الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٣٩ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 102 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٩ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة مما أوحينا إليك يا محمد لتأمر به الناس ( ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما ) أي تلومك نفسك ويلومك الله والخلق .
( مدحورا ) .
قال ابن عباس وقتادة مطرودا والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم
يقول تعالى ذكره: هذا الذي بيَّنا لك يا محمد من الأخلاق الجميلة التي أمرناك بجميلها، ونهيناك عن قبيحها( مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) يقول: من الحكمة التي أوحيناها إليك في كتابنا هذا.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) قال: القرآن.
وقد بيَّنا معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ) يقول: ولا تجعل مع الله شريكا في عبادتك، فتُلقى في جهنم ملوما تلومك نفسك وعارفوك من الناس ( مَدْحُورًا) يقول: مُبْعَدا مقصيا في النار، ولكن أخلص العبادة لله الواحد القهَّار، فتنجو من عذابه.
وبنحو الذي قلنا في قوله (مَلُومًا مًدْحُورًا) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله (مَلُومًا مَدْحُورًا) يقول: مطرودا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة (مَلُومًا مَدْحُورًا) قال: ملوما في عبادة الله، مدحورا في النار.
قوله تعالى : ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحوراالإشارة بذلك إلى هذه الآداب والقصص والأحكام التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة التي نزل بها جبريل - عليه السلام - .
أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله - عز وجل - في عباده ، وخلقها لهم من محاسن الأخلاق والحكمة وقوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة .
ثم عطف قوله ولا تجعل على ما تقدم من النواهي .
والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - المراد كل من سمع الآية من البشر .
والمدحور : المهان المبعد المقصى .
وقد تقدم في هذه السورة .
ويقال في الدعاء : اللهم ادحر عنا الشيطان ; أي أبعده .
{ ذَلِكَ } الذي بيناه ووضحناه من هذه الأحكام الجليلة، { مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ } فإن الحكمة الأمر بمحاسن الأعمال ومكارم الأخلاق والنهي عن أراذل الأخلاق وأسوأ الأعمال.
وهذه الأعمال المذكورة في هذه الآيات من الحكمة العالية التي أوحاها رب العالمين لسيد المرسلين في أشرف الكتب ليأمر بها أفضل الأمم فهي من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا.
ثم ختمها بالنهي عن عبادة غير الله كما افتتحها بذلك فقال: { وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ } أي: خالدا مخلدا فإنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.
{ مَلُومًا مَدْحُورًا } أي: قد لحقتك اللائمة واللعنة والذم من الله وملائكته والناس أجمعين.
( ذلك ( الذي ذكرنا ( مما أوحى إليك ربك من الحكمة ( وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمة .
( ( ولا تجعل مع الله إلها آخر ) خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات والمراد منه الأمة ( فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ( مطرودا مبعدا من كل خير .
«ذلك مما أوحى إليك» يا محمد «ربك من الحكمة» الموعظة «ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا» مطرودا من رحمة الله.
ذلك الذي بيَّناه ووضَّحناه من هذه الأحكام الجليلة، من الأمر بمحاسن الأعمال، والنهي عن أراذل الأخلاق مما أوحيناه إليك أيها النبي.
ولا تجعل -أيها الإنسان- مع الله تعالى شريكًا له في عبادته، فتُقْذف في نار جهنم تلومك نفسك والناس، وتكون مطرودًا مبعدًا من كل خير.
والخطاب فى قوله - تعالى - : ( أفأصفاكم .
.
) للكافرين الذين قالوا ، الملائكة بنات الله .والإِصفاء بالشئ : جعله خالصا .
يقال : أصفى فلان فلانا بالشئ ، إذا آثره به .
ويقال للأشياء التى يختص السلطان بها نفسه : الصوافى .
وفعله : صفا يصفو ، وتضمن هنا معنى التخصيص .والاستفهام للإِنكار والتوبيخ والتهكم .والمعنى - كما يقال صاحب الكشاف - أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد ، وهم الذكور ، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه ، واتخذ أدونهم ، وهن البنات ، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم ، بل تئدوهن وتقتلونهن!!
فهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم .
فإن العبيد لا يُؤْثَرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب ، ويكون أردؤها وأدونها للسادات .والمقصود من الجملة الكريمة نفى ما زعموه من أن الملائكة بنات الله بأبلغ وجه ، أى : لم يخصكم ربكم بالبنين ، ولم يتخذ من الملائكة إناثا ، لأنه - سبحانه - تنزه عن الشريك والولد والوالد والشبيه .قال - تعالى - : ( لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ) وقال - تعالى - : ( أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى ) وقوله - سبحانه - : ( إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً ) تسفيه لأقوالهم الباطلة وأفكارهم الفاسدة وعقولهم السقيمة .أى : إنكم بنسبتكم البنات إلى الله - تعالى - ، لتقولون قولا عظيما فى قبحه وشناعته ، وفى استهجان العقول السليمة له ، وفيما يترتب عليه من عقوبات أليمة من الله - تعالى - لكم .قال - تعالى - : ( وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً )
اعلم أنه تعالى جمع في هذه الآية خمسة وعشرين نوعاً من التكاليف.
فأولها: قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ وقوله: ﴿ وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه ﴾ مشتمل على تكليفين: الأمر بعبادة الله تعالى، والنهي عن عبادة غير الله، فكان المجموع ثلاثة.
وقوله: ﴿ وبالوالدين إحسانا ﴾ هو الرابع، ثم ذكر في شرح ذلك الإحسان خمسة أخرى وهي: قوله: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا ﴾ فيكون المجموع تسعة، ثم قال: ﴿ وَءاتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل ﴾ وهو ثلاثة فيكون المجموع إثني عشر.
ثم قال: ﴿ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا ﴾ فيصير ثلاثة عشر.
ثم قال: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ وهو الرابع عشر ثم قال: ﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴾ إلى آخر الآية وهو الخامس عشر، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ ﴾ وهو السادس عشر، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ﴾ وهو السابع عشر ثم قال: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا ﴾ وهو الثامن عشر، ثم قال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فّى القتل ﴾ وهو التاسع عشر، ثم قال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ ﴾ وهو العشرون.
ثم قال: ﴿ وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ ﴾ وهو الحادي والعشرون، ثم قال: ﴿ وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم ﴾ وهو الثاني والعشرون، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ وهو الثالث والعشرون، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحًا ﴾ وهو الرابع والعشرون، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ وهو الخامس والعشرون، فهذه خمسة وعشرون نوعاً من التكاليف بعضها أوامر وبعضها نواه جمعها الله تعالى في هذه الآيات وجعل فاتحتها قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً ﴾ وخاتمتها قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴾ إذا عرفت هذا فنقول: هاهنا فوائد: الفائدة الأولى: قوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من التكاليف وسماها حكمة، وإنما سماها بهذا الاسم لوجوه: أحدها: أن حاصلها يرجع إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والخيرات والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، والعقول تدل على صحتها.
فالأتي بمثل هذه الشريعة لا يكون داعياً إلى دين الشيطان بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون داعياً إلى دين الرحمن، وتمام تقرير هذا ما نذكره في سورة الشعراء في قوله: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ .
وثانيها: أن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال، فكانت محكمة وحمكة من هذا الاعتبار.
وثالثها: أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به، فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأول وسائر التكاليف عبارة عن تعليم الخيرات حتى يواظب الإنسان عليها ولا ينحرف عنها، فثبت أن هذه الأشياء المذكورة في هذه الآيات عين الحكمة، وعن ابن عباس: أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى عليه الصلاة والسلام: أولها: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ قال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلّ شَيْء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَيْء ﴾ .
والفائدة الثانية: من فوائد هذه الآية أنه تعالى بدأ في هذه التكاليف بالأمر بالتوحيد، والنهي عن الشرك وختمها بعين هذا المعنى، والمقصود منه التنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر يجب أن يكون ذكر التوحيد، وآخره يجب أن يكون ذكر التوحيد، تنبيهاً على أن المقصود من جميع التكاليف هو معرفة التوحيد والاستغراق فيه، فهذا التكرير حسن موقعه لهذه الفائدة العظيمة ثم إنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الشرك يوجب أن يكون صاحبه مذموماً مخذولاً، وذكر في الآية الأخيرة أن الشرك يوجب أن يلقي صاحبه في جهنم ملوماً مدحوراً، فاللوم والخذلان يحصل في الدنيا، وإلقاؤه في جهنم يحصل يوم القيامة ويجب علينا أن نذكر الفرق بين المذموم المخذول، وبين الملوم المدحور.
فنقول: أما الفرق بين المذموم وبين الملوم، فهو أن كونه مذموماً معناه: أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر، فهذا معنى كونه مذموماً، وإذا ذكر له ذلك فبعد ذلك يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل، وما الذي حملك عليه، وما استفدت من هذا العمل إلا إلحاق الضرر بنفسك، وهذا هو اللوم.
فثبت أن أول الأمر هو أن يصير مذموماً، وآخره أن يصير ملوماً، وأما الفرق بين المخذول وبين المدحور فهو أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت، وأما المدحور فهو المطرود.
والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة قال تعالى: ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ فكونه مخذولاً عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه، وكونه مدحوراً عبارة عن إهانته والاستخفاف به، فثبت أن أول الأمر أن يصير مخذولاً، وآخره أن يصير مدحوراً، والله أعلم بمراده.
وأما قوله: ﴿ أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملئكة إِنَاثًا ﴾ فاعلم أنه تعالى لما نبه على فساد طريقة من أثبت لله شريكاً ونظيراً نبه على طريقة من أثبت له الولد وعلى كمال جهل هذه الفرقة، وهي أنهم اعتقدوا أن الولد قسمان؛ فأشرف القسمين البنون، وأخسهما البنات.
ثم إنهم أثبتوا البنين لأنفسهم مع علمهم بنهاية عجزهم ونقصهم وأثبتوا البنات لله مع علمهم بأن الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له والجلال الذي لا غاية له، وذلك يدل على نهاية جهل القائل بهذا القول ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون ﴾ وقوله: ﴿ أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى ﴾ وقوله: ﴿ أفأصفاكم ﴾ يقال أصفاه بالشيء إذا آثر به، ويقال للضياع التي يستخصها السلطان بخاصية الصوافي.
قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أفخصكم، وقال المفضل: أخلصكم.
قال النحويون هذه الهمزة همزة تدل على الإنكار على صيغة السؤال عن مذهب ظاهر الفساد لا جواب لصاحبه إلا بما فيه أعظم الفضيحة.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا ﴾ وبيان هذا التعظيم من وجهين: الأول: أن إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركباً من الأجزاء والأبعاض، وذلك يقدح في كونه قديماً واجب الوجود لذاته.
وذلك عظيم من القول ومنكر من الكلام.
والثاني: أن بتقدير ثبوت الولد فقد جعلتم أشرف القسمين لأنفسكم وأخس القسمين لله.
وهذا أيضاً جهل عظيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم من قوله ﴿ لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ [الإسراء: 22] إلى هذه الغاية.
وسماه حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.
وعن ابن عباس: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى، أوّلها؛ لا تجعل مع الله إلها آخر، قال الله تعالى ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلّ شَيْء مَّوْعِظَةً ﴾ [الأعراف: 145] وهي عشر آيات في التوراة، ولقد جعل الله فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك؛ لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء.
وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ.
﴿ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴾ الَّتِي هي مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِلْعَمَلِ بِهِ.
﴿ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ ومُنْتَهاهُ، فَإنَّ مَن لا قَصْدَ لَهُ بَطَلَ عَمَلُهُ ومَن قَصَدَ بِفِعْلِهِ أوْ تَرْكِهِ غَيْرَهُ ضاعَ سَعْيُهُ، وأنَّهُ رَأْسُ الحِكْمَةِ ومَلاكُها، ورَتَّبَ عَلَيْهِ أوَّلًا ما هو عائِدُهُ الشِّرْكُ في الدُّنْيا وثانِيًا ما هو نَتِيجَتُهُ في العُقْبى فَقالَ تَعالى: ﴿ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا ﴾ تَلُومُ نَفْسَكَ.
﴿ مَدْحُورًا ﴾ مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{ذلك} إشارة إلى ما تقدم من قوله لا تجعل مع الله الها آخر إلى هذه الغاية {مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة} مما يحكم العقل بصحته وتصلح النفس بأسوته {وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخر فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا} مطروداً من الرحمة عن ابن عباس رضي الله عنهما هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها لا تجعل مع الله إلها آخر وآخرها مدحوراً ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها والنهى عن الشرك لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم تنفعه حكمة وإن بذفيها الحكماء وحك بيافوخه السماء وما أعنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم
﴿ ذَلِكَ ﴾ المُتَقَدِّمُ في التَّكالِيفِ المُفَصَّلَةِ ﴿ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ ﴾ أيْ: بَعْضٌ مِنهُ أوْ مِن جِنْسِهِ ﴿ مِنَ الحِكْمَةِ ﴾ الَّتِي هي عِلْمُ الشَّرائِعِ أوْ مَعْرِفَةُ الحَقِّ سُبْحانَهُ لِذاتِهِ والخَيْرِ لِلْعَمَلِ بِهِ أوِ الأحْكامِ المُحْكَمَةِ الَّتِي لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والفَسادُ، وفي الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذِهِ الثَّمانِي عَشْرَةَ آيَةً يَعْنِي مِن ﴿ لا تَجْعَلْ ﴾ فِيما مَرَّ إلى ﴿ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ بَعْدُ كانَتْ في ألْواحِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي عَشْرُ آياتٍ في التَّوْراةِ، وفي الدُّرِّ المَنثُورِ: أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ التَّوْراةَ كُلَّها في خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ تَلا: ﴿ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ وهَذا أعْظَمُ مَدْحًا لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ مِمّا في الكَشّافِ، «ومِن» إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِ أوْحى عَلى أنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ عائِدِهِ المَحْذُوفِ أيْ مِنَ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْكَ رَبُّكَ كائِنًا مِنَ الحِكْمَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلًا مِن ما ﴿ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الخِطابُ نَظِيرُ الخِطابِ السّابِقِ كُرِّرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ مَبْدَأُ الأمْرِ ومُنْتَهاهُ، وأنَّهُ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ ومِلاكُها، ورُتِّبَ عَلَيْهِ أوَّلًا ما هو عائِدُهُ الشِّرْكُ في الدُّنْيا حَيْثُ قالَ: ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا ﴾ ورَتَّبَ عَلَيْهِ هاهُنا نَتِيجَتَهُ في العُقْبى فَقِيلَ: ﴿ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا ﴾ مِن جِهَةِ نَفْسِكَ ومِن جِهَةِ غَيْرِكَ ﴿ مَدْحُورًا ﴾ مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ الفَرْقُ بَيْنَ المَذْمُومِ والمَلُومِ أنَّ المَذْمُومَ هو الَّذِي يَذْكُرُ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ قَبِيحٌ ومُنْكَرٌ، والمَلُومُ هو الَّذِي يُقالُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ وما الَّذِي حَمَلَكَ عَلَيْهِ وما اسْتَفَدْتَ مِنهُ إلّا إلْحاقَ الضَّرَرِ بِنَفْسِكَ.
ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ الذَّمَّ يَكُونُ أوَّلًا واللَّوْمَ آخِرًا، والفَرْقُ بَيْنَ المَخْذُولِ والمَدْحُورِ أنَّ المَخْذُولَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّعِيفِ يُقالُ: تَخاذَلَتْ أعْضاؤُهُ أيْ: ضَعُفَتْ، والمُرادُ بِهِ مَن تُرِكَتْ إعانَتُهُ وفُوِّضَ إلى نَفْسِهِ والمَدْحُورُ المَطْرُودُ والمُرادُ بِهِ المُهانُ والمُسْتَخَفُّ بِهِ انْتَهى.
وفِي إيرادِ الإلْقاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ جَرى عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ وازْدِراءٍ بِالمُشْرِكِ وجُعِلَ لَهُ كَخَشَبَةٍ يَأْخُذُها مَن كانَ فَيُلْقِيها في التَّنُّورِ، هَذا وقَدْ وُحِّدَ الخِطابُ في بَعْضِ هَذِهِ الأوامِرِ والنَّواهِي وجُمِعَ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، ولَمْ يَظْهَرْ لِي سِرُّ اخْتِيارِ كُلٍّ مِنَ التَّوْحِيدِ والجَمْعِ فِيما اخْتِيرَ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَسْلَمُ مِنَ القِيلِ والقالِ ويَهَشُّ لَهُ كُمَّلُ الرِّجالِ، وقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أحْبابِي مِن أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ ورُؤَساءِ المُدَرِّسِينَ وطَلَبْتُ مِنهُ أنْ يُحَرِّرَ ما يَظْهَرُ لَهُ حَيْثُ إنِّي مُحَقَّقٌ كَمالَهُ وفَضْلَهُ فَكَتَبَ ما نَصُّهُ: أقُولُ مُعْتَرِفًا بِالقُصُورِ مُحْتَرِزًا عَنِ الغُرُورِ مُتَعَذِّرًا بِالقَوْلِ المَأْثُورِ المَأْمُورِ مَعْذُورٌ يَخْطُرُ عَلى خاطِرِ الفَقِيرِ لِتَغْيِيرِ أُسْلُوبِ الخِطابِ وُجُوهٌ تِسْعَةٌ لا تَدْخُلُ في الحِسابِ.
الأوَّلُ: الإشْعارُ بِانْقِسامِ هَذِهِ التَّكالِيفِ إلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ قِسْمٌ أهْلُ الكُلِّ خُوطِبَ بِهِ الأُمَّةُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً تَصْرِيحًا بِخِطابِ أنْفُسِهِمْ ومَرَّةً تَعْرِيضًا بِخِطابِ رَسُولِهِمْ ، وهَذا الأهَمُّ هو التَّوْحِيدُ، وقِسْمٌ مُهِمٌّ جِدًّا لَكِنْ دُونَ الأوَّلِ خُوطِبُوا بِهِ واحِدَةً تَصْرِيحًا وهو أُمُورٌ سَبْعَةٌ، الأوَّلُ مُطْلَقُ الإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ فَإنَّ انْتِفاءَهُ بِأنْ لا يُحْسِنَ إلَيْهِما أصْلًا مِن أشَدِّ مَراتِبِ العُقُوقِ، والثّانِي: تَرْكُ قَتْلِ الأوْلادِ، والثّالِثُ: الزِّنا، والرّابِعُ: تَرْكُ قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ إلّا بِالحَقِّ، والخامِسُ: تَرْكُ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، والسّادِسُ: الإيفاءُ بِالعَهْدِ، والسّابِعُ: الوَزْنُ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ.
وقِسْمٌ ثالِثٌ دُونِ الأوَّلَيْنِ في المُهِمِّيَّةِ خُوطِبُوا بِهِ واحِدَةً تَعْرِيضًا وهو أيْضًا أُمُورٌ أحَدَ عَشَرَ.
الأوَّلُ: تَرْكُ قَوْلِ أُفٍّ لِلْوالِدَيْنِ، والثّانِي: تَرْكُ النَّهْرِ؛ فَإنَّ التَّأْفِيفَ والنَّهْرَ مِن أهْوَنِ مَراتِبِ العُقُوقِ بِخِلافِ تَرْكِ الإحْسانِ مُطْلَقًا، والثّالِثُ: قَوْلُ القَوْلِ الكَرِيمِ لَهُما، والرّابِعُ: خَفْضُ الجَناحِ مِنَ الرَّحْمَةِ، والخامِسُ: الدُّعاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تَرْكُها لَيْسَ كَتَرْكِ مُطْلَقِ الإحْسانِ مَثَلًا.
والسّادِسُ: تَرْكُ إيتاءِ حَقِّ ذِي القُرْبى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ، وظاهِرٌ أنَّ عَدَمَ القِيامِ بِإيتاءِ مَجْمُوعِ الحُقُوقِ الثَّلاثَةِ أهْوَنُ مِن تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في القِسْمِ الثّانِي، والسّابِعُ: تَرْكُ التَّبْذِيرِ.
والثّامِنُ: قَوْلُ القَوْلِ المَيْسُورِ، والتّاسِعُ: العَدْلُ في المَنعِ والعَطاءِ، والعاشِرُ: تَرْكُ القَفْوِ لِما لَيْسَ بِهِ عِلْمُ الصّادِقِ عَلى القَوْلِ بِمُوجِبِ الظَّنِّ مَثَلًا، والحادِي عَشَرَ: تَرْكُ المَشْيِ مَرَحًا وتَرْكُ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخَمْسَةِ أيُّها كانَ لا يَبْلُغُ تَرْكَ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المُكَلَّفِ بِها المَذْكُورَةِ في القِسْمِ الثّانِي كَما لا يَخْفى.
والثّانِي مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الإيماءُ بِاقْتِرانِ خِطابِ الأُمَّةِ في النَّهْيِ عَنْ كَبائِرَ خَطِيرَةٍ مَثَلًا بِخِطابِهِ عَمّا لَيْسَ في خَطَرِها إلى أنَّ الذُّنُوبَ تَزْدادُ عِظَمًا بِعِظَمِ مُرْتَكِبِها فَرْضًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةُ: ﴿ ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ﴾ ﴿ إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ﴾ وكَرِيمَةُ ﴿ يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ وكَما اشْتُهِرَ أنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ وأنَّ المُقَرَّبِينَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ لَكِنْ لَمْ تُراعَ هَذِهِ النُّكْتَةُ في النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ إشارَةً إلى أنَّهُ في غايَةِ العِظَمِ بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ في عِظَمِهِ ازْدِيادُ وتَفاوُتُ الأفْرادِ، أوْ نَقُولُ: لَمّا عارَضَتْ هَذِهِ النُّكْتَةُ نُكْتَةً أُخْرى رُجِّحَتْ لِكَوْنِها بِالرِّعايَةِ أحْرى وهي الإشارَةُ إلى أنَّ الشِّرْكَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَظِيمًا فَكُرِّرَ الخِطابُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ تَخْصِيصًا وتَعْمِيمًا، وهَكَذا نَقُولُ في عَدَمِ رِعايَةِ نُكْتَةِ الوُجُوهِ الآتِيَةِ في التَّكْلِيفِ بِالتَّوْحِيدِ ولا نُعِيدُ.
والثّالِثُ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ التَّنْبِيهُ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ في النَّهْيِ عَنْ بَعْضِ المَعاصِي والأمْرِ بِبَعْضِ الطّاعاتِ عَلى أنَّ فِتْنَةَ فِعْلِ تِلْكَ المَعاصِي وتَرْكَ تِلْكَ الطّاعاتِ لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا خاصَّةً.
والرّابِعُ مِنها الإشارَةُ بِتَعْمِيمِ الخِطابِ فِيما عُمِّمَ فِيهِ مِنَ المَنهِيّاتِ والمَأْمُوراتِ إلى أنَّ تِلْكَ المَنهِيّاتِ كَما يَجِبُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ الِانْكِفافُ عَنْها يَجِبُ عَلَيْهِ كَفُّ الغَيْرِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ لَكانَ كَفاعِلِها في أنَّهُ اقْتَرَفَ كَبِيرَةً نَهى عَنْها نَهْيَ تِلْكَ المَنهِيّاتِ وإلى أنَّ تِلْكَ المَأْمُوراتِ كَما يَجِبُ عَلى الكُلِّ أداؤُها يَجِبُ إجْبارُ التّارِكِ عَلى أدائِها بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُجْبَرْ لَكانَ كَتارِكِها في أنَّهُ تَرَكَ واجِبًا أُمِرَ بِهِ أمْرَ تِلْكَ المَأْمُوراتِ وبِتَخْصِيصِ الخِطابِ فِيما خُصِّصَ فِيهِ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَثابَةِ فَإنَّهُ وإنْ وجَبَ إجْبارُ الغَيْرِ عَلى بَعْضِ تَكالِيفِهِ لَكِنْ عَسى أنْ لا يَكُونَ تَرْكُهُ كَبِيرَةً والخامِسُ الرَّمْزُ بِتَوْحِيدِ الخِطابِ فِيما وُحِّدَ فِيهِ أنَّ تِلْكَ الطّاعَةَ لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ الآحادِ لِأنَّها لا يُوفِّي حَقَّها إلّا المُتَوَرِّعُونَ الصّالِحُونَ وقَلِيلٌ ما هم بِخِلافِ غَيْرِها فَإنَّهُ مَضْبُوطٌ.
والسّادِسُ: الإشْعارُ بِأنَّ التَّكالِيفَ الَّتِي خُوطِبَ بِها النَّبِيُّ والمُرادُ أُمَّتُهُ لا يَقُومُ بِها حَقَّ القِيامِ إلّا هو أوْ مَن يَقْتَدِي بِأنْوارِهِ ويَقْتَفِي لِآثارِهِ ويَسْعى في اتِّباعِ سَنَنِهِ القَوِيمِ ويَجْتَهِدُ في التَّخَلُّقِ بِخُلُقِهِ الكَرِيمِ بِخِلافِ غَيْرِها مِمّا خُوطِبُوا بِهِ صَرِيحًا فَإنَّها تَأْتِي مِن أغْلَبِهِمْ.
والسّابِعُ: أنَّهُ صَرَفَ الخِطابَ عَنْهُ في النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ إلّا بِالحَقِّ والتَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إشارَةً إلى أنَّ تِلْكَ الشَّنائِعَ لا يَأْتِيها النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يُنْهَ عَنْها؛ لِأنَّ فِطْرَتَهُ وفِطْنَتَهُ وسَلامَةَ طَبْعِهِ اللَّطِيفِ واسْتِقامَةَ مِزاجِهِ الشَّرِيفِ كانَتْ كافِيَةً في كَفِّهِ عَنْها، وكَذا صُرِفَ عَنْهُ الخِطابُ في الأمْرِ بِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ والإيفاءِ بِالعَهْدِ والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَأْتِي بِهَذِهِ الأُمُورِ وإنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِها لِأنَّ تَرْكَ مُطْلَقِ الإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ لَوْ بَلَغا لَدَيْهِ الكِبَرَ مَثَلًا يَلْزَمُهُ مِنَ الفَظاظَةِ وغِلْظَةِ القَلْبِ وجَفاءِ الطَّبْعِ ما كانَ يَأْباهُ طَبِيعَتُهُ وكَذا الغَدْرُ والتَّطْفِيفُ كانا تَأْباهُما أخْلاقُهُ الكَرِيمَةُ لَكِنْ خُوطِبَ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلطَّبْعِ والخُلُقِ في التَّوْحِيدِ والشِّرْكِ دَخْلٌ.
والثّامِنُ: أنَّهُ تَعالى إجْلالًا لِحَبِيبِهِ لَمْ يُخاطِبْهُ بِنَهْيِهِ عَنْ فَواحِشِ قَتْلِ الوَلَدِ والزِّنا وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِئَلّا يُوهِمَ أنَّهُ كانَ -وحاشاهُ- يَأْتِيها قَبْلَ النَّهْيِ، وكَذا لَمْ يُخاطِبْهُ بِأمْرٍ بِالإيفاءِ بِالعَهْدِ والوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ لِئَلّا يُوهِمَ أنَّهُ كانَ -وحاشاهُ- يَتْرُكُها قَبْلَ هَذا، وهَذا الإيهامُ أدْعى لِلِاعْتِناءِ بِدَفْعِهِ مِنَ الإيهامِ فِيما خُوطِبَ بِهِ وحْدَهُ، وخُوطِبَ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ لِأنَّ مَعْهُودِيَّةَ دَعْوَتِهِ لِلْخاصِّ والعامِّ مَدى اللَّيالِي والأيّامِ كَفَتْهُ هَذا الإيهامَ.
والتّاسِعُ: لَعَلَّ التَّكالِيفَ الَّتِي خُوطِبَ بِها كَتَرْكِ القَفْوِ لِما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وتَرْكِ المَشْيِ في الأرْضِ مَرَحًا لَمْ تَكُنْ في غَيْرِ دِينِهِ مِن سائِرِ الأدْيانِ أوْ لَمْ تَكُنْ مُصَرَّحًا بِها مَنصُوصًا عَلَيْها في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ما عَدا القُرْآنَ فَوَجْهُ الخِطابِ إلَيْهِ وحْدَهُ تَلْوِيحًا بِأنَّها مِن خَصائِصِ دِينِهِ أوْ بِأنَّ التَّصْرِيحَ بِها والتَّنْصِيصَ عَلَيْها مِن خَصائِصِ كِتابِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ القَفْوِ بِلا عِلْمٍ والمَشْيِ مَرَحًا: ﴿ ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴾ ثُمَّ إنِّي لا أدَّعِي في هَذا بَلْ وفي سائِرِ الوُجُوهِ البَتَّ والجَزْمَ ولا أقْفُو ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ بَلْ أقُولُ: هَذا خَطَرَ بِبالِي الكَسِيرِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ.
اه.
ويُرَدُّ عَلى قَوْلِهِ في الأوَّلِ فَإنَّ انْتِفاءَهُ بِأنْ لا يُحْسِنَ إلَيْهِما أصْلًا مِن أشَدِّ مَراتِبِ العُقُوقِ أنَّ العُقُوقَ الَّذِي هو كَبِيرَةٌ فِعْلُ ما يَتَأذّى بِهِ مَن فُعِلَ مَعَهُ مِنَ الوالِدَيْنِ تَأذِّيًا لَيْسَ بِالهَيِّنِ عُرْفًا كَما سَمِعْتَ، وعَدَمُ الإحْسانِ أصْلًا قَدْ لا يَكُونُ مِن ذَلِكَ، قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ العُقُوقِ وقَطْعِ الرَّحِمِ: إنَّهُ لَوْ فُرِضَ أنَّ قَرِيبَهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إحْسانٌ ولا إساءَةٌ قَطُّ لَمْ يَفْسُقْ بِذَلِكَ؛ لَأنَّ الأبَوَيْنِ إذا فُرِضَ ذَلِكَ في حَقِّهِما مِن غَيْرِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهُما ما يَقْتَضِي التَّأذِّيَ العَظِيمَ لِغِناهُما مَثَلًا لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً فَأوْلى بَقِيَّةُ الأقارِبِ اه.
وكَأنَّهُ أحْسَنَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ ظَنَّ أنَّهُ إذا تَحَقَّقَ عَدَمُ الإحْسانِ تَحَقَّقَتِ الإساءَةُ وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ، ويَرِدُ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: وظاهِرٌ أنَّ عَدَمَ القِيامِ بِإيتاءِ مَجْمُوعِ الحُقُوقِ الثَّلاثَةِ أهْوَنُ مِن تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في القِسْمِ الثّانِي أنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ أهْوَنُ مِن تَرْكِ مَجْمُوعِ تِلْكَ الأُمُورِ فَلا شَكَّ أنَّ بَعْضَ ما عَدَّهُ في القِسْمِ الثّالِثِ كالوَزْنِ بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ تَرْكُ القِيامِ بِهِ أهْوَنُ مِن تَرْكِ مَجْمُوعِ التَّكْلِيفاتِ، فَما مَعْنى هَذا التَّخْصِيصِ وإنْ أرادَ أنَّهُ أهْوَنُ مِن تَرْكِ كُلِّ واحِدٍ مِن تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فَهو مَمْنُوعٌ كَيْفَ لا ويَكُونُ في ذَلِكَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ وقاطِعُها مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى في ثَلاثَةِ مَواضِعَ.
ورَوى أحْمَدُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ أنَّ: «مِن أرْبا الرِّبا الِاسْتِطالَةُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإنَّ هَذِهِ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَمَن قَطَعَها حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الجَنَّةَ؛» ومَنعُ زَكاةٍ أيْضًا.
وقَدْ قالَ تَعالى في حم السَّجْدَةِ وهي مَكِّيَّةٌ كَهَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ ﴾ وإنْ نُوقِشَ فِيما ذُكِرَ قُلْنا: إنَّ عَدَمَ القِيامِ بِإيتاءِ ما ذُكِرَ صادِقٌ عَلى مَنعِ حُقُوقِ ثَلاثَةِ أصْنافٍ ولا شَكَّ أنَّ مَنعَ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ ظُلْمٌ لَهُ فَيَتَعَدَّدُ الظُّلْمُ فِيما نَحْنُ فِيهِ، ولا أظُنُّ أنَّ ذَلِكَ أهْوَنُ مِنَ التَّطْفِيفِ وإنْ كانَ ظُلْمًا أيْضًا: وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشُدُّ مَضاضَةً عَلى القَلْبِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ: ظاهِرٌ غَيْرُ ظاهِرٍ، ويَرِدُ أيْضًا عَلى قَوْلِهِ: وتَرْكُ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخَمْسَةِ إلَخْ.
أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ نَهْيٌ عَلى ما اخْتارَهُ الإمامُ عَنْ كَبائِرَ لا شَكَّ في أنَّ بَعْضَها أعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِن بَعْضِ ما في القِسْمِ الثّانِي كالقَوْلِ في الإلَهِيّاتِ والنُّبُوّاتِ نَحْوَ ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ تَقْلِيدًا لِلْأسْلافِ واتِّباعًا لِلْهَوى وإنْ أبَيْتَ إلّا تَخْصِيصَهُ بِبَعْضِ ما قالَهُ المُفَسِّرُونَ ونَقَلَهُالإمامُ مِمّا هو أهْوَنُ أفْرادِهِ كالكَذِبِ قِيلَ لَكَ: إنَّ في كَوْنِهِ أهْوَنَ مِنَ انْتِفاءِ الإحْسانِ مُطْلَقًا مَعَ كَوْنِهِ قَدْ لا يَكُونُ كَبِيرَةً مَنعًا ظاهِرًا كَما لا يَخْفى.
وكَذا في كَوْنِ المَشْيِ مَرَحًا دُونَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ السّابِقَةِ بَحْثٌ.
وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ: ««بَيْنَما رَجُلٌ يَمْشِي في حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ مُخْتالٌ في مِشْيَتِهِ إذْ خَسَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ فَهو يَتَجَلْجَلُ في الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» ورَوى أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ: ««ما مِن رَجُلٍ يَتَعاظَمُ في نَفْسِهِ ويَخْتالُ في مِشْيَتِهِ إلّا لَقِيَ اللَّهَ تَعالى وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ»» وصَحَّ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي لَمْ يَجِئْ مِثْلُها فِيمَن لَمْ يُحْسِنْ إلى والِدَيْهِ، نَعَمْ جاءَ ذَلِكَ فِيمَن عَقَّ والِدَيْهِ، وبَيْنَ عُقُوقِهِما وعَدَمِ الإحْسانِ إلَيْهِما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، وعَلى هَذا فَلا يَخْفى حالٌ كَما لا يَخْفى، ويَرِدُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي عَلى ما فِيهِ أنَّهُ غَيْرُ وافٍ بِالغَرَضِ، وعَلى الثّالِثِ أنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوى لَمْ تُساعِدْها الآثارُ، نَعَمْ ورَدَ في بَعْضِ ما ذُكِرَ أنَّ فِتْنَتَهُ لا تُصِيبُ الظّالِمَ فَقَطْ ما يُؤَيِّدُهُ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ: ««يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ، خِصالٌ خَمْسٌ إنِ ابْتَلَيْتُمْ بِهِنَّ ونَزَلَتْ بِكم أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الفاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حَتّى يُعْلِنُوا بِها إلّا فَشا فِيهِمُ الأوْجاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في أسْلافِهِمْ، ولَمْ يُنْقِصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وشِدَّةِ المَئُونَةِ وجَوْرِ السُّلْطانِ ولَمْ يَمْنَعُوا زَكاةَ أمْوالِهِمْ إلّا مُنِعُوا المَطَرَ مِنَ السَّماءِ، ولَوْلا البَهائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ولا نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ تَعالى وعَهْدَ رَسُولِهِ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُوا بَعْضَ ما في أيْدِيهِمْ وما لَمْ تَحْكم أئِمَّتُهم بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى إلّا جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَأْسَهم بَيْنَهُمْ»».
وإنْ كانَ في عَدَمِ إيتاءِ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما مَنعُ الزَّكاةِ فَأمْرُ الإيماءِ المَذْكُورُ ولا يَخْفى حالُهُ فَإنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِعُمُومِ شُؤْمِ ذَلِكَ.
فَقَدْ صَحَّ: ««ما مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكاةَ إلّا حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ»».
وفِي رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ: ««إلّا ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسِّنِينَ»».
إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويَرِدُ عَلى الوَجْهِ الرّابِعِ أنَّ بَعْضَهم قَدْ أطْلَقَ القَوْلَ بِأنَّ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كَبِيرَةٌ.
وصَرَّحَ صاحِبُ العُدَّةِ بِأنَّ الغِيبَةَ نَفْسَها صَغِيرَةٌ، وتَرْكَ النَّهْيِ عَنْها كَبِيرَةٌ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: ونَقَلَهُ الجَلالُ البُلْقِينِيُّ يَنْبَغِي أنْ يُفَصَّلَ في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَيُقالَ: إنْ كانَ كَبِيرَةً فالسُّكُوتُ عَلَيْهِ مَعَ إمْكانِ دَفْعِهِ كَبِيرَةٌ، وإنْ كانَ صَغِيرَةً فالسُّكُوتُ عَلَيْهِ صَغِيرَةٌ، ويُقاسُ تَرْكُ المَأْمُورِ بِهَذا إذا قُلْنا: إنَّ الواجِباتِ تَتَفاوَتُ وهو الظّاهِرُ اه.
وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ فِيما وحَّدَ الخِطابَ فِيهِ مِنَ الأوامِرِ ما تَرْكُهُ كَبِيرَةٌ ومِنَ النَّواهِي ما فِعْلُهُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ ما رَجا سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّ في تَعْبِيرِهِ بِالإجْبارِ فِيما عَبَّرَ فِيهِ ما لا يَخْفى، ويَرِدُ عَلى الخامِسِ أنَّ في كَوْنِ الطّاعاتِ الَّتِي وحَّدَ فِيها الخِطابَ لا تَصْدُرُ إلّا مِنَ الآحادِ لِأنَّها لا يُوَفِّي حَقَّها إلّا المُتَوَرِّعُونَ مَنعًا ظاهِرًا فَإنَّ أكْثَرَ النّاسِ صالِحِهِمْ وطالِحِهِمْ لا يَمْشِي في الأرْضِ مَرَحًا ومِثْلُ ذَلِكَ الدُّعاءُ لِلْوالِدَيْنِ بِالرَّحْمَةِ فَإنّا نَسْمَعُهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مِن كَثِيرٍ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ الوَرَعَ أيَّ شَيْءٍ هُوَ، وكَذا في قَوْلِهِ: بِخِلافِ غَيْرِها فَإنَّهُ مَضْبُوطٌ، فَإنَّ تَرْكَ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ مِمَّنْ لَهُ وِلايَةٌ عَلَيْهِ أمْرٌ شاقٌّ لا يَكادُ يَقُومُ بِهِ إلّا الأفْرادُ، قالَ في رَدِّ المُحْتارِ حاشِيَةِ الدُّرِّ المُخْتارِ: لا يَنْبَغِي لِلْمُوصى إلَيْهِ أنْ يَقْبَلَ لِصُعُوبَةِ العَدْلِ جِدًّا، ومِن هُنا قالَ أبُو يُوسُفَ: الدُّخُولُ في الوِصايَةِ أوَّلَ مَرَّةِ غَلَطٌ وثانِي مَرَّةٍ خِيانَةٌ وثالِثَ مَرَّةٍ سَرِقَةٌ، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في الوَجْهِ السّادِسِ، ويَرِدُ عَلى السّابِعِ أيْضًا أنَّ المَشْيَ في الأرْضِ مَرَحًا كالأُمُورِ الَّتِي صُرِفَ الخِطابُ في النَّهْيِ عَنْها عَنْهُ في أنَّ فِطْرَتَهُ وفِطْنَتَهُ وسَلامَةَ طَبْعِهِ اللَّطِيفِ واسْتِقامَةَ مِزاجِهِ الشَّرِيفِ كافِيَةٌ في الكَفِّ عَنْهُ؛ فَإنَّ الكِبْرَ مِنَ البَشَرِ لا يَنْشَأُ إلّا عَنْ جَهْلٍ وبَلادَةٍ وقَدْ جُبِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ التَّواضُعِ بَلْ وسائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي هي كَمالٌ في النَّوْعِ الإنْسانِيِّ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُصْرَفِ الخِطابُ فِيهِ وأنَّهُ حَيْثُ اعْتَبَرَ الفِطْنَةَ في الكافِي عَنِ الكَفِّ لَمْ يَنْفَعْهُ الِاعْتِذارُ عَنْ تَوْحِيدِ الخِطابِ في النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ بِما اعْتُذِرَ بِهِ فَإنَّ لِلْفِطْنَةِ دَخْلًا تامًّا في التَّوْحِيدِ كَما لا يَخْفى عَلى فَطِنٍ، ويَرِدُ عَلى قَوْلِهِ في الثّامِنِ: «وهَذا الإيهامُ إلَخْ» مَنعُ ظاهِرٍ فَلا يَخْفى حالُهُ كَما لا يَخْفى، ويَرِدُ عَلى التّاسِعِ أنَّهُ لا يُساعِدُهُ نَقْلٌ ولا عَقْلٌ بَلْ جاءَ في النَّقْلِ ما يُخالِفُهُ كَما سَمِعْتَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وإنَّ اعْتُبِرَ النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ مِن تِلْكَ التَّكْلِيفاتِ فَهو كافٍ في تَزْيِيفِ هَذا الوَجْهِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشِّرْكِ جاءَ بِهِ كُلُّ رَسُولٍ ونَطَقَ بِهِ كُلُّ كِتابٍ وما ذَكَرَهُ مُؤَيِّدًا لِغَرَضِهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْيِيدِ، هَذا وبَقِيَتْ إيراداتٌ أُخَرُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ أعْرَضْنا عَنْها وتَرَكْناها لِلذَّكِيِّ الفَطِنِ حَذَرًا مِنَ التَّطْوِيلِ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ يَتَوَلّى هُداكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ، يعني: مما بيّن الله تعالى وأمر ونهى وكان ذلك مكتوباً في اللوح، وأوحى إليك ربك.
مِنَ الْحِكْمَةِ، أي بيان الحلال والحرام.
وَلا تَجْعَلْ، أي لا تقل.
مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فالخطاب للنبي والمراد به أمته.
فَتُلْقى، أي تطرح فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً، أي يلومك الناس، مَدْحُوراً، أي مقصيَّاً من كل خير.
وقال القتبي: مَدْحُوراً أي مبعداً.
يقال في الدعاء: «اللَّهُمَّ ادْحَرْ عَنِّي الشَّيْطَانَ» ، أي أبعده عنّي.
قوله عز وجل: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ، أي أفاختاركم بالبنين.
وَاتَّخَذَ لنفسه مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً في العقوبة، ويقال: قولا منكرا قبيحا.
قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ أي: من كل وجه لِيَذَّكَّرُوا، أي ليتعظوا بالقرآن، ويقال: في القرآن من كل شيء يحتاج إليه الناس، ويقال: بيّنا في هذا القرآن من كل وعد ووعيد، لِيَذَّكَّرُوا أي ليتعظوا بما في القرآن فينتهوا عن عبادة الأوثان.
وَما يَزِيدُهُمْ أي الوعيد في القرآن إِلَّا نُفُوراً أي: تباعداً عن الإيمان.
قرأ حمزة والكسائي لّيَذْكُرُواْ بالتخفيف، يعني: ليذكروا ما فيه، وقرأ الباقون بالتشديد، لأن أصله ليتذكروا، فادغم التاء في الذال وشدد.
<div class="verse-tafsir"
تَرْضَعُ من أثداءِ الأشياء التي تُلاَبِسُها، وتأخذ ما فيها من معانيها وأوصافها، وتؤدِّيها إلى القَلْب وتنهيها.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً قرأ الجمهور «١» مَرَحاً بفتح الحاء مصدر: مَرِحَ يَمْرَحُ إِذا تسيَّب مسروراً بدنياه، مقبلاً على راحته، فنُهِيَ الإِنسانُ أنْ يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، وقرأت فرقةٌ «٢» : «مَرِحاً» بكسر الراء، ثم قيل له: إنك أيها المرح المختال الفخور، لن تَخْرِقَ الأرض، ولن تطاول الجبال بفخْرك وكبْرك، «وخرق الأرض» قَطْعها ومَسْحها واستيفاؤها بالمشْي.
وقوله سبحانهُ: كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ قرأ نافعٌ وابن كثير «٣» وأبو عمرو: «سَيِّئَةً» فالإِشارة بذلك على هذه القراءةِ إلى ما تقدَّم ذكره مما نهي عنه كقوله: أُفٍّ [الإسراء:
٢٣] وقذف الناس، والمَرَحِ، وغيرِ ذلك، وقرأ عاصم وابن عامرٍ وحمزةُ والكسائيُّ «سَيِّئُهُ» على إضافة «سَيِّىء» إلى الضمير، فتكون الإِشارة على هذه القراءة إلى جميع ما ذَكَرَ في هذه الآيات من برّ ومعصية، ثم اختص ذكر السّيّئ منه، بأنه مكروه عند الله تعالى.
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩) أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠)
وقوله سبحانه: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ ...
الآية: الإِشارةُ ب ذلِكَ إلى هذه الآداب التي تضّمنتها هذه الآيات المتقدّمة، والْحِكْمَةِ: قوانينُ المعاني المُحِكَمة، والأفْعَالِ الفاضلة.
ت: فينبغي للعاقل أنْ يتأدَّب بآداب الشريعة، وأنْ يحسن العشرْة مع عَبادِ اللَّه، قال الإِمام فَخْرُ الدِّين ابْنُ الخَطِيب في «شرح أسماء اللَّه الحسَنى» كان بعضُ المشايِخِ يقولُ: مَجَامِعُ الخَيْرَاتِ محصُورَةٌ في أمرَيْنِ صِدْقٍ مَعَ الحَقِّ، وخُلُقٍ مع الخَلْقِ انتهى، وذكر هشامُ بنُ عبْدِ اللَّهِ القرطبيُّ في تاريخه المسمَّى ب «بهجة النّفس» ، قال: دخل عبد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ وابْنُ يَعْمُرَ: ( مَرِحًا ) بِكَسْرِ الرّاءِ، قالَ الأخْفَشُ: والكَسْرُ أجْوَدُ؛ لِأنَّ ( مَرَحًا ) اسْمُ الفاعِلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وكِلاهُما في الجَوْدَةِ سَواءٌ، غَيْرَ أنَّ المَصْدَرَ أوَكْدُ في الِاسْتِعْمالِ، تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا، وجاءَ زَيْدٌ راكِضًا، فَـ( رَكْضًا ) أوْكَدُ في الِاسْتِعْمالِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ الفِعْلِ، وتَأْوِيلِ الآَيَةِ: لا تَمْشِ في الأرْضِ مُخْتالًا فَخُورًا.
والمَرَحُ: الأشَرُ والبَطَرُ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: المَرَحُ: شِدَّةُ الفَرَحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَنْ تَقْطَعَها إلى آَخِرِها.
والثّانِي: لَنْ تَنْفُذَها وتَنْقُبَها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ بِكِبْرِكَ، ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولًا بِعَظَمَتِكَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: لا يَنْبَغِي لِلْعاجِزِ أنْ يَبْذَخَ ويَسْتَكْبِرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( سَيِّئَةٌ ) مُنَوَّنًا غَيْرَ مُضافٍ، عَلى مَعْنى: كانَ خَطِيئَةً، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَنهِيِّ عَنْهُ مِنَ المَذْكُورِ فَقَطْ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( ﴿ سَيِّئُهُ ﴾ ) مُضافًا مُذَكَّرًا، فَتَكُونُ لَفْظَةُ " كُلُّ " يُشارُ بِها إلى سائِرِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وكانَ أبُو عَمْرٍو لا يَرى هَذِهِ القِراءَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: وَهَذا غَلَطٌ مِن أبِي عَمْرٍو؛ لِأنَّ في هَذِهِ الأقاصِيصِ سَيِّئًا وحَسَنًا، وذَلِكَ أنَّ فِيها الأمْرَ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ، وإيتاءِ ذِي القُرْبى، والوَفاءِ بِالعَهْدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ القِراءَةُ أحْسَنُ مِن قِراءَةِ مَن نَصَبَ السَّيِّئَةَ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَدَبَّرْتُ الآَياتِ من قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ﴾ ، فَوَجَدْتُ فِيها أُمُورًا حَسَنَةً.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ: ( سَيِّئَةً ) رَأى أنَّ الكَلامَ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ ، وأنَّ قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَقْفُ ﴾ لا حُسْنَ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ ﴾ يُشِيرُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، ﴿ مِنَ الحِكْمَةِ ﴾ ؛ أيْ: مِنَ الأُمُورِ المُحْكَمَةِ والأدَبِ الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى " المَدْحُورِ " ( الأعْرافِ: ١٨) .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضِ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا ﴾ ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴾ ﴿ ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا ﴾ ﴿ أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا إنَّكم لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "مَرَحًا" بِفَتْحِ الراءِ، مَصْدَرٌ مِن: مَرِحَ يَمْرَحُ إذا تَبَخْتَرَ مَسْرُورًا بِدُنْياهُ مُقْبِلًا عَلى راحَتِهِ، فَهَذا هو المَرَحُ، فَنُهِيَ الإنْسانُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مَشْيُهُ في الأرْضِ عَلى هَذا الوَجْهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ لَنْ تَقْطَعَ الأرْضَ وتَمْسَحَها بِمَشْيِكَ، ولَنْ تَبْلُغَ أطْوالَ الجِبالِ فَتَنالُها طُولًا، فَإذا كُنْتَ لا تَسْتَوِي في الأرْضِ بِمَشْيِكَ فَقَصْرُكَ نَفْسَكَ عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ مِنَ المَشْيِ والتَصَرُّفِ أولى وأحَقُّ.
وخُوطِبَ النَبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ والمُرادُ الناسُ كُلُّهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإقْبالُ الإنْسانِ عَلى الصَيْدِ ونَحْوَهُ تَنْزِهًا دُونَ حاجَةٍ إلى ذَلِكَ داخِلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا الرَجُلُ يَسْتَرِيحُ في اليَوْمِ النادِرِ والساعَةِ مِن يَوْمِهِ فَيَجُمُّ فِيها نَفْسَهُ في التَفَرُّجِ والراحَةِ لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلى شُغْلٍ مِنَ البِرِّ كَقِراءَةِ عِلْمٍ أو صَلاةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِداخِلٍ في هَذِهِ الآيَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقَرَأتْ فِرْقَةٌ -فِيما حَكى يَعْقُوبُ-: "مَرِحًا" بِكَسْرِ الراءِ عَلى بِناءِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا المَعْنى يَتَرَتَّبُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ولَكِنْ يَحْسُنُ مَعَها مَعْنًى آخَرَ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مَعَ القِراءَةِ الأولى، وهو بِهَذِهِ القِراءَةِ ألْيَقُ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا ﴾ أرادَ بِذَلِكَ: أيُّها المَرِحُ المُخْتالُ الفَخُورُ، لا تَخْرِقِ الأرْضَ، ولا تَطاوُلِ الجِبالَ بِفَخْرِكَ وكِبَرِكَ، وذَهَبَ بِالألْفاظِ إلى هَذا المَعْنى، ويَحْسُنُ ذَلِكَ مَعَ القِراءَةِ بِكَسْرِ الراءِ مِنَ المَرَحِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ نُهِيَ حِينَئِذٍ عَنِ التَخَلُّقِ بِالمَرَحِ في كُلِّ أوقاتِهِ؛ إذِ المَشْيُ في الأرْضِ لا يُفارِقُهُ، فَلَمْ يُنْهَ إلّا عن يَكُونُ مَرَحًا، وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى إنَّما نُهِيَ مَن لَيْسَ بِمَرَحٍ عن أنْ يَمْشِيَ في بَعْضِ أوقاتِهِ مَرَحًا، فَيَتَرَتَّبُ في المَرَحِ -بِكَسْرِ الراءِ- أنْ يُؤْخَذَ بِمَعْنى المُتَكَبِّرِ المُخْتالِ.
وخَرْقُ الأرْضِ: قَطْعُها، والخَرْقُ: الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وخَرْقٍ تَجاوَزْتُ مَجْهُولَهُ ∗∗∗ بِوَجْناءَ خَرْقِ تَشَكّى الكَلالا ويُقالُ لِثُقْبِ الأرْضِ: خَرْقٌ، ولَيْسَ هَذا المَعْنى في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ: وقاتِمُ الأعْماقِ خاوِي المُخْتَرِقْ وَقَرَأ الجَرّاحُ، والأعْرابِيُّ: "لَنْ تَخْرُقَ الأرْضَ" بِضَمِّ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْرَفُ هَذِهِ اللُغَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ: "سَيِّئَةً"، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: "سَيِّئُهُ" عَلى إضافَةِ "سَيِّئٍ" إلى الضَمِيرِ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الأُولى- إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا نُهِيَ عنهُ، كَقَوْلِ: أُفٍّ، وقَذْفِ الناسِ، والمَرَحِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والإشارَةُ -عَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ- إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مِن بِرٍّ ومَعْصِيَةٍ، ثُمَّ اخْتَصَّ ذِكْرُ السَيِّئِ مِنهُ بِأنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، فَأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئُهُ" بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ فَإعْرابُ قِراءَتِهِ بَيِّنٌ و"سَيِّئٌ" اسْمُ "كانَ"، و"مَكْرُوهًا" خَبَرُهُ، وأمّا مَن قَرَأ: "سَيِّئَةً" فَهي الخَبَرُ لِـ "كانَ".
واخْتَلَفَ الناسُ في إعْرابِ "مَكْرُوهًا" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو خَبَرٌ ثانٍ لِـ "كانَ" حَمَلَهُ عَلى لَفْظِ "كُلُّ"، و"سَيِّئَةً" مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى في جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو نَعْتٌ لِـ "سَيِّئَةً" لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ جازَ أنْ تُوصَفَ بِمُذَكِّرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ: إنَّ المُؤَنَّثَ إذا ذُكِّرَ فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ وِفْقَهُ، وإنَّما التَساهُلُ أنْ يَتَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى المُؤَنَّثِ وهو في صِيغَةِ ما يُسْنَدُ إلى المُذَكَّرِ، ألّا تَرى أنَّ قَوْلَ الشاعِرِ: فُلًّا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ∗∗∗ ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها مُسْتَقْبَحٌ عِنْدَهُمْ؟
ولَوْ قالَ قائِلٌ: أبْقَلَ أرْضٌ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكِنْ يَجُوزُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَكْرُوهًا" أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "سَيِّئُهُ"، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذَكَرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "سَيِّئُهُ".
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "كانَ سَيِّئاتُهُ"، ورُوِيَ عنهُ "كانَ سَيِّئاتُ" بِغَيْرِ هاءٍ، ورُوِيَ عنهُ "كانَ خَبِيثُهُ".
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ هَذِهِ النَواهِيَ كُلُّها مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ بِالبَيِّنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِمّا أوحى إلَيْكَ رَبُّكَ ﴾ الآيَةُ.
الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذِهِ الآدابِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الأفْعالِ المُحْكَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِيها حِكْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في عِبادِهِ وخَلْقِهِ لَهم مَحاسِنُ الأخْلاقِ.
و"الحِكْمَةُ": قَوانِينُ المَعانِي المُحْكَمَةِ والأفْعالُ الفاضِلَةُ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْ ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَواهِي.
والخُطّابُ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ كُلُّ مِن سَمْعِ الآيَةِ مِنَ البَشَرِ، و"المَدْحُورُ": المُهانُ المُبْعَدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلْعَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، فَقَرَّرَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى هَذِهِ الحُجَّةِ، أيْ: أنْتُمْ أيُّها البَشَرُ لَكُمُ الأعْلى مِنَ النَسْلِ ولِلَّهِ البَناتُ؟
فَلَمّا ظَهَرَ هَذا التَباعُدُ الَّذِي في قَوْلِهِمْ عَظَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَسادَ ما يَقُولُونَهُ وشُنْعَتَهُ، ومَعْناهُ: عَظِيمًا في المُنْكَرِ والوَخامَةِ.
و"أصْفاكُمْ" مَعْناهُ: جَعَلَكم أصْحابَ الصَفْوَةِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ لِأنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، مِن أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذلك مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة ﴾ عدل عن مخاطبة الأمة بضمائر جمع المخاطبين وضمائر المخاطَب غير المعين إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ردًّا إلى ما سبق في أول هذه الآيات من قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ الخ [الإسراء: 23].
وهو تذييل معترض بين جمل النهي.
والإشارة إلى جميع ما ذكر من الأوامر والنواهي صراحةً من قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ [الإسراء: 23].
وفي هذا التذييل تنبيه على أنّ ما اشتملت عليه الآيات السبع عشرةَ هو من الحكمة، تحريضاً على اتباع ما فيها وأنه خير كثير.
وفيه امتنان على النبي بأن الله أوحى إليه، فذلك وجه قوله: مما أوحى إليك تنبيهاً على أن مثل ذلك لا يصل إليه الأميون لولا الوحي من الله، وأنه علمه ما لم يكن يعلم وأمره أن يعلمه الناس.
والحكمة: معرفة الحقائق على ما هي عليه دون غلط ولا اشتباه، وتطلق على الكلام الدال عليها.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ [البقرة: 269].
عطف على جمل النهي المتقدمة، وهذا تأكيد لمضمون جملة ﴿ ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ [الإسراء: 23]، أعيد لقصد الاهتمام بأمر التوحيد بتكرير مضمونه وبما رتب عليه من الوعيد بأن يجازى بالخلود في النار مهانا.
والخطاب لغير معين على طريقة المنهيات قبله، وبقرينة قوله عقبه: ﴿ أفأصفاكم ربكم بالبنين ﴾ الآية [الإسراء: 40].
والإلقاء: رمْي الجسم من أعلى إلى أسفل، وهو يؤذن بالإهانة.
والملوم: الذي يُنكر عليه ما فعله.
والمدحور: المطرود، أي المطرود من جانب الله، أي مغضوب عليه ومبعد من رحمته في الآخرة.
و تُلقى منصوب في جواب النهي بفاء السببية والتسبب على المنهي عنه، أي فيتسبب على جعلك مع الله إلهاً آخر إلقاؤك في جهنَم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَرَّرْنا في هَذا القُرْآنِ مِنَ المَواعِظِ والأمْثالِ.
الثّانِي: غايَرْنا بَيْنَ المَواعِظِ بِاخْتِلافِ أنْواعِها.
﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَذْكُرُوا الأدِلَّةَ.
الثّانِي: لِيَهْتَدُوا إلى الحَقِّ.
﴿ وَما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُفُورًا عَنِ الحَقِّ والِاتِّباعِ لَهُ.
الثّانِي: عَنِ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ.
وَفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ ولَقَدْ صَرَّفْنا الأمْثالَ في هَذا القُرْآنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل، ثم تلا ﴿ ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي رضي الله عنه، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ مدحوراً ﴾ قال مطروداً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ ﴾ يعني ما تقدم ذِكْره، ﴿ مِنَ الْحِكْمَةِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد من الفرائض والسُّنَن (١) وقال المفسرون: يعني من القرآن ومواعظه (٢) وقال أهل المعاني: الحكمة هاهنا الدلائل التي تؤدي إلى المعرفة بالحَسَن من القبيح، والواجب مما لا يجب (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ ﴾ إلى آخر الآية.
قال ابن عباس: هذا أدب من الله لخلقه، ومخاطبة للمؤمنين، يعني أن هذا خطاب لكل واحد من المؤمنين؛ كأنه قيل: ولا تجعل أيها الإنسان مع الله إلهًا آخر، وذكرنا معنى الملوم والمدحور في هذه السورة [آية 18 و29].
(١) ورد بلا نسبة في "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 499، و"تفسير ابن الجوزي" 5/ 37.
(٢) أخرجه "الطبري" 15/ 90 بلفظه عن ابن زيد، ورد عند "الثعلبي" 7/ 109 أبنصه.
(٣) ورد نحوه في "تفسير الطوسي" 6/ 479.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ﴾ الإشارة إلى ما تقدم من المنهيات والمكروه هنا بمعنى: الحرام، لا على اصطلاح الفقهاء في أن المكروه دون الحرام، وإعراب مكروهاً نعت لسيئة أو بدل منها، أو خبر ثان لكان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يبلغان ﴾ مثنى: حمزة وعلي وخلف ﴿ أف ﴾ بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص ﴿ أف ﴾ بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل.
والباقون بالكسر.
﴿ تبصطها كل البصط ﴾ مثل: ﴿ بصطة ﴾ ﴿ خطأ ﴾ بفتحتين من غير مد: يزيد وابن ذكوان غير ابن مجاهد ﴿ خطأ ﴾ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ﴿ خطاء ﴾ بالكسر والمد: ابن كثير.
الباقون بالكسر ثم السكون ﴿ فلا تسرف ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
﴿ بالقسطاس ﴾ مكسور القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل.
وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد ﴿ سيئه ﴾ على إضافة سيء إلى ضمير ﴿ كل ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل.
الآخرون ﴿ سيئة ﴾ علم التأنيث.
الوقوف: ﴿ مخذولاً ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ، ط ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ صغيراً ﴾ ، ط ﴿ في نفوسكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ تبذيراً ﴾ ه ﴿ الشياطين ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ، ﴿ ميسوراً ﴾ ه ﴿ محسوراً ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ، ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ إملاق ﴾ ط ﴿ وإياكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فاحشة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادراً خارجاً عن النهي.
﴿ في القتل ﴾ ط ﴿ منصوراً ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ز ﴿ بالعهد ﴾ ج على تقدير فإن.
﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ط ﴿ تأويلا ﴾ ه ﴿ به علم ﴾ ط ﴿ مسئولاً ﴾ ه ﴿ مرحاً ﴾ ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ﴿ طولا ﴾ ه ﴿ مكروهاً ﴾ ه ﴿ الحكمة ﴾ ط ﴿ مدحوراً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ .
التفسير: لما أجمل أعمال البر في قوله: ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئاً بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ والخطاب للنبي في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ فإن ذلك الخطاب لا يليق بالنبي لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده.
وانتصب قوله: ﴿ فتقعد ﴾ على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن منك جعل فقعود.
وفيه وجوه منها.
أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائماً أو جالساً.
ومنها أن من شأن المذموم المخذول أن يقعد نادماً متفكراً على ما فرط منه، فالقعود على هذا حقيقة.
ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعداً عن الطلب.
ومنه أنه بمعنى الصيرورة من قولهم: "شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة" بمعنى صارت.
ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقى بلا ناصر ومعين.
وأيضاً الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان.
ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع فقال: ﴿ وقضى ربك ﴾ أي أمر أمراً جزماً وحكم حكماً قطعاً ﴿ ألا تعبدوا ﴾ أي بأن لا تعبدوا فـ"أن" ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا.
وقد روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في هذه الآية "ووصى ربك" وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ﴿ وقضى ربك ﴾ ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء الله ممتنع.
وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في القرآن.
أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ﴿ بالوالدين ﴾ بالإحسان على ما ذهب إليه الواحدي، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ وأنه لم يجعل الإحسان إليهما تالياً لعبادة الله.
يحكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر والعمى والزمانة.
وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟
قال: اكتبوا عليه: هذا ما جناه أبي علي *** وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي *** سبقت وصدّت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة *** ترمى بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منَّة عليك أم والدك؟
فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد.
ومن هنا قيل: "خير الآباء من علمك".
وقال العقلاء: وهب أن الوالد في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع الآفات عنه من أول دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر ﴿ إحساناً ﴾ أي أحسنوا إليهما إحساناً عظيماً كاملاً جزاء على وفور إحسانهما إليك، على أن البادىء بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه.
ثم فصل طرفاً من الإحسان المأمور به فقال: ﴿ أما يبلغن ﴾ هي "إن" الشرطية زيدت عليها "ما" الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع ألبتة عادة فليكن هذا الجزاء مرتباً عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على تردد الحكم.
وقال النحويون: إن الشرط أشبه النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه.
من قرأ الفعل على التوحيد فقوله: ﴿ أحدهما أو كلاهما ﴾ فاعل له لكن الأول بالاستقلال والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف علىالبدل فهو بدل مثله.
ولا يصح أن يكون توكيد للضمير معطوفاً على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة.
﴿ وكلاهما ﴾ مفرد لفظاً مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة في المثنى لا في الجمع.
وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض والنصب "مررت بكلي الرجلين" بكسر الياء كقوله ﴿ طرفي النهار ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ قال في الكشاف: معنى ﴿ عندك ﴾ هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلاً على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه.
وفي ﴿ أف ﴾ لغات: ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه.
وأف بكسرتين بلا تنوين.
وأفى ممالاً كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال.
وفي تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف أف.
وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار.
يقال ذلك عند استقذار الشيء ثم كثر حتى استعملوه في كل ما يتأذون به.
وقيل: معنى "أف" القلة من الأفيف وهو الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر.
وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول.
وفي رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا تقل تضجرت أو أتضجر.
قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية دلالة لفظية.
ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش كما أن قولك لا يملك فلا نقيراً ولا قطميراً يدل في العرف على أنه لا يملك شيئاً أصلاً، وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا كقوله : "من أعتق نصيباً من عبد حرم عليه الباقي" فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان.
وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب عقلاً، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكاً آخر عدواً له فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته.
فهذا معقول في الجملة إلا أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل على المنع من جميع أنواع الإيذاء.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ ولا تنهرهما ﴾ والنهر والنهي أخوان يقال: نهره وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره.
﴿ وقل لهما ﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿ قولاً كريماً ﴾ جميلاً مشتملاً على حسن الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام.
وقال عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: "يا أبتاه" "يا أماه" دون أن يسميهما باسمهما.
وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله على حق الأبوين.
قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ﴿ واخفض لهما جناح الذل ﴾ ذكر القفال في معنى خفض الجناح وجهين: الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك.
والثاني أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع وترك الارتفاع.
وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: "حاتم الجود" فالأصل فيه الجناح الذليل أو الذلول.
والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحاً ثم أثبت لذلك الجناح خفضاً كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.
فأثبت للشمال يداً ثم وضع زمام الريح في يد الشمال.
وقوله: ﴿ من الرحمة ﴾ في "من" معنى التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿ و ﴾ لكن ﴿ قل رب ارحمهما كما ربياني ﴾ ليس المراد رحمة مثل رحمتهما عليّ.
وأما الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه.
والتربية التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد.
قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بقوله : ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ﴾ وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان.
ثم إن ظاهر الأمر للوجوب من غير تكرار فيكفي في العمر مرة واحدة ﴿ رب ارحمهما ﴾ وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟
فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ﴾ .
وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد.
وكما قال الله : ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ فهم يذكرون في أدبار الصلاة.
قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضاً كلما ذكرهما أو ذكر شيئاً من إنعامهما.
وسئل أيضاً عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، وعن النبي : "رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما" وروى سعيد بن المسيب أن البارَّ لا يموت ميتة سوء.
وقال رجل لرسول الله : إن أبويّ بلغا من الكبر أنّى، ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟
قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقائك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.
وشكا رجل إلى رسول الله أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفاً وأنا قوي، وفقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي.
واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل عليّ بماله، فبكى وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: أنت ومالك لأبيك.
مرتين.
وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر.
قال: إنها سيئة الخلق.
قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين.
قال: إنها سيئة الخلق.
قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها.
قال: لقد جازيتها.
قال: ما فعلت؟
قال: حججت بها على عاتقي.
قال: ما جازيتها.
وقال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها.
ثم قال : ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ أي بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها ﴿ وإنه كان للأوابين غفوراً ﴾ اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره.
ثم وصى بغير الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: ﴿ وآت ذا القرى حقه ﴾ قيل: الخطاب لرسول الله أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضاً من هذين المالين.
والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: ﴿ وقضى ربك ﴾ وأما الحق المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسراً أن ينفق عليهم بقدر الحاجة.
وعند الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء والضراء.
وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في "البقرة" وفي "التوبة".
ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم.
كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى الله.
قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه.
وعن مجاهد: لو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً.
ثم بالغ في تفظيع شأن التبذير قائلاً: ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ أي أمثالهم في الشرارة وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار على سبيل الوعيد ﴿ وكان الشيطان لربه كفوراً ﴾ لأنه يستعمل قواه البدنية في المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالاً أو جاهاً فصرفه إلى غير مرضاة الله كان كفوراً لنعمة الله.
ثم علم أدباً حسناً في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: ﴿ وإما تعرضن عنهم ﴾ وكان النبي إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء.
والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن.
وقيل: اللين السهل.
قال الكسائي: يسرت أيسر له القول أي لينته.
وقيل: القول المعروف كقوله: ﴿ قول معروف ومغفرة خير ﴾ وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف.
وقيل: ادع لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة.
قال جار الله قوله: ﴿ ابتغاء رحمة ﴾ أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدماً عليه أي فقل لهم قولاً سهلاً ليناً وعدهم وعداً جميلاً ابتغاء رحمة من الله ﴿ ترجوها ﴾ بسبب رحمتك عليهم، وإما أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجوا أن يفتح لك فردهم رداً جميلاً، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له.
فالفقد سبب الابتغاء فأطلق المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق فقال: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ أي لا توسع في الإنفاق بحيث لا يبقى في يدك شيء.
وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين قائلاً: ﴿ فتقعد ملوماً ﴾ عند الناس بالبخل ﴿ محسوراً ﴾ بالإسراف أي منقطعاً عن المقاصد بسبب الفقر.
فقير محسور منقطع عن السير.
ولا شك أن المال مطية الحوائج والآمال وكثيراً ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة.
وعن جابر: بينا رسول الله جالس أتاه صبي فقال: إن أمي تستكسيك درعاً فقال : "من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا." فذهب إلى أمه فقالت له: قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك.
فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية.
وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.
وما كان حصن ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون أمرىء منهما، ومن تضع اليوم لا يرفع.
فقال : " ياأبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل" فنزلت.
ثم إنه سلى نبيه بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تاب لمشيئة الخالق الرازق فقال: ﴿ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أي يضيق ﴿ أنه كان بعباده ﴾ وبمصالحهم ﴿ خبيراً بصيرا ﴾ فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح.
ويمكن أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير والبصير وليس للعباد الاقتصاد.
ويحتمل أن يراد أنه مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين.
فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا بسنته وتخلقوا بأخلاقه.
وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد فلذلك قال بعده: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وأيضاً لما علم كيفية البر بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر الأبناء ابتداء اصطناع.
وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم.
والأول ضد التعظيم لأمر الله الثاني ضد الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الوالد فكأنه رغب عن جزئه قال: ولد المرء منه جزء وما حا *** ل امرىء يودع الثرى منه جزءاً وكانوا يقتلون البنات لعجز عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب إقدامهم على القتل والغارة.
وأيضاً كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولداً فلهذا قال: ﴿ أولادكم ﴾ وبين أن الخوف من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيراً ما يكون لابن أخرق من البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ.
ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ وهذ آكد من أن يقال "لا تزنوا" ثم علل النهي بقوله: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي خصلة متزايدة في القبح ﴿ وساء سبيلاً ﴾ سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائد إليها في أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد.
ومن مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟
فإن الولد إذا لم يكن منسوباً إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج.
ويتواثب كل رجل على امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق الحروب بعد التشبه بالبهائم.
وأيضاً ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره.
وأيضاً الوطء يوجب الذل والعار ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي الأوقات المعلومة.
فاقتصار المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة الاعتبار.
وقد زعم في التفسير الكبير أنه وصف الزنا في آية أخرى بكونه مقتاً لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً ﴾ .
وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي به غيره في السهو.
ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف بالاحتياط في آخر عمره فقال: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ﴾ وفي التصريح بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر.
ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت لأسباب عرضية فلهذا قال: ﴿ إلا بالحق ﴾ وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ﴾ أي تسلطاً على استيفاء القصاص.
فظاهر الآية دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوماً، وظاهر قوله "لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان؟
وقتل نفس بغير حق" يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعاً على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.
ويحتمل أن يقال قوله: ﴿ ومن قتل مظلوماً ﴾ .
كلام مستأنف، والحديث بتمامه تفسير لقوله: ﴿ إلا بالحق ﴾ فلا يلزم التفريع المذكور.
ثم إنه دلت آية أخرى على حصول سبب رابع هو قوله: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ هذا وقد أبدى الفقهاء أسباباً أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط.
ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلاناً بسحري.
وجوز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر.
ثم إنه أثبت لوليّ الدم سلطاناً.
ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيماذا فقيل: إنه قال: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل.
وقيل: معنى قوله: ﴿ فلا يسرف في القتل ﴾ إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة استيفاء الدية بقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ إلى قوله: ﴿ فمن عفى ﴾ الآية.
فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص.
وعن الشافعي أن التنوين في قوله: ﴿ مظلوماً ﴾ للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملاً في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال : ﴿ اقتلوا المشركين ﴾ فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في الآية.
وأيضاً ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة إلا أن قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.
من قرأ ﴿ فلا تسرف ﴾ بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية.
وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما الضمير في قوله: ﴿ إنه كان منصوراً ﴾ فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، وفي الآخرة بإعطاء الثواب.
وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف.
ولما ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادىء وفيما وراءها أتبعه النهي عن إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي ﴾ بالطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي تثميره وإنماؤه.
وروى مجاهد عن ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور ﴿ حتى يبلغ ﴾ اليتيم ﴿ أشده ﴾ بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر "الأنعام" ﴿ وأوفوا بالعهد ﴾ يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات والمناكحات وغيرها إلا إذا دلّ دليل خاص على ضده.
﴿ إن العهد كان مسئولا ﴾ أي مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثتتبكيتاً للناكث كقوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن.
والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون.
وقيل: كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، وقيل رومي أو سرياني ﴿ ذلك ﴾ الإيفاء والوزن المعدل ﴿ خير ﴾ من التطفيف ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ عاقبة من آل إذا رجع.
أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن الخيانة مالت القلوب إليه.
وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر.
وقال الحكيم: إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على العاقل أن يحترز عنه.
ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ﴿ ولا تقف ﴾ أي لا تتبع من قولك "فقوت فلاناً" أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنه يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوالهم في النسب.
والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات والنبوات والتحليل والتحريم والمعاد كقوله: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ﴾ ﴿ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن ﴾ وعن محمد بن الحنفية: المراد شهادة الزور.
ومثله عن ابن عباس: لا تشهد إلا رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك.
وقيل: أراد النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب.
وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه.
وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت وعملت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم.
وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومن الحديث: "من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج" أي يتوب.
وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح والصديد.
احتج نفاة القياس بالآية زعماً منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم.
وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال : ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ﴾ ولا ريب أنه إنما يمكن العلم بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن.
سلمنا لكن الظن وقع في الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف بأنه لا دليل قاطعاً على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقلياً بالاتفاق، ولا نقلياً لأنه إنما يكون قطعياً لو كان منقولاً نقلاً متواتراً وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم عليه - وهو هذه الآية - تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل بالظن وهو جائز.
وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكذا الفصد والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمناً لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين.
وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح والمعاملات إلى الآجال المعينة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة.
وقال : نحن نحكم بالظاهر.
والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن.
فلو دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به.
وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين محمد أن التمسك بآيات القرآن جائز.
ورد بأن كون العالم المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: ﴿ إن السمع والبصر وكل أولئك ﴾ إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام.
﴿ كان عنه مسئولاً ﴾ قال في الكشاف: ﴿ عنه ﴾ في موضع الرفع بالفاعلية مثل ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه.
والصواب أن يقال: إنه فاعل ﴿ مسئولاً ﴾ المحذوف والثاني مفسر له.
وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟
قيل: يسأل صاحبهما عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب.
وقيل: إنه ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها.
﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً ﴾ نصب على الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح.
وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع من التأكيد مثل "أتاني ركضاً" ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر.
﴿ إنك لن تخرق الأرض ﴾ لن تثقبها بشدة وطأتك ﴿ ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ مصدر في موضع الحال من الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ.
بيّن ضعف الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر.
وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي.
وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولاً فكذلك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك وفيه يأس للإِنسان من بلوغ إرادته.
﴿ كل ذلك كان سيئه ﴾ من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: ﴿ لا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى أن ما كان من تلك الأشياء سيئاً فإنه مكروه عند الله.
ويمكن أن يراد بسيىء تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط.
ومن قرأ ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث فقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى المنهيات خاصة.وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ وقوله: ﴿ كل ذلك ﴾ إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ﴿ ولا تقف ﴾ ﴿ ولا تمش ﴾ وإنما قال: ﴿ سيئة ﴾ على التأنيث مع قوله: ﴿ مكروهاً ﴾ على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب والإثم.
قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن المنهيات لا تكون مرادة لله لأنها مكروهة عنده.
وإذا لم تكن مرادة لم تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال.
أجابت الأشاعرة بأن المراد من كراهتها كونها منهياً عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن كونها سيئة يدل على كونها منهية.
وأجيب بأنه لابأس بالتكرار لأجل التأكيد ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من قوله: ﴿ لا تجعل ﴾ إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين تكليفاً ﴿ مما أوحى إليك ربك من الحكمة ﴾ سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه.
روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى .
وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به.
لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله فاتحة هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء وحك بيافوخه السماء.
وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه مذموماً مخذولاً وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوماً مدحوراً وأنها حاله في الآخرة.
وفي القعود هناك والإلقاء ههنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم بمراده.
وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلاَّ إلحاق الضرر بنفسك.
ويفرق بين المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت.
والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة.
ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: ﴿ أفأصفاكم ﴾ أي أفخصكم ﴿ ربكم ﴾ على وجه الخلوص والصفاء ﴿ بالبنين ﴾ الذين هم أفضل الأولاد ﴿ واتخذ من الملائكة ﴾ أولاداً ﴿ إناثاً إنكم لتقولون قولاً عظيماً ﴾ بإضافة الأولاد إلى من لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردأ، ثم بجعلكم الملائكة الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين وهو الإناث.
التأويل: خاطب نبيه ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين فقال: ﴿ لا تجعل مع الله إلها آخر ﴾ من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته قائلاً: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلاَّ إياه ﴾ وإنما قال: ﴿ ربك ﴾ لأنه أصل في التربية والأمة تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ﴿ وبالوالدين ﴾ والد الروح ووالدة البدن.
والإحسان بهما أن يراقبهما في العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه ﴿ أما يبلغن عندك ﴾ يخاطب القلب ويوصيه بأن يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات تجلي صفا الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ﴿ ولا تنهرهما ﴾ عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية، ولا تتكبر عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل تولد بازدواج الروح والبدن، وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلاً للتجلي والخلافة ﴿ ربكم أعلم بما في نفوسكم ﴾ من الاستعداد ﴿ أن تكونوا صالحين ﴾ مستعدين للخلافة ﴿ فإنه كان للأوابين ﴾ الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيداً بنفسه ﴿ غفوراً ﴾ سائراً بأنوار جماله.
ثم أخبر عن أداب الخلافة قائلاً ﴿ وآت ذا القربى ﴾ وهو النفس حقه فإن لنفسك عليك حقاً من غير إسراف وتقتير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ﴾ .
قال أبو بكر الأصم: إنّ من عادة العرب أنهم كانوا يقتلون البنات ويقتلون البنين؛ إذا صاروا بحيث لا ينتفعون بهم، ويقتلون الآباء والأمهات؛ إذا بلغوا أرذل العمر؛ فنهى الله أهل الإسلام عن الاستنان بسنتهم، وأمر أن يبرّوا الآباء والأمّهات إذا بلغوا ذلك المبلغ، وهو ما قال: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وفي قتل ما كانوا يقتلون من البنات قطع التناسل والتوالد الذي كان المقصود من إنشاء هذا العالم؛ ذلك إذ المقصود من إنشاء العالم هذا الذي ذكرنا، وفي قتل البنات قطع ذلك وذهاب المقصود من إنشائه، ثم قال: ﴿ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ﴾ .
أي: هم لا يأكلون من أرزاقكم؛ بل لكل منكم رزق على حدة، ليس في بقائهم نقصان في رزقكم ولا في فنائهم زيادة؛ بل كلٌّ يأكل رزقه، أو لا ترون أنّه قد أنشأ لهم رزقاً لا شركة لكم فيه، وهو ما أنشأ لهم من اللّبن في الضرع، ولا تنتفعون أنتم به؟!
فظهر أن كلاًّ يأكل رزقه، لا يُدْخِل بعضٌ في رزق بعضٍ نقصاناً.
ثم قال: ﴿ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ \[أي: إن قتلهم في العقول كان خطأ كبيراً\]، لما ذكرنا أن في قتلهم قطع ما به قصد في إنشاء هذا العالم وفنائه، أو يقول: ﴿ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ : في الأمم الخالية.
ويشبه أن يكون خطاب ما خاطب هؤلاء الآيات: من قتل الأولاد، والزنى، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك ما تقدم وما تأخر؛ لوجهين: أحدهما: ما كان للعرب أفعال وعادات السوء ممّا يخرج على السفه والقبح في العقل، خارجة عن الحكمة تنهاهم عن ذلك.
والثاني: ذكر هذا ونهى؛ لما علم أنه قد يكون في خلقه من يفعل ذلك خشية ما ذكر، ويحملهم ذلك على ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً ﴾ .
أي: في العقل كان وقت ما كان فاحشة؛ لأن في إباحة الزنى ذهاب المعارف التي بها يوصل إلى الحكمة والعلم، أو كان فاحشة في الحكمة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ : دل قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ - على أن هنالك فحشاء قبل الأمر في الحكمة أو في العقل، حتى قال: ﴿ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ ؛ إذ لو لم يكن - لكان قال: لا يأمر، حسب، وفي إباحة قتل الأنفس ذهاب ما به قصد من إنشاء العالم.
أخبر - عز وجل -: [في قتل الأولاد أنه] ﴿ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾ ، وهو ما يعظم في العقل، وذكر في الزنى فاحشة، وهو ما يفحش في العقل والحكمة، وذكر في قتل النفس الإسراف، وقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، والإسراف هو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل له.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ﴾ ، أي: لا تزنوا؛ فإنه كان فاحشة، ويحتمل: لا تقربوا الأسباب التي بها يوصل إلى الزنى.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ .
والحق ما روي عن رسول الله أنه قال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ فِي ثَلاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِسْلاَمٍ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بغَيْرِ حَقٍّ" حرم الله قتل النفس بغير حق؛ إذ في إباحته ذهاب ما قصد من إنشاء [هذا] العالم، وفي التحريم حياة الأنفس، وفي إباحة الزنى ذهاب المعارف وجهالتها، وفي تحريمه: حياة المعارف وإبقاؤها.
والوصول إلى الحكمة والعلوم التي يطلب بعضهم من بعض؛ إذ لا يعرف أهل الحكمة من غيرهم؛ ففي ذلك ذهاب العلوم والحكمة.
وفي القتل على الدّين - إذا استبدله - حياة الدّين؛ لأن من تفكر قتل نفسه إذا ترك الدّين - أعني دين الإسلام - ورجع عنه، لم يترك دينه الإسلام، ومن تفكر رجمه بالزنى - امتنع عن الزنى وتركه، ومن تفكر أنه يُقْتَل إذا قَتَلَ غيرَهُ - امتنع عن قتله؛ ولذلك قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ ﴾ .
فإن قيل - في المرأة إذا ارتدت عن الإسلام -: إنها لا تقتل.
قيل: لأنه ليس في قتلها حياة الدّين؛ لأن النساء أتباع للرجال في الدين؛ لأنهنّ يسلمن بإسلام أزواجهن ويصرن ذمة بذمة الأزواج؛ فإذا كان كذلك - فليس في قتلهن حياة؛ ألا ترى أنه روى أنه فلاناً أسلم وأسلم معه كذا وكذا نسوة؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ : والحق ما ذكرنا، وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل بالإسلام، أو بالذمّة بإعطاء الجزية، وإلا بالحق: ما ذكرنا.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ .
قيل: سلطاناً، أي: تسلطاً وقهراً.
وقال بعضهم: سلطاناً، أي: حجة على القتل فيما يستوجب به القصاص.
ثم ذكر أنه جعل لولي القتيل سلطاناً، ولم يذكر أي وليّ؛ فيشبه أن يكون المراد من الولي الذي يخلف الميت في التركة، وهم الورثة؛ إذ هو حقٌّ كغيره من الحقوق؛ فذلك إلى الورثة، فعلى ذلك حق الدم، فكأنه قال: ومن قتل مظلوماً قد جعلنا لورثته سلطاناً، أي: حجة فيما يستوجب.
وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن للواحد من الورثة القيام باستيفاء الدم؛ إذ لو كان للكل الاستيفاء لدخل في ذلك الإسراف الذي ذكر: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ؛ إذ لو ضرّ به كل الورثة لصار في ذلك مثله، وقد منعوا عن ذلك، فإذا كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لقول أبي حنيفة - رحمه الله ، حيث قال -: إن الورثة إذا كان بعضهم صغاراً وبعضهم كباراً كان للكبار أن يقوموا بالاستيفاء دون أن ينتظروا بلوغ الصغار، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ .
قال بعضهم: لا يقتل غير قاتل؛ وذلك إذ كان من عادة العرب قتل غير القاتل.
وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ [أي: لا يجاوز الحد الذي جعل له في القصاص من المثلة والقطع والجراحات.
وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، أي: في القتل] الأول؛ حيث قتل نفساً بغير حق، فذلك إسراف؛ كما قال: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ هذا يحتمل أن يكون خاطب به ولي القتيل فقال: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ ، أي: لا يُجاوز الحدّ الذي جعل له؛ على ما روي: "إذَا قَتَلْتَ فَاَحْسِنِ القَتْلَ" ، والثاني خاطب به القاتل: يقول له لا تقتل؛ فإنه إسراف، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ .
قال بعضهم: إن المقتول كان منصوراً بالولي ينصره الولي؛ بقوله: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ .
ويحتمل منصوراً بالمسلمين، أي: على المسلمين وغيرهم دفع ذلك القتل عنه؛ هذا على تأويل من يتأول في قوله: ﴿ فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ ﴾ - قَتْلَ غير قاتل وليه، أو يزيد في جراحاته، ويمثل مثلاً بقول: احذروا ذلك؛ فإن على المسلمين دفع ذلك عنه، أو كان منصوراً في الآخرة.
وفي ظاهر هذه الآية دلالة أن القصاص واجب بين الأحرار والعبيد، وبين أهل الإسلام وأهل الذمة؛ لأن الله - - قال: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ ﴾ ؛ فكانت أنفس أهل الذمة والعبيد داخلة في هذه الآية؛ لأنها محرمة وفيه ما ذكرنا أن للكبير من الورثة قتله، وإن كان فيهم صغار.
وروي أن الحسن بن علي - - قتل قاتل أبيه فلاناً، وفي الورثة صغار لم يدركوا يومئذ.
ويحتمل أن يكون ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ في ظاهر هذا: أن القاتل هو كان منصوراً، [ثم إنه قال: ﴿ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ ] ولم يقل: هو منصور، فجائز أن يقول: ﴿ كَانَ مَنْصُوراً ﴾ ، قبل: قتل هذا إذا كان على المسلمين مضرة، فلما قتل كان غير منصور، إلا أن يقال: إن الولي صار منصوراً، وذلك جائز.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ ﴾ : يحتمل النهي عن نفس الزنى، ويحتمل أسباب الزنى: من نحو القُبْلة، والمسّ، وغيره؛ على ما ذكر: "العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، واليدانِ تَزْنِيانِ، والْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذلكَ كُلَّه أو يُكَذِّبُ" وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .
قوله: ﴿ أَحْسَنُ ﴾ : هو أفعل، فإن كان في الأشكال فهو على غاية الحسن، وإن كان في الجوهرين فهو على طلب الحسن؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ ﴾ أي: اتبعوا ما هو طاعة؛ كأنه قال: ولا تقربوا مال اليتيم إلا ما هو خير له وحسن، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ ، يقول: لا تأكلوا إسرافاً وبداراً، ولكن اقربوا ما هو خير له.
وإن كان على طلب الغاية من الحسن، فهو ما قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا قرب مال اليتيم لمنفعة نفسه فلا يقربه إلا لمنفعة حاضرة لليتيم، لا يقرب ماله لمنفعة مرجوة، وإذا قرب مال اليتيم لليتيم فإنه يجوز أن يقربه لمنفعة مرجوة له، وإن لم يكن فيه منفعة حاضرة، وقدر ذكرنا تأويله وما فيه من الدلالة بقول أبي حنيفة - رحمه الله - فيما تقدم في سورة الأنعام.
ثم من الناس من احتج بهذه الآية لقول أبي حنيفة حيث قال: إن للوصي أنْ يبيع مال اليتيم من نفسه إذا كان خيراً له؛ لأن له أن يبيع من غيره بمثل قيمته؛ فدلّ أن ذكر الخير له إذا كان يبيع من نفسه.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ : كأنه على الإضمار، أي: لا تقربوا مال اليتيم إلا بالوجوه التي هي أحسن له وأنفع، وهو الحفظ له وطلب الربح والنماء، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ .
أي: حتى يستحكم عقله، ويستتم تدبيره في ماله وأمره؛ فعند ذلك يكون الأمر إليه، وليس فيه أنه لا يكون بعد ذلك الأمر إلى الوصي إن كان؛ ولكن بإذنه يبيع ويشتري.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ .
يحتمل أن يكون قوله: ﴿ بِالْعَهْدِ ﴾ - العهود والمواثيق التي بين الناس أمروا بوفاء ذلك، ويحتمل الأمر بوفاء العهد ما ذكر في هذه الآيات من الأمر والنهي: من نحو ما قال: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ إلى هذا الموضع، أي: وأوفوا بذلك كله؛ فإن ذلك كله كان مسئولاً يُسْأل عنه: وفاءً كان ذلك أو نقضاً.
وقال بعضهم: ﴿ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴾ ، أي: ناقض العهد كان مسئولاً، ثم إن العهد على وجوه: أحدها: عهد خِلْقة، أو العهد الذي أخذ عليهم على ألسن الرسل أو العهد الذي يجري بين الناس؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ ﴾ .
أمر بتوفير الكيل إذا كالوا والوزن إذا وزنوا لهم، وإيفاء حقوقهم، وهو ما قال: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ إن من عادتهم إذا كالوا أو وزنوا يبخسون الناس أشياءهم، ولم يوفروا حقوقهم؛ فنهاهم عن ذلك، وأوعدهم بالوعيد الشديد، وهو قوله: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ : ذِكْرُ تخصيص للكيلي والوزني من بين سائر الأشياء يحتمل وجهين: أحدهما: لما بهما يجري عامّة معاملة الناس؛ فأمرهم بإيفاء ذلك.
والثاني: لخوف الربا؛ لأن الكيلي والوزني هما اللذان يكونان دَيْناً في الذمة؛ فإذا أخذ شيء منهما أخذ عما كان ديناً في الذمّة، فإن نقص أو زاد فيكون ربا؛ لذلك خصّ، وإن كان غيره من الأشياء يؤمر بالإيفاء والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ .
قال بعضهم: القسطاس: حرف أخذ من الكتب السالفة ليس بمعرفة، وقال بعضهم: هو العدل، أي: زنوا بالعدل، وقال بعضهم: هو الميزان؛ كقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ، وقال بعضهم: ﴿ بِٱلقِسْطَاسِ ﴾ : القبان؛ فكيفما كان ففيه ما ذكرنا: من الأمر بتوفير الكيل والوزن، والإيفاء لحقوقهم، والنهي عن البخس والنقصان.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ - ما ذكر من توفير الكيل والوزن وإيفاء الحقوق - خير في الدنيا؛ لما فيه أمن لهم من الناس.
﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ ، أي: أحسن عاقبة في الآخرة، ويحتمل قوله ذلك - ما ذكر في هذه الآيات من أولها إلى آخرها: إذا عملوا بها خيرٌ لهم في الدنيا وأحسن تأويلاً، أي: عاقبة.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ .
قيل: لا تقف، أي: لا تقل، وقيل: لا تَرْمِ، وقيل: لا تتبع؛ فكيفما كان - ففيه النهي عن القول والرمي فيما لاعلم له به، ولا ترم ما ليس لك به علم، ولا تقل ما ليس لك به علم.
﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ كُلُّ أُولـٰئِكَ ﴾ يعني: السّمع والبصر والفؤاد - يُسْأل عما عمل صاحبه؛ كقوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ...
﴾ الآية [يس: 65]، وقوْله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم ﴾ تُسْأَل هؤلاء عما عمل صاحبها؛ فيشهدون عليه.
وقال بعضهم: هو عن كل أولئك كان مسئولاً، أي: يسأل المرء عما استعمل هذه الجوارح؟
وأنه: فيم استعملها؟
وقال بعضهم، قوله: ﴿ أُولـٰئِكَ ﴾ : يعني الخلائق جميعاً، ﴿ عَنْهُ ﴾ : يعني عما ذكر من السمع والبصر والفؤاد، ﴿ مَسْؤُولاً ﴾ .
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ ، يقول: لا تقل: رأيتُ، ولم تر، وسمعتُ، ولم تسمع، وعلمتُ، ولم تعلم.
ومنهم من قال: في شهادة الزور؛ فإن احتج محتج بهذا في إبطال القياس والاجتهاد؛ فيقول: إذا قاس الرجل فقد قال ما ليس له به علم، لكن ليس كذا؛ لأن أصحاب رسول الله قد تكلموا في الحوادث بآرائهم، وشاوروا في أمورهم، وولى أبو بكر عمر - رضوان الله عليهما - الخلافة بغير نصّ من الرسول عليها، وجعلها عمر شورى بينهم، ولم يُرْوَ ذلك عن النبي ، ولا نقول: إنهم فعلوا ذلك بغير علم، ولا: قالوا ما لم يعلموا؛ فدلّ ما ذكرنا أن معنى قول الله - -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ - ليس يدخل فيه الاجتهاد في الأحكام، وتشبيهه الفرع الحادث بالأصل المنصوص عليه، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ ، أي: يتناهى في الثبات إلى حال الرجال، ويقال: ثماني عشرة سنة، وقال: أَشُدُّ اليتيمِ غير أشدّ الرجل في قوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ، والأشد ما ذكرنا من استحكام عقله وتدبيره إلى ألا يؤخذ بالنقصان، وهو إذا جاوز أربعين يأخذ في النقصان، وإلى أربعين يكون على الزيادة والنماء.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ ﴾ ، أي: لا تقف ما ليس لك به علم بأسباب العلم، وهو ما ذكر من السمع والبصر، وجائز أن يكون: ﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ : يسأل عن شكر هذه الأشياء، أو يسأل عما امتحن بهذه الأشياء.
وفي قوله: ﴿ وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ﴾ - دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه أمر بإيفاء الكيل والوزن، ولا يقدر على ذلك إلا باجتهاد الكائل والوازن؛ لأن كيل الرجل يزيد على كيل غيره وينقص، وربما كال الرجل الشيء ثم يعيد كيله هو بنفسه فيزيد أو ينقص، ولا يكاد يستوي الكيلان وإن كانا من رجل واحد، وإنما يكلف الاجتهاد في كيله وترك التعمد للزيادة أو النقصان [فيه]؛ فإذا فعل ذلك فقد وفر الكيل وأدى الواجب، وهذا عندنا أصل الاجتهاد والاستحسان؛ لأن الكائل إنما يجتهد في توفيته الحق، ولا يعلم يقيناً أنه وفى ما كان عليه من الكيل الذي سمياه في العقد؛ فعلى ذلك الاستحسان إنما هو اجتهاد العالم في اختيار أحسن ما يقدر عليه إذا لم يكن للحادثة أصل يردها عليه ويشبهها به، والله أعلم.
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً ﴾ .
ليس النهي عن المشي نفسه؛ إنما النهي للمشي المرح، ثم النهي عن الشيء يوجب ضدّه، وكذلك الأمر، ثمّ إن النهي عن الشيء يوجب الأمر بضده؛ [والأمر بالشيء يوجب النهي بضده] وهاهنا نهي عن المرح؛ فيكون أمراً بما ذكر؛ كقوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ ، وقال بعضهم: مرحاً: بطراً وأَشَراً، وقيل: متعظماً متكبراً بالخُيَلاء.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً ﴾ .
قال بعضهم: ذكر خرق الأرض وبلوغ الجبال طولاً؛ لأن من الخلائق من يخرق الأرض ويدخلها، ويبلغ طول الجبال، وهم الملائكة، ثم لم يتكبّروا على الله ولا تعظموا عليه ولا على رسوله؛ بل خضعوا له؛ فمن لم يبلغ في القوة والشدّة ذلك - أحرى أن يخضع له ويتواضع ولا يتكبر.
ويحتمل أن يكون ذكر هذا؛ لما أنهم كانوا يسعون في إطفاء هذا الدين، وقهر رسول الله ، فيقول: كما لم يتهيأ لكم خرق الأرض وبلوغ الجبال طولاً - لم يتهيأ لكم إطفاء دين الله، وقهر رسوله، وهو ما ذكر: ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ ﴾ ، أو يذكر هذا يقول: إنك لن تبلغ بكبرك وعظمتك مرتبة الرؤساء والقادة ومنزلتهم، على هذا التمثيل يحتمل أن يخرج، والله أعلم.
أو يقول: إنك لن تخرق الأرض، أي: لا تقدر أن تخرق [الأرض]؛ فتستخرج ما فيها من الكنوز والمنافع؛ فتنتفع بها، ولا تقدر أن تبلغ الجبال طولاً؛ فتنتفع بما في رءوس الجبال من المنافع، وكيف تتكبر وتمرح على غيرك، وهو مثلك في القوّة والشدّة.
وأصل الكبر أن من عرف نفسه على ما هي عليه من الأحداث والآفات وأنواع الحوائج - لم يتكبّر على مثله، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ كُلُّ ذٰلِكَ ﴾ .
أي: كل ما أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات.
﴿ كَانَ سَيِّئُهُ ﴾ .
بالعقل.
﴿ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ﴾ : مسخوطاً، وفيه دلالة أن الأمر الّذي أمر في هذه الآيات ونهاهم عنه - لم يكن أمر أدب ولا نهي أدب، ولكن أمر حتم وحكم؛ حيث ذكر أن ذلك عند ربك: ﴿ مَكْرُوهاً ﴾ ؛ إذ لو كان أدباً لم يكره أي شيء ما ذكر في مكروه عند ربّك، وهو كقوله: ﴿ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ ، أي: يسمعون [الكل؛ فيتبعون أحسنه]، ويتركون غيره؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ﴾ .
أي: ذلك الذي أمر الله به ونهى عنه في هؤلاء الآيات من الحكمة - ليس من السفه، أي: ما أمر فيها هو حكمة وما نهى عنه [إنما نهى عنه؛ لأنه سفه].
وقال بعضهم: الحكمة - هاهنا - القرآن، قوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، أي ذلك الذي أوحى إليك هو حكمة، وقال بعضهم: الحكمة: الإصابة، أي: ذلك الذي أوحى إليك صواب.
وقوْله: ﴿ ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، أي: ما ذكر في هذه الآيات وأمر به ونهى عنه - هو من الحكمة، والحكمة: هي وضع الشيء موضعه، [يقول: حكمه: وضَع الشيء موضعه، لا] وضَع الشيء غير موضعه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ﴾ .
معلوم أن رسول الله لا يجعل معه إلهاً آخر؛ إذ عصمه واختاره لرسالته، لكنّه ذكر هذا ليعلم أنه لو كان منه ذلك فيفعل به ما ذكر؛ فمن هو دونه أحق أن يفعل به ما ذكر، وهو ما قال في الملائكة: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 29].
أنه عصمهم حتى أخبر أنهم: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ؛ فمن لم يكن معصوماً - لم يوصف أنه لا يسبق بالقول؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً ﴾ : عند الله، أو عند نفسك، أو عند الخلق.
﴿ مَّدْحُوراً ﴾ : مبعداً مطروداً من رحمته في النار، أو: خاطب به رسوله، وأراد به غيره؛ على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ذلك الذي وضحناه من الأوامر والنواهي والأحكام مما أوحاه إليك ربك، ولا تتخذ -أيها الانسان- مع الله معبودًا آخر، فتُرْمَى في جهنم يوم القيامة ملومًا تلومك نفسك ويلومك الناس، مطرودًا عن كل خير.
<div class="verse-tafsir" id="91.NYPlB"