الآية ٢٥ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٢٥ من سورة الإسراء

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا۟ صَـٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلْأَوَّٰبِينَ غَفُورًۭا ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 156 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال سعيد بن جبير هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به وفي رواية لا يريد إلا الخير بذلك - فقال ربكم أعلم بما في نفوسكم وقوله [ تعالى ] : ( ربكم أعلم بما في نفوسكم ) وقوله تعالى ( فإنه كان للأوابين غفورا ) قال قتادة للمطيعين أهل الصلاة وعن ابن عباس المسبحين وفي رواية عنه المطيعين المحسنين وقال بعضهم هم الذين يصلون بين العشاءين وقال بعضهم هم الذين يصلون الضحى وقال شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في قوله ( فإنه كان للأوابين غفورا ) قال الذي يصيب الذنب ثم يتوب ويصيب الذنب ثم يتوب وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب نحوه وكذا رواه الليث وابن جريج عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب به وكذا قال عطاء بن يسار وقال مجاهد وسعيد بن جبير هم الراجعون إلى الخير وقال مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله ( فإنه كان للأوابين غفورا ) قال : هو الذي إذا ذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها ووافقه على ذلك مجاهد .

وقال عبد الرزاق أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير في قوله ( فإنه كان للأوابين غفورا ) قال كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا .

وقال ابن جرير والأولى في ذلك قول من قال هو التائب من الذنب الراجع عن المعصية إلى الطاعة مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه .

وهذا الذي قاله هو الصواب لأن الأواب مشتق من الأوب وهو الرجوع يقال آب فلان إذا رجع قال الله تعالى : ( إن إلينا إيابهم ) [ الغاشية 25 ، وفي الحديث الصحيح ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفر قال : آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره (رَبُّكُمْ) أيها الناس (أعْلَمُ) منكم (بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ) من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم، والبرّ بهم، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم، والعقوق لهم، وغير ذلك من ضمائر صدوركم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم على حَسَن ذلك وسيِّئه، فاحذروا أن تُضمروا لهم سوءا، وتعقِدوا لهم عقوقا.

وقوله (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ) يقول: إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم، وأطعتم الله فيما أمركم به من البرّ بهم، والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلة في واجب لهم عليكم مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه، فإنه كان للأوّابين بعد الزَّلة، والتائبين بعد الهَفْوة غفورا لهم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي وعمي عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ) قال: البادرة تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير، فقال ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ).

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرني أبي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، بمثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، في قوله ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤاخَذ به.

واختلف أهل التأويل، في تأويل قوله ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) فقال بعضهم: هم المسبِّحون.

* ذكر من قال ذلك: حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة؛ وحدثني ابن سنان القزاز، قال: ثنا الحسين بن الحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: المسبحين.

حدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال: ثنا أبو خيثمة زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمرو بن شرحبيل، قال: الأوّاب: المسبح.

وقال آخرون: هم المطيعون المحسنون.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) يقول: للمطيعين المحسنين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال : ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: هم المطيعون، وأهل الصلاة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: للمطيعين المصلين.

وقال آخرون: بل هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن ابن المنكدر يرفعه ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: الصلاة بين المغرب والعشاء.

وقال آخرون: هم الذين يصلُّون الضُّحَى.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا رباح أبو سليمان الرقاء، قال: سمعت عونا العُقيليّ يقول في هذه الآية ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: الذين يصلون صلاة الضحى.

وقال آخرون: بل هو الراجع من ذنبه، التائب منه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن الوليد القرشيّ، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: الذي يصيب الذنب ثم يتوب ثم يصيب الذنب ثم يتوب.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا سليمان بن داود، عن شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب في هذا الآية ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ).

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يُسْأَل عن هذه الآية ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، بنحوه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سعيد بن المسيب، بنحوه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: هو العبد يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: فذكر مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثَّوريّ ومعمر، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب، قال: الأوّاب: الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: الراجعين إلى الخير.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد وأبو داود وهشام، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بنحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان؛ وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، جميعا عن منصور، عن مجاهد عن عبيد بن عمير ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله منها.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن منصور ، عن مجاهد، قال: الأوّاب: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر الله منها.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر ، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، أنه قال في هذه الآية ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: الذي يذكر ذنبه ثم يتوب.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قالا ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله جلّ ثناؤه (للأوَّابِين غَفُورًا) قال: الأوّابون: الراجعون التائبون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

قال ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: الرجل يذنب ثم يتوب ثلاثا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قوله ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: الذي يتذكر ذنوبه، فيستغفر الله لها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عطاء بن يسار، أنه قال في قوله ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) يذنب العبد ثم يتوب، فيتوب الله عليه؛ ثم يذنب فيتوب، فيتوب الله عليه؛ ثم يذنب الثالثة، فإن تاب، تاب الله عليه توبة لا تُمْحَى.

وقد رُوي عن عبيد بن عمير، غير القول الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، في قوله ( فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا ) قال: كنا نَعُدّ الأوّاب: الحفيظ، أن يقول: اللهمّ اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الأوّاب: هو التائب ما الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه، لأن الأوّاب إنما هو فعَّال، من قول القائل: آب فلان من كذا إما من سفره إلى منـزله، أو من حال إلى حال، كما قال عَبيد بن الأبرص: وكُــــلُّ ذِي غَيْبَـــةٍ يَئُـــوبُ وغـــائِبُ المَـــوْتِ لا يَئُــوبُ (4) فهو يئوب أوبا ، وهو رجل آئب من سفره، وأوّاب من ذنوبه.

------------------------ الهوامش : (4) البيت لعبيد بن الأبرص الشاعر الجاهلي (ديوانه ص 7 طبعة ليدن سنة 1913) من قصيدته التي مطلعها: "أقفر من أهله ملحوب" .

يقول : كل غائب تنتظر أوبته ، إلا من مات فلا أوبة له إلى الدنيا.

والبيت شاهد على أن الأواب الرجاع، الذي يرجع إلى التوبة والطاعة، من آب يئوب إذا رجع (انظر اللسان: أوب).

وفيه أيضا : قال أبو بكر في قولهم : رجل أواب ، سبعة أقوال : الراحم ، والتائب ، والمسبح ، والذي يرجع إلى التوبة ثم يذنب ثم يتوب ، والمطيع، والذي يذكر ذنبه في الخلاء ، فيستغفر الله منه.

أ هـ .

وكل هذه المعاني راجعة إلى المعنى اللغوي ، وهو الرجوع عن الشيء إلى غيره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا قوله تعالى : ربكم أعلم بما في نفوسكم أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما ، أو من غير ذلك من العقوق ، أو من جعل ظاهر برهما رياء .

وقال ابن جبير : يريد البادرة التي تبدر ، كالفلتة والزلة ، تكون من الرجل إلى أبويه أو أحدهما ، لا يريد بذلك بأسا .إن تكونوا صالحين أي صادقين في نية البر بالوالدين فإن الله يغفر البادرة .فإنه كان للأوابين غفورا وعد بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله - سبحانه وتعالى - .

قال سعيد بن المسيب : هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب .

وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : الأواب : الحفيظ الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها .

وقال عبيد بن [ ص: 223 ] عمير : هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون الله - عز وجل - .

وهذه الأقوال متقاربة .

وقال عون العقيلي : الأوابون هم الذين يصلون صلاة الضحى .

وفي الصحيح : صلاة الأوابين حين ترمض الفصال .

وحقيقة اللفظ من آب يؤوب إذا رجع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ربكم تعالى مطلع على ما أكنته سرائركم من خير وشر وهو لا ينظر إلى أعمالكم وأبدانكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وما فيها من الخير والشر.

{ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ } بأن تكون إرادتكم ومقاصدكم دائرة على مرضاة الله ورغبتكم فيما يقربكم إليه وليس في قلوبكم إرادات مستقرة لغير الله.

{ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ } أي: الرجاعين إليه في جميع الأوقات { غَفُورًا } فمن اطلع الله على قلبه وعلم أنه ليس فيه إلا الإنابة إليه ومحبته ومحبة ما يقرب إليه فإنه وإن جرى منه في بعض الأوقات ما هو مقتضى الطبائع البشرية فإن الله يعفو عنه ويغفر له الأمور العارضة غير المستقرة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ربكم أعلم بما في نفوسكم ( من بر الوالدين وعقوقهما ( إن تكونوا صالحين ( أبرارا مطيعين بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين وغير ذلك ( فإنه كان للأوابين ( بعد المعصية ( غفورا ( قال سعيد بن جبير في هذه الآية : هو الرجل يكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ به .

قال سعيد بن المسيب : " الأواب " : الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب .

قال سعيد بن جبير : الرجاع إلى الخير .

وعن ابن عباس قال : هو الرجاع إلى الله فيما يحزبه وينوبه .

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : هم المسبحون ، دليله قوله : " يا جبال أوبي معه " ( سبأ - 10 ) .

قال قتادة : هم المصلون .

قال عوف العقيلي : هم الذين يصلون صلاة الضحى .

أخبرنا أبو الحسن طاهر بن الحسين الروقي الطوسي أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن هشام صاحب الدستوائي عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون صلاة الضحى فقال : " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى " .

وقال محمد بن المنكدر : " الأواب " : الذي يصلي بين المغرب والعشاء .

وروي عن ابن عباس أنه قال : إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء وهي صلاة الأوابين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ربكم أعلم بما في نفوسكم» من إضمار البر والعقوق «إن تكونوا صالحين» طائعين لله «فإنه كان للأوابين» الرجّاعين إلى طاعته «غفورا» لما صدر منهم في حق الوالدين من بادرة وهم لا يضمرون عقوقا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ربكم -أيها الناس- أعلم بما في ضمائركم من خير وشر.

إن تكن إرادتكم ومقاصدكم مرضاة الله وما يقربكم إليه، فإنه كان -سبحانه- للراجعين إليه في جميع الأوقات غفورًا، فمَن عَلِمَ الله أنه ليس في قلبه إلا الإنابة إليه ومحبته، فإنه يعفو عنه، ويغفر له ما يعرض من صغائر الذنوب، مما هو من مقتضى الطبائع البشرية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات التى سمت بمنزلة الوالدين ، بما يدل على كمال علمه ، وعلى التحذير من عقابه ، فقال - تعالى - : ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ) .والأوابون : جمع أواب .

وهو الكثير الأوبة والتوبة والرجوع إلى الله - تعالى - يقال : آب فلان يئوب إذا رجع .قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، قول من قال : الأواب هو التائب من الذنب ، الراجع عن معصية الله إلى طاعته ، ومما يكرهه إلى ما يرضاه ، لأن الأواب إنما هو فعال من قول القائل : آب فلان من سفره إلى منزله ، كما قال الشاعر :وكل ذى غيبة يئوب ...

وغائب الموت لا يؤوبأى : ربكم - أيها الناس - أعلم بما فى نفوسكم ، وضمائركم ، سواء أكان خيرا أو شرا ، وسواء أكنتم تضمرون البر بآبائكم أم تخفون الإِساءة إليهما ، ومع ذلك فإنكم إن تكونوا صالحين - أى : قاصدين الصلاح والبر بهما ، والرجوع عما فرط منكم فى حقهما أو فى حق غيرهما - فالله - تعالى - يقبل توبتكم ، فإنه - سبحانه - بفضله وكرمه كان للأوابين - أى الرجاعين إليه بالتوبة مما فرط منهم - غفورا لذنوبهم .فالآية الكريمة وعيد لمن تهاون فى حقوق أبويه ، وفى كل حق أوجبه الله عليه ، ووعد لمن رجع إليه - سبحانه - بالتوبة الصادقة .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أمرت بالإِحسان إلى الوالدين ، بأسلوب يستجيش عواطف البر والرحمة فى قلوب الأبناء ، ويبعثهم على احترامهما ورعايتهما والتواضع لهما ، وتحذيرهم من الإِساءة إليهما ، ويفتح باب التوبة أمام من قصر فى حقهما أو حق غيرهما .وقد كرر القرآن هذا الأمر للأبناء بالإِحسان إلى الآباء ، ولم يفعل ذلك مع الآباء .وذلك لأن الحياة - كما يقول بعض العلماء - وهى مندفعة فى طريقها بالأحياء ، توجه اهتمامهم القوى إلى الأمام .

إلى الذرية .

إلى الناشئة الجديدة ، إلى الجيل المقبل .

وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء .

إلى الأبوة ، إلى الحياة المولية إلى الجيل الذاهب .ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف ، وتتلفت إلى الآباء والأمهات .إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد .

إلى التضحية بكل شئ حتى بالذات ، وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء فى الحبة فإذا هى فتات ، ويمتص الفرخ كل غذاء فى البيضة فإذا هى قشر ، كذلك يمتص الأولاد ، كل رحيق ، وكل عافية ، وكل جهد ، وكل اهتمام من الوالدين ، فإذا هما شيخوخة فانية - إن أمهلهما الأجل - وهما مع ذلك سعيدان .فأما الاولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى الأمام .

إلى الزوجات والذرية .

.

.

وهكذا تندفع الحياة .ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء .

إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ، ليذكروا واجب الجيل الذى أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف .وهنا يجئ الأمر بالإِحسان إلى الوالدين ، فى صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد ، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله .هذا ، وقد ساق المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات ، كثيرا من الأحاديث والآثار التى توجه الأبناء إلى رعاية الآباء ، واحترامهم ، والعطف عليهم ، والرحمة بهم ، والاهتمام بشئونهم .قال الإِمام ابن كثير : وقد جاء فى بر الوالدين أحاديث كثيرة ، منها الحديث المروى من طرق عن أنس وغيره : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر قال : آمين .

آمين .

آمين .فقالوا : يا رسول الله ، علام أمنت؟

قال : " أتانى جبريل فقال : يا محمد ، رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك ، فقل : آمين فقلت آمين .

ثم قال : رغم أنف امرئ دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له ، قل : آمين .

فقلت آمين .

ثم قال : رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة .

قل : آمين ، فقلت : آمين " " .وعن مالك بن ربيعة الساعدى قال : " بينما أنا جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله ، هل بقى على من بر أبوى شئ بعد موتهما أبرهما به؟

قال : " نعم : خصال أربع .

الصلاة عليهما والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التى لا رحم لك إلا من قِبَلهما ، فهو الذى بقى عليك بعد موتهما من برهما " " .وقال القرطبى : أمر الله - سبحانه - بعبادته وتوحيده ، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك .

كما قرن شكرهما بشكره ، فقال : ( وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً ) .وقال : ( أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المصير ) وفى صحيح البخارى عن عبدالله قال : " سألت النبى صلى الله عليه وسلم : أى الأعمال أحب إلى الله - تعالى -؟

.

قال : " الصلاة على وقتها " .

قلت : ثم أى؟

قال : " بر الوالدين " ، قلت ثم أى : قال : " الجهاد فى سبيل الله " " .ثم قال القرطبى - رحمه الله - : ومن عقوق الوالدين مخالفتهما فى أغراضهما الجائزة لهما ، كا أن من برهما موافقتهما على أغراضهما .

وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه .

ما لم يكن ذلك الأمر معصية ، ولا يختص برهما بأن يكونا مسلمين ، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما .ففى صحيح البخارى عن أسماء قالت : " قدمت أمى وهى مشركة فاستفتيت النبى صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أمى قدمت وهى راغبة أفأصلها؟

- أى وهى راغبة فى برى وصلتى ، أو وهى راغبة عن الإِسلام كارهة له - قال : " نعم صلى أمك " " .ثم قال القرطبى : ومن الإِحسان إليهما والبر بهما ، إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما .

فعن عبد الله بن عمرو قال : " جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم يستأذنه فى الجهاد فقال : " أحى والداك؟

قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد " " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى ما هو الركن الأعظم في الأيمان، أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائطه وهي أنواع: النوع الأول: أن يكون الإنسان مشتغلاً بعبادة الله تعالى، وأن يكون محترزاً عن عبادة غير الله تعالى، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: القضاء معناه الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ.

والدليل عليه أن الواحد منا إذا أمر غيره بشيء فإنه لا يقال: إنه قضى عليه، أما إذا أمره أمراً جزماً وحكم عليه بذلك الحكم على سبيل البت والقطع، فهاهنا يقال: قضى عليه ولفظ القضاء في أصل اللغة يرجع إلى إتمام الشيء وانقطاعه.

وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية كان الأصل ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرئ: ﴿ وقضى رَبُّكَ ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط، لأن خلاف قضاء الله ممتنع، هكذا رواه عنه الضحاك وسعيد بن جبير، وهو قراءة علي وعبد الله.

واعلم أن هذا القول بعيد جداً لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه عن كونه حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين.

البحث الثاني: قد ذكرنا أن هذه الآية تدل على وجوب عبادة الله تعالى وتدل على المنع عن عبادة غير الله تعالى وهذا هو الحق، وذلك لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام، ونهاية الإنعام عبارة عن إعطاء الوجود والحياة، والقدرة والشهوة والعقل، وقد ثبت بالدلائل أن المعطي لهذه الأشياء هو الله تعالى لا غيره، وإذا كان المنعم بجميع النعم هو الله لا غيره، لا جرم كان المستحق للعبادة هو الله تعالى لا غيره، فثبت بالدليل العقلي صحة قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ .

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أمر بعبادة نفسه، ثم أتبعه بالأمر ببر الوالدين وبيان المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى وبين الأمر ببر الوالدين من وجوه: الوجه الأول: أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده، والسبب الظاهري هو الأبوان، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري.

الوجه الثاني: أن الموجود إما قديم وإما محدث، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية، ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله عليه السلام: «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله».

وأحق الخلق بصرف الشفقة إليه هو الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان فقوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله.

الوجه الثالث: أن الاشتغال بشكر المنعم واجب، ثم المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى.

وقد يكون أحد من المخلوقين منعماً عليك، وشكره أيضاً واجب لقوله عليه السلام: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين وتقريره من وجوه: أحدها: أن الولد قطعة من الوالدين، قال عليه السلام: «فاطمة بضعة مني».

وثانيها: أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد كالأمر الطبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه كالأمر الطبيعي، ومتى كانت الدواعي إلى إيصال الخير متوفرة، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال الخير، فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من إنسان إلى إنسان.

وثالثها: أن الإنسان حال ما يكون في غاية الضعف ونهاية العجز، يكون في إنعام الأبوين فأصناف نعمهما في ذلك الوقت واصلة إليه، وأصناف رحمة ذلك الولد واصلة إلى الوالدين في ذلك الوقت، ومن المعلوم أن الإنعام إذا كان واقعاً على هذا الوجه كان موقعه عظيماً.

ورابعها: أن إيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه وقد يمتزج بهذا الغرض سائر الأغراض، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فقط.

فكان الإنعام فيه أتم وأكمل، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد، فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالق وهو قوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ والسبب فيه ما بينا أن أعظم النعم بعد إنعام الإله الخالق نعمة الوالدين.

فإن قيل: الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لنفسيهما فلزم منه دخول الولد في الوجود وحصوله في عالم الآفات والمخافات، فأي إنعام للأبوين على الولد؟

حكي أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد.

وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة، وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟

قال اكتبوا عليه: هذا جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت أولادي وهم في نعمة ال *** عدم التي سبقت نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمي بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟

فقال: الأستاذ أعظم منة، لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي أرتعني في نور العلم، وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه، وأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد، ومن الكلمات المشهورة المأثورة، خير الآباء من علمك.

والجواب: هب أنهما في أول الأمر طلبا لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات، وفي دفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس أنه أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات، فسقطت هذه الشبهات، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ بالوالدين إحسانا ﴾ قال أهل اللغة: تقدير الآية وقضى ربك ألا تعبدوا إلا الله وأن تحسنوا، أو يقال: وقضى ألا تعبدوا إلا إياه وأحسنوا بالوالدين إحساناً.

قال صاحب الكشاف: ولا يجوز أن تتعلق الباء في ﴿ وبالوالدين ﴾ بالإحسان لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ثم لم يذكر دليلاً على أن المصدر لا يجوز أن تتقدم عليه صلته.

وقال الواحدي في البسيط: الباء في ﴿ وبالوالدين ﴾ من صلة الإحسان وقدمت عليه كما تقول بزيد فامرر، وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق، لأن المطلوب تقديم صلة المصدر عليه، والمثال المذكور ليس كذلك.

المسألة الثالثة: قال القفال: لفظ الإحسان قد يوصل بحرف الباء تارة، وبحرف إلى أخرى، وكذلك الإساءة، يقال: أحسنت به وإليه.

وأسأت به وإليه.

قال الله تعالى: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بَى  ﴾ وقال القائل: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة *** لدينا ولا مقلية إن تقلت وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين: أحدها: أنه تعالى قال في الآية المتقدمة: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الأخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا  ﴾ ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من جملتها البر بالوالدين، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من أصول الطاعات التي تفيد سعادة الآخرة.

وثانيها: أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله تعالى، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه الطاعة.

وثالثها: أنه تعالى لم يقل: وإحساناً بالوالدين، بل قال: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام.

ورابعها: أنه قال: ﴿ إحسانا ﴾ بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم، والمعنى: وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحساناً عظيماً كاملاً، وذلك لأنه لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء، وفي الأمثال المشهورة أن البادي بالبر لا يكافأ.

ثم قال تعالى: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ إما لفظة مركبة من لفظتين: إن، وما.

أما كلمة إن فهي للشرط، وأما كلمة (ما) فهي أيضاً للشرط كقوله تعالى: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ  ﴾ فلما جمع بين هاتين الكلمتين أفاد التأكيد في معنى الاشتراط، إلا أن علامة الجزم لم تظهر مع نون التوكيد، لأن الفعل يبنى مع نون التأكيد وأقول لقائل أن يقول: إن نون التأكيد إنما يليق بالموضع الذي يكون اللائق به تأكيد ذلك الحكم المذكور وتقريره وإثباته على أقوى الوجوه، إلا أن هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع، لأن قول القائل: الشيء إما كذا وإما كذا، فالمطلوب منه ترديد الحكم بين ذينك الشيئين المذكورين، وهذا الموضع لا يليق به التقرير والتأكيد فكيف يليق الجمع بين كلمة إما وبين نون التأكيد؟

وجوابه: أن المراد أن هذا الحكم المتقرر المتأكد إما أن يقع وإما أن لا يقع، والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ الأكثرون: ﴿ أَمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ ﴾ فعل وفاعله هو قوله: ﴿ أَحَدُهُمَا ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ عطف عليه كقولك: ضرب زيد أو عمرو: ولو أسند قوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ كِلاَهُمَا ﴾ جاز لتقدم الفعل، تقول قال رجل، وقال رجلان، وقالت الرجال، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ يبلغان ﴾ وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿ أَحَدُهُمَا ﴾ بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين و ﴿ كلاهما ﴾ عطف على ﴿ أحدهما ﴾ فاعلاً أو بدلاً.

فإن قيل: لو قيل (إما يبلغان كلاهما) كان (كلاهما) توكيداً لا بدلاً، فلم زعمتم أنه بدل؟

قلنا: لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيداً للاثنين فانتظم في حكمه، فوجب أن يكون مثله في كونه بدلاً.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال قوله: ﴿ أَحَدُهُمَا ﴾ بدل، وقوله: ﴿ أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ توكيد، ويكون ذلك عطفاً للتوكيد على البدل.

قلنا: العطف يقتضي المشاركة فجعل ﴿ أحدهما ﴾ بدلاً والآخر توكيداً خلاف الأصل، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال أبو الهيثم الرازي، وأبو الفتح الموصلي، وأبو علي الجرجاني: إن كلاً اسم مفرد يفيد معنى التثنية ووزنه فعل ولامه معتل بمنزلة لام حجي ورضي وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة ولا تكون إلا مضافة.

والدليل عليه أنها لو كانت تثنية لوجب أن يقال في النصب والخفض مررت بكلي الرجلين بكسر الياء كما تقول: بين يدي الرجل و ﴿ من ثلثي الليل  ﴾ .

و ﴿ يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ  مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ  يَٰصَىٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا وَأَمَّا ٱلْءَاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ  ﴾ .

و ﴿ طرفي النهار  ﴾ ولما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أنها ليست تثنية بل هي لفظة مفردة وضعت للدلالة على التثنية كما أن لفظة كل اسم واحد موضوع للجماعة، فإذن أخبرت عن لفظة كما تخبر عن الواحد كقوله تعالى: ﴿ وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً  ﴾ وكذلك إذا أخبرت عن كلا أخبرت عن واحد فقلت كلا إخوتك كان قائماً قال الله تعالى: ﴿ كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا  ﴾ ولم يقل آتتا، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ معناه: أنهما يبلغان إلى حالة الضعف والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر.

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الجملة فعند هذا الذكر كلف الإنسان في حق الوالدين بخمسة أشياء: النوع الأول: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: فيه سبع لغات: كسر الفاء وضمها وفتحها، وكل هذه الثلاثة بتنوين وبغير تنوين فهذه ستة واللغة السابعة أفي بالياء قال الأخفش: كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه فقال قولي هذا وذكر ابن الأنباري: من لغات هذه اللفظة ثلاثة زائدة على ما ذكره الزجاج: ﴿ أُفّ ﴾ بكسر الألف وفتح الفاء وافه بضم الألف وادخال الهاء و ﴿ أُفّ ﴾ بضم الألف وتسكين الفاء.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وابن عامر: بفتح الفاء من غير تنوين، ونافع وحفص: بكسر الفاء والتنوين، والباقون: بكسر الفاء من غير تنوين وكلها لغات، وعلى هذا الخلاف في سورة الأنبياء ﴿ أُفّ لَّكُمْ  ﴾ وفي الأحقاف: ﴿ أُفّ لَّكُمَا  ﴾ وأقول: البحث المشكل هاهنا أنا لما نقلنا عشرة أنواع من اللغات في هذه اللفظة، فما السبب في أنهم تركوا أكثر تلك اللغات في قراءة هذه اللفظة، واقتصروا على وجوه قليلة منها؟

المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير هذه اللفظة وجوهاً: الأول: قال الفراء: تقول العرب جعل فلان يتأفف من ريح وجدها، معناه يقول: أف أف.

الثاني: قال الأصمعي: الأف وسخ الأذن.

والتف وسخ الظفر.

يقال ذلك عند استقذار الشيء، ثم كثر حتى استعملوا عند كل ما يتأذون به.

الثالث: قال بعضهم أف معناه قلة، وهو مأخوذ من الأفيف وهو الشيء القليل وتف أتباع له، كقولهم: شيطان ليطان خبيث نبيث.

الرابع: روى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأف الضجر.

الخامس: قال القتبي: أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب أو رماد نفخت فيه لتزيله والصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قولك أف، ثم إنهم توسعوا فذكروا هذه اللفظة عند كل مكروه يصل إليهم.

السادس: قال الزجاج: أف معناه النتن وهذا قول مجاهد، لأنه قال معنى قوله: ﴿ وَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ ﴾ أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك كنت تخر أو تبول، وفي رواية أخرى عن مجاهد أنه إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف.

المسألة الرابعة: قول القائل: لا تقل لفلان أف، مثل يضرب للمنع من كل مكروه وأذية وإن خف وقل.

واختلف الأصوليون في أن دلالة هذا اللفظ على المنع من سائر أنواع الإيذاء دلالة لفظية أو دلالة مفهومة بمقتضى القياس.

قال بعضهم: إنها دلالة لفظية، لأن أهل العرف إذا قالوا: لا تقل لفلان أف عنوا به أنه لا يتعرض له بنوع من أنواع الإيذاء والايحاش، وجرى هذا مجرى قولهم فلان لا يملك نقيراً ولا قطميراً في أنه بحسب العرف يدل على أنه لا يملك شيئاً.

والقول الثاني: أن هذا اللفظ إنما يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء بحسب القياس الجلي، وتقريره أن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق الصورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور حكمها فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت أولى من ثبوته في محل الذكر مثل هذه الصورة، فإن اللفظ إنما دل على المنع من التأفيف، والضرب أولى بالمنع من التأفيف.

وثانيها: أن يكون الحكم في محل السكوت مساوياً للحكم في محل الذكر، وهذا هو الذي يسميه الأصوليون القياس في معنى الأصل، وضربوا لهذا مثلاً وهو قوله عليه السلام: «من أعتق نصيباً له من عبد قوم عليه الباقي» فإن الحكم في الأمة والعبد متساويان.

وثالثها: أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكبر القياسات.

إذا عرفت هذا فنقول: المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى.

والدليل عليه: أن التأفيف غير الضرب، فالمنع من التأفيف لا يكون منعاً من الضرب، وأيضاً المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً عظيماً كان عدواً له، فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته، وإذا كان هذا معقولاً في الجملة علمنا أن المنع من التأفيف مغاير للمنع من الضرب وغير مستلزم للمنع من الضرب عقلاً في الجملة، إلا أنا علمنا في هذه الصورة أن المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين بدليل قوله: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة ﴾ فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى، والله أعلم.

النوع الثاني: من الأشياء التي كلف الله تعالى العباد بها في حق الأبوين قوله: ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره.

قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ  ﴾ .

فإن قيل: المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى، فلما قدم المنع من التأفيف كان ذكر المنع من الانتهار بعده عبثاً.

أما لو فرضنا أنه قدم المنع من الانتهار ثم أتبعه بالمنع من التأفيف كان مفيداً حسناً، لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف، فما السبب في رعاية هذا الترتيب؟

قلنا: المراد من قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ ﴾ المنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير، والمراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه والتكذيب له.

النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ واعلم أنه تعالى لما منع الإنسان بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش.

والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمراً بالقول الطيب، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول الحسن والكلام الطيب فقال: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو أن يقول له: يا أبتاه يا أماه، وسئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ، وعن عطاء أن يقال: هو أن تتكلم معه بشرط أن لا ترفع عليهما صوتك ولا تشد إليهما نظرك، وذلك لأن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم.

فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام كان أعظم الناس حلماً وكرماً وأدباً، فكيف قال لأبيه يا آزر على قراءة من قرأ: ﴿ وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءازَرَ ﴾ بالضم: ﴿ إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضلال مُّبِينٍ  ﴾ فخاطبه بالاسم وهو إيذاء، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال وهو أعظم أنواع الإيذاء؟

قلنا: إن قوله تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا ﴾ يدل على أن حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين، فإقدام إبراهيم عليه السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديماً لحق الله تعالى على حق الأبوين.

النوع الرابع: قوله: ﴿ واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة ﴾ والمقصود منه المبالغة في التواضع، وذكر القفال رحمه الله في تقريره وجهين: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك.

والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه.

فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه.

فإن قيل: كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له؟

قلنا: فيه وجهان: الأول: أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال: حاتم الجود فكما أن المراد هناك حاتم الجواد فكذلك هاهنا المراد، واخفض لهما جناحك الذليل، أي المذلول.

والثاني: أن مدار الاستعارة على الخيالات فهاهنا تخيل للذل جناحاً وأثبت لذلك الجناح ضعفاً تكميلاً لأمر هذه الاستعارة كما قال لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها *** فأثبت للشمال يداً ووضع زمامها في يد الشمال فكذا هاهنا وقوله: ﴿ مِنَ الرحمة ﴾ معناه: ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما بسبب كبرهما وضعفهما.

والنوع الخامس: قوله: ﴿ وَقُل رَّبّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قال القفال رحمه الله تعالى: إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال بل أضاف إليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما بالرحمة فيقول: ﴿ رَّبّ ارحمهما ﴾ ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا.

ثم يقول: ﴿ كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ يعين رب افعل بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي، والتربية هي التنمية، وهي من قولهم ربا الشيء إذا انتفع، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ  ﴾ .

البحث الثاني: اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ  ﴾ فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، ولا يقول: رب ارحمهما.

والقول الثاني: أن هذه الآية غير منسوخة، ولكنها مخصوصة في حق المشركين، وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ.

والقول الثالث: أنه لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.

البحث الثالث: ظاهر الأمر للوجوب فقوله: ﴿ وَقُل رَّبّ ارحمهما ﴾ أمر وظاهر الأمر لا يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرة واحدة، سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟

أفي اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة؟

فقال: نرجو أن نجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ  ﴾ فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن الله تعالى قال: ﴿ واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات  ﴾ فهم يكررون في أدبار الصلوات.

ثم قال تعالى: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صالحين ﴾ والمعنى أنا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله تعالى وبالإحسان بالوالدين، ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص في الطاعة وعدم الإخلاص فيها، فاعلموا أن الله تعالى مطلع على ما في نفوسكم بل هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها، لأن علوم البشر قد يختلط بها السهو والنسيان وعدم الإحاطة بالكل، فأما علم الله فمنزه عن كل هذه الأحوال، وإذا كان الأمر كذلك كان عالماً بكل ما في قلوبكم والمقصود منه التحذير عن ترك الإخلاص.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن تَكُونُواْ صالحين ﴾ أي إن كنتم برآء عن جهات الفساد في أحوال قلوبكم كنتم أوابين، أي رجاعين إلى الله منقطعين إليه في كل الأعمال وسنة الله وحكمه في الأوابين أنه غفور لهم يكفر عنهم سيآتهم، والأواب هو الذي من عادته وديدنه الرجوع إلى أمر الله تعالى والالتجاء إلى فضله ولا يلتجئ إلى شفاعة شفيع كما يفعله المشركون الذين يعبدون من دون الله جماداً يزعمون أنه يشفع لهم، ولفظ الأواب على وزن فعال، وهو يفيد المداومة والكثرة كقولهم: قتال وضراب والمقصود من هذه الآية أن الآية الأولى لما دلت على وجوب تعظيم الوالدين من كل الوجوه ثم إن الولد قد يظهر منه نادرة مخلة بتعظيمهما فقال: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ يعني أنه تعالى عالم بأحوال قلوبكم فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلة البشرية كانت في محل الغفران، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين واعتقاد ما يجب لهما من التوقير ﴿ إِن تَكُونُواْ صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر، ثم فرطت منكم- في حال الغضب، وعند حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر، أو لحمية الإسلام- هنة تؤدّي إلى أذاهما، ثم أنبتم إلى الله واستغفرتم منها، فإن الله غفور ﴿ لِلأَوَّابِينَ ﴾ للتوّابين.

وعن سعيد بن جبير: هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير.

وعن سعيد بن المسيب: الأوّاب الرجل كلما أذنب بادر بالتوبة.

ويجوز أن يكون هذا عامّاً لكل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته الجاني على أبويه التائب من جنايته، لوروده على أثره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ ﴾ مِن قَصْدِ البِرِّ إلَيْهِما واعْتِقادِ ما يَجِبُ لَهُما مِنَ التَّوْقِيرِ، وكَأنَّهُ تَهْدِيدٌ عَلى أنْ يُضْمِرَ لَهُما كَراهَةً واسْتِثْقالًا.

﴿ إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ﴾ قاصِدِينَ لِلصَّلاحِ.

﴿ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ ﴾ لِلتَّوّابِينَ.

﴿ غَفُورًا ﴾ ما فَرَطَ مِنهم عِنْدَ حَرَجِ الصَّدْرِ مِن أذِيَّةٍ أوْ تَقْصِيرٍ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامًّا لِكُلِّ تائِبٍ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ لِوُرُودِهِ عَلى أثَرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفِوسِكُمْ} بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين ومن النشاط والكرامة في خدمتهما {إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ} قاصدين الصلاح والبر ثم فرطت منكم في حال الغضب وعند حرج الصدر هنة تؤدي إلى أذاهما ثم أبتم إلى الله واستغفرتم منها {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً} الأواب الذي إذا أذنب بادر إلى التوبة فجاز أن يكون هذا عاماً لكل من فرطت منه جناية ثم تاب منها ويندرج تحته الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ ﴾ مِن قَصْدِ البِرِّ إلَيْهِما وانْعِقادِ ما يَجِبُ مِنَ التَّوْقِيرِ لَهُما، وهو عَلى ما قِيلَ تَهْدِيدٌ عَلى أنْ يُضْمِرَ لَهُما كَراهَةً واسْتِثْقالًا، وفي الكَشْفِ أنَّهُ كالتَّعْلِيلِ لِما أكَّدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ بِما في ضَمائِرِهِمْ مِن ذَلِكَ فَمُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ وعْدٌ لِمَن أضْمَرَ البَرَّ، ووَعِيدٌ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ غُلِّبَ ذَلِكَ الجانِبُ لِأنَّ الكَلامَ بِالأصالَةِ فِيهِ ﴿ إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ﴾ قاصِدِينَ الصَّلاحَ والبِرَّ دُونَ العُقُوقِ والفَسادِ ﴿ فَإنَّهُ ﴾ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ كانَ لِلأوّابِينَ ﴾ أيِ الرّاجِعِينَ إلَيْهِ تَعالى التّائِبِينَ عَمّا فَرَطَ مِنهم مِمّا لا يَكادُ يَخْلُو مِنَ البَشَرِ ﴿ غَفُورًا ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مِن نَوْعِ تَقْصِيرٍ أوْ أذِيَّةٍ، وهَذا كَما في الكَشْفِ تَيْسِيرٌ بَعْدَ التَّأْكِيدِ والتَّعْسِيرِ مَعَ تَضْيِيقٍ وتَحْذِيرٍ؛ وذَلِكَ أنَّهُ شَرَطَ في البادِرَةِ الَّتِي تَقَعُ عَلى النُّدْرَةِ قَصْدَ الصَّلاحِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِنَفْسِ الصَّلاحِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِصُدُورِها بَلْ رَمَزَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا ﴾ لِدَلالَةِ المَغْفِرَةِ عَلى الذَّنْبِ والأوّابِ أيْضًا، فَإنَّ التَّوْبَةَ عَنْ ذَنْبٍ يَكُونُ بِشَرْطِ قَصْدِ الصَّلاحِ، وأنْ يَتُوبَ عَنْهُ مَعَ ذَلِكَ التَّوْبَةَ البالِغَةَ، وهو اسْتِئْنافٌ ثانٍ يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَقُومُ بِحَقِّهِما وقَدْ يَنْدُرُ بَوادِرُ؟

فَقِيلَ إذا بَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى الأساسِ وكانَ المُسْتَمِرُّ ذَلِكَ ثُمَّ اتَّفَقَ بادِرَةٌ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَساءَةِ فَلَطَفَ اللَّهُ تَعالى يَحْجِزُ دُونَ عَذابِهِ قائِمًا بِالكِلاءَةِ، وكَوْنُ الآيَةِ في البادِرَةِ تَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ إلى والِدَيْهِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عامَّةً لِكُلِّ تائِبٍ، ويَنْدَرِجُ الجانِي عَلى أبَوَيْهِ التّائِبُ مِن جِنايَتِهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أي: بارين فإن لم تكونوا بارّين، فارجعوا إلى الله وتوبوا إليه فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً أي: للراجعين من الذنوب إلى طاعة الله تعالى.

وقال مجاهد: الأواب الذي يذكر ذنوبه في الخلوة ويستغفر منها.

وقال سعيد بن جبير: الأواب، الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب.

وقال الحسن: الأواب، الذي يقبل إلى الله بقلبه وعمله.

وقال السدي: الأواب، المحسن.

وقال القتبي: الأواب، التائب مرة بعد مرة من قولك: آب يؤوب.

ويقال: الأواب الذي يصلي بين المغرب والعشاء.

قوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ أي: صلته وَالْمِسْكِينَ أي: أعط السائلين وَابْنَ السَّبِيلِ أي: الضيف النازل، وحقه ثلاثة أيام.

وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً أي: لا تنفق مالك في غير طاعة الله تعالى.

وروي عن عثمان بن الأسود أنه قال: سمعت مجاهداً ونحن نطوف بالبيت ورفع رأسه إلى أبي قبيس وقال: لو كان أبو قبيس ذهباً لرجل فأنفقه في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في طاعة الشيطان كان مسرفاً.

وروى الأعمش، عن الحكم، عن أبي عبيدة وكان ضريراً، وكان عبد الله بن مسعود يدنيه فجاءه يوماً فقال: من نسأل إن لم نسألك؟

فقال: سل، فقال: فما الأواه؟

قال: «الرحيم» .

قال: فما التبذير؟

قال: «إنفاق المال في غير حقه» .

قال: فما الماعون؟

قال: «ما يعاره الناس فيما بينهم» .

قال: فما الأُمة؟

قال: «الذي يعلِّم الناس الخير» .

ثم قال تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي: المنفقين أموالهم في غير طاعة الله تعالى كانوا أعوان الشياطين وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي: كافراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المنتظر، وهذا قول ابن عباس «١» وغيره، والميسور: من اليسر.

وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ استعارةٌ لليد المقبوضةِ عن الانفاق جملةً، واستعير لليد التي تستنفِذُ جميعَ ما عنْدها غايةَ البَسْطِ ضِدّ الغُلِّ، وكلُّ هذا في إِنفاق الخير، وأما إِنفاق الفساد، فقليله وكثيره حرامٌ، أو الملامة هنا لاحقةٌ ممن يطلب من المستحقين، فلا يجدُ ما يعطى، «والمحسورُ» الذي قد استنفدَتْ قوته، تقولُ: حَسَرْتُ البَعِيرَ إِذا أتْعَبْتَهُ حتى لم تَبْقَ له قوة ومنه البَصَرِ الحَسِير.

قال ابنُ العربيِّ «٢» وهذه الآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد أمته، وكثيراً ما جاء هذا المعنى في القرآن، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لمَّا كان سيِّدَهم وواسطَتَهم إِلى ربِّهم، عبِّر به عنهم، على عادة العرب في ذلك.

انتهى من «الأحكام» ، و «الحسير» : هو الكالُّ.

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ معنى يَقْدِرُ: يضيِّق.

وقوله سبحانه: إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً، أي: يعلم مصلحة قَوْمٍ في الفقر، ومصلحةَ آخرين في الغنى.

وقال بعضُ المفسِّرين: الآية إِشارةٌ إِلى حال العرب التي كانَتْ يصلحها الفَقْرَ، وكانت إِذا شبعتْ، طَغَتْ.

ت: وهذا التأويلُ يَعْضُدُهُ قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ...

الآية [الشورى: ٢٧] ولا خصوصيَّة لذكْر العرب إِلا مِنْ حيث ضرب المثل.

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥)

وقوله سبحانه: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ...

الآية: نهي عن الوأد الذي

كانت العرب تفعله، «والإِملاق» .

الفقر وعَدَم المال، وروى أبو داود عن ابن عباس، قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَلمْ يَئِدْهَا، ولَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا- قال:

يَعْني الذُّكُورَ- أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنة» «١» انتهى.

والحق الذي تقتل به النفس: قد فسّره النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «لاَ يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلاَّ إحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: كُفْرُ بَعْدَ/ إِيمَانٍ، أو زناً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أوْ قَتْلُ نَفْسٍ» «٢» أي: وما في هذا المعنى مِنْ حرابةٍ أو زندقةً ونحو ذلك.

وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً أي: بغير الوجوه المذكورة، فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً، ولا مدخل للنساء في ولاية الدَّمِ عند جماعة من العلماءِ، ولهنَّ ذلك عند آخرين، «والسلطان» : الحجة والملك الذي جُعِلَ إِليه من التخيير في قبول الدية أو العفو قاله ابن عبَّاس «٣» .

قال البخاريُّ: قال ابن عباس: كلُّ سلطانٍ في القرآن فهو حُجَّة «٤» .

انتهى، وقال قتادة: «السلطان» : القود «٥» .

وقوله سبحانه: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ المعنى: فلا يَتَعَدَّ الوليُّ أمْرَ اللَّه بأنْ يقتل غير قاتِلِ وليِّه، أو يقتل اثنين بواحدٍ إلى غير ذلك من وجوه التعدِّي، وقرأ «١» حمزة والكسائيُّ، وابن عامر: «فَلاَ تُسْرِفْ» - بالتاء من فوق-، قال الطبري «٢» : على الخطاب للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم والأئمة بعده.

قال ع: ويصحَّ «٣» أنْ يراد به الوليُّ، أي: فلا تسرفْ أيُّها الولي، والضميرُ في «إِنه» عائدٌ على «الوليِّ» ، وقيل: على المقتول، وفي قراءة أبي بن «٤» كعب: «فَلاَ تُسْرُفوا في القِتَال إِنَّ وليَّ المَقْتُول كانَ مَنْصُوراً» ، وباقي الآية تقدَّم بيانه، قال الحسن:

بِالْقِسْطاسِ هو «٥» القَبَّان «٦» ، وهو القرسطون، وقيل: القِسْطَاسِ: هو الميزانُ، صغيراً كان أو كبيراً.

قال ع «٧» : وسمعت أبي رحمه الله تعالى يَقُولُ: رأيْتُ الواعِظَ أبا الفضْلِ الجَوْهَرِيَّ رحمه الله في جامعِ عمرو بن العاص يعظُ النَّاسَ في الوزْن، فقال في جملة كلامه: إِن في هيئة اليَدِ بالميزانِ عِظَةً، وذلك أنَّ الأصابعَ يجيءُ منها صُوَرةُ المكتوبة ألف ولامَانِ وهاء، فكأنَّ الميزان يقولُ: اللَّه، اللَّه.

قال ع «٨» : وهذا وعظٌ جميلٌ، «والتأويل» ، في هذه الآية المآل قاله «٩» قتادة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ﴾ رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أمْرُ رَبِّكَ.

ونَقَلَ عَنْهُ الضَّحّاكُ أنَّهُ قالَ: إنَّما هي ( ووَصّى رَبُّكَ ) فالتَصَقَتْ إحْدى الواوَيْنِ بـِ( الصّادِ )، وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( ووَصّى )، وهَذا عَلى خِلافِ ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ، فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرَيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: ( وقَضاءُ رَبِّكَ ) بِقافٍ وضادٍ بِالمَدِّ والهَمْزِ والرَّفْعِ وخَفْضِ اسْمِ الرَّبِّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا القَضاءُ مِن بابِ الحَتْمِ والوُجُوبِ، لَكِنَّهُ مِن بابِ الأمْرِ والفَرْضِ، وأصْلُ القَضاءِ في اللُّغَةِ: قَطْعُ الشَّيْءِ بِإحْكامٍ وإتْقانٍ، قالَ الشّاعِرُ يَرْثِي عُمَرَ: قَضَيْتُ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتُ بَعْدَها بَوائِقَ في أكْمامِها لَمْ تَفْتُقِ أرادَ: قَطَعْتُها مُحْكِمًا لَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ ؛ أيْ: وأمَرَ بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وهو البِرُّ والإكْرامُ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٨٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا يَبْلُغَنَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَبْلُغَنَّ ) عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( يَبْلُغانِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ.

قالَ الفَرّاءُ: جُعِلَتْ " يَبْلُغَنَّ " فِعْلًا لِأحَدِهِما، وكَرَّتْ عَلَيْهِما " كِلاهُما " .

ومَن قَرَأ: ( يُبَلِّغانِ )، فَإنَّهُ ثَنّى؛ لِأنَّ الوالِدَيْنِ قَدْ ذُكِرا قَبْلَ هَذا، فَصارَ الفِعْلُ عَلى عَدَدِهِما، ثُمَّ قالَ: " أحَدُهُما أوْ كِلاهُما " عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَعَمُوا وصَمُّوا  ﴾ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿ كَثِيرٌ مِنهُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( أُفِّ ) بِالكَسْرِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ: ( أُفَّ ) بِالفَتْحِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أُفٍّ ) بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ يَعْمُرَ: ( أُفٌّ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ: ( أُفًّا ) مِثْلُ ( تَعِسًا ) .

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ وأبُو السَّمّاكِ العَدَوِيُّ: ( أُفُّ ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ مَعَ تَشْدِيدِ الفاءِ، وهي رِوايَةُ الأصْمَعِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( أُفْ ) بِإسْكانِ الفاءِ وتَخْفِيفِها؛ قالَ الأخْفَشُ: وهَذا لِأنَّ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: ( أُفْ لَكَ ) عَلى الحِكايَةِ، والرَّفْعُ قَبِيحٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجِئْ بَعْدَهُ لامٌ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وأبُو حَصِينٍ الأسَدِيُّ: ( أُفِّي ) بِتَشْدِيدِ الفاءِ وياءٍ.

ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ بَعْضَهم قَرَأها: ( إفٍّ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: فِيها سَبْعُ لُغاتٍ: الكَسْرُ بِلا تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ، والضَّمُّ بِلا تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ، والفَتْحُ بِلا تَنْوِينٍ وبِتَنْوِينٍ، واللُّغَةُ السّابِعَةُ لا تَجُوزُ في القِراءَةِ: ( أُفِّي ) بِالياءِ، هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في ( أُفٍّ ) عَشْرَةُ أوْجُهٍ: ( أُفَّ لَكَ ) بِفَتْحِ الفاءِ، و( أُفِّ ) بِكَسْرِها، و( أُفُّ )، و( أُفًّا لَكَ ) بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ عَلى مَذْهَبِ الدُّعاءِ كَما تَقُولُ: ( ويْلًا ) لِلْكافِرِينَ، و( أُفٌّ لَكَ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، وهو رَفْعٌ بِاللّامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾ \[ المُطَفِّفُونَ: ١ \]، و( أُفَّهٍ لَكَ ) بِالخَفْضِ والتَّنْوِينِ تَشْبِيهًا بِالأصْواتِ، كَقَوْلِكَ: ( صَهٍ، ومَهٍ )، و( أُفَهًا لَكَ ) عَلى مَذْهَبِ الدُّعاءِ أيْضًا، و( أُفِّي لَكَ ) عَلى الإضافَةِ إلى النَّفْسِ، و( أُفْ لَكَ ) بِسُكُونِ الفاءِ تَشْبِيهًا بِالأدَواتِ، مِثْلُ: ( كَمْ، وهَلْ، وبَلْ )، و( إفْ لَكَ ) بِكَسْرِ الألِفِ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: وتَقُولُ: ( أُفِ مِنهُ، وأُفَ، وأُفُ، وأُفٍ، وأُفًا، وأُفٍ، وأُفِّي مُضافٌ، وأُفَهًا، وأُفًا بِالألِفٍ )، ولا تَقُلْ: ( أُفِي ) بِالياءِ، فَإنَّهُ خَطَأٌ.

فَأمّا مَعْنى ( أُفٍّ ) فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ وسَخُ الظُّفْرِ، قالَهُ الخَلِيلُ.

والثّانِي: وسَخُ الأُذُنِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ.

والثّالِثُ: قُلامَةُ الظُّفْرِ، قالَهُ ثَعْلَبُ.

والرّابِعُ: أنَّ ( الأُفَّ ): الِاحْتِقارُ والِاسْتِصْغارُ مِنَ ( الأفَفِ ) .

والأفَفُ عِنْدَ العَرَبِ: القِلَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والخامِسُ: أنَّ ( الأُفَّ ) ما رَفَعْتَهُ مِنَ الأرْضِ مِن عُودٍ أوْ قَصَبَةٍ، حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ، قالَ: مَعْنى ( الأُفِّ ): النَّتَنُ والتَّضَجُّرُ، وأصْلُها: نَفْخُكَ الشَّيْءَ يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِن تُرابٍ ورَمادٍ، ولِلْمَكانِ تُرِيدُ إماطَةَ الأذى عَنْهُ، فَقِيلَتْ لِكُلِّ مُسْتَثْقَلٍ.

قالَ المُصَنِّفُ: وأمّا قَوْلُهُمْ: ( تُفٍّ ) فَقَدْ جَعَلَها قَوْمٌ بِمَعْنى ( أُفٍّ )، فَرُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ أنَّهُ قالَ: أصْلُ ( الأُفِّ، والتُّفِّ ): الوَسَخُ عَلى الأصابِعِ إذا فَتَلْتَهُ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ فَرْقًا، فَقالَ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أصْلُ ( الأُفِّ ) في اللُّغَةِ: وسَخُ الأُذُنِ، و( التَفَّ ): وسَخُ الأظْفارِ، فاسْتَعْمَلَتْهُما العَرَبُ فِيما يُكْرَهُ ويُسْتَقْذَرُ ويُضْجَرُ مِنهُ.

وحَكى الزَّجّاجُ فَرْقًا آَخَرَ، فَقالَ: قَدْ قِيلَ: إنَّ ( أُفٍّ ): وسَخُ الأظْفارِ، و( التُّفُّ ): الشَّيْءُ الحَقِيرُ، نَحْوُ: وسَخُ الأُذُنِ، أوِ الشَّظِيَّةُ تُؤْخَذُ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى ( أُفٍّ ): النَّتِنُ، ومَعْنى الآَيَةِ: لا تَقُلْ لَهُما كَلامًا تَتَبَرَّمُ فِيهِ بِهِما إذا كَبِرا وأسَنّا، فَيَنْبَغِي أنْ تَتَوَلّى مِن خِدْمَتِهِما مِثْلُ الَّذِي تَوَلَّيا مِنَ القِيامِ بِشَأْنِكَ وخِدْمَتِكَ.

﴿ وَلا تَنْهَرْهُما ﴾ ؛ أيْ: لا تُكَلِّمْهُما ضَجَرًا صائِحًا في وُجُوهِهِما.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: لا تَنْفُضْ يَدَكَ عَلَيْهِما، يُقالُ: نَهَرْتُهُ أنْهَرُهُ نَهْرًا، وانْتَهَرْتُهُ انْتِهارًا، بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: نَهَرْتُ الرَّجُلَ وانْتَهَرْتُهُ، مِثْلُ: زَجَرْتُهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما نَهى عَنْ أذاهِما في الكِبَرِ، وإنْ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ عَلى كُلِّ حالَةٍ؛ لِأنَّ حالَةَ الكِبَرِ يَظْهَرُ فِيها مِنهُما ما يَضْجَرُ ويُؤْذِي، وتَكْثُرُ خِدْمَتُهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ ؛ أيْ: لَيِّنًا لَطِيفًا أحْسَنَ ما تَجِدُ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ ؛ أيْ: ألِنْ لَهُما جانِبَكَ مُتَذَلِّلًا لَهُما مِن رَحْمَتِكَ إيّاهُما.

وخَفْضُ الجَناحِ قَدْ شَرَحْناهُ في [ الحِجْرِ: ٨٨ ] .

قالَ عَطاءٌ: جَناحُكَ: يَداكَ، فَلا تَرْفَعُهُما عَلى والِدَيْكَ.

والجُمْهُورُ يَضُمُّونَ الذّالَ مِنَ " الذُّلِّ " .

وقَّرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِ الذّالِ.

قالَ الفَرّاءُ: الذُّلُّ: أنْ تَتَذَلَّلَ لَهُما، مِنَ الذُّلِّ، والذُّلُّ: أنْ تَتَذَلَّلَ ولَسْتَ بِذَلِيلٍ في الخِدْمَةِ، والذُّلُّ والذِّلَّةِ: مَصْدَرُ الذَّلِيلِ، والذُّلُّ بِالكَسْرِ: مَصْدَرُ الذَّلُولُ، مِثْلُ: الدّابَّةِ والأرْضِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ ( الذُّلَّ ) بِكَسْرِ الذّالِ، جَعَلَهُ بِمَعْنى الذُّلِّ بِضَمِّ الذّالِ، والَّذِي عَلَيْهِ كُبَراءُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الذُّلَّ مِنَ الرَّجُلِ: الذَّلِيلُ، والذُّلُّ مِنَ الدّابَّةِ: الذَّلُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا ﴾ ؛ أيْ: مِثْلُ رَحْمَتِهِما إيّايَ في صِغَرِي حَتّى رَبَّيانِي.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ المُطْلَقَ نُسِخَ مِنهُ الدُّعاءُ لِأهْلِ الشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ  ﴾ ، وهَذا المَعْنى مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، ومُقاتِلٍ.

قالَ المُصَنَّفُ: ولا أرى هَذا نَسْخًا عِنْدَ الفُقَهاءِ؛ لِأنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وقَدْ ذَكَرَ قَرِيبًا مِمّا قُلْتُهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ ﴾ ؛ أيْ: بِما تُضْمِرُونَ مِنَ البِرِّ والعُقُوقِ، فَمَن بَدَرَتْ مِنهُ بادِرَةٌ وهو لا يُضْمِرُ العُقُوقَ، غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ ﴾ ؛ أيْ: طائِعِينَ لِلَّهِ، [ وقِيلَ ]: بارِّينَ، وقِيلَ: تَوّابِينَ.

﴿ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا ﴾ في الأوّابِ عَشْرَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُسْلِمُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّوّابُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو التّائِبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو التَّوّابُ المُقْلِعُ عَنْ جَمِيعِ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، يُقالُ: قَدْ آَبَ يَؤُوبُ أوْبًا: إذا رَجَعَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُسَبِّحُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المُطِيعُ لِلَّهِ تَعالى، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَذْكُرُ ذَنْبَهُ في الخَلاءِ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنهُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ المُقْبِلُ إلى اللَّهِ تَعالى بِقَلْبِهِ وعَمَلِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّابِعُ: المُصَلِّي، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّامِنُ: هو الَّذِي يُصَلِّي بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ ابْنُ المُنْكَدِرِ.

والتّاسِعُ: الَّذِي يُصَلِّي صَلاةَ الضُّحى، قالَهُ عَوْنُ العُقَيْلِيُّ.

والعاشِرُ: أنَّهُ الَّذِي يُذْنِبُ سِرًّا ويَتُوبُ سِرًّا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أو كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ ﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا ﴾ ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا ﴾ "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ هي بِمَعْنى: أمَرَ وألْزَمَ وأوجَبَ عَلَيْكُمْ، وهَكَذا قالَ الناسُ.

وأقُولُ: المَعْنى: وقَضى رَبُّكَ أمْرَهُ ﴿ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ ، ولَيْسَ في هَذِهِ الألْفاظِ إلّا أمْرٌ بِالِاقْتِصارِ عَلى عِبادَةِ اللهِ، فَذَلِكَ هو المَقْضِيُّ، لا نَفْسَ العِبادَةِ.

و"قَضى" في كَلامِ العَرَبِ: أتَمَّ المَقْضِيُّ مُحْكَمًا، والمَقْضِيُّ هُنا هو الأمْرُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَوَصّى"، وهي قِراءَةُ أصْحابِهِ وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَخْعِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ، وكَذَلِكَ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

وقالَ الضَحاكُ: تَصَحَّفَ عَلى قَوْمٍ "وَصّى" بِـ "قَضى" حِينَ اخْتَلَطَتِ الواوُ بِالصادِّ وقْتَ كَتْبِ المُصْحَفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ بِسَنَدٍ وقَدْ ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِثْلَ قَوْلِ الضَحاكِ، وقالَ عن مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانِ: إنَّهُ قالَ: "إنَّ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَنُورًا، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ  ﴾ .

ثُمَّ ضَعَّفَ ابْنُ حاتِمٍ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ ذَلِكَ، وقالَ: "لَوْ قُلْنا هَذا لَطَعَنَ الزَنادِقَةُ في مُصْحَفِنا".

والضَمِيرُ في ﴿ تَعْبُدُوا ﴾ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَضى السَلَفُ والجُمْهُورُ، وسَألَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ثَلاثًا، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: قُضِيَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقالَ لَهُ الحَسَنُ -وَكانَ فَصِيحًا-: ما قَضى اللهُ أيْ: ما أمَرَ اللهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ الناسُ، تَكَلَّمَ الحَسَنُ في القَدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "قَضى" عَلى مَشْهُورِها في الكَلامِ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "تَعْبُدُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لَكِنْ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ عَطْفًا عَلى "أنِ" الأُولى، أيْ: أمَرَ اللهُ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وأنَّ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ؛ فَإنَّهُ أخْبَرَهم بِقَضاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ أمَرَهم بِالإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ و"إمّا" شَرْطِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يَبْلُغَنَّ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانِ "يَبْلُغَنْ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَبْلُغانِّ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويَحْيى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وهي النُونُ الثَقِيلَةُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، ولَيْسَتْ بِنُونِ تَثْنِيَةٍ، فَعَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ: أحَدُهُما" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَبْلُغانِّ"، وهو بَدَلٌ مُقَسِّمٌ كَقَوْلِ الشاعِرِ: وكُنْتُ كَذِي رَجْلَيْنِ: رِجْلٍ صَحِيحَةٍ ∗∗∗ ورَجُلٍ رَمى فِيها الزَمانُ فَشَلَّتْ وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: "أحَدُهُما" فاعِلًا، وقَوْلُهُ: ﴿ أو كِلاهُما ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقَدْ ذَكَرَ هَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ، وسِيبَوَيْهِ لا يَرى لِهَذِهِ اللُغَةَ مَدْخَلًا في القُرْآنِ الكَرِيمِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "أُفِ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَرْكِ التَنْوِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وقَرَأ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وعِيسى: "أُفٍّ" بِالكَسْرِ والتَنْوِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "أُفَّ" بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "أُفُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "أُفَ" خَفِيفَةً، وهَذا كُلُّهُ بِناءٌ، إلّا أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ تُعْطِي التَنْكِيرَ، كَما تَقُولُ: "إيهِ".

وفِيها لُغاتٌ لَمْ يُقْرَأْ بِها: "أُفٌّ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ، عَلى أنَّ هارُونَ حَكاها قِراءَةً وأُفًّا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ، و"أُفِي" بِياءٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ، حَكاها الأخْفَشُ الكَبِيرُ، و"أُفا" بِألْفٍ بَعْدَ الفَتْحَةِ، و"أُفَّ" بِسُكُونِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ، و"أُفُ" مِثْلَ رَبْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُمِيلُ "أُفا"، ومِنهم مَن يَزِيدُ فِيها هاءَ السَكْتِ فَيَقُولُ: "أُفاهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى اللَفْظَةِ أنَّها اسْمُ فِعْلٍ، كَأنَّ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَقُولَ: أضْجَرُ، أو: أتَقَذَّرُ، أو: أكْرَهُ، أو نَحْوَ هَذا، يُعَبِّرُ إيجازًا بِهَذِهِ اللَفْظَةِ فَتُعْطِي مَعْنى الفِعْلِ المَذْكُورِ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذِهِ اللَفْظَةَ مَثَلًا لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُقابِلَ بِهِ الآباءَ مِمّا يَكْرَهُونَ، فَلَمْ تُرَدْ هَذِهِ اللَفْظَةَ في نَفْسِها وإنَّما هي مِثالُ الأعْظَمِ مِنها والأقَلِّ، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ المَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَذْكُورِ.

و"الِانْتِهارُ إظْهارُ الغَضَبِ في الصَوْتِ واللَفْظِ.

و"القَوْلُ الكَرِيمُ": الجامِعُ لِلْمَحاسِنِ، مِنَ اللِينِ وجَوْدَةِ المَعْنى وتَضَمُّنِ البِرِّ، وهَذا كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، تُرِيدُ أنَّهُ جَمُّ المَحاسِنِ.

و"الأُفُّ": وسَخُ الأظْفارِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ مَعْناهُ: إذا رَأيْتَ مِنهُما في حالِ الشَيْخِ الغائِطَ والبَوْلَ الَّذِي رَأياهُ مِنكَ في حالِ الصِغَرِ، فَلا تَقْذِرْهُما، وتَقُولُ: أُفٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو داخِلٌ في جُمْلَةِ ما تَقْتَضِيهِ.

قالَ أبُو السَرّاجِ التُجِيبِي: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ قَدْ عَرِفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا ﴾ ، ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟

قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحْمَةِ ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيِ: اقْطَعْهُما جانِبَ الذُلِّ مِنكَ، ودَيِّثْ لَهُما نَفْسَكَ وخُلُقَكَ.

وبُولِغَ بِذِكْرِ الذُلِّ هُنا ولَمْ يَذْكُرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وذَلِكَ بِحَسَبِ عِظَمِ الحَقِّ هُنا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الذُلِّ" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "الذِلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمِ بْنِ أبِي النُجُودِ، و"الذِلُّ" في الدَوابِّ ضِدُّ "الصُعُوبَةِ"، ومِنهُ: الجَمَلُ الذَلُولُ، والمَعْنى يَتَقارَبُ.

ويَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مَعَ أبَوَيْهِ في حَيِّزِ ذِلَّةٍ في أقْوالِهِ وسَكَناتِهِ ونَظَرِهِ، ولا يُحِدُّ لَهُما بَصَرَهُ، فَإنَّ تِلْكَ هي نَظْرَةُ الغاضِبِ.

وفي الحَدِيثِ«أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "أبْعَدَهُ اللهُ وأسْحَقَهُ" قالُوا: مَن يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ أو أحَدَهُما فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الرَحْمَةِ ﴾ ، "مِنَ" هُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، أيْ إنَّ هَذا الخَفْضَ يَكُونُ مِنَ الرَحْمَةِ المُسْتَكِنَّةِ في النَفْسِ، لا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِعْمالًا، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالتَرَحُّمِ عَلى آبائِهِمْ، وذِكْرِ مِنَنِهِما عَلَيْهِ في التَرْبِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَذَكُّرَ تِلْكَ الحالَةِ مِمّا يُزِيدُ الإنْسانَ إشْفاقًا لَهُما، وحَنانًا عَلَيْهِما، وهَذا كُلُّهُ في الأبَوَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ، وقَدْ نَهى القُرْآنُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ الأمْواتِ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى، وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هُنا لَفْظُ النَسْخِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ ﴾ أيْ: مِنَ اعْتِقادِ الرَحْمَةِ بِهِما والحُنُوِّ عَلَيْهِما، أو مِن غَيْرِ ذَلِكَ، ويَجْعَلُونَ ظاهِرَ بِرِّهِما رِياءً.

ثُمَّ وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِالغُفْرانِ مَعَ شَرْطِ الصَلاحِ والأوبَةِ بَعْدَ الأوبَةِ إلى طاعَةِ اللهِ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ الناسِ في "الأوّابِينَ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ المُصْلِحُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المُسَبِّحُونَ، وقالَ أيْضًا: هُمُ المُطِيعُونَ المُحْسِنُونَ، وقالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ المَغْرِبَ والعَشاءَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  سُئِلَ عَنِ الصَلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقالَ: "تِلْكَ صَلاةُ الأوّابِينَ".» وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المُسْتَغْفِرِينَ ونَحْوَهُ.

وقالَ عَوْنُ العَقِيلِيِّ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الضُحى.

وحَقِيقَةُ اللَفْظَةِ أنَّها مِن: آبَ يُؤَوِّبُ إذا رَجَعَ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم لَهم رُجُوعٌ إلى طاعَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ لَزِمَ عُرْفَها أهْلُ الصَلاحِ.

قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هو العَبْدُ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَتُوبُ.

وفَسَّرَ الجُمْهُورُ "الأوّابِينَ" بِالراجِعِينَ إلى الخَيْرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ بِقَوْلِهِ: "غَفُورًا لِلْأوّابِينَ" الزَلَّةَ والفَلْتَةَ تَكُونُ مِنَ الرَجُلِ إلى أحَدِ أبَوَيْهِ، وهو لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها بِقَلْبِهِ، ولا عَلِمَها اللهُ مِن نَفْسِهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "خَفْضُ الجَناحِ" هو ألّا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ يُرِيدانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل لآية الأمر بالإحسان بالوالدين وما فصل به، وما يقتضيه الأمر من اختلاف أحوال المأمورين بهذا الأمر قبل وروده بين موافق لمقتضاه ومفرط فيه، ومن اختلاف أحوالهم بعد وروده من محافظ على الامتثال، ومقصر عن قصد أو عن بادرة غفلة.

ولما كان ما ذكر في تضاعيف ذلك وما يقتضيه يعتمد خلوص النية ليجري العمل على ذلك الخلوص كاملاً لا تكلف فيه ولا تكاسل، فلذلك ذيله بأنه المطلع على النفوس والنوايا، فوعد الولد بالمغفرة له إن هو أدى ما أمره الله به لوالديه وافياً كاملاً.

وهو مما يشمله الصلاح في قوله: ﴿ إن تكونوا صالحين ﴾ أي ممتثلين لما أمرتم به.

وغير أسلوب الضمير فعاد إلى ضمير جمع المخاطبين لأن هذا يشترك فيه الناس كلهم فضمير الجمع أنسب به.

ولما شمل الصلاح الصلاح الكامل والصلاح المشوب بالتقصير ذيله بوصف الأوابين المفيد بعمومه معنى الرجوع إلى الله، أي الرجوع إلى أمره وما يرضيه، ففهم من الكلام معنى احتباك بطريق المقابلة.

والتقدير إن تكونوا صالحين أوابين إلى الله فإنه كان للصالحين محسناً وللأوابين غفوراً.

وهذا يعم المخاطبين وغيرهم، وبهذا العموم كان تذييلاً.

وهذا الأوْب يكون مطرداً، ويكون معرضاً للتقصير والتفريط، فيقتضي طلب الإقلاع عما يخرمه بالرجوع إلى الحالة المرضية، وكل ذلك أوْب وصاحبه آيِب، فصيغ له مثال المبالغة (أواب) لصلوحية المبالغة لقوة كيفية الوصف وقوة كميته.

فالملازم للامتثال في سائر الأحوال المراقب لنفسه أواب لشدة محافظته على الأوبة إلى الله، والمغلوب بالتفريط يؤوب كلما راجع نفسه وذكر ربه، فهو أواب لكثرة رجوعه إلى أمر ربه، وكل من الصالحين.

وفي قوله: ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ ما يشمل جميع أحوال النفوس وخاصة حالة التفريط وبوادر المخالفة.

وهذا من رحمة الله تعالى بخلقه.

وقد جمعت هذه الآية مع إيجازها تيسيراً بعد تعسير مشوباً بتضييق وتحذير ليكون المسلم على نفسه رقيباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ المُحْسِنُونَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ المُنْكَدِرِ يَرْفَعُهُ.

الثّالِثُ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الضُّحى، وهَذا قَوْلُ عَوْنٍ العُقَيْلِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرّاجِعُ عَنْ ذَنْبِهِ الَّذِي يَتُوبُ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يَتُوبُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وكُلَّما أذْنَبَ بادَرَ بِالتَّوْبَةِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضى ربك أَلاَّ تعبدوا إلا إياه ﴾ قال: التزقت الواو بالصاد، وأنتم تقرؤونها ﴿ وقضى ربك ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وأخرج أبو عبيد وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه من طريق ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيكم- صلى الله عليه وسلم- ﴿ ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ﴾ فالتصقت إحدى الواوين بالصاْد، فقرأ الناس ﴿ وقضى ربك ﴾ ولو نزلت على القضاء، ما أشرك به أحد.

وأخرج الطبراني، عن الأعمش قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرأ ﴿ ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه أنه قرأها ﴿ ووصى ربك ﴾ قال: إنهم ألصقوا إحدى الواوين بالصاد فصارت قافاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ قال: أمر.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ قال: عهد ربك ألا تعبدوا إلا إياه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ يقول: براً.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ﴾ فيما تميط عنهما من الأذى الخلاء والبول، كما كانا لا يقولانه، فيما كانا يميطان عنك من الخلا والبول.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ لا تقل لهما أف ﴾ فما سواه.

وأخرج الديلمي، عن الحسن بن علي- رضي الله عنهما- مرفوعاً، لو علم الله شيئاً من العقوق أدنى من ﴿ أف ﴾ لَحَرَّمَهُ.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عروة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال: لا تمنعهما شيئاً أرادا.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل ما برّ الوالدين؟

قال: أن تبذل لهما ما ملكت، وأن تطيعهما فيما أمراك به، إلا أن يكون معصية.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن رضي الله عنه أنه قيل له: إلام ينتهي العقوق؟

قال: أن يحرمهما ويهجرهما ويحد النظر إلى وجههما.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال: يقول: يا أبت، يا أمه، ولا يسميهما بأسمائهما.

وأخرج ابن مردويه، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «أتى رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم ومعه شيخ فقال:من هذا معك؟

قال: أبي.

قال: لا تمشين أمامه، ولا تقعدن قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستب له» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال: إذا دعواك فقل لهما لبيكما وسعديكما.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ قال: قولاً ليناً سهلاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الهداج التجيبي قال: قلت لسعيد بن المسيب رضي الله عنه كل ما ذكر الله في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله: ﴿ وقل لهما قولاً كريماً ﴾ ما هذا القول الكريم؟

قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عروة في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ قال: تلين لهما حتى لا يمتنعا من شيء أحباه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ يقول اخضع لوالديك كما يخضع العبد للسيد الفظ الغليظ.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ قال: لا ترفع يديك عليهما إذا كلمتهما.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عروة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ قال: إن أغضباك، فلا تنظر إليهما شزراً، فإنه أوّل ما يعرف غضب المرء بشدة نظره إلى من غضب عليه.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما برَّ أباه من حدّ إليه الطرف» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن زهير بن محمد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾ قال: إن سباك أو لعناك، فقل رحمكما الله غفر الله لكما.

وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ بكسر الذال.

وأخرج، عن عاصم الجحدري رضي الله عنه مثله.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي مرة مولى عقيل: أن أبا هريرة رضي الله عنه كانت أمه في بيت وهو في آخر، فكان يقف على بابها ويقول: السلام عليك يا أمتاه ورحمة الله وبركاته فتقول: وعليك يا بني، فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ﴾ ثم أنزل الله بعد هذا ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ﴾ [ التوبة: 113] .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإما يبلغن عندك الكبر ﴾ إلى قوله: ﴿ كما ربياني صغيراً ﴾ قد نسختها الآية التي في براءة ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ [ التوبة: 113] الآية.

وأخرج ابن المنذر والنحاس وابن الأنباري في المصاحف، عن قتادة رضي الله عنه قال: نسخ من هذه الآية حرف واحد، لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يستغفر لوالديه إذا كانوا مشركين، ولم يقل ﴿ رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ﴾ ولكن ليخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وليقل لهما قولاً معروفاً.

قال الله تعالى: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ قال: تكون البادرة من الولد إلى الوالد، فقال الله: ﴿ إن تكونوا صالحين ﴾ أي تكون النية صادقة ببرهما ﴿ فإنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ للبادرة التي بدرت منه.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ قال: الرجاعين إلى الخير.

وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن أبي حاتم والبيهقس عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان للأوّابين ﴾ قال: الرجاعين من الذنب إلى التوبة، ومن السيئات إلى الحسنات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ للأوّابين ﴾ قال: للمطيعين المحسنين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ للأوّابين ﴾ قال: للتوّابين.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه- قال: الأوّاب، التوّاب.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «سألت النبي- صلى الله عليه وسلم- أي العمل أحب إلى الله؟

قال: الصلاة على وقتها قلت: ثم أي؟

قال: ثم بر الوالدينقلت: ثم أي؟

قال:ثم الجهاد في سبيل الله» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد.

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قلت يا رسول الله، من أبر؟

قال: «أمك.

قلت: من أبر؟

قال: أمك.

قلت: من أبر؟

قال: أمك.

قلت: من أبر؟

قال: أباك، ثم الأقرب فالأقرب» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد والبيهقي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه أتاه رجل فقال: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟

قال: أمك حية؟

قال: لا.

قال: تب إلى الله، وتقرب إليه ما استطعت.

فذهبت فسألت ابن عباس- رضي الله عنهما- لم سألت عن حياة أمه؟

فقال: إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله من بر الوالدة.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل نبي الله- صلى الله عليه وسلم- قال: ما تأمرني؟

قال: «بر أمك، ثم عاد فقال: بر أمك، ثم عاد فقال: بر أمك، ثم عاد الرابعة فقال: بر أباك» وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما من مسلم له والدان يصبح إليهما محسناً إلا فتح الله له بابين- يعني من الجنة- وإن كان واحداً فواحد، وإن أغضب أحدهما، لم يرض الله عنه، حتى يرضى عنه.

قيل: وإن ظلماه؟؟

قال: وإن ظلماه.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه قيعتقه» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري في الأدب والحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان قال: «فارجع إليهما وأضحكهما كما أبكيتهما» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يريد الجهاد، فقال: «ألك والدان؟

قال: نعم.

قال: ففيهما فجاهد» .

وأخرج البخاري في الأدب ومسلم والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه قالوا يا رسول الله من؟

قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما فدخل النار» .

وأخرج البخاري في الأدب والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من بر والديه طوبى له زاد الله في عمره» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري في الأدب والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أبصر رجلين، فقال: لأحدهما ما هذا منك؟

فقال أبي، فقال: لا تسمه.

وفي لفظ لا تدعه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله حتى يجلس، ولا تستب له.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين» .

وأخرج سعيد وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، عن معاوية بن جابر، عن أبيه قال: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم أستشيره في الجهاد، فقال: «ألك والدة؟

قال نعم.

قال: اذهب فالزمها فإن الجنة عند رجليها» .

وأخرج عبد الرزاق، عن طلحة رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا رسول الله، إني أريد الغزو، وقد جئت إليك أستشيرك؟

فقال: هل لك من أم؟

قال: نعم.

قال: فالزمها فإن الجنة عند رجليها، ثم الثانية، ثم الثالثة» كمثل ذلك.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي، عن أنس رضي الله عنه «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، فقال: هل بقي أحد من والديك؟

قال: أمي، قال: فاتق الله فيها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد، فإذا دعتك أمك فاتق الله وبرّها» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لنومك على السرير بين والديك تضحكهما ويضحكانك أفضل من جهادك بالسيف في سبيل الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي، عن خداش بن سلامة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أوصي امرأ بأمه ثلاث مرار، وأوصي امرأ بأبيه مرتين، وأوصي امرأً بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه منه أذى يؤذيه.

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوالد وسط أبواب الجنة، فاحفظ ذلك الباب، أو ضَيِّعْهُ» .

وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أراني في الجنة، فبينا أنا فيها إذ سمعت صوت رجل بالقرآن، فقلت: من هذا؟

قالوا: حارثة بن النعمان، كذلك البر كذلك البر» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم نمت فرأيتني في الجنة، فسمعت قارئاً، يقرأ، فقلت من هذا؟

قالوا: حارثة بن النعمان، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كذلك البر كذلك البر كذلك البر قال: وكان أبر الناس بأمه» .

وأخرج البيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مر رجل له جسم- يعني خلقاً- فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله!

فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- «لعله يكد على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله.

لعله يكد على صبية صغار، فهو في سبيل الله.

لعله يكد على نفسه ليغنيها عن الناس، فهو في سبيل الله» .

وأخرج البيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يمد الله في عمره، ويزيد في رزقه، فليبر والديه وليصل رحمه» .

وأخرج البيهقي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من ولد بار ينظر إلى والديه نظرة رحمة، إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة قالوا: وإن نظر كل يوم مائة مرة؟

قال: نعم.

الله أكبر وأطيب» .

وأخرج البيهقي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نظر الولد إلى والده- يعني- فسرّ به، كان للولد عتق نسمة قيل: يا رسول الله، وإن نظر ثلاثمائة وستين نظرة؟

قال:الله أكبر من ذلك» .

وأخرج البيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: النظر إلى الوالد عبادة، والنظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى المصحف عبادة، والنظر إلى أخيك؛ حباً له في الله عبادة.

وأخرج البيهقي وضعفه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قبل بين عيني أمه كان له ستراً من النار» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي، عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك والدان قال: لا.

قال: ألك خالة؟

قال: نعم.

قال: فبرها إذن» .

وأخرج البيهقي عن أم أيمن رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بعض أهل بيته فقال: «لا تشرك بالله وإن عذبت وإن حرقت، وأطع ربك ووالديك وإن أمراك أن تخرج من كل شيء فاخرج، ولا تترك الصلاة متعمداً؛ فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله، إياك والخمر، فإنها مفتاح كل شر، وإياك والمعصية؛ فإنها تسخط الله، لا تنازِعَنَّ الأمر أهله؛ وإن رأيت أنه لك، لا تفر من الزحف؛ وإن أصاب الناس موت، وأنت فيهم فأثبت، أنفق على أهلك من طولك، ولا ترفع عصاك عنهم وأخفهم في الله عز وجل» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي، عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: كنا عند النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال رجل: «يا رسول الله، هل بقي علي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟

قال: نعم.

خصال أربع: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما» .

وأخرج البخاري في الأدب ومسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولي الأب» .

وأخرج البخاري في الأدب، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: والذي بعث محمداً بالحق، إنه لفي كتاب الله، لا تقطع من كان يصل أباك، فتطفئ بذلك نورك.

وأخرج الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لرجل من العرب كان يصحبه- يقال له عفير- يا عفير، كيف سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الودّ؟

قال: سمعته يقول: «الودّ يتوارث، والعداوة كذلك» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والحاكم والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة عاق، ولا ولد زنا، ولا مدمن خمر، ولا منان» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق والديه، ولا منان، ولا ولد زنية، ولا مدمن خمر، ولا قاطع رحم، ولا من أتى ذات رحم» .

وأخرج البيهقي وضعفه، عن طلق بن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أدركت والدي أو أحدهما وأنا في صلاة العشاء، وقد قرأت فيها بفاتحة الكتاب، فنادى يا محمد، لأجبتهما لبيك» .

وأخرج البيهقي وضعفه من طريق الليث بن سعد حدثني يزيد بن حوشب الفهري، عن أبيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كان جريج الراهب فقيهاً عالماً، لعلم أن إجابته أمه أفضل من عبادته ربه» .

وأخرج البيهقي عن مكحول قال: إذا دعتك والدتك وأنت في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه حتى تفرغ من صلاتك.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه» .

وأخرج أحمد والبيهقي، عن أبي مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك، فأبعده الله وأسحقه» .

وأخرج أحمد والبيهقي، عن سهل بن معاذ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من العباد عباد لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولا يطهرهم قيل: من أولئك يا رسول الله؟

قال:المتبرئ من والديه رغبة عنهما، والمتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم» .

وأخرج البيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قتل نبياً، أو قتله نبي، أو قتل أحد والديه، والمصوّرون، وعالم لم ينتفع بعلمه» .

وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي والبيهقي والطبراني والخرائطي في مساوئ الأخلاق من طريق بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه عن جده أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة، إلا عقوق الوالدين، فإنه يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات، ومن رايا رايا الله به، ومن سمع سمع الله به» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن طاوس رضي الله عنه قال: إن من السنة أن توقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد.

قال: ويقال أن من الجفاء: أن يدعو الرجل والده باسمه.

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي، عن كعب رضي الله عنه أنه سئل عن العقوق ما تجدونه في كتاب الله عقوق الوالدين؟

قال: إذا أقسم عليه لم يبره، وإذا سأله لم يعطه، وإذا ائتمنه خان، فذلك العقوق.

وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات: دعاء الوالد على ولده، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن محمد بن النعمان يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برّاً» .

وأخرج البيهقي، عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما فيدعو لهما من بعدهما، فيكتبه الله من البارين» .

وأخرج البيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد يموت والداه أو أحدهما، وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله بارّاً» .

وأخرج البيهقي عن الأوزاعي رضي الله عنه قال: بلغني أن من عق والديه في حياتهما ثم قضى ديناً إن كان عليهما واستغفر لهما ولم يستسب لهما كتب بارّاً، ومن بر والديه في حياتهما ثم لم يقض ديناً إذا كان عليهما ولم يستغفر لهما واستسب لهما كتب عاقاً.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح مطيعاً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من الجنة، وإن كان واحداً فواحداً، ومن أمسى عاصياً لله في والديه أصبح له بابان مفتوحان من النار، وإن كان واحداً فواحداً» قال رجل: وإن ظلماه؟

قال: «وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه» .

وأخرج البيهقي، عن المنكدر بن محمد بن المنكدر رضي الله عنه قال: كان أبي يبيت على السطح يروح على أمه، وعمي يصلي إلى الصباح، فقال له أبي ما يسرني أن ليلتي بليلتك.

وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والبيهقي، عن عبد الله بن المبارك قال: قال محمد بن المنكدر، بات عمر أخي يصلي، وبت أغمز رجل أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته.

وأخرج ابن سعد، عن محمد بن المنكدر: أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: يا أمه، قومي فضعي قدمك على خدي.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن طاوس قال: كان رجل له أربعة بنين فمرض فقال أحدهم: إما أن تمرضوه، وليس لكم من ميراثه شيء، وأما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء، قالوا: بل مرضه وليس لك من ميراثه شيء، فمرضه حتى مات ولم يأخذ من ماله شيئاً، فأتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا، فخذ منه مائة دينار، فقال في نومه أفيها بركة؟

قالوا: لا.

فأصبح فذكر ذلك لامرأته، فقالت له خذها، فإن من بركتها: أن تكتسي منها وتعيش بها، فأبى، فلما أمسى أتي في النوم فقيل له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير، فقال: فيها بركة؟

قالوا: لا: فأصبح فذكر ذلك لامرأته، فقالت له مثل ذلك، فأبى أن يأخذها، فأتي في النوم في الليلة الثالثة: أن ائت مكان كذا وكذا فخذ منه ديناراً، فقال: أفيه بركة؟

قالوا: نعم.

فذهب فأخذ الدينار، ثم خرج به إلى السوق، فإذا هو برجل يحمل حوتين، فقال بكم هذان، فقال بدينار، فأخذهما منه بالدينار، ثم انطلق بهما، فلما دخل بيته شق الحوتين فوجد في بطن كل واحد منهما درة لم ير الناس مثلها، فبعث الملك بدرة ليشتريها، فلم توجد إلا عنده، فباعها بوقر ثلاثين بغلاً ذهباً، فلما رآها الملك قال: ما تصلح هذه إلا بأخت، فاطلبوا مثلها وإن أضعفتم.

قال: فجاؤوا فقالوا: عندك أختها نعطيك ضعف ما أعطيناك؟

قال: أو تفعلون؟

قالوا: نعم.

فأعطاهم أختها بضعف ما أخذوا الأولى.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي، عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال: لما قدم أبو موسى وأبو عامر على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبايعوه وأسلموا.

قال: «ما فعلت امرأة منكم تدعى كذا وكذا؟

قالوا تركناها في أهلها.

قال: فإنها قد غفر لها.

قالوا: بم يا رسول الله؟

قال: ببرها والدتها قال: كانت لها أم عجوز كبيرة، فجاءهم النذير: إن العدو يريد أن يغير عليكم الليلة، فارتحلوا ليلحقوا بعظيم قومهم، ولم يكن معها ما تحتمل عليه، فعمدت إلى أمها، فجعلت تحملها على ظهرها، فإذا أعيت وضعتها، ثم ألصقت بطنها ببطن أمها، وجعلت رجليها تحت رجلي أمها من الرمضاء حتى نجت» .

وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما نحن مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ طلع شاب فقلنا: لو كان هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالتنا.

فقال: وما في سبيل الله، إلا من قتل، ومن سعى على والديه، فهو في سبيل الله، ومن سعى على عياله، فهو في سبيل الله، ومن سعى على نفسه يغنيها فهو في سبيل الله تعالى» .

وأخرج الحاكم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، «أي الناس أعظم حقاً على المرأة.

قال: زوجها.

قلت: فأي الناس أعظم حقاً على الرجل.

قال: أمه» .

وأخرج الحاكم عن علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله من ذبح لغير الله، ثم تولى غير مولاه، ولعن الله العاق لوالديه، ولعن الله من نقض منار الأرض» .

وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، وبروا آبائكم تبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلاً فليقبل ذلك منه محقاً كان أو مبطلاً، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض» .

وأخرج الحاكم، عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «بروا آباءكم» .

وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «قد هاجرت من الشرك- ولكنه الجهاد- هل لك أحد باليمن؟

قال: أبواي قال: أذنا لك؟

قال: لا.

قال: فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك مجاهد، وإلاّ، فبرّهما» .

وأخرج أحمد في الزهد، عن وهب بن منبه رضي الله عنه أن موسى- عليه الصلاة والسلام- سأل ربه عز وجل فقال: يا رب، بم تأمرني؟

قال: «بأن لا تشرك بي شيئاً» قال: وبم؟

قال: «وتبر والدتك» قال: وبم؟

قال: وبوالدتك قال: وبم؟

قال: بوالدتك؟

قال وهب رضي الله عنه: إن البر بالوالدين يزيد في العمر، والبر بالوالدة ينبت الأصل.

وأخرج أحمد في الزهد، عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه قال: رأى موسى عليه السلام رجلاً عند العرش، فغبطه بمكانه، فسأل عنه فقالوا: نخبرك بعمله، لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يمشي بالنميمة، ولا يعق والديه.

قال: «أي رب، ومن يعق والديه» ؟

قال: «يستسب لهما حتى يسبا» .

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن رجلاً أتاه فقال: إن امرأتي بنت عمي وإني أحبها، وإن والدتي تأمرني أن أطلقها، فقال: لا آمرك أن تطلقها، ولا آمرك أن تعصي والدتك، ولكن أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سمعته يقول: «إن الوالدة أوسط باب من أبواب الجنة» فإن شئت فأمسك وإن شئت فدع.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن رضي الله عنه قال: للأم ثلثا البر وللأب الثلث.

وأخرج أحمد وابن ماجة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بر الوالدين يجزئ من الجهاد» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قيل له: ما حق الوالد على الولد؟

قال: لو خرجت من أهلك ومالك ما أديت حقهما.

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد، عن علي بن أبي طالب قال: إذا مالت الأفياء، وراحت الأرواح، فاطلبوا الحوائج إلى الله، فإنها ساعة الأوّابين، وقرأ ﴿ فإنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ .

وأخرج هناد، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ قال: الأوّاب الذي يذنب، ثم يستغفر، ثم يذنب، ثم يستغفر، ثم يذنب ثم يستغفر.

وأخرج هناد، عن عبيد بن عمير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإنه كان للأوّابين غفوراً ﴾ قال: الأوّاب الذي يتذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر منها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ الأعلم من قولك: فلانٌ أعلمُ، له معنيان؛ أحدهما: أكثر معلومًا، والثاني: أثبت علمًا، وهذان يجوز في صفة الله تعالى؛ فإنه أكثر معلومًا وأثبت علمًا.

قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ هو البادرة تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك بأسًا (١) ﴿ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ ﴾ أي النِّية صادقة ببرِّه، ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾ : البادرة التي بدرت منه.

والمعنى: ربكم أعلم بما تضمرون من البِرّ والعقوق؛ فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر عقوقًا فأغفر له ذلك، وهو معنى قوله: ﴿ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد طائعين لله، ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾ قال: يريد الراجعين عن معاصي الله -عز وجل-، التاركين لسخط الله، النادمين على الزلات (٢) وقال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب (٣) وقال الحسن: هو الذي يريد اللهَ بقلبه وعمله (٤) وقال سعيد بن جبير: يعني الراجعين إلى الخير (٥) وقال عبيد بن عمير: الذين يذكرون لأبويهم ويستغفرون (٦) ورُوي أنه قال: الأوَّابُ: هو الذي يقول: اللهم اغفر لي [ما] (٧) (٨) وقال أبو إسحاق: الأوَّاب: هو الراجع إلى الله سبحانه في كل ما أمر به، المُقْلع عن جميع ما نهى عنه، يقال: آب يؤوب أوْبًا: إذا رجع (٩) (١) أخرجه "الطبري" 15/ 68 بنصه تقريبًا من طريقين، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 107 أبنصه تقريبًا، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 88، و"الزمخشري" 2/ 358، و"الدر المنثور" 4/ 311 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 490، بلا نسبة.

(٣) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 376 بنصه، و"الطبري" 15/ 69 - 70 بنصه من عدة == طرق، وورد في "تفسير الجصاص" 3/ 197، بنحوه، و"الثعلبي" 7/ 107 أبنصه، و"الماوردي" 3/ 239، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 468، بنحوه.

(٤) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 265، بنحوه.

(٥) أخرجه "الطبري" 15/ 70 بنصه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 142 بنصه، و"تفسير الجصاص" 3/ 197 - بمعناه، و"الثعلبي" 7/ 107 أبنصه، و"الماوردي" 3/ 239، بنحوه، وأخرجه البيهقي في الشعب (5/ 438 بنصه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 468، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 310 وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا.

(٦) لم أقف على هذا القول، والذي ورد عنه في المصادر، أنه قال: الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيستغفرون الله.

انظر: "تفسير الطبري" 15/ 70، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 143، و"تفسير الثعلبي" 7/ 107 أ، و"ابن الجوزي" 5/ 26، و"القرطبي" 10/ 247، و"الدر المنثور" 4/ 318 وعزاه إلى هناد.

(٧) زيادة يقتضها السياق -كما في جميع المصادر- وفي جميع النسخ: أصبت بدون (ما).

(٨) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 377 بنصه، و"الطبري" 15/ 71 بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 107 أبنصه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 41.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 235 بنصه، وهذا القول -وهو قول ابن عباس وابن المسيب- هو الذي رجحه الطبري؛ قال: لأن الأواب إنما هو فعَّال، من قول القائل: آب فلان من كذا؛ إما من سفره إلى منزله، أو من حال إلى حال.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وقضى رَبُّكَ ﴾ أي حكم وألزم وأوجب، أو أمر ويدل على ذلك ما في مصحف ابن مسعود: ﴿ ووصى ربك ﴾ ﴿ أَلاَّ تعبدوا ﴾ أن مفسرة أو مصدرية على تقدير: بأن لا تعبدوا ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها فلا تقل لهما أف، والمعنى الوصية ببر الوالدين إذا كبرا أو كبر أحدهما وإنما خص حاله الكبر؛ لأنهما حينئذ أحوج إلى البر والقيام بحقوقهما، لضعفهما ومعنى عندك: أي في بيتك وتحت كنفك ﴿ أُفٍّ ﴾ حيث وقعت اسم فعل، معناها قول مكروه، يقال عند الضجر ونحوه، وإنما المراد بها أقل كلمة مكروهة تصدر من الإنسان، فنهى الله تعالى أن يقال ذلك للوالدين، فأولى وأحرى ألا يقال لهما ما فوق ذلك، ويجوز في أفّ الكسر والفتح والضم، وهي حركات بناء، وأما تنوينها فهو للتنكير ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ من الانتهار وهو الإغلاظ في القول ﴿ واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة ﴾ استعارة في معنى التواضع لهما والرفق بهما، فهو كقوله: ﴿ واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 88] وأضافه إلى الذل مبالغة في المعنى كأنه قال: الجناح الذليل، ومن في قوله من الرحمة للتعليل أي من أجل إفراط الرحمة لهما والشفقة عليهما ﴿ لِلأَوَّابِينَ ﴾ قيل: معناه الصالحين، وقيل: المسبّحين، وهو مشتق من الأية بمعنى الرجوع، فحقيقته الراجعين إلى الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يبلغان ﴾ مثنى: حمزة وعلي وخلف ﴿ أف ﴾ بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص ﴿ أف ﴾ بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل.

والباقون بالكسر.

﴿ تبصطها كل البصط ﴾ مثل: ﴿ بصطة ﴾ ﴿ خطأ ﴾ بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ خطأ ﴾ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ﴿ خطاء ﴾ بالكسر والمد: ابن كثير.

الباقون بالكسر ثم السكون ﴿ فلا تسرف ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ بالقسطاس ﴾ مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد ﴿ سيئه ﴾ على إضافة سيء إلى ضمير ﴿ كل ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل.

الآخرون ﴿ سيئة ﴾ علم التأنيث.

الوقوف: ﴿ مخذولاً ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ، ط ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ صغيراً ﴾ ، ط ﴿ في نفوسكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ تبذيراً ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ، ﴿ ميسوراً ﴾ ه ﴿ محسوراً ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ، ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ إملاق ﴾ ط ﴿ وإياكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فاحشة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي.

﴿ في القتل ﴾ ط ﴿ منصوراً ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ز ﴿ بالعهد ﴾ ج على تقدير فإن.

﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ط ﴿ تأويلا ﴾ ه ﴿ به علم ﴾ ط ﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ مرحاً ﴾ ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ﴿ طولا ﴾ ه ﴿ مكروهاً ﴾ ه ﴿ الحكمة ﴾ ط ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ .

التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والخطاب للنبي  في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي  لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده.

وانتصب قوله: ﴿ فتقعد ﴾ على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود.

وفيه وجوه منها.

أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً.

ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة.

ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب.

ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت.

ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين.

وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان.

ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: ﴿ وقضى ربك ﴾ أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً ﴿ ألا تعبدوا ﴾ أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا.

وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ﴿ وقضى ربك ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع.

وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن.

أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ﴿ بالوالدين ﴾ بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله.

يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة.

وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟

قال: اكتبوا عليه: هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي *** سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمى بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟

فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.

ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك".

وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر ﴿ إحساناً ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه.

ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: ﴿ أما يبلغن ﴾ هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم.

وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه.

من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله.

ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة.

﴿ وكلاهما ﴾ مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع.

وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله ﴿ طرفي النهار  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن  ﴾ قال في الكشاف: معنى ﴿ عندك ﴾ هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه.

وفي ﴿ أف ﴾ لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه.

وأف بكسرتين بلا تنوين.

وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال.

وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف.

وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار.

يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به.

وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر.

وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول.

وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر.

قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية.

ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله  : "من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي" فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان.

وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته.

فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولا تنهرهما ﴾ والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره.

﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قولاً كريماً ﴾ جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام.

وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما.

وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين.

قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك.

والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع.

وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول.

والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.

فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال.

وقوله: ﴿ من الرحمة ﴾ في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿ و ﴾ لكن ﴿ قل رب ارحمهما كما ربياني ﴾ ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ.

وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه.

والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد.

قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله  : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة ﴿ رب ارحمهما ﴾ وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟

فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ .

وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد.

وكما قال الله  : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات  ﴾ فهم يذكرون في أدبار الصلاة.

قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما.

وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي  : "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء.

وقال رجل لرسول الله  : إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟

قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.

وشكا رجل إلى رسول الله  أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي.

واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى  وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.

مرتين.

وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.

قال: لقد جازيتها.

قال: ما فعلت؟

قال: حججت بها على عاتقي.

قال: ما جازيتها.

وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها.

ثم قال  : ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها ﴿ وإنه كان للأوابين غفوراً ﴾ اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره.

ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: ﴿ وآت ذا القرى حقه ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله  أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين.

والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة.

وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء.

وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة".

ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم.

كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله.

قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه.

وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً.

ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد ﴿ وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله.

ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ وكان النبي  إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.

والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن.

وقيل: اللين السهل.

قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته.

وقيل: القول المعروف كقوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير  ﴾ وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف.

وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة.

قال جار الله قوله: ﴿ ابتغاء رحمة ﴾ أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله ﴿ ترجوها ﴾ بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له.

فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء.

وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ عند الناس بالبخل ﴿ محسوراً ﴾ بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر.

فقير محسور منقطع عن السير.

ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة.

وعن جابر: بينا رسول الله  جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال  : "من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا." فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك.

فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية.

وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.

وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع.

فقال  : " ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل" فنزلت.

ثم إنه  سلى نبيه  بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: ﴿ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أي يضيق ﴿ أنه كان بعباده ﴾ وبمصالحهم ﴿ خبيراً بصيرا ﴾ فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح.

ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد.

ويحتمل أن يراد أنه  مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين.

فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه.

وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع.

وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم.

والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: ولد المرء منه جزء وما حا *** ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة.

وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله  أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: ﴿ أولادكم ﴾ وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ.

ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي خصلة متزايدة في القبح ﴿ وساء سبيلاً ﴾ سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد.

ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟

فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج.

ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم.

وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره.

وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة.

فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار.

وقد زعم في التفسير الكبير أنه  وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً  ﴾ .

وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو.

ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴾ وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر.

ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: ﴿ إلا بالحق ﴾ وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ أي تسلطاً على استيفاء القصاص.

فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله  "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟

وقتل نفس بغير حق" يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ .

كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ فلا يلزم التفريع المذكور.

ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم  ﴾ هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط.

ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري.

وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر.

ثم إنه  أثبت لوليّ الدم سلطاناً.

ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل.

وقيل: معنى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفى  ﴾ الآية.

فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص.

وعن الشافعي أن التنوين في قوله: ﴿ مظلوماً ﴾ للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال  : ﴿ اقتلوا المشركين  ﴾ فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية.

وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد  ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

من قرأ ﴿ فلا تسرف ﴾ بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية.

وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب.

وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.

ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ﴾ بالطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي تثميره وإنماؤه.

وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ﴿ حتى يبلغ ﴾ اليتيم ﴿ أشده ﴾ بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده.

﴿ إن العهد كان مسئولا ﴾ أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثتتبكيتاً للناكث كقوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت  ﴾ ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.

والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون.

وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني ﴿ ذلك ﴾ الإيفاء والوزن المعدل ﴿ خير ﴾ من التطفيف ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة من آل إذا رجع.

أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه.

وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر.

وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه.

ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ﴿ ولا تقف ﴾ أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب.

والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس  ﴾ ﴿ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن  ﴾ وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور.

ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.

وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.

وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.

وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم.

وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج" أي يتوب.

وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد.

احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم.

وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال  : ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار  ﴾ ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن.

سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز.

وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين.

وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة.

وقال  : نحن نحكم بالظاهر.

والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن.

فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به.

وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد  أن التمسك بآيات القرآن جائز.

ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: ﴿ إن السمع والبصر وكل أولئك ﴾ إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام.

﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ قال في الكشاف: ﴿ عنه ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية مثل ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه.

والصواب أن يقال: إنه فاعل ﴿ مسئولاً ﴾ المحذوف والثاني مفسر له.

وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟

قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب.

وقيل: إنه  ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها.

﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح.

وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر.

﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ لن تثقبها بشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ.

بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر.

وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي.

وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته.

﴿ كل ذلك كان سيئه ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله.

ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط.

ومن قرأ ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث فقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ وقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ﴾ ﴿ ولا تمش ﴾ وإنما قال: ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث مع قوله: ﴿ مكروهاً ﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم.

قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله  لأنها مكروهة عنده.

وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال.

أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية.

وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من قوله: ﴿ لا تجعل ﴾ إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ﴿ مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.

روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى  .

وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله  فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء.

وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة.

وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده.

وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك.

ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت.

والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة.

ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أي أفخصكم ﴿ ربكم ﴾ على وجه الخلوص والصفاء ﴿ بالبنين ﴾ الذين هم أفضل الأولاد ﴿ واتخذ من الملائكة ﴾ أولاداً ﴿ إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ﴾ بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث.

التأويل: خاطب نبيه  ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ﴾ وإنما قال: ﴿ ربك ﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿ وبالوالدين ﴾ والد الروح ووالدة البدن.

والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿ أما يبلغن عندك ﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ ولا تنهرهما ﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ من الاستعداد ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ فإنه كان للأوابين ﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿ غفوراً ﴾ سائراً بأنوار جماله.

ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿ وآت ذا القربى ﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله عز وجلّ -: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ ﴾ : حكم، وقال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ ﴾ - هاهنا -: أمر، أي: أمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وقال بعضهم: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ ﴾ ، أي: وصّى ربّك، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبيّ -  ما - أنهما كانا يقرآن: (ووصى ربّك)، وقال بعضهم: (وعهد ربك).

وقال القتبي: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ ﴾ ، أي: حتم ربّك، وهو من الفرض والإلزام، أي: فرض ربك وألزم ألا تعبدوا إلا إياه، وكذلك "حكم" ربك وهو أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ : دل قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ أن قوله: ﴿ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ  ﴾ - معناه، أي: فرض الله ورسوله وحكماً أمراً.

ثم قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ : فرض وحتم وحكم وأمر ألا تعبدوا إلا إياه، إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية، لا تعبدوا دونه أحداً، وقد أبان لنا أنه هو الإله والربّ المستحق للعبادة والألوهية والربوبية، لا الذين تعبدون من دونه من الأوثان والأصنام بوجوه ثلاثة: أحدها: عجز العقول وجهالتها عن درك كيفية العقول وما بينها؛ لأن العقول لا تعرف كيفية أنفسها ولا ماهيتها، وتعرف محاسن الأشياء ومقابحها؛ فقد عَرَفَتِ الألوهية لله، وحسن العبادة له، وقبحها لغيره.

والثاني: ما يوجد في جميع الخلائق من آثار ألوهيّته وربوبيته، وجعل العبادة له شكراً له؛ وعلى ذلك جعل في كل جارحة من جوارح الإنسان عبادة؛ شكراً له لما فيها من آثار ألوهيته.

والثالث: السمع، أنبأنا أن لا معبود إلا الله، ولا ألوهيّة لسواه دونه؛ فذلك معنى ما فرض على خلقه وأمرهم ألا يعبدوا إلا إياه، وتأويل حكم ربّك ألا تعبدوا إلا إياه؛ لما أنشأ في خلقه كل أحد آثار وحدانيته، وشهادة ربوبيته استحقاق العبادة له، فذلك تأويل من قال: قضى، أي: حكم.

وأما تأويل من قال: قضى، أي: أمر ربك وكلف ألا تعبدوا إلا إياه - يكون فيه أمر بالعبادة له، والنهي عن عبادة غيره؛ كأنه قال: أمر ربك أن اعبدوه، ونهاكم أن تعبدوا غيره، ثم الفرق بين الطاعة والعبادة: يجوز أن يطاع غيره، ولا يجوز أن يعبد غيره؛ لأن الطاعة هي الائتمار؛ كقوله: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ  ﴾ ، أي: ائتمروا، وأما العبادة هي الاستسلام والخضوع له والشكر له، ولا يجوز ذلك لغيره سوى الله، أو أن يكون في العبادة معنى لا يدرك، كمعنى الرحمن؛ لا يدرك، حيث لم يجوّز تسمية غيره به؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: وبالوالدين إحساناً.

كأنه قال: وفرض عليكم - أيضاً - وحكم إحسان الوالدين، [أو أمركم بإحسان الوالدين] ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه، إنما هو فضل ومعروف يصنعه إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة، لكن المراد بالإحسان إلى الوالدين هو الشكر، لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ  ﴾ ، لأن الشكر هو المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف؛ فهو، والله أعلم.

وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً  ﴾ ، وغيرها من الآيات - فالمراد منه، والله أعلم: الشكر لهما؛ لما ذكر في آية أخرى: ﴿ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ  ﴾ ، والشكر هو المكافأة: أمره أن يكافئ لهما ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية، والبر، والعطف عليه، والوقاية من كل سوء ومكروه: في البطن، وبعد ما خرج من البطن حتى كان يؤثرانه على أنفسهما [في السرور، ويجعلان أنفسهما وقاية له من كل سوء ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه؛ جزاء ومكافأة لما كان منهما مما ذكر.

وهذا ذكر في الحال التي عجزا هما عن القيام لأمر أنفسهما] والحوائج لهما، وذلك - والله أعلم - لأنهما إذا كانا قويين، قادرين لحوائج أنفسهما ومنافعهما يبران ولدهما، ويحسنان إليه؛ فيحمل برّهما وإحسانهما إليه على الطاعة لهما في البرّ، والإحسان إليهما على المجازاة، وهكذا المعروف عند الناس أنه إذا بر بعضهم بعضاً يبعث ذلك على المكافأة؛ ليدوم ذلك عليهم وألا ينقطع؛ لذلك ذكر - والله أعلم - الإحسان إلى الوالدين في الحال التي هي حال ضعف وعجز؛ حيث قال: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا ﴾ .

ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره: أن كيف ربّياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا له - قولاً وفعلاً - حتى لم يستقذرا منه شيئاً مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم من بعض من أنواع الأذى والخبث؟!

فأمره أن يعاملهما إذا بلغا الحال التي كان هو عليها: من الجهل والضعف، والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما ويبعد عنهما، أي: لا يستقذر هو منهما، ولا يبعد عنهما؛ كما لم يستقذرا هما منه، ولا ينهرهما عند السّؤال والحاجة إليه؛ كما لم يفعلا هما [له]؛ بل يلين لهما ويذل كما لانا هما له وخضعا، وهو ما قال: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 70]، وقال في آية أخرى: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً  ﴾ أخبر أنه يرد من بعد القوة والعلم إلى الحال التي كانوا عليها وهو حال الضعف والجهل؛ حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ...

﴾ الآية [النحل: 78]، وقال: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ...

﴾ الآية [الروم: 54].

فقال: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ .

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ﴾ : هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في الوجه، ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، أي: لا تُعنِّفْهما في القول والكلام على ما لم يفعلا هما بك.

وقال بعضهم: (أف) المراد به: هو (أف) لا غير، ﴿ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، أي: لا تعنفهما، ولا تخشن، لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها، أي: لا تقل لهما (أف) على ما يستثقل الناس شيئاً ويكرهون في أول حال يرون شيئاً مستثقلاً مكروهاً - يقولون: أف، أي: لا تقل أف؛ لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر؛ وعلى هذا المعنى قالوا في قوله: ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ...

﴾ الآية [النور: 30]، قال بعضهم: يغضوا من أبصارهم وليحفظوا فروجهم؛ لأن النظر بالبصر يحمله على الزنى في الفرج؛ ومنه يكون بدء الفجور.

وقال بعضهم قوله: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ  ﴾ : ذكر أوّل حال وآخرها؛ ليمتنعوا عن كل ذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ : ذكر أوّل الحال وآخرها.

والثاني: أي: لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال ليحمل ذلك على العنف والانتهار.

فإن كان تأويل قوله: ﴿ أُفٍّ ﴾ - (أف) لا غير، ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: إذا نفخ المصلي في موضع سجوده، فهو كلام يقطع صلاته؛ حيث قال: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ﴾ ، أي: لا تتكلم به، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ .

حيث نهاه أن يقول لهما: أف، ونهاه أن ينهرهما؛ فإذا امتنع عن الأفّ والنهر كان بعد ذلك قولاً ليّناً لطيفاً.

قال أبو عوسجة: يقال: نهرته وانتهرته، وهو الخشن من الكلام شبه الوعيد.

وقال أبو بكر الكَيْساني: الكريم: هو الذي يُولِي على آخَرَ نعمه، ويهنيه بترك الأذى والمنّ؛ كقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ  ﴾ ، وقال غيره: في وصف السخي، فقال: الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه، وقطع طمعه عما احتوى عليه غيره عند حاجته إليه.

ويشبه أن يكون الكريم قريباً منه.

فإن قيل: إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البرّ لأولادهما، والشفقة عليهم، ولا كذلك الأولاد؛ فكيف يشبه بر من كان مجبولاً به مطبوعاً عليه - برّ من لم يكن ذلك بطبعه.

قيل: لذلك ذكر هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك؛ لأن ما يفعل الوالدان من البرّ والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم.

ولهذا ما لم يجعل ولم يشرع قتل الوالد بولده؛ إذ [ليس] القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه؛ إذ في الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل الولد، وليس في الولد ذلك؛ فجعل في قتل الولد والديه القصاص، ولم يجعل في قتل الوالدين ولدهما؛ فعلى ذلك هذا في البرّ والإحسان.

فإن قيل: ما الحكمة فيما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن: ﴿ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ  ﴾ .

قيل: لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر.

وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة؛ حيث قال في المكاتب: إذا اشترى والده أو أمّه صار مكاتباً، وإذا اشترى أخاه أو ذا رحم محرم منه - لم يصر مكاتباً؛ لأن الأب والأم يصيران كذلك بحق الجزاء والشكر؛ فعليه ذلك، وأمّا الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف؛ فملكه لا يحتمل ذلك.

والخطاب من الله - وإن كان مع رسوله - فالمراد منه غيره؛ لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل إليه وخاطبه بما خاطب؛ دلّ أنه أراد بالخطاب غيره - كل محتملٍ [منه] ذلك وموهوم منه - وأمره أن يعاملهما بالمعاملة التي ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ ﴾ .

يحتمل أن يكون الجناح كناية عن اليدين؛ لأن اليدين في الإنسان بموضع الجناح للطائر، وجناح الطائر يداه؛ فكأنه قال: اخفض واخضع لهما بيديك كما أمره أن يخضع لهما بلسانه بقوله: ﴿ وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ ، أي: اخضع لهما قولاً وفعلاً.

ويحتمل أن يكون الجناح كناية عن النفس، أي: اخضع لهما بجميع النفس والجوارح، وقوله: ﴿ ٱلذُّلِّ ﴾ : يحتمل أن يكون المراد من الذل: الذل نفسه، أي: كن لهما كالمستعين المحتاج إليهما لا كالمعين لهما قاضي الحاجة، ولكن ذليلاً كالمستعين من الآخر رافع الحاجة إليه.

ويحتمل أن يكون الذلّ كناية عن الرحمة التي تكون في القلب، أي: اخضع لهما برحمة القلب والجوارح جميعاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، أي: رحماء على المؤمنين أشداء على الكافرين؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

وذكر مقابل الذل في تلك الآية - الرحمة في هذا، ومقابل العزة - الشدة؟!

فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله: جناح الذل كناية عن الرحمة؛ فيكون معناه: أن اخضع لهما بالظاهر والباطن جميعاً على ما ذكرنا في قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ ، ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: رب ارحمهما كما رحماني وربياني صغيراً.

وقول أهل التأويل: إن هذا منسوخ نسخه قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ...

﴾ الآية [التوبة: 113] - بعيد؛ وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين والكافرين؛ فالرحمة التي ذكر: تكون في الكافرين سؤال الهداية لهم وجعلهم أهلاً للرحمة والمغفرة؛ وذلك جائز كقول نوح لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، أي: استهدوا ربكم؛ فيهديكم فيغفر لكم ما كان منكم؛ إنه كان لم يزل غفاراً؛ إذ لا يحتمل أن يأمرهم بالاستغفار ويعدهم بالمغفرة على الحال التي هم عليها، وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه.

أو أن تكون من الرحمة التي يتراحم بعضهم [بعضاً، والشفقة] التي تكون بين الناس كما يتراحم الصغار والضعفاء، ثم مثل هذه المعاملة التي أمر الولد أن يعامل أبويه يلزم المؤمنين من جهة الدين ومكارم الأخلاق أن يعاملهم الناس بعضهم بعضاً، غير أن هذا فيما بين الناس ليس بفرض لازم، وذلك [فرض] لازم؛ لأنها بحق الشكر والجزاء لهما بما كان منهما إليه من البرّ والإحسان، وحق التربية والتعظيم حقهما وجليل قدرهما وخصوصيتهما، وهو كما يقال لرسوله: ﴿ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وإلا فقد وصف المؤمنين بتراحم بعضهم على بعض؛ على ما ذكر: ﴿ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، وأمرهم بذلك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ من أسرار المحبة لهما والبر والكرامة.

وقال [بعضهم]: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ ، أي: أعلم ما تفعله نفوسكم، وهو كما قال عيسى -  -: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ  ﴾ ، أي: تعلم ما تفعله نفسي، ولا أعلم ما في نفسك من التدبير والتقدير؛ فعلى ذلك هذا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ - صلةَ قوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ...

﴾ الآية، أي: ربكم أعلم بما في ضميركم: من الاستقذار إياهما، والاستثقال، والكراهة إذا بلغا المبلغ الذي ذكر، ولكن لا تظهر ذلك لهما ولا يوافق ظاهرك باطنك.

أو أن يقول: ربكم أعلم بما في نفوسكم [ولا يعلم غيره ما في نفوسكم؛ فلا تراءون الناس بما في قلوبكم]؛ ولا تصرفوا ما في ضميركم إلى من لا يعلم ذلك؛ يخاطب الكل على الابتداء ألا يجعل ما في قلبه لغيره؛ بل يخلص له، أو أن يكون قوله: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ﴾ ، أي: ما تفعله أنفسكم وتدبّرها.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ﴾ .

أي: تصيروا صالحين؛ لأن قوله: ﴿ تَكُونُواْ ﴾ إنما هو في حادث الوقت.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ .

يشبه أن يكون قوله: ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ﴾ صلة قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، و ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ أي: لم يزل غفوراً للأوابين ولمن يشاء.

ثم اختلف في الأواب: قال بعضهم: الأوّاب: الرجّاع التواب، وهو قول أبي عوسجة.

قال القتبي: الأوّاب: التائب مرة بعد مرة، وهو من: آب يئوب، أي: رجع، وهما واحد.

وقال بعضهم: الأواب: المطيع، وقيل: المسبح ونحوه.

وقال أبو عوسجة في قوله: ﴿ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ ﴾ ، أي: لِنْ لهما وارفق بهما؛ ذكر برّ اللسان للوالدين ولطفه إياهما قولاً وفعلاً، وليس في ظاهر الآية ذكر البر بالمال والإنفاق عليهما؛ فيشبه أن يكون ذلك داخلاً في قوله: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ ، أو لم يذكر ذلك؛ لما أن المال للولد مال لهما؛ ألا ترى إلى ما روي عن جابر بن عبد الله قال: "جاء رجل إلى النبي  ومعه أبوه فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً، وإن لي أباً وله مال، وإن إبي يريد أن يأخذ مالي؛ فقال النبي  : أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" أو لاَ ترى - أيضاً - أنه أضاف بيوت الولد إليهما؛ حيث قال: ﴿ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ  ﴾ ؛ قوله: ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ  ﴾ - معناه: بيوت أبنائكم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ﴾ : إنه صلاة الضحى، ويروى في ذلك خبر: روى زيد بن أرقم قال: خرج النبي  على قوم وهم يصلون الضحى؛ فقال: "صَلاَةُ الأَوَّابِينَ، إِذَا رَمَضَتِ الفِصَالُ" ، وفي خبر آخر عن أبي هريرة -  - قال: أمرني رسول الله  بثلاث: "أمرني أن أصوم ثلاثاً في كل شهر، وألا أنام إلا على وتر، وأن أصلي ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين" ، وقد يروى أحاديث كثيرة في الحث على صلاة الضحى وفعلها، وأنه صلى هو: ركعتين، وأربعاً، وستّاً، وثمانياً - ما يكثر ذكرها ويطول، ومن صلاها فإنما صلاها على سبيل التطوع، ليس على سبيل اللزوم الواجب والسّنة المؤكدة؛ لأن النبي  صلاها مرة وتركها مرة؛ فكان كصلاة الليل يدرك فاعلها الفضل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

كأن الآية هي صلة قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ ، أي: وقضى - أيضاً - أن تؤتي ذا القربى حقه ومن ذكر، أي: فرض، وحتم، وحكم؛ على اختلاف ما قالوا، وهو كقوله: ﴿ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً...

﴾ الآية [النساء: 36] أمر - عزّ وجلّ - ببر الوالدين، والشكر لهما، وصلة ذي القربى، فريضة، ومن ذكر.

ثم اختلفوا في قوله: ﴿ حَقَّهُ ﴾ : قال بعضهم: ذلك الحق فريضة، وهو الزكاة؛ حيث جعل تلك صلة ما هو فرض، وهو الشكر لله، وجعل العبادة له وشكر الوالدين؛ جزاء لما كان منهما إليه، وقد ذكرنا أن ذلك فرض لازم؛ فعلى ذلك صلة هؤلاء؛ إذ صلتهم فريضة؛ لما جاء من المواعيد الشديدة في قطع الرحم، والترغيب في صلتهم.

ومنهم من قال: ذلك الحق نفل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا  ﴾ ، فلا يحتمل ما ذكر من الإعراض عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها في الفرض، دل أنّه في النفل، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ﴾ .

قال بعضهم: التبذير والإسراف: واحد، وهو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل في الإنفاق والحقوق، والمجاوزة: عن المحق، إلى غير المحق.

روي عن ابن مسعود "أنه سئل عن التبذير؛ فقال: إنفاق المال في غير حقه" .

وكذلك قول ابن عباس،  .

وقال بعضهم: التبذير هو الإنفاق فيما لا ينتفع به.

ويحتمل ما ذكرنا أنه يترك الإنفاق على المحق وهم ذوو القربى؛ وينفق على الأجنبيين.

وقوْله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ .

أي: كانوا أولياء الشياطين.

﴿ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾ .

أي: كفوراً لنعم ربه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ﴾ .

عن الحسن قال: كان النبي  يُسأل فيقول: "ماَ لاَلِ مُحمدٍ - وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ - إِلا صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ" فأنزل الله  : ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ ، أي: عِدْهم أن سوف يأتي بالرزق.

عن ابن عباس -  - قال في قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ : إذا سألوك، وليس عندك شيء انتظرت من الله رزقاً يأتيك، ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ : يكون - إن شاء الله - شبه العِدَة.

وأمثال هذا قالوه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾ : إعراض الوجه، ويحتمل إعراض الإجابة؛ فذلك يكون بالاستثقال والاستخفاف، ولما ليس عنده شيء يعطيهم ثانياً، لكن لا نعرف أن الإعراض كان للاستثقال والاستخفاف، أو لما ليس عنده ما يعطيهم؛ فأمر أن يبين لهم أن الإعراض [عنهم] ليس للاستثقال والاستخفاف، وكذلك ترك الإجابة لهم، ولكن لما ليس عنده شيء؛ ليعلموا أنّ الأعراض عنهم ليس للاستخفاف ولا للاستثقال؛ ولكن لما ليس عنده ما يعطيهم، أو يطلب ما يعطيهم، وهو ما قال: ﴿ فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً ﴾ .

أجمع أهل التأويل أن هذا الإعراض هو السؤال؛ لأنه كان يعرض عنهم لابتغاء ما يعطيهم، فذلك الإعراض يرجع منفعته إلى السؤال.

ثم اختلفوا في قوله: ﴿ مَّيْسُوراً ﴾ : قال بعضهم: عِدْهم عِدَةً حسنة: إذا كان ذلك أعطيناك.

وقال بعضهم: أي: عدهم خيراً.

وقال بعضهم: قل لهم قولاً ليناً وسهلاً.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَّيْسُوراً ﴾ ، أي: حسناً، وهو من التيسير، ونحو ذلك قالوا، أي: اردد عليهم ردّاً حسناً؛ ليقع عندهم أن الإعراض لما ليس عنده شيء لا لوجه آخر والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ .

في الإنفاق إذا كان عندك.

﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ .

فيلومك من رجاك؛ ولكن كما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ...

﴾ الآية [الفرقان: 67] أمر الله أن ينفقوا نفقة ليس فيها سرف ولا إقتار، وهو قول ابن عباس -  - وغيره.

وقال بعضهم: لا تمسك عن النفقة فيما أمرك ربك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهاك عنه؛ فتقعد كذا.

وقال بعضهم: هذا نهي عن البخل والسّرف، فلئن كان هذا نهياً عن البخل كان قوله: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ نهياً عن الجود، ولا يحتمل أن ينهى أحد عن البخل والجود؛ لأنهما غريزتان طبعيّتان، ولا ينهى أحد عما كان سبيله الطبع والغريزة، ولكن ما ذكرنا - والله أعلم - من كف اليد وقبضها عن الإنفاق في الحق و [ذي] الحق، وبسطها في غير الحق وذي الحق.

وقال أبو بكر الأصم: دل قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ أن قول اليهود: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ : أنهم لم يريدوا حقيقة اليد، ولكن التضييق والتقتير، وكذلك لم يرد بقوله: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  ﴾ - حقيقة بسط اليد، ولكن أراد التوسيع في الرزق والتكثير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ  ﴾ .

ثم يحتمل الخطاب في هذه الآيات الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: أحدها: أنه خاطب رسوله بذلك كله، وشارك فيه قومه، وفي القرآن كثير أنه خاطب رسوله بأشياء فيشرك قومه في ذلك.

والثاني: خاطب كلاًّ في نفسه نحو ما ذكرنا في قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ ﴾ \[الانفطار 6، الانشقاق: 6\]، و ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ  ﴾ و ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ  ﴾ ونحوه من الخطابات، خاطب كل أحد في نفسه؛ إذ لا يحتمل أن يخاطب في: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ رسول الله خاصة، ولا يخاطب غيره؛ بل الخطاب به كل الناس وكل إنسان.

والثالث: خاطب رسوله على إرادة غيره على سبيل الخصوصية له، نحو ما يخاطب ملوك الأرض خواصهم وأعقلهم من رعيتهم؛ على إرادة ذلك الخطاب غير المخاطبين؛ فعلى ذلك يحتمل هذا، أو أن يكون خاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ ﴾ غيره ممّن يمسك، ويخاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ رسول الله؛ لأن رسول الله  لا يحتمل أن يكون ما ذكر، وقد يحتمل البسط؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مَلُوماً ﴾ : عند نفسك وعند الناس، تلوم نفسك بأنك: لم أنفقت؟!

وعند الناس: لمَّا لَمْ تجد ما تنفق عليهم؛ وعند الله - أيضاً - إذا أنفقت في غير حق.

﴿ مَّحْسُوراً ﴾ : قال القتبي: أي: تحسرك العطية وتقطعك، كما يحسر السفرُ البعيرَ فيبقى منقطعاً: وقال أبو عوسجة: هو من الحسرة، وهي الندامة، يقال: حسر الرجل فهو محسور، وقال: التبذير: الفساد، و ﴿ مَلُوماً ﴾ ، أي: ملوماً محزوناً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ .

أي: هو يوسع الرزق على من يوسع، وهو يقتّر ويضيّق على من يضيق ويقتر، أي: ذلك إلى الله لا إلى الخلق؛ ليقطعوا الرجاء من الخلق، ويروا ذلك من الله لا يرون من غيره.

والثاني: ذكر هذا؛ ليدوم الفضل لمن ذكر الفضل، ويتبين لهم حيث قال: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً  ﴾ .

ومن الناس من قال بأن قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ صلة قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ ﴾ ، يقول - والله أعلم - إنك إن منعته وحرمته، وكان في تقدير الله التوسيع عليه والبسط - لم يضره منعك ولا حرمانك، ولو وسعت عليه وبسطت، وكان في تقديره التضييق والتقتير لم ينفعه بسطك ولا توسيعك؛ ليعلموا أن التوسيع والبسط، والتضييق والمنع من الله، أو ذكر ليقطعوا الرجاء من الخلق ويطمعوا في رحمته وفضله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾ .

أي: عالماً بأعمالهم، بصيراً بمصالحهم وما لهم وما عليهم، أو أن يكون الخبير والبصير واحداً، أو ذكر هذا؛ ليعلم أنه على علم بما يكون - منهم أنشأهم -: من الخلاف لأمره والردّ والتكذيب لرسله، ولم يخرج فعله وإنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم عن الحكمة؛ لأنه لا منفعة له في طاعتهم إياه وائتمارهم، ولا مضرة ولا منفعة في خلافهم إياه؛ بل المضرة والمنفعة في ذلك راجعة إليهم؛ لذلك كان إنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم حكمة، ومن ملوك الأرض سفهاء وجهلاء؛ لأن ما يرسلون من الرسل، ويعملون من الأعمال، ويسعون لمنافع أنفسهم، ولدفع مضارّهم؛ فإذا فعلوا شيئاً يضرهم - على علم منهم بالضرر - كان ذلك سفها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ربكم -أيها الناس- أعلم بما في ضمائركم من الإخلاص له في العبادة وأعمال الخير، والبر بالوالدين، فإن كانت نياتكم في عبادتكم ومعاملتكم لوالديكم وغيرهما صالحة فإنه سبحانه كان للرجَّاعين إليه بالتوبة غفورًا، فمن تاب من تقصيره السابق في طاعته لربه أو لوالديه غفر الله له.

<div class="verse-tafsir" id="91.RVreA"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده