عنهم عذرهم برسول يبعث إليهم؛ لما أن أسباب العلم بالأمور ثلاثة: فمنها ما يعلم بظاهر الحواس بالبديهة، ومنها ما يفهم [ويعلم] بالتأمل والنظر، ومنها ما لا يعلم إلا بالتعليم والتنبيه.

وقال القتبي: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ وهو ما ذكرنا، أي: نخرج بذلك العمل كتاباً.

وقال أبو عوسجة: أي نكتب ما عمل ثم نقلده في عنقه فيجيء به يوم القيامة.

وقال أبو عبيدة: طائره حظه.

وقال غيره من المفسّرين: ما عمل من خير وشر ألزمناه عنقه.

قال القتبي: وهذان المعنيان يحتاجان إلى بيان.

والمعنى فيما أرى - والله أعلم - أن لكل امرئ حظّاً من الخير والشر قد قضاه الله؛ فهو لازم عنقه، والعرب تقول: إن كل ما لزم الإنسان قد لزم عنقه، وهو لازم طائر في عنقه، وهذا لك عليّ وفي عنقي حتى أخرج منه؛ وإنما قيل للحظ من الخير والشر: طائر؛ لقول العرب ما ذكرنا: جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر بكذا من الشر؛ على وجه الفأل والطيرة على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سبباً، وهو ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ .

التعذيب يكون على وجوه ثلاثة: أحدها: يعذبهم في الدنيا ابتداء بتعذيب؛ امتحاناً وابتلاء بلا جريمة كانت منهم؛ كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، ونحوه؛ فيكون تنبيهاً وتذكيراً لهم لا تكفيراً.

والثاني: يعذب تعذيب العناد والمكابرة، وهو تعذيب إهلاكِ استئصالٍ؛ فهو عقوبة لهم، وموعظة للمتقين، وعبرة لغيره، وهو الذي يأتي على أثر وعيد.

والثالث: عذاب الموعود في الآخرة؛ يقول: وما كنا معذِّبين في الآخرة حتى نبعث رسولاً في الدنيا.

والأشبه أن يكون ما ذكر من التعذيب هو تعذيب استئصال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ .

بالتخفيف، والتثقيل: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ ، ثم من قال ﴿ أَمَرْنَا ﴾ بالتثقيل يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ من الإمارة والتسليط عليهم، أي: أمرنا عليهم وسلطنا مترفيها، أي: أكثرنا عددهم وسلطنا مترفيها فُسَّاقَهَا ومستكبريها.

والثاني: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ ، أي: أكثرنا عددهم ومُنَعَّمِيهم؛ يذكر لهم هذا لقولهم: ﴿ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 23]، وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً...

﴾ الآية [سبأ: 35]: كانوا يزعمون أنهم لا يعذبون؛ لأنهم قد أنعموا في هذه الدّنيا وأكثروا أموالهم وأولادهم؛ فأخبرهم - عز وجل - أنه ما أهلك من الأمم الخالية إلا بعد ما كثر عددهم ووسع عليهم الدنيا، لم يهلكوا في حال القلة والضيق؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ  ﴾ ، أي: كثروا، وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ  ﴾ : لم يأخذ بالعذاب الأمم الخالية إلا في حال كثرتهم وأمنهم وغِرَّتهم بالسَّعَة؛ يحذر هؤلاء؛ لئلا يغتروا بكثرة أموالهم وأولادهم وعددهم.

ومن قال: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ بالتخفيف هو من الأمر، أي: أمرنا عظماءهم وكبراءهم طاعة الرسل والإجابة إلى ما دعاهم إليه، حتى إذا عصوا رسله وتركوا إجابتهم - على العناد والمكابرة - فعند ذلك يهلكون؛ لما ذكرنا أنه لم يستأصل الأمم الخالية إلاّ بعد عنادهم في آيات الله، ومكابرتهم في دفعها وتكذيبها، لا يهلكهم في أول ما كذبوا آيات الله وخالفوا رسله.

وقوله: ﴿ مُتْرَفِيهَا ﴾ ، قال بعضهم: المترف: المنعَّم، وقال بعضهم: المترف: المكرم والمستكبر، وكله واحد.

وفي قوله: ﴿ وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً ﴾ دلالة أن الإرادة غير المراد؛ لأنه أخبر بتقدم الإرادة عن وقت الإهلاك؛ دل أنها غيره، وفيه أنه أراد السبب الذي به يهلكون، وهو التكذيب والعناد؛ لما علم منهم أنهم يختارون ذلك؛ إذ لا يحتمل أن يريد هلاكهم، وهو يعلم منهم غير سبب الهلاك؛ فهذا يرد قول المعتزلة: إن الإرادة هي المراد، وأنه لم يرد ما كان منهم من سبب الهلاك، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ ﴾ .

بما أراد إهلاكهم وجب عليهم، أو يكون قوله: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ ﴾ بما أخبر عن الأمم الخالية، وهو قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ...

﴾ الآية [الأحزاب: 38، 62].

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾ .

أي: أهلكناهم إهلاكاً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً ﴾ .

يحتمل أن يكون الخبير والبصير واحداً، ويشبه أن يكون بينهما فرق؛ الخبير: العالم بأعمالهم، والبصير بمصالحهم ومعاشهم وبجزائهم؛ يقال: فلان بصير في أمر كذا، وفلان أبصر من فلان.

ويحتمل أن يكون بذنوب عباده، وهو مكرهم الذي كانوا يمكرون برسول الله؛ فقال: وكفى بمكرهم الذي يمكرون بك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من اهتدى إلى الإيمان فثواب هدايته له، ومن ضل فعقاب ضلاله عليه، ولا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى، وما كنا معذبين قومًّا حتى نقيم عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.RlNde"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد