الآية ٣٦ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٣٦ من سورة الإسراء

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 127 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول لا تقل وقال العوفي عنه لا ترم أحدا بما ليس لك به علم وقال محمد بن الحنفية يعني شهادة الزور وقال قتادة لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع وعلمت ولم تعلم فإن الله سائلك عن ذلك كله ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال كما قال تعالى : ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) [ الحجرات 12 ، وفي الحديث إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " وفي سنن أبي داود بئس مطية الرجل : زعموا ، وفي الحديث الآخر إن أفرى الفرى أن يري عينيه ما لم تريا " وفي الصحيح من تحلم حلما كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد .

وقوله ( كل أولئك ) أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ( كان عنه مسئولا ) أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها ويصح استعمال أولئك مكان " تلك كما قال الشاعر .

ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) فقال بعضهم: معناه: ولا تقل ما ليس لك به علم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) يقول: لا تقل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ) لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمع، فإن الله تبارك وتعالى سائلك عن ذلك كله.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) قال: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم.

حُدثت عن محمد بن ربيعة، عن إسماعيل الأزرق، عن أبى عمر البزار، عن ابن الحنفية قال: شهادة الزور.

وقال آخرون: بل معناه: ولا ترم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) يقول: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (وَلا تَقْفُ) ولا ترمِ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وهذان التأويلان متقاربا المعنى، لأن القول بما لا يعلمه القائل يدخل فيه شهادة الزور، ورمي الناس بالباطل، وادّعاء سماع ما لم يسمعه، ورؤية ما لم يره.

وأصل القفو: العضه والبهت، ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: " نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بن كِنانَة لا نَقْفُو أمِّنا ولا نَنْتَفِي مِنْ أبِينا "، وكان بعض البصريين ينشد في ذلك بيتا: وَمِثْـلُ الـدُّمَى شُـمُّ العَـرَانِينِ ساكِنٌ بِهِــنَّ الحَيــاءُ لا يُشِـعْنَ التَّقافِيـا (3) يعني بالتقافي: التقاذف.

ويزعم أن معنى قوله (لا تَقْفُ) لا تتبع ما لا تعلم، ولا يعنيك.

وكان بعض أهل العربية من أهل الكوفة، يزعم أن أصله القيافة، وهي اتباع الأثر، وإذ كان كما ذكروا وجب أن تكون القراءة (وَلا تَقُفْ) بضم القاف وسكون الفاء، مثل: ولا تقل.

قال: والعرب تقول: قفوت أثره، وقُفت أثره، فتقدِّم أحيانا الواو على الفاء وتؤخرها أحيانا بعدها، كما قيل: قاع الجمل الناقة: إذا ركبها وقَعَا وعاثَ وَعَثَى؛ وأنشد سماعا من العرب: ولَــوْ أنّــي رَمَيْتُـكَ مِـنْ قَـرِيبٍ لَعــاقَكَ مِـنْ دُعـاءٍ الـذّئْبِ عـاقِ (4) يعني عائق، ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: لا تقل للناس وفيهم ما لا علم لك به، فترميهم بالباطل، وتشهد عليهم بغير الحقّ، فذلك هو القفو.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب، لأن ذلك هو الغالب من استعمال العرب القفو فيه.

وأما قوله ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ) فإن معناه: إن الله سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها، من أنه سمع أو أبصر أو علم ، تشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحقّ، وقال أولئك، ولم يقل تلك، كما قال الشاعر: ذُمَّ المَنــازِلَ بَعْــدَ مَنزلَـةِ اللَّـوَى والعَيْشَ بَعْـــدَ أُولَئِـــكَ الأيَّــامِ (5) وإنما قيل: أولئك، لأن أولئك وهؤلاء للجمع القليل الذي يقع للتذكير والتأنيث، وهذه وتلك للجمع الكثير، فالتذكير للقليل من باب أَنْ كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث لك التذكير للجمع الأوّل، والتأنيث للجمع الثاني، وهو الجمع الكثير، لأن العرب تجعل الجمع على مثال الأسماء.

-------------------------- الهوامش : (3) البيت للنابغة الجعدي: وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (1 : 379) شاهد على أن معنى التقافي: التقاذف.

وفي (اللسان : قفو) قال أبو عبيد الأصل في القفو واتقافي: البهتان يرمى به الرجل صاحبه .

أ هـ .

قال أبو بكر : قولهم قد قفا فلان فلانا قال أبو عبيد : معناه أتبعه أمرا كلاما قبيحا .

وقال الليث : القفو : مصدر قولك قفا يقفو وقفوا ( الثاني بتشديد الواو ) ، وهو أن يتبع الشيء : قال تعالى : " ولا تقف ما ليس لك به علم " قال الفراء : أكثر القراء يجعلونها من قفوت ، كما تقول : لا تدع من دعوت .

قال : وقرأ بعضهم: ولا تقف مثل ولا تقل .

وقال الأخفش في قوله تعالى : "ولا تقف ما ليس لك به علم": أي لا تتبع ما لا تعلم .

وقيل: ولا تقل سمعت ولم تسمع ، ولا رأيت ولم تر ، ولا علمت ولم تعلم ؛ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا .

أ .

هـ .

والدمى جمع دمية ، وهي التمثال من المرمر أو العاج أو نحوهما .

وشم العرانين : جمع شماء العرنين ، أي مرتفعات قصبات الأنوف ، وهو من أمارات جمالهن.

(4) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 179 ) على أن العرب تقول قفا الشيء : إذا تتبعه كما تقول قافه .

وكما قال الشاعر : عاقى ، يريد عائق .

قال الفراء : أكثر القراء يجعلونها من قفوت ...

وبعضهم قال : ولا تقف .

والعرب تقول : قفت أثره ، وقفوته ؛ ومثله : يعتام ويعتمي ، وعاث وعثى ، من الفساد ، وهو كثير ، منه شاك السلاح ، وشاكي السلاح .

وسمعت بعض قضاعة يقول : اجتحى ماله ، واللغة الفاشية : اجتاح ماله .

وقد قال الشاعر : " ولو أني رأيتك " ...

إلخ البيت .

هذا وقد نقلنا في الشاهد الذي قبل هذا عبارة الفراء ، كما جاءت في اللسان ، وفيها اختلال عن عبارته هنا في معاني القرآن ، ولعله من اختلاف النسخ .

وأورد الفراء بعد بيت الشاهد بيتا آخر من وزنه وقافيته ، وهو لذي الخرق الطهوي كما في ( اللسان : بغم ) : حَسِــبْتُ بُغــامَ رَاحِــلَتِي عَنَاقَـا وَمــا هِـيَ وَيْـبَ غَـيرِك بالعَنـاقِ وقد سبق الاستشهاد به في أكثر من موضع من هذا التفسير .

(5) البيت لجرير بن الخطفي ( ديوانه طبعة الصاوى ص 551 ) وهو البيت الثاني من قصيدة يجيب بها الفرزدق ، مطلعها: سَــرتِ الهُمـومُ فَبِتْـنَ غَـيرَ نِيـامِ وأخُــو الهُمـومِ يَـرُومُ كـلَّ مَـرَامِ الشاهد في هذا البيت أنه أشار إلى الأيام بأولئك ، ولم يقل تلك ، لأن أولئك يشار بها إلى الجمع الكثير ، وهؤلاء إلى الجمع القليل ، للمذكر والمؤنث والعاقل وغيره .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [ ص: 232 ] فيه ست مسائل :الأولى : ولا تقف أي لا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك .

قال قتادة : لا تقل رأيت وأنت لم تر ، وسمعت وأنت لم تسمع ، وعلمت وأنت لم تعلم ; وقاله ابن عباس - رضي الله عنهما - .

قال مجاهد : لا تذم أحدا بما ليس لك به علم ; وقاله ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا .

وقال محمد ابن الحنفية : هي شهادة الزور .

وقال القتبي : المعنى لا تتبع الحدس والظنون ; وكلها متقاربة .

وأصل القفو البهت والقذف بالباطل ; ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا أي لا نسب أمنا .

وقال الكميت :فلا أرمي البريء بغير ذنب ولا أقفو الحواصن إن قفينايقال : قفوته أقفوه ، وقفته أقوفه ، وقفيته إذا اتبعت أثره .

ومنه القافة لتتبعهم الآثار وقافية كل شيء آخره ، ومنه قافية الشعر ; لأنها تقفو البيت .

ومنه اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - المقفي ; لأنه جاء آخر الأنبياء .

ومنه القائف ، وهو الذي يتبع أثر الشبه .

يقال : قاف القائف يقوف إذا فعل ذلك .

وتقول : فقوت للأثر ، بتقديم الفاء على القاف .

ابن عطية : ويشبه أن يكون هذا من تلعب العرب في بعض الألفاظ ; كما قالوا : رعملي في لعمري .

وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : قفا وقاف ، مثل عتا وعات .

وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف مثل جبذ وجذب .

وبالجملة فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذف ، وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والرديئة .

وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي تقف بضم القاف وسكون الفاء .

وقرأ الجراح " والفآد " بفتح الفاء ، وهي لغة لبعض الناس ، وأنكرها أبو حاتم وغيره .الثانية : قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة ; لأنه لما قال : ولا تقف ما ليس لك به علم دل على جواز ما لنا به علم ، فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به ، وبهذا احتججنا على إثبات القرعة والخرص ; لأنه ضرب من غلبة الظن ، وقد يسمى علما اتساعا .

فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل من طريق الشبه .

وفي الصحيح عن عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال : ألم تر أن مجززا نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال إن بعض هذه الأقدام لمن بعض .

[ ص: 233 ] وفي حديث يونس بن يزيد : ( وكان مجزز قائفا ) .الثالثة : قال الإمام أبو عبد الله المازري : كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد ، وكان زيد أبوه أبيض من القطن ، هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح .

قال القاضي عياض : وقال غير أحمد كان زيد أزهر اللون ، وكان أسامة شديد الأدمة ; وزيد بن حارثة عربي صريح من كلب ، أصابه سباء ، حسبما يأتي في سورة [ الأحزاب ] إن شاء الله - تعالى - .الرابعة : استدل جمهور العلماء على الرجوع إلى القافة عند التنازع في الولد ، بسرور النبي - صلى الله عليه وسلم - بقول هذا القائف ; وما كان - عليه السلام - بالذي يسر بالباطل ولا يعجبه .

ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة وإسحاق والثوري وأصحابهم متمسكين بإلغاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الشبه في حديث اللعان ; على ما يأتي في سورة [ النور ] إن شاء الله - تعالى - .الخامسة : واختلف الآخذون بأقوال القافة ، هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء أو يختص بأولاد الإماء ، على قولين ; فالأول : قول الشافعي ومالك - رضي الله عنهما - في رواية ابن وهب عنه ، ومشهور مذهبه قصره على ولد الأمة .

والصحيح ما رواه ابن وهب عنه وقال الشافعي - رضي الله عنه - ; لأن الحديث الذي هو الأصل في الباب إنما وقع في الحرائر ، فإن أسامة وأباه حران فكيف يلغى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم وهو الباعث عليه ، هذا مما لا يجوز عند الأصوليين .

وكذلك اختلف هؤلاء ، هل يكتفى بقول واحد من القافة أو لا بد من اثنين لأنها شهادة ; وبالأول قالابن القاسم وهو ظاهر الخبر بل نصه .

وبالثاني قال مالك والشافعي - رضي الله عنهما - .السادسة : قوله تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا أي يسأل كل واحد منهم عما اكتسب ، فالفؤاد يسأل عما افتكر فيه واعتقده ، والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع .

وقيل : المعنى أن الله - سبحانه وتعالى - يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده ; ونظيره قوله - صلى الله عليه وسلم - : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإنسان راع على [ ص: 234 ] جوارحه ; فكأنه قال : كل هذه كان الإنسان عنه مسئولا ، فهو على حذف مضاف .

والمعنى الأول أبلغ في الحجة ; فإنه يقع تكذيبه من جوارحه ، وتلك غاية الخزي ; كما قال : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ، وقوله شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون .

وعبر عن السمع والبصر والفؤاد بأولئك لأنها حواس لها إدراك ، وجعلها في هذه الآية مسئولة ، فهي حالة من يعقل ، فلذلك عبر عنها بأولئك .

وقال سيبويه - رحمه الله - في قوله - تعالى - : رأيتهم لي ساجدين : إنما قال : رأيتهم في نجوم ، لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من يعقل عبر عنها بكناية من يعقل ; وقد تقدم .

وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك ، وأنشد هو والطبري :ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأياموهذا أمر يوقف عنده .

وأما البيت فالرواية فيه " الأقوام " والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } فحقيق بالعبد الذي يعرف أنه مسئول عما قاله وفعله وعما استعمل به جوارحه التي خلقها الله لعبادته أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها بعبودية الله وإخلاص الدين له وكفها عما يكرهه الله تعالى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا تقف ما ليس لك به علم ( قال قتادة : لا تقل : رأيت ولم تره وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم تعلمه .

وقال مجاهد : لا ترم أحدا بما ليس لك به علم .

قال القتيبي : لا تتبعه بالحدس والظن .

وهو في اللغة اتباع الأثر يقال : قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره وبه سميت القافية لتتبعهم الآثار .

قال القتيبي : هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور أي : يكون في إقفائها يتبعها ويتعرفها .

وحقيقة المعنى : لا تتكلم [ أيها الإنسان ] بالحدس والظن .

( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ( قيل : معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده .

وقيل : يسأل السمع والبصر والفؤاد عما فعله المرء .

وقوله : ( كل أولئك ( أي : كل هذه الجوارح والأعضاء وعلى القول الأول يرجع " أولئك " [ إلى ] أربابها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن الحسين أخبرنا أبو علي حامد بن محمد الرفاء حدثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز أخبرنا الفضل بن دكين حدثنا سعد بن أوس العبسي حدثني بلال بن يحيى العبسي أن شتير بن شكل أخبره عن أبيه شكل بن حميد قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال : " قل : اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر منيي " قال : فحفظتها قال سعد المني ماؤه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تقفُ» تتبع «ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد» القلب «كل أولئك كان عنه مسؤولاً» صاحبه ماذا فعل به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تتبع -أيها الإنسان- ما لا تعلم، بل تأكَّد وتثبَّت.

إن الإنسان مسؤول عما استعمَل فيه سمعه وبصره وفؤاده، فإذا استعمَلها في الخير نال الثواب، وإذا استعملها في الشر نال العقاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - تلك التوجيهات السامية السديدة ، بالنهى عن تتبع ما لا علم للإِنسان به ، وعن الفخر والتكبر والخيلاء .

.

فقال - تعالى - :( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ذَلِكَ مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ) .قال القرطبى - رحمه الله - ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أى : ولا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك - من قول أو فعل - قال قتادة : لا تقل رأيت وأنت لم تر ، وسمعت وأنت لم تسمع ، وعلمت وأنت لم تعلم .

.ثم قال : وأصل القَفْو البُهْت ، والقذف بالباطل .

ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أُمَّنا ، ولا ننتفى من أبينا " أى : لا نسُبُّ أمنا .وقال : قفوته أقفوه .

.

.

إذا اتبعت أثره .

وقافية كل شئ آخره ، ومنه اسم النبى صلى الله عليه وسلم : المُقَفَّى ، لأنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ، ومنه القائف ، وهو الذى يتبع الأثر ..

.وقال صاحب الكشاف - رحمه الله - : قوله : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) : يعنى ، ولا تكن فى اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل ، كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال .

والمراد : النهى عن أن يقول الرجل ما لا يعلم ، وأن يعمل بما لا يعلم .

ويدخل فيه النهى عن التقليد الأعمى دخولا ظاهرا لأنه اتباع لا لما لا يعلم صحته من فساده .

.

.وقوله : ( إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) تحذير شديد من أن يقول الإِنسان قولا لا علم له به ، أو أن يفعل فعلا بدون تحقق ، أو أن يحكم حكما بلا بينة أو دليل .أى : إن السمع الذى تسمع به - أيها المكلف - ، والبصر الذى تبصر به ، والفؤاد - أى القلب - الذى تحيا به ، كل أولئك الأعضاء ستكون مسئولا عن أفعالها يوم القيامة ، وسيقال لك بتأنيب وتوبيخ : لماذا سمعت ما لا يحل لك سماعه ، ونظرت إلى ما لا يجوز لك النظر إليه ، وسعيت إلى ما لا يصح لك أن تسعى إليه!!

.وعلى هذا التفسير يكون السؤال فى قوله - تعالى - : ( كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) للإنسان الذى تتبع ما ليس له به علم من قول أو فعل .ومن الآيات التى تشهد لهذا التفسير قوله - تعالى - : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) ومنهم من يرى أن السؤال موجه إلى تلك الأعضاء ، لتنطق بما اجترحه صاحبها ، ولتكون شاهدة عليه ، فيكون المعنى : .إن السمع والبصر والفؤاد ، كل واحد من أولئك الأعضاء ، كان مسئولا عن فعله ، بأن يقال له : هل استعملك صاحبك فيما خلقت من أجله أوْ لا؟

.ويكون هذا السؤال للأعضاء من باب التوبيخ لأصحابها ، كما قال - تعالى - : ( اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) وكما قال - سبحانه - : ( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار فَهُمْ يُوزَعُونَ حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) واسم الإِشارة ( أولئك ) على التفسير يعود إلى السمع والبصر والفؤاد ، إما لأن هذا الاسم يشار به إلى العقلاء ويشار به إلى غير العقلاء ، كما فى قول الشاعر :ذُمَّ المنازلَ بعد منزلة اللوى ...

والعيش بعد أولئك الأياموإما لأن هذه الأعضاء أخذت حكم العقلاء ، لأنها جزء منهم ، وشاهدة عليهم .وعلى كلا التفسيرين أيضا ، يتمثل التحذير الشديد للإِنسان عن أن يتبع ما ليس له به علم .قال الجمل : وقوله - تعالى - : ( كل أولئك ) مبتدأ ، خبره جملة ( كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ، والضمير فى " كان " وفى " عنه " وفى ( مسئولا ) يعود على كل .أى : كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه ، يعنى عما فعل به صاحبه : ويجوز أن يكون الضمير فى : " عنه " لصاحب السمع والبصر والفؤاد .

.

.وشبيه بهذه الآية فى النهى عن اتباع ما لا علم للإنسان به .

قوله - تعالى - : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغي بِغَيْرِ الحق وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) وقوله - سبحانه - : ( ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسواء والفحشآء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) قال الإِمام ابن كثير : ومضمون ما ذكروه - فى معنى قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ .

.

) أن الله - تعالى - نهى عن القول بلا علم ، كما قال - سبحانه - : ( اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ .

.

) وفى الحديث : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث .

.

.

" وفى سنن أبى داود : " بئس مطية الرجل زعموا " وفى الحديث الآخر : " إن أفْرَى الفِرَى - أى أكذب الكذب - أن يُرِىَ الرجل عينيه ما لم تريا " .وقال بعض العلماء : وهذه الكلمات القليلة - التى اشتملت عليها الآية - تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل ، يشمل المنهج العلمى الذى عرفته البشرية حديثا جدا ، ويضيف إليه استقامة القلب ، ومراقبة الله ، ميزة الإِسلام على المناهج العقلية الجافة!

.فالتثبت من كل خبر ، ومن كل ظاهرة ، ومن كل حركة ، قبل الحكم عليها ، هو دعوة القرآن الكريم ، ومنهج الإِسلام الدقيق .

.فلا يقول اللسان كلمة ، ولا ينقل رواية ، ولا يروى حادثة ، ولا يحكم العقل حكما ، ولا يبرم الإِنسان أمرا .

إلا وقد تثبت من كل جزئية ، ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة ، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة فى صحتها .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما شرح الأوامر الثلاثة، عاد بعده إلى ذكر النواهي فنهى عن ثلاثة أشياء: أولها: قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ وقوله: ﴿ تَقْفُ ﴾ مأخوذ من قولهم: قفوت أثر فلان أقفو قفواً وقفواً إذا اتبعت أثره، وسميت قافية الشعر قافية لأنها تقفو البيت، وسميت القبيلة المشهورة بالقافة، لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوال الإنسان، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم بِرُسُلِنَا  ﴾ وسمي القفا قفا لأنه مؤخر بدن الإنسان كأنه شيء يتبعه ويقفوه فقوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ ﴾ أي ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به من قول أو فعل، وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع وفيه وجوه: الوجه الأول: المراد نهي المشركين عن المذاهب التي كانوا يعتقدونها في الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم، لأنه تعالى نسبهم في تلك العقائد إلى اتباع الهوى فقال: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان إِن يَتَّبِعُونَ إلا الظن وما تهوى الأنفس  ﴾ وقال في إنكارهم البعث: ﴿ بَلِ ادارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الأَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ  ﴾ وحكي عنهم أنهم قالوا: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ  ﴾ وقال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ  ﴾ الآية وقال: ﴿ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن  ﴾ .

والقول الثاني: نقل عن محمد بن الحنفية أن المراد منه شهادة الزور، وقال ابن عباس: لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.

والقول الثالث: المراد منه: النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب، وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.

القول الرابع: المراد منه النهي عن الكذب.

قال قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم.

والقول الخامس: أن القفو هو البهت وأصله من القفا، كأنه قول يقال خلفه وهو في معنى الغيبة وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه.

وفي بعض الأخبار من قفا مسلماً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال، واعلم أن اللفظ عام يتناول الكل فلا معنى للتقليد، والله أعلم.

المسألة الثانية: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: القياس لا يفيد إلا الظن والظن مغاير للعلم، فالحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم، فوجب أن لا يجوز لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ .

أجيب عنه من وجوه: الأول: أن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز بإجماع الأمة في صور كثيرة: أحدها: أن العمل بالفتوى عمل بالظن وهو جائز.

وثانيها: العمل بالشهادة عمل بالظن وأنه جائز.

وثالثها: الاجتهاد في طلب القبلة لا يفيد إلا الظن وأنه جائز.

ورابعها: قيم المتلفات وأروش الجنايات لا سبيل إليها إلا بالظن وأنه جائز.

وخامسها: الفصد والحجامة وسائر المعالجات بناء على الظن وأنه جائز.

وسادسها: كون هذه الذبيحة ذبيحة للمسلم مظنون لا معلوم، وبناء الحكم عليه جائز.

وسابعها: قال تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا  ﴾ وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم.

وثامنها: الحكم على الشخص المعين بكونه مؤمناً مظنون ثم نبني على هذا الظن أحكاماً كثيرة مثل حصول التوارث ومثل الدفن في مقابر المسلمين وغيرهما.

وتاسعها: جميع الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار، وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة وبناء الأمر على تلك الظنون جائز.

وعاشرها: قال عليه السلام: «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر».

وذلك تصريح بأن الظن معتبر في هذه الأنواع العشرة فبطل قول من يقول: إنه لا يجوز بناء الأمر على الظن.

والجواب الثاني: أن الظن قد يسمى بالعلم.

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أَعْلَمُ بإيمانهن فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار  ﴾ ومن المعلوم أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وذلك لا يفيد إلا الظن، فهاهنا الله تعالى سمى الظن علماً.

والجواب الثالث: أن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس، وكان ذلك الدليل دليلاً على أنه متى حصل ظن أن حكم الله في هذه السورة يساوي حكمه في محل النص، فأنتم مكلفون بالعمل على وفق ذلك الظن، فهاهنا الظن وقع في طريق الحكم، فأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن.

أجاب نفاة القياس عن السؤال الأول فقالوا: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ عام دخله التخصيص في الصور العشرة المذكورة، فيبقى هذا العموم فيما وراء هذه الصور حجة، ثم نقول: الفرق بين هذه الصور العشر وبين محل النزاع أن هذه الصور العشر مشتركة في أن تلك الأحكام أحكام مختصة بأشخاص معينين في أوقات معينة، فإن الواقعة التي يرجع فيها الإنسان المعين إلى المعنى المعين واقعة متعلقة بذلك الشخص المعين، وكذلك القول في الشهادة وفي طلب القبلة وفي سائر الصور.

والتنصيص على وقائع الأشخاص المعينين في الأوقات المعينة يجري مجرى التنصيص على ما لا نهاية له، وذلك متعذر، فلهذه الضرورة اكتفينا بالظن.

أما الأحكام المثبتة بالأقيسة فهي أحكام كلية معتبرة في وقائع كلية وهي مضبوطة قليلة، والتنصيص عليها ممكن ولذلك فإن الفقهاء الذين استخرجوا تلك الأحكام بطريق القياس ضبطوها وذكروها في كتبهم.

إذا عرفت هذا فنقول: التنصيص على الأحكام في الصور العشر التي ذكرتموها غير ممكن فلا جرم اكتفى الشارع فيها بالظن، أما المسائل المثبتة بالطرق القياسية التنصيص عليها ممكن فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن فظهر الفرق.

وأما الجواب الثاني: وهو قولهم الظن قد يسمى علماً فنقول: هذا باطل فإنه يصح أن يقال هذا مظنون وغير معلوم، وهذا معلوم وغير مظنون، وذلك يدل على حصول المغايرة، ثم الذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن  ﴾ نفي العلم، وإثبات للظن، وذلك يدل على حصول المغايرة، وأما قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات  ﴾ فالمؤمن هو المقر، وذلك الإقرار هو العلم.

وأما الجواب الثالث: فهو أيضاً ضعيف، لأن ذلك الكلام إنما يتم لو ثبت أن القياس حجة بدليل قاطع وذلك باطل لأن تلك الحجة إما أن تكون عقلية أو نقلية، والأول باطل لأن القياس الذي يفيد الظن لا يجب عقلاً أن يكون حجة، والدليل عليه أنه لا نزاع أن يصح من الشرع أن يقول: نهيتكم عن الرجوع إلى القياس ولو كان كونه حجة أمراً عقلياً محضاً لامتنع ذلك.

والثاني: أيضاً باطل، لأن الدليل النقلي في كون القياس حجة إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا المطلوب دلالة قطعية غير محتملة النقيض ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولعرفه الكل ولارتفع الخلاف، وحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يحصل في هذه المسألة دليل سمعي قاطع، فثبت أنه لم يوجد في إثبات كون القياس حجة دليل قاطع ألبتة، فبطل قولكم كون الحكم المثبت بالقياس حجة معلوم لا مظنون، فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل.

وأحسن ما يمكن أن يقال في الجواب عنه إن التمسك بهذه الآية التي عولتم عليها تمسك بعام مخصوص، والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن، فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بهذه الآية غير جائز، فالقول بكون هذه الآية حجة يفضي ثبوته إلى نفيه فكان تناقضاً فسقط الاستدلال به، والله أعلم.

وللمجيب أن يجيب فيقول: نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن حجة في الشريعة ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن كون العام المخصوص حجة غير معلوم بالتواتر، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مسؤلا ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: أن العلوم إما مستفادة من الحواس، أو من العقول.

أما القسم الأول: فإليه الإشارة بذكر السمع والبصر، فإن الإنسان إذا سمع شيئاً ورآه فإنه يرويه ويخبر عنه، وأما القسم الثاني: فهو العلوم المستفادة من العقل وهي قسمان: البديهية والكسبية، وإلى العلوم العقلية الإشارة بذكر الفؤاد.

البحث الثاني: ظاهر الآية يدل على أن هذه الجوارح مسؤولة وفيه وجوه: الوجه الأول: أن المراد أن صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤول لأن السؤال لا يصح إلا ممن كان عاقلاً، وهذه الجوارح ليست كذلك، بل العاقل الفاهم هو الإنسان، فهو كقوله تعالى: ﴿ واسألِ القرية  ﴾ والمراد أهلها يقال له لم سمعت ما لايحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه.

والوجه الثاني: أن تقرير الآية أن أولئك الأقوام كلهم مسؤولون عن السمع والبصر والفؤاد فيقال لهم استعملتم السمع فيماذا أفي الطاعة أو في المعصية؟

وكذلك القول في بقية الأعضاء، وذلك لأن هذه الحواس آلات النفس، والنفس كالأمير لها والمستعمل لها في مصالحها فإن استعملتها النفس في الخيرات استوجبت الثواب، وإن استعملتها في المعاصي استحقت العقاب.

والوجه الثالث: أنه ثبت بالقرآن أنه تعالى يخلق الحياة في الأعضاء ثم إنها تشهد على الإنسان والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ ولذلك لا يبعد أن يخلق الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء.

ثم إنه تعالى يوجه السؤال عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلاَ تَقْفُ ﴾ ولا تتبع.

وقرئ ﴿ ولا تقف ﴾ .

يقال: قفا أثره وقافه، ومنه: القافة، يعني: ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع مسلكاً لا يدري أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال.

والمراد: النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم، ويدخل فيه النهي عن التقليد دخولاً ظاهراً.

لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده.

وعن ابن الحنفية: شهادة الزور وعن الحسن: لا تقف أخاك المسلم إذا مرّ بك، فتقول: هذا يفعل كذا، ورأيته يفعل، وسمعته، ولم تر ولم تسمع.

وقيل: القفو شبيه بالعضيهة ومنه الحديث: «من قفى مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج» وأنشد: وَمِثْلُ الدُّمَى شم الْعَرَانِينِ سَاكِن ** بَهِنَّ الحَيَاءُ لاَ يُشِعْنَ التَّقَافِيَا أي التقاذف.

وقال الكميت: وَلاَ أرْمِي البَرِيَّ بِغَيْرِ ذَنْب ** وَلاَ أقْفُو الحَوَاصِنَ إنْ قُفِينَا وقد استدل به مبطل الاجتهاد ولم يصح؛ لأنّ ذلك نوع من العلم، فقد أقام الشرع غالب الظن مقام العلم، وأمر بالعمل به ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد، كقوله: وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُوَلئِكَ الأَيَّامِ و ﴿ عَنْهُ ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية، أي: كل واحد منها كان مسؤلاً عنه، فمسئول: مسند إلى الجار والمجرور، كالمغضوب في قوله ﴿ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] يقال للإنسان: لم سمعت ما لم يحل لك سماعه؛ ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟

وقرئ ﴿ والفواد ﴾ بفتح الفاء والواو، قلبت الهمزة واواً بعد الضمة في الفؤاد، ثم استصحب القلب مع الفتح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ ولا تَتَبِّعْ وقُرِئَ « ولا تَقْفَ» مِن قافَ أثَرَهُ إذا قَفاهُ ومِنهُ القافَةُ.

﴿ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ما لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ عِلْمُكَ تَقْلِيدًا أوْ رَجْمًا بِالغَيْبِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن مَنَعَ اتِّباعَ الظَّنِّ وجَوابُهُ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ هو الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ المُسْتَفادُ مِن سَنَدٍ، سَواءٌ كانَ قَطْعًا أوْ ظَنًّا واسْتِعْمالُهُ بِهَذا المَعْنى سائِغٌ شائِعٌ.

وقِيلَ إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالعَقائِدِ.

وقِيلَ بِالرَّمْيِ وشَهادَةِ الزُّورِ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ حَبَسَهُ اللَّهُ في رَدْغَةِ الخَبالِ حَتّى يَأْتِيَ بِالمَخْرَجِ» .

وقَوْلُ الكُمَّيْتِ: ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ.

.

.

ولا أقْفُو الحَواصِنَ إنْ قُفِينا ﴿ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ ﴾ أيْ كُلُّ هَذِهِ الأعْضاءِ فَأجْراها مَجْرى العُقَلاءِ لَمّا كانَتْ مَسْؤُولَةً عَنْ أحْوالِها شاهِدَةً عَلى صاحِبِها، هَذا وإنَّ (أُولاءِ) وإنْ غَلَبَ في العُقَلاءِ لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِذا وهو يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ جاءَ لِغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ ﴿ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا ﴾ في ثَلاثَتِها ضَمِيرُ كُلٍّ أيْ كانَ كُلٌّ واحِدٍ مِنها مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ، يَعْنِي عَمّا فَعَلَ بِهِ صاحِبُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في عَنْهُ لِمَصْدَرِ (لا تَقْفُ) أوْ لِصاحِبِ السَّمْعِ والبَصَرِ.

وقِيلَ ﴿ مَسْؤُولا ﴾ مُسْنَدٌ إلى ﴿ عَنْهُ ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ والمَعْنى يُسْألُ صاحِبُهُ عَنْهُ، وهو خَطَأٌ لِأنَّ الفاعِلَ وما يَقُومُ مَقامَهُ لا يَتَقَدَّمُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ مُؤاخَذٌ بِعَزْمِهِ عَلى المَعْصِيَةِ.

وقُرِئَ ﴿ والفُؤادَ ﴾ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا بَعْدَ الضَّمَّةِ ثُمَّ إبْدالُها بِالفَتْحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ولا تتبع ما لم تعلم أي لا تقل رأيت وما رأيت وسمعت وما سمعت وعن ابن الحنفية لا نشهد بالزور وعن ابن عباس لا ترم أحداً بما لا تعلم ولا يصح التثبت به لمبطل

الاجتهاد لأن ذلك نوع من العلم فإن علمتموهن مؤمنات وأقام الشارع غالب الظن مقام العلم وأمر بالعمل به كما في الشهادات ولنا في العمل بخير الواحد لما ذكرنا {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كل أولئك كان عنه مسؤولا} أولئك إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد لأن أولئك كما يكون إشارة إلى العقلاء يكون إشارة إلى غيرهم كقول جرير

ذم المنازل بعد منزلة اللوى ...

والعيش بعد أولئك الأيام

وعنه في موضع الرفع بالفاعلية أي كل واحد منها كان مسئولا عنه فمسئول مسند إلى الجار والمجرور كالمغضوب في غَيْرِ المغضوب عليهم يقال للإنسان لم سمعت ما لم يحل لك سماعه ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه كذا في الكشاف وفيه نظر لبعضهم لأن الجار والمجرور إنما يقومان مقام الفاعل إذا تأخرا عن الفعل فأما إذا تقدما فلا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَقْفُ ﴾ ولا تَتَّبِعْ، وأصْلُ مَعْنى قَفا اتَّبَعَ قَفاهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الِاتِّباعِ وصارَ حَقِيقَةً فِيهِ.

وقُرِئَ: «ولا تَقْفُوا» بِإثْباتِ حَرْفِ العِلَّةِ مَعَ الجازِمِ وهو شاذٌّ، وقُرِئَ أيْضًا: «ولا تَقُفْ» بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الفاءِ كَتَقُلْ عَلى أنَّهُ أجْوَفُ مَجْزُومٌ بِالسُّكُونِ وماضِيهِ قافَ؛ يُقالُ: قافَ أثَرَهُ يَقُوفُهُ إذا قَصَّهُ واتَّبَعَهُ، ومِنهُ القِيافَةُ، وأصْلُها ما يُعْلَمُ مِنَ الإقْدامِ وأثَرِها، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ قافَ مَقْلُوبُ قَفا كَجَذَبَ وجَبَذَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الصَّحِيحَ خِلافُهُ.

﴿ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أيْ: لا تَتْبَعْ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى النَّهْيِ عَنِ الحُكْمِ بِما لا يَكُونُ مَعْلُومًا ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ أُمُورٌ.

وكُلٌّ مِنَ المُفَسِّرِينَ اقْتَصَرَ عَلى شَيْءٍ؛ فَقِيلَ: المُرادُ نَهْيُ المُشْرِكِينَ عَنِ القَوْلِ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ تَقْلِيدًا لِلْأسْلافِ واتِّباعًا لِلْهَوى، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنْ شَهادَةِ الزُّورِ، وقِيلَ: المُرادُ النَّهْيُ عَنِ القَذْفِ ورَمْيِ المُحْصَنِينَ والمُحْصَناتِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ولا أقْفُو الحَواصِنَ إنْ رُمِينا ورَوى البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ مِن حَدِيثِ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ: ««مَن قَفا مُؤْمِنًا بِما لَيْسَ فِيهِ - يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ - حَبَسَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتّى يَخْرُجَ مِمّا قالَ»».

وقِيلَ: المُرادُ النَّهْيُ عَنِ الكَذِبِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: لا تَقُلْ: سَمِعْتُ ولَمْ تَسْمَعْ ورَأيْتُ ولَمْ تَرَ، واخْتارَ الإمامُ العُمُومَ قالَ: إنَّ اللَّفْظَ عامٌّ يَتَناوَلُ الكُلَّ فَلا مَعْنى لِلتَّقْيِيدِ، واحْتَجَّ بِالآيَةِ نُفاةُ القِياسِ لِأنَّهُ قَفْوٌ لِلظَّنِّ وحُكْمٌ بِهِ.

وأُجِيبَ بِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى الحُكْمِ بِالظَّنِّ والعَمَلِ بِهِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ فَمِن ذَلِكَ الصَّلاةُ عَلى المَيِّتِ ودَفْنِهِ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ وتَوْرِيثِ المُسْلِمِ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّهُ مُسْلِمٌ وهو مَظْنُونٌ، والتَّوَجُّهُ إلى القِبْلَةِ في الصَّلاةِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الِاجْتِهادِ بِأماراتٍ لا تُفِيدُ إلّا الظَّنَّ وأكْلُ الذَّبِيحَةِ بِناءً عَلى أنَّها ذَبِيحَةٌ مُسَلَّمٌ وهو مَظْنُونٌ والشَّهادَةُ فَإنَّها ظَنِّيَّةُ وقِيَمُ المُتْلَفاتِ وأُرُوشُ الجِناياتِ فَإنَّها لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا الظَّنُّ، ومَن نَظَرَ ولَوْ بِمُؤَخَّرِ العَيْنِ رَأى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ المُعْتَبَرَةِ في الدُّنْيا مِنَ الأسْفارِ وطَلَبِ الأرْباحِ والمُعامَلاتِ إلى الآجالِ المَخْصُوصَةِ والِاعْتِمادِ عَلى صَداقَةِ الأصْدِقاءِ وعَداوَةِ الأعْداءِ كُلُّها مَظْنُونَةٌ.

وقَدْ قالَ  : ««نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ»».

فالنَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ ما لَيْسَ بِعِلْمٍ قَطْعِيٍّ مَخْصُوصٌ بِالعَقائِدِ وبِأنَّ الظَّنَّ قَدْ يُسَمّى عِلْمًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ ﴾ فَإنَّ العِلْمَ بِإيمانِهِنَّ إنَّما يَكُونُ بِإقْرارِهِنَّ وهو لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، وبِأنَّ الدَّلِيلَ القاطِعَ لَمّا دَلَّ عَلى وُجُوبِ العَمَلِ بِالقِياسِ كانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَتى حَصَلَ ظَنٌّ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ الصُّورَةِ يُساوِي حُكْمَهُ في مَحَلِّ النَّصِّ فَأنْتُمْ مُكَلَّفُونَ بِالعَمَلِ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الظَّنِّ فَها هُنا الظَّنُّ واقِعٌ في طَرِيقِ الحُكْمِ، وأمّا ذَلِكَ الحُكْمُ فَهو مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ.

وأجابَ النُّفاةُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لا تَقْفُ ) الآيَةَ.

عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ فِيما يَذْكُرُونَ فِيهِ العَمَلَ بِالظَّنِّ فَيَبْقى العُمُومُ فِيما وراءَهُ عَلى أنَّ بَيْنَ ما يَذْكُرُونَهُ مِنَ الصُّوَرِ وبَيْنَ مَحَلِّ النِّزاعِ فَرْقًا لِأنَّ الأحْكامَ المُتَعَلِّقَةَ بِالأوَّلِ مُخْتَصَّةٌ بِأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ في أوْقاتٍ مُعَيَّنَةٍ فالتَّنْصِيصُ عَلى ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ فاكْتُفِيَ بِالظَّنِّ لِلضَّرُورَةِ بِخِلافِ الثّانِي؛ فَإنَّ الأحْكامَ المُثْبَتَةَ بِالأقْيِسَةِ كُلِّيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ في وقائِعَ كُلِّيَّةٍ وهي مَضْبُوطَةٌ والتَّنْصِيصُ عَلَيْها مُمْكِنٌ فَلَمْ يَجُزِ الِاكْتِفاءُ فِيها بِالظَّنِّ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُغايَرَةَ بَيْنَ العِلْمِ والظَّنِّ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ ﴾ والمُؤْمِنُ هو المُقِرُّ وذَلِكَ الإقْرارُ هو العِلْمُ فَلَيْسَ في الآيَةِ تَسْمِيَةُ الظَّنِّ عِلْمًا، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ ثَبَتَ حُجِّيَّةُ القِياسِ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ ولَيْسَ فَلَيْسَ، وأحْسَنُ ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ عَلى ما قالَ الإمامُ أنَّ التَّمَسُّكَ بِالآيَةِ تَمَسُّكٌ بِعامٍّ مَخْصُوصٍ وهو لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ فَلَوْ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ لَدَلَّتْ عَلى أنَّ التَّمَسُّكَ بِها غَيْرُ جائِزٍ فالقَوْلُ بِحُجِّيَّتِها يُفْضِي إلى نَفْيِهِ وهو باطِلٌ، ولِلْمُجِيبِ أنْ يَقُولَ: نَعْلَمُ بِالتَّواتُرِ الظّاهِرِ مِن دِينِ النَّبِيِّ  أنَّ التَّمَسُّكَ بِآياتِ القُرْآنِ حُجَّةٌ في الشَّرِيعَةِ.

ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ هَذا بِأنَّ كَوْنَ العامِّ المَخْصُوصِ حُجَّةً غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالتَّواتُرِ فَتَأمَّلْ.

﴿ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ ﴾ أيْ: كُلُّ هَذِهِ الأعْضاءِ وأُشِيرَ إلَيْها بِأُولَئِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعُقَلاءِ تَنْزِيلًا لَها مَنزِلَتَهم لَمّا كانَتْ مَسْؤُولَةً عَنْ أحْوالِها شاهِدَةً عَلى أصْحابِها.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها غالِبَةٌ في العُقَلاءِ وجاءَتْ لِغَيْرِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّها اسْمُ جَمْعٍ؛ لِذا وهو يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ عَلى ما رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ: ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللَّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى التَّنْزِيلِ وارْتِكابِ الِاسْتِعارَةِ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا ﴾ كُلُّ الضَّمائِرِ ضَمائِرُ «كَلُّ» أيْ: كانَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ فَيُقالُ لَهُ: هَلِ اسْتَعْمَلَكَ صاحِبُكَ فِيما خُلِقْتَ لَهُ أمْ لا؟

وذَلِكَ بَعْدَ جَعْلِهِ أهْلًا لِلْخِطابِ والسُّؤالِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ «عَنْهَ» لِكُلٍّ، وما عَداهُ لِلْقافِي فَهُناكَ التِفاتٌ؛ إذِ الظّاهِرُ: كُنْتُ عَنْهُ مَسْؤُولًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «عَنْهَ» نائِبُ فاعِلِ «مَسْؤُولًا» فَهو مُسْنَدٌ إلَيْهِ ولا ضَمِيرَ فِيهِ نَحْوَ: ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ .

ورَدَّهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ بِأنَّ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ حُكْمُهُ حُكْمُهُ في أنَّهُ لا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلى عامِلِهِ كَأصْلِهِ.

وذُكِرَ أنَّهُ حَكى ابْنُ النَّحّاسِ الإجْماعَ عَلى عَدَمِ جَوازِ تَقْدِيمِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ إذا كانَ جارًّا ومَجْرُورًا فَلَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرَ ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ في تَجْوِيزِهِمْ تَقْدِيمَ الفاعِلِ إلّا أنْ يُنازَعَ في صِحَّةِ الحِكايَةِ، ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ التَّقْرِيبِ أنَّهُ إنَّما جازَ تَقْدِيمُ «عَنْهُ» مَعَ أنَّهُ فاعِلٌ لَمْحًا لِأصالَةِ ظَرْفِيَّتِهِ لا لِعُرُوضِ فاعِلِيَّتِهِ ولِأنَّ الفاعِلَ لا يَتَقَدَّمُ لِالتِباسِهِ بِالمُبْتَدَأِ ولا التِباسَ هاهُنا ولِأنَّهُ لَيْسَ بِفاعِلٍ حَقِيقَةً اه.

والإنْصافُ أنَّهُ مَعَ هَذا لا يُقالُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُ العَرَبِيَّةِ إنَّهُ غَلَطٌ.

وذَكَرَ في شَرْحِ نَحْوِ المِفْتاحِ أنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، وجُوِّزَ إخْلاءُ المُفَسِّرِ عَنِ الفاعِلِ إذا لَمْ يَكُنْ فِعْلًا مُعَلَّلًا بِأصالَةِ الفِعْلِ في رَفْعِ الفاعِلِ فَلا يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْهُ بِخِلافِ اسْمَيِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ تَشْبِيهًا بِالجَوامِدِ.

وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا نَقْلًا وقِياسًا أما الأوَّلُ فَلِتَفَرُّدِهِ بِهِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ الِاحْتِياجَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا جَرى عَلى شَيْءٍ لا بُدَّ مِن عائِدٍ إلَيْهِ لِيَرْتَبِطَ بِهِ ويَكُونُ هو الذّاتَ القائِمَ هو بِها إنْ كانَ فاعِلًا أوْ مُلابِسًا لِتِلْكَ الذّاتِ ولَيْسَ كالجَوامِدِ في ارْتِباطِها بِالسَّوابِقِ بِنَفْسِ الحَمْلِ لِأنَّها لا تَدُلُّ عَلى مَعْنًى مُتَعَلِّقٍ بِذاتٍ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: حُذِفَ الجارُّ واسْتَتَرَ الضَّمِيرُ بَعْدَهُ في الصِّفَةِ، وقَدْ سَمِعْتُ عَنْ قُرْبٍ أنَّ هَذا مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ وأنَّهُ شائِعٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعُ «مَسْؤُولًا» المَصْدَرَ وهو السُّؤالُ و«عَنْهُ» في مَحَلِّ النَّصْبِ.

وسَألَ ابْنُ جِنِّيٍّ أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ: فِيكَ يَرْغَبُ وقالَ: لا يَرْتَفِعُ بِما بَعْدَهُ فَأيْنَ المَرْفُوعُ؟

فَقالَ: المَصْدَرُ أيْ فِيكَ يَرْغَبُ الرَّغَبُ بِمَعْنى تُفْعَلُ الرَّغْبَةُ كَما في قَوْلِهِمْ: يُعْطِي يَمْنَعُ أيْ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ كانَ أوْ فاعِلُهُ ضَمِيرَ «كُلُّ» مَحْذُوفَ المُضافِ، أيْ كانَ صاحِبُهُ عَنْهُ مَسْؤُولًا أوْ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا صاحِبُهُ فَيُقالُ لَهُ: لِمَ اسْتَعْمَلْتَ السَّمْعَ فِيما لا يَحِلُّ ولِمَ صَرَفْتَ البَصَرَ إلى كَذا والفُؤادَ إلى كَذا؟

وقَرَأ الجَرّاحُ العُقَيْلِيُّ «والفُوادَ» بِفَتْحِ الفاءِ وإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا، وتَوْجِيهِها أنَّهُ أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ واوًا لِوُقُوعِها مَعَ ضَمَّةٍ في المَشْهُورِ ثُمَّ فُتِحَتِ الفاءُ تَخْفِيفًا وهي لُغَةٌ في ذَلِكَ، ولا عِبْرَةَ بِإنْكارِ أبِي حاتِمٍ لَها، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ يُؤاخَذُ بِفِعْلِ القَلْبِ كالتَّصْمِيمِ عَلى المَعْصِيَةِ والأدْواءِ القَلْبِيَّةِ كالحِقْدِ والحَسَدِ والعُجْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَعَمْ صَرَّحُوا بِأنَّ الهَمَّ بِالمَعْصِيَةِ مِن غَيْرِ تَصْمِيمٍ لا يُؤاخَذُ بِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ في ذَلِكَ.

ثُمَّ إنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ يَكُونُ كَبِيرَةً ويَكُونُ صَغِيرَةً حَسَبَ أنْواعِهِ وأصْنافِها ومِنهُ ما هو أكْبَرُ الكَبائِرِ كَما لا يَخْفى.

نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي: إلا على وجه التجارة لينمو مال اليتيم بالأرباح، أو ينمو على وجه المضاربة حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ يعني: حتى يَبْلُغَ ويتم خلقه.

وقال القتبي: أشد الرجل، غير أشد اليتيم، وإن كان لفظهما واحداً، لأن قوله تعالى: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ [الأحقاف: 25] إنّما هو الاكتهال، وذلك ثلاثون سنة.

وأشد الغلام أن يشتد خلقه، وذلك ثمان عشرة سنة.

وقال مقاتل: هذه الآية منسوخة بقوله: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [البقرة: 220] .

ثم قال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ يعني: العهد الذي بينكم وبين الله تعالى، والعهد الذي بينكم وبين الناس إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا يعني: إن ناقض العهد يسأل عنه يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ لغيركم وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ أي: بالميزان العدل بلغة الروم.

قرأ حمزة والكسائي بِالْقِسْطاسِ بكسر القاف، والباقون بالضم، وهما لغتان يعني: الميزان.

ويقال: هو القبان.

ذلِكَ خَيْرٌ أي: الوفاء بجميع ما أمركم الله به، ونهاكم عنه، خير من البخس والنقصان.

وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي: عاقبة ومرجعاً في الآخرة.

وقال: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يقول: لا تقل ما لم تعلم، فتقول: علمت ولم تعلم، ورأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، أي: كأنك تقفو الأمور.

يقال: قفوت أثره، والقائف: الذي يعرف الآثار ويتبعها.

ثم حذرهم فقال: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا أي: يسأل العبد عن أعضائه يوم القيامة، فيشهدن عليه.

ويقال: معناه صاحب السمع والبصر والفؤاد يسأل يوم القيامة عن السمع والبصر والفؤاد.

ويقال: معنى قوله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: لا تقل ما لم تعلم، ولا تسمع اللغو، ولا تنظر إلى الحرام، ولا تحكم على الظن كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا يعني: عن الكلام باللسان، والتسمع بالسمع، والتبصر بالبصر على وجه الإضمار، وهو من جوامع الكلم.

ثم قال: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً يعني: بالتكبر والفخر إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ يعني: لن تدخل الْأَرْضِ ولن تجاوزها وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا يريد: أنه ليس للعاجز أن يمدح نفسه، ويستكبر.

كُلُّ ذلِكَ أي: كل ما أمرتك به، ونهيتك عنه كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ أي ترك ذلك سيئة ومعصية عند الله مَكْرُوهاً أي: منكراً.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو، ونافع، سَيِّئَةً بنصب الهاء مع التنوين، يعني: خطيئة.

ومعناه: ما ذكر في هذه الآية تركه كان معصية وسيئة.

وقرأ الباقون سَيِّئُهُ بضم الهاء على معنى الإضافة، قال أبو عبيدة: وبهذه القراءة نقرأ، وحجته قراءة أُبَيّ، كان يقرأ سَيِّئَاتِهِ على معنى الإضافة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويحتمل أنْ يكون التأويلُ مصدر تأولَّ، أي: يتأول عليكم الخَيْر في جميع أموركم، إِذا أحسنتم الكيلَ والوَزْن.

وقال ص: تَأْوِيلًا أي: عاقبة انتهى.

وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨)

وقوله سبحانه: وَلا تَقْفُ معناه لا تقُلْ ولا تتَّبع، واللفظة تستعملُ في القَذْف ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ لاَ نَقْفُوا أُمَّنَا، وَلاَ نَنْتِفى مِنْ أَبِينَا» ، وأصل «١» هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول: قَفَوْتُ الأَثَرَ، وحكى الطبريُّ «٢» عن فرقةٍ أنها قالَتْ: قَفَا وقَافَ، مثل عَثَا وعَاث، فمعنى الآية: ولا تتبع لسانَكَ من القول ما لا عِلْمَ لك به، وبالجملة: فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذفِ وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والمُرْدِيَة.

إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا عبَّر عن هذه الحواسِّ ب أُولئِكَ.

لأن لها إدراكاً وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالَةُ مَنْ يعقل.

ت: قال ص: وما توهمه ابنُ عطية أُولئِكَ تختصُّ بمن يعقل ليس كذلك إِذ لا خلاف بين النحاة في جواز إطلاق «أولاء» و «أولئك» على مَنْ لا يعقل.

ت: وقد نقل ع «٣» الجَوَازَ عن الزَّجَّاجِ وفي ألفِيَّةِ ابْنِ مالك: [الرجز] وبأولى أشر لجمع مطلقا «٤» ...

فقال ولده بدر الدين: أي سواءٌ كان مذكَّراً أو مؤنَّثاً، وأكثر ما يستعمل فيمن يعقل، وقد يجيء/ لغيره كقوله: [الكامل]

ذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ...

والعَيْشَ بَعْدَ أُوَلئِكَ الأَيَّامِ «١»

وقد حكى «٢» ع البيْتَ، وقال: الرواية فيه «الأقوامِ» ، واللَّه أعلم انتهى.

والضمير في عَنْهُ يعودُ على ما ليس للإِنسان به عِلْم، ويكون المعنى: إِن اللَّه تعالى يَسْأَل سَمْعَ الإِنسان وبَصَره وفُؤَاده عمَّا قال مما لاَ عْلَم له به، فيقع تكذيبه مِنْ جوارحه، وتلك غايةُ الخزْي، ويحتمل أنْ يعود على كُلُّ التي هي السمْعُ والبصر والفؤاد، والمعنى: إن اللَّه تعالى يسأل الإِنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده.

قال صاحبُ «الكَلِمِ الفَارِقِيَّة» : لا تَدَعْ جَدْوَلَ سمِعْكَ يجرى فيه أُجَاج الباطل فيلهب باطنك بنار الحِرْص على العاجل، السَّمْعُ قُمْعٌ تغور فيه المعاني المَسْمُوعة إِلى قرار وعاء القَلْب، فإنْ كانَتْ شريفةً لطيفةً، شرَّفَتْه ولطَّفَتْه وهذَّبَتْه وزكَّتْه، وإِن كانَتْ رذيلةً دنيَّةً، رذَّلَتْه وخبَّثَتْه، وكذلك البصَرُ منْفُذٌ مِنْ منافذ القلب، فالحواسّ الخمس كالجداول والرواضع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الأنْعامِ: ١٥٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا بِالعَهْدِ ﴾ وهو عامٌّ فِيما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ونَهى عَنْهُ فَهو مِنَ العَهْدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ مَسْؤُولا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَسْؤُولًا عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: أتِمُّوهُ ولا تَبْخَسُوا مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ ﴾ فِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ: أحَدُها: ( قُسْطاسٌ ) بِضَمِّ القافِ وسِينَيْنِ، وهَذِهِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هاهُنا وفي ( الشُّعَراءِ: ١٨٢ ) .

والثّانِيَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ القافَ مَكْسُورَةٌ، وهَذِهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ.

قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.

والثّالِثَةُ: ( قُصْطاصٌ ) بِصادَيْنِ.

والرّابِعَةُ: ( قُصْطاسٌ ) بِصادٍّ قَبْلَ الطّاءِ وسِينٍ بَعْدَها، وهاتانِ مَرْوِيَّتانِ عَنْ حَمْزَةَ.

والخامِسَةُ: ( قِسْطانُ ) بِالنُّونِ.

قَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ، قالَ: القِسْطاسُ: المِيزانُ، رُومِيٌّ مُعْرَّبٌ، ويُقالُ: قِسْطاسٌ وقُسْطاسٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ ؛ أيْ: ذَلِكَ الوَفاءُ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وأقْرَبُ إلَيْهِ، ﴿ وَأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ ؛ أيْ: عاقِبَةً في الجَزاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أصَّلُ " تَقْفُ " مِنَ القِيافَةِ، وهي تَتَبُّعُ الأثَرَ، وفِيهِ لُغَتانِ: قَفا يَقْفُو، وقافٍ يَقُوفُ، وأكْثَرُ القُرّاءِ يَجْعَلُونَها مِن ( قَفَوْتُ )، فَيُحَرِّكُ الفاءَ إلى الواوِ ويَجْزِمُ القافَ، كَما تَقُولُ: لا تَدْعُ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ: ( لا تَقُفْ )، مِثْلُ: تَقُلْ، والعَرَبُ تَقُولُ: قُفْتُ أثَرَهُ، وقَفَوْتُ، ومِثْلُهُ: عاثَ وعْثًا، وقاعَ الجَمَلُ النّاقَةَ، وقَعاها: إذا رَكِبَها.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِإسْكانِ الفاءِ وضَمِّ القافِ مِن قافَ يَقُوفُ، فَكَأنَّهُ مَقْلُوبٌ مِن قَفا يَقْفُو، والمَعْنى واحِدٌ، تَقُولُ: قَفَوْتُ الشَّيْءَ أقَفُوهُ قَفْوًا: إذا تَبِعْتَ أثَرَهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ ؛ أيْ: لا تُتْبِعْهُ الظُّنُونَ والحَدْسَ، وهو مِنَ القَفاءِ مَأْخُوذٌ، كَأنَّكَ تَقْفُو الأُمُورَ؛ أيْ: تَكُونُ في أقْفائِها وأواخِرِها تَتَعَقَّبُها، والقائِفُ: الَّذِي يَعْرِفُ الآَثارَ ويَتْبَعُها، فَكَأنَّهُ مَقْلُوبٌ عَنِ القافِي.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا تَرْمِ أحَدًا بِما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا تَقُلْ: رَأيْتُ، ولَمْ تَرَ، ولا سَمِعْتُ، ولَمْ تَسْمَعْ، رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، رَواهُ عَطاءٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ: " كُلُّ "، ثُمَّ قالَ: " كانَ "؛ لِأنَّ كُلًّا في لَفْظِ الواحِدِ، وإنَّما قالَ: " أُولَئِكَ " لِغَيْرِ النّاسِ؛ لِأنَّ كُلَّ جَمْعٌ أشَرْتُ إلَيْهِ مِنَ النّاسِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المَواتِ، تُشِيرُ إلَيْهِ بِلَفْظِ " أُولَئِكَ "، قالَ جَرِيرٌ: ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللَّوى والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ إلى الجَوارِحِ المَذْكُورَةِ، يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما إذا اسْتَعْمَلَها، وفي هَذا زَجْرٌ عَنِ النَّظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ، والِاسْتِماعُ إلى ما يَحْرُمُ، والعَزْمُ عَلى ما لا يَجُوزُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ ﴿ وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ ﴿ وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عنهُ مَسْؤُولا ﴾ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأوصِياءِ الَّذِينَ هم مُعَدُّونَ لِقُرْبِ مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ هي لِمَن تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ مِن غَيْرِ وصِيٍّ، و"اليَتِيمُ": الفَرْدُ مِنَ الأبْناءِ، واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، يُقالُ: يَتَمَ الصَبِيُّ يَيْتَمُ إذا فَقَدَ أباهُ.

قالَ ابْنُ السِكِّيتِ: اليُتْمُ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأبِ، وفي البَهائِمِ مِن قِبَلِ الأُمِّ.

وفي كِتابِ الماوَرْدِي: أنَّ اليُتْمَ في البَشَرِ مِن قِبَلِ الأُمِّ أيْضًا، وجَمْعُ اليَتِيمِ أيْتامٌ، كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وشَهِيدٍ وأشْهادٍ، ويُجْمَعُ يَتامى كَأسِيرٍ وأسارى، كَأنَّها في الأُمُورِ المَكْرُوهَةِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ غَلَبَةً،.

قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ "يَتْمانِ" في "يَتِيمٍ"، وأنْشَدَ في ذَلِكَ.

فَبِتُّ أُشَوِّي صِبْيَتِي وحَلِيلَتِي ∗∗∗ طَرِيًّا وجَرْوُ الذِئْبِ يَتْمانُ جائِعُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَتامى"جَمْعُ "يَتْمانِ".

وفي الحَدِيثِ: « "لا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ يُرِيدُ: إلّا بِأحْسَنِ الحالاتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في الوَصِيِّ الغَنِيِّ، أنْ يُثَمِّرَ المالَ ويُحَوِّطَهُ، ولا يَحْبِسُ مِنهُ شَيْئًا عَلى جِهَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ.

هَذا هو الوَرَعُ، والأولى ألّا أنْ يَكُونَ يَشْتَغِلُ في مالِ اليَتِيمِ ويَشِحُّ عَلَيْهِ، فالفِقْهُ أنْ تَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً.

وأمّا الوَصِيُّ الفَقِيرُ الَّذِي يَشْغَلُهُ مالُ اليَتِيمِ عن مَعاشِهِ، فاخْتَلَفَ الناسُ في أكْلِهِ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ، كَيْفَ هُوَ؟

فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَتَسَلَّفُ مِنهُ، فَإذا أيْسَرَ رَدَّ فِيهِ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا يَشْرَبُ الماءَ مِن مالِ اليَتِيمِ، قِيلَ: فَما مَعْنى: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ ؟

قالَ: إنَّما ذَلِكَ لِخِدْمَتِهِ وغَسْلِ ثَوْبِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَقْرَبُ إلّا بِتِجارَةٍ ولا يَسْتَقْرِضُ مِنهُ، قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ مِن مالِ نَفْسِهِ.

وقالَ أبُو يُوسُفَ: لَعَلَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ  ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَأْكُلُ مِنهُ الشَرْبَةَ مِنَ اللَبَنِ، والطُرْفَةَ مِنَ الفاكِهَةِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا يَخْدِمُهُ، ويَلُوطُ الحَوْضَ، ويَجِدُّ النَخْلَ، ويَنْشُدُ الضالَّةَ، فَيَأْكُلُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا ناهِكَ في الحَلْبِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: يَأْكُلُ مِنهُ بِأطْرافِ أصابِعِهِ بُلْغَةً مِنَ العَيْشِ بِتَعَبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِلتَّقَلُّلِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ: يَأْخُذُ مِنهُ أُجْرَةً بِقَدْرِ تَعَبِهِ، فَهَذِهِ كُلُّها تَدْخُلُ فِيما هو أحْسَنُ.

وكَمالُ تَفْسِيرِ هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ بِحَسَبِ ألْفاظِ تِلْكَ الآياتِ، وفي الخَبَرِ عن قَتادَةَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِما نَزَلَتْ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وتَجَنَّبُوا الأكْلَ مَعَهم في صَحِيفَةٍ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ غايَةَ الإمْساكِ عن مالِ اليَتِيمِ، ثُمَّ ما بَعْدَ الغايَةِ قَدْ سَنَّتْهُ آيَةٌ أُخْرى، وما بَعْدُ هَذِهِ الغاياتِ أبَدًا مَوْقُوفٌ حَتّى يَقُومَ فِيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، أو يَقْتَضِيَ ذَلِكَ الإنْصافَ في النازِلَةِ، ومِثْلُ هَذا «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "أنا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ  بِيَدِي، وبَعَثْتُ بِها، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رَسُولِ اللهِ  شَيْءٌ أحُلَّهُ اللهُ لَهُ حَتّى نَحَرَ الهَدْيَ".» و"الأشُدَّ": جَمْعُ (شَدَّ) عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ: قُواهُ في العَقْلِ والتَجْرِبَةِ والنَظَرِ لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ البُلُوغِ، فالأشُدَّ في مَذْهَبِ مالِكٍ إقْرانُ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ أو ما يَقُومُ مَقامَهُ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، والرُشْدُ في المالِ.

واخْتُلِفَ، هَلْ مِن شُرُوطِ ذَلِكَ الرُشْدِ في الدِينِ عَلى قَوْلَيْنِ: فابْنُ القاسِمِ لا يُراعِيهِ إذا كانَ ضابِطًا لِمالِهِ، وراعاهُ غَيْرُهُ مِن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الأشُدَّ هو البُلُوغُ فَقَطْ، فَلا حَجْرَ عِنْدِهِ عَلى بالِغٍ إلّا أنْ يَعْرِفَ مِنهُ السَفَهَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَسْتُ مِن هَذا التَقْيِيدِ في قَوْلِهِ عَلى ثِقَةٍ.

وقالَ أبُو إسْحاقٍ الزَجّاجُ: الأشُدُّ في قَوْلِهِ أنْ يَأْتِيَ عَلى الصَبِيِّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما أرادَ أنَّهُ بَعْضُ ما قِيلَ في حَدِّ البُلُوغِ لِمَن لا يَحْتَلِمُ، وأمّا أنْ يَكُونَ بالِغًا رَشِيدًا فَلا يُدْفَعُ إلَيْهِ مالُهُ حَتّى يَبْلُغَ هَذِهِ المُدَّةَ فَشَيْءٌ لا أحْفَظُ مَن يَقُولُهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا بِالعَهْدِ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ عَهْدٍ وعَقْدٍ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ رَبِّهِ، أو بَيْنَهُ وبَيْنَ المَخْلُوقِينَ في طاعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ أيْ: مَطْلُوبًا مِمَّنْ عُهِدَ إلَيْهِ أو عُوهِدَ، هَلْ وفّى بِهِ أمْ لا؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ ﴾ الآيَةُ.

أمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ التَجَرِ الوَزْنِ والكَيْلِ أنْ يُعْطُوا الحَقَّ في كَيْلِهِمْ ووَزْنِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقِفُ في السُوقِ ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ المَوالِي، إنَّكم وُلِّيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلاكُ الناسِ قَبْلَكُمْ، هَذا المِكْيالُ وهَذا المِيزانُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّ المُشْتَرِيَ لا يُقالُ لَهُ: "أوفِ الكَيْلَ"، هَذا ظاهِرُ اللَفْظِ والسابِقُ مِنهُ، و"القِسْطاسُ" قالَ الحَسَنُ: هو القَبّانُ، ويُقالُ فِيهِ: القَفّانِ، وهو القاسَطُونَ، ويُقالُ القَرْطَسُونُ، وقِيلَ: القِسْطاسُ المِيزانُ صَغِيرًا كانَ أو كَبِيرًا، وقالَ مُجاهِدٌ: القِسْطاسُ: العَدْلُ، وكانَ يَقُولُ: هي لُغَةٌ رُومِيَّةٌ، فَكَأنَّ الناسَ قِيلَ لَهُمْ: زِنُوا بِمَعْدَلَةٍ في وزْنِكم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "القُسْطاسُ" بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "القِسْطاسُ"، وهُما لُغَتانِ، واللَفْظَةُ مِنهُ لِلْمُبالِغَةِ مِنَ القِسْطِ، والمُرادُ بِها في الآيَةِ جِنْسُ المَوازِينِ العَدْلَةِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: "إنَّما قَرَأ بِكَسْرِ القافِ أهْلُ الكُوفَةِ، وكُلُّ قِراءَةٍ لا تُجاوِزُ الكُوفَةَ إلى الحَرَمَيْنِ والبَصْرَةِ فاقْرَأْ بِغَيْرِها".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِالقِصْطاسِ" بِالصادِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ مَذْهَبُ مُجاهِدٍ في هَذا وفي مِيزانِ القِيامَةِ، وكُلِّ ذَلِكَ، أنَّها اسْتِعاراتٌ لِلْعَدْلِ، وقَوْلُهُ: "مِيزانُ القِيامَةِ" مَرْدُودٌ، وعَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ.

وسَمِعْتُ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: رَأيْتُ الواعِظَ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ عَمْرُو بْنِ العاصِ يَعِظُ الناسَ في الوَزْنِ، فَقالَ في جُمْلَةِ كَلامِهِ: إنَّ هَيْئَةَ اليَدِ بِالمِيزانِ عِظَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الأصابِعَ تَجِيءُ مِنها صُورَةُ المَكْتُوبَةِ: ألْفٌ ولا مانِ وهاءٌ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وعْظٌ جَمِيلٌ.

و"التَأْوِيلُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَآلُ، قالَهُ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "التَأْوِيلُ" مَصْدَرُ تَأوَّلَ، أيْ: يَتَأوَّلُ عَلَيْكُمُ الخَيْرُ في جَمِيعِ أُمُورِكم إذا أحْسَنْتُمْ في الكَيْلِ والوَزْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغَرَضُ مِنَ الكَيْلِ والوَزْنِ تَحَرِّي الحَقِّ، فَإنْ غُلِبَ الإنْسانُ بَعْدَ تَحَرِّيهِ لِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِن تَطْفِيفٍ شاذٍّ، لَمْ يَقْصِدْهُ، فَذَلِكَ نَزْرٌ مَوْضُوعٌ عنهُ إثْمُهُ، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ الِانْفِكاكُ عنهُ في وُسْعٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ مَعْناهُ: ولا تَقُلْ ولا تَتَّبِعْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنَّها لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في القَذْفِ والعِظَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "نَحْنُ بَنُو النَضْرِ لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا"،» وتَقُولُ: فَلانٌ قِفْوَتِي، أيْ: مَوْضِعُ تُهْمَتِي، وتَقُولُ: "رُبَّ سامِعِ عِذْرَتِي ولَمْ يَسْمَعْ قِفْوَتَيْ" أيْ: ما رَمَيْتُ بِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِلَّذِي يُفْشِي سِرَّهُ ويَعْتَذِرُ مِن ذَنْبٍ لَمْ يَسْمَعْهُ المُعْتَذَرُ إلَيْهِ.

وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ مَعْناهُ: ولا تَرْمِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: ومِثْلُ الدُمى شُمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ ∗∗∗ ∗∗∗ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَقافِيا وَقالَ الكُمَيْتُ: ولا أرْمِي البَرِيءَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أقْفُو الحَواضِنَ إنْ قُفِينا وأصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ مِنَ اتِّباعِ الأثَرِ، تَقُولُ: قَفَوْتُ الأثَرَ، ويُشْبِهُ أنَّ هَذا مِنَ "القَفا"، ومِنهُ قافِيَةُ الشِعْرِ لِأنَّها تَقْفُو البَيْتَ، وتَقُولُ: "قُفْتُ الأثَرَ"، ومِن هَذا: هو القائِفُ، وتَقُولُ: "فُقْتُ الأثَرَ" بِتَقْدِيمِ الفاءِ عَلى القافِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَلَعُّبِ العَرَبِ في بَعْضِ الألْفاظِ، كَما قالُوا: "رَعَمْلِي" في "لَعَمْرِي"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: قَفا وقافَ، مِثْلُ عَتا وعاتَ، فَمَعْنى الآيَةِ: ولا تَتَّبِعْ لِسانَكَ مِنَ القَوْلِ ما لا عِلْمَ لَكَ بِهِ، وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ إلى أنَّ قَفا وقافَ مِثْلَ جَذَبَ وجَبَذَ، فَهَذِهِ الآيَةُ بِالجُمْلَةِ تَنْهى عن قَوْلِ الزُورِ والقَذْفِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ الرَدِيئَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا تَقْفُ"، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ -فِيما حَكى الكِسائِيُّ -: "وَلا تَقُفْ" بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الفاءِ.

وقَرَأ الجَرّاحُ: "والفَوادَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وأنْكَرَها أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ، وعَبَّرَ عَنِ "السَمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ" بِـ "أُولَئِكَ" لِأنَّها حَواسُّ لَها إدْراكٌ، وجَعَلَها في هَذِهِ الآيَةِ مَسْؤُولَةً، فَهي حالَةُ مَن يَعْقِلُ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عنها بِـ "أُولَئِكَ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ : إنَّهُ إنَّما قالَ: "رَأيْتُهُمْ" في نُجُومٍ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَها بِالسُجُودِ وهو مِن فِعْلِ مَن يَعْقِلُ عَبَّرَ عنها بِكِنايَةِ مَن يَعْقِلُ.

وحَكى الزَجّاجُ أنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَمّا يُعْقَلُ وعَمًّا لا يُعْقَلُ بِالإدْراكِ، وأنْشَدَ هو والطَبَرِيُّ: ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِوى ∗∗∗ ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ فَأمًّا حِكايَةُ أبِي إسْحاقٍ عَنِ اللُغَةِ فَأمْرٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ، وأمّا البَيْتُ فالرِوايَةُ "الأقْوامُ"، والضَمِيرُ في "عنهُ" يَعُودُ عَلى ما لَيْسَ لِلْإنْسانِ بِهِ عِلْمٌ، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ سَمْعَ الإنْسانِ وبَصَرَهُ وفُؤادَهُ عَمّا قالَ مِمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَيَقَعُ تَكْذِيبُهُ مِن جَوارِحِهِ، وتِلْكَ غايَةُ الخِزْيِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "عنهُ" عَلى "كُلٌّ" الَّتِي هي لِلسَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى يَسْألُ الإنْسانَ عَمّا حَواهُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وفُؤادُهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُّ هَذِهِ كانَ الإنْسانُ عنهُ مَسْؤُولًا، أيْ عَمّا حَصَلَ لِهَؤُلاءِ مِنَ الإدْراكاتِ، ووَقَعَ مِنها مِنَ الخَطايا، فالتَقْدِيرُ "عن أعْمالِها مَسْؤُولًا"، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

القفو: الاتباع، يقال: قَفاه يقفوه إذا اتبعه، وهو مشتق من اسم القفا، وهو ما وراء العنُق.

واستعير هذا الفعل هنا للعمل.

والمراد ب ﴿ ما ليس لك به علم ﴾ الخاطر النفساني الذي لا دليل عليه ولا غلبة ظن به.

ويندرج تحت هذا أنواع كثيرة.

منها خلةٌ من خلال الجاهلية، وهي الطعن في أنساب الناس، فكانوا يرمون النساء برجال ليسوا بأزواجهن، ويليطون بعض الأولاد بغير آبائهم بهتاناً، أو سوءَ ظن إذا رأوا بعداً في الشبه بين الابن وأبيه أو رأوا شَبَهه برجل آخر من الحي أو رأوا لوناً مخالفاً للون الأب أو الأم، تخرصاً وجهلاً بأسباب التشكل، فإن النسل ينزع في الشبه وفي اللون إلى أصول من سلسلة الآباء أو الأمهات الأدنَيْن أو الأبعدِين، وجهلا بالشبه الناشئ عن الوحَم.

وقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت ولداً أسودَ (يريد أن ينتفي منه) فقال له النبي: " هل لك من إبل؟

قال: نعم.

قال: ما ألوانهن؟

قال: وُرْق.

قال: وهل فيها من جمل أسود؟

قال: نعم.

قال: فمن أين ذلك؟

قال: لعله عِرقٌ نزَعَه.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم فلعل ابنك نزعه عِرق "، ونهاه عن الانتفاء منه.

فهذا كان شائعاً في مجتمعات الجاهلية فنهى الله المسلمين عن ذلك.

ومنها القذف بالزنى وغيره من المساوي بدون مشاهدة، وربما رموا الجيرة من الرجال والنساء بذلك.

وكذلك كان عملهم إذا غاب زوج المرأة لم يلبثوا أن يلصقوا بها تهمة ببعض جيرتها، وكذلك يصنعون إذا تزوج منهم شيخ مُسِنٌّ امرأة شابة أو نصفاً فولدت له ألصقوا الولد ببعض الجيرة.

ولذلك لمّا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً «سلوني» أكثر الحاضرون أن يسأل الرجل فيقول: مَن أبي؟

فيقول: أبوك فلان.

وكان العرب في الجاهلية يطعنون في نسب أسامة بن زيد من أبيه زيد بن حارثة لأن أسامة كان أسود اللون وكان زيد أبوه أبيض أزهر، وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن أسامة بن زيد بن حارثة.

فهذا خلق باطل كان متفشياً في الجاهلية نهى الله المسلمين عن سوء أثره.

ومنها تجنب الكذب.

قال قتادة: لا تقف: لا تقل: رأيتُ وأنتَ لم تر، ولا سمعتُ وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم.

ومنها شهادة الزور وشملها هذا النهي، وبذلك فسر محمد بن الحنفية وجماعة.

وما يشهد لإرادة جميع هذه المعاني تعليل النهي بجملة ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ﴾ .

فموقع الجملة موقع تعليل، أي أنك أيها الإنسان تُسأل عما تسنده إلى سمعك وبصرك وعقلك بأن مراجع القفو المنهي عنه إلى نسبة لسمع أو بصر أو عقل في المسموعات والمبصرات والمعتقدات.

وهذا أدب خُلقي عظيم، وهو أيضاً إصلاح عقلي جليل يعلم الأمة التفرقة بين مراتب الخواطر العقلية بحيث لا يختلط عندها المعلوم والمظنون والموهوم.

ثم هو أيضاً إصلاح اجتماعي جليل يجنب الأمة من الوقوع والإيقاع في الأضرار والمهالك من جراء الاستناد إلى أدلة موهومة.

وقد صيغت جملة ﴿ كل أولئك كان عنه مسئولا ﴾ على هذا النظم بتقديم (كل) الدالة على الإحاطة من أول الأمر.

وأتي باسم الإشارة دون الضمير بأن يقال: كلها كان عنه مسؤولاً، لما في الإشارة من زيادة التمييز.

وأقحم فعل (كان) لدلالته على رسوخ الخبر كما تقدم غير مرة.

و ﴿ عنه ﴾ جار ومجرور في موضع النائب عن الفاعل لاسم المفعول، كقوله: ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ [الفاتحة: 7].

وقدم عليه للاهتمام، وللرعي على الفاصلة.

والتقدير: كان مسؤولاً عنه، كما تقول: كان مسؤولاً زيد.

ولا ضير في تقديم المجرور الذي هو في رتبة نائب الفاعل وإن كان تقديم نائب الفاعل ممنوعاً لتوسع العرب في الظروف والمجرورات، ولأن تقديم نائب الفاعل الصريح يصيّره مبتدأ ولا يصلح أن يكون المجرور مبتدأ فاندفع مانع التقديم.

والمعنى: كلّ السمع والبصر والفؤاد كان مسؤولاً عن نفسه، ومحقوقاً بأن يبين مستند صاحبه من حسه.

والسؤال: كناية عن المؤاخذة بالتقصير وتجاوز الحق، كقول كعب: وقيلَ إنك منسوب ومَسؤول *** أي مؤاخذ بما اقترفت من هجو النبي والمسلمين.

وهو في الآية كناية بمرتبة أخرى عن مؤاخذة صاحب السمع والبصر والفؤاد بكذبه على حواسه.

وليس هو بمجاز عقلي لمنافاة اعتباره هنا تأكيدَ الإسناد ب (إن) وب (كل) وملاحظة اسم الإشارة و(كان).

وهذ المعنى كقوله: ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴾ [النّور: 24] أي يسأل السمع: هل سمعت؟

فيقول: لم أسمع، فيؤاخذ صاحبه بأن أسند إليه ما لم يبلِّغه إياه وهكذا.

والاسم الإشارة بقوله: أولئك } يعود إلى السمع والبصر والفؤاد وهو من استعمال اسم الإشارة الغالب استعماله للعامل في غير العاقل تنزيلاً لتلك الحواس منزلة العقلاء لأنها جديرة بذلك إذ هي طريق العقل والعقل نفسه.

على أن استعمال (أولئك) لغير العقلاء استعمال مشهور قيل هو استعمال حقيقي أو لأن هذا المجاز غلب حتى ساوى الحقيقة، قال تعالى: ﴿ ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ﴾ [الإسراء: 102] وقال: ذم المنازل بعد منزلة اللوى *** والعيش بعد أولئك الأيام وفيه تجريد الإسناد مسؤولا} إلى تلك الأشياء بأن المقصود سؤال أصحابها، وهو من نكت بلاغة القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا تَقُلْ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تَقُلْ رَأيْتُ، ولَمْ تَرَ، ولا سَمِعْتُ، ولَمْ تَسْمَعْ، ولا عَلِمْتُ ولَمْ تَعْلَمْ.

وَهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّانِي: مَعْناهُ ولا تَرْمِ أحَدًا بِما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَمِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « (نَحْنُ بَنِي النَّضْرِ كِنانَةَ لا نَقْفُو أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا)» .

الثّالِثُ: أنَّهُ مِنَ القِيافَةِ وهو اتِّباعُ الأثَرِ، وكَأنَّهُ يَتْبَعُ قَفا المُتَقَدِّمِ، قالَ الشّاعِرُ: ومِثْلُ الدُّمى شُمُّ العَرانِينِ ساكِنٌ بِهِنَّ الحَياءُ لا يُشِعْنَ التَّقافِيا أيِ التَّقاذُفَ.

﴿ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الإنْسانُ هو المَسْؤُولُ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ والفُؤادِ؛ لِأنَّهُ يَعْمَلُ بِها إلى الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

الثّانِي: أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ تُسْألُ عَنِ الإنْسانِ لِيَكُونُوا شُهُودًا عَلَيْهِ، ولَهُ، بِما فَعَلَ مِن طاعَةٍ وما ارْتَكَبَ مِن مَعْصِيَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ أُولَئِكَ لِغَيْرِ النّاسِ، كَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا تقْفُ ﴾ قال: لا تقل.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ يقول: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن الحنفية رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ قال: شهادة الزور.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ قال: هذا في الفرية.

يوم نزلت الآية لم يكن فيها حد، إنما كان يسأل عنه يوم القيامة، ثم يغفر له حتى نزلت هذه آية الفرية جلد ثمانين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾ يقول: سمعه وبصره يشهد عليه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ما ليس لك به علم ﴾ قال: لا تقل سمعت، ولم تسمع، ولا تقل: رأيت، ولم تر، فإن الله سائلك عن ذلك كله.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمرو بن قيس رضي الله عنه في قوله: ﴿ كل أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾ قال: يقال للأذن يوم القيامة هل سمعت؟

ويقال للعين: هل رأيت؟

ويقال للفؤاد: مثل ذلك.

وأخرج الفريابي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كل أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾ قال: يوم القيامة، يقال أكذاك كان أم لا؟.

وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء، كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار، حتى يأتي بنفاذ ما قال» .

وأخرج أبو داود وابن أبي الدنيا في الصمت، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حمى مؤمناً من منافق، بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن قفا مؤمناً بشيء يريد شينه، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ الآية.

تقف من قوله: قفوت أثر فلان، أَقْفُو قَفْوًا (١) ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا  ﴾ ، هذا معنى القفو في اللغة (٢) قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية: لا تقل ما ليس لك به علم (٣) (٤) وقال قتادة: لا تقل: سمعت، ولم تسمع؛ ورأيت، ولم تَرَ؛ وعلمت، ولم تعلمْ (٥) وقال الحسن: لا تكذب على فؤادك؛ تقول: علمت ما لم تعلم، ولا على سمعك تقول: سمعت ما لم تسمع، ولا على بصرك تقول: أبصرت ما لم تبصر (٦) وقال ابن عباس في رواية عطاء: لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك، ونحو هذا القول روي عن ابن الحنفية أنه قال: هذه الآية في شهادة الزور (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ﴾ إلى آخرها.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يسأل الله العباد فيما استعملوها (٩) قال صاحب النظم: هذه أحساس هذه الأعضاء التي هي: أذن وعين وقلب؛ فالسمع حس الأذن، والبصر حس العين، والفؤاد حس القلب.

وقوله تعالى: ﴿ كُلُّ أُولَئِكَ ﴾ قال أبو إسحاق: كل جمع أَشَرْتَ إليه من الناس وغيرهم من الموات، فلفظه ﴿ أُولَئِكَ ﴾ (١٠) (١١) ذُمَّ المنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ...

والْعَيْشَ بَعْدَ أُولئِكَ الأَيامِ (١٢) وقوله تعالى: ﴿ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ عادت الكناية إلى لفظ (كان) لا إلى معناه.

(١) ساقطة من (أ)، (د).

(٢) انظر: (قفو)، (قفا) في: "تهذيب اللغة" 3/ 3013، و"المحيط في اللغة" 6/ 38، و"الصحاح" 6/ 2466، و"اللسان" 6/ 3708.

(٣) أخرجه "الطبري" 15/ 86 مختصرًا من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 155 بنصه، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 45، و"الدر المنثور" 4/ 329 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(٤) أخرجه "الطبري" 15/ 86 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 155، و"تهذيب اللغة" (قفا) 3/ 3015، و"تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 92، و"اللسان" (قفا) 6/ 3708.

(٥) أخرجه بنصه "عبد الرزاق" 2/ 378، و"الطبري" 15/ 86 من طريقين، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب، و"الماوردي" 3/ 243، و"الطوسي" 6/ 477، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 329 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٦) لم أقف عليه.

(٧) أخرجه "الطبري" 15/ 86 بنصه، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 155، و"تهذيب اللغة" (قفا) 3/ 3015، و"تفسير الثعلبي" 7/ 108 ب، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 35، و"الدر المنثور" 4/ 329 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 239، باختصار.

(٩) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 497، بنصه.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 239، بنصه.

(١١) "معانى القرآن" للأخفش 2/ 612، بنحوه.

(١٢) "ديوانه" ص 452 وفيه: (الأقوام) بدل (الأيام) ولا شاهد في هذه الرواية، وورد بهذه الرواية في: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 612، و"معاني القرآن وإعرابه" == 3/ 240، و"تفسير الماوردي" 3/ 244، و"ابن الجوزي" 5/ 35، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 87، و"الثعلبي" 7/ 108 ب، و"الطوسي" 6/ 478، و"ابن عطية" 9/ 86، (اللِّوى): اسم وادٍ من أودية بني سُلَيْم.

"المحيط في اللغة" (لوى) 10/ 371.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ المعنى لا تقل ما لا تعلم من ذم الناس وشبه ذلك، واللفظ مشتق من قفوته إذا اتبعته ﴿ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ أولئك إشارة إلى السمع والبصر والفؤادُ وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك، لأنها حواس لها إدراك، والضمير في عنه يعود على كل ويتعلق عنه بمسؤولاً، والمعنى إن الإنسان يسأل عن سمعه وبصره وفؤاده، وقيل: الضمير يعود على ما ليس به علم، والمعنى على هذا أن السمع والبصر والفؤاد هي التي تسأل عما ليس لها بها علم وهذا بعيد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يبلغان ﴾ مثنى: حمزة وعلي وخلف ﴿ أف ﴾ بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص ﴿ أف ﴾ بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل.

والباقون بالكسر.

﴿ تبصطها كل البصط ﴾ مثل: ﴿ بصطة ﴾ ﴿ خطأ ﴾ بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ خطأ ﴾ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ﴿ خطاء ﴾ بالكسر والمد: ابن كثير.

الباقون بالكسر ثم السكون ﴿ فلا تسرف ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

﴿ بالقسطاس ﴾ مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.

وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد ﴿ سيئه ﴾ على إضافة سيء إلى ضمير ﴿ كل ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل.

الآخرون ﴿ سيئة ﴾ علم التأنيث.

الوقوف: ﴿ مخذولاً ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ، ط ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ صغيراً ﴾ ، ط ﴿ في نفوسكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ تبذيراً ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ، ﴿ ميسوراً ﴾ ه ﴿ محسوراً ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ، ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ إملاق ﴾ ط ﴿ وإياكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فاحشة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي.

﴿ في القتل ﴾ ط ﴿ منصوراً ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ز ﴿ بالعهد ﴾ ج على تقدير فإن.

﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ط ﴿ تأويلا ﴾ ه ﴿ به علم ﴾ ط ﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ مرحاً ﴾ ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ﴿ طولا ﴾ ه ﴿ مكروهاً ﴾ ه ﴿ الحكمة ﴾ ط ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ .

التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والخطاب للنبي  في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي  لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده.

وانتصب قوله: ﴿ فتقعد ﴾ على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود.

وفيه وجوه منها.

أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً.

ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة.

ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب.

ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت.

ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين.

وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان.

ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: ﴿ وقضى ربك ﴾ أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً ﴿ ألا تعبدوا ﴾ أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا.

وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ﴿ وقضى ربك ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع.

وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن.

أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ﴿ بالوالدين ﴾ بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله.

يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة.

وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟

قال: اكتبوا عليه: هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي *** سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمى بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟

فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.

ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك".

وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر ﴿ إحساناً ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه.

ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: ﴿ أما يبلغن ﴾ هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم.

وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه.

من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله.

ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة.

﴿ وكلاهما ﴾ مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع.

وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله ﴿ طرفي النهار  ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن  ﴾ قال في الكشاف: معنى ﴿ عندك ﴾ هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه.

وفي ﴿ أف ﴾ لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه.

وأف بكسرتين بلا تنوين.

وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال.

وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف.

وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار.

يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به.

وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر.

وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول.

وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر.

قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية.

ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله  : "من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي" فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان.

وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته.

فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولا تنهرهما ﴾ والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره.

﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قولاً كريماً ﴾ جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام.

وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما.

وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين.

قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك.

والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع.

وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول.

والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.

فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال.

وقوله: ﴿ من الرحمة ﴾ في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿ و ﴾ لكن ﴿ قل رب ارحمهما كما ربياني ﴾ ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ.

وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه.

والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد.

قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله  : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.

ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة ﴿ رب ارحمهما ﴾ وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟

فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ .

وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد.

وكما قال الله  : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات  ﴾ فهم يذكرون في أدبار الصلاة.

قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما.

وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي  : "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء.

وقال رجل لرسول الله  : إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟

قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.

وشكا رجل إلى رسول الله  أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي.

واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى  وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.

مرتين.

وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين.

قال: إنها سيئة الخلق.

قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.

قال: لقد جازيتها.

قال: ما فعلت؟

قال: حججت بها على عاتقي.

قال: ما جازيتها.

وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها.

ثم قال  : ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها ﴿ وإنه كان للأوابين غفوراً ﴾ اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره.

ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: ﴿ وآت ذا القرى حقه ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله  أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين.

والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة.

وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء.

وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة".

ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم.

كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله.

قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه.

وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً.

ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد ﴿ وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله.

ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ وكان النبي  إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.

والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن.

وقيل: اللين السهل.

قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته.

وقيل: القول المعروف كقوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير  ﴾ وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف.

وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة.

قال جار الله قوله: ﴿ ابتغاء رحمة ﴾ أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله ﴿ ترجوها ﴾ بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له.

فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء.

وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ عند الناس بالبخل ﴿ محسوراً ﴾ بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر.

فقير محسور منقطع عن السير.

ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة.

وعن جابر: بينا رسول الله  جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال  : "من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا." فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك.

فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية.

وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.

وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع.

فقال  : " ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل" فنزلت.

ثم إنه  سلى نبيه  بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: ﴿ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أي يضيق ﴿ أنه كان بعباده ﴾ وبمصالحهم ﴿ خبيراً بصيرا ﴾ فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح.

ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد.

ويحتمل أن يراد أنه  مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين.

فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه.

وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع.

وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم.

والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: ولد المرء منه جزء وما حا *** ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة.

وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله  أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: ﴿ أولادكم ﴾ وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ.

ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي خصلة متزايدة في القبح ﴿ وساء سبيلاً ﴾ سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد.

ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟

فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج.

ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم.

وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره.

وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة.

فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار.

وقد زعم في التفسير الكبير أنه  وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً  ﴾ .

وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو.

ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴾ وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر.

ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: ﴿ إلا بالحق ﴾ وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ أي تسلطاً على استيفاء القصاص.

فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله  "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟

وقتل نفس بغير حق" يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ .

كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ فلا يلزم التفريع المذكور.

ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم  ﴾ هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط.

ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري.

وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر.

ثم إنه  أثبت لوليّ الدم سلطاناً.

ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل.

وقيل: معنى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفى  ﴾ الآية.

فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص.

وعن الشافعي أن التنوين في قوله: ﴿ مظلوماً ﴾ للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال  : ﴿ اقتلوا المشركين  ﴾ فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية.

وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد  ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

من قرأ ﴿ فلا تسرف ﴾ بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية.

وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب.

وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.

ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ﴾ بالطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي تثميره وإنماؤه.

وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ﴿ حتى يبلغ ﴾ اليتيم ﴿ أشده ﴾ بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده.

﴿ إن العهد كان مسئولا ﴾ أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثتتبكيتاً للناكث كقوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت  ﴾ ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.

والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون.

وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني ﴿ ذلك ﴾ الإيفاء والوزن المعدل ﴿ خير ﴾ من التطفيف ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة من آل إذا رجع.

أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه.

وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر.

وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه.

ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ﴿ ولا تقف ﴾ أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب.

والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس  ﴾ ﴿ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن  ﴾ وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور.

ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.

وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.

وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.

وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم.

وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج" أي يتوب.

وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد.

احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم.

وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال  : ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار  ﴾ ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن.

سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز.

وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين.

وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة.

وقال  : نحن نحكم بالظاهر.

والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن.

فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به.

وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد  أن التمسك بآيات القرآن جائز.

ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: ﴿ إن السمع والبصر وكل أولئك ﴾ إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام.

﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ قال في الكشاف: ﴿ عنه ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية مثل ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه.

والصواب أن يقال: إنه فاعل ﴿ مسئولاً ﴾ المحذوف والثاني مفسر له.

وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟

قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب.

وقيل: إنه  ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها.

﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح.

وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر.

﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ لن تثقبها بشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ.

بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر.

وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي.

وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته.

﴿ كل ذلك كان سيئه ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله.

ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط.

ومن قرأ ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث فقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ وقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ﴾ ﴿ ولا تمش ﴾ وإنما قال: ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث مع قوله: ﴿ مكروهاً ﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم.

قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله  لأنها مكروهة عنده.

وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال.

أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية.

وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من قوله: ﴿ لا تجعل ﴾ إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ﴿ مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.

روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى  .

وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله  فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء.

وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة.

وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده.

وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك.

ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت.

والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة.

ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أي أفخصكم ﴿ ربكم ﴾ على وجه الخلوص والصفاء ﴿ بالبنين ﴾ الذين هم أفضل الأولاد ﴿ واتخذ من الملائكة ﴾ أولاداً ﴿ إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ﴾ بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث.

التأويل: خاطب نبيه  ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ﴾ وإنما قال: ﴿ ربك ﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿ وبالوالدين ﴾ والد الروح ووالدة البدن.

والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿ أما يبلغن عندك ﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ ولا تنهرهما ﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ من الاستعداد ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ فإنه كان للأوابين ﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿ غفوراً ﴾ سائراً بأنوار جماله.

ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿ وآت ذا القربى ﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: إنّ من عادة العرب أنهم كانوا يقتلون البنات ويقتلون البنين؛ إذا صاروا بحيث لا ينتفعون بهم، ويقتلون الآباء والأمهات؛ إذا بلغوا أرذل العمر؛ فنهى الله أهل الإسلام عن الاستنان بسنتهم، وأمر أن يبرّوا الآباء والأمّهات إذا بلغوا ذلك المبلغ، وهو ما قال: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

وفي قتل ما كانوا يقتلون من البنات قطع التناسل والتوالد الذي كان المقصود من إنشاء هذا العالم؛ ذلك إذ المقصود من إنشاء العالم هذا الذي ذكرنا، وفي قتل البنات قطع ذلك وذهاب المقصود من إنشائه، ثم قال: ﴿ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ﴾ .

أي: هم لا يأكلون من أرزاقكم؛ بل لكل منكم رزق على حدة، ليس في بقائهم نقصان في رزقكم ولا في فنائهم زيادة؛ بل كلٌّ يأكل رزقه، أو لا ترون أنّه قد أنشأ لهم رزقاً لا شركة لكم فيه، وهو ما أنشأ لهم من اللّبن في الضرع، ولا تنتفعون أنتم به؟!

فظهر أن كلاًّ يأكل رزقه، لا يُدْخِل بعضٌ في رزق بعضٍ نقصاناً.

ثم قال: ﴿ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ \[أي: إن قتلهم في العقول كان خطأ كبيراً\]، لما ذكرنا أن في قتلهم قطع ما به قصد في إنشاء هذا العالم وفنائه، أو يقول: ﴿ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ : في الأمم الخالية.

ويشبه أن يكون خطاب ما خاطب هؤلاء الآيات: من قتل الأولاد، والزنى، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك ما تقدم وما تأخر؛ لوجهين: أحدهما: ما كان للعرب أفعال وعادات السوء ممّا يخرج على السفه والقبح في العقل، خارجة عن الحكمة تنهاهم عن ذلك.

والثاني: ذكر هذا ونهى؛ لما علم أنه قد يكون في خلقه من يفعل ذلك خشية ما ذكر، ويحملهم ذلك على ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ .

أي: في العقل كان وقت ما كان فاحشة؛ لأن في إباحة الزنى ذهاب المعارف التي بها يوصل إلى الحكمة والعلم، أو كان فاحشة في الحكمة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ : دل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ - على أن هنالك فحشاء قبل الأمر في الحكمة أو في العقل، حتى قال: ﴿ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ  ﴾ ؛ إذ لو لم يكن - لكان قال: لا يأمر، حسب، وفي إباحة قتل الأنفس ذهاب ما به قصد من إنشاء العالم.

أخبر - عز وجل -: [في قتل الأولاد أنه] ﴿ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ ، وهو ما يعظم في العقل، وذكر في الزنى فاحشة، وهو ما يفحش في العقل والحكمة، وذكر في قتل النفس الإسراف، وقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، والإسراف هو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل له.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ﴾ ، أي: لا تزنوا؛ فإنه كان فاحشة، ويحتمل: لا تقربوا الأسباب التي بها يوصل إلى الزنى.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ .

والحق ما روي عن رسول الله  أنه قال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ فِي ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِسْلاَمٍ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بغَيْرِ حَقٍّ" حرم الله قتل النفس بغير حق؛ إذ في إباحته ذهاب ما قصد من إنشاء [هذا] العالم، وفي التحريم حياة الأنفس، وفي إباحة الزنى ذهاب المعارف وجهالتها، وفي تحريمه: حياة المعارف وإبقاؤها.

والوصول إلى الحكمة والعلوم التي يطلب بعضهم من بعض؛ إذ لا يعرف أهل الحكمة من غيرهم؛ ففي ذلك ذهاب العلوم والحكمة.

وفي القتل على الدّين - إذا استبدله - حياة الدّين؛ لأن من تفكر قتل نفسه إذا ترك الدّين - أعني دين الإسلام - ورجع عنه، لم يترك دينه الإسلام، ومن تفكر رجمه بالزنى - امتنع عن الزنى وتركه، ومن تفكر أنه يُقْتَل إذا قَتَلَ غيرَهُ - امتنع عن قتله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ .

فإن قيل - في المرأة إذا ارتدت عن الإسلام -: إنها لا تقتل.

قيل: لأنه ليس في قتلها حياة الدّين؛ لأن النساء أتباع للرجال في الدين؛ لأنهنّ يسلمن بإسلام أزواجهن ويصرن ذمة بذمة الأزواج؛ فإذا كان كذلك - فليس في قتلهن حياة؛ ألا ترى أنه روى أنه فلاناً أسلم وأسلم معه كذا وكذا نسوة؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : والحق ما ذكرنا، وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل بالإسلام، أو بالذمّة بإعطاء الجزية، وإلا بالحق: ما ذكرنا.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ .

قيل: سلطاناً، أي: تسلطاً وقهراً.

وقال بعضهم: سلطاناً، أي: حجة على القتل فيما يستوجب به القصاص.

ثم ذكر أنه جعل لولي القتيل سلطاناً، ولم يذكر أي وليّ؛ فيشبه أن يكون المراد من الولي الذي يخلف الميت في التركة، وهم الورثة؛ إذ هو حقٌّ كغيره من الحقوق؛ فذلك إلى الورثة، فعلى ذلك حق الدم، فكأنه قال: ومن قتل مظلوماً قد جعلنا لورثته سلطاناً، أي: حجة فيما يستوجب.

وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن للواحد من الورثة القيام باستيفاء الدم؛ إذ لو كان للكل الاستيفاء لدخل في ذلك الإسراف الذي ذكر: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ؛ إذ لو ضرّ به كل الورثة لصار في ذلك مثله، وقد منعوا عن ذلك، فإذا كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله ، حيث قال -: إن الورثة إذا كان بعضهم صغاراً وبعضهم كباراً كان للكبار أن يقوموا بالاستيفاء دون أن ينتظروا بلوغ الصغار، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ .

قال بعضهم: لا يقتل غير قاتل؛ وذلك إذ كان من عادة العرب قتل غير القاتل.

وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ [أي: لا يجاوز الحد الذي جعل له في القصاص من المثلة والقطع والجراحات.

وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، أي: في القتل] الأول؛ حيث قتل نفساً بغير حق، فذلك إسراف؛ كما قال: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ هذا يحتمل أن يكون خاطب به ولي القتيل فقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، أي: لا يُجاوز الحدّ الذي جعل له؛ على ما روي: "إذَا قَتَلْتَ فَاَحْسِنِ القَتْلَ" ، والثاني خاطب به القاتل: يقول له لا تقتل؛ فإنه إسراف، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ .

قال بعضهم: إن المقتول كان منصوراً بالولي ينصره الولي؛ بقوله: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ .

ويحتمل منصوراً بالمسلمين، أي: على المسلمين وغيرهم دفع ذلك القتل عنه؛ هذا على تأويل من يتأول في قوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ - قَتْلَ غير قاتل وليه، أو يزيد في جراحاته، ويمثل مثلاً بقول: احذروا ذلك؛ فإن على المسلمين دفع ذلك عنه، أو كان منصوراً في الآخرة.

وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن القصاص واجب بين الأحرار والعبيد، وبين أهل الإسلام وأهل الذمة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ ؛ فكانت أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في هذه الآية؛ لأنها محرمة وفيه ما ذكرنا أن للكبير من الورثة قتله، وإن كان فيهم صغار.

وروي أن الحسن بن علي -  - قتل قاتل أبيه فلاناً، وفي الورثة صغار لم يدركوا يومئذ.

ويحتمل أن يكون ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ في ظاهر هذا: أن القاتل هو كان منصوراً، [ثم إنه قال: ﴿ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ ] ولم يقل: هو منصور، فجائز أن يقول: ﴿ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ ، قبل: قتل هذا إذا كان على المسلمين مضرة، فلما قتل كان غير منصور، إلا أن يقال: إن الولي صار منصوراً، وذلك جائز.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ﴾ : يحتمل النهي عن نفس الزنى، ويحتمل أسباب الزنى: من نحو القُبْلة، والمسّ، وغيره؛ على ما ذكر: "العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، واليدانِ تَزْنِيانِ، والْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلكَ كُلَّه أو يُكَذِّبُ" وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .

قوله: ﴿ أَحْسَنُ ﴾ : هو أفعل، فإن كان في الأشكال فهو على غاية الحسن، وإن كان في الجوهرين فهو على طلب الحسن؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ  ﴾ أي: اتبعوا ما هو طاعة؛ كأنه قال: ولا تقربوا مال اليتيم إلا ما هو خير له وحسن، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ  ﴾ ، يقول: لا تأكلوا إسرافاً وبداراً، ولكن اقربوا ما هو خير له.

وإن كان على طلب الغاية من الحسن، فهو ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا قرب مال اليتيم لمنفعة نفسه فلا يقربه إلا لمنفعة حاضرة لليتيم، لا يقرب ماله لمنفعة مرجوة، وإذا قرب مال اليتيم لليتيم فإنه يجوز أن يقربه لمنفعة مرجوة له، وإن لم يكن فيه منفعة حاضرة، وقدر ذكرنا تأويله وما فيه من الدلالة بقول أبي حنيفة - رحمه الله - فيما تقدم في سورة الأنعام.

ثم من الناس من احتج بهذه الآية لقول أبي حنيفة حيث قال: إن للوصي أنْ يبيع مال اليتيم من نفسه إذا كان خيراً له؛ لأن له أن يبيع من غيره بمثل قيمته؛ فدلّ أن ذكر الخير له إذا كان يبيع من نفسه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ : كأنه على الإضمار، أي: لا تقربوا مال اليتيم إلا بالوجوه التي هي أحسن له وأنفع، وهو الحفظ له وطلب الربح والنماء، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .

أي: حتى يستحكم عقله، ويستتم تدبيره في ماله وأمره؛ فعند ذلك يكون الأمر إليه، وليس فيه أنه لا يكون بعد ذلك الأمر إلى الوصي إن كان؛ ولكن بإذنه يبيع ويشتري.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ .

يحتمل أن يكون قوله: ﴿ بِالْعَهْدِ ﴾ - العهود والمواثيق التي بين الناس أمروا بوفاء ذلك، ويحتمل الأمر بوفاء العهد ما ذكر في هذه الآيات من الأمر والنهي: من نحو ما قال: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً  ﴾ إلى هذا الموضع، أي: وأوفوا بذلك كله؛ فإن ذلك كله كان مسئولاً يُسْأل عنه: وفاءً كان ذلك أو نقضاً.

وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ ، أي: ناقض العهد كان مسئولاً، ثم إن العهد على وجوه: أحدها: عهد خِلْقة، أو العهد الذي أخذ عليهم على ألسن الرسل أو العهد الذي يجري بين الناس؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ﴾ .

أمر بتوفير الكيل إذا كالوا والوزن إذا وزنوا لهم، وإيفاء حقوقهم، وهو ما قال: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ  ﴾ إن من عادتهم إذا كالوا أو وزنوا يبخسون الناس أشياءهم، ولم يوفروا حقوقهم؛ فنهاهم عن ذلك، وأوعدهم بالوعيد الشديد، وهو قوله: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ  ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ  وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ  ﴾ : ذِكْرُ تخصيص للكيلي والوزني من بين سائر الأشياء يحتمل وجهين: أحدهما: لما بهما يجري عامّة معاملة الناس؛ فأمرهم بإيفاء ذلك.

والثاني: لخوف الربا؛ لأن الكيلي والوزني هما اللذان يكونان دَيْناً في الذمة؛ فإذا أخذ شيء منهما أخذ عما كان ديناً في الذمّة، فإن نقص أو زاد فيكون ربا؛ لذلك خصّ، وإن كان غيره من الأشياء يؤمر بالإيفاء والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ .

قال بعضهم: القسطاس: حرف أخذ من الكتب السالفة ليس بمعرفة، وقال بعضهم: هو العدل، أي: زنوا بالعدل، وقال بعضهم: هو الميزان؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ ، وقال بعضهم: ﴿ بِٱلقِسْطَاسِ ﴾ : القبان؛ فكيفما كان ففيه ما ذكرنا: من الأمر بتوفير الكيل والوزن، والإيفاء لحقوقهم، والنهي عن البخس والنقصان.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ - ما ذكر من توفير الكيل والوزن وإيفاء الحقوق - خير في الدنيا؛ لما فيه أمن لهم من الناس.

﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ ، أي: أحسن عاقبة في الآخرة، ويحتمل قوله ذلك - ما ذكر في هذه الآيات من أولها إلى آخرها: إذا عملوا بها خيرٌ لهم في الدنيا وأحسن تأويلاً، أي: عاقبة.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ .

قيل: لا تقف، أي: لا تقل، وقيل: لا تَرْمِ، وقيل: لا تتبع؛ فكيفما كان - ففيه النهي عن القول والرمي فيما لاعلم له به، ولا ترم ما ليس لك به علم، ولا تقل ما ليس لك به علم.

﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ كُلُّ أُولـٰئِكَ ﴾ يعني: السّمع والبصر والفؤاد - يُسْأل عما عمل صاحبه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ...

﴾ الآية [يس: 65]، وقوْله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم  ﴾ تُسْأَل هؤلاء عما عمل صاحبها؛ فيشهدون عليه.

وقال بعضهم: هو عن كل أولئك كان مسئولاً، أي: يسأل المرء عما استعمل هذه الجوارح؟

وأنه: فيم استعملها؟

وقال بعضهم، قوله: ﴿ أُولـٰئِكَ ﴾ : يعني الخلائق جميعاً، ﴿ عَنْهُ ﴾ : يعني عما ذكر من السمع والبصر والفؤاد، ﴿ مَسْؤُولاً ﴾ .

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ، يقول: لا تقل: رأيتُ، ولم تر، وسمعتُ، ولم تسمع، وعلمتُ، ولم تعلم.

ومنهم من قال: في شهادة الزور؛ فإن احتج محتج بهذا في إبطال القياس والاجتهاد؛ فيقول: إذا قاس الرجل فقد قال ما ليس له به علم، لكن ليس كذا؛ لأن أصحاب رسول الله  قد تكلموا في الحوادث بآرائهم، وشاوروا في أمورهم، وولى أبو بكر عمر - رضوان الله عليهما - الخلافة بغير نصّ من الرسول عليها، وجعلها عمر شورى بينهم، ولم يُرْوَ ذلك عن النبي  ، ولا نقول: إنهم فعلوا ذلك بغير علم، ولا: قالوا ما لم يعلموا؛ فدلّ ما ذكرنا أن معنى قول الله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ - ليس يدخل فيه الاجتهاد في الأحكام، وتشبيهه الفرع الحادث بالأصل المنصوص عليه، والله أعلم.

وقال القتبي: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ ، أي: يتناهى في الثبات إلى حال الرجال، ويقال: ثماني عشرة سنة، وقال: أَشُدُّ اليتيمِ غير أشدّ الرجل في قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً  ﴾ ، والأشد ما ذكرنا من استحكام عقله وتدبيره إلى ألا يؤخذ بالنقصان، وهو إذا جاوز أربعين يأخذ في النقصان، وإلى أربعين يكون على الزيادة والنماء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ ﴾ ، أي: لا تقف ما ليس لك به علم بأسباب العلم، وهو ما ذكر من السمع والبصر، وجائز أن يكون: ﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ : يسأل عن شكر هذه الأشياء، أو يسأل عما امتحن بهذه الأشياء.

وفي قوله: ﴿ وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ - دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه أمر بإيفاء الكيل والوزن، ولا يقدر على ذلك إلا باجتهاد الكائل والوازن؛ لأن كيل الرجل يزيد على كيل غيره وينقص، وربما كال الرجل الشيء ثم يعيد كيله هو بنفسه فيزيد أو ينقص، ولا يكاد يستوي الكيلان وإن كانا من رجل واحد، وإنما يكلف الاجتهاد في كيله وترك التعمد للزيادة أو النقصان [فيه]؛ فإذا فعل ذلك فقد وفر الكيل وأدى الواجب، وهذا عندنا أصل الاجتهاد والاستحسان؛ لأن الكائل إنما يجتهد في توفيته الحق، ولا يعلم يقيناً أنه وفى ما كان عليه من الكيل الذي سمياه في العقد؛ فعلى ذلك الاستحسان إنما هو اجتهاد العالم في اختيار أحسن ما يقدر عليه إذا لم يكن للحادثة أصل يردها عليه ويشبهها به، والله أعلم.

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ .

ليس النهي عن المشي نفسه؛ إنما النهي للمشي المرح، ثم النهي عن الشيء يوجب ضدّه، وكذلك الأمر، ثمّ إن النهي عن الشيء يوجب الأمر بضده؛ [والأمر بالشيء يوجب النهي بضده] وهاهنا نهي عن المرح؛ فيكون أمراً بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً  ﴾ ، وقال بعضهم: مرحاً: بطراً وأَشَراً، وقيل: متعظماً متكبراً بالخُيَلاء.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً ﴾ .

قال بعضهم: ذكر خرق الأرض وبلوغ الجبال طولاً؛ لأن من الخلائق من يخرق الأرض ويدخلها، ويبلغ طول الجبال، وهم الملائكة، ثم لم يتكبّروا على الله ولا تعظموا عليه ولا على رسوله؛ بل خضعوا له؛ فمن لم يبلغ في القوة والشدّة ذلك - أحرى أن يخضع له ويتواضع ولا يتكبر.

ويحتمل أن يكون ذكر هذا؛ لما أنهم كانوا يسعون في إطفاء هذا الدين، وقهر رسول الله  ، فيقول: كما لم يتهيأ لكم خرق الأرض وبلوغ الجبال طولاً - لم يتهيأ لكم إطفاء دين الله، وقهر رسوله، وهو ما ذكر: ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ  ﴾ ، أو يذكر هذا يقول: إنك لن تبلغ بكبرك وعظمتك مرتبة الرؤساء والقادة ومنزلتهم، على هذا التمثيل يحتمل أن يخرج، والله أعلم.

أو يقول: إنك لن تخرق الأرض، أي: لا تقدر أن تخرق [الأرض]؛ فتستخرج ما فيها من الكنوز والمنافع؛ فتنتفع بها، ولا تقدر أن تبلغ الجبال طولاً؛ فتنتفع بما في رءوس الجبال من المنافع، وكيف تتكبر وتمرح على غيرك، وهو مثلك في القوّة والشدّة.

وأصل الكبر أن من عرف نفسه على ما هي عليه من الأحداث والآفات وأنواع الحوائج - لم يتكبّر على مثله، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ كُلُّ ذٰلِكَ ﴾ .

أي: كل ما أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات.

﴿ كَانَ سَيِّئُهُ ﴾ .

بالعقل.

﴿ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ﴾ : مسخوطاً، وفيه دلالة أن الأمر الّذي أمر في هذه الآيات ونهاهم عنه - لم يكن أمر أدب ولا نهي أدب، ولكن أمر حتم وحكم؛ حيث ذكر أن ذلك عند ربك: ﴿ مَكْرُوهاً ﴾ ؛ إذ لو كان أدباً لم يكره أي شيء ما ذكر في مكروه عند ربّك، وهو كقوله: ﴿ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ  ﴾ ، أي: يسمعون [الكل؛ فيتبعون أحسنه]، ويتركون غيره؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ﴾ .

أي: ذلك الذي أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات من الحكمة - ليس من السفه، أي: ما أمر فيها هو حكمة وما نهى عنه [إنما نهى عنه؛ لأنه سفه].

وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - القرآن، قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي ذلك الذي أوحى إليك هو حكمة، وقال بعضهم: الحكمة: الإصابة، أي: ذلك الذي أوحى إليك صواب.

وقوْله: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، أي: ما ذكر في هذه الآيات وأمر به ونهى عنه - هو من الحكمة، والحكمة: هي وضع الشيء موضعه، [يقول: حكمه: وضَع الشيء موضعه، لا] وضَع الشيء غير موضعه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .

معلوم أن رسول الله لا يجعل معه إلهاً آخر؛ إذ عصمه واختاره لرسالته، لكنّه ذكر هذا ليعلم أنه لو كان منه ذلك فيفعل به ما ذكر؛ فمن هو دونه أحق أن يفعل به ما ذكر، وهو ما قال في الملائكة: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 29].

أنه عصمهم حتى أخبر أنهم: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ؛ فمن لم يكن معصوماً - لم يوصف أنه لا يسبق بالقول؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً ﴾ : عند الله، أو عند نفسك، أو عند الخلق.

﴿ مَّدْحُوراً ﴾ : مبعداً مطروداً من رحمته في النار، أو: خاطب به رسوله، وأراد به غيره؛ على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تتبع - يا ابن آدم - ما لا علم لك به، فتتبع الظنون والحدس، إن الإنسان مسؤول عما استخدم فيه سمعه وبصره وفؤاده من خير أو شر، فيثاب على الخير، ويعاقب على الشر.

<div class="verse-tafsir" id="91.2dRLq"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده