الآية ٥٤ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٥٤ من سورة الإسراء

رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًۭا ٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 72 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٤ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٤ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول الله تعالى ( ربكم أعلم بكم ) أيها الناس من يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق ( إن يشأ يرحمكم ) بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه ( أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك ) يا محمد ( عليهم وكيلا ) أي إنما أرسلناك نذيرا فمن أطاعك دخل الجنة ومن عصاك دخل النار

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش الذين قالوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا -(رَبُّكُمْ) أيها القوم ( أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ) فيتوب عليكم برحمته، حتى تنيبوا عما أنتم عليه من الكفر به وباليوم الآخر ( إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ) بأن يخذلكم عن الإيمان، فتموتوا على شرككم، فيعذّبكم يوم القيامة بكفركم به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن عبد الملك بن جريج قوله ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ) قال: فتؤمنوا(أو إنْ يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ) فتموتوا على الشرك كما أنتم.

وقوله ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ) يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك يا محمد على من أرسلناك إليه لتدعوه إلى طاعتنا ربا ولا رقيبا، إنما أرسلناك إليهم لتبلغهم رسالاتنا، وبأيدينا صرفهم وتدبيرهم، فإن شئنا رحمناهم، وإن شئنا عذّبناهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا قوله تعالى : ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم هذا خطاب للمشركين ، والمعنى : إن يشأ يوفقكم للإسلام فيرحمكم ، أو يمتكم على الشرك فيعذبكم ; قاله ابن جريج .

وأعلم بمعنى عليم ; نحو قولهم : الله أكبر ، بمعنى كبير .

وقيل : الخطاب للمؤمنين ; أي إن يشأ يرحمكم بأن يحفظكم من كفار مكة ، أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم ; قاله الكلبي .وما أرسلناك عليهم وكيلا أي وما وكلناك في منعهم من الكفر ولا جعلنا إليك إيمانهم .

وقيل : ما جعلناك كفيلا لهم تؤخذ بهم ; قاله الكلبي .

وقال الشاعر :ذكرت أبا أروى فبت كأنني برد الأمور الماضيات وكيلأي كفيل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ } من أنفسكم فلذلك لا يريد لكم إلا ما هو الخير ولا يأمركم إلا بما فيه مصلحة لكم وقد تريدون شيئا والخير في عكسه.

{ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ } فيوفق من شاء لأسباب الرحمة ويخذل من شاء فيضل عنها فيستحق العذاب.

{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا } تدبر أمرهم وتقوم بمجازاتهم وإنما الله هو الوكيل وأنت مبلغ هاد إلى صراط مستقيم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ( يوفقكم فتؤمنوا ( أو إن يشأ يعذبكم ( يميتكم على الشرك فتعذبوا قاله ابن جريج .

وقال الكلبي : إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة ، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم .

( وما أرسلناك عليهم وكيلا ( حفيظا وكفيلا قيل : نسختها آية القتال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم» بالتوبة والإيمان «أو إن يشأ» تعذيبكم «يعذبكم» بالموت على الكفر «وما أرسلناك عليهم وكيلاً» فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر بالقتال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ربكم أعلم بكم -أيها الناس- إن يشأ يرحمكم، فيوفقكم للإيمان، أو إن يشأ يمتكم على الكفر، فيعذبكم، وما أرسلناك -أيها الرسول- عليهم وكيلا تدبِّر أمرهم وتجازيهم على أفعالهم، وإنما مهمتك تبليغ ما أُرْسلتَ به، وبيان الصراط المستقيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أورد المفسرون فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها :قال ابن كثير : قال العوفى عن ابن عباس فى قوله : ( قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ .

.

.

) .قال : كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا .وروى البخارى وغيره عن ابن مسعود فى قوله : ( أولئك الذين يَدْعُونَ ) قال : كان ناس من الإِنس يعبدون ناسا من الجن ، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء - أى الإِنس - بدينهم .

.

فنزلت هذه الآية .وقال القرطبى : لما ابتليت قريش بالقَحْط ، وشكَوْا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنزل الله هذه الآية : ( قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ .

.

.

) .والمراد بالزعم هنا : الظن الكاذب الذى لا أساس له من الحقيقة والواقع .قال الآلوسى ما ملخصه : والزعم قريب من الظن ، ويقال إنه القول المشكوك فيه ، ويستعمل بمعنى الكذب ، حتى قال ابن عباس : كل ما ورد فى القرآن زعم فهو كذب .وقد يطلق على القول المحقق ، والصدق الذى لا شك فيه .

.

.

فقد ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " زعم جبريل كذا .

.

.

" .وهو مما يتعدى إلى مفعولين ، وقد حذفا هنا ، أى : زعمتموهم آلهة .

.

والظاهر أن المراد من الموصول - الذين - كل من عبد من دون الله من العقلاء .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين الذين أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة .

قل لهم على سبيل الإِرشاد والتحدى : هذه الآلهة التى تعبدونها ، اطلبوا منها أن تدفع عنكم ما نزل بكم من ضر كمرض أو فقر أو قحط؛ أو أن تحوله منكم إلى غيركم .

.

.فإذا لم تستطع ذلك - وهى بكل تأكيد لا تستطيع ولن تستطيع - فاتركوا عبادتها ، وأخلصوا العبادة والطاعة لمن هو على كل شئ قدير ، وهو الله - عز وجل - .واكتفى - سبحانه - بذكر كشف الضر ، لأنه هو الذى تتطلع إليه النفوس عند نزول المصائب ، أكثر من تطلعها إلى جلب النفع ، إذ عند نزول الضر ، لا تشتغل الألسنة والقلوب إلا برجاء كشفه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ قُل لّعِبَادِيَ ﴾ فيه قولان: القول الأول: أن المراد به المؤمنون، وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُوا ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوٓا إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ  ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا ٱلْأَلْبَٰبِ  ﴾ وقال: ﴿ فادخلى فِي عِبَادِى  ﴾ وقال: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله  ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك وهو قوله: ﴿ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلاً  ﴾ وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله: ﴿ قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ قال في هذه الآية وقل يا محمد لعبادي إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن.

وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطاً بالشتم والسب، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ وذلك لأن ذكر الحجة لو اختلط به شيء من السب والشتم لقابلوكم بمثله كما قال: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود، أما إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجة بالطريق الأحسن الخالي عن الشتم والإيذاء أثر في القلب تأثيراً شديداً فهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ التى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ ثم إنه تعالى نبه على وجه المنفعة في هذا الطريق فقال: ﴿ إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ جامعاً للفريقين أي متى صارت الحجة مرة ممزوجة بالبذاءة صارت سبباً لثوران الفتنة.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الشيطان كَانَ للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا ﴾ والمعنى: أن العداوة الحاصلة بين الشيطان وبين الإنسان عداوة قديمة قال تعالى حكاية عنه: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ كَمَثَلِ الشيطان إِذ قَالَ للإنسان اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيء منكَ إِنّي أَخَافُ الله رَبَّ العالمين  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم  ﴾ وقال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنّي بَرِيء مّنْكُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ ﴾ واعلم أنا إنما نتكلم الآن على تقدير أن قوله تعالى: ﴿ قُل لّعِبَادِيَ ﴾ المراد به المؤمنون، وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ خطاب مع المؤمنين، والمعنى: إن يشأ يرحمكم، والمراد بتلك الرحمة الإنجاء من كفار مكة وأذاهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم.

ثم قال: ﴿ وَمَا أرسلناك ﴾ يا محمد ﴿ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ أي حافظاً وكفيلاً فاشتغل أنت بالدعوة ولا شيء عليك من كفرهم فإن شاء الله هدايتهم هداهم، وإلا فلا.

والقول الثاني: أن المراد من قوله: ﴿ وَقُل لّعِبَادِى ﴾ الكفار، وذلك لأن المقصود من هذه الآيات الدعوة، فلا يبعد في مثل هذا الموضع أن يخاطبوا بالخطاب الحسن ليصير ذلك سبباً لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق، فكأنه تعالى قال: يا محمد قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباداً لي يقولوا التي هي أحسن.

وذلك لأنا قبل النظر في الدلائل والبينات نعلم بالضرورة أن وصف الله تعالى بالتوحيد والبراءة عن الشركاء والأضداد أحسن من إثبات الشركاء والأضداد، ووصفه بالقدرة على الحشر والنشر بعد الموت أحسن من وصفه بالعجز عن ذلك، وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على تلك المذاهب الباطلة تعصباً للأسلاف، لأن الحامل على مثل هذا التعصب هو الشيطان، والشيطان عدو، فلا ينبغي أن يلتفت إلى قوله ثم قال لهم: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ بأن يوفقكم للإيمان والهداية والمعرفة.

وإن يشأ يمتكم، على الكفر فيعذبكم، إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق، ولا تصروا على الباطل والجهل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية والخيرات السرمدية، ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم في القول، والمقصود من كل هذه الكلمات: إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة فإن ذلك هو الذي يؤثر في القلب ويفيد حصول المقصود.

ثم قال: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السموات والأرض ﴾ والمعنى أنه لما قال قبل ذلك: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ قال بعده: ﴿ رَبَّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السموات والأرض ﴾ بمعنى أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات والمعدومات ومتعلق بجميع ذوات الأرضين والسموات فيعلم حال كل واحد ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد، فلهذا السبب فضل بعض النبيين على بعض وآتى موسى التوراة وداود الزبور وعيسى الإنجيل، فلم يبعد أيضاً أن يؤتي محمداً القرآن ولم يبعد أن يفضله على جميع الخلق.

فإن قيل: ما السبب في تخصيص داود عليه الصلاة والسلام في هذا المقام بالذكر؟.

قلنا: فيه وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض.

ثم قال: ﴿ وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً ﴾ يعني أن داود كان ملكاً عظيماً، ثم إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك وذكر ما آتاه من الكتاب، تنبيهاً على أن التفضيل الذي ذكره قبل ذلك، المراد منه التفضيل بالعلم والدين لا بالمال.

والوجه الثاني: أن السبب في تخصيصه بالذكر أنه تعالى كتب في الزبور أن محمداً خاتم النبيين وأن أمته خير الأمم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الارض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون  ﴾ وهم محمد وأمته.

فإن قيل: هل عرف كما في فقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور ﴾ .

قلنا: التنكير هاهنا يدل على تعظيم حاله، لأن الزبور عبارة عن المزبور فكان معناه الكتاب فكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتاباً.

والوجه الثالث: أن السبب فيه أن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدل بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات واليهود كانوا يقولون: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة فنقض الله تعالى عليهم كلامهم بإنزال الزبور على داود، وقرأ حمزة: ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي، وذكرنا وجه ذلك في آخر سورة [النساء: 163].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقُل لّعِبَادِى ﴾ وقل للمؤمنين ﴿ يَقُولُواْ ﴾ للمشركين الكلمة ﴿ التى هِىَ أَحْسَنُ ﴾ وألين ولا يخاشنوهم، كقوله: وجادلهم بالتي هي أحسن.

وفسر التي هي أحسن بقوله ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ ﴾ يعني يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها، ولا يقولوا لهم: إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر.

وقوله ﴿ إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ اعتراض، يعني يلقي بينهم الفساد ويغري بعضهم على بعض ليقع بينهم المشارّة والمشاقة ﴿ وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ أي رباً موكولاً إليك أمرهم تقسرهم على الإسلام وتجبرهم عليه، وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارهم ومر أصحابك بالمداراة والاحتمال وترك المحاقة والمكاشفة، وذلك قبل نزول آية السيف.

وقيل: نزلت في عمر رضي الله عنه: شتمه رجل فأمره الله بالعفو.

وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت.

وقيل: الكلمة التي هي أحسن: أن يقولوا يهديكم الله، يرحمكم الله.

وقرأ طلحة: ﴿ ينزغ ﴾ بالكسر وهما لغتان، نحو يعرشون ويعرشون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقُلْ لِعِبادِي ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ.

﴿ يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ الكَلِمَةُ الَّتِي هي أحْسَنُ ولا يُخاشِنُوا المُشْرِكِينَ.

﴿ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ يُهَيِّجُ بَيْنَهُمُ المِراءَ والشَّرَّ فَلَعَلَّ المُخاشَنَةَ بِهِمْ تُفْضِي إلى العِنادِ وازْدِيادِ الفَسادِ.

﴿ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ ظاهِرَ العَداوَةِ.

﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ تَفْسِيرٌ لِـ ﴿ الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ونَحْوَها ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ يُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ خِتامَ أمْرِهِمْ غَيْبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

﴿ وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ مَوْكُولًا إلَيْكَ أمْرُهم تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ وإنَّما أرْسَلْناكَ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا فَدارِهِمْ ومُرْ أصْحابَكَ بِالِاحْتِمالِ مِنهم.

وَرُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْرَطُوا في إيذائِهِمْ فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَنَزَلَتْ.

وَقِيلَ شَتَمَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَجُلٌ مِنهم فَهَمَّ بِهِ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالعَفْوِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أو فسر التي هي أحسن بقوله {رَّبُّكُمْ أعلم بكم إن يشأ يرحمكم}

بالهداية

الإسراء (٥٤ _ ٥٨)

والتوفيق {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ} بالخذلان أي يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا يقولوا لهم إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر وقوله ان الشيطان ينزغ بينهم اعتراض {وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} حافظاً لأعمالهم وموكولاً إليك أمرهم وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارهم ومر أصحابك بالمداراة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ ﴿ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ بِالإماتَةِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا تَفْسِيرُ الَّتِي هي أحْسَنُ والجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما والخِطابُ فِيهِ لِلْمُشْرِكِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُولُوا لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ وما يُشاكِلُها وعَلِّقُوا أمْرَهم عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ولا تُصَرِّحُوا بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ؛ فَإنَّهُ مِمّا يُهَيِّجُهم عَلى الشَّرِّ مَعَ أنَّ الخاتِمَةَ مَجْهُولَةٌ لا يَعْلَمُها غَيْرُهُ تَعالى فَلَعَلَّهُ سُبْحانَهُ يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، والظّاهِرُ أنَّ أوْ لِلِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ.

وقالَ الكِرْمانِيُّ: هي لِلْإضْرابِ؛ ولِذا كُرِّرَتْ مَعَها إنْ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دَخَلَتْ أوْ هُنا لِسِعَةِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ويُقالُ لَها المُبِيحَةُ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ فَإنَّهم يَعْنُونَ: قَدْ وسَّعْنا لَكَ الأمْرَ وهو كَما تَرى.

﴿ وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ أيْ: مَوْكُولًا ومُفَوَّضًا إلَيْكَ أمْرُهم تَقْسِرُهم عَلى الإسْلامِ وتُجْبِرُهم عَلَيْهِ ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ فَدارِهِمْ ومُرْ أصْحابَكَ بِمَداراتِهِمْ وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهم وتَرْكَ المُشاقَّةِ مَعَهُمْ، وهَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ، أي أعلم بأحوالكم وما أنتم فيه من أذى المشركين.

إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ، فينجيكم من أهل مكة إذا صبرتم على ذلك.

أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ، فيسلطهم عليكم إذا جزعتم ولم تصبروا.

وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، يعني: مسلطاً.

وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، ويقال: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا، أي ليست المشيئة إليك في الهدى والضلالة.

وقال: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي ربك عالم بأهل السموات وأهل الأرض، وهو أعلم بصلاح كل واحد منهم.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ، منهم من فضل الله بالكلام وهو موسى، ومنهم من اتخذه خليلاً وهو إبراهيم  ، ومنهم من رفعه مكاناً عليّا وهو إدريس، ومنهم من اصطفاه وهو محمد  .

وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً، أي كتاباً.

قال مقاتل: الزبور مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا فريضة، إنما ثناء على الله عز وجل.

قرأ حمزة زَبُوراً بضم الزاي، وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد.

قوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ، قال ابن عباس: «إن ناساً من خزاعة كانوا يعبدون الجن، وهم يرون أنهم هم الملائكة، فقال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ أي: تعبدون مِن دُونِ الله.

فَلا يَمْلِكُونَ، لا يقدرون كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ يقول: صرف السوء عنكم من الأمراض والبلاء إذا نزل بكم.

وَلا تَحْوِيلًا يقول: ولا تحويله إلى غيره ما هو أهون منه، ويقال: ولا يحولونه إلى غيرهم.

أُولئِكَ، يعني: الملائكة الَّذِينَ يَدْعُونَ، أي: يعبدونهم ويدعونهم آلهة.

قرأ ابن مسعود تَدْعُونَ بالتاء على معنى المخاطبة.

يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ، يقول: يطلبون إلى ربهم القربة والفضيلة والكرامة بالأعمال الصالحة.

أَيُّهُمْ أَقْرَبُ، أكرم على الله تعالى، وأقرب في الفضيلة والكرامة.

وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، أي جنته.

وَيَخافُونَ عَذابَهُ، أي ناره.

إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً، يعني: لم يكن لأحد أمان من عذاب الله تعالى، ويقال: مَحْذُوراً يعني: ينبغي أن يحذر منه.

وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كان ناس من الإنس يعبدون قوماً من الجن، فأسلم الجن وبقي الإنس على كفرهم، فأنزل الله» : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ، أي: الجن يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ.

وروى السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ «عيسى وعزيراً والملائكة، وما عبد من دون الله وهو لله مطيع» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: بِحَمْدِهِ قال ابن جُبَيْر: إِن جميع العالمين يقومُونَ، وهم يَحْمَدُون اللَّه ويمَجِّدونه، لما يظهر لهم مِنْ قُدْرته «١» ص: أبو البقاء بِحَمْدِهِ أي: حامدين، وقيل: بِحَمْدِهِ من قول الرسول، أي: وذلك بحمد اللَّه على صدْقِ خَبَري، ووقع في لفظ ع حين قرر هذا المعنى: «عَسَى أن الساعة قريبةٌ» وهو تركيبٌ لا يجوزُ لا تقولُ: عَسَى أنَّ زيداً قائمٌ انتهى.

وقوله سبحانه: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا يحتملُ معنيين.

أحدهما: أنهم لَمَّا رجعوا إلى حالة الحياةِ، وتصرُّف الأجساد، وقع لهم ظَنٌّ أنهم لم ينفصلوا عن حال الدُّنْيا إِلا قليلاً لمغيبِ عِلْم مقدار الزمان عنهم إِذ مَنْ في الآخرة لا يقدِّر زمن الدنيا إِذ هم لا محالة أشدُّ مفارقةً لها من النائمين، وعلى هذا التأويل عوَّل الطبري «٢» .

والآخر: أنْ يكون الظنُّ بمعنى اليقينِ، فكأنه قال: يوم يَدْعُوكم فتستجيبون بَحْمِدِه، وتتيقنون أنَّكم إِنما لبثتم قليلاً من حيثُ هو منقضٍ منحصرٌ.

وحكى الطبريُّ عن قتادة أنهم لما رأوا هولَ يوم القيامة، احتقروا/ الدُّنْيا، فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلاً «٣» .

وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥)

وقوله سبحانه: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ اختلف الناس في الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: فقالت فرقةٌ: هي لا إله إِلا اللَّه وعلى هذا، ف «العباد» : جميعُ الخلق، وقال الجمهور الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: هي المحاورة الحَسَنة، بحسب معنى معنى، قال الحسن يقول: يَغْفِرُ اللَّه لك، يَرْحَمُكَ اللَّه «٤» وقوله: لِعِبادِي خاصُّ بالمؤمنين، قالت فرقة: أمر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ﴿ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ فَيُنْجِيكم مِن أهْلِ مَكَّةَ، " و ﴿ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ " فَيُسَلِّطُهم عَلَيْكُمْ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِالتَّوْبَةِ، أوْ يُعَذِّبْكم بِالإقامَةِ عَلى الذُّنُوبِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم فَيَهْدِيَكم لِلْإيمانِ، أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم فَيُمِيتُكم عَلى الكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ القَحْطُ بِالمُشْرِكِينَ، فَقالُوا: ﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ  ﴾ ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ، ومِنَ الَّذِي لا يُؤْمِنُ، ﴿ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ فَيَكْشِفُ القَحْطَ عَنْكُمْ، ﴿ أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ فَيَتْرُكُهُ عَلَيْكُمْ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: و " أوْ " هاهُنا دَخَلَتْ لِسِعَةِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَرِدُ عَنْهُما، فَكانَتْ مُلْحَقَةً بـِ( أوْ ) المُبِيحَةِ في قَوْلِهِمْ: جالَسَ الحَسَنُ أوِ ابْنُ سَيْرَيْنِ، يَعْنُونَ: قَدْ وسِعْنا لَكَ الأمْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كَفِيلًا تُؤْخَذُ بِهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: حافِظًا ورَبًّا، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: كَفِيلًا بِهِدايَتِهِمْ وقادِرًا عَلى إصْلاحِ قُلُوبِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أو إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ ﴿ وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَبِيِّينَ عَلى بَعْضَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا ﴾ "يَوْمَ": بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "قَرِيبًا"، ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هو يَوْمٌ، جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ مَتى هُوَ  ﴾ ويُرِيدُ: يَدْعُوكم مِن قُبُورِكم بِالنَفْخِ في الصُوَرِ لِيُقامَ الساعَةُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ ﴾ أيْ: بِالقِيامِ والعَوْدَةِ والنُهُوضِ نَحْوَ الدَعْوَةِ، وقَوْلُهُ: "بِحَمْدِهِ"، حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: بِأمْرِهِ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: بِطاعَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، ولا شَكَّ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، وإنَّما مَعْنى "بِحَمْدِهِ": إمّا أنَّ جَمِيعَ العالَمِينَ -كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ - يَقُومُونَ وهم يَحْمِدُونَ اللهَ تَعالى ويُمَجِّدُونَهُ لِما يَظْهَرُ لَهم مِن قُدْرَتِهِ، وإمّا أنَّ قَوْلَهُ: "بِحَمْدِهِ" هو كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ إذا خاصَمْتُهُ أوَ حاوَرْتُهُ في عِلْمٍ: قَدْ أخْطَأْتُ بِحَمْدِ اللهِ، وكانَ النَبِيُّ  يَقُولُ لَهم في هَذِهِ الآياتِ: « "عَسى أنَّ الساعَةَ قَرِيبَةٌ، يَوْمَ تُدْعَوْنَ فَتَقُومُونَ، بِخِلافِ ما تَعْتَقِدُونَ الآنَ، وذَلِكَ بِحَمْدِ اللهِ عَلى صِدْقِ خَبَرِي"،» نَحا هَذا النَحْوَ الطَبَرِيُّ، ولَمْ يُخَلِّصْهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم لَمّا رَجَعُوا إلى حالَةِ الحَياةِ وتَصَرُّفِ الأجْسادِ، وقْعَ لَهم ظَنٌّ أنَّهم لَمْ يَنْفَصِلُوا عن حالِ الدُنْيا إلّا قَلِيلًا، لِمَغِيبِ عِلْمِ مِقْدارِ الزَمَنِ عنهُمْ؛ إذْ مَن في الآخِرَةِ لا يُقَدِّرُ زَمَنَ الدُنْيا؛ إذْ هم لا مَحالَةَ أشَدُّ مُفارَقَةً لَها مِنَ النائِمِينَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ عَوَّلَ الطَبَرِيُّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ  ﴾ ﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ .

والمَعْنى الآخَرُ أنْ يَكُونَ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: يَوْمَ تُدْعَوْنَ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِ اللهِ، وتَتَيَقَّنُونَ أنَّكم إنَّما لَبِثْتُمْ قَلِيلًا، مِن حَيْثُ هو مُنْقَضٍ مُنْحَسِرٍ، وهَذا كَما يُقالُ في الدُنْيا بِأسْرِها: مَتاعٌ قِيلَ، فَكَأنَّهُ قِلَّةَ قَدَرٍ، عَلى أنَّ الظَنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ يُقْلِقُ هاهُنا؛ لِأنَّهُ في شَيْءٍ قَدْ وقَعَ.

وإنَّما يَجِيءُ الظَنُّ بِمَعْنى اليَقِينِ فِيما لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ إلى الكَوْنِ والوُجُودِ، وفي الكَلامِ تَقْوِيَةٌ لِلْبَعْثِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّها المُكَذِّبُ بِالحَشْرِ الَّذِي تَعْتَقِدُ أنَّكَ لا تُبْعَثُ أبَدًا لا بُدَّ أنْ تُدْعى لِلْبَعْثِ فَتَقُومُ وتَرى أنَّكَ إنَّما لَبِثْتُ قَلِيلًا مُنْقَضِيًا مُنْصَرِمًا، وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهم لَمّا رَأوا هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ احْتَقَرُوا الدُنْيا فَظَنُّوا أنَّهم لَبِثُوا فِيها قَلِيلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ .

اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "يَقُولُوا"، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "وَقُلْ لِعِبادِي، إنَّكَ إنْ تَقُلْ لَهم يَقُولُوا"، وهَذا عَلى أصْلِهِ في أنَّ الأمْرَ لا يُجابُ، وإنَّما يُجابُ مَعَهُ شَرْطٌ مُقَدَّرٌ، ومَذْهَبُ الأخْفَشِ: أنَّ الأمْرَ يُجابُ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى هاهُنا: "يَقُولُوا" إنَّما هو جَوابُ "قُلْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا يَصِحُّ المَعْنى عَلى هَذا بِأنْ يَجْعَلَ "قُلْ" مُخْتَصَّةً بِهَذِهِ الألْفاظِ، عَلى مَعْنى أنْ يَقُولَ لَهُمُ النَبِيُّ  : "قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ"، وإنَّما يَصِحُّ بِأنْ يَكُونَ "قُلْ" أمْرًا بِالمُحاوَرَةِ في هَذا المَعْنى بِما أمْكَنَ مِنَ الألْفاظِ، كَأنَّهُ قالَ: "بَيِّنْ لِعِبادِي"، فَيَكُونُ ثَمَرَةَ ذَلِكَ القَوْلِ والبَيانِ قَوْلُهُمُ الَّتِي هي أحْسَنُ، وهَذا المَعْنى يُجَوِّزُهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ الَّذِي قَدَّمْنا.

ومَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ أنْ "يَقُولُوا" جَوابٌ لِأمْرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: "وَقُلْ لِعِبادِي قُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ يَقُولُوا" فَحُذِفَ وطُوِيَ الكَلامُ.

ومَذْهَبُ الزَجّاجُ أنْ "يَقُولُوا" جَزْمٌ بِالأمْرِ، بِتَقْدِيرِ: "قُلْ لِعِبادِي لِيَقُولُوا"، فَحُذِفَتِ اللامُ لِتَقَدُّمِ الأمْرِ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ في "الحِلْيَتاتِ" في تَضاعِيفَ كَلامِهِ: أنَّ مَذْهَبَ أبِي عُثْمانَ المازِنِيِّ في "يَقُولُوا" أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ؛ لِأنَّهُ مُضارِعٌ حَلَّ مَحَلَّ المَبْنِيِّ الَّذِي هو فِعْلُ الأمْرِ؛ لِأنَّ المَعْنى: "قُلْ لِعِبادِي: قُولُوا".

واخْتَلَفَ الناسُ في ﴿ الَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، ويَلْزَمُ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: لِعِبادِي يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ الخَلْقِ؛ لِأنَّ جَمِيعُهم مَدْعُوٌّ إلى "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، ويَجِيءُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنَّ الشَيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ غَيْرَ مُناسِبٍ لِلْمَعْنى إلّا عَلى تَكَرُّهٍ، بِأنْ يَجْعَلَ "بَيْنَهُمْ" بِمَعْنى "خِلالَهم وأثْناءَهُمْ"، ويَجْعَلُ "النَزْعَ" بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والإضْلالِ.

وقالَ الجُمْهُورُ: الَّتِي هي أحْسَنُ هي المُحاوَرَةُ الحُسْنى، بِحَسَبِ المَعْنى مَعْنى، قالَ الحَسَنُ: "يَقُولُ: يَغْفِرُ اللهُ لَكَ، يَرْحَمُكَ اللهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِعِبادِي" خاصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّ الآيَةَ بِمَعْنى قَوْلِهِ  ، "وَكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا"، ثُمَّ اخْتَلَفُوا -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ فِيما بَيْنَهم بِحُسْنِ الأدَبِ، وخَفْضِ الجَناحِ، وإلانَةِ القَوْلِ، واطِّراحِ نَزَغاتِ الشَيْطانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ بِإلانَةِ القَوْلِ لِلْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، أيّامَ المُهادَنَةِ.

وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ شَتَمَهُ بَعْضُ الكَفَرَةِ، فَسَبَّهُ عُمَرُ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَكادَ أنْ يُثِيرَ فِتْنَةً، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَنْزَغُ" بِفَتْحِ الزايِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "يَنْزَغُ" بِكَسْرِ الزايِ، عَلى الأصْلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: "لَعَلَّها لُغَةٌ، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ".

ومَعْنى النَزْغِ حَرَكَةُ الشَيْطانِ بِسُرْعَةٍ لِيُوجِبَ فَسادًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُشِرْ أحَدُكم عَلى أخِيهِ بِالسِلاحِ لا يَنْزَغُ الشَيْطانُ في يَدِهِ"،» فَهَذا يُخْرِجُ اللَفْظَةَ عَنِ الوَسْوَسَةِ، وعَداوَةِ الشَيْطانِ البَيِّنَةِ هي قِصَّتُهُ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ فَيِما بَعْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ الَّتِي قَبْلَها هي ما بَيْنَ العِبادِ المُؤْمِنِينَ وكُفّارِ مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ هي لِكَفّارِ مَكَّةَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ ، فَكَأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُخاشِنُوا الكُفّارَ في الدِينِ، ثُمَّ قالَ لِلْكُفّارِ: إنَّهُ أعْلَمَ بِهِمْ، ورَجّاهم وخَوَّفَهُمْ، ومَعْنى "يَرْحَمْكُمْ" بِالتَوْبَةِ عَلَيْكم مِنَ الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ.

ثُمَّ قالَ النَبِيُّ  : فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، ولَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلى إيمانِهِمْ ولا بُدَّ، فَتَتَناسَبُ الآياتُ بِهَذا التَأْوِيلِ.

ثُمَّ قالَ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَماواتِ والأرْضِ وهو الَّذِي فَضَّلَ بَعْضَ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ بِحَسَبِ عِلْمِهِ فِيهِمْ، فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى مُحَمَّدٍ  ، وإلى اسْتِبْعادِ قُرَيْشٍ أنْ يَكُونَ الرَسُولُ بَشَرًا، والمَعْنى: لا تُنْكِرُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ وأنْ أُوتِيَ قُرْآنًا، فَقَدْ فُضِّلَ النَبِيُّونَ، وأُوتِيَ داوُدُ زَبُورًا، فاللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.

وتَفْضِيلُ بَعْضُ الرُسُلِ هو إمّا بِهَذا الإخْبارِ المُجْمَلِ دُونَ أنْ يُسَمّى المَفْضُولُ، وعَلى هَذا يَتَّجِهُ لَنا أنْ نَقُولَ: مُحَمَّدٌ أفْضَلُ البَشَرِ، وقَدْ نَهى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن تَعْيِينِ أحَدٍ مِنهم في قِصَّةِ مُوسى ويُونُسَ، وإمّا أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ مُقَسَّمًا بَيْنَهُمْ: أُعْطِيَ هَذا التَكْلِيمُ، وأُعْطِيَتْ هَذِهِ الخُلَّةُ، ومُحَمَّدٌ الخَمْسُ، وعِيسى الإحْياءُ، فَكُلُّهم مَفْضُولٌ في وجْهٍ، فاضِلٌ عَلى الإطْلاقِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِمَن في السَماواتِ ﴾ .

الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: "عَلِمَ بِمَن في السَماواتِ"، ذَهَبَ إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَلَّقَها بِـ "أعْلَمُ" لاقْتَضى أنَّهُ لَيْسَ بِأعْلَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَلْزَمُ، ويَصِحُّ تَعَلُّقُها بِـ "أعْلَمُ"، ولا يَلْتَفِتُ لِدَلِيلِ الخُطّابِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زَبُورًا" بِفَتْحِ الزايِ، وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو قَلِيلٌ، لَمْ تَجِيءُ إلّا في قَرُوعٍ ورَكُوبٍ وحَلُوبٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "زَبُورًا" بِضَمِّ الزايِ، ولَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ جَمْعُ زَبُورٍ بِحَذْفِ الزائِدِ، كَما قالُوا في جَمْعِ طَرِيقٍ: طُرُوقٌ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ زَبُرٍ، كَأنَّ ما جاءَ بِهِ داوُدُ جُزِّئَ أجْزاءً، كُلُّ جُزْءٍ مِنها زَبْرٌ، سُمِّيَ بِمَصْدَرِ زَبَرَ يَزْبُرُ، ثُمَّ جَمَعَ تِلْكَ الأجْزاءِ عَلى زُبُورٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: "آتَيْنا داوُدَ كِتابًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "زَبْرٍ" الَّذِي هو العَقْلُ وسَدادُ النَظَرِ، لِأنَّ داوُدَ أُوتِيَ مِنَ المَواعِظِ والوَصايا كَثِيرًا، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ  في آخِرِ كِتابِ مُسْلِمٍ: « "وَأهْلُ النارِ خَمْسَةٌ: الضَعِيفُ الَّذِي لا زَبْرَ لَهُ"،» قالَ قَتادَةُ: زَبُورُ داوُدَ مَواعِظٌ وحِكَمٌ ودُعاءٌ، لَيْسَ فِيهِ حَلالٌ ولا حَرامٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا الكلام متصل بقوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ إلى قوله: ﴿ فلا يستطيعون سبيلا ﴾ [الإسراء: 47، 48].

فإن ذلك ينطوي على ما هو شأن نجواهم من التصميم على العناد والإصرار على الكفر.

وذلك يسوء النبي ويحزنه أن لا يهتدوا، فوُجه هذا الكلام إليه تسلية له.

ويدل لذلك تعقيبه بقوله: وما أرسلناك عليهم وكيلا } .

ومعنى ﴿ إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ﴾ على هذا الكنايةُ عن مشيئة هديْه إياهم الذي هو سبب الرحمة، أو مشيئة تركهم وشأنَهم.

وهذا أحسن ما تفسر به هذه الآية ويبين موقعها، وما قيل غيره أراه لا يلتئم.

وأوتي بالمسند إليه بلفظ الرب مضافاً إلى ضمير المؤمنين الشامل للرسول تذكيراً بأن الاصطفاء للخير شأن من معنى الربوبية التي هي تدبير شؤون المربوبين بما يليق بحالهم، ليكون لإيقاع المسند على المسند إليه بعد ذلك بقوله: ﴿ أعلم بكم ﴾ وقعٌ بديع، لأن الذي هو الرب هو الذي يكون أعلم بدخائل النفوس وقابليتها للاصطفاء.

وهذه الجملة بمنزلة المقدمة لما بعدها وهي جملة ﴿ إن يشأ يرحمكم ﴾ الآية، أي هو أعلم بما يناسب حال كل أحد من استحقاق الرحمة واستحقاق العذاب.

ومعنى ﴿ أعلم بكم ﴾ أعلم بحالكم، لأن الحالة هي المناسبة لتعلق العلم.

فجملة ﴿ إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ﴾ مبينة للمقصود من جملة ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ .

والرحمة والتعذيب مكنًى بهما عن الاهتداء والضلال، بقرينة مقارنته لقوله: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ الذي هو كالمقدمة.

وسلك سبيل الكناية بهما لإفادة فائدتين: صريحهما وكنايتهما، ولإظهار أنه لا يسأل عما يَفعل، لأنه أعلم بما يليق بأحوال مخلوقاته.

فلما ناط الرحمة بأسبابها والعذابَ بأسبابه، بحكمته وعدله، عُلم أن معنى مشيئته الرحمة أو التعذيب هو مشيئة إيجاد أسبابهما، وفعل الشرط محذوف.

والتقدير: إن يشأ رحمتَكم يرحمْكم أو إن يشأ تعذيبَكم يعذبْكم، على حكم حذف مفعول فعل المشيئة في الاستعمال.

وجيء بالعطف بحرف (أو) الدالة على أحد الشيئين لأن الرحمة والتعذيب لا يجتمعان ف (أو) للتقسيم.

وذكر شرط المشيئة هنا فائدته التعليم بأنه تعالى لا مكره له، فجمعت الآية الإشارة إلى صفة العلم والحكمة وإلى صفة الإرادة والاختيار.

وإعادةُ شرط المشيئة في الجملة المعطوفة لتأكيد تسلط المشيئة على الحالتين.

وجملة ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً ﴾ زيادة لبيان أن الهداية والضلال من جعل الله تعالى، وأن النبي غير مسؤول عن استمرار من استمر في الضلالة.

إزالة للحرج عنه فيما يجده من عدم اهتداء من يدعوهم، أي ما أرسلناك لتجبرهم على الإيمان وإنما أرسلناك داعياً.

والوكيل على الشيء: هو المسؤول به.

والمعنى: أرسلناك نذيراً وداعياً لهم وما أرسلناك عليهم وكيلاً، فيفيد معنى القصر لأن كونه داعياً ونذيراً معلوم بالمُشاهدة فإذا نفي عنه أن يكون وكيلاً وملجئاً آل إلى معنى: ما أنت إلا نذير.

وضمير ﴿ عليهم ﴾ عائد إلى المشركين، كما عادت إليهم ضمائر ﴿ على قلوبهم ﴾ [الإسراء: 46] وما بعده من الضمائر اللائقة بهم.

وعليهم } متعلق ب ﴿ وكيلا ﴾ .

وقدم على متعلقه للاهتمام وللرعاية على الفاصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِالهِدايَةِ أوْ يُعَذِّبْكم بِالإضْلالِ.

الثّانِي: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم فَيُنْجِيكم مِن أعْدائِكم أوْ يُعَذِّبْكم بِتَسَلُّطِهِمْ عَلَيْكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم بِالتَّوْبَةِ أوْ يُعَذِّبْكم بِالإقامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ: ﴿ وَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما وكَّلْناكَ أنْ تَمْنَعَهم مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وتُجْبِرَهم عَلى الإيمانِ بِهِ.

الثّانِي: ما جَعَلْناكَ كَفِيلًا لَهم تُؤْخَذُ بِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، قالَ الشّاعِرُ ذَكَرْتُ أبا أرْوى فَبِتُّ كَأنَّنِي بِرَدِّ الأُمُورِ الماضِياتِ وكِيلُ وَكِيلٌ: أيْ كَفِيلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ﴾ قال: فتؤمنوا ﴿ وإن يشأ يعذبكم ﴾ فتموتوا على الشرك كما أنتم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ الآية.

فيها قولان؛ أحدهما: أن هذا الخطاب للمشركين، يقول: ﴿ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ : يوفقكم فتؤمنوا، ﴿ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ : بأن يميتكم على الكفر فيعذبكم، هذا قول ابن جريج (١) القول الثاني: أن الخطاب للمؤمنين يقول: ﴿ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ : بالإنجاء من كفار مكة وأذاهم، ﴿ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ : بتسليطهم عليكم، وهذا قول الكلبي (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾ أي حافظًا وكفيلاً، يعني لا شيء عليك من كفرهم، فإن عليك التبليغ، وما وُكل إليك إيمانهم، والله أعلم بهم إن شاء هَدْيَهم (٣) (١) أخرجه "الطبري" 15/ 102، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" بنصه تقريبًا، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 99، و"القرطبي" 10/ 278، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 341 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 111 أ، بنحوه، و"الماوردي" 3/ 250، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 2/ 100، و"القرطبي" 10/ 278، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 272.

(٣) مطموسة في (ع)، وفي (د): (يهديهم).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ التي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ العباد هنا المؤمنون أمرهم أن يقول بعضهم لبعض كلاماً ليناً عجيباً، وقيل: أن يقولوه للمشركين، ثم نسخ بالسيف، وإعراب يقولوا كقوله: ﴿ يُقِيمُواْ الصلاوة ﴾ في سورة [إبراهيم: 31] وقد ذكر ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليذكروا ﴾ من الذكر وكذلك في "الفرقان": حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر.

﴿ كما يقولون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحفص ﴿ عما تقولون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وخلف.

﴿ تسبح ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن هبيرة.

الآخرون على التذكير ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ القول فيه كما مر في "الرعد" وكذلك في آخر هذه السورة وفي سورة "قد أفلح" وفي سورة السجدة.

الوقوف: ﴿ ليذكروا ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ تسبيحهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ مستوراً ﴾ لا للعطف ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ نفوراً ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ جديداً ﴾ ه ﴿ حديداً ﴾ لا ﴿ صدوركم ﴾ ج للفاء مع أن السين للاستئناف ﴿ بعيدنا ﴾ ط ﴿ أوَّل مرة ﴾ ج لما قلنا ﴿ متى هو ﴾ ط ﴿ قريباً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ أحسن ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ أعلم بكم ﴾ ه ﴿ يعذبكم ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ زبوراً ﴾ ه ﴿ شديداً ﴾ ط ه ﴿ مسطوراً ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ فظلموا بها ﴾ ط ﴿ تخويفاً ﴾ ه ﴿ بالناس ﴾ ط ﴿ في القرآن ﴾ ط الكل لما مر.

﴿ ونخوّفهم ﴾ لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل ﴿ كبيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من الإيضاح.

ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف ﴿ في هذا القرآن ﴾ أو محذوف للعمل به والمراد صرفنا فيه ضروباً ﴿ من كل مثل ﴾ وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى.

وقيل: لفظة "في" زائدة كقوله { ﴿ وأصلح لي في ذريتي  ﴾ قال الجبائي: في قوله: ﴿ ليذكروا ﴾ دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها.

والمراد بالذكر ههنا فيمن قرأ مخففاً هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان.

وقالت الأشاعرة: قوله: ﴿ وما يزيدهم إلا نفوراً ﴾ دلت على عكس ذلك لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سبباً لعسره وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل، ولما أخبر أن هذا التصريف يزيدهم نفوراً علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم.

عن سفيان الثوري أنه كان إذا قرأها قال: زادني ذلك خضوعاً ما زاد أعداءك نفوراً.

ثم دل على التوحيد الذي أمر به في قوله: ﴿ ولا تجعل مع الله إلهاً آخر ﴾ فقال: ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون ﴾ أي كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون.

وفي قوله ﴿ إذا ﴾ دلالة على أن ما بعدها وهو ﴿ لابتغوا ﴾ جواب عن مقالة المشركين وجزاء لـ"لو" قاله في الكشاف.

قلت: ولعل ﴿ إذا ﴾ ههنا ظرف لما دل عليه ﴿ لابتغوا ﴾ أي لطلبوا إذ ذاك ﴿ إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ومثله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ ويسمى في عرف المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز.

وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن تتخذ لأنفسها سبيلاً إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله.

ثم نزه نفسه عن أقوالهم فقال {  وتعالى عما يقولون علواً كبيراً} فوضع الثلاثة وهو العلوّ موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله ﴿ أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ثم وصف العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيهاً على أن بين الواجب لذاته والممكن لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها.

ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: ﴿ تسبح له ﴾ الآية.

قالت العقلاء: تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول "سبحان الله" وأخرى بدلالة أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني.

وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معاً في حالة واحدة فتعين حمل التسبيح ههنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه المحققون.

وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم ﴾ لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم، وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا يعلمها إلا الله.

وأيضاً الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، إلا أنهم لما أثبتوا له شريكاً وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا في المعجزات الدالة على نبوة محمد  فكأنهم لم يفقهوا التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إنه كان حليماً غفورا ﴾ حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضاً كل بلغته ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه.

وزعم أيضاً أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له عن التسبيح.

وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب وفك ذلك النظم لم يبق مسبحاً مطلع مطلقاً ولا على ذلك النحو.

واعترض عليه أيضاً بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله  وبصفاته مسبحة له مع أنها ليس بأحياء انسدّ علينا باب العلم بكونه  حياً لأنا نستدل بكونه عالماً قادراً على كونه حياً.

ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته  بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلاً فقد قيل: إن لكل موجود حياة تليق به.

ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوّات فقال: ﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ قيل: نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله  إذا قرأ القرآن عليهم.

يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصيّ يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار.

وعن أسماء.

كان رسول الله  جالساً ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد الرسول  وهي تقول: مذمماً أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا.

فقال أبو بكر: يا رسول الله إن معها حجراً أخشى عليك.

فتلا رسول الله  هذه الآيات.

فجاءت وما رأت رسول الله  .

وقالت: إن قريشاَ قد علمت أني ابنة سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك.

وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون الرسول  ويسمعون حديثه.

فقال النضر يوماً: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء.

وقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقوله حقاً.

وقال أبو جهل: هو مجنون.

وقال أبو لهب: كاهن.

وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت.

وكان رسول الله  إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث آيات وهن في سورة الكهف ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً  ﴾ وفي النحل: ﴿ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ﴾ {الآية: 108] وفي "حم الجاثية" ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ .

وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: ﴿ جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ أي ذا ستر وقد جاء مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثير نحو "لابن وتامر" من ذلك قولهم "رجل مرطوب" أي ذو رطوبة، و"مكان مهول" و "ذهول" و "سبل مفعم" ذو إفعام.

وجوّز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل "مشؤوم" و "ميمون".

وقيل: إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي  وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور.

وعلى هذا يصح قول الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضراً والرؤية غير حاصلة لأجل أنه  يخلق في العيون شيئاً يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر المحتجب به.

والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم  ﴾ الآية.

على صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا  ﴾ .

وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن سماع صوته.

وقال الكعبي: أراد به الخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ورآيك.

وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب.

ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال  : ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ﴾ وهو مصدر سدّ مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل "وأرسلها العراك" ﴿ ولوا على أدبارهم نفوراً ﴾ مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم الله على ذلك بقوله: ﴿ نحن أعلم بما يستمعون به ﴾ من الهزء بك وبالقرآن.

قاتل جار الله ﴿ به ﴾ في موضع الحال كما تقول يستمعون بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين و ﴿ إذ يستمعون ﴾ نصب بما دل عليه أعلم أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ أي يتناجون به إذ هم ذوو نجوى ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ "إذ" بدل من "إذ هم" ﴿ إن تتبعون ﴾ أي على تقدير الإتباع لأنهم لم يتبعوا رسول الله ﴿ إلا رجلاً مسحوراً ﴾ سحر فاختلط عقله وزال على حد الاعتدال.

وقيل: المسحور الذي أفسد من قولهم "طعام مسحور" إذا أفسد عمله "أرض مسحورة" أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها.

وقال مجاهد ﴿ مسحوراً ﴾ مخدوعاً لأن السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمداً يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك.

وقال أبو عبيدة: يريد بشراً ذا سحر وهو الرئة.

قال ابن قتيبة: لا أدري ما حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة.

﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ومعلم ومجنون ﴿ فضلوا ﴾ في جميع ذلك عن طريق الحق ﴿ فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ إلى الهدى والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به.

وحين فرغ من شبهات القوم في النبوّات حكى شبهتهم، في أمر المعاد.

وأيضاً لما ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالاً على اختلاط المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال منه: رفت عظام الجزور رفتاً إذا كسرها.

وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتاثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع؟

فأجاب الله  عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا فلان؟

فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي.

أما قوله: ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ .

فالمراد فرضوا شيئاً آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلاً لوصف الحياة، وعلى هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء.

وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض.

وعن ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة إليها.

وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود محض وإلا فالموت عرض وانقلاب الجسم عرضاً محال.

وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع أن يقبل الضد.

وفي قوله: ﴿ قل الذي فطركم أول مرة ﴾ بيان كافٍ وبرهان شافٍ لأنه لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى.

ألزمهم أوّلاً بأن البعث أمر ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: ﴿ من يعيدنا ﴾ فأجاب بأنه الفاطر الأول.

ثم زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقيناً وذلك قوله: ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم ﴾ أي فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء.

قال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكاراً له أنغض رأسه.

قال المفسرون "عسى" من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته على التعيين مما استأثر الله بعلمه.

لا يقال كيف يكون قريباً وقد انقرض أكثر من سبعمائة سنة ولم يظهر لأنا نقول: كل ما هو آتٍ قريب، وإذا كان ما مضى أكثر مما بقي فإن الباقي قليل.

قوله: ﴿ يوم يدعوكم ﴾ منتصب بـ ﴿ اذكروا ﴾ والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من ﴿ قريباً ﴾ والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة الأخيرة.

يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة عودي كما كنت.

والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهو مثل الإجابة بزيادة تأكيد لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون.

وقوله: ﴿ بحمده ﴾ حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد.

وقال سعيد بن جبير: {يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللَهم وبحمدك.

وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد.

وقال آخرون: الخطاب مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم ﴿ وتظنون إن لبثتم إلاَّ قليلاً ﴾ عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ومثله قول الحسن: معناه تقريب وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.

وقال ابن عباس: يريد ما بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت.

وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار.

ثم أمر المؤمنين بالرفق والتدريج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: ﴿ وقل لعبادي ﴾ أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول  ﴾ ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله  ﴾ ﴿ فادخلي في عبادي  ﴾ ، ﴿ يقولوا ﴾ الكلمة أو الحجة ﴿ التي هي أحسن ﴾ وألين وهي أن لا تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة.

ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق فقال: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ أي بين الفريقين جميعاً فيزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود.

ثم قال: ﴿ ربكم أعلم بكم أن يشأ يرحمكم ﴾ أيها المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم ﴿ أو إن يشأ يعذبكم ﴾ بتسليطهم عليكم ﴿ وما أرسلناك ﴾ يا محمد عليهم وكيلاً أي حافظاً موكولاً إليك أمرهم إنما أنت بشير ونذير.

والهداية إلى الله.

وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ إلى آخره أي قولوا لهم الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم.

وقوله: ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ اعتراض.

وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك.

ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه العقائد هو الشيطان المعادي.

ثم قال لهم: ﴿ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ﴾ بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب.

ثم قال لرسوله: ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً ﴾ حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف.

وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل فأمره الله بالعفو.

وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله  فنزلت.

وحين قال: ﴿ ربكم أعلم بكم ﴾ عمم الحكم فقال: ﴿ وربك أعلم بمن في السموات والأرض ﴾ يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: ﴿ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ﴾ وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم أبي طالب مفضلاً على الخلائق ونبياً دون صناديد قريش وأكابرهم.

وأنما ختم الآية بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكاً عظيماً ولم يذكره الله  إلا بمزية إيتاء الكتاب.

وفيه أيضاً إشارة إلى أن محمداً  خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: { ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون  ﴾ أي محمد وأمته.

ومعنى التنكير في "زبور" أنه كامل في كونه كتاباً.

والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآناً.

وقيل: إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى.

ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بآلهية عيسى ومريم وعزير فقال: ﴿ قل ادع الذين زعمتم من دونه ﴾ وقيل: أراد بالذين زعمتم نفراً من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا.

وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك ﴿ يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾ لا يليق بالجمادات.

قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهم بمعنى الكذب.

وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة.

سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر؟

فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضاً يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضاً يحصل مطلوبهم أحياناً فيقولون إنه من الملائكة.

جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذاً بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم.

على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا لله  .

يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله  وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه.

رأيت في بعض الكتب مروياً عن أمير المؤمنين علي  : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ﴾ فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله عنه ضره وكفى مهمه.

وقد جرب فوجد كذلك.

ثم إنه  أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله  في جذب المنافع ودفع المضار فقال: ﴿ أولئك ﴾ وهو مبتدأ و ﴿ الذين يدعون ﴾ صفته ﴿ ويبتغون ﴾ خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون ﴿ إلى ربهم الوسيلة ﴾ أي القربة في الحوائج و ﴿ أيهم ﴾ بدل من واو ﴿ ويبتغون ﴾ وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟

والدليل على هذا الافتقار إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد.

وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ لقد فضلنا بعض النبيين ﴾ أي الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة.

واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن الله  قال: ﴿ يخافون عذابه ﴾ والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟

وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ ، ﴿ إن عذاب ربك كان محذوراً ﴾ أي حقيقاً بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر.

ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها فقال: ﴿ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة ﴾ بالموت والاستئصال ﴿ أو معذبوها ﴾ بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام.

وقيل: الهلاك للصالحة والتعذيب للطالحة ﴿ كان ذلك في الكتاب ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿ مسطوراً ﴾ فلا يوجد له تبديل قط.

ثم ذكر نوعاً آخر من سننه فقال: ﴿ وما منعنا ﴾ استعار المنع للترك من أجل لزوم خلاف الحكمة والمشيئة.

عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات باهرة كإحياء الموتى ونحوه.

وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي  من الله  ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم.

فقال الرسول  : لا أريد ذلك وأنزل الله الآية.

والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من الآيات ﴿ إلا أن كذب بها ﴾ الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال على ما أجرى الله  به عادته.

والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا يؤمنون ألبتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعاً.

ثم استشهد على ما ذكر بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم وواردهم وهذا معنى قوله ﴿ مبصرة ﴾ أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر المتأمل بها رشده ﴿ فظلموا ﴾ أنفسهم بقتلها أو فكفروا ﴿ بها ﴾ بمعنى أنهم حجدوا كونها من الله قاله ابن قتيبة ﴿ وما نرسل بالآيات ﴾ المقترحة ﴿ إلا تخويفاً ﴾ من نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع عليه، أو المراد وما نرسل بآيات القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذاراً بعذاب الآخرة على المعنى المذكور.

وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه بوعد النصر بالغلبة فقال: ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك ﴾ أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك ﴿ أحاط بالناس ﴾ أي أنهم في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ الرسالة.

عن الحسن: حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: أراد بالناس أهل مكة،وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله  لما كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشاً في وقعة بدر.

أما قوله: ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ﴾ ففيه أقوال: الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد.

الثاني: أنه رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم.

وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول الله  أنا ندخل البيت فنطوف به.

فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى.

فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله  : ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق  ﴾ .

الثالث: قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله  رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك.

الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء.

ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك.

والأقلون على أن الإسراء كان في المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة.

قوله: ﴿ والشجرة ﴾ فيه تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث لعن طاعموها.

قال عز من قائل: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ أو وصفت باللعن لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل طعام مكروه ضارّ ملعون.

والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله  هذه الآية.

ونظيره قوله: ﴿ إنا جعلناها فتنة للظالمين  ﴾ .

ومن شاهد حال السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل فيه النار.

وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية.

وعنه هي الكشوث التي تتلوى بالشجر تجعل في الشراب.

وقيل: هي الشيطان.

وقيل: اليهود سؤال: أي تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟

جوابه كأنه قيل: إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سبباً في توهين أمرك.

ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سبباً لوقوع الشبهة العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفاً في أمرك ولا فتوراً في اجتماع المحقين عليك.

ثم ذكر سبباً آخر في أنه  لا يظهر المقترحات عليهم فقال: ﴿ ونخوفهم ﴾ بمخاوف الدنيا والآخرة ﴿ فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ متمادياً.

التأويل: ﴿ لا بتغوا إلى ذي العرش سبيلاً ﴾ يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو أمثالاً له طلبوا طريقاً إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهراً، وإن كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ لكل ذرة من ذرات الموجودات ملكوت لقوله: { ﴿ فسبحان الذين بيده ملكوت كل شيء  ﴾ والملكوت باطن الكون وهو الآخرة، والآخرة حيوان لا جماد لقوله: ﴿ إن الدار الآخرة لهي الحيوان  ﴾ فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيهاً لصانعه وحمداً له على ما أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي  وبه تنطق الأرض يوم القيامة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ {الزلزلة: 4] وبه تنطق الجوارح ﴿ أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء  ﴾ وبه نطق السموات والأرض ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ ﴿ وإنه كان حليماً ﴾ في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب عن كفره.

﴿ وإذا قرأت القرآن ﴾ فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما جاء في الحديث "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق" .

قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة.

قال المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق الله وصفات الله.

وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً.

لم يقل "ساتراً" لأن الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل مستوراً بالحجاب المنقطع.

﴿ ولّوا على أدبارهم ﴾ لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة ﴿ إذ يقول الظالمون ﴾ من ظلمهم لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي ﴿ خلقاً مما يكبر في صدوركم ﴾ أي لو كانت قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه وتليينه في قيام قيامة العشق ﴿ يقولوا التي هي أحسن ﴾ من شرف من عبيده، فبتشريف الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله مخلصاً، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدباً بآداب الشريعة والطريقة، والخلق الأحسن وهو أن يكون محسناً إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر بلا فضيحة ﴿ إن الشيطان ينزغ بينهم ﴾ إذ لم يعيشوا بالنصيحة.

﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ فيه أن فضل النبي  على داود كفضل القرآن على الزبور.

﴿ وإن من قرية ﴾ من قرى قالب الإنسان ﴿ إلا نحن مهلكوها ﴾ بموت قلبه وروحه قبل موت قالبه فمن مات فقد قامت قيامته ﴿ أو معذبوها ﴾ بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في الله ذوبان الذات: ﴿ أحاط بالناس ﴾ علم مقتضى كل نفس من الخير والشر ﴿ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك ﴾ كان الوحي يصل إلى النبي  في مبدأ أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ الوجوه الثلاثة: أحدها: الدعوة؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ  ﴾ : أمره أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فالتأنيث للدعوة، كأنه قال: ادع لهم الدعوة التي هي أحسن الدعوة، على إضمار الدعوة.

وجائز على إضمار الحسنة، أي: قل لهم أن يقولوا لهم الحسنة التي هي أحسن.

أو على إضمار الأقوال؛ كأنه قال: يقولوا لهم الأقوال التي هي أحسن الأقوال، وإلا ظاهره أن يقول: "يقولوا الذي هو أحسن".

والثاني: على إضمار المجادلة - المناظرة - معهم؛ كقوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ : أمر رسوله أن يجادلهم أحسن المجادلة والمحاجة معهم.

والثالث: في حسن المعاملة معهم والعفو والصفح عما كان منهم إلى المسلمين من أنواع الأذى فأمرهم أن يحسنوا معاملتهم ويصفحوا عنهم؛ كقوله: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...

﴾ الآية [المؤمنون: 96]، وقوله: ﴿ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ...

﴾ الآية [آل عمران: 134] ونحوه من الآيات: أمرهم أن يعاملوا أولئك أحسن المعاملة، [وهو أن الله يتركهم] ولا يكافئهم بسوء صنيعهم، ولكن يعفون عنهم، ويصفحون لما لعلهم يكونون أولياء وحميماً على ما أخبر، ويصيرون إخواناً لهم من بعد هذا في حق هذه الآية.

وأمّا من جهة الحكمة، وهو أن الله -  - أنشأ هذا اللسان وجعله ترجماناً بين الخلق: به يفهم بعضهم من بعض، وبه يقضي الحوائج بعضهم من بعض، وبه قوام معاشهم ومعادهم، وبه بعث الرسل والكتب جميعاً، فإذا كان كذلك فالواجب ألا يستعمل إلا في الخير والحكمة، ولا ينطق به إلا ما هو أحسن وأصوب، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ .

أي: يفسد بينهم ويوسوس إليهم ويغري بعضهم على بعض؛ ليفسد بينهم، وذلك كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً ﴾ .

أي: كان الشيطان منذ كان للإنسان عدوّاً ظاهراً عداوته بيّناً.

جعل الله -  - الشيطان بحيث يوسوس إليهم ويدعوهم إلى أشياء يظنون أن ذلك خير لهم، وأبداً يلقي إليهم ما يقع عندهم أن ذلك أنفع لهم ويحبب إلى كلٍّ مذهباً يقع عنده هو الحق؛ فيقع بذلك الإفساد وإبقاء العداوة بينهم أبداً هذا دأبه وشأنه يجبر كلا إلى جهة، ويري كل أحد جهة غير الجهة التي أرى الآخر، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ : بمصالحكم، وما لا يصلح لكم في الدّنيا والآخرة.

والثاني: ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ : بما تسرون وما تعلنون، وما تعلمون وتفعلون، وإلا: لا شك أنه أعلم بنا منا.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: :إن [يشأ] يرحمكم فينجيكم من أذى هؤلاء، أو إن يشأ يعذبكم فيسلّطهم عليكم.

والثاني: إن يشأ يرحمكم، فيهديكم إلى دينه، ويوفقكم لسبيله، أو إن يشأ، يترككم ويخذلكم، ولا يهديكم إلى سبيله، ولا يوفقكم لدينه.

وقوله: ﴿ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ : يحتمل الرحمة في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: هو أن يوفقهم على الطاعة، ويعينهم على ذلك وفي الآخرة: ينجيهم ويدخلهم الجنة.

وأما التعذيب في الدنيا: أن يخذلهم ويتركهم على ما يختارون، وفي الآخرة يعذبهم في النار بالذي اختاروا في الدّنيا.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: أي: لم نجعلك حفيظاً على ردّهم وإجابتهم وعلى صنيعهم.

وقال بعضهم: وكيلاً، أي: ثقيلاً بأعمالهم، أي: لا تؤخذ أنت بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾ ، أي: مسلطاً عليهم وقاهراً لهم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل ما ذكرنا: أنه أعلم بمصالحهم ومفاسدهم، وما يسرّون وما يعلنون، ويحتمل غير هذا؛ جواباً لقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

يقول - والله أعلم - ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ ، أي: أعلم بمن يصلح للنبوة والرسالة، وبمن لا يصلح، ومن هو أهل لها [ومن ليس بأهل لها].

أو يقول: أعلم بمن في السماوات والأرض، أي: عن علم بما يكون منهم أنشأهم لا عن جهل، أو أعلم بهم من أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

مثل هذا لا يكون إلا في نازلة، لكنه لم يذكر النازلة التي عندها نزلت، ثم اختلف فيما ذكر من تفضيل بعض على بعض: قال بعضهم: إنه أعطى كلاًّ شيئاً لم يعط غيره؛ من نحو ما ذكر أنّه كلّم موسى، واتخذ إبراهيم خليلاً، وأعطى عيسى إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وهو روح منه وكلمته، وأعطى سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأعطى داود زبوراً، وأعطى سيّدنا محمّداً  أن بعث إلى الناس كافّة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر ومثله.

وقال بعضهم: فضل بعضاً على بعض في الدرجة والمنزلة والقدر عنده.

فالأوّل: يكون التفضيل في الآيات والحجج، والثاني: في أنفسهم: في المنزلة والقدر.

ويحتمل ما ذكر من تفضيل بعض على بعض في الآيات والحجج.

ويحتمل في كثرة الأتباع: يفضل بعضهم على بعض بكثرة الأتباع.

والثالث: يفضل بعضهم على بعض في القيام بشكر ما أنعم عليه وصبره على ما ابتلاه به.

والرابع: [...].

وعلى قول المعتزلة: لا يكون لأحد فضيلة عند الله إلا باستحقاق منه.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾ .

جميع كتب الله: زبور؛ لأن الزبور هو الكتاب.

وقد ذكرنا أنا لا ندري لأية نازلة ذكر هذا، ولا يحتمل ذكر مثله على الابتداء والاستئناف، لكن فيه أن التفضيل والمنزلة إنما يكون من عند الله، ومن عنده يستفاد لا بتدبير من أنفسهم واستحقاق؛ حيث قال: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً  ﴾ ، لئلا يرى أحد الفضل والمنزلة لنفسه بأسباب منه؛ ولكن من عند الله.

وقال الأصم في قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ يقول: يخاطب به أهل الكتاب: أن أوائلكم كانوا يرون لبعض على بعض فضلاً في الدنياوية.

ثم إن أولئك المفضلين كانوا يتبعون الرسل؛ لما رأوا لهم من الفضل والخصوصية؛ فما بالكم يا أهل مكة لا تتبعون محمداً، وقد ترون [له] فضائل وخصوصية ما لا ترون ذلك لأنفسكم ولا لأحد سواه، وكلام نحو هذا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ربكم -أيها الناس- أعلم بكم، فلا يخفى عليه منكم شيء، إن يشأ أن يرحمكم رحمكم بأن يوفقكم للإيمان والعمل الصالح، وإن يشأ أن يعذبكم عذبكم بأن يخذلكم عن الإيمان ويميتكم على الكفر، وما بعثناك -أيها الرسول- عليهم وكيلًا تجبرهم على الإيمان، وتمنعهم من الكفر، وتحصي عليهم أعمالهم، إنما أنت مبلغ عن الله ما أمرك بتبليغه.

<div class="verse-tafsir" id="91.PyE2J"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد