الآية ٣٣ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٣٣ من سورة الإسراء

وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًۭا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَـٰنًۭا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًۭا ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 139 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعي كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والزاني المحصن والتارك لدينه المفارق للجماعة " وفي السنن لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم " .

وقوله : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) أي سلطة على القاتل فإنه بالخيار فيه إن شاء قتله قودا وإن شاء عفا عنه على الدية وإن شاء عفا عنه مجانا كما ثبتت السنة بذلك وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السلطنة وأنه سيملك لأنه كان ولي عثمان وقد قتل عثمان مظلوما رضي الله عنه وكان معاوية يطالب عليا رضي الله عنه أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم لأنه أموي وكان علي رضي الله عنه يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه كما تفاءل ابن عباس واستنبط من هذه الآية الكريمة وهذا من الأمر العجب وقد روى ذلك الطبراني في معجمه حيث قال حدثنا يحيى بن عبد الباقي حدثنا أبو عمير بن النحاس حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن زهدم الجرمي قال كنا في سمر ابن عباس فقال إني محدثكم حديثا ليس بسر ولا علانية إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان يعني عثمان قلت لعلي : اعتزل فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج فعصاني وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية وذلك أن الله تعالى يقول ) ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ) الآية ، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم وليقيمن عليكم النصارى واليهود والمجوس فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا ومن ترك وأنتم تاركون كنتم كقرن من القرون هلك فيمن هلك .

وقوله تعالى ] ( فلا يسرف في القتل ) قالوا معناه فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل وقوله ( إنه كان منصورا ) أي أن الولي منصور على القاتل شرعا وغالبا قدرا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول جلّ ثناؤه: وقضى أيضا أن (لا تَقْتُلُوا) أيها الناس (النَّفْسَ التي حَرَّمَ الله) قتلها(إلا بالحَقّ) وحقها أن لا تقتل إلا بكفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قود نفس، وإن كانت كافرة لم يتقدّم كفرها إسلام، فأن لا يكون تقدم قتلها لها عهد وأمان.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ) وإنا والله ما نعلم بحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، إلا رجلا قتل متعمدا، فعليه القَوَد، أو زَنى بعد إحصانه فعليه الرجم؛ أو كفر بعد إسلامه فعليه القتل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهريّ، عن عُروة أو غيره، قال: قيل لأبي بكر: أتقتل من يرى أن لا يؤدي الزكاة، قال: لو منعوني شيئا مما أقروا به لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم فقيل لأبي بكر : أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتى يَقُولُوا: لا إِلَه إِلا الله، فإذَا قالُوها عَصَمُوا مِنّي دِماءهُمْ وأمْوالهُم إِلا بِحَقِّها، وحِسابُهُمْ عَلى الله " فقال أبو بكر: هذا من حقها.

حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا عمرو بن هاشم، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يقُولُوا لا إِلَه إِلا الله، فإذَا قالُوها عَصَمُوا مِنِّى دِماءهُمْ وأمْوالهُمْ إِلا بِحَقِّها وحِسابهُمْ عَلى الله؛ قيل: وما حقها؟

قال: زِنًا بَعْد إحْصانٍ، و كُفْرٌ بَعْد إيمَانٍ، وقَتْلُ نَفْسٍ فَيُقْتَلُ بِها ".

وقوله ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا ) يقول: ومن قتل بغير المعاني التي ذكرنا أنه إذا قتل بها كان قتلا بحقّ( فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) يقول: فقد جعلنا لوليّ المقتول ظلما سلطانا على قاتل وليه، فإن شاء استقاد منه فقتله بوليه، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى السلطان الذي جُعل لوليّ المقتول، فقال بعضهم في ذلك، نحو الذي قُلنا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) قال: بيِّنة من الله عزّ وجلّ أنـزلها يطلبها وليّ المقتول، العَقْل، أو القَوَد، وذلك السلطان.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن جُويبر، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله ( فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) قال: إن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية.

وقال آخرون: بل ذلك السلطان: هو القتل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) وهو القَوَد الذي جعله الله تعالى.

وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من تأول ذلك: أن السلطان الذي ذكر الله تعالى في هذا الموضع ما قاله ابن عباس، من أن لوليّ القتيل القتل إن شاء وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء العفو، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة: " ألا ومَنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ فَهُو بِخَيْرِ النَّظَريْنِ بين أنْ يَقْتُل أوْ يأْخُذ الدّيَة ".

قد بيَّنت الحكم في ذلك في كتابنا: كتاب الجِراح.

وقوله ( فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفة (فَلا تُسْرِفْ) بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد به هو والأئمة من بعده، يقول: فلا تقتل بالمقتول ظُلْما غير قاتله، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك إذا قتل رجل رجلا عمد وليّ القتيل إلى الشريف من قبيلة القاتل، فقتله بوليه، وترك القاتل، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك عباده، وقال لرسوله عليه الصلاة والسلام: قتل غير القاتل بالمقتول معصية وسرف، فلا تقتل به غير قاتله، وإن قتلت القاتل بالمقتول فلا تمثِّل به.

وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة (فَلا يُسْرفْ) بالياء، بمعنى فلا يسرف وليّ المقتول، فيقتل غير قاتل وليه.

وقد قيل: عنى به: فلا يسرف القاتل الأول لا ولي المقتول.

والصواب من القول في ذلك عندي، أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وذلك أن خطاب الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر أو نهي في أحكام الدين، قضاء منه بذلك على جميع عباده، وكذلك أمره ونهيه بعضهم، أمر منه ونهى جميعهم، إلا فيما دلّ فيه على أنه مخصوص به بعض دون بعض، فإن كان ذلك كذلك بما قد بيَّنا في كتابنا [كتاب البيان، عن أصول الأحكام] فمعلوم أن خطابه تعالى بقوله (فَلا تُسْرِف في القَتْلِ) نبيه صلى الله عليه وسلم، وإن كان موجَها إليه أنه معنيّ به جميع عباده، فكذلك نهيه وليّ المقتول أو القاتل عن الإسراف في القتل، والتعدّي فيه نهي لجميعهم، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك نحو اختلاف القرّاء في قراءتهم إياه.

* ذكر من تأوّل ذلك: بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن منصور، عن طلق بن حبيب ، في قوله (فَلا تُسْرِفْ في القَتْلِ) قال لا تقتل غير قاتله، ولا تمثِّل به.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير.

عن منصور، عن طلق بن حبيب، بنحوه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، في قوله (فَلا تُسْرِفْ في القَتْلِ) قال: لا تقتل اثنين بواحد.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ) كان هذا بمكة، ونبيّ الله صلى الله عليه وسلم بها، وهو أوّل شيء نـزل من القرآن في شأن القتل، كان المشركون يغتالون أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال الله تبارك وتعالى: من قتلكم من المشركين، فلا يحملنَّكم قتله إياكم على أن تقتلوا له أبا أو أخا أو أحدا من عشيرته، وإن كانوا مشركين، فلا تقتلوا إلا قاتلكم؛ وهذا قبل أن تنـزل براءة، وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين، فذلك قوله (فَلا تُسْرِفْ فِي القَتْلِ) يقول: لا تقتل غير قاتلك، وهي اليوم على ذلك الموضع من المسلمين، لا يحلّ لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم.

* ذكر من قال: عُنِي به وليّ المقتول حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أبو رجاء، عن الحسن، في قوله ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) قال: كان الرجل يُقتل فيقول وليه: لا أرضى حتى أقتل به فلانا وفلانا من أشراف قبيلته.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (فَلا تُسْرِفْ في القَتْلِ) قال: لا تقتل غير قاتلك، ولا تمثِّل به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ) قال: لا يقتل غير قاتله؛ من قَتَل بحديدة قُتل بحديدة؛ ومن قَتَل بخشبة قُتِل بخشبة؛ ومن قَتل بحجر قُتل بحجر.

ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إِنَّ مِنْ أعْتَى النَّاسِ على الله جَلَّ ثَناؤُهُ ثَلاثَةً رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، أوْ قَتَلَ بدَخَنٍ في الجاهِلِيَّة، أو قَتَل فِي حَرَمِ الله ".

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: سمعته، يعني ابن زيد، يقول في قول الله جلّ ثناؤه ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) قال: إن العرب كانت إذا قُتل منهم قتيل، لم يرضوا أن يقتلوا قاتل صاحبهم، حتى يقتلوا أشرف من الذي قتله، فقال الله جلّ ثناؤه ( فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ) ينصره وينتصف من حقه ( فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) يقتل بريئا.

* ذكر من قال عُنِي به القاتل حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد ( فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ) قال: لا يسرف القاتل في القتل.

وقد ذكرنا الصواب من القراءة في ذلك عندنا، وإذا كان كلا وجهي القراءة عندنا صوابا، فكذلك جميع أوجه تأويله التي ذكرناها غير خارج وجه منها من الصواب، لاحتمال الكلام ذلك، وإن في نهي الله جلّ ثناؤه بعض خلقه عن الإسراف في القتل، نهى منه جميعَهم عنه.

وأما قوله (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عُنِي بالهاء التي في قوله (إِنَّهُ) وعلى ما هي عائدة، فقال بعضهم: هي عائدة على وليّ المقتول، وهو المعنيّ بها، وهو المنصور على القاتل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) قال: هو دفع الإمام إليه، يعني إلى الوليّ، فإن شاء قتل، وإن شاء عفا.

وقال آخرون: بل عُنِي بها المقتول، فعلى هذا القول هي عائدة على " مَن " في قوله ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوما).

* ذكر مَن قال ذلك: حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) إن المقتول كان منصورا.

وقال آخرون: عُنِي بها دم المقتول، وقالوا: معنى الكلام: إن دم القتيل كان منصورا على القاتل.

وأشبه ذلك بالصواب عندي، قول من قال: عُنِي بها الوليّ، وعليه عادت، لأنه هو المظلوم، ووليه المقتول، وهي إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول، وهو المنصور أيضا، لأن الله جلّ ثناؤه قضى في كتابه المنـزل، أنه سلَّطه على قاتل وليه، وحكَّمه فيه، بأن جعل إليه قتله إن شاء، واستبقاءه على الدية إن أحبّ، والعفو عنه إن رأى، وكفى بذلك نُصرة له من الله جلّ ثناؤه، فلذلك قلنا: هو المعنيّ بالهاء التي في قوله (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراقوله تعالى : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق قد مضى الكلام فيه في الأنعام .قوله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورافيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومن قتل مظلوما أي بغير سبب يوجب القتل .فقد جعلنا لوليه أي لمستحق دمه .

قال ابن خويز منداد : الولي يجب أن يكون ذكرا ; لأنه أفرده بالولاية بلفظ التذكير .

وذكر إسماعيل بن إسحاق في قوله - تعالى - : فقد جعلنا لوليه ما يدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي ، فلا جرم ، ليس للنساء حق في القصاص لذلك ولا أثر لعفوها ، وليس لها الاستيفاء .

وقال المخالف : إن المراد هاهنا بالولي الوارث ; وقد قال - تعالى - : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ، وقال : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء ، وقال : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة ; وأما ما ذكروه من أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد ، كأن ما كان بمعنى الجنس يستوي المذكر والمؤنث فيه ، وتتمته في كتب الخلاف .سلطانا أي تسليطا إن شاء قتل وإن شاء عفا ، وإن شاء أخذ الدية ; قاله ابن عباس - رضي الله - تعالى - عنهما - والضحاك وأشهب والشافعي .

وقال ابن وهب قال مالك : السلطان أمر الله .

ابن عباس : السلطان الحجة .

وقيل : السلطان طلبه حتى يدفع إليه .

قال ابن [ ص: 230 ] العربي : وهذه الأقوال متقاربة ، وأوضحها قول مالك : إنه أمر الله .

ثم إن أمر الله - عز وجل - لم يقع نصا فاختلف العلماء فيه ; فقال ابن القاسم عن مالك وأبي حنيفة : القتل خاصة .

وقال أشهب : الخيرة ; كما ذكرنا آنفا ، وبه قال الشافعي .

وقد مضى في سورة [ البقرة ] هذا المعنى .الثانية : قوله تعالى : فلا يسرف في القتل فيه ثلاثة أقوال : لا يقتل غير قاتله ; قاله الحسن والضحاك ومجاهد وسعيد بن جبير .

الثاني : لا يقتل بدل وليه اثنين كما كانت العرب تفعله .

الثالث : لا يمثل بالقاتل ; قاله طلق بن حبيب ، وكله مراد لأنه إسراف منهي عنه .

وقد مضى في [ البقرة ] القول في هذا مستوفى .

وقرأ الجمهور يسرف بالياء ، يريد الولي ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " تسرف " بالتاء من فوق ، وهي قراءة حذيفة .

وروى العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد قال : هو للقاتل الأول ، والمعنى عندنا فلا تسرف أيها القاتل .

وقال الطبري : هو على معنى الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والأئمة من بعده .

أي لا تقتلوا غير القاتل .

وفي حرفأبي " فلا تسرفوا في القتل " .الثالثة : إنه كان منصورا أي معانا ، يعني الولي .

فإن قيل : وكم من ولي مخذول لا يصل إلى حقه .

قلنا : المعونة تكون بظهور الحجة تارة وباستيفائها أخرى ، وبمجموعهما ثالثة ، فأيها كان فهو نصر من الله - سبحانه وتعالى - .

وروى ابن كثير عن مجاهد قال : إن المقتول كان منصورا .

النحاس : ومعنى قوله إن الله نصره بوليه .

وروي أنه في قراءة أبي " فلا تسرفوا في القتل إن ولي المقتول كان منصورا " .

قال النحاس : الأبين بالياء ويكون للولي ; لأنه إنما يقال : لا يسرف إن كان له أن يقتل ، فهذا للولي .

وقد يجوز بالتاء ويكون للولي أيضا ، إلا أنه يحتاج فيه إلى تحويل المخاطبة .

قال الضحاك : هذا أول ما نزل من القرآن في شأن القتل ، وهي مكية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا شامل لكل نفس { حَرَّمَ اللَّهُ } قتلها من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد ومسلم وكافر له عهد.

{ إِلَّا بِالْحَقِّ } كالنفس بالنفس والزاني المحصن والتارك لدينه المفارق للجماعة والباغي في حال بغيه إذا لم يندفع إلا بالقتل.

{ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا } أي: بغير حق { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ } وهو أقرب عصباته وورثته إليه { سُلْطَانًا } أي: حجة ظاهرة على القصاص من القاتل، وجعلنا له أيضا تسلطا قدريا على ذلك، وذلك حين تجتمع الشروط الموجبة للقصاص كالعمد العدوان والمكافأة.

{ فَلَا يُسْرِفْ } الولي { فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } والإسراف مجاوزة الحد إما أن يمثل بالقاتل أو يقتله بغير ما قتل به أو يقتل غير القاتل.

وفي هذه الآية دليل إلى أن الحق في القتل للولي فلا يقتص إلا بإذنه وإن عفا سقط القصاص.

وأن ولي المقتول يعينه الله على القاتل ومن أعانه حتى يتمكن من قتله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) وحقها ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها " .

( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ( أي : قوة وولاية على القاتل بالقتل قاله مجاهد وقال الضحاك : سلطانه هو أنه يتخير فإن شاء استقاد منه وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا .

( فلا يسرف في القتل ( قرأ حمزة والكسائي : " فلا تسرف " بالتاء يخاطب ولي القتيل وقرأ الآخرون بالياء على الغائب أي : لا يسرف الولي في القتل .

واختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه فقال ابن عباس ، وأكثر المفسرين : معناه لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتلوا أشرف منه .

وقال سعيد بن جبير : إذا كان القاتل واحدا فلا يقتل جماعة بدل واحد وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفا لا يرضون بقتل القاتل [ وحده ] حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه .

وقال قتادة : معناه لا يمثل بالقاتل .

( إنه كان منصورا ( فالهاء راجعة إلى المقتول في قوله : ( ومن قتل مظلوما ( يعني : إن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله هذا قول مجاهد .

وقال قتادة : الهاء راجعة إلى ولي المقتول معناه : أنه منصور على القاتل باستيفاء القصاص منه أو الدية .

وقيل في قوله : ( فلا يسرف في القتل ( إنه أراد به القاتل المعتدي يقول : لا يتعدى بالقتل بغير الحق فإنه إن فعل ذلك فولي المقتول منصور من قبلي عليه باستيفاء القصاص منه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه» لوارثه «سلطانا» تسلطا على القاتل «فلا يسرف» يتجاوز الحد «في القتل» بأن يقتل غير قاتله أو بغير ما قتل به «إنه كان منصورا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قَتْلها إلا بالحق الشرعي كالقصاص أو رجم الزاني المحصن أو قتل المرتد.

ومن قُتِل بغير حق شرعي فقد جعلنا لولي أمره مِن وارث أو حاكم حجة في طلب قَتْل قاتله أو الدية، ولا يصح لولي أمر المقتول أن يجاوز حدَّ الله في القصاص كأن يقتل بالواحد اثنين أو جماعة، أو يُمَثِّل بالقاتل، إن الله معين وليَّ المقتول على القاتل حتى يتمكن مِن قَتْله قصاصًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ .

.

.

) وقوله - تعالى - : ( وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق .

.

) .فهذه وإن كانت فواحش ، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية ، يميل إليها الإِنسان بشهوته .

بل هى فى نظر العقل على المقابل من ذلك ، يجد الإِنسان فى نفسه مرارة ارتكابها ، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها ، أو فى حكم الكاره .

.

.وقوله : ( إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً ) تعليل للنهى عن الاقتراب منه ، أى : ابتعدوا عن مقدمات الزنا فضلا عن الوقوع فيه ذاته ، لأنه كان - وما زال - فى شرع الله ، وفى نظر كل عقل سليم فعلة فاحشة ظاهرة القبح وبئس الطريق طريقه ، فإنها طريق تؤدى إلى غضب الله - تعالى - وسخطه .ومما لا شك فيه أن فاحشة الزنا من أقبح الفواحش التى تؤدى إلى شيوع الفساد والأمراض الخبيثة فى الأفراد والمجتمعات ، وما وجدت فى أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا .ولقد تحدث الإِمام الرازى عن تلك المفاسد التى تترتب على الزنا فقال ما ملخصه :الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد ، أولها : اختلاط الأنساب واشتباهها ، فلا يعرف الإِنسان أن الولد الذى أتت به الزانية ، أهو منه أو من غيره .

.

.وثانيا : أنه إذا لم يوجد سبب شرعى لأجله يكون هذا الرجل لتلك المرأة ، لم يبق فى حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل .وثالثها : أن المرأة إذا باشرت الزنا ، استقذرها كل طبع سليم ، وحينئذ لا تحل الألفة والمحبة ، ولا يتم السكن والازدواج .

.ورابعها : أنه إذا فتح باب الزنا ، فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة وحينئذ لا يبقى بين نوع الإِنسان ، وبين سائر البهائم فرق فى هذا الباب .وخامسها : أنه ليس المقصود من المرأة قضاء الشهوة ، بل أن تصير شريكة للرجل فى ترتيب المنزل وإعداد مهماته .

.

وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد ، منقطعة الطمع عن سائر الرجال ، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا ..

.

فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضى على الزنا بالقبح .ولقد سد الإِسلام جميع المنافذ التى تؤدى إلى ارتكاب هذه الفاحشة ، وسلك لذلك وسائل من أهمها :1- تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية ، ومنع الاختلاط بين الرجال والنساء إلا فى حدود الضرورة الشرعية ، ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ، ما رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذى محرم " ." وروى الشيخان - أيضا - عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والدخول على النساء " .

فقال رجل من الأنصار : أفرأيت الحمو - بفتح الحاء وسكون الميم - وهو قريب الزوج كأخيه وابن عمه فقال صلى الله عليه وسلم : " الحمو الموت " " أى : دخوله قد يؤدى إلى الموت .2- تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية .

ووجوب غض البصر .قال - تعالى - : ( قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ .

.

) وقال - سبحانه - : ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ .

.

) وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة : العينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام .

.

.

والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه " .3- وجوب التستر والاحتشام للمرأة؛ فإن التبرج والسفور يغرى الرجال بالنساء ، ويحرك الغريزة الجنسية بينهما .قال - تعالى - : ( ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ .

.

) 4- الحض على الزواج ، وتيسير وسائله ، والبعد عن التغالى فى نفقاته ، وتخفيف مؤنه وتكاليفه .

.

فإن الزواج من شأنه أن يحصن الإِنسان ، ويجعله يقضى شهوته فى الحلال .

.فإذا لم يستطع الشاب الزواج ، فعليه بالصوم فإنه له وقاية - كما جاء فى الحديث الشريف - .5- إقامة حدود الله بحزم وشدة على الزناة سواء أكانوا من الرجال أم من النساء ، كما قال - تعالى - : ( الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين ) وهذا الجلد إنما هو بالنسبة للبكر ذكرا كان أو أنثى ، أما بالنسبة للمحصن وهو المتزوج أو الذى سبق له الزواج ، فعقوبته الرجم ذكرا كان أو أنثى ، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة ." ففى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى زان لم يتزوج وزانية متزوجة ، بقوله لوالد الرجل : " على ابنك مائة جلدة وتغريب عام " ثم قال صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه واسمه أنيس : " اغد يا أنيس إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها " فغدا عليها فاعترفت فرجمها " .ومما لا شك أنه لو تم تنفيذ حدود الله - تعالى - على الزناة ، لمحقت هذه الفاحشة محقا ، لأن الشخص إن لم يتركها خوفا من ربه - عز وجل - لتركها خوفا من تلك العقوبة الرادعة ، ومن فضيحته على رءوس الأشهاد .هذه بعض وسائل الوقاية من تلك الفاحشة القبيحة ، ولو اتبعها المسلمون ، لطهرت أمتهم من رجسها ، ولحفظت فى دينها ودنياها .ثم نهى - سبحانه - عن قتل النفس المعصومة الدم ، بعد نهيه عن قتل الأولاد ، وعن الاقتراب من فاحشة الزنا فقال - تعالى - : ( وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ) .أى : ولا تقتلوا النفس التى حرم الله قتلها ، إلا بالحق الذى يبيح قتلها شرعا ، كردة ، أو قصاص ، أو زنا يوجب الرجم .قال الإِمام ابن كثير : يقول - تعالى - ناهيا عن قتل النفس بغير حق شرعى ، كما ثبت فى الصحيحين - عن عبد الله بن مسعود - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والزانى المحصن ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " .وفى السنن : " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم " .وقوله : ( إلا بالحق ) متعلق بلا تقتلوا ، والباء للسببية ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أى : لا تقتلوها فى حال من الأحوال ، إلا فى حال ارتكابها لما يوجب قتلها .وذلك : لأن الإِسلام ينظر إلى وجود الإِنسان على أنه بناء بناه الله - تعالى - فلا يحل لأحد أن يهدمه إلا بحق .وبهذا يقرر الإِسلام عصمة الدم الإِنسانى ، ويعتبر من يعتدى على نفس واحدة ، فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا .

قال - تعالى - : ( مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً .

.

) وقوله - سبحانه - : ( وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ) إرشاد لولى المقتول إلى سلوك طريق العدل عند المطالبة بحقه .والمراد بوليه : من يلى أمر المقتول ، كأبيه وابنه وأخيه وغيرهم من أقاربه الذين لهم الحق فى المطالبة بدمه .

فإن لم يكن للمقتول ولى ، فالحاكم وليه .والمراد بالسلطان : القوة التى منحتها شريعة الله - تعالى - لولى المقتول على القاتل ، حيث جعلت من حق هذا الولى المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو أخذ الدية منه ، أو العفو عنه ، ولا يستطيع أحد أن ينازعه فى هذا الحق ، أو أن يجبره على التنازل عنه .والمعنى : ومن قتل مظلوما ، أى : بدون سبب يوجب قتله ، فإن دمه لم يذهب هدرا ، فقد شرعنا ( لوليه سلطانا ) على القاتل ، لأنه - أى الولى - إن شاء طالب بالقصاص منه ، وإن شاء أخذ الدية ، وإن شاء عفا عنه .

وبذلك يصير الولى هو صاحب الكلمة الأولى فى التصرف فى القاتل ، حتى لكأنه مملوك له .وما دامت شريعة الله - تعالى - قد أعطت الولى هذا السلطان على القاتل ، فعليه أن لا يسرف فى القتل ، وأن لا يتجاوز ما شرعه الله - تعالى - .ومن مظاهر هذا التجاوز : أن يقتل اثنين - مثلا - فى مقابل قتيل واحد أو أن يقتل غير القاتل ، أو أن يمثل بالقاتل بعد قتله .قال الآلوسى ما ملخصه : كان من عادتهم فى الجاهلية ، أنهم إذا قتل منهم واحدا ، قتلوا قاتله ، وقتلوا معه غيره .

.

.وأخرج البيهقى فى سننه عن زيد بن أسلم أنه قال : إن الناس فى الجاهلية كانوا إذا قتل من ليس شريفا شريفا ، لم يقتلوه به ، وقتلوا شريفا من قومه ، فنهوا عن ذلك ، كما نهوا عن المثلة بالقاتل .وقرأ حمزة والكسائى : ( فلا تسرف ) بالخطاب للولى على سبيل الالتفات .وقوله : ( إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ) تذييل المقصود به تعليل النهى عن الإِسراف فى القتل .

والضمير يعود إلى الولى - أيضا - .أى : فلا يسرف هذا الولى فى القتل ، لأن الله - تعالى - قد نصره عن طريق ما شرعه له من سلطان عظيم ، من مظاهره : المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو بأخذ الدية ، ومن مظاهره - أيضا - وقوف الحاكم وغيره إلى جانبه حتى يستوفى حقه من القاتل ، دون أن ينازعه منازع فى هذا الحق .ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله ( إنه ) يعود إلى المقتول ظلما ، على معنى : أن الله - تعالى - قد نصره فى الدنيا بمشروعية القصاص والدية حتى لا يضيع دمه ، ونصره فى الآخرة بالثواب الذى يستحقه ، وما دام الأمر كذلك فعلى وليه أن لا يسرف فى القتل .ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب .

لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة .قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأشبه ذلك بالصواب عندى ، قول من قال : عنى بها - أى بالهاء فى إنه - الولى ، وعليه عادت ، لأنه هو المظلوم ووليه المقتول ، وهى إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول ، وهو المنصور - أيضا - لأن الله - جل ثناؤه - قضى فى كتابه المنزل ، أن سلطه على قاتل وليه ، وحكمه فيه ، بأن جعل إليه قتله إن شاء ، واستبقاءه على الدية إن أحب ، والعفو عنه إن رأى .

وكفى بذلك نصرة له من الله - تعالى - ، فلذلك هو المعنى بالهاء التى فى قوله ( إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ) .والمتأمل فى هذه الآية الكريمة التى هى أول آية نزلت فى شأن القتل كما قال الضحاك : يراها قد عالجت هذه الجريمة علاجا حكيما .فهى أولا : تنهى عن القتل ، لأنه من أكبر الكبائر التى تؤدى إلى غضب الله - تعالى - وسخطه ، قال - تعالى - : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) .وجاء النهى عنه فى بعض الآيات بعد النهى عن الإِشراك بالله - عز وجل - .

قال - سبحانه - : ( والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق .

.

) كما جاء النهى عنه فى كثير من الأحاديث النبوية ، ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء " .وفى حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : " الآدمى بنيان الرب ، ملعون من هدم بنيان الرب " .وفى حديث ثالث : " لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم ، لأكبهم الله فى النار " .وهذا النهى الشديد عن قتل النفس من أسبابه ، أنه يؤدى إلى شيوع الغل والبغض والتقاتل .

.

.

بين الأفراد والجماعات؛ إذ النفس البشرية فى كل زمان ومكان ، يؤلمها ، ويثير غضبها وانتقامها ، أن ترى قاتل عزيز لديها يمشى على الأرض .

.وهى ثانيا : تسوق لولى المقتول من التوجيهات الحكيمة ، ما يهدئ نفسه ، ويقلل من غضبه ، ويطفئ من نار ثورته المشتعلة .وقد أجاد صاحب الظلال - رحمه الله - فى توضيح هذا المعنى فقال :" وفى تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل ، وتجنيد سلطان الشرع وتجنيد الحاكم لنصرته ، تلبية للفطرة البشرية ، وتهدئة للغليان الذى تستشعره نفس الولى ، الغليان الذى قد يجرفه ويدفعه غلى الضرب يمينا وشمالا ، فى حمى الغضب والانفعال على غير هدى .

فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل .

وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص ، فإن ثائرته تهدأ ، ونفسه تسكن ، ويقف عند حد القصاص العادل الهادئ " .والإِنسان إنسان ، فلا يطالب بغير ما ركب فى فطرته من الرغبة العميقة فى القصاص .

لذلك يعترف الإِسلام بهذه الفطرة ويلبيها فى الحدود المأمونة ، ولا يتجاهلها فيفرض التسامح فرضا .

إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره ، ويحبب فيه ، ويأجر عليه ، ولكن بعد أن يعطى الحق .

فلولى الدم أن يقتص أو يصفح .وشعور ولى الدم بأنه قادر على كليهما ، قد يجنح به إلى الصفح والتسامح ، أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ، ويدفع به إلى الغلو والجموح .هذا ، والذى نعتقده وندين الله - تعالى - عليه ، أنه لا علاج لجريمة القتل - وغيرها - إلا بتطبيق شريعة الله - تعالى - التى جمعت بين الرحمة والعدل .وبالرحمة والعدل : تتلاقى القلوب بعد التفرق ، وتلتئم بعد التصدع ، وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا هو النوع الثاني مما نهى الله عنه في هذه الآية، وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن أكبر الكبائر بعد الكفر بالله القتل، فما السبب في أن الله تعالى بدأ أولاً بذكر النهي عن الزنا وثانياً بذكر النهي عن القتل.

وجوابه: أنا بينا أن فتح باب الزنا يمنع من دخول الإنسان في الوجود، والقتل عبارة عن إبطال الإنسان بعد دخوله في الوجود.

ودخوله في الوجود مقدم على إبطاله وإعدامه بعد وجوده، فلهذا السبب ذكر الله تعالى الزنا أولاً ثم ذكر القتل ثانياً.

المسألة الثانية: اعلم أن الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة، والحل إنما يثبت بسبب عارضي، فلما كان الأمر كذلك لا جرم نهى الله عن القتل مطلقاً بناء على حكم الأصل، ثم استثنى عنه الحالة التي يحصل فيها حل القتل وهو عند حصول الأسباب العرضية فقال: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ فنفتقر هاهنا إلى بيان أن الأصل في القتل التحريم، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن القتل ضرر والأصل في المضار الحرمة لقوله: ﴿ مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ  ﴾ ﴿ ولا يريد بكم العسر  ﴾ ولا ضرر ولا ضرار.

الثاني: قوله عليه السلام: «الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب».

الثالث: أن الآدمي خلق للاشتغال بالعبادة لقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ولقوله عليه السلام: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً».

والاشتغال بالعبادة لا يتم إلا عند عدم القتل.

الرابع: أن القتل إفساد فوجب أن يحرم لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ  ﴾ .

الخامس: أنه إذا تعارض دليل تحريم القتل ودليل إباحته فقد أجمعوا على أن جانب الحرمة راجح، ولولا أن مقتضى الأصل هو التحريم وإلا لكان ذلك ترجيحاً لا لمرجح وهو محال.

السادس: أنا إذا لم نعرف في الإنسان صفة من الصفات إلا مجرد كونه إنساناً عاقلاً حكمنا فيه بتحريم قتله، وما لم نعرف شيئاً زائداً على كونه إنساناً لم نحكم فيه بحل دمه، ولولا أن أصل الإنسانية يقتضي حرمة القتل، وإلا لما كان كذلك فثبت بهذه الوجوه أن الأصل في القتل هو التحريم.

وأن حله لا يثبت إلا بأسباب عرضية.

وإذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكم بأن الأصل في القتل هو التحريم فقال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ فقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ﴾ نهي وتحريم، وقوله: ﴿ حَرَّمَ الله ﴾ إعادة لذكر التحريم على سبيل التأكيد، ثم استثنى عنه الأسباب العرضية الاتفاقية فقال: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ ثم هاهنا طريقان: الطريق الأول: أن مجرد قوله: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ مجمل لأنه ليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو وكيف هو؟

ثم إنه تعالى قال: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ أي في استيفاء القصاص من القاتل، وهذا الكلام يصلح جعله بياناً لذلك المجمل، وتقريره كأنه تعالى قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ وذلك الحق هو أن من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً في استيفاء القصاص.

وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الحق هذه الصورة فقط، فصار تقدير الآية: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا عند القصاص، وعلى هذا التقدير فتكون الآية نصاً صريحاً في تحريم القتل إلا بهذا السبب الواحد، فوجب أن يبقى على الحرمة فيما سوى هذه الصورة الواحدة.

والطريق الثاني: أن نقول: دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد أمور ثلاثة: وهو قوله عليه السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق».

واعلم أن هذا الخبر من باب الآحاد.

فإن قلنا: إن قوله: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ تفسير لقوله: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ كانت الآية صريحة في أنه لا يحل القتل إلا بهذا السبب الواحد، فحينئذ يصير هذا الخبر مخصصاً لهذه الآية ويصير ذلك فرعاً لقولنا: إنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وأما إن قلنا: إن قوله: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ ليس تفسيراً لقوله: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ فحينئذ يصير هذا الخبر مفسراً للحق المذكور في الآية، وعلى هذا التقدير لا يصير هذا فرعاً على مسألة جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

فلتكن هذه الدقيقة معلومة، والله أعلم.

المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية أنه لا سبب لحل القتل إلا قتل المظلوم، وظاهر الخبر يقتضي ضم شيئين آخرين إليه: وهو الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، ودلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ  ﴾ ودلت آية أخرى على حصول سبب خامس وهو الكفر.

قال تعالى: ﴿ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر  ﴾ وقال: ﴿ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ والفقهاء تكلموا واختلفوا في أشياء أخرى فمنها: أن تارك الصلاة هل يقتل أم لا؟

فعند الشافعي رحمه الله يقتل، وعن أبي حنيفة رحمه الله لا يقتل.

وثانيها: أن فعل اللواط هل يوجب القتل؟

فعند الشافعي يوجب، وعند أبي حنيفة لا يوجب.

وثالثها: أن الساحر إذا قال: قتلت بسحري فلاناً فعند الشافعي يوجب القتل، وعند أبي حنيفة لا يوجب.

ورابعها: أن القتل بالمثقل هل يوجب القصاص؟

فعند الشافعي يوجب.

وعند أبي حنيفة لا يوجب.

وخامسها: أن الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل أم لا؟

اختلفوا فيه في زمان أبي بكر.

وسادسها: أن إتيان البهيمة هل يوجب القتل، فعند أكثر الفقهاء لا يوجب، وعند قوم يوجب، حجة القائلين بأنه لا يجوز القتل في هذه الصور هو أن الآية صريحة في منع القتل على الإطلاق، إلا لسبب واحد وهو قتل المظلوم، ففيما عدا هذا السببب الواحد، وجب البقاء على أصل الحرمة، ثم قالوا: وهذا النص قد تأكد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدم على الإطلاق، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارض، وذلك المعارض إما أن يكون نصاً متواتراً أو نصاً من باب الآحاد أو يكون قياساً، أما النص المتواتر فمفقود، وإلا لما بقي الخلاف، وأما النص من باب الآحاد فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص المتواترة الكثيرة، وأما القياس فلا يعارض النص.

فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي القاهر أن الأصل في الدماء الحرمة إلا في الصور المعدودة، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا فَلاَ يُسْرِف ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: أن هذه الآية تدل على أنه أثبت لولي الدم سلطاناً، فأما بيان أن هذه السلطنة تحصل فيما ذا فليس في قوله: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ دلالة عليه ثم هاهنا طريقان: الأول: أنه تعالى لما قال بعده: ﴿ فَلاَ يُسْرِف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما حصلت في استيفاء القتل، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ فلا ينبغي أن يسرف الظالم في ذلك القتل، لأن ذلك المقتول منصور بواسطة إثبات هذه السلطنة لوليه.

والثاني: أن تلك السلطنة مجملة ثم صارت مفسرة بالآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء فاتباع بالمعروف وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان  ﴾ وقد بينا في تفسير هذه الآية أنها تدل على أن الواجب هو كون المكلف مخيراً بين القصاص وبين الدية.

وأما الخبر فهو قوله عليه السلام يوم الفتح: «من قتل قتيلاً فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية» وعلى هذا الطريق فقوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف في القتل ﴾ معناه: أنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص إن شاء، وسلطنة استيفاء الدية إن شاء.

قال بعده: ﴿ فَلاَ يُسْرِف في القتل ﴾ معناه أن الأولى أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بأخذ الدية أو يميل إلى العفو وبالجملة فلفظة في محمولة على الباء، والمعنى: فلا يصير مسرفاً بسبب إقدامه على القتل ويصير معناه الترغيب في العفو والاكتفاء بالدية كما قال: ﴿ وَأَن تَعْفُو أَقْرَبُ للتقوى  ﴾ .

البحث الثاني: أن في قوله: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا ﴾ ذكر كونه مظلوماً بصيغة التنكير، وصيغة التنكير على ما عرف تدل على الكمال، فالإنسان المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص.

قال الشافعي رحمه الله: قد دللنا على أن المسلم إذا قتل الذمي لم يدخل تحت هذه الآية، بدليل أن الذمي مشرك والمشرك يحل دمه، إنما قلنا: إنه مشرك لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ حكم بأن ما سوى الشرك مغفور في حق البعض، فلو كان كفر اليهودي والنصراني شيئاً مغايراً للشرك لوجب أن يصير مغفوراً في حق بعض الناس بمقتضى هذه الآية، فلما لم يصر مغفوراً في حق أحد دل على أن كفرهم شرك، ولأنه تعالى قال: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة  ﴾ فهذا التثليث الذي قال به هؤلاء، إما أن يكون تثليثاً في الصفات وهو باطل، لأن ذلك هو الحق وهو مذهب أهل السنة والجماعة فلا يمكن جعله تثليثاً للكفر، وإما أن يكون تثليثاً في الذوات، وذلك هو الحق ولا شك أن القائل به مشرك، فثبت أن الذمي مشرك، وإنما قلنا: إن المشرك يجب قتله لقوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين  ﴾ ومقتضى هذا الدليل إباحة دم الذمي فإن لم تثبت الإباحة فلا أقل من حصول شبهة الإباحة.

وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت أنه ليس كاملاً في المظلومية فلم يندرج تحت قوله تعالى: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ وأما الحر إذا قتل عبداً فهو داخل تحت هذه الآية إلا أنا بينا أن قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد  ﴾ يدل على المنع من قتل الحر بالعبد من وجوه كثيرة وتلك الآية أخص من قوله: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ والخاص مقدم على العام، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص ولا في مسألة أنه يجب قتل المسلم بالذمي، ولا في مسألة أنه يجب قتل الحر بالعبد، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ يُسْرِف في القتل ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: فيه وجوه: الأول: المراد هو أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك لأن الواحد منهم إذا قتل واحداً من قبيلة شريفة فأولياء ذلك المقتول كانوا يقتلون خلقاً من القبيلة الدنيئة فنهى الله تعالى عنه وأمر بالاقتصار على قتل القاتل وحده.

الثاني: هو أن لا يرضى بقتل القاتل فإن أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشراف قبيلة القاتل ثم كانوا يقتلون منهم قوماً معينين ويتركون القاتل.

والثالث: هو أن لا يكتفي بقتل القاتل بل يمثل به ويقطع أعضاؤه.

قال القفال: ولا يبعد حمله على الكل، لأن جملة هذه المعاني مشتركة في كونها إسرافاً.

البحث الثاني: قرأ الأكثرون: ﴿ فَلاَ يُسْرِف ﴾ بالياء وفيه وجهان: الأول: التقدير: فلا ينبغي أن يسرف الولي في القتل.

الثاني: أن الضمير للقاتل الظالم ابتداء، أي فلا ينبغي أن يسرف ذلك الظالم وإسرافه عبارة عن إقدامه على ذلك القتل الظلم، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ فَلا تسرف ﴾ بالتاء على الخطاب، وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الخطاب للمبتدئ القاتل ظلماً كأنه قيل له: لا تسرف أيها الإنسان، وذلك الإسراف هو إقدامه على ذلك القتل الذي هو ظلم محض، والمعنى: لا تفعل فإنك إن قتلته مظلوماً استوفى القصاص منك.

والآخر: أن يكون الخطاب للولي فيكون التقدير: لا تسرف في القتل أيها الولي، أي اكتف باستيفاء القصاص ولا تطلب الزيادة.

وأما قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: الأول: كأنه قيل للظالم المبتدئ بذلك القتل على سبيل الظلم لا تفعل ذلك، فإن ذلك المقتول يكون منصوراً في الدنيا والآخرة، أما نصرته في الدنيا فبقتل قاتله، وأما في الآخرة فبكثرة الثواب له وكثرة العقاب لقاتله.

والقول الثاني: أن هذا الولي يكون منصوراً في قتل ذلك القاتل الظالم فليكتف بهذا القدر فإنه يكون منصوراً فيه ولا ينبغي أن يطمع في الزيادة منه، لأن من يكون منصوراً من عند الله يحرم عليه طلب الزيادة.

والقول الثالث: أن هذا القاتل الظالم ينبغي أن يكتفي باستيفاء القصاص وأن لا يطلب الزيادة.

واعلم أن على القول الأول والثاني ظهر أن المقتول وولي دمه يكونان منصورين من عند الله تعالى وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قلت لعلي بن أبي طالب عليه السلام وأيم الله ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان، لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ وقال الحسن: والله ما نصر معاوية على علي عليه السلام إلا بقول الله تعالى: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ إلا بإحدى ثلاث: إلا بأن تكفر، أو تقتل مؤمناً عمداً، أو تزني بعد إحصان.

﴿ مَظْلُومًا ﴾ غير راكب واحدة منهنّ ﴿ لِوَلِيّهِ ﴾ الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولي فالسلطان وليه ﴿ سلطانا ﴾ تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه.

أو حجة يثب بها عليه ﴿ فَلاَ يُسْرِف ﴾ الضمير للولي.

أي: فلا يقتل غير القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد، كعادة الجاهلية: كان إذا قتل منهم واحد قتلوا به جماعة، حتى قال مهلهل حين قتل بجير بن الحارث بن عباد: بؤبشسع نعل كليب وقال: كُلُّ قَتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ ** حَتَّى يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ وكانوا يقتلون غير القاتل إذا لم يكن بواء.

وقيل: الإسراف المثلة.

وقرأ أبو مسلم صاحب الدولة: ﴿ فلا يسرف ﴾ ، بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر.

وفيه مبالغة ليست في الأمر.

وعن مجاهد: أنّ الضمير للقاتل الأوّل.

وقرئ: ﴿ فلا تسرف ﴾ على خطاب الولي أو قاتل المظلوم.

وفي قراءة أبيّ ﴿ فلا تسرفوا ﴾ ردّه على: ولا تقتلوا ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ الضمير إمّا للولي، يعني حسبه أنّ الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك، وبأنّ الله قد نصره بمعونة السلطان وبإظهار المؤمنين على استيفاء الحق، فلا يبغ ما وراء حقه.

وإمّا للمظلوم؛ لأنّ الله ناصره وحيث أوجب القصاص بقتله، وينصره في الآخرة بالثواب.

وإما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله، فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ: وزَنًا بَعْدَ إحْصانٍ، وقَتْلُ مُؤْمِنٍ مَعْصُومٍ عَمْدًا.

﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا ﴾ غَيْرَ مُسْتَوْجِبٍ لِلْقَتْلِ.

﴿ فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ ﴾ لِلَّذِي يَلِي أمْرَهُ بَعْدَ وفاتِهِ وهو الوارِثُ.

﴿ سُلْطانًا ﴾ تَسَلُّطًا بِالمُؤاخَذَةِ بِمُقْتَضى القَتْلِ عَلى مَن عَلَيْهِ، أوْ بِالقِصاصِ عَلى القاتِلِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ مَظْلُومًا ﴾ بَدَلٌ عَلى أنَّ القَتْلَ عَمْدُ عُدْوانٍ فَإنَّ الخَطَأ لا يُسَمّى ظُلْمًا.

﴿ فَلا يُسْرِفْ ﴾ أيِ القاتِلُ.

﴿ فِي القَتْلِ ﴾ بِأنْ يَقْتُلَ مَن لا يُسْتَحَقُّ قَتْلُهُ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَفْعَلُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِالهَلاكِ أوِ الوَلِيُّ بِالمُثْلَةِ، أوْ قَتْلُ غَيْرِ القاتِلِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ أُبَيٍّ « فَلا تُسْرِفُوا» .

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « فَلا تُسْرِفْ» عَلى خِطابِ أحَدِهِما.

﴿ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا ﴾ عِلَّةُ النَّهْيِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والضَّمِيرُ إمّا لِلْمَقْتُولِ فَإنَّهُ مَنصُورٌ في الدُّنْيا بِثُبُوتِ القَصاصِ بِقَتْلِهِ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ، وإمّا لِوَلِيِّهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ حَيْثُ أوْجَبَ القَصاصَ لَهُ وأمَرَ الوُلاةَ بِمَعُونَتِهِ، وإمّا لِلَّذِي يَقْتُلُهُ الوَلِيُّ إسْرافًا بِإيجابِ القِصاصِ أوِ التَّعْزِيرِ والوِزْرُ عَلى المُسْرِفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بِالْحَقِّ} أي بارتكاب ما يبيح الدم {وَمَن قُتِلَ مَظْلوماً} غير مرتكب ما يبيح الدم {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} تسلطاً على القاتل في الاقتصاص منه {فَلا يسْرِف فِّي الْقَتْلِ} الضمير للولي أي فلا

يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة أهل الجاهلية أو الاسراف المثلة والضمير للقاتل الأول فلا تسرف حمزة وعلي على خطاب الولي أو قاتل المظلوم {إِنَّهُ كَانَ منصورا}

الإسراء (٣٤ _ ٣٧)

الضمير للولي أي حسبه أن الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك أو للمظلوم أي الله ناصره حيث أوجب القصاص بقتله وينصره في الآخرة بالثواب أو للذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه كان منصوراً بإيجاب القصاص على المسرف وظاهر الآية يدل على أن القصاص يجري بين الحر والعبد وبين المسلم والذمي لأن أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في الآية لكونها محرمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ أيْ حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى، والمُرادُ حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلا تَقْتُلُوا والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوا إلّا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ أوْ لا تَقْتُلُوها إلّا مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها قَتْلًا ما إلّا قَتْلًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والأوَّلُ أظْهَرُ، وأمّا تَعَلُّقُهُ بِحَرَّمَ فَبَعِيدٌ وإنْ صَحَّ، وفُسِّرَ الحَقُّ بِما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ والثَّيِّبُ الزّانِي والتّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ».

ونَقْضُ الحَصْرِ بِدَفْعِ الصّائِلِ فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما أدّى إلى القَتْلِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُرادَ ما يَكُونُ بِنَفْسِهِ مَقْصُودًا بِهِ القَتْلُ وما ذُكِرَ المَقْصُودُ بِهِ الدَّفْعُ، وقَدْ يُفْضِي إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، والحَقُّ عَدَمُ انْحِصارِ الحَقِّ فِيما ذُكِرَ وهو في الخَبَرِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وقَدْ ذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ إلى أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ كَسَلًا مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وكَذا اللُّواطَةُ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ الأجِلَّةِ.

﴿ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا ﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ أوْ يُبِيحُهُ لِلْقاتِلِ حَتّى أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إباحَتُهُ لِغَيْرِ القاتِلِ فَقَدْ نَصَّ عُلَماؤُنا أنَّ مَن عَلَيْهِ القِصاصُ إذا قَتَلَهُ غَيْرُ مَن لَهُ القِصاصُ يَقْتَصُّ لَهُ ولا يُفِيدُهُ قَوْلُ الوَلِيِّ: أنا أمَرْتُهُ بِذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ الأمْرُ ظاهِرًا ﴿ فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ ﴾ لِمَن يَلِي أمْرَهُ مِنَ الوارِثِ أوِ السُّلْطانِ عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ، واقْتِصارُ البَعْضِ عَلى الأوَّلِ رِعايَةً لِلْأغْلَبِ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ: تَسَلُّطًا واسْتِيلاءً عَلى القاتِلِ بِمُؤاخَذَتِهِ بِأحَدِ أمْرَيْنِ القِصاصِ أوِ الدِّيَةِ، وقَدْ تَتَعَيَّنُ الدِّيَةُ كَما في القَتْلِ الخَطَأِ، والمَقْتُولُ خَطَأً مَقْتُولٌ ظُلْمًا بِالمَعْنى الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ، وإنْ قُلْنا: لا إثْمَ في الخَطَأِ لِحَدِيثِ: ««رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ»».

وشَرَعَ الكَفّارَةَ فِيهِ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ واجْتِنابِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ فَلْيُتَأمَّلْ.

واسْتُدِلَّ بِتَفْسِيرِ الوَلِيِّ بِالوارِثِ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ دَخْلًا في القِصاصِ.

وقالَ القاضِي إسْماعِيلُ: لا تَدْخُلُ لِأنَّ لَفْظَهُ مُذَكَّرٌ ﴿ فَلا يُسْرِفْ ﴾ أيِ الوَلِيُّ ﴿ فِي القَتْلِ ﴾ أيْ: فَلا يَتَجاوَزِ الحَدَّ المَشْرُوعَ فِيهِ بِأنْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ مَثَلًا والقاتِلُ واحِدٌ كَعادَةِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنَّهم كانُوًا إذا قُتِلَ مِنهم واحِدٌ قَتَلُوا قاتِلَهُ وقَتَلُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، ومِن هُنا قالَ مُهَلْهِلٌ: كُلُّ قَتِيلِ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتّى يَنالَ القَتْلُ آلَ مُرَّهْ وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ وأخْرَجَهُ المُنْذِرُ مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِأنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ ويَتْرُكَ القاتِلَ.

ورُوِيَ هَذا عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أنَّ النّاسَ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَ مَن لَيْسَ شَرِيفًا شَرِيفًا لَمْ يَقْتُلُوهُ بِهِ وقَتَلُوا شَرِيفًا مِن قَوْمِهِ فَنَهى عَنْ ذَلِكَ أوْ بِأنْ يَزِيدَ عَلى القَتْلِ المُثْلَةَ كَما قِيلَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قالَ: لا يَقْتُلُ غَيْرَ قاتِلِهِ ولا يُمَثِّلُ بِهِ، وقِيلَ بِأنْ يُقْتَلَ القاتِلُ والمَشْرُوعُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ، ومَن قَتَلَ بِخَشَبَةٍ قُتِلَ بِخَشَبَةٍ، ومَن قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِحَجَرٍ، ولا يُقْتَلُ غَيْرُ القاتِلِ.

وفِيهِ القَوْلُ بِأنَّ القَتْلَ بِالمُثَقَّلِ يُوجِبُ القِصاصَ وهو خِلافُ مَذْهَبِنا.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: «فَلا تُسْرِفْ» بِالخِطابِ لِلْوَلِيِّ التِفاتًا، وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ صاحِبُ الدَّوْلَةِ: «فَلا يُسْرِفُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في الأمْرِ ﴿ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، والضَّمِيرُ لِلْوَلِيِّ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِأنْ أوْجَبَ القِصاصَ أوِ الدِّيَةَ وأمَرَ الحُكّامَ بِمَعُونَتِهِ في اسْتِيفاءِ حَقِّهِ فَلا يَبْغِ ما وراءَ حَقِّهِ ولا يَخْرُجْ مِن دائِرَةِ إمْرَةِ النّاصِرِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الضَّمِيرَ لِلْمَقْتُولِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَرَهُ في الدُّنْيا بِأخْذِ القِصاصِ أوِ الدِّيَةِ وفي الأُخْرى بِالثَّوابِ فَلا يُسْرِفْ ولِيُّهُ في شَأْنِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي أسْرَفَ بِهِ الوَلِيُّ؛ أيْ إنَّهُ تَعالى نَصَرَهُ بِإيجابِ القِصاصِ والتَّعْزِيزِ والوِزْرُ عَلى مَن أسْرَفَ في شَأْنِهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ يُسْرِفْ لِلْقاتِلِ؛ أيْ: مُرِيدِ القَتْلِ ومُباشِرِهِ ابْتِداءً، ونَسَبَهُ في الكَشّافِ إلى مُجاهِدٍ، والضَّمِيرانِ في التَّعْلِيلِ عائِدانِ عَلى الوَلِيِّ أوِ المَقْتُولِ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ: «فَلا تُسْرِفُوا» لِأنَّ القاتِلَ مُتَعَدِّدٌ في النَّظْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقْتُلُوا ﴾ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ، ولَمْ تُعَيِّنْهُ لِأنَّ الوَلِيَّ عامٌّ في الآيَةِ فَهو في مَعْنى الأوْلِياءِ فَيَجُوزُ جَمْعُ ضَمِيرِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ ويَكُونُ التِفاتًا، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ لَيْسَ بِلازِمٍ، والمَعْنى فَلا يُسْرِفْ عَلى نَفْسِهِ في شَأْنِ القَتْلِ بِتَعْرِيضِها لِلْهَلاكِ العاجِلِ والآجِلِ.

وفي الكَشْفِ أنَّهُ رَدْعٌ لِلْقاتِلِ عَلى أُسْلُوبِ: ﴿ ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ ﴾ والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ لِتَصْوِيرِ أنَّ القَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ كَيْفَ ما قُدِّرَ إسْرافٌ، ومَعْناهُ: فَلا يَقْتُلْ بِغَيْرِ حَقٍّ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الوَجْهَ غَيْرُ وجِيهٍ فَلا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ كَما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في شَأْنِ القَتْلِ وقَدْ عَلِمَتْ أنَّ الأصَحَّ أنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وكَوْنُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ مِنَ الكَبائِرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وعُدَّ شِبْهُ العَمْدِ مِنها هو ما صَرَّحَ بِهِ الهَرَوِيُّ وشُرَيْحٌ الرُّويانِيُّ، وأمّا الخَطَأُ فالصَّوابُ أنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلْيُحْفَظْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أي: يوسع الرزق على من يشاء، من كان صلاحه في ذلك وَيَقْدِرُ أي: يضيق على من يشاء في الرزق: وقال الحسن: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ لمن يشاء إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً من البسط والتقتير، يعلم صلاح كل واحد من خلقه.

قوله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أي: مخافة الفقر نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً أي: ذنباً عظيماً.

ويقال: ظلما عظيماً وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «جاء رجل إلى النبي  فقال: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟

قال: «أن تَجْعَلَ لله نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ» قال: يا رسول الله ثم أي؟

قال: «أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» .

قال: ثم أي؟

قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» .

قرأ ابن عامر خِطْأً كَبِيراً بنصب الخاء، وجزم الطاء.

وقرأ ابن كثير: خِطَاءً بكسر الخاء، وفتح الطاء، ومد الألف.

وقرأ الباقون: بكسر الخاء بغير مد أي: إثماً كبيراً.

ويقال: خَطِىءَ يَخْطَأُ خِطْأً مثل أَثم يأْثم إثماً.

ومن قرأ بالنصب معناه: إنَّ قتلهم كان غير صواب.

يقال: أخطأ يخطئ خطأ وخطاء.

وقرأ بعضهم: بنصب الخاء والطاء، وهي قراءة شاذة.

ثم قال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أي: معصية وَساءَ سَبِيلًا أي: بئس المسلك.

وروى عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «لا أحد أغير من الله، وبذلك حرم الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى، ولذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العُذْر من الله تعالى، ولذلك بعث الرسل، وأنزل الكتب» ثم قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ يعني إلا بإحدى ثلاث مواضع: إذا قتل أحداً فيقتص به، أو زنى وهو محصن فيرجم، أو يرتد فيقتل.

وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً أي: سبيلاً وحجة عليه، إن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية.

يعني: إذا اصطلحا.

وقال مجاهد: كل سلطان في القرآن فهو حجة، وكل ظن في القرآن فهو يقين.

فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ بالتاء على معنى المخاطبة، أي لا تقتل غير القاتل حمية، ولا تقتل بعد ما عفا أو أخذ الدية إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً أي: معاناً من الله تعالى في كتابه، جعل الأمر إليه في القَوَدِ.

قرأ حمزة والكسائي فلا تُسْرِفْ بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويحتمل أنْ يكون التأويلُ مصدر تأولَّ، أي: يتأول عليكم الخَيْر في جميع أموركم، إِذا أحسنتم الكيلَ والوَزْن.

وقال ص: تَأْوِيلًا أي: عاقبة انتهى.

وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨)

وقوله سبحانه: وَلا تَقْفُ معناه لا تقُلْ ولا تتَّبع، واللفظة تستعملُ في القَذْف ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ لاَ نَقْفُوا أُمَّنَا، وَلاَ نَنْتِفى مِنْ أَبِينَا» ، وأصل «١» هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول: قَفَوْتُ الأَثَرَ، وحكى الطبريُّ «٢» عن فرقةٍ أنها قالَتْ: قَفَا وقَافَ، مثل عَثَا وعَاث، فمعنى الآية: ولا تتبع لسانَكَ من القول ما لا عِلْمَ لك به، وبالجملة: فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذفِ وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والمُرْدِيَة.

إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا عبَّر عن هذه الحواسِّ ب أُولئِكَ.

لأن لها إدراكاً وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالَةُ مَنْ يعقل.

ت: قال ص: وما توهمه ابنُ عطية أُولئِكَ تختصُّ بمن يعقل ليس كذلك إِذ لا خلاف بين النحاة في جواز إطلاق «أولاء» و «أولئك» على مَنْ لا يعقل.

ت: وقد نقل ع «٣» الجَوَازَ عن الزَّجَّاجِ وفي ألفِيَّةِ ابْنِ مالك: [الرجز] وبأولى أشر لجمع مطلقا «٤» ...

فقال ولده بدر الدين: أي سواءٌ كان مذكَّراً أو مؤنَّثاً، وأكثر ما يستعمل فيمن يعقل، وقد يجيء/ لغيره كقوله: [الكامل]

ذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ...

والعَيْشَ بَعْدَ أُوَلئِكَ الأَيَّامِ «١»

وقد حكى «٢» ع البيْتَ، وقال: الرواية فيه «الأقوامِ» ، واللَّه أعلم انتهى.

والضمير في عَنْهُ يعودُ على ما ليس للإِنسان به عِلْم، ويكون المعنى: إِن اللَّه تعالى يَسْأَل سَمْعَ الإِنسان وبَصَره وفُؤَاده عمَّا قال مما لاَ عْلَم له به، فيقع تكذيبه مِنْ جوارحه، وتلك غايةُ الخزْي، ويحتمل أنْ يعود على كُلُّ التي هي السمْعُ والبصر والفؤاد، والمعنى: إن اللَّه تعالى يسأل الإِنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده.

قال صاحبُ «الكَلِمِ الفَارِقِيَّة» : لا تَدَعْ جَدْوَلَ سمِعْكَ يجرى فيه أُجَاج الباطل فيلهب باطنك بنار الحِرْص على العاجل، السَّمْعُ قُمْعٌ تغور فيه المعاني المَسْمُوعة إِلى قرار وعاء القَلْب، فإنْ كانَتْ شريفةً لطيفةً، شرَّفَتْه ولطَّفَتْه وهذَّبَتْه وزكَّتْه، وإِن كانَتْ رذيلةً دنيَّةً، رذَّلَتْه وخبَّثَتْه، وكذلك البصَرُ منْفُذٌ مِنْ منافذ القلب، فالحواسّ الخمس كالجداول والرواضع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، والحَسَنُ: بِالمَدِّ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَدْ يُمَدُّ " الزِّنا " في كَلامِ أهْلِ نَجْدٍ، قالَ الفَرَزْدَقُ: أبا حاضِرٍ مَن يَزِنِ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ومَن يَشْرَبِ الخُرْطُومَ يُصْبِحْ مُسَكَّرًا وَقالَ أيْضًا: أخْضَبْتَ فِعْلَكَ لِلزِّناءِ ولَمْ تَكُنْ ∗∗∗ يَوْمَ اللِّقاءِ لِتَخْضِبَ الأبْطالا وَقالَ آَخَرُ: [ كانَتْ فَرِيضَةُ ما نَقُولُ ] كَما ∗∗∗ كانَ الزِّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في ( الأنْعامِ: ١٥١ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ إدْغامُ الدّالِ مَعَ الجِيمِ، والإظْهارُ جَيِّدٌ بالِغٌ، إلّا أنَّ الجِيمَ مِن وسَطِ اللِّسانِ، والدّالَ مِن طَرَفِ اللِّسانِ، والإدْغامُ جائِزٌ؛ لِأنَّ حُرُوفَ وسَطِ اللِّسانِ تَقْرُبُ مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ.

ووَلِيُّهُ: الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ تُوجِبُ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ، فالسُّلْطانُ ولِيُّهُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في السُّلْطانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحُجَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الوالِي، والمَعْنى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا يَنْصُرُهُ ويُنْصِفُهُ في حَقِّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( فَلا يُسْرِفْ ) بِالياءِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِالتّاءِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِ في الآَيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ولِيُّ المَقْتُولِ.

وفي المُرادِ بِإسْرافِهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ القاتِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

والثّانِي: أنْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَقْتُلَ أشْرَفَ مِنَ الَّذِي قُتِلَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنْ يُمَثِّلَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنْ يَتَوَلّى هو قَتْلَ القاتِلِ دُونَ السُّلْطانِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ الإشارَةَ إلى القاتِلِ الأوَّلِ، والمَعْنى: فَلا يُسْرِفِ القاتِلُ بِالقَتْلِ تَعَدِّيًا وظُلْمًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا ﴾ ؛ أيْ: مُعانًا عَلَيْهِ.

وَفِي هاءِ الكِنايَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الوَلِيِّ، فالمَعْنى: إنَّهُ كانَ مَنصُورًا بِتَمْكِينِهِ مِنَ القَوَدِ، قالَهُ قَتادَةُ والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى المَقْتُولِ، فالمَعْنى: أنَّهُ كانَ مَنصُورًا بِقَتْلِ قاتِلِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الدَّمِ، فالمَعْنى: أنَّ دَمَ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا؛ أيْ: مَطْلُوبًا بِهِ.

والرّابِعُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القَتْلِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أولادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا ﴾ قَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلا تُقَتِّلُوا" بِتَضْعِيفِ الفِعْلِ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الوَأْدِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ  ﴾ ، ويُقالُ: كانَ جَهْلُهم يَبْلُغُ إلى أنْ يُغِزَّ واحِدٌ مِنهم كَلْبَهُ ويَقْتُلَ ولَدَهُ، و"خَشْيَةَ" نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، و"الإمْلاقُ": الفَقْرُ وعَدَمُ المالِ، أمْلَقَ الرَجُلُ: لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا المَلَقاتُ، وهي الحِجارَةُ العِظامُ المُلْسُ السُودُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خِطْئًا" بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ، وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "خَطَأً" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وهاتانِ قِراءَتانِ مَأْخُوذَتانِ مِن: خَطِئَ إذا أتى الذَنْبُ عَلى عَمَدٍ، فَهِيَ: كَحِذْرٍ وحَذَرَ ومِثْلٍ ومَثَلَ وشِبْهٍ وشَبَهَ اسْمٌ ومَصْدَرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: الخِطْءُ فاحِشَةٌ والبَرُّ نافِلَةٌ ∗∗∗ كَعَجْوَةٍ غُرِسَتْ في الأرْضِ تُؤْتَبَرُ قالَ الزَجّاجُ: خُطِئَ الرَجُلُ يَخْطَأُ خِطْئًا، مِثْلُ: أثِمَ يَأْثَمُ إثْمًا، فَهَذا هو المَصْدَرُ، وخَطَأُ اسْمٌ مِنهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَطِئَ مَعْناهُ واقِعُ الذَنْبِ مَعَ التَعَمُّدِ، وأخْطَأ إذا واقَعَةُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أو أخْطَأْنا  ﴾ ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وقَدْ يَقَعُ هَذا مَوْضِعَ هَذا وهَذا مَوْضِعَ هَذا، فَأخْطَأ بِمَعْنى تَعَمَّدَ في قَوْلِ الشاعِرِ: عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ كَرِيمٌ لا يَلِيقُ بِكَ الذُمُومُ وخُطِئَ بِمَعْنى لَمْ يَتَعَمَّدْ في قَوْلِ الآخَرِ: والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذا هُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ خَطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَطْأ" بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الطاءِ وهَمْزِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "خِطاءً" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ ومَدِّ الهَمْزَةِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وشِبْلٍ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وخالِدِ بْنِ إلْياسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ-، قالَ النَحاسُ: ولا أعْرِفُ لِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهًا، وكَذَلِكَ جَعَلَها أبُو حاتِمٍ غَلَطًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هي مَصْدَرٌ مِن خاطَأ يُخاطِئُ وإنْ كُنّا لَمْ نَجِدْ خاطَأ، ولَكِنْ وجَدْنا تَخاطَأ، وهو مُطاوِعُ خاطَأ، فَدَلَّنا عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَخَطَأتِ النَبْلُ أحْشاءَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وأخَّرَ يَوْمِي فَلَمْ أعْجَلِ وقَوْلُ الآخَرِ في صِفَةِ كَمْأةٍ: تَخاطَأهُ القَنّاصُ حَتّى وجَدْتُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُرْطُومُهُ في مِنقَعِ الماءِ راسِبُ فَكَأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ أولادَهم يُخاطِئُونَ الحَقَّ والعَدْلَ.

وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "خَطاءً" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ والمَدِّ في الهَمْزَةِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُعْرَفُ هَذا فِي اللُغَةِ، وهو غَلَطٌ غَيْرُ جائِزٍ، ولَيْسَ كَما قالَ أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الخَطّاءُ مِن "أخْطَأتْ" بِمَنزِلَةِ العَطاءِ مِن "أعْطَيْتُ"، هو اسْمٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ-: "خَطَأ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ مُنَوَّنَةً مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والزَهْرِيُّ: "خِطًا" بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ الطاءِ كالَّتِي قَبْلَها، وهاتانِ مُخَفَّفَتانِ مِن: خَطَأً وخِطَأٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِنا ﴾ تَحْرِيمٌ، والزَنِي يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فَمِن قِصْرِهِ الآيَةُ، وهي لُغَةُ جَمِيعِ كِتابِ اللهِ، ومِن مَدِّهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: أبا حازِمٍ مَن يَزِنُ يُعْرَفْ زِناؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَن يَشْرَبُ الخُرْطُومَ يُصْبَحُ مُسَكَّرا ويُرْوى: أبا خالِدٍ، و"الفاحِشَةُ": ما يَسْتَتِرُ بِهِ مِنَ المَعاصِي لِقُبْحِهِ.

و"سَبِيلًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، التَقْدِيرُ: وساءَ سَبِيلُهُ سَبِيلًا، أيْ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا ﴾ وما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِنَ الأفْعالِ جَزْمٌ بِالنَهْيِ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ  ﴾ ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْرَعُ لِلْمَعْنى.

والألِفُ واللامُ الَّتِي في "النَفْسَ" هي لِلْجِنْسِ، و"الحَقُّ" الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو ما فَسَّرَهُ النَبِيُّ  في قَوْلِهِ: « "لا يُحِلُّ دَمَ المُسْلِمِ إلّا إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، أو زِنى بَعْدَ إحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ أُخْرى".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَتَّصِلُ بِها أشْياءٌ هي راجِعَةٌ إلَيْها، فَمِنها قَطْعُ الطَرِيقِ لِأنَّهُ في مَعْنى قَتْلِ النَفْسِ، وهي الحِرابَةُ، ومِن ذَلِكَ الزَنْدَقَةُ، ومَسْألَةُ تَرْكِ الصَلاةِ لِأنَّها في مَعْنى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، ومِنهُ قَتْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَنَعَةَ الزَكاةِ، وقَتْلُ مَنِ امْتَنَعَ في المُدُنِ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَظْلُومًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: بِغَيْرِ هَذِهِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.

و"الوَلِيُّ: القائِمُ بِالدَمِ وهو مَن ولَدَ المَيِّتَ، أو ولَدَهُ المَيِّتُ، أو جَمَعَهُ وإيّاهُ أبٌ، ولا مَدْخَلَ لِلنِّساءِ في وِلايَةِ الدَمِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، ولَهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ أخِرَيْنِ.

و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ والمُلْكُ الَّذِي جَعَلَ إلَيْهِ مِنَ التَخْيِيرِ في قَبُولِ الدِيَةِ أوِ العَفْوِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحًّاكُ.

وقالَ قَتادَةُ: "السُلْطانُ": القَوْدُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "فَلا يُسْرِفُ" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، أيِ الوَلِيِّ، لا يَتَعَدّى أمْرَ اللهِ، والتَعَدِّي هو أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ مِن سائِرِ القَبِيلَةِ، أو يَقْتُلُ اثْنَيْنِ بِواحِدٍ، وغَيْرِ وذَلِكَ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي، وهَذا كُلُّهُ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، فَلِذَلِكَ وقَعَ التَحْذِيرُ مِنهُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "إنَّ مِن أعْتى الناسِ عَلى اللهِ ثَلاثَةٌ: رَجُلُ قُتِلَ غَيْرَ قاتِلٍ ولَيِّهِ، أو قُتِلَ بِدَحَنِ الجاهِلِيَّةِ، أو قُتِلَ في حَرَمِ اللهِ"،» وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يُسْرِفْ ﴾ القاتِلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ، والمَعْنى: فَلا يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُسْرِفِينَ بِأنْ يَقْتُلَ نَفْسًا، فَإنَّهُ يَحْصُلُ في سِياقِ هَذا الحُكْمِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَلا تُسْرِفُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ حُذَيْفَةَ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، ومُجاهِدٍ -بِخِلافٍ والأعْمَشِ، وجَماعَةٍ.

قالَ الطَبَرِيُّ: عَلى مَعْنى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ولِأُمَتِهِ بَعْدَهُ، أيْ: فَلا تَقْتُلُوا غَيْرَ القاتِلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الوَلِيُّ، أيْ: فَلا تُسْرِفُ أيُّها الوَلِيُّ في قَتْلِ أحَدٍ مُتَحَصِّلٍ في هَذا الحُكْمُ.

وقَرَأ أبُو مُسْلِمٍ السَرّاجُ صاحِبُ الدَعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ: "فَلا يُسْرِفُ" بِضَمِّ الفاءِ، عَلى مَعْنى الخَبَرِ لا عَلى مَعْنى النَهْيِ.

والمُرادُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الوَلِيُّ فَقَطْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي الِاحْتِجاجِ بِأبِي مُسْلِمٍ في القِراءَةِ نَظَرٌ.

وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ إنَّ ولِيَ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا".

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّهُ" عائِدٌ عَلى الوَلِيِّ، وقِيلَ: عَلى المَقْتُولِ، وهو عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ؛ لِأنَّهُ المَظْلُومُ، ولَفْظَةُ النَصْرِ تُقابِلُ أبَدًا الظُلْمَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَنَصْرُ المَظْلُومِ وإبْرارُ القَسَمِ"،» وكَقَوْلِهِ  : « "انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظْلُومًا"،» إلى كَثِيرٍ مِنَ الأمْثِلَةِ.

وقِيلَ: عَلى القَتْلِ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: عَلى القاتِلِ؛ لِأنَّهُ إذا قُتِلَ في الدُنْيا وخَلَصَ بِذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ فَقَدْ نُصِرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ بَعِيدُ المَقْصِدِ.

وقالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ أوَّلُ ما نَزَلْ مِنَ القُرْآنِ بِشَأْنِ القَتْلِ، وهي مَكِّيَّةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معلومة حالة العرب في الجاهلية من التسرع إلى قتل النفوس فكان حفظ النفوس من أعظم القواعد الكلية للشريعة الإسلامية.

ولذلك كان النهي عن قتل النفس من أهم الوصايا التي أوصى بها الإسلام أتباعه في هذه الآيات الجامعة.

وهذه هي الوصية التاسعة.

والنفس هنا الذات كقوله تعالى: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29] وقوله: ﴿ أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ [المائدة: 32] وقوله: ﴿ وما تدري نفس بأي أرض تموت ﴾ [لقمان: 34].

وتطلق النفس على الروح الإنساني وهي النفس الناطقة.

والقتل: الإماتة بفعل فاعل، أي إزالة الحياة عن الذات.

وقوله: حرم الله} حُذف العائد من الصلة إلى الموصول لأنه ضمير منصوب بفعل الصلة وحذفه كثير.

والتقدير: حرمها الله.

وعلق التحريم بعين النفس، والمقصود تحريم قتلها.

ووصفت النفس بالموصول والصلة بمقتضى كون تحريم قتلها مشهوراً من قبللِ هذا النهي، إما لأنه تقرر من قبلُ بآيات أخرى نَزلت قبل هذه الآية وقبلَ آية الأنعام حكماً مفرقاً وجمعت الأحكام في هذه الآية وآية الأنعام، وإما لتنزيل الصلة منزلة المعلوم لأنها مما لا ينبغي جهله فيكون تعريضاً بأهل الجاهلية الذين كانوا يستخفون بقتل النفس بأنهم جهلوا ما كان عليهم أن يعلموه، تنويهاً بهذا الحكم.

وذلك أن النظر في خلق هذا العالم يهدي العقول إلى أن الله أوجد الإنسان ليعمرُ به الأرض، كما قال تعالى: ﴿ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ﴾ [هود: 61]، فالإقدام على إتلاف نفس هدم لما أراد الله بناءه، على أنه قد تواتر وشاع بين الأمم في سائر العصور والشرائع من عهد آدم صون النفوس من الاعتداء عليها بالإعدام، فبذلك وصفت بأنها التي حرم الله، أي عُرفت بمضمون هذه الصلة.

واستثني من عموم النهي القتل المصاحب للحق، أي الذي يشهد الحق أن نفساً معينة استحقت الإعدام من المجتمع، وهذا مجمل يفسره في وقت النزول ما هو معروف من أحكام القَود على وجه الإجمال.

ولما كانت هذه الآيات سيقت مساق التشريع للأمة وإشعاراً بأن سيَكون في الأمة قضاء وحُكم فيما يستقبل أبقي مجملاً حتى تفسره الأحكام المستأنفة من بعد، مثل آية وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ إلى قوله: ﴿ وأعد له عذاباً عظيماً ﴾ [النساء: 92 93].

فالباء في قوله: بالحق} للمصاحبة، وهي متعلّقة بمعنى الاستثناء، أي إلا قتلاً ملابساً للحق.

والحق بمعنى العدل، أو بمعنى الاستحقاق، أي حَق القتل، كما في الحديث:» " فإذا قالوها (أي لا إله إلا الله) عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ".

ولما كان الخطاب بالنهي لجميع الأمة كما دل عليه الفعل في سياق النهي كان تعيين الحق المبيح لقتل النفس موكولاً إلى من لهم تعيين الحقوق.

ولما كانت هذه الآية نازلة قبل الهجرة فتعيين الحق يجري على ما هو متعارف بين القبائل، وهو ما سيذكر في قوله تعالى عقب هذا: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ الآية.

وحين كان المسلمون وقت نزول هذه الآية مختلطين في مكة بالمشركين ولم يكن المشركون أهلاً للثقة بهم في الطاعة للشرائع العادلة، وكان قد يعرض أن يعتدي أحد المشركين على أحد المسلمين بالقتل ظلماً أمر الله المسلمين بأن المظلوم لا يظلِم، فقال: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ أي قد جَعل لولي المقتول تصرفاً في القاتل بالقود أو الدية.

والسلطان: مصدر من السلطة كالغُفران، والمراد به ما استقر في عوائدهم من حكم القود.

وكونه حقاً لولي القتيل يأخذ به أو يعفو أوْ يأخذ الدية ألهمهم الله إليه لئلا ينزوا أولياء القتيل على القاتل أو ذويه ليقتلوا منهم من لم تجْن يداه قتلاً.

وهكذا تستمر الترات بين أخذ ورد، فقد كان ذلك من عوائدهم أيضاً.

فالمراد بالجعل ما أرشد الله إليه أهلَ الجاهلية من عادة القود.

والقود من جملة المستثنى بقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ ، لأن القود من القاتل الظالم هو قتل للنفس بالحق.

وهذه حالة خصها الله بالذكر لكثرة وقوع العدوان في بقية أيام الجاهلية، فأمر الله المسلمين بقبول القود.

وهذا مبدأ صلاح عظيم في المجتمع الإسلامي، وهو حمل أهله على اتباع الحق والعدل حتى لا يكون الفساد من طرفين فيتفاقم أمره، وتلك عادة جاهلية.

قال الشميذر الحارثي: فلسنا كمن كنتم تصيبون سَلّة *** فنقبَلَ ضيماً أو نحكم قاضيا ولكن حكم السيف فينا مسلط *** فنرضَى إذا ما أصبح السيف راضيا فنهى الله المسلمين عن أن يكونوا مثالاً سيئاً يقابلوا الظلم بالظلم كعادة الجاهلية بل عليهم أن يتبعوا سبيل الإنصاف فيقبلوا القود، ولذلك قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ .

والسرف: الزيادة على ما يقتضيه الحق، وليس خاصاً بالمال كما يفهم من كلام أهل اللغة.

فالسرف في القتل هو أن يقتل غير القاتل، أما مع القاتل وهو واضح كما قال المُهلهل في الأخذ بثأر أخيه كليب: كل قتيل في كليب غُرّة *** حتى يعُمّ القتلُ آلَ مُرّة وأما قتل غير القاتل عند العجز عن قتل القاتل فقد كانوا يقتنعون عن العجز عن القاتل بقتل رجل من قبيلة القاتل.

وكانوا يتكايلون الدماء، أي يجعلون كيلها متفاوتاً بحسب شرف القتيل، كما قالت كبشة بنتُ معديكرب: فيقتلَ جَبْرا بامرئ لم يكن له بَواءً ولكن لا تكايُل بالدم البواء: الكفء في الدم.

تريد فيقتلَ القاتلَ وهو المسمّى جبراً، وإن لم يكن كفؤاً لعبد الله أخيها، ولكن الإسلام أبطل التكايل بالدم.

وضمير ﴿ يسرف ﴾ بياء الغيبة، في قراءة الجمهور، يعود إلى الولي مظنة السرف في القتل بحسب ما تعودوه.

وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بتاء الخطاب أي خطاب للولي.

وجملة ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ استئناف، أي أن ولي المقتول كان منصوراً بحكم القود فلماذا يتجاوز الحد من النصر إلى الاعتداء والظلم بالسرف في القتل.

حذرهم الله من السرف في القتل وذكرهم بأنه جعل للولي سلطاناً على القاتل.

وقد أكد ذلك بحرف التوكيد وبإقحام (كانَ) الدال على أن الخبر مستقر الثبوت.

وفيه إيماء إلى أن من تجاوز حد العدل إلى السرف في القتل لا ينصر.

ومن نكت القرآن وبلاغته وإعجازه الخفي الإتيان بلفظ (سلطان) هنا الظاهر في معنى المصدر، أي السلطة والحق والصالح لإرادة إقامة السلطان، وهو الإمام الذي يأخذ الحقوق من المعتدين إلى المعتدَى عليهم حين تنتظم جامعة المسلمين بعد الهجرة.

ففيه إيماء إلى أن الله سيجعل للمسلمين دولة دائمة، ولم يكن للمسلمين يوم نزول الآية سلطان.

وهذا الحكم منوط بالقتل الحادث بين الأشخاص وهو قتل العدوان، فأما القتل الذي هو لحماية البيضة والذب عن الحوزة، وهو الجهاد، فله أحكام أخرى.

وبهذا تعلم التوجيه للإتيان بضمير جماعة المخاطبين على ما تقدم في قوله تعالى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ [الإسراء: 31] وما عطف عليه من الضمائر.

واعلم أن جملة ومن قتل مظلوماً } معطوفة على جملة ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق ﴾ عطف قصة على قصة اهتماماً بهذا الحكم بحيث جعل مستقلاً، فعُطف على حكم آخر، وإلا فمقتضى الظاهر أن تكون مفصولة، إما استئنافاً لبيان حكم حالة تكثر، وإما بدل بعضضٍ من جملة ﴿ إلا بالحق ﴾ .

و (مَن) موصولة مبتدأ مراد بها العموم، أي وكل الذي يقتل مظلوماً.

وأُدخلت الفاء في جملة خبر المبتدأ لأن الموصول يعامل معاملة الشرط إذا قصد به العموم والربط بينه وبين خبره.

وقوله تعالى: ﴿ فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ هو في المعنى مقدمة للخبر بتعجيل ما يُطمئِن نفسَ ولي المقتول.

والمقصود من الخبر التفريع بقوله تعالى: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ ، فكان تقديم قوله تعالى: ﴿ فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ تمهيداً لقبول النهي عن السرف في القتل، لأنه إذا كان قد جُعل له سلطان فقد صار الحكم بيده وكفاه ذلك شفاءً لغليله.

ومن دلالة الإشارة أن قوله: ﴿ فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ إشارة إلى إبطال تولي ولي المقتول قتلَ القاتل دون حكم من السلطان، لأن ذلك مظنة للخطأ في تحقيق القاتل، وذريعة لحدوث قتل آخر بالتدافع بين أولياء المقتول وأهل القاتل، ويجر إلى الإسراف في القتل الذي ما حدث في زمان الجاهلية إلا بمثل هذه الذريعة، فضمير ﴿ فلا يسرف ﴾ عائد إلى «وليه».

وجملة ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ تعليل للكف عن الإسراف في القتل، والضمير عائد إلى «وليه».

و (في) من قوله: ﴿ في القتل ﴾ للظرفية المجازية، لأن الإسراف يجول في كسب ومال ونحوه، فكأنه مظروف في جملة ما جال فيه.

ولما رأى بعض المفسرين أن الحكم الذي تضمنته هذه الآية لا يناسب إلا أحوال المسلمين الخالصين استبعد أن تكون الآية نازلة بمكة فزعم أنها مدنية، وقد بينا وجه مناسبتها وأبطلنا أن تكون مكية في صدر هذه السورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ يَعْنِي إلّا بِما تَسْتَحِقُّ بِهِ القَتْلَ.

﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَوْدُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الخِيارُ بَيْنَ القَوْدِ أوِ الدِّيَةِ أوِ العَفْوِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ.

الثّالِثُ: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا يَنْصُرُهُ ويُنْصِفُهُ في حَقِّهِ.

﴿ فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَلا يُسْرِفِ القاتِلُ الأوَّلُ في القَتْلِ تَعَدِّيًا وظُلْمًا، إنَّ ولِيَّ المَقْتُولِ كانَ مَنصُورًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: فَلا يُسْرِفْ ولِيُّ المَقْتُولِ في القَتْلِ.

وَفِي إسْرافِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، وهَذا قَوْلُ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ.

الثّانِي: أنْ يُمَثِّلَ إذا اقْتَصَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنْ يَقْتُلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ، قالَهُ يَحْيى.

الرّابِعُ: أنْ يَقْتُلَ جَماعَةً بِواحِدٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وداوُدُ.

﴿ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَلِيَّ كانَ مَنصُورًا بِتَمْكِينِهِ مِنَ القَوْدِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ المَقْتُولَ كانَ مَنصُورًا بِقَتْلِ قاتِلِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ الآية.

قال: كان هذا بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم بها، وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن القتل.

كان المشركون من أهل مكة يغتالون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من قتلكم من المشركين، فلا يحملنكم قتله إياكم على أن تقتلوا له أباً، أو أخاً، وأحداً من عشيرته، وإن كانوا مشركين فلا تقتلوا إلا قاتلكم» وهذا قبل أن تنزل براءة، وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين.

فذلك قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ يقول: لا تقتل غير قاتلك، وهي اليوم على ذلك الموضع من المسلمين، لا يحل لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم.

وأخرج البيهقي في سننه، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه: أن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل الرجل من القوم رجلاً، لم يرضوا حتى يقتلوا به رجلاً شريفاً، إذا كان قاتلهم غير شريف، لم يقتلوا قاتلهم وقتلوا غيره، فوعظوا في ذلك بقول الله: ﴿ ولا تقتلوا النفس ﴾ إلى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ قال: بينة من الله أنزلها يطلبها ولي المقتول القود أو العقل، وذلك السلطان.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ قال: لا يكثر من القتل.

وأخرج ابن المنذر من طريق أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ قال: لا يقتل إلا قاتل رحمه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، عن طلق بن حبيب في قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ قال: لا يقتل غير قاتله، ولا يمثل به.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ قال: لا يقتل اثنين بواحد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ قال: لا يقتل غير قاتله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ قال: من قَتَلَ بحديدة قُتِلَ بحديدة، ومن قَتَلَ بخشبة قُتِلَ بخشبة، ومن قَتَلَ بحجر قُتِلَ بحجر، ولا يقتل غير قاتله.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعق الناس قتلة أهل الإيمان» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود، عن سمرة بن جندب وعمران بن حصين قالا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن يعلى بن مرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: «لا تمثلوا بعبادي» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً ﴾ يقول: ينصره السلطان حتى ينصفه من ظالمه.

ومن انتصر لنفسه دون السلطان، فهو عاص مسرف قد عمل بحمية أهل الجاهلية، ولم يرض بحكم الله تعالى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ قال: إن المقتول كان منصوراً.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن الكسائي قال: هي قراءة أبي بن كعب ﴿ فلا تسرفوا في القتل ان وليه كان منصوراً ﴾ .

وأخرج الطبراني وابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنه لما كان من أمر هذا الرجل، ما كان، يعني عثمان، قلت لعلي رضي الله عنه اعتزل، فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج، فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذكر أن الله تعالى يقول: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً ﴾ .

وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ﴾ قال: كانوا لا يخالطونهم في مال، ولا مأكل، ولا مركب، حتى نزلت ﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ [ البقرة: 220] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: [ ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ قال المفسرون (١) ﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا ﴾ ] (٢) ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ﴾ يعني وارثه الذي بينه وبينه قرابة توجب له المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ولي فالسلطان وليه.

وقوله تعالى: ﴿ سُلْطَانًا ﴾ قال ابن عباس: يريد حجة (٣) (٤) وقال الضحاك في قوله: ﴿ سُلْطَانًا ﴾ إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدّية (٥) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ﴾ اختلفوا في معنى الإسراف هاهنا؛ فقال ابن عباس: هو أن يقتل غير القاتل (٦) وقال مجاهد وسعيد بن جبير: هو أن يقتل بالواحد الاثنين والثلاثة (٧) قال طَلْقُ بن حَبِيب (٨) (٩) وقال الحسن وابن زيد: هو أن لا يرضى بالقاتل إذا كان خسيسًا فيعمد إلى أشرف قبيلة القاتل فيقتله، كفعل أهل الجاهلية (١٠) ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ ، أي: أن الولي كان منصورًا بقتل قاتل وليه والاقتصاص منه، وقد حكم الله تعالى بالسلطان والنصرة لولي المقتول ظلمًا، وقد روي عن زَهْدَم الجَرْمي (١١) ﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ﴾ (١٢) (وقال الحسن: والله ما نُصِرَ معاويةُ على علي إلا بقول الله: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ﴾ ) (١٣) (١٤) وروى العلاء (١٥) ﴿ فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ﴾ قال: المسرف: الذي قتل القتيل الأول (١٦) (١٧) ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ للمقتول المذكور في قوله: ﴿ وَمَنْ قُتِلَ ﴾ ، ويكون التقدير: فلا يُسرف القاتل -الذي يبتدئ- بالقتل؛ لأن من قُتل مظلومًا كان منصورًا؛ بأن يقتصَّ له وليُّه، أو (١٨) (١٩) (٢٠) وقرأ حمزة والكسائي: (فَلا تُسْرِفْ) بالتاء (٢١) (٢٢) والآخر: أن يكون الخطاب للولي، فيكون التقدير: لا تسرف في القتل أيها الولي فتتعدى قاتل وَلِيّك إلى من لم يقتله؛ إن المقتول ظلمًا كان منصورًا، وكل واحد من المقتول ظلمًا ومن ولي المقتول قد تقدم ذكره في قوله: ﴿ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا ﴾ (٢٣) وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾ ، أي: أن المقتول إذا قتل بغير حق فهو منصور في الدنيا والآخرة؛ فأما نصرته في الدنيا فقتل قاتله، وأما في الآخرة فإجزال الثواب له وتعذيب قاتله في النار (٢٤) (١) انظر: "تفسير الطبري" 15/ 80، و"السمرقندي" 2/ 267، و"الثعلبي" 7/ 108 أ.

وقد أخذوا هذه الخصال الثلاث -الموجبة للقتل- من الحديث الصحيح: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارقُ للجماعة" أخرجه البخاري == (6484) كتاب: الديات، باب قوله تعالى: ﴿ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ ، ومسلم (1676) كتاب: القسامة، باب: ما يباح به دم المسلم، وأخرجه "الطبري" 15/ 80 من عدة طرق.

(٢) ما بين المعقوفين معظمه مطموس في (ع).

(٣) أخرجه "الطبري" 15/ 81 بمعناه من طريق العوفي (ضعيفة)، ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 200 بلفظه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 32.

(٤) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 149 بنصه، ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 200، بنحوه.

(٥) أخرجه "الطبري" 15/ 81، بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 149 بنصه، وورد بنحوه في "تفسير الجصاص" 3/ 200، و"الماوردي" 3/ 240، و"الطوسي" 6/ 475، وورد بنصه غير منسوب في: "تفسير مقاتل" 1/ 214 ب، و"السمرقندي" 2/ 267، و"الثعلبي" 7/ 108 أ.

(٦) انظر: "تفسير البغوي"، 5/ 91، و"ابن الجوزي" 5/ 33، و"الخازن" 3/ 163، و"أبي حيان" 6/ 33، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 327 وعزاه إلى ابن المنذر من طريق أبي صالح (ضعيفة).

(٧) أخرجه عن سعيد: "عبد الرزاق" 2/ 377 - بمعناه، وابن أبي شيبة (5/ 454، بنحوه، و"الطبري" 15/ 82، بنحوه، والبيهقي في السنن: الجنايات/ إيجاب القصاص على القاتل دون غيره 8/ 25، بنحوه، وورد بنحوه عن سعيد بن جبير في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 150، و"تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب، و"الماوردي" 3/ 241، و"الدر المنثور" 4/ 327 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٨) طلق بن حبيب العَنَزي، الزاهد البصري من صلحاء التابعين، ثقة لكنه كان يرى الإرجاء، روى عن ابن عباس وجندب بن سفيان، وعنه: عمرو بن دينار وسليمان التميمي، مات بعد التسعين.

انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 490، و"ميزان الاعتدال" 3/ 59، و"الكاشف" 1/ 515، و"تقريب التهذيب" ص 283 (3040).

(٩) أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 454، بنحوه، و"الطبري" 15/ 82، بنحوه من طريقين، والبيهقي في "السنن" كتاب: الجنايات، باب: إيجاب القصاص على القاتل دون غيره 8/ 25، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 150، و"تفسير الجصاص" 3/ 201، و"الثعلبي" 7/ 108 ب، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 255، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 326 - 328 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(١٠) أخرجه "الطبري" 15/ 83، بنحوه عنهما، والبيهقي في "السنن" كتاب: الجنايات، باب: إيجاب القصاص على القاتل دون غيره 8/ 25، بنحوه عن ابن زيد، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 108 أ، بنحوه عنهما، انظر: "تفسير ابن الجوزى" 5/ 33، عن ابن زيد.

(١١) زَهْدَم بن مضرب أو مُضَرِّس -كما في "التقريب"- الجَرْمي، أبو مسلم البصري، ثقة، روى عن ابن عباس وعمران بن حصين، وعنه: قتادة وأبو التياح.

انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 617، و"الكاشف" 1/ 406، و"تقريب التهذيب" (2039).

(١٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 203 بنصه، و"ابن كثير" 3/ 44، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 328 وعزاه إلى الطبراني وابن عساكر - لم أقف عليه.

(١٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).

(١٤) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 204 بنصه.

(١٥) العلاء بن عبد الكريم اليَامي، أبو عَوْن الكوفي، ثقة عابد، سمع مجاهد ومرة الهمداني، وعنه: الثوري ووكيع، توفي في حدود سنة (150 هـ) انظر: "التاريخ الكبير" 6/ 514، و"الجرح والتعديل" 6/ 358، و"تقريب التهذيب" (5248).

(١٦) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 151، بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 33، و"القرطبي" 10/ 255.

(١٧) في هذا القول تكلُّف وبعد عن الظاهر؛ فالخطاب -حسب الظاهر- موجه إلى ولي المقتول وليس للقاتل، وكيف يخاطب القاتل الأول ويقال له: لا تسرف في == القتل؟!

لذلك قال الألوسي: إن هذا الوجه غير وجيه فلا ينبغي التعويل عليه.

انظر: "تفسير الألوسي" 15/ 70.

(١٨) في (ب)، (ع): (و).

(١٩) في جميع النسخ: (النسب)، وبالمثبت يستقيم الكلام.

(٢٠) ورد في "الحجة للقراء" 5/ 99 - 100 بتصرف.

(٢١) انظر: "السبعة" ص 380، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 372، و"علل القراءات" 1/ 322، و"الحجة للقراء" 5/ 99، و"المبسوط في القراءات" ص 228.

(٢٢) هذه إضافة يقتضيها السياق ليستقيم الكلام، وهي ثابتة في المصدر.

(٢٣) ورد الوجهان في "الحجة للقراء" 5/ 100، بنصه تقريبًا.

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 238 بتصرف يسير لكنه مهم؛ إذ غير عبارة الزجاج: ويخلَّد قاتله النار إلى: وتعذيب قاتله في النار، هربًا من قول الوعيدية.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تقتلوا أولادكم ﴾ ذكر في الأنعام [الأنعام: 151] ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ الحق الموجب لقتل النفس هو ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى» ، وتتصل بهذه الأشياء أشياء أخر؛ لأنها في معناها كالحرابة وترك الصلاة ومنع الزكاة ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ المظلوم هنا من قتل بغير حق، والولي هو ولي المقتول وسائر العصبة، وليس النساء من الأولياء عند مالك، والسلطان الذي جعل الله له هو: القصاص، بأن يقتل غير قاتل وليه، أو يقتل اثنين بواحد وغير ذلك من وجوه التعدي، وقرئ فلا تسرف بالتاء خطاباً للقاتل، أو لوليّ المقتول ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ الضمير للمقتول أو لوليه، ونصره هو القصاص.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يبلغان ﴾ مثنى: حمزة وعلي وخلف ﴿ أف ﴾ بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص ﴿ أف ﴾ بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل.

والباقون بالكسر.

﴿ تبصطها كل البصط ﴾ مثل: ﴿ بصطة ﴾ ﴿ خطأ ﴾ بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ خطأ ﴾ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ﴿ خطاء ﴾ بالكسر والمد: ابن كثير.

الباقون بالكسر ثم السكون ﴿ فلا تسرف ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ بالقسطاس ﴾ مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد ﴿ سيئه ﴾ على إضافة سيء إلى ضمير ﴿ كل ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل.

الآخرون ﴿ سيئة ﴾ علم التأنيث.

الوقوف: ﴿ مخذولاً ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ، ط ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ صغيراً ﴾ ، ط ﴿ في نفوسكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ تبذيراً ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ، ﴿ ميسوراً ﴾ ه ﴿ محسوراً ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ، ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ إملاق ﴾ ط ﴿ وإياكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فاحشة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي.

﴿ في القتل ﴾ ط ﴿ منصوراً ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ز ﴿ بالعهد ﴾ ج على تقدير فإن.

﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ط ﴿ تأويلا ﴾ ه ﴿ به علم ﴾ ط ﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ مرحاً ﴾ ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ﴿ طولا ﴾ ه ﴿ مكروهاً ﴾ ه ﴿ الحكمة ﴾ ط ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ .

التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والخطاب للنبي  في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي  لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده.

وانتصب قوله: ﴿ فتقعد ﴾ على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود.

وفيه وجوه منها.

أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً.

ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة.

ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب.

ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت.

ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين.

وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان.

ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: ﴿ وقضى ربك ﴾ أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً ﴿ ألا تعبدوا ﴾ أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا.

وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ﴿ وقضى ربك ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع.

وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن.

أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ﴿ بالوالدين ﴾ بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله.

يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة.

وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟

قال: اكتبوا عليه: هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي *** سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمى بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟

فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.

ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك".

وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر ﴿ إحساناً ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه.

ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: ﴿ أما يبلغن ﴾ هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم.

وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه.

من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله.

ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة.

﴿ وكلاهما ﴾ مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع.

وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله ﴿ طرفي النهار  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن  ﴾ قال في الكشاف: معنى ﴿ عندك ﴾ هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه.

وفي ﴿ أف ﴾ لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه.

وأف بكسرتين بلا تنوين.

وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال.

وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف.

وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار.

يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به.

وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر.

وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول.

وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر.

قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية.

ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله  : "من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي" فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان.

وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته.

فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولا تنهرهما ﴾ والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره.

﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قولاً كريماً ﴾ جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام.

وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما.

وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين.

قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك.

والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع.

وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول.

والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.

فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال.

وقوله: ﴿ من الرحمة ﴾ في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿ و ﴾ لكن ﴿ قل رب ارحمهما كما ربياني ﴾ ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ.

وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه.

والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد.

قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله  : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة ﴿ رب ارحمهما ﴾ وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟

فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ .

وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد.

وكما قال الله  : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات  ﴾ فهم يذكرون في أدبار الصلاة.

قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما.

وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي  : "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء.

وقال رجل لرسول الله  : إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟

قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.

وشكا رجل إلى رسول الله  أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي.

واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى  وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.

مرتين.

وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.

قال: لقد جازيتها.

قال: ما فعلت؟

قال: حججت بها على عاتقي.

قال: ما جازيتها.

وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها.

ثم قال  : ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها ﴿ وإنه كان للأوابين غفوراً ﴾ اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره.

ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: ﴿ وآت ذا القرى حقه ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله  أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين.

والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة.

وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء.

وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة".

ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم.

كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله.

قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه.

وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً.

ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد ﴿ وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله.

ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ وكان النبي  إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.

والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن.

وقيل: اللين السهل.

قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته.

وقيل: القول المعروف كقوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير  ﴾ وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف.

وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة.

قال جار الله قوله: ﴿ ابتغاء رحمة ﴾ أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله ﴿ ترجوها ﴾ بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له.

فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء.

وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ عند الناس بالبخل ﴿ محسوراً ﴾ بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر.

فقير محسور منقطع عن السير.

ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة.

وعن جابر: بينا رسول الله  جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال  : "من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا." فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك.

فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية.

وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.

وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع.

فقال  : " ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل" فنزلت.

ثم إنه  سلى نبيه  بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: ﴿ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أي يضيق ﴿ أنه كان بعباده ﴾ وبمصالحهم ﴿ خبيراً بصيرا ﴾ فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح.

ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد.

ويحتمل أن يراد أنه  مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين.

فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه.

وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع.

وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم.

والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: ولد المرء منه جزء وما حا *** ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة.

وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله  أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: ﴿ أولادكم ﴾ وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ.

ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي خصلة متزايدة في القبح ﴿ وساء سبيلاً ﴾ سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد.

ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟

فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج.

ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم.

وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره.

وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة.

فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار.

وقد زعم في التفسير الكبير أنه  وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً  ﴾ .

وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو.

ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴾ وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر.

ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: ﴿ إلا بالحق ﴾ وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ أي تسلطاً على استيفاء القصاص.

فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله  "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟

وقتل نفس بغير حق" يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ .

كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ فلا يلزم التفريع المذكور.

ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم  ﴾ هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط.

ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري.

وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر.

ثم إنه  أثبت لوليّ الدم سلطاناً.

ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل.

وقيل: معنى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفى  ﴾ الآية.

فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص.

وعن الشافعي أن التنوين في قوله: ﴿ مظلوماً ﴾ للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال  : ﴿ اقتلوا المشركين  ﴾ فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية.

وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد  ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

من قرأ ﴿ فلا تسرف ﴾ بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية.

وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب.

وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.

ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ﴾ بالطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي تثميره وإنماؤه.

وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ﴿ حتى يبلغ ﴾ اليتيم ﴿ أشده ﴾ بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده.

﴿ إن العهد كان مسئولا ﴾ أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثتتبكيتاً للناكث كقوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت  ﴾ ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.

والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون.

وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني ﴿ ذلك ﴾ الإيفاء والوزن المعدل ﴿ خير ﴾ من التطفيف ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة من آل إذا رجع.

أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه.

وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر.

وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه.

ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ﴿ ولا تقف ﴾ أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب.

والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس  ﴾ ﴿ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن  ﴾ وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور.

ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.

وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.

وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.

وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم.

وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج" أي يتوب.

وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد.

احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم.

وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال  : ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار  ﴾ ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن.

سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز.

وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين.

وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة.

وقال  : نحن نحكم بالظاهر.

والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن.

فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به.

وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد  أن التمسك بآيات القرآن جائز.

ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: ﴿ إن السمع والبصر وكل أولئك ﴾ إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام.

﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ قال في الكشاف: ﴿ عنه ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية مثل ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه.

والصواب أن يقال: إنه فاعل ﴿ مسئولاً ﴾ المحذوف والثاني مفسر له.

وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟

قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب.

وقيل: إنه  ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها.

﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح.

وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر.

﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ لن تثقبها بشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ.

بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر.

وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي.

وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته.

﴿ كل ذلك كان سيئه ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله.

ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط.

ومن قرأ ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث فقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ وقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ﴾ ﴿ ولا تمش ﴾ وإنما قال: ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث مع قوله: ﴿ مكروهاً ﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم.

قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله  لأنها مكروهة عنده.

وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال.

أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية.

وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من قوله: ﴿ لا تجعل ﴾ إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ﴿ مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.

روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى  .

وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله  فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء.

وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة.

وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده.

وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك.

ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت.

والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة.

ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أي أفخصكم ﴿ ربكم ﴾ على وجه الخلوص والصفاء ﴿ بالبنين ﴾ الذين هم أفضل الأولاد ﴿ واتخذ من الملائكة ﴾ أولاداً ﴿ إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ﴾ بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث.

التأويل: خاطب نبيه  ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ﴾ وإنما قال: ﴿ ربك ﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿ وبالوالدين ﴾ والد الروح ووالدة البدن.

والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿ أما يبلغن عندك ﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ ولا تنهرهما ﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ من الاستعداد ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ فإنه كان للأوابين ﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿ غفوراً ﴾ سائراً بأنوار جماله.

ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿ وآت ذا القربى ﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: إنّ من عادة العرب أنهم كانوا يقتلون البنات ويقتلون البنين؛ إذا صاروا بحيث لا ينتفعون بهم، ويقتلون الآباء والأمهات؛ إذا بلغوا أرذل العمر؛ فنهى الله أهل الإسلام عن الاستنان بسنتهم، وأمر أن يبرّوا الآباء والأمّهات إذا بلغوا ذلك المبلغ، وهو ما قال: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

وفي قتل ما كانوا يقتلون من البنات قطع التناسل والتوالد الذي كان المقصود من إنشاء هذا العالم؛ ذلك إذ المقصود من إنشاء العالم هذا الذي ذكرنا، وفي قتل البنات قطع ذلك وذهاب المقصود من إنشائه، ثم قال: ﴿ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ﴾ .

أي: هم لا يأكلون من أرزاقكم؛ بل لكل منكم رزق على حدة، ليس في بقائهم نقصان في رزقكم ولا في فنائهم زيادة؛ بل كلٌّ يأكل رزقه، أو لا ترون أنّه قد أنشأ لهم رزقاً لا شركة لكم فيه، وهو ما أنشأ لهم من اللّبن في الضرع، ولا تنتفعون أنتم به؟!

فظهر أن كلاًّ يأكل رزقه، لا يُدْخِل بعضٌ في رزق بعضٍ نقصاناً.

ثم قال: ﴿ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ \[أي: إن قتلهم في العقول كان خطأ كبيراً\]، لما ذكرنا أن في قتلهم قطع ما به قصد في إنشاء هذا العالم وفنائه، أو يقول: ﴿ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ : في الأمم الخالية.

ويشبه أن يكون خطاب ما خاطب هؤلاء الآيات: من قتل الأولاد، والزنى، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك ما تقدم وما تأخر؛ لوجهين: أحدهما: ما كان للعرب أفعال وعادات السوء ممّا يخرج على السفه والقبح في العقل، خارجة عن الحكمة تنهاهم عن ذلك.

والثاني: ذكر هذا ونهى؛ لما علم أنه قد يكون في خلقه من يفعل ذلك خشية ما ذكر، ويحملهم ذلك على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ .

أي: في العقل كان وقت ما كان فاحشة؛ لأن في إباحة الزنى ذهاب المعارف التي بها يوصل إلى الحكمة والعلم، أو كان فاحشة في الحكمة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ : دل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ - على أن هنالك فحشاء قبل الأمر في الحكمة أو في العقل، حتى قال: ﴿ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ ؛ إذ لو لم يكن - لكان قال: لا يأمر، حسب، وفي إباحة قتل الأنفس ذهاب ما به قصد من إنشاء العالم.

أخبر - عز وجل -: [في قتل الأولاد أنه] ﴿ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ ، وهو ما يعظم في العقل، وذكر في الزنى فاحشة، وهو ما يفحش في العقل والحكمة، وذكر في قتل النفس الإسراف، وقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، والإسراف هو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل له.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ﴾ ، أي: لا تزنوا؛ فإنه كان فاحشة، ويحتمل: لا تقربوا الأسباب التي بها يوصل إلى الزنى.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ .

والحق ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ فِي ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِسْلاَمٍ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بغَيْرِ حَقٍّ" حرم الله قتل النفس بغير حق؛ إذ في إباحته ذهاب ما قصد من إنشاء [هذا] العالم، وفي التحريم حياة الأنفس، وفي إباحة الزنى ذهاب المعارف وجهالتها، وفي تحريمه: حياة المعارف وإبقاؤها.

والوصول إلى الحكمة والعلوم التي يطلب بعضهم من بعض؛ إذ لا يعرف أهل الحكمة من غيرهم؛ ففي ذلك ذهاب العلوم والحكمة.

وفي القتل على الدّين - إذا استبدله - حياة الدّين؛ لأن من تفكر قتل نفسه إذا ترك الدّين - أعني دين الإسلام - ورجع عنه، لم يترك دينه الإسلام، ومن تفكر رجمه بالزنى - امتنع عن الزنى وتركه، ومن تفكر أنه يُقْتَل إذا قَتَلَ غيرَهُ - امتنع عن قتله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ .

فإن قيل - في المرأة إذا ارتدت عن الإسلام -: إنها لا تقتل.

قيل: لأنه ليس في قتلها حياة الدّين؛ لأن النساء أتباع للرجال في الدين؛ لأنهنّ يسلمن بإسلام أزواجهن ويصرن ذمة بذمة الأزواج؛ فإذا كان كذلك - فليس في قتلهن حياة؛ ألا ترى أنه روى أنه فلاناً أسلم وأسلم معه كذا وكذا نسوة؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : والحق ما ذكرنا، وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل بالإسلام، أو بالذمّة بإعطاء الجزية، وإلا بالحق: ما ذكرنا.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ .

قيل: سلطاناً، أي: تسلطاً وقهراً.

وقال بعضهم: سلطاناً، أي: حجة على القتل فيما يستوجب به القصاص.

ثم ذكر أنه جعل لولي القتيل سلطاناً، ولم يذكر أي وليّ؛ فيشبه أن يكون المراد من الولي الذي يخلف الميت في التركة، وهم الورثة؛ إذ هو حقٌّ كغيره من الحقوق؛ فذلك إلى الورثة، فعلى ذلك حق الدم، فكأنه قال: ومن قتل مظلوماً قد جعلنا لورثته سلطاناً، أي: حجة فيما يستوجب.

وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن للواحد من الورثة القيام باستيفاء الدم؛ إذ لو كان للكل الاستيفاء لدخل في ذلك الإسراف الذي ذكر: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ؛ إذ لو ضرّ به كل الورثة لصار في ذلك مثله، وقد منعوا عن ذلك، فإذا كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله ، حيث قال -: إن الورثة إذا كان بعضهم صغاراً وبعضهم كباراً كان للكبار أن يقوموا بالاستيفاء دون أن ينتظروا بلوغ الصغار، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ .

قال بعضهم: لا يقتل غير قاتل؛ وذلك إذ كان من عادة العرب قتل غير القاتل.

وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ [أي: لا يجاوز الحد الذي جعل له في القصاص من المثلة والقطع والجراحات.

وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، أي: في القتل] الأول؛ حيث قتل نفساً بغير حق، فذلك إسراف؛ كما قال: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ هذا يحتمل أن يكون خاطب به ولي القتيل فقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، أي: لا يُجاوز الحدّ الذي جعل له؛ على ما روي: "إذَا قَتَلْتَ فَاَحْسِنِ القَتْلَ" ، والثاني خاطب به القاتل: يقول له لا تقتل؛ فإنه إسراف، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ .

قال بعضهم: إن المقتول كان منصوراً بالولي ينصره الولي؛ بقوله: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ .

ويحتمل منصوراً بالمسلمين، أي: على المسلمين وغيرهم دفع ذلك القتل عنه؛ هذا على تأويل من يتأول في قوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ - قَتْلَ غير قاتل وليه، أو يزيد في جراحاته، ويمثل مثلاً بقول: احذروا ذلك؛ فإن على المسلمين دفع ذلك عنه، أو كان منصوراً في الآخرة.

وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن القصاص واجب بين الأحرار والعبيد، وبين أهل الإسلام وأهل الذمة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ ؛ فكانت أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في هذه الآية؛ لأنها محرمة وفيه ما ذكرنا أن للكبير من الورثة قتله، وإن كان فيهم صغار.

وروي أن الحسن بن علي -  - قتل قاتل أبيه فلاناً، وفي الورثة صغار لم يدركوا يومئذ.

ويحتمل أن يكون ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ في ظاهر هذا: أن القاتل هو كان منصوراً، [ثم إنه قال: ﴿ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ ] ولم يقل: هو منصور، فجائز أن يقول: ﴿ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ ، قبل: قتل هذا إذا كان على المسلمين مضرة، فلما قتل كان غير منصور، إلا أن يقال: إن الولي صار منصوراً، وذلك جائز.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ﴾ : يحتمل النهي عن نفس الزنى، ويحتمل أسباب الزنى: من نحو القُبْلة، والمسّ، وغيره؛ على ما ذكر: "العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، واليدانِ تَزْنِيانِ، والْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلكَ كُلَّه أو يُكَذِّبُ" وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .

قوله: ﴿ أَحْسَنُ ﴾ : هو أفعل، فإن كان في الأشكال فهو على غاية الحسن، وإن كان في الجوهرين فهو على طلب الحسن؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ  ﴾ أي: اتبعوا ما هو طاعة؛ كأنه قال: ولا تقربوا مال اليتيم إلا ما هو خير له وحسن، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ  ﴾ ، يقول: لا تأكلوا إسرافاً وبداراً، ولكن اقربوا ما هو خير له.

وإن كان على طلب الغاية من الحسن، فهو ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا قرب مال اليتيم لمنفعة نفسه فلا يقربه إلا لمنفعة حاضرة لليتيم، لا يقرب ماله لمنفعة مرجوة، وإذا قرب مال اليتيم لليتيم فإنه يجوز أن يقربه لمنفعة مرجوة له، وإن لم يكن فيه منفعة حاضرة، وقدر ذكرنا تأويله وما فيه من الدلالة بقول أبي حنيفة - رحمه الله - فيما تقدم في سورة الأنعام.

ثم من الناس من احتج بهذه الآية لقول أبي حنيفة حيث قال: إن للوصي أنْ يبيع مال اليتيم من نفسه إذا كان خيراً له؛ لأن له أن يبيع من غيره بمثل قيمته؛ فدلّ أن ذكر الخير له إذا كان يبيع من نفسه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ : كأنه على الإضمار، أي: لا تقربوا مال اليتيم إلا بالوجوه التي هي أحسن له وأنفع، وهو الحفظ له وطلب الربح والنماء، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .

أي: حتى يستحكم عقله، ويستتم تدبيره في ماله وأمره؛ فعند ذلك يكون الأمر إليه، وليس فيه أنه لا يكون بعد ذلك الأمر إلى الوصي إن كان؛ ولكن بإذنه يبيع ويشتري.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ بِالْعَهْدِ ﴾ - العهود والمواثيق التي بين الناس أمروا بوفاء ذلك، ويحتمل الأمر بوفاء العهد ما ذكر في هذه الآيات من الأمر والنهي: من نحو ما قال: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  ﴾ إلى هذا الموضع، أي: وأوفوا بذلك كله؛ فإن ذلك كله كان مسئولاً يُسْأل عنه: وفاءً كان ذلك أو نقضاً.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ ، أي: ناقض العهد كان مسئولاً، ثم إن العهد على وجوه: أحدها: عهد خِلْقة، أو العهد الذي أخذ عليهم على ألسن الرسل أو العهد الذي يجري بين الناس؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ﴾ .

أمر بتوفير الكيل إذا كالوا والوزن إذا وزنوا لهم، وإيفاء حقوقهم، وهو ما قال: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ  ﴾ إن من عادتهم إذا كالوا أو وزنوا يبخسون الناس أشياءهم، ولم يوفروا حقوقهم؛ فنهاهم عن ذلك، وأوعدهم بالوعيد الشديد، وهو قوله: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ : ذِكْرُ تخصيص للكيلي والوزني من بين سائر الأشياء يحتمل وجهين: أحدهما: لما بهما يجري عامّة معاملة الناس؛ فأمرهم بإيفاء ذلك.

والثاني: لخوف الربا؛ لأن الكيلي والوزني هما اللذان يكونان دَيْناً في الذمة؛ فإذا أخذ شيء منهما أخذ عما كان ديناً في الذمّة، فإن نقص أو زاد فيكون ربا؛ لذلك خصّ، وإن كان غيره من الأشياء يؤمر بالإيفاء والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ .

قال بعضهم: القسطاس: حرف أخذ من الكتب السالفة ليس بمعرفة، وقال بعضهم: هو العدل، أي: زنوا بالعدل، وقال بعضهم: هو الميزان؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ ، وقال بعضهم: ﴿ بِٱلقِسْطَاسِ ﴾ : القبان؛ فكيفما كان ففيه ما ذكرنا: من الأمر بتوفير الكيل والوزن، والإيفاء لحقوقهم، والنهي عن البخس والنقصان.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ - ما ذكر من توفير الكيل والوزن وإيفاء الحقوق - خير في الدنيا؛ لما فيه أمن لهم من الناس.

﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ ، أي: أحسن عاقبة في الآخرة، ويحتمل قوله ذلك - ما ذكر في هذه الآيات من أولها إلى آخرها: إذا عملوا بها خيرٌ لهم في الدنيا وأحسن تأويلاً، أي: عاقبة.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ .

قيل: لا تقف، أي: لا تقل، وقيل: لا تَرْمِ، وقيل: لا تتبع؛ فكيفما كان - ففيه النهي عن القول والرمي فيما لاعلم له به، ولا ترم ما ليس لك به علم، ولا تقل ما ليس لك به علم.

﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ كُلُّ أُولـٰئِكَ ﴾ يعني: السّمع والبصر والفؤاد - يُسْأل عما عمل صاحبه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ...

﴾ الآية [يس: 65]، وقوْله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم  ﴾ تُسْأَل هؤلاء عما عمل صاحبها؛ فيشهدون عليه.

وقال بعضهم: هو عن كل أولئك كان مسئولاً، أي: يسأل المرء عما استعمل هذه الجوارح؟

وأنه: فيم استعملها؟

وقال بعضهم، قوله: ﴿ أُولـٰئِكَ ﴾ : يعني الخلائق جميعاً، ﴿ عَنْهُ ﴾ : يعني عما ذكر من السمع والبصر والفؤاد، ﴿ مَسْؤُولاً ﴾ .

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ، يقول: لا تقل: رأيتُ، ولم تر، وسمعتُ، ولم تسمع، وعلمتُ، ولم تعلم.

ومنهم من قال: في شهادة الزور؛ فإن احتج محتج بهذا في إبطال القياس والاجتهاد؛ فيقول: إذا قاس الرجل فقد قال ما ليس له به علم، لكن ليس كذا؛ لأن أصحاب رسول الله  قد تكلموا في الحوادث بآرائهم، وشاوروا في أمورهم، وولى أبو بكر عمر - رضوان الله عليهما - الخلافة بغير نصّ من الرسول عليها، وجعلها عمر شورى بينهم، ولم يُرْوَ ذلك عن النبي  ، ولا نقول: إنهم فعلوا ذلك بغير علم، ولا: قالوا ما لم يعلموا؛ فدلّ ما ذكرنا أن معنى قول الله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ - ليس يدخل فيه الاجتهاد في الأحكام، وتشبيهه الفرع الحادث بالأصل المنصوص عليه، والله أعلم.

وقال القتبي: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ ، أي: يتناهى في الثبات إلى حال الرجال، ويقال: ثماني عشرة سنة، وقال: أَشُدُّ اليتيمِ غير أشدّ الرجل في قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً  ﴾ ، والأشد ما ذكرنا من استحكام عقله وتدبيره إلى ألا يؤخذ بالنقصان، وهو إذا جاوز أربعين يأخذ في النقصان، وإلى أربعين يكون على الزيادة والنماء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ ﴾ ، أي: لا تقف ما ليس لك به علم بأسباب العلم، وهو ما ذكر من السمع والبصر، وجائز أن يكون: ﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ : يسأل عن شكر هذه الأشياء، أو يسأل عما امتحن بهذه الأشياء.

وفي قوله: ﴿ وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ - دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه أمر بإيفاء الكيل والوزن، ولا يقدر على ذلك إلا باجتهاد الكائل والوازن؛ لأن كيل الرجل يزيد على كيل غيره وينقص، وربما كال الرجل الشيء ثم يعيد كيله هو بنفسه فيزيد أو ينقص، ولا يكاد يستوي الكيلان وإن كانا من رجل واحد، وإنما يكلف الاجتهاد في كيله وترك التعمد للزيادة أو النقصان [فيه]؛ فإذا فعل ذلك فقد وفر الكيل وأدى الواجب، وهذا عندنا أصل الاجتهاد والاستحسان؛ لأن الكائل إنما يجتهد في توفيته الحق، ولا يعلم يقيناً أنه وفى ما كان عليه من الكيل الذي سمياه في العقد؛ فعلى ذلك الاستحسان إنما هو اجتهاد العالم في اختيار أحسن ما يقدر عليه إذا لم يكن للحادثة أصل يردها عليه ويشبهها به، والله أعلم.

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ .

ليس النهي عن المشي نفسه؛ إنما النهي للمشي المرح، ثم النهي عن الشيء يوجب ضدّه، وكذلك الأمر، ثمّ إن النهي عن الشيء يوجب الأمر بضده؛ [والأمر بالشيء يوجب النهي بضده] وهاهنا نهي عن المرح؛ فيكون أمراً بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً  ﴾ ، وقال بعضهم: مرحاً: بطراً وأَشَراً، وقيل: متعظماً متكبراً بالخُيَلاء.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً ﴾ .

قال بعضهم: ذكر خرق الأرض وبلوغ الجبال طولاً؛ لأن من الخلائق من يخرق الأرض ويدخلها، ويبلغ طول الجبال، وهم الملائكة، ثم لم يتكبّروا على الله ولا تعظموا عليه ولا على رسوله؛ بل خضعوا له؛ فمن لم يبلغ في القوة والشدّة ذلك - أحرى أن يخضع له ويتواضع ولا يتكبر.

ويحتمل أن يكون ذكر هذا؛ لما أنهم كانوا يسعون في إطفاء هذا الدين، وقهر رسول الله  ، فيقول: كما لم يتهيأ لكم خرق الأرض وبلوغ الجبال طولاً - لم يتهيأ لكم إطفاء دين الله، وقهر رسوله، وهو ما ذكر: ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ  ﴾ ، أو يذكر هذا يقول: إنك لن تبلغ بكبرك وعظمتك مرتبة الرؤساء والقادة ومنزلتهم، على هذا التمثيل يحتمل أن يخرج، والله أعلم.

أو يقول: إنك لن تخرق الأرض، أي: لا تقدر أن تخرق [الأرض]؛ فتستخرج ما فيها من الكنوز والمنافع؛ فتنتفع بها، ولا تقدر أن تبلغ الجبال طولاً؛ فتنتفع بما في رءوس الجبال من المنافع، وكيف تتكبر وتمرح على غيرك، وهو مثلك في القوّة والشدّة.

وأصل الكبر أن من عرف نفسه على ما هي عليه من الأحداث والآفات وأنواع الحوائج - لم يتكبّر على مثله، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ كُلُّ ذٰلِكَ ﴾ .

أي: كل ما أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات.

﴿ كَانَ سَيِّئُهُ ﴾ .

بالعقل.

﴿ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ﴾ : مسخوطاً، وفيه دلالة أن الأمر الّذي أمر في هذه الآيات ونهاهم عنه - لم يكن أمر أدب ولا نهي أدب، ولكن أمر حتم وحكم؛ حيث ذكر أن ذلك عند ربك: ﴿ مَكْرُوهاً ﴾ ؛ إذ لو كان أدباً لم يكره أي شيء ما ذكر في مكروه عند ربّك، وهو كقوله: ﴿ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ  ﴾ ، أي: يسمعون [الكل؛ فيتبعون أحسنه]، ويتركون غيره؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ﴾ .

أي: ذلك الذي أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات من الحكمة - ليس من السفه، أي: ما أمر فيها هو حكمة وما نهى عنه [إنما نهى عنه؛ لأنه سفه].

وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - القرآن، قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي ذلك الذي أوحى إليك هو حكمة، وقال بعضهم: الحكمة: الإصابة، أي: ذلك الذي أوحى إليك صواب.

وقوْله: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، أي: ما ذكر في هذه الآيات وأمر به ونهى عنه - هو من الحكمة، والحكمة: هي وضع الشيء موضعه، [يقول: حكمه: وضَع الشيء موضعه، لا] وضَع الشيء غير موضعه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .

معلوم أن رسول الله لا يجعل معه إلهاً آخر؛ إذ عصمه واختاره لرسالته، لكنّه ذكر هذا ليعلم أنه لو كان منه ذلك فيفعل به ما ذكر؛ فمن هو دونه أحق أن يفعل به ما ذكر، وهو ما قال في الملائكة: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 29].

أنه عصمهم حتى أخبر أنهم: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ؛ فمن لم يكن معصوماً - لم يوصف أنه لا يسبق بالقول؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً ﴾ : عند الله، أو عند نفسك، أو عند الخلق.

﴿ مَّدْحُوراً ﴾ : مبعداً مطروداً من رحمته في النار، أو: خاطب به رسوله، وأراد به غيره؛ على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تقتلوا النفس التي عصم الله دمها بإيمان أو بأمان إلا إن استحقت القتل برِدَّة، أو بزنى بعد إحصان، أو بقصاص، ومن قُتِل مظلومًا دون سبب يبيح قتله فقد جعلنا لمن يلي أمره من ورثته تسلطًا على قاتله، فله أن يطالب بقتله قصاصًا، وله العفو دون مقابل، وله العفو وأخذ الدية، فلا يتجاوز الحد الذي أباحه الله له بالتمثيل بالقاتل، أو بقتله بغير ما قتل به، أو بقتل غير القاتل، إنه كان مُؤَيَّدًا مُعَانًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.w4nBq"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله