الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ١٧ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل من بعد نوح ، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام ، كما قاله ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام .
ومعناه : أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم ، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق ، فعقوبتكم أولى وأحرى .
وقوله [ تعالى ] ( وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ) أي : هو عالم بجميع أعمالهم ، خيرها وشرها ، لا يخفى عليه منها خافية [ سبحانه وتعالى ] .
وهذا وعيد من الله تعالى ذكره مكذّبي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من مشركي قريش، وتهديدهم لهم بالعقاب، وإعلام منه لهم، أنهم إن لم ينتهوا عما هم عليه مقيمون من تكذيبهم رسوله صلى الله عليه وسلم أنه محلّ بهم سخطه، ومنـزل بهم من عقابه ما أنـزل بمن قبلهم من الأمم الذين سلكوا في الكفر بالله، وتكذيب رسله سبيلهم، يقول الله تعالى ذكره: وقد أهلكنا أيها القوم من قبلكم من بعد نوح إلى زمانكم قرونا كثيرة كانوا من جحود آيات الله والكفر به، وتكذيب رسله، على مثل الذي أنتم عليه، ولستم بأكرم على الله تعالى منهم، لأنه لا مناسبة بين أحد وبين الله جلّ ثناؤه، فيعذّب قوما بما لا يعذّب به آخرين، أو يعفو عن ذنوب ناس فيعاقب عليها آخرين؛ يقول جلّ ثناؤه: فأنيبوا إلى طاعة الله ربكم، فقد بعثنا إليكم رسولا ينبهكم على حججنا عليكم، ويوقظكم من غفلتكم، ولم نكن لنعذّب قوما حتى نبعث إليهم رسولا منبها لهم على حجج الله، وأنتم على فسوقكم مقيمون، وكفى بربك يا محمد بذنوب عباده خبيرا: يقول: وحسبك يا محمد بالله خابرا بذنوب خلقه عالما، فإنه لا يخفى عليه شيء من أفعال مشركي قومك هؤلاء، ولا أفعال غيرهم من خلقه، وهو بجميع ذلك عالم خابر بصير، يقول: يبصر ذلك كله فلا يغيب عنه منه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.
وقد اختلف في مبلغ مدة القرن، فحدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي محمد بن عبد الله بن أبي أوفى، قال: القرن: عشرون ومئة سنة، فبُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوّل قرن كان، وآخرهم يزيد بن معاوية.
وقال آخرون: بل هو مئة سنة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا حسان بن محمد بن عبد الرحمن الحمصي أبو الصلت الطائي، قال: ثنا سلامة بن حواس، عن محمد بن القاسم، عن عبد الله بن بسر المازني، قال: وضع النبيّ صلى الله عليه وسلم يده على رأسه وقال: " سَيَعيِشُ هذَا الغُلام قَرْنا " قلت: كم القرن؟
قال: " مِئَةُ سَنَةٍ".
حدثنا حسان بن محمد، قال: ثنا سلامة بن حواس، عن محمد بن القاسم، قال: ما زلنا نعدّ له حتى تمَّت مئة سنة ثم مات، قال أبو الصلت: أخبرني سلامة أن محمد بن القاسم هذا كان ختن عبد الله بن بسر.
وقال آخرون في ذلك بما حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، عن ابن سيرين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً".
وقوله (وكَفَى بِرَبِّكَ) أدخلت الباء في قوله (بِرَبِّكَ) وهو في محلّ رفع، لأن معنى الكلام: وكفاك ربك ، وحسبك ربك بذنوب عباده خبيرا، دلالة على المدح، وكذلك تفعل العرب في كلّ كلام كان بمعنى المدح أو الذمّ، تدخل في الاسم الباء والاسم المدخلة عليه الباء في موضع رفع لتدلّ بدخولها على المدح أو الذمّ كقولهم: أكرم به رجلا وناهيك به رجلا وجاد بثوبك ثوبا، وطاب بطعامكم طعاما، وما أشبه ذلك من الكلام، ولو أسقطت الباء مما دخلت فيه من هذه الأسماء رفعت، لأنها في محلّ رفع، كما قال الشاعر: ويُخْـبرُنِي عَـنْ غـائبِ المَـرْءِ هَدْيُهُ كَـفَى الهَـدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبرًا (7) فأما إذا لم يكن في الكلام مدح أو ذمّ فلا يدخلون في الاسم الباء؛ لا يجوز أن يقال: قام بأخيك، وأنت تريد: قام أخوك، إلا أن تريد: قام رجل آخر به، وذلك معنى غير المعنى الأوّل.
------------------------ الهوامش: (7) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( مصورة الجامعة رقم 24059 ص 178) قال : "وكل ما في القرآن من قوله: "وكفى بربك) ، وفي (كفى بالله) و (كفى بنفسك اليوم): فلو ألقيت الباء ، كان الخوف مرفوعا ، كما قال الشاعر: "ويخبرني ...
البيت".
وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه ؛ ألا ترى أنك تقول : كفاك به ، ونهاك به ، وأكرم به رجلا ، وبئس به رجلا ، ونعم به رجلا ، وطاب بطعامك طعاما ، وجاد بثوبك ثوبا .
ولو لم يكن مدحا أو ذما لم يجز دخولها؛ ألا ترى أن الذي يقول : قام أخوك .
أو قعد أخوك ، لا يجوز له أن يقول: قام بأخيك ، ولا قعد بأخيك؛ إلا أن تريد قام به غيره وقعد به .
أ هـ .
وقد اغترف ا لمؤلف من كلام الفراء ما شاء ، غير أنه لم يعزه إلى قائله في هذا الموضع .
قوله تعالى : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا [ ص: 212 ] قوله تعالى : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح أي كم من قوم كفروا حل بهم البوار .
يخوف كفار مكة .
كم في موضع نصب ب أهلكنا والمعنى : ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك والقرن الأمة من الناس .
والجمع القرون ; قال الشاعر :إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم وخلفت في قرن فأنت غريبفالقرن كله عالم في عصره مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن به بعضهم إلى بعض ; وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خير الناس قرني يعني أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم هذا أصح ما قيل فيه .
وقيل : المعنى من أهل قرن فحذف كقوله : واسأل القرية .
فالقرن على هذا مدة من الزمان ; قيل : ستون عاما وقيل سبعون ، وقيل : ثمانون ; وقيل : مائة ; وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة ; واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن بسر : تعيش قرنا فعاش مائة سنة ; ذكره النحاس .
وأصل القرن الشيء الطالع كقرن ما له قرن من الحيوان .وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا خبيرا عليما بهم .
بصيرا يبصر أعمالهم ; وقد تقدم .
وهؤلاء أمم كثيرة أبادهم الله بالعذاب من بعد قوم نوح كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ممن عاقبهم الله لما كثر بغيهم واشتد كفرهم أنزل الله بهم عقابه العظيم.
{ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } فلا يخافوا منه ظلما وأنه يعاقبهم على ما عملوه.
قوله : ( وكم أهلكنا من القرون ( أي : المكذبة ( من بعد نوح ( يخوف كفار مكة ( وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ( قال عبد الله بن أبي أوفى : القرن مائة وعشرون سنة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن وكان في آخره يزيد بن معاوية .
وقيل : مائة سنة .
وروي عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بسر المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال : " سيعيش هذا الغلام قرنا " قال محمد بن القاسم فما زلنا نعد له حتى تم له مائة سنة ثم مات .
قال الكلبي : ثمانون سنة .
وقيل : أربعون سنة .
«وكم» أي كثيرا «أهلكنا من القرون» الأمم «من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا» عالما ببواطنها وظواهرها وبه يتعلق بذنوب.
وكثيرا أهلكنا من الأمم المكذبة رسلها مِن بعد نبي الله نوح.
وكفى بربك -أيها الرسول- أنه عالم بجميع أعمال عباده، لا تخفى عليه خافية.
ثم بين - سبحانه - أن هذه القرية لم تكن بدعا فى نزول العذاب بها ، بل هناك قرى كثيرة عتت عن أمر ربها فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر ، فقال - تعالى - : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ .
.
.
) .و ( كم ) هنا خبرية أى : أن معناها الإِخبار عن عدد كثير ، وهى فى محل نصب مفعول به لجملة ( أهلكنا ) و " من " فى قوله - تعالى - : ( من القرون ) بيان للفظ ( كم ) وتمييز له كما يميز العدد بالجنس .
وأما " من " فى قوله - تعالى - : ( مِن بَعْدِ نُوحٍ ) فهى لابتداء الغاية .والقرون : جمع قرن ، ويطلق على القوم المقترنين فى زمان واحد .
والمشهور أن مدته مائة سنة .أى : أن هذه القرية المدمرة بسبب فسوق أهلها ، وعصيانهم لأمرنا ، ليست هى القرية الوحيدة التى نزل بها عذابنا ، بل إننا قد أهلكنا كثيرا من القرى من بعد زمن نوح - عليه السلام - كقوم عاد وثمود وغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الكفر على الإِيمان والغى على الرشد .وخص نوح - عليه السلام - بالذكر ، لأنه أول رسول كذبه قومه وآذوه وسخروا منه .
.
فأهلكهم الله - تعالى - بالطوفان .قال ابن كثير : ودل هذا على أن القرون التى كانت بين آدم ونوح على الإِسلام ، كما قاله ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإِسلام .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالتهديد الشديد لمن يخالف أمره فقال - تعالى - : ( وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً ) .أى : وكفى بربك - أيها الرسول الكريم - إحاطة واطلاعا وعلما بما يقدمه الناس من خير أو شر ، فإنه - سبحانه - يعلم السر وأخفى .والآية الكريمة بجانب أنها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فهى - أيضا - تهديد للمشركين ، وإنذار لهم بأنهم إذا ما استمروا على كفرهم ، ومعاداتهم للحق ، وتطاولهم على من جاء به وهو الرسول صلى الله عليه وسلم فسيكونون محلا لغضب الله - تعالى - وسخطه ، ولنزول عذابه الذى أهلك به أمثالهم فى الشرك والكفر والجحود .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ) وقوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد )
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ في تفسير هذا الأمر قولان: القول الأول: أن المراد منه الأمر بالفعل، ثم إن لفظ الآية لا يدل على أنه تعالى بماذا يأمرهم فقال الأكثرون: معناه أنه تعالى يأمرهم بالطاعات والخيرات، ثم إنهم يخالفون ذلك الأمر ويفسقون وقال صاحب الكشاف: ظاهر اللفظ يدل على أنه تعالى يأمرهم بالفسق فيفسقون، إلا أن هذا مجاز ومعناه أنه فتح عليهم أبواب الخيرات والراحات فعند ذلك تمردوا وطغوا وبغوا قال والدليل على أن ظاهر اللفظ يقتضي ما ذكرناه، أن المأمور به إنما حذف لأن قوله؛ ﴿ فَفَسَقُواْ ﴾ يدل عليه يقال: أمرته فقام، وأمرته فقرأ لا يفهم منه، إلا أن المأمور به قيام أو قراءة فكذا هاهنا لما قال: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا ﴾ وجب أن يكون المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا لا يقال يشكل هذا بقولهم أمرته فعصاني أو فخالفني فإن هذا لا يفهم منه أني أمرته بالمعصية والمخالفة؛ لأنا نقول: إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له، فكذلك أمرته ففسق يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به، كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن المأمور به ليس بفسق، وهذا الكلام في غاية الظهور فلا أدري لم أصر صاحب الكشاف على قوله مع ظهور فساده، فثبت أن الحق ما ذكره الكل وهو أن المعنى أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر عناداً وأقدموا على الفسق.
القول الثاني: في تفسير قوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ أي أكثرنا فساقها.
قال الواحدي: العرب تقول أمر القوم إذا كثروا.
وأمرهم الله إذ كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد، روى الجرمي عن أبي زيد أمر الله القوم وآمرهم، أي كثرهم.
واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله صلى الله عليه وسلم: «خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة» والمعنى مهرة قد كثر نسلها يقولون: أمر الله المهرة أي كثر ولدها ومن الناس من أنكر أن يكون أمر بمعنى كثر وقالوا أمر القوم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد أي كثرهم، وحملوا قوله عليه الصلاة والسلام: «مهر مأمورة» على أن المراد كونها مأمورة بتكثير النسل على سبيل الاستعارة.
وأما المترف: فمعناه في اللغة المتنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش ﴿ فَفَسَقُواْ فِيهَا ﴾ أي خرجوا عما أمرهم الله: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا القول ﴾ يريد: استوجبت العذاب، وهذا كالتفسير لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ فِي أُمّهَا رَسُولاً ﴾ وقوله: ﴿ ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون ﴾ فلما حكم تعالى في هذه الآيات أنه تعالى لا يهلك قرية حتى يخالفوا أمر الله، فلا جرم ذكر أنه هاهنا يأمرهم فإذا خالفوا الأمر، فعند ذلك استوجبوا الأهلاك المعبر عنه بقوله: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا القول ﴾ وقوله: ﴿ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ أي أهلكناها إهلاك الاستئصال.
والدمار هلاك على سبيل الاستئصال.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجوه: الأول: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أراد إيصال الضرر إليهم ابتداء ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق.
الثاني: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما خص المترفين بذلك الأمر لعلمه بأنهم يفسقون، وذلك يدل على أنه تعالى أراد منهم الفسق، والثالث: أنه تعالى قال: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا القول ﴾ بالتعذيب والكفر، ومتى حق عليها القول بذلك امتنع صدور الإيمان منهم، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذباً وذلك محال، والمفضي إلى المحال محال.
قال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه تعالى لا يبتدئ بالتعذيب والإهلاك لقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون ﴾ فكل هذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يبتدئ بالإضرار، وأيضاً ما قبل هذه الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله: ﴿ مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ ومن المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض، فثبت أن الآيات التي تلوناها محكمة، وكذا الآية التي نحن في تفسيرها، فيجب حمل هذه الآية على تلك الآيات هذا ما قاله الكعبي، واعلم أن أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية على وجه يوافق قول المعتزلة: القفال.
فإنه ذكر فيه وجهين: الوجه الأول: قال إنه تعالى أخبر أنه لا يعذب أحداً بما يعلمه منه ما لم يعمل به، أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره فإذا ظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه فقوله: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ معناه: وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم أمرنا المتنعمين المتعززين الظانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم ترد عنهم بأسنا بالإيمان بي والعمل بشرائع ديني على ما بلغهم عني رسولي، ففسقوا فحينئذ يحق عليهم القضاء السابق بإهلاكهم لظهور معاصيهم فحينئذ دمرناها، والحاصل أن المعنى: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على المعصية لم نكتف في تحقيق ذلك الإهلاك بمجرد ذلك العلم، بل أمرنا مترفيها ففسقوا، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق فحينئذ نوقع عليهم العذاب الموعود به.
والوجه الثاني: في التأويل أن نقول: وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها لم نعاجلها بالعذاب في أول ظهور المعاصي منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي، وإنما خص المترفين بذلك الأمر، لأن المترف هو المتنعم ومن كثرت نعم الله عليه كان قيامه بالشكر أوجب، فإذا أمرهم بالتوبة والرجوع مرة بعد أخرى مع أنه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم بل يزيدها حالاً بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمردهم وبعدهم عن الرجوع عن الباطل إلى الحق، فحينئذ يصب الله البلاء عليهم صباً، ثم قال القفال: وهذان التأويلان راجعان إلى أن الله تعالى أخبر عباده أنه لا يعاجل بالعقوبة أمة ظالمة حتى يعذر إليهم غاية الأعذار الذي يقع منه اليأس من إيمانهم، كما قال في قوم نوح: ﴿ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ﴾ وقال: ﴿ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن ﴾ وقال في غيرهم: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ فأخبر تعالى أولاً أنه لا يظهر العذاب إلا بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم أخبر ثانياً في هذه الآية أنه إذا بعث الرسول أيضاً فكذبوا لم يعاجلهم بالعذاب، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ، فإن بقوا مصرين على الذنوب فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال، وهذا التأويل الذي ذكره القفال في تطبيق الآية على قول المعتزلة لم يتيسر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله.
وأجاب الجبائي بأن قال: ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقوا، وذلك لأنه ظلم وهو على الله محال، بل المراد من الإرادة قرب تلك الحالة فكان التقدير وإذا قرب وقت إهلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدة، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة، وليس المراد أن المريض يريد أن يموت، والتاجر يريد أن يفتقر وإنما يعنون أنه سيصير كذلك فكذا هاهنا.
واعلم أن جميع الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في التمسك بهذه الآية، لا شك أن كلها عدول عن ظاهر اللفظ، أما الوجه الثاني والثالث فقد بقي سليماً عن الطعن، والله أعلم.
المسألة الثالثة: المشهور عند القراء السبعة: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ بالتخفيف غير ممدودة الألف، وروي برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس: ﴿ آمْرُنَا ﴾ بالمد، وعن أبي عمرو ﴿ أَمْرُنَا ﴾ بالتشديد فالمد على الكثير يقال: أمر القوم بكسر الميم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد، أي كثرهم الله.
والتشديد على التسليط، أي سلطنا مترفيها، ومعناه التخلية وزوال المنع بالقهر، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴾ فاعلم أن المراد أن الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون ويتمردون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد نوح.
وهم عاد وثمود وغيرهم، ثم إنه تعالى خاطب رسوله بما يكون خطاباً لغيره وردعاً وزجراً للكل فقال: ﴿ وكفى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات فلا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق، وثبت أنه قادر على كل الممكنات فكان قادراً على إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.
وأيضاً أنه منزه عن العبث والظلم.
ومجموع هذه الصفات الثلاث أعني العلم التام، والقدرة الكاملة، والبراءة عن الظلم بشارة عظيمة لأهل الطاعة.
وخوف عظيم لأهل الكفر والمعصية.
البحث الثاني: قال الفراء: لو ألغيت الباء من قولك ﴿ بربك ﴾ جاز، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم.
كقولك: كفاك به.
وأكرم به رجلاً.
وطاب بطعامك طعاماً.
وجاد بثوبك ثوباً، أما إذا لم يكن مدحاً أو ذماً لم يجز دخولها، فلا يجوز أن يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ آمرنا ﴾ من أمر وأمره غيره.
﴿ وأمّرنا ﴾ بمعنى أمرنا.
أو من أمر إمارة، وأمره الله.
أي: جعلناهم أمراء وسلطناهم ﴿ كَمْ ﴾ مفعول ﴿ أَهْلَكْنَا ﴾ و ﴿ مّنَ القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له، كما يميز العدد بالجنس.
يعني عادا وثموداً وقرونا بين ذلك كثيراً.
ونبه بقوله ﴿ وكفى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا ﴾ على أن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير، وأنه عالم بها ومعاقب عليها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا ﴾ وكَثِيرًا أهْلَكْنا.
﴿ مِنَ القُرُونِ ﴾ بَيانٌ لَكم وتَمْيِيزٌ لَهُ.
﴿ مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ.
﴿ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ يُدْرِكُ بَواطِنَها وظَواهِرَها فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ.
﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ ﴾ مَقْصُورًا عَلَيْها هَمُّهُ.
﴿ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ﴾ قَيَّدَ المُعَجَّلَ والمُعَجَّلَ لَهُ بِالمَشِيئَةِ والإرادَةِ لِأنَّهُ لا يَجِدُ كُلُّ مُتَمَنِّ ما يَتَمَنّاهُ، ولا كُلٌّ واجِدٌ جَمِيعَ ما يَهْواهُ ولِيُعْلَمَ أنَّ الأمْرَ بِالمَشِيئَةِ والهَمُّ فَضْلٌ.
(وَلِمَن نُرِيدُ) بَدَلٌ مِن لَهُ بَدَلَ البَعْضِ.
وقُرِئَ « ما يَشاءُ» والضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى حَتّى يُطابِقَ المَشْهُورَةَ.
وقِيلَ ﴿ لِمَن ﴾ فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ذَلِكَ.
وقِيلَ الآيَةُ في المُنافِقِينَ كانُوا يُراءُونَ المُسْلِمِينَ ويَغْزُونَ مَعَهم ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم إلّا مُساهَمَتَهم في الغَنائِمِ ونَحْوِها.
﴿ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{وَكَمْ} مفعول {أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ} بيان لكم {من بعد نوح} يعنى عادا وثمود وغيرهما {وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خِبِيراً} وإن أخفوها في الصدور {بصيرا} وإن أرخوا
الإسراء (١٨ _ ٢٢)
عليها الستور
﴿ وكَمْ أهْلَكْنا ﴾ أيْ: كَثِيرًا ما أهْلَكْنا ﴿ مِنَ القُرُونِ ﴾ تَمْيِيزٌ - لَكم - والقَرْنُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ القَوْمُ المُقْتَرِنُونَ في زَمانٍ واحِدٍ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى هو مُدَّةُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ القاسِمِ المازِنِيِّ، ورُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ، وجاءَ «أنَّهُ دَعا لِرَجُلٍ فَقالَ: «عِشْ قَرْنًا».
فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ أوْ مِائَةً وعِشْرِينَ،» وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ ثَمانُونَ سَنَةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً ﴿ مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴾ مِن بَعْدِ زَمَنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَعادٍ وثَمُودَ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ قُصَّتْ أحْوالُهم في القُرْآنِ العَظِيمِ ومَن لَمْ تُقَصَّ، وخُصَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذِّكْرِ ولَمْ يَقُلْ: مِن بَعْدِ آدَمَ لِأنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ آذاهُ قَوْمُهُ فاسْتَأْصَلَهُمُ العَذابُ فَفِيهِ تَهْدِيدٌ وإنْذارٌ لِلْمُشْرِكِينَ ولِظُهُورِ حالِ قَوْمِهِ لَمْ يُنْظَمُوا في القُرُونِ المُهْلَكَةِ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَمْزٌ إلى ذِكْرِهِمْ، و(مِن) الأُولى لِلتَّبْيِينِ لا زائِدَةً، والثّانِيَةُ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ فَلِذا جازَ اتِّحادُ مُتَعَلِّقِهِما، وقالَ الحُوفِيُّ: (مِن) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى ولَيْسَ بِجَيِّدٍ.
﴿ وكَفى بِرَبِّكَ ﴾ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُفَصَّلًا آنِفًا في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ ﴿ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ مُحِيطًا بِظَواهِرِها وبَواطِنِها فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والنِّيّاتِ الَّتِي هي مَبادِئُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ تَقَدُّمًا وُجُودِيًّا، وقِيلَ: تَقَدُّمًا رُتَبِيًّا؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِما في القَلْبِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم وأعْمالِكُمْ، وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم ونِيّاتِكُمْ»».
وإنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ، ونِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ لِعُمُومِهِ مِن حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ المُبْصَراتِ أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ (خَبِيرًا بَصِيرًا) عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ.
وقالَ الحُوفِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِكُفى وهو وهْمٌ، وفي تَذْيِيلِ ما تَقَدَّمَ بِما ذُكِرَ إشارَةٌ عَلى ما قِيلَ إلى أنَّ البَعْثَ والأمْرَ وما يَتْلُوهُما مِن فِسْقِهِمْ لَيْسَ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما هو لِقَطْعِ الأعْذارِ وإلْزامِ الحُجَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.
وفي الكَشّافِ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَفى بِرَبِّكَ ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ الذُّنُوبَ هي الأسْبابُ المُهْلِكَةُ لا غَيْرُ، وبَيانُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لَمّا عَقَّبَ إهْلاكَهم بِعِلْمِهِ بِالذُّنُوبِ عِلْمًا أتَمَّ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَعالى جازاهم بِها وإلّا لَمْ يَنْتَظِمِ الكَلامُ، وأمّا الحَصْرُ فَلِأنَّ غَيْرَها لَوْ كانَ لَهُ مَدْخَلٌ كانَ الظّاهِرُ ذِكْرَهُ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ ثُمَّ لا يَكُونُ السَّبَبُ تامًّا ويَكُونُ الكَلامُ ناقِصًا عَنْ أداءِ المَقْصُودِ فَلَزِمَ الحَصْرُ وهو المَطْلُوبُ، ولا أرى كَلامَهُ خالِيًا عَنْ دَسِيسَةِ اعْتِزالٍ تَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أي: أهل قرية أَمَرْنا مُتْرَفِيها أي: أكثرنا جبابرتها، يقال: أَمَرَ إِذَا أكثر وآمَرَ إذا أكثر وهما لغتان.
وروي عن زينب بنت جحش أنها قالت: دخل علينا رسول الله وهو يقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق إبهامه بالتي تليها» .
قالت: قلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟
قال: «نعم إذا كثر الخبث» .
ويقال: أمَرَ وآمر مثل فعل وأفعل بمعنى: أكثر.
ومنه قوله : «خير المال مهرة مأمورة» أي: خيل كثير النتاج.
قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين وابن كثير في إحدى الروايتين ونافع في إحدى الروايتين: «أَمَّرْنَا» بالتشديد بغير مد، وفي إحدى الروايتين عن ابن كثير ونافع «آمَرْنَا» بالمد والتخفيف.
فمن قرأ بالمد يعني: أكثرنا جبابرتها، وقرأ الباقون بالتخفيف بغير مد.
فمن قرأ بالتشديد فمعناه: سلطنا جبابرتها.
ومن قرأ بالتخفيف له معنيان: أحدهما: أكثرنا جبابرتها وأشرافها ورؤساءها فَفَسَقُوا فِيها أي: فعصوا فيها ومعنى آخر: أمرناهم بالطاعة وخذلناهم حتى تركوا الأمر وعصوا الله تعالى.
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ أي: وجب عليها السخط بالعذاب فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً أي: أهلكناها بالعذاب إهلاكا.
قوله عز وجل: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً يعني: أن الله تعالى عالم بذنوبهم قادر على أخذهم ومجازاتهم، فيه تهديد لهذه الأمة لكي يطيعوا الله ولا يعصوه فيصيبهم مثل ما أصابهم.
قوله عز وجل: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ أي: من كان يريد بعمله الذي افترض الله عليه ثواب الدنيا عَجَّلْنا لَهُ أي: أعطينا له فِيها مَا نَشاءُ من عرض الدنيا لِمَنْ نُرِيدُ أن نهلكه ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ أي: أوجبنا له جهنم يَصْلاها أي: يدخلها مَذْمُوماً ملوماً في عمله مَدْحُوراً أي: مطروداً مقصيَّاً من كل خير، وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ من المؤمنين بعمله الذي افترض الله عليه وَسَعى لَها سَعْيَها يعني: عمل للآخرة عملها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً أي: عملهم مقبولاً ويقال: معناه، من كان غرضه وقصده وعزمه الدنيا وحطامها وزهرتها، عجلنا له فيها للمزيد في الدنيا ما نشاء لمن نريد أن نعطيه بإرادتنا لا بإرادته، ومن كان قصده وعزمه الآخرة وعمل عمل الآخرة فنعطي له ما يريد من الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
وعليه «١» ، وخاطب اللَّه العربَ في هذه الآية بما تَعْرِف، وذلك أنه كان مِنْ عادتها التيمُّنُ والتشاؤم بالطَّيْر في كونها سانحةً وبارحةً، وكَثُر ذلك حتَّى فعلته بالظِّباء وحيوانِ الفَلاَ، وسمَّت ذلك كلَّه تَطَيُّراً، وكانتْ تعتقدُ أنَّ تلك الطِّيَرَةَ قاضية بما يلقي الإِنسان من خيرٍ وشرٍّ، فأخبرهم اللَّه تعالى في هذه الآية بأوجز لفظٍ، وأبلغِ إشارةٍ، أن جميع ما يلقى الإنسانُ من خير وشر قد سَبَقَ به القضاء، وألزم حظه وعمله وتكسُّبه في عنقه، وذلك في قوله عزَّ وجلَّ: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، فعَّبر عن الحظِّ والعمل إِذ هما متلازمانِ، بالطائر قاله مجاهد وقتادة «٢» ، بحسب معتقد العرب في التطيُّرِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً: هذا الكتابُ هو عمل الإِنسان وخطيئاته، اقْرَأْ كِتابَكَ أي: يقال له:
اقرأ كتابك، وأسند الطبريُّ عن الحسن، أنه قال: يا ابن آدم بُسِطَتْ لك صحيفةُ، ووُكِلَ بك مَلَكَانِ كريمانِ أحدهما عن يمينِكَ يكتُبُ حسناتِكَ، والآخر عن شمالِكَ يحفظُ سيئاتكَ، فأَمْلِلْ ما شئْتَ وأقلِلْ أو أكِثْر حتَّى إِذا مُتَّ طُوِيَتْ صحيفتُكَ فجعلَتْ في عنقك معَكَ في قَبْرك حتى تَخْرُجَ لك/ يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً قد عَدَلَ واللَّه فيكَ، مَنْ جعلك حسيبَ نَفْسك «٣» .
قال ع «٤» فعلى هذه الألفاظِ التي ذكر الحسنُ يكون الطائرُ ما يتحصَّل مع ابْنِ آدم من عمله في قَبْره، فتأمَّل لفظه، وهذا قول ابن عباس «٥» ، وقال قتادة في قوله: اقرأ كتابك:
إِنه سيقرأ يومئذ من لم يكن يقرأ «٦» .
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠)
وقوله سبحانه: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها
قرأ الجمهور «١» : «أَمَرْنَا» على صيغة الماضي، وعن نافع وابن كثير، في بعض ما رُوِيَ عنهما: «آمَرْنَا» بمد الهمزة بمعنى كَثَّرنا، وقرأ أبو عمرو بخلاف عنه: «أَمَّرْنَا» بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النَّهْديِّ، وأبي العاليةِ وابن عبَّاسِ، ورُوِيَتْ عن علي، قال الطبري «٢» القراءة الأولى معناها:
أمرناهم بالطَّاعة، فعصَوْا وفَسَقُوا فيها، وهو قولُ ابن عباس «٣» وابنِ جبير، والثانية: معناها:
كَثَّرناهم، والثالثة: هي من الإِمارَةِ، أي ملَّكناهم على الناس، قال الثعلبي: واختار أبو عُبَيْد وأبو حاتمٍ قراءة الجمهور، قال أبو عُبَيْد: وإِنما اخترْتُ هذه القراءة، لأنَّ المعاني الثلاثةَ مجتمعةٌ فيها، وهي معنى الأمْرِ والإِمارة والكثرة انتهى.
ت: وعبارة ابن العربي «٤» : أَمَرْنا مُتْرَفِيها
يعني بالطاعة، ففسقوا بالمخالَفَة انتهى من كلامه على الأفعال الواقعة في القرآن، «والمترف» : الغنيُّ من المالِ المتنعِّم، والتُّرْفَةُ: النِّعمة، وفي مُصْحف أبيِّ بن كعب: «قَرْيَةً بَعَثْنَا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فيها» .
وقوله سبحانه: فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
، أي: وعيدُ اللَّه لها الذي قاله رسولهم، «والتدميرُ» الإِهلاك مع طَمْس الآثار وهَدْمِ البناء.
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ ...
الآية: مثال لقريشٍ ووعيدٌ لهم، أي: لستم ببعيد مما حصلوا فيه إِن كذبتم، واختلف في القرن، وقد روى محمَّد بن القاسم في خَتْنِهِ «٥» عَبْد اللَّه بن بُسْر، قال: وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَدَهُ على رأسه، وقال: «سَيَعِيشُ هَذَا الغُلاَمُ قرنا»
قُلْتُ: كم القَرْنُ؟
قالَ: مِائَةُ سنة «١» قال محمد بن القاسِمِ: فما زِلْنَا نَعُدُّ له حتى كمل مائة سنة، ثم مات رحمه الله.
والباء في قوله: بِرَبِّكَ زائدةٌ، التقديرٌ وكفَى ربُّكَ، وهذه الباء إِنما تجيء في الأغلب في مَدْحٍ أو ذمٍّ، وقد يجيء «كَفَى» دون باء، كقول الشاعر: [الطويل] ...
كَفَى الشَّيْبُ وَالإِسْلاَمُ لِلمَرْءِ ناهِيَا «٢» وكقول الآخر: [الطويل]
وَيُخْبرُني عَنْ غَائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ...
كَفَى الهَدْيُ عَمَّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرَا «٣»
وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ...
الآية:
المعنى فإِن اللَّه يعجِّل لمن يريدُ من هؤلاء ما يشاء سبحانه على قراءة النون «٤» ، أو ما يشاء هذا المريد على قراءة الياء، وقوله: لِمَنْ نُرِيدُ شرط كافٍ على القراءتين، وقال أبو إسحاق الفَزَارِيُّ: المعني: لِمَنْ نريدُ هَلَكَتَه «٥» ، و «المدحورُ» : المهان المُبْعَدُ المذَّلل المسخُوطُ عليه.
وقوله سبحانه: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ، أي: إِرادَة يقينِ وإِيمانٍ بها، وباللَّهِ ورسالاتِهِ، ثم شرَطَ/ سبحانه في مريدِ الآخرة أنْ يَسَعى لها سَعْيَها، وهو ملازمة أعمال الخير على
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ﴾ في سَبَبِ إرادَتِهِ لِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما سَبَقَ لَهم في قَضائِهِ مِنَ الشَّقاءِ.
والثّانِي: عِنادُهُمُ الأنْبِياءَ وتَكْذِيبُهم إيّاهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَرْنا مُتْرَفِيها ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( أمَرْنا ) مُخَفِّفَةً عَلى وزْنِ ( فَعَلْنا )، وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ الأمْرِ، وفي الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: أمَرْنا مُتْرَفِيها بِالطّاعَةِ فَفَسَقُوا، هَذا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ في الكَلامِ: أمَرْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَقَدْ عَلِمَ أنَّ المَعْصِيَةَ مُخالَفَةُ الأمْرِ.
والثّانِي: ( كَثَّرْنا ) يُقالُ: أمَرْتُ الشَّيْءَ وآَمَرْتُهُ؛ أيْ: كَثَّرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ؛ أيْ: كَثِيرَةُ النِّتاجِ، يُقالُ: أمِرَ بَنُو فُلانٍ يَأْمَرُونَ أمْرًا: إذا كَثُرُوا، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى ﴿ أمَرْنا ﴾ : أمْرُنا، يُقالُ: أمَرْتُ الرَّجُلَ، بِمَعْنى: أمَرْتُهُ، والمَعْنى: سَلَّطْنا مُتْرَفِيها بِالإمارَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: ( آَمَرْنا ) مَمْدُودَةً، مِثْلَ: ( آَمَنّا )، وكَذَلِكَ رَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ، ويَعْقُوبُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهي اللُّغَةُ العالِيَةُ المَشْهُورَةُ، ومَعْناهُ: كَثَّرْنا أيْضًا.
ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: ( أمَّرْنا ) مُشَدَّدَةَ المِيمِ، وهي رِوايَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ، والنَّخَعِيِّ، والجَحْدَرَيِّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: جَعَلْناهم أُمَراءَ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( أمِرْنا ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ مَكْسُورَةَ المِيمِ مُخَفَّفَةً.
فَأمّا المُتْرَفُونَ فَهُمُ المُتَنَعِّمُونَ الَّذِينَ قَدْ أبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ العَيْشِ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: هُمُ الجَبّارُونَ والمُسَلَّطُونَ والمُلُوكُ، وإنَّما خَصَّ المُتْرَفِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ الرُّؤَساءُ، ومَن عَداهم تَبَعٌ لَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَسَقُوا فِيها ﴾ ؛ أيْ: تَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ الفِسْقَ في الكُفْرِ: الخُرُوجُ إلى أفْحَشِهِ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الفِسْقِ في ( البَقَرَةِ: ٢٦، ١٩٧ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وجَبَ عَلَيْها العَذابُ.
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى " التَّدْمِيرِ " في ( الأعْرافِ: ١٣٧ ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ ﴾ وهو جَمْعُ قَرْنٍ.
وقَدْ ذَكَرْنا اخْتِلافَ النّاسِ فِيهِ في ( الأنْعامِ: ٦ )، وشَرَحْنا مَعْنى " الخَبِيرِ " و " البَصِيرِ " في ( البَقَرَةِ ) .
قالَ مُقاتِلٌ: وهَذِهِ الآَيَةُ تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ﴿ وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا ﴾ ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِنَ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُحاسَبُ عن نَفْسِهِ لا عن غَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ - - وإثْمُكم عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: إنَّ الوَلِيدَ لا يَحْمِلُ آثامَكُمْ، وإنَّما إثْمُ كُلِّ واحِدٍ عَلَيْهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ، والإشارَةُ بِالضَلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.
و"وَزَرَ" مَعْناهُ: حَمَلَ، و"الوِزْرُ": الثِقْلُ، ومِنهُ: وزِيرُ السُلْطانِ، أيِ: الَّذِي يَحْمِلُ ثُقْلَ دَوْلَتِهِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ نَزَعَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها في الرَدِّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما هي أنَّ التَعْذِيبَ إنَّما يَقَعُ إذا كانَ البُكاءُ مِن سُنَّةِ المَيِّتِ وتُسَبُّبُهُ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: هَذا في حُكْمِ الدُنْيا، أيْ إنَّ اللهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا عامٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَلْخِيصُ هَذا المَعْنى أنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ في هَذا المَوْضِعِ الإعْلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى مَعَ الأُمَمِ في الدُنْيا، وبِهَذا يَقْرُبُ الوَعِيدُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ.
ويُؤَيِّدُ هَذا ما يَجِيءُ بَعْدُ مِن وصْفِهِ ما يَكُونُ عِنْدَ إرادَةِ اللهِ إهْلاكَ قَرْيَةٍ، ومِن إعْلامِهِ بِكَثْرَةٍ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، ومَعَ هَذا فالظاهِرُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنَ النَظَرِ، أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ فِي الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرُسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ ﴾ ﴿ قالُوا بَلى ﴾ ، وظاهِرُ "كُلَّما" الحَصْرُ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ ، وأمّا مِن جِهَةِ النَظَرِ فَإنَّ بِعْثَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَوْحِيدِ، وبَعْثِ المُعْتَقِداتِ في بَنِيهِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، مَعَ سَلامَةِ البَصَرِ، يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ العالِمِ الإيمانَ واتِّباعَ شَرِيعَةِ اللهِ، ثُمَّ تَجَدَّدَ ذَلِكَ في مُدَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ غَرَقِ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا يُعْطِي احْتِمالُ ألْفاظِها نَحْوَ هَذا، ويَجُوزُ مَعَ الفَرْضِ وُجُودُ قَوْمٍ لَمْ تَصِلْهم رِسالَةٌ، ومِنهم أهْلُ الفَتَراتِ الَّذِينَ قَدْ قَدَّرَ وُجُودَهم بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَبْعَثُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى المَجانِينِ والأطْفالِ، فَحَدِيثٌ لَمْ يَصِحُّ، ولا يَقْتَضِيهِ ما تَقْضِيهِ الشَرِيعَةُ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ﴾ الآيَةُ.
في مُصْحَفِ أُبَيِّ "بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها"، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ المُجْتَمِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِن: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، إذا جَمَعْتُهُ، ولَيْسَتْ مَن "قَرَأ" الَّذِي هو مَهْمُوزٌ، وإنْ كانَ فِيهِما جَمِيعًا مَعْنى الجَمْعِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَرْنا" عَلى صِيغَةِ الماضِي، مِن: أمَرَ ضِدَّ نَهى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُما-: "آمَرْنا" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: كَثَّرْنا، ورُوِيتُ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وعَنِ الأعْرَجِ، وقَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا، وآمَرَهُمُ اللهُ تَعالى فَيَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِخِلافٍ-: "أمَّرْنا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: القِراءَةُ الأُولى مَعْناها: أمَرْناهم بِالطاعَةِ فَعَصَوْا وفَسَقُوا فِيها، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والثانِيَةُ مَعْناها: كَثَّرْناهُمْ، والثالِثَةُ هي مِنَ الإمارَةِ، أيْ: مَلَّكْناهم عَلى الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "الجَيِّدُ في "أمَرْنا" أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: كَثَّرْنا، يَتَعَدّى الفِعْلُ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: رَجَعَ ورَجَعْتُهُ، وشَتِرَتْ عَيْنُهُ وشَتَرْتُها، فَتَقُولُ: أمَرَ القَوْمُ وأمَّرَهُمُ اللهُ، أيْ كَثَّرَهُمْ، و"آمَرْنا" مُبالَغَةٌ في "أمْرَنا" بِالهَمْزَةِ، و"أمَّرْنا" مُبالَغَةٌ فِيهِ بِالتَضْعِيفِ، ولا وجْهَ لِكَوْنِ "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ؛ لِأنَّ رِياسَتَهم لا تَكُونُ إلّا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، والإهْلاكُ إنَّما يَكُونُ في مُدَّةِ واحِدٍ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْفَصِلُ عن هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُتْرَفَ وغَيْرَهَ، فَخَصَّ المُتْرَفَ بِالذِكْرِ إذْ فِسْقُهُ هو المُؤَثِّرُ في فَسادِ القَرْيَةِ وهم عُظْمُ الضَلالَةِ وسِواهم تَبِعَ لَهم.
وأمّا "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ فَمُتَوَجِّهٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يُرِيدَ إمارَةَ المُلْكِ، بَلْ كَوْنُهم يَأْمُرُونَ ويُؤْتَمَرُ لَهُمْ؛ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِمَن يَأْمُرُ الإنْسانَ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا-: هو أمِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: إذا كانَ هادِيَ الفَتى في البِلا ∗∗∗ دِ صَدْرَ القَناةِ أطاعَ الأمِيرا ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ أمْرِهِ بِالِاسْتِقادَةِ مِن لَطْمَةِ عَمْرُو بْنِ العاصِ: إنَّ عَلَيَّ أمِيرًا لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهُ، أرادَ مُعاوِيَةُ أباهُ، وأرادَ الأعْشى أنَّهُ إذا شاخَ الإنْسانُ وعَمِي واهْتَدى بِالعَصا أطاعَ كُلَّ مَن يَأْمُرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذْ هم ∗∗∗ ∗∗∗ خِطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ وَأيْضًا فَلَوْ أرادَ إمارَةَ المُلْكِ في الآيَةِ لَحَسُنَ المَعْنى؛ لِأنَّ الأُمَّةَ إذا مَلَّكَ اللهُ عَلَيْها مُتْرَفًا فَفَسَقَ، ثُمَّ ولِيَ مَثَلَهُ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ، عَظُمَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ واسْتَحَقُّوا العَذابَ فَنَزَلَ بِهِمْ عَلى الرَجُلِ الأخِيرِ مِن مُلُوكِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أمِرْنا" بِكَسْرِ المِيمِ، وحَكاها النَحاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ولا أتَحَقَّقُ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ؛ إلّا إنْ كانَ "أمِرَ القَوْمُ" يَتَعَدّى بِلَفْظِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "أمِرَ بَنُو فُلانٍ" إذا كَثُرُوا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ: إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإنْ أُمِرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ والنَفَدِ ومِنهُ: (لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ )، ورَدَّ الفَرّاءُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَدْ حُكِيَ "أمِرَ" مُتَعَدِّيًا عن أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، و"المُتْرَفُ" الغَنِيُّ مِنَ المالِ المُتَنَعِّمُ، والتُرْفَةُ: النِعْمَةُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَرْيَةً بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ ﴾ أيْ وعِيدُ اللهِ لَها الَّذِي قالَهُ رَسُولُهم.
و"التَدْمِيرُ": الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الآثارِ وهَدْمِ البِناءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: وكانَ لَهم كَبَكْرِ ثَمُودٍ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهَمْ دَمارا وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ ﴾ الآيَةُ، "كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا"، وهَذا الذِكْرُ لِكَثْرَةِ مَن أهْلَكَ اللهُ مِنَ القُرُونِ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ ووَعِيدٌ، أيْ: لَسْتُمْ بِبَعِيدٍ مِمّا حَصَلُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ إذا أنْتُمْ كَذَّبْتُمْ نَبِيَّكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْنِ -فَقالَ ابْنُ سِيرِينِ عَنِ النَبِيِّ : أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي أوفى: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقالَتْ طائِفَةٌ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ في قَوْلِهِ : « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي".»«وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ في خَتْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: وضَعَ رَسُولُ اللهِ يَدَهُ عَلى رَأْسِي وقالَ: "سَيَعِيشُ هَذا الغُلامُ قَرْنًا"، قُلْتُ: كَمُ القَرْنُ؟
قالَ: "مِائَةُ سَنَةٍ"،» قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: فَما زِلْنا نُعِدُّ لَهُ حَتّى أكْمَلَ مِائَةَ سَنَةٍ، وماتَ رَحِمَهُ اللهُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِرَبِّكَ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: كَفى بِرَبِّكَ، وهَذِهِ الباءُ إنَّما تَجِيءُ في الأغْلَبِ في مَدْحٍ أو ذَمٍّ، وكَأنَّها تُعْطِي مَعْنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ، أيْ: ما أكْفاهُ في هَذا، وقَدْ تَجِيءُ "كَفى" بِدُونِ باءٍ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا وكَقَوْلُ الآخَرِ: ؎ ويُخْبِرُنِي عن غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا <div class="verse-tafsir"
ضرب مثال لإهلاك القرى الذي وصف سببه وكيفيته في الآية السابقة، فعقب ذلك بتمثيله لأنه أشد في الكشف وأدخل في التحذير المقصود.
وفي ذلك تحقيق لكون حلول العذاب بالقرى مقدماً بإرسال الرسول إلى أهل القرية، ثم بتوجيه الأوامر إلى المترفين ثم فسقهم عنها وكان زعماء الكفرة من قوم نوح مترفين وهم الذين قالوا: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي ﴾ [هود: 27] وقال لهم نوح عليه السلام ﴿ ولا أقول للذين تزدري أعيُنكم لن يؤتيهم الله خيراً ﴾ [هود: 31].
فكان مقتضى الظاهر عطف هذه الجملة بالفاء لأنها كالفرع على الجملة قبلها ولكنها عطفت بالواو إظهاراً لاستقلالها بوقع التحذير من جهة أخرى فكان ذلك تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر لهذا الاعتبار المناسب.
و (كم) في الأصل استفهام عن العدد، وتستعمل خبرية دالة على عدد كثير مُبهم النوع، فلذلك تحتاج إلى تمييز لنوع العدد، وهي هنا خبرية في محل نصب بالفعل الواقع بعدها لأنها التزم تقديمها على الفعل نظراً لكون أصلها الاستفهام وله صدر الكلام.
ومن القرون} تمييز للإبهام الذي اقتضته (كم).
والقرون جمع قرن، وهو في الأصل المدة الطويلة من الزمن فقد يقدر بمائة سنة وبأربعين سنة، ويطلق على الناس الذين يكونون في تلك المدة كما هنا.
وفي الحديث «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم»، أراد أهل قرني، أي أهل القرن الذي أنا فيه.
وقال الله تعالى: ﴿ وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا ﴾ [الفرقان: 38].
وتخصيص ﴿ من بعد نوح ﴾ إيجاز، كأنه قيل من قوم نوح فمن بعدهم، وقد جعل زمن نوح مبدأ لقصص الأمم لأنه أول رسول، واعتبر القَصص من بعده لأن زمن نوح صار كالمنقطع بسبب تجديد عمران الأرض بعد الطوفان، ولأن العذاب الذي حل بقومه عذاب مهول وهو الغرق الذي أحاط بالعالم.
ووجه ذكره تذكير المشركين به وأن عذاب الله لا حد له، والتنبيه على أن الضلالة تحول دون الاعتبار بالعواقب ودون الاتعاظ بما يحل بمن سبق وناهيك بما حل بقوم نوح من العذاب المهول.
وجملة ﴿ وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً ﴾ إقبال على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بالخصوص، لأن كل ما سبق من الوعيد والتهديد إنما مآله إلى حمل الناس على تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من القرآن بعد أن لجوا في الكفر وتفننوا في التكذيب، فلا جرم خُتم ذلك بتطمين النبي بأن الله مطلع على ذنوب القوم.
وهو تعريض بأنه مجازيهم بذنوبهم بما يناسب فظاعتها، ولذلك جاء بفعل ﴿ كفى ﴾ وبوصفي ﴿ خبيراً بصيراً ﴾ المكنى بذكرهما عن عدم إفلات شيء من ذنوبهم المرئية والمعلومة من ضمائرهم أعني أعمالهم ونواياهم.
وقدم ما هو متعلق بالضمائر والنوايا لأن العقائد أصل الأعمال في الفساد والصلاح.
وفي الحديث: «ألا وإن في الجسد مضعة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب».
وفي ذكر فعل (كفى) إيماء إلى أن النبي غير محتاج إلى من ينتصر له غير ربه فهو كافيه وحسبه، قال: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ [البقرة: 137]؛ أو إلى أنه في غنية عن الهم في شأنهم كقوله لنوح: ﴿ فلا تسألننِ ما ليس لك به علم ﴾ [هود: 46] فهذا إما تسلية له عن أذاهم وإما صرف له عن التوجع لهم.
وفي خطاب النبي بذلك تعريض بالوعيد لسامعيه من الكفار.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴾ واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ القَرْنِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى.
الثّانِي: أنَّهُ مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ المازِنِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، رَوى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنِ النَّبِيِّ .
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة: المعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، فيقولون كيف؟
ولم تأتنا رسل!
قال: وايم الله، لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً، ثم يرسل إليهم، فيطيعه من كان يريد أن يطيعه.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرأوا إن شئتم ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ .
وأخرج إسحاق بن راهويه وأحمد وابن حبان وأبو نعيم في المعرفة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في كتاب الاعتقاد، عن الأسود بن سريع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفطرة، فأما الأصم، فيقول: رب، لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق، فيقول: رب، جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفطرة فيقول: رب، ما آتاني لك رسول.
فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، ويرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار.
قال: فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها كانت عليهم برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها» .
وأخرج ابن راهويه وأحمد وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله، غير أنه قال في آخره: فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها.
وأخرج قاسم بن أصبغ والبزار وأبو يعلى وابن عبد البر في التمهيد، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى يوم القيامة بأربعة: بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الهرم الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى: لعنق من جهنم أبرزي، ويقول لكم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم.
فيقول لهم: ادخلوا هذه، فيقول: من كتب عليه الشقاء يا رب؟
أندخلها ومنها كنا نفر؟!
قال: وأما من كتب له السعادة فيمضي فيها، فيقول الرب: قد عاينتموني فعصيتموني، فأنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني وأبو نعيم، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ عقلاً: يا رب، لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني، ويقول الهالك في الفترة رب لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهدك مني، ويقول الهالك صغيراً: يا رب، لو آتيتني عمراً ما كان من أتيته عمراً بأسعد بعمره مني، فيقول الرب:- تبارك وتعالى- فإني آمركم بأمر أفتطيعوني؟
فيقولون: نعم وعزتك، فيقول لهم: اذهبوا فادخلوا جهنم، ولو دخلوها ما ضرتهم شيئاً، فخرج عليهم قوابص من نار يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعاً ويقولون: يا ربنا، خرجنا وعزتك نريد دخولها، فخرجت علينا قوابص من نار، ظننا أن قد أهلكت ما خلق الله من شيء، ثم يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك ويقولون: كذلك، فيقول الرب: خلقتكم على علمي، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار» .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي صالح رضي الله عنه قال: يحاسب يوم القيامة الذين أرسل إليهم الرسل، فيدخل الله الجنة من أطاعه، ويدخل النار من عصاه، ويبقى قوم من الولدان والذين هلكوا في الفترة، فيقول: وإني آمركم أن تدخلوا هذه النار، فيخرج لهم عنق منها، فمن دخلها كانت نجاته، ومن نكص فلم يدخلها كانت هلكته.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه: «أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أتاه رجل فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغاراً؟
فوضع رأسه ساعة ثم قال: أين السائل؟
فقال: ها أنا يا رسول الله، فقال: إن الله تبارك وتعالى إذا قضى بين أهل الجنة والنار لم يبق غيرهم عجّوا، فقالوا: اللهم ربنا، لم تأتنا رسلك ولم نعلم شيئاً، فأرسل إليهم ملكاً، والله أعلم بما كانوا عاملين، فقال: إني رسول ربكم إليكم، فانطلقوا فاتبعوا حتى أتوا النار، فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا فيها، فاقتحمت طائفة منهم، ثم أخرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم، فجعلوا في السابقين المقربين، ثم جاءهم الرسول فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار، فاقتحمت طائفة أخرى، ثم خرجوا من حيث لا يشعرون، فجعلوا في أصحاب اليمين، ثم جاء الرسول فقال: إن الله يأمركم أن تقتحموا في النار، فقالوا: ربنا، لا طاقة لنا بعذابك، فأمر بهم، فجمعت نواصيهم وأقدامهم ثم ألقوا في النار والله أعلم» .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ قال أمروا بالطاعة فعصوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول؛ في قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية ﴾ الآية.
قال: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ بحق، فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدمير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك، أهلكناهم بالعذاب.
وهو قوله: ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ﴾ [ الأنعام: 123] .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله وجل: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ قال: سلطنا عليهم الجبابرة فساموهم سوء العذاب.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: إن يعطبوا يبرموا وإن أمروا ** يوماً يصيروا للهلك والفقد وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية رضي الله عنه- كان يقرأ ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ مثقلة.
يقول: أمرنا عليهم أمراء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قرأ ﴿ آمرنا مترفيها ﴾ يعني بالمد.
قال: أكثرنا فساقها.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ قال: أكثرناهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ قال: أكثرنا.
وأخرج البخاري وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية قد أمروا بني فلان.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر سُنته في إهلاكِ القرون الماضية تخويفًا لكفار مكة، فقال: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ﴾ الآية.
وهذه الآية كقوله (١) ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ﴾ ، وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ ﴾ ذَكَرنا الكلام في هذه الباء في مواضع (٢) وقال الفراء: لو ألقيت الباء كان الحرف مرفوعًا، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يُمدح به صَاحبُه أو يذم؛ كقولك: كفاكَ به، ونهاكَ به، وأكرِم به رجلاً، وبِئس به (٣) (٤) (١) في جميع النسخ: (لقوله)، وهو تصحيف ظاهر.
(٢) وقد ذكر الواحدي عند قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ أن استقصاء الحديث عن الباء في السورة نفسها عند قوله تعالى: ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾ ، لكن الجزء المتضمن لهذه الآية مفقود -كما ذكر محقق هذا الجزء.
(٣) (به): ساقطة من (د).
(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 119 بتصرف يسير، انظر: "تفسير الطبري" 15/ 58.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا ﴾ في تأويل أمرنا هنا ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون في الكلام حذف تقديره: أمرنا مترفيها بالخير والطاعة فعصوا وفسقوا، والثاني: أن يكون أمرنا عبارة عن القضاء عليهم بالفسق أي قضينا عليهم ففسقوا، والثالث: أن يكون أمرنا بمعنى كثرنا واختاره أبو علي الفارسي، وأما على قراءة آمرنا بمدُّ الهمزة فهو بمعنى كثرنا، وأما على قراءة أمّرنا بتشديد الميم، فهو من الإمارة أي جعلناهم أمراء ففسقوا، والمترف: الغني المنعّم في الدنيا ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا القول ﴾ أي القضاء الذي قضاه الله ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون ﴾ القرن مائة سنة، وقيل أربعون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتخذوا ﴾ بياء الغيبة.
أبو عمرو وعباس مخيراً.
الباقون بتاء الخطاب ﴿ أساتم ﴾ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ ليسوء ﴾ بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد و ﴿ لنسوء ﴾ بالنون: علي.
الباقون ﴿ ليسؤوا ﴾ على الجمع ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً: حمزة وعلي.
﴿ ويخرج ﴾ بالياء مجهولاً: يزيد ﴿ ويخرج ﴾ لازماً: يعقوب الآخرون بالنون متعدياً ﴿ تلقاه ﴾ مشدداً: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة.
الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة ﴿ قرأ كتابك ﴾ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ﴿ أمرنا ﴾ من باب المفاعلة: يعقوب.
الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ط لمن قرأ ﴿ تتخذوا ﴾ بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ﴿ ذرية ﴾ منادى ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ الديار ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ نفيراً ﴾ ه ﴿ فلها ﴾ ط لأن ما بعد عائد إلى قوله ﴿ فإذا جاء وعد أولٰهما ﴾ مع اعتراض العوارض ﴿ تتبيراً ﴾ ه ﴿ يرحمكم ﴾ ه للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ عدنا ﴾ ه حذراً من توهم العطف ﴿ حصيراً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ أليما ﴾ ه ﴿ بالخير ﴾ ط ﴿ عجولاً ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ، ط ﴿ تفصيلاً ﴾ ه ﴿ عنقه ﴾ ط ﴿ منشوراً ﴾ ه ﴿ كتابك ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ط للابتداء بعد بالشرط ﴿ لنفسه ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط ﴿ رسولاً ﴾ ه ﴿ تدميراً ﴾ ه ﴿ نوح ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ مشكوراً ﴾ ه ﴿ عطاء ربك ﴾ ط ﴿ محظوراً ﴾ ه ﴿ بعض ﴾ ط ﴿ تفصيلاً ﴾ .
الوقوف: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفاً مما خصة به من المعجزات فقال: ﴿ سبحان الذي ﴾ وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: ﴿ سبحانك لاعلم لنا إلاَّ ما علمتنا ﴾ والمراد تنزيه الله من كل مالا يليق بجلاله ﴿ وأسرى ﴾ وسرى لغتان.
يروى أنه لما وصل النبي إلى المراتب العلية في معراجه في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرِّفك؟
فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية.
فأنزل فيه: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، أخبر أنه أسرى به في بعض الليل ﴿ من المسجد الحرام ﴾ عن النبي : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق.
وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به.
وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون.
قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة.
وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة.
﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد.
﴿ الذي باركنا حوله ﴾ يري بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة.
وقوله: ﴿ أسرى ﴾ مع قوله: ﴿ باركنا ﴾ سلوك لطريقة الالتفات ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ بيان لحكمة الإسراء.
سؤال: أرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وأرى محمداً صلى الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟
الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه هو السميع ﴾ لأقوال محمد ﴿ البصير ﴾ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك.
واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه.
حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه.
وحكى هذا القول عن عائشة أيضاً.
وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك.
ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسراته ليلاً على حين غفلة من الناس.
ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باقٍ من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلاً عن جميع جوارحه وأعضائه.
ومنها قوله .
﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاَّ فتنة للناس ﴾ وما تلك الرؤيا إلاَّ حديث المعراج.
وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيراً ممن آمن به حين سمعها ارتد وكفر به.
ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء.
أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول من مكة إلى فوق الفلك الأعظلم لم يكن إلاّ نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعاً فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعاً، لأن الملائكة أيضاً أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد ﴿ قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ﴾ .
وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام.
وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمرممكن في نفسه.
أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصاً بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات.
وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز.
وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة.
وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد.
وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية.
وعن السادس أنه لا اعتراض على الله في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير.
واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلاَّ أنه ورد الحديث به، ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله { ﴿ لتركبن طبقاً عن طبق ﴾ وتفسيرهما مذكور في موضعه.
يروى أنه نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم.
وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟
قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني.
فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى.
فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفقٍ وواضع يده على رأسه تعجباً وإنكاراً، وارتد ناس ممن كان آمن به.
وسعى رجال إلى أبي بكر فقال: إن كان قال ذلك لفد صدق.
قالوا: أتصدقه على ذلك؟
قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق.
وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب.
فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالهم وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلاَّ سحر مبين.
ولما حكى طرفاً من إكرام محمد ذكر شيئاً من إكرام موسى فقال: ﴿ وآتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلناه هدى لبني إسرائيل ﴾ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ﴿ ألا تتخذوا ﴾ من قرأ على الغيبة فــ"أَنْ" ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب فَـ"أَنْ" مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا ﴿ من دوني وكيلاً ﴾ رباً تكلون إليه أمركم يا ﴿ ذرية من حملنا مع نوح ﴾ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك.
فقوله "يا ذرية" قائم مقام قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ وعلى القراءة الأولى انتصب ﴿ ذرية ﴾ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أرباباً كقوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير.
ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: ﴿ إنه كان عبداً شكوراً ﴾ أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له.
ويجوز أن يكون تعليلاً لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص.
وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد.
يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجاً آثر به.
ثم ذكر أن كثيراً من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: ﴿ وقضينا إلى بني إسرائيل ﴾ أوحينا إليهم وحياً مقضياً مقطوعاً به في الكتاب الذي هو التوراة.
وقول: ﴿ لتفسدن ﴾ جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ مرتين ولتعلن ﴾ لتعظمن وتستولن على الناس ﴿ علواً كبيراً ﴾ تسلطاً عظيماً وبغياً شديداً ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب ﴿ أولاهما ﴾ أولى المرتين ﴿ بعثنا ﴾ أرسلنا وسلطنا ﴿ عليكم عباد لنا أولي بأس شديد ﴾ أصحاب نجدة وشدة قتال ﴿ فجاسوا ﴾ ترددوا للمارة ﴿ خلال الديار ﴾ أوساطها وفرجها يعني ديار بيت المقدس ﴿ وكان ﴾ وعد العقاب ﴿ وعداً مفعولاً ﴾ لا بد من وقوعه ﴿ ثم رددنا لكم الكرة ﴾ الدولة والغلبة ﴿ عليهم ﴾ على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو: ﴿ وجعلناكم أكثر نفيراً ﴾ مما كنتم.
والنفير من ينفر مع الرجل من قومه.
احتجت الأشاعرة بقوله : ﴿ قضينا ﴾ بعثنا ﴿ وكان وعداً مفعولاً ﴾ على صحة القضاء والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله.
وأجابت المعتزلة بأن المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق التوراة وقتل حفاظها.
وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه.
ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في الإحسان والإساءة قائلاً ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ لم يقل فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض.
قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن جانب الرحمة أغلب ﴿ فإذا جاء وعد ﴾ عقاب المرة ﴿ الآخرة ﴾ بعثناهم حذف جواب "إذاً" لدلالة ذكره أولاً عليه.
ومعنى ﴿ ليسوؤا وجوهكم ﴾ ليجعلها الله، أو الوعد، أو البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ﴿ وليتبروا ما علوا ﴾ ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون "ما" بمعنى المدة أي ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل.
وقوله: ﴿ تتبيراً ﴾ ذكر المصدر إزالة للشك وتحقيقاً للخبر.
وروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو سنجاريب وجنوده أو جالوت.
عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفاً وبقوا في الذل إلى أن قيض الله ملكاً آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهمالأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم ، وهذا ثاني الإفسادين فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك.
وقال صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى.
واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام، والمقصود الأصلي الذي دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا سلط الله عليهم أعداءهم.
وفيه تحذير للعقلاء من مخالفة أوامر الله ونواهيه، ثم قال: ﴿ عسى ربكم ﴾ يا بني إسرائيل ﴿ أن يرحمكم ﴾ بعد إنتقامه منكم في المرة الثانية ﴿ وإن عدتم ﴾ للثالثة ﴿ عدنا ﴾ لها.
قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي.
وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة والإنجيل.
فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك فهو قوله ﴿ وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً ﴾ أي محبساً حاصراً ومحصوراً لا يتخلصون منه أبداً.
وعن الحسن: بساطاً كما يبسط الحصير المنسوج.
ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد وموسى وفي حق عبيدة العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي ﴾ أي للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي ﴿ هي أقوام ﴾ وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب.
قيل: هذا الشيء أقوم من ذلك.
إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على الآخر.
وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا التفضيل؟
وأجيب بأن "أفعل" ههنا بمعنى الفاعل كقولنا "الله أكبر" هو الكبير.
وكقولهم "الناقص والأشج أعدلا بني مروان" أي عادلا بني مروان.
ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف بالله الواجب بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء.
ثم إن كون القرآن هادياً إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر الكبير لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذي لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذاباً.
ويجوز أن يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم.
قال في الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟
وأجاب على أصول الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك.
قلت: هذا الجواب منه عجيب، فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في القرآن المكي والمدني موجودة قال : ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ﴾ .
وإذا كان ذكرهم في القرآن وارداً وأنه تعلى يعدد ههنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ذكر هذا الوصف من ههنا.
والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان والله أعلم.
قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة.
والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلاَّ أياماً.
واعلم أنه قال ههنا: ﴿ أجراً كبيراً ﴾ وفي أول الكهف ﴿ أجراً حسناً ﴾ ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة.
ولما بين أن القرآن كافٍ في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك بأحكامه فقال: ﴿ ويدع الإنسان ﴾ أي جنس الكافر.
وقد ذكر جمع من المفسرين أنه النضر بن الحرث دعا ﴿ اللَّهم إن كان هذا هو الحق من عندك ﴾ ، الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبراً.
وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلاً منهم واعتقاداً أن محمداً كاذب.
وقيل: المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيلعن نفسه وولده وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك.
ويروى أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً فأقبل يئن بالليل فقالت له: مالك تئن؟
فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب.
فلما أصبح النبي دعا به فأعلم بشأنه فقال : اللَّهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع الله يديها قال النبي : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها.
﴿ وكان الإنسان عجولاً ﴾ يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله معتقداً أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضراً له.
وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر.
وليس هذا القول بالحقيقة مغايراً للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان كل فرد منه متصفاً به لا محالة.
قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: ﴿ وجعلنا الليل والنهار آيتين ﴾ وفيه أن القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار.
فالمحكم كالنهار في وضوحه، والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه.
وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان.
وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولاً أي منتقلاً من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من النقصان إلى الامتلاء وبالضد.
﴿ فمحونا آية الليل ﴾ هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك "نفس الشيء أو ذاته" أي فمحونا الآية التي هي الليل أي جعلنا الليل ممحوّ الضوء مطموساً مظلماً لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ﴿ وجعلنا ﴾ الآية.
التي هي ﴿ النهار مبصرة ﴾ ذات إيصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه.
وقيل: المضاف محذوف والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ لتتواصلوا ببياض النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم.
﴿ ولتعلموا ﴾ باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه ﴿ عدد السنن ﴾ الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ﴿ و ﴾ لتعلموا جنس ﴿ الحساب ﴾ المبني على الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار.
وقيل: أراد بمحو القمر الكلف الذي هو وجهه.
وسببه في الشرع ما روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء.
وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت تلك الأجرام أقل ضوءاً من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان.
ونحن قد ذكرنا له وجهاً آخر في الهيئة، قال أهل التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلاً.
نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سبباً لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان متجهاً.
ثم قال: ﴿ وكل شيء ﴾ مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ﴿ فصلناه تفصيلاً ﴾ بيناه بياناً غير ملتبس حتى انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن بينة فلذلك قال: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ أي عمله ﴿ في عنقه ﴾ وبوجه آخر لما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم لا.
قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل يطير متيامناً أو متياسراً أو صاعداً في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه.
وقال أبو عبيدة: الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت.
فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيراناً لا نهاية له ولا غاية إلا إن انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية.
وإنه أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على نفسه ثم بقوله: ﴿ في عنقه ﴾ .
يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه والزمتك الاحتفاظ به.
فإن كان خيراً يزينه كان كالطوق، وإن كان شراً يشينه كان كالغل.
ومن أمثال العرب "تقلدها طوق الحمامة" ﴿ ونخرج له ﴾ من قرأ بالنون فظاهر.
وقوله: ﴿ يلقاه منشوراً ﴾ صفتان للكتاب أو ﴿ يلقاه ﴾ صفة ﴿ منشوراً ﴾ حال من مفعول يلقاه.
ومن قرأ بالياء مجهولاً أو لازماً فالضمير للطائر ﴿ وكتاباً ﴾ حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري.
عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك معك، ثم إذا بعثت قلدتها في عنقك ﴿ اقرأ كتابك ﴾ على إضمار القول.
قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم يكن قارئاً و ﴿ وبنفسك ﴾ فاعل كفى و ﴿ حسيباً ﴾ تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم.
"وعلى" متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع.
موضع الشهيد فعدي بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه.
وذكر حسيباً بمعنى رجلاً حسيباً لأنه بمنزلة الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤوّل بالشخص، أو حمل "فعيل" بمعنى "فاعل" على "فعيل" بمعنى "مفعول" كقتيل، ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب.
قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب نفسك.
وقال السدي: يقول الكافر يومئذٍ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال الله له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين قال الله في حقهم ﴿ وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ﴾ قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيراً أو شراً فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام الروح متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة والقرآءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل.
ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى غيره فقال: ﴿ من اهتدى ﴾ إلى قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ .
قال الجبائي: فيها دلالة على أن الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلاً لأن الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار.
وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال المكلفين من الثقلين، وقدَحَت عائشة بذلك في صحة ما رواه ابن عمر "إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله" واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة.
ويمكن أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص.
أما قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ما هيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية.
أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأوّل إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي لزم إثبات الشيء، وإن كان غيره دار أو تسلسل.
وبوجه آخر إذا أوجب النبي بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل.
ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل.
ثم إن مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن الوجوب العقلي لا يمكن دفعه.
فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو رسول الله إلى الخلق، بل هو الرسول الذي لولاه لما تقررت رسالة أحد من الرسل ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم.
وإما أن يخصص عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع.
ومما ارتضاه الإمام فخر الدين الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله منزه عن ذلك.
ولقائل أن يقول: إنه منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن.
فصدور ذلك الأحسن منه ألبته هو الذي لك أن تسميه وجوباً كما وصف به نفسه في قوله: ﴿ كان على ربك حتماً مقضياً ﴾ ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدوراً لا يحتمل النقيض من ذلك قوله: ﴿ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ﴾ .
وللمفسرين في معنى ﴿ أمرنا ﴾ قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير.
وقال في الكشاف: معناه وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ففسقوا.
ولما كان من أصول الاعتزال أنه لا يأمر بالفحشاء ذكر أن الأمر بالفسق ههنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سبباً لإيثارهم الفسوق على الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك.
ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوّز أن تكون من قبيل "أمرته فعصاني" فإنه يفهم منه أن المأمور به طاعته ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة.
ولقائل أن يقول: كما أن قوله "أمرته فعصاني" يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية منحيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: "أمرته ففسق" يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، فكونه فسقاً ينافي كونه مأموراً به كما أن كونها معصية ينافي كونها مأموراً بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصرّ جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله.
القول الثاني إن معنى: ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ أكثرنا فساقها.
قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم.
إذا كثروا، وأمرهم الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضاً بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة" فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج.
وقد حمل بعضهم الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، "وروي أن رجلاً من المشركين قال لرسول الله : إني أرى أمرك هذا حقيراً.
فقال : إنه سيأمر" أي سيكثر وسيكبر.
والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ﴿ ففسقوا فيها ﴾ خرجوا عما أمرهم الله ﴿ فحق عليها القول ﴾ استوجبت العذاب ﴿ فدمرناها تدميراً ﴾ أهلكناها على سبيل الاستئصال.
قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: ﴿ فحق عليها القول ﴾ أي بالكفر ثم التعذيب.
وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه لا يبتدىء بالتعذيب كقوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ وقوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ فتلك الآيات محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك.
قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاماً في تأويل هذه الآية القفال فإنه ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحداً بما علمه منه ما لم يعمل به أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم.
الثاني أن نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في أوّل ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي.
وخص المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صباً.
وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر يريد ان يفتقر أتاه الخسران من كل جهة.
ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا قرب وقت إهلاك قرية.
وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن الظاهر.
ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ فـ ﴿ كم ﴾ مفعول ﴿ أهلكنا ﴾ و ﴿ من القرون ﴾ بيان لكم وتمييز له أراد بهم عاداً وثمود ونحوهما.
ثم خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلاً ﴿ وكفى بربك ﴾ الآية.
قال الفراء: إنما يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك "كفاك به" "وأكرم به رجلاً" "وطاب بطعامك طعاماً" ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام أخوك.
وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضيإيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه.
ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره ﴾ ومن قوله: ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ﴾ بقوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ أي المنفعة أو الدار العاجلة ﴿ عجلنا له فيها ﴾ ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما قوله: ﴿ ما نشاء ﴾ ولهذا ترى كثيراً من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضاً منه.
وثانيهما قوله: ﴿ لمن نريد ﴾ وهو بدل من ﴿ له ﴾ بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى "من" وهو للمعلوم، ولهذا ترى كثيراً منهم يتمنون البعض اليسير من الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ﴿ ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ﴾ مطروداً من رحمة الله.
﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار الغرور ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع والعقل لا البدعة والهوى ﴿ وهو مؤمن ﴾ لأن شيئاً من صور الأعمال الصالحة لا يوجب الثواب إلا بعد تقديم الإيمان ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ قال العلماء: الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسناً في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظماً عند ذلك الشاكر.
والله ، يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على كونهم معظمين عند الله.
وفي قوله: ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ دون أن يقول: "من أراد العاجلة" كما قال: ﴿ ومن أراد الآخرة ﴾ إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموماً إلا إذا كان غالباً في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محموداً بأدنى التفاتة بعد وجود الشرط.
قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضاً مشكوراً، ولا منافاة بين الأمرين.
وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح.
قال : ﴿ ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ﴾ ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل.
واعلم أنه ذكر صنفين من الناس: قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة.
وههنا ثلاثة أقسام أخر: الأوّل أن يكون طلب الآخرة في عمله راجحاً فقيل إنه غير مقبول أيضاً لما روي أن النبي قال حكاية عن رب العزة: "أنا أغنى الأغنياء عن الشكر من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه" وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة فيقع في حيز القبول.
الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين.
الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحاً.
واتفقوا على أن هذين القسمين أيضاً لا يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض.
ثم بين كمال رأفته وشمول رحمته فقال: ﴿ كلا ﴾ أي كل واحد من الفريقين ﴿ نمد ﴾ أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق من غير انقطاع بالمعصية.
وقوله: ﴿ هؤلاء وهؤلاء ﴾ بدل من كل و ﴿ من عطاء ربك ﴾ متعلق بــ ﴿ نمد ﴾ ﴿ وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ ممنوعاً من المكلف بسبب عصيانه ﴿ أنظر ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح للفريقين في الدنيا ﴿ كيف فضلنا بعضهم على بعض ﴾ فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير بعض.
﴿ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا.
وقيل: المراد أن المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على الكافرين.
وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!.
التأويل: نزه نفسه بقوله: ﴿ سبحان ﴾ عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه.
فقوله: ﴿ أسرى ﴾ إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله ﴿ بعبده ﴾ إشارة إلى مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ﴿ ليلاً ﴾ رمز إلى أن ذلك الجذب كاد يكون خفياً عن المجذوب إذا كان ذاهلاً عن أنانيته.
وقوله: ﴿ من المسجد الحرام ﴾ هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله.
﴿ إلى المسجد الأقصى ﴾ هو مقام الفناء في الله ﴿ الذي باركنا حوله ﴾ بالبقاء بالله ﴿ لنريه من آياتنا ﴾ التي لم تسمع إذن ولا أبصرت عين ﴿ إنه هو السميع البصير ﴾ فلا يصل أحد إليه إلا إذا سمع به وأبصر به.
هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه الآية فإن كان صواباً فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ فجاسوا خلال الديار ﴾ الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ﴿ ثم رددنا لكم الكرة عليهم ﴾ باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس ﴿ وأمددناكم بأموال ﴾ الطاعات ﴿ وبنين ﴾ الإيمان والإيقان ﴿ وإذا جاء وعد الآخرة ﴾ حين ارتد عن الطريقة ﴿ ليسوؤا ﴾ وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم ﴿ وإن عدتم ﴾ إلى الجهل ﴿ عدنا ﴾ إلى الفضل، أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات ﴿ وجعلنا ليل ﴾ البشرية ونهار الروحانية ﴿ فمحونا آية الليل ﴾ وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح ﴿ لتبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات.
﴿ ولتعلموا ﴾ أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه السالك بيناه بالإشارات ﴿ من كان يريد العاجلة ﴾ فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك يحوّل وجه الى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوّله إلى الآخرة حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ ﴾ .
أي: من اهتدى إلى ما جعل الله عليه من أنواع النعم، وقام بأداء شكرها فإنما فعل ذلك لنفسه؛ لأنه هو المنتفع به.
أو يقول: من اختار الهدى وأجابه إلى ما دعاه مولاه فإنّما يهتدي لنفسه، أي: فإنّما اختار ذلك لنفسه؛ لأنه هو المنتفع به وهو الساعي في فكاك رقبته.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ .
أي: من ضلّ، أي: من اختار الضلال ﴿ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: فإنما يرجع عليها ضرره، وهو ما ذكر: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ .
وقوله: ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ عن ذلك ﴿ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ .
أي: إلى نفسه يرجع ضرر ضلاله على نفسه؛ كقوله: ﴿ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ .
هو ما ذكرنا، أي: لا تحمل نفسٌ خطيئةَ أخرى، ولا تأثم بوزر أخرى، والله أعلم؛ ذكر هذا ليعلم أن أمر الآخرة خلاف أمر الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يؤخذ نفس مكان أخرى، ويحتمل نفس مؤمنة أخرى، وفي الآخرة لا تؤخذ [نفس] بدل أخرى.
والثاني: قد يتبرع بعض عن بعض بتحمل المؤُنات والقيام في فكاكها، وأمّا في الآخرة فلا يتبرع بذلك.
وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ .
يحتمل: ما كنا معذِّبين تعذيب استئصال في الدنيا إلا بعد دفع الشبه - ودفعها عن الحجج - من كل وجه، وبعد تمامها، وإن كانت الحجة قد لزمتهم بدون بعث الرسل؛ ليدفع عنهم عذرهم من كل وجه، أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ إفضالاً منه ورحمة، وإن كان العذاب قد يلزمهم، والحجة قد قامت عليهم، والعذاب الذي كانوا [يعذبونهم في] الدنيا ليس هو عذاب الكفر؛ لأن عذاب الكفر دائم أبداً لا انقطاع له، وهذا مما ينقطع وينفصل، لكن يعذبون بأشياء كانت منهم من العناد ودفع الآيات، وأما عذاب الكفر فهو في الآخرة أبداً لا ينقطع.
وفي الآية دلالة أن حجة التوحيد قد لزمتهم وقامت عليهم بالعقل، حيث قال: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ ؛ فلو لم تلزمهم لكان الرسل إذا دعوهم إلى ذلك يقولون: من أنتم ومن بعثكم إلينا؟
فإذا لم يكن لهم هذا الاحتجاج دل أن الحجة قد قامت عليهم، لكن الله بفضله أراد أن يدفع الشبه عنهم ويقطع عنهم عذرهم برسول يبعث إليهم؛ لما أن أسباب العلم بالأمور ثلاثة: فمنها ما يعلم بظاهر الحواس بالبديهة، ومنها ما يفهم [ويعلم] بالتأمل والنظر، ومنها ما لا يعلم إلا بالتعليم والتنبيه.
وقال القتبي: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ وهو ما ذكرنا، أي: نخرج بذلك العمل كتاباً.
وقال أبو عوسجة: أي نكتب ما عمل ثم نقلده في عنقه فيجيء به يوم القيامة.
وقال أبو عبيدة: طائره حظه.
وقال غيره من المفسّرين: ما عمل من خير وشر ألزمناه عنقه.
قال القتبي: وهذان المعنيان يحتاجان إلى بيان.
والمعنى فيما أرى - والله أعلم - أن لكل امرئ حظّاً من الخير والشر قد قضاه الله؛ فهو لازم عنقه، والعرب تقول: إن كل ما لزم الإنسان قد لزم عنقه، وهو لازم طائر في عنقه، وهذا لك عليّ وفي عنقي حتى أخرج منه؛ وإنما قيل للحظ من الخير والشر: طائر؛ لقول العرب ما ذكرنا: جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر بكذا من الشر؛ على وجه الفأل والطيرة على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان له سبباً، وهو ما ذكر.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ .
التعذيب يكون على وجوه ثلاثة: أحدها: يعذبهم في الدنيا ابتداء بتعذيب؛ امتحاناً وابتلاء بلا جريمة كانت منهم؛ كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، ونحوه؛ فيكون تنبيهاً وتذكيراً لهم لا تكفيراً.
والثاني: يعذب تعذيب العناد والمكابرة، وهو تعذيب إهلاكِ استئصالٍ؛ فهو عقوبة لهم، وموعظة للمتقين، وعبرة لغيره، وهو الذي يأتي على أثر وعيد.
والثالث: عذاب الموعود في الآخرة؛ يقول: وما كنا معذِّبين في الآخرة حتى نبعث رسولاً في الدنيا.
والأشبه أن يكون ما ذكر من التعذيب هو تعذيب استئصال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ .
بالتخفيف، والتثقيل: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ ، ثم من قال ﴿ أَمَرْنَا ﴾ بالتثقيل يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ من الإمارة والتسليط عليهم، أي: أمرنا عليهم وسلطنا مترفيها، أي: أكثرنا عددهم وسلطنا مترفيها فُسَّاقَهَا ومستكبريها.
والثاني: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ ، أي: أكثرنا عددهم ومُنَعَّمِيهم؛ يذكر لهم هذا لقولهم: ﴿ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...
﴾ الآية [الزخرف: 23]، وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً...
﴾ الآية [سبأ: 35]: كانوا يزعمون أنهم لا يعذبون؛ لأنهم قد أنعموا في هذه الدّنيا وأكثروا أموالهم وأولادهم؛ فأخبرهم - عز وجل - أنه ما أهلك من الأمم الخالية إلا بعد ما كثر عددهم ووسع عليهم الدنيا، لم يهلكوا في حال القلة والضيق؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ ﴾ ، أي: كثروا، وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ ﴾ : لم يأخذ بالعذاب الأمم الخالية إلا في حال كثرتهم وأمنهم وغِرَّتهم بالسَّعَة؛ يحذر هؤلاء؛ لئلا يغتروا بكثرة أموالهم وأولادهم وعددهم.
ومن قال: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ﴾ بالتخفيف هو من الأمر، أي: أمرنا عظماءهم وكبراءهم طاعة الرسل والإجابة إلى ما دعاهم إليه، حتى إذا عصوا رسله وتركوا إجابتهم - على العناد والمكابرة - فعند ذلك يهلكون؛ لما ذكرنا أنه لم يستأصل الأمم الخالية إلاّ بعد عنادهم في آيات الله، ومكابرتهم في دفعها وتكذيبها، لا يهلكهم في أول ما كذبوا آيات الله وخالفوا رسله.
وقوله: ﴿ مُتْرَفِيهَا ﴾ ، قال بعضهم: المترف: المنعَّم، وقال بعضهم: المترف: المكرم والمستكبر، وكله واحد.
وفي قوله: ﴿ وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً ﴾ دلالة أن الإرادة غير المراد؛ لأنه أخبر بتقدم الإرادة عن وقت الإهلاك؛ دل أنها غيره، وفيه أنه أراد السبب الذي به يهلكون، وهو التكذيب والعناد؛ لما علم منهم أنهم يختارون ذلك؛ إذ لا يحتمل أن يريد هلاكهم، وهو يعلم منهم غير سبب الهلاك؛ فهذا يرد قول المعتزلة: إن الإرادة هي المراد، وأنه لم يرد ما كان منهم من سبب الهلاك، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ ﴾ .
بما أراد إهلاكهم وجب عليهم، أو يكون قوله: ﴿ فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ ﴾ بما أخبر عن الأمم الخالية، وهو قوله: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ...
﴾ الآية [الأحزاب: 38، 62].
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴾ .
أي: أهلكناهم إهلاكاً.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً ﴾ .
يحتمل أن يكون الخبير والبصير واحداً، ويشبه أن يكون بينهما فرق؛ الخبير: العالم بأعمالهم، والبصير بمصالحهم ومعاشهم وبجزائهم؛ يقال: فلان بصير في أمر كذا، وفلان أبصر من فلان.
ويحتمل أن يكون بذنوب عباده، وهو مكرهم الذي كانوا يمكرون برسول الله؛ فقال: وكفى بمكرهم الذي يمكرون بك.
<div class="verse-tafsir"
وما أكثَرَ الأممَ المكذبة التي أهلكناها من بعد نوح مثل عاد وثمود!
وكفى بربك -أيها الرسول- بذنوب عباده خبيرًا بصيرًا، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.
من فوائد الآيات من اهتدى بهدي القرآن كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره.
التحذير من الدعوة على النفس والأولاد بالشر.
اختلاف الليل والنهار بالزيادة والنقص وتعاقبهما، وضوء النهار وظلمة الليل، كل ذلك دليل على وحدانية الله ووجوده وكمال علمه وقدرته.
تقرر الآيات مبدأ المسؤولية الشخصية، عدلًا من الله ورحمة بعباده.
<div class="verse-tafsir" id="91.rjz8Z"