الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٦٢ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٢ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول لأستولين على ذريته إلا قليلا وقال مجاهد لأحتوين وقال ابن زيد لأضلنهم وكلها متقاربة والمعنى أنه يقول أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي لئن أنظرتني لأضلن ذريته إلا قليلا منهم
وقوله ( أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) يقول تعالى ذكره: أرأيت هذا الذي كرّمته عليّ، فأمرتني بالسجود له، ويعني بذلك آدم ( لَئِنْ أَخَّرْتَنِي ) أقسم عدوّ الله، فقال لربه: لئن أخرت إهلاكي إلى يوم القيامة ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) يقول: لأستولين عليهم، ولأستأصلنهم، ولأستميلنهم يقال منه: احتنك فلان ما عند فلان من مال أو علم أو غير ذلك؛ ومنه قول الشاعر: نَشْــكُو إِلَيْــكَ سَـنَةً قَـدْ أجْحَـفَتْ جَــهْدًا إلـى جَـهْدٍ بنـا فـأضْعَفَتْ واحْتَنَكـَتْ أمْــوَالَنا وجَـلَّفَتْ (5) وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال : ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، في قول الله تبارك وتعالى ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) قال: لأحتوينهم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) يقول: لأستولينّ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ) قال: لأضلنهم، وهذه الألفاظ وإن اختلفت فإنها متقاربات المعنى، لأن الاستيلاء والاحتواء بمعنى واحد، وإذا استولى عليهم فقد أضلهم.
------------------------- الهوامش : (5) هذه أبيات ثلاثة من مشطور الرجز، من الأرجوزة السادسة في بقية ديوان الزفيان السعدي (عطاء بن أسيد الراجز) وهي ملحقة بديوان العجاج المطبوع في ليبزج سنة 1903 ص 65، مع اختلاف في رواية بعضها.
والبيتان الأولان هما: نشــكو إليــك سـنة قـد جـلفت أموالنــا مــن أصلهــا وجـرفت أما البيت الثالث فليس في الأرجوزة.
ومعنى أجحفت: أضرت بنا، وذهبت أموالنا، فلقينا من شهدتها جهدا إلى جهد.
واحتنكت: قال أبو عبيدة في مجاز القرآن (:384) يقال: احتنك فلان ما عند فلان أجمع من مال أو علم أو حديث أو غيره: أخذه كله واستقصاه.
قال: نشكو إليك...إلخ الأبيات.
ومعنى جلفت: قشرت أو قشر الجلد مع شيء من اللحم.
والأبيات شاهد على أن الاحتناك معناه الاستئصال.
قال أرأيتك أي قال إبليس .
[ ص: 258 ] والكاف توكيد للمخاطبة .هذا الذي كرمت علي أي فضلته علي .
ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة .
وقد تقدم هذا في [ الأعراف ] .
وهذا نصب ب أرأيت .
الذي نعته .
والإكرام : اسم جامع لكل ما يحمد .
وفي الكلام حذف تقديره : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي ، لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين ؟
فحذف لعلم السامع .
وقيل : لا حاجة إلى تقدير الحذف ; أي أترى هذا الذي كرمته علي لأفعلن به كذا وكذا .ومعنى لأحتنكن في قول ابن عباس : لأستولين عليهم .
وقاله الفراء .
مجاهد : لأحتوينهم .
ابن زيد : لأضلنهم .
والمعنى متقارب ; أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال ، ولأجتاحنهم .
وروي عن العرب : احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله .
وقيل : معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت .
ومن قولهم : حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن .
وكذلك احتنكه .
والقول الأول قريب من هذا ; لأنه إنما يأتي على الزرع بالحنك .
وقال الشاعر :أشكو إليك سنة قد أجحفت جهدا إلى جهد بنا وأضعفتواحتنكت أموالنا واجتلفتإلا قليلا يعني المعصومين ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وإنما قال إبليس ذلك ظنا ; .
كما قال الله - تعالى - : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم ; أو بنى على قول الملائكة : أتجعل فيها من يفسد فيها .
وقال الحسن : ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم - عليه السلام - فلم يجد له عزما .
فلما تبين لإبليس تفضيل الله لآدم { قَالَ } مخاطبا لله: { أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ } أي: لأستأصلنهم بالإضلال ولأغوينهم { إِلَّا قَلِيلًا } عرف الخبيث أنه لا بد أن يكون منهم من يعاديه ويعصيه.
( قال ( يعني إبليس ( أرأيتك ( أي : أخبرني والكاف لتأكيد المخاطبة ( هذا الذي كرمت علي ( أي : فضلته علي ( لئن أخرتن ( أمهلتني ( إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ( أي : لأستأصلنهم بالإضلال يقال : احتنك الجراد الزرع إذا أكله كله وقيل هو من قول العرب حنك الدابة يحنكها : إذا شد في حنكها الأسفل حبلا يقودها أي : لأقودنهم كيف شئت وقيل لأستولين عليهم بالإغواء ( إلا قليلا ( يعني المعصومين الذين استثناهم الله عز وجل في قوله : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " ( الحجر - 42 ) .
(قال أرأيتك) أي أخبرني (هذا الذي كرمت) فضلت (علي) بالأمر بالسجود له "" وأنا خير منه خلقتني من نار "" (لئن) لام قسم (أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن) لأستأصلن (ذريته) بالإغواء (إلا قليلاً) منهم ممن عصمته.
وقال إبليس جراءة على الله وكفرًا به: أرأيت هذا المخلوق الذي ميزته عليَّ؟
لئن أبقيتني حيًا إلى يوم القيامة لأستولينَّ على ذريته بالإغواء والإفساد، إلا المخلصين منهم في الإيمان، وهم قليل.
وقوله - تعالى - ( قَالَ اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ) بيان لما توعد الله - سبحانه - به إبليس وأتباعه .والأمر فى قوله ( اذهب ) للإِهانة والتحقير .
أى : قال الله - تعالى - لإِبليس ( اذهب ) مطرودًا ملعونًا ، وقد أخرناك إلى يوم القيامة ، فافعل ما بدا لك مع بنى آدم ، فمن أطاعك منهم ، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم ، جزاء مكملا متمما لا نقص فيه .وقال - سبحانه - ( فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ ) مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب فى قوله ( فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) ، تغليبًا لجانب المخاطب - وهو إبليس - على جانب الغائب وهم أتباعه .
لأنه هو السبب فى إغواء هؤلاء الأتباع .وقوله : ( جزاء ) مفعول مطلق ، منصوب بالمصدر قبله .وقوله ( موفورا ) اسم مفعول ، من قولهم وفر الشئ فهو وافر وموفور أى : مكمل متمم .
وهو صفة لقوله : ( جزاء ) .وهذا الوعيد الذى توعد الله - تعالى - به إبليس وأتباعه ، جاء ما يشبهه فى آيات كثيرة ، منها قوله - سبحانه - : ( قَالَ فالحق والحق أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ).
فيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه: الأول: اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك.
ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس.
الثاني: أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الإنقياد، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق.
والثالث: أنه تعالى لما وصفهم بقوله: ﴿ فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً ﴾ بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ﴿ لأحتنكن ذريته إلا قليلاً ﴾ فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم، فهذا هو الكلام في كيفية النظم.
المسألة الثانية: اعلم أن هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة، وهي: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة والأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة ولا بأس بتعديد بعض المسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص، فظاهر لفظ الملائكة يفيد العموم إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السموات ﴿ وله يسجدون ﴾ يوجب خروج ملائكة السموات من هذا العموم.
المسألة الثانية: أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية، وعلى التقدير الأول فآدم كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو الله تعالى وآدم كان قبلة للسجود؟
المسألة الثالثة: أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا؟
وإن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله؟
المسألة الرابعة: هل كان إبليس كافراً من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ذلك الوقت؟
المسألة الخامسة: الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك.
المسألة السادسة: شبهة إبليس في الامتناع من السجود أهو قوله: ﴿ أأسجد لمن خلقت طيناً ﴾ أو غيره.
المسألة السابعة: دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفاً بربه، إلا أنه وقع في الكفر بسبب الكبر والحسد، ومنهم من أنكر وقال ما عرف الله ألبتة.
المسألة الثامنة: ما سبب حكمة إمهال إبليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة؟
ولنرجع إلى التفسير فنقول: إنه تعالى حكى في هذه الآية عن إبليس نوعاً واحداً من العمل ونوعين من القول، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المراد من قوله: ﴿ فسجدوا إلا إبليس ﴾ وأما النوعان من القول؟
فأولهما: قوله: ﴿ أأسجد لمن خلقت طيناً ﴾ وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى.
والنوع الثاني من كلامه: قوله: ﴿ أرأيتك هذا الذي كرمت علي ﴾ قال الزجاج: قوله: ﴿ أرأيتك ﴾ معناه أخبرني، وقد استقصينا في تفسير هذه الكلمة في سورة الأنعام.
وقوله: ﴿ هذا الذي كرمت علي ﴾ فيه وجوه: الأول: معناه: أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته علي وأنا خير منه؟
ثم اختصر الكلام لكونه مفهوماً.
الثاني: يمكن أن يقال هذا مبتدأ محذوف منه حرف الاستفهام، والذي مع صلته خبر، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي!
وذلك على وجه الاستصغار والاستحقار، وإنما حذف حرف الاستفهام لأن حصوله في قوله: ﴿ أرأيتك ﴾ أغنى عن تكراره.
والوجه الثالث: أن يكون ﴿ هذا ﴾ مفعول ﴿ أرأيت ﴾ لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها، كأنه قال على وجه التعجب والإنكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت علي، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه علي، هذا هو حقيقة هذه الكلمة، ثم قال تعالى حكاية (عنه) ﴿ لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن كثير ﴿ لئن أخرتني إلى يوم القيامة ﴾ بإثبات الياء في الوصل والوقف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف ونافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف.
البحث الثاني: في الاحتناك قولان، أحدهما: أنه عبارة عن الأخذ بالكلية، يقال: أحتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية.
والثاني: أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به، وقال أبو مسلم: الاحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه.
فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء.
وعلى القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها.
البحث الثالث: قوله: ﴿ إلا قليلاً ﴾ هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟
قلنا فيه وجوه: الأول: أنه سمع الملائكة يقولون: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ فعرف هذه الأحوال.
الثاني: أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزماً فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم.
الثالث: أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية، وقوة سبعية غضبية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازماً، واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء وإنما معناه أمض لشأنك الذي اخترته، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه.
ثم قال: ﴿ فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً ﴾ ونظيره قول موسى عليه الصلاة والسلام ﴿ فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ﴾ فإن قيل أليس الأولى أن يقال: فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفوراً.
ليكون هذا الضمير راجعاً إلى قوله: ﴿ فمن تبعك ﴾ ؟.
قلنا فيه وجوه: الأول: التقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم.
والثاني: يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الإلتفات.
والثالث: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل.
فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس، ثم قال: ﴿ جزاء موفوراً ﴾ وهذه اللفظة قد تجيء متعدياً ولازماً، أما المتعدي فيقال: وفرته أفره وفراً (و) وفرة فهو (و) موفر، قال زهير: ومن يجعل المعروف من دون عرضه *** يفره ومن لا يتق الشتم يشتم واللازم كقوله: وفر المال يفر وفوراً فهو وافر، فعلى التقدير الأول: يكون المعنى جزاء موفوراً موفراً.
وعلى الثاني: يكون المعنى جزاء موفوراً وافراً، وانتصب قوله: ﴿ جزاء ﴾ على المصدر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ طِينًا ﴾ حال إما من الموصول والعامل فيه أسجد، على: أأسجد له وهو طين، أي أصله طين.
أو من الراجع إليه من الصلة على: أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً ﴿ أَرَءيْتَكَ ﴾ الكاف للخطاب، و ﴿ هذا ﴾ مفعول به.
والمعنى: أخبرني عن هذا ﴿ الذى كَرَّمْتَ ﴾ ه ﴿ عَلَىَّ ﴾ أي فضلته، لم كرمته عليّ وأنا خير منه؟
فاختصر الكلام بحذف ذلك، ثم ابتدأ فقال ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِى ﴾ واللام موطئة للقسم المحذوف ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ ﴾ لأستأصلنهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا، وهو من الحنك.
ومنه ما ذكر سيبويه من قولهم: أحنك الشاتين أي أكلهما.
فإن قلت: من أين علم أن ذلك يتسهل له وهو من الغيب؟
قلت: إما أن سمعه من الملائكة وقد أخبرهم الله به، أو خرجه من قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، أو نظر إليه فتوسم في مخايله أنه خلق شهواني.
وقيل: قال ذلك لما عملت وسوسته في آدم، والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة ﴿ اذهب ﴾ ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء، إنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته خذلانا وتخلية، وعقبه بذكر ما جرّه سوء اختياره في قوله ﴿ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ ﴾ كما قال موسى عليه السلام للسامري ﴿ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ﴾ [طه: 97] .
فإن قلت: أما كان من حق الضمير في الجزاء أن يكون على لفظ الغيبة ليرجع إلى من تبعك؟
قلت: بلى، ولكن التقدير: فإنّ جهنم جزاؤهم وجزاؤك، ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل: جزاؤكم.
ويجوز أن يكون للتابعين على طريق الالتفات، وانتصب ﴿ جَزَاءً مَّوفُورًا ﴾ بما في ﴿ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ ﴾ من معنى تجازون.
أو بإضمار تجازون.
أو على الحال؛ لأنّ الجزاء موصوف بالموفور، والموفور الموفر.
يقال: فر لصاحبك عرضه فرة.
استفزّه: استخفه.
والفز: الخفيف ﴿ وَأَجْلِبْ ﴾ من الجلبة وهي الصياح.
والخيل: الخيالة.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «يا خيل الله اركبي» والرجل اسم جمع للراجل.
ونظيره: الركب والصحب.
وقرئ: ﴿ ورجلك ﴾ ، على أن فعلا بمعنى فاعل، نحو: تعب وتاعب.
ومعناه: وجمعك الرجل، وتضم جيمه أيضاً فيكون مثل حدث وحدث، وندس وندس، وأخوات لهما.
يقال: رجل رجل.
وقرئ ﴿ ورجالك ورجالك ﴾ فإن قلت: ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ورجله؟
قلت: هو كلام ورد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوّت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم.
وقيل: بصوته، بدعائه إلى الشر.
وخيله ورجله: كلّ راكب وماش من أهل العيث، وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال.
وأما المشاركة في الأموال والأولاد فكل معصية يحملهم عليها في بابهما، كالربا والمكاسب المحرّمة، والبحيرة والسائبة، والإنفاق في الفسوق، والإسراف.
ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، ودعوى ولد بغير سبب، والتسمية بعبد العزى وعبد الحرث، والتهويد والتنصير، والحمل على الحرف الذميمة والأعمال المحظورة، وغير ذلك ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ المواعيد الكاذبة.
من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها، والاتكال على الرحمة، وشفاعة الرسول في الكبائر والخروج من النار بعد أن يصيروا حمماً، وإيثار العاجل على الآجل ﴿ إِنَّ عِبَادِى ﴾ يريد الصالحين ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان ﴾ أي لا تقدر أن تغويهم ﴿ وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً ﴾ لهم يتوكلون به في الاستعاذة منك، ونحوه قوله: ﴿ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين ﴾ فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله إبليس بأن يتسلط على عباده مغوياً مضلاً، داعياً إلى الشر، صادّا عن الخير؟
قلت: هو من الأوامر الواردة على سبيل الخذلان والتخلية، كما قال للعصاة: اعملوا ما شئتم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا ﴾ لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ أيْ خَلَقْتَهُ وهو طِينٌ، أوْ مِنهُ أيْ أأسْجَدُ لَهُ وأصْلُهُ طِينٌ.
وفِيهِ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ إيماءً بِعِلَّةِ الإنْكارِ.
﴿ قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ الكافُ لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وهَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ والَّذِي صِفَتُهُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ صِلَتِهِ عَلَيْهِ، والمَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأمْرِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ.
﴿ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا أيْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ إلّا قَلِيلًا لا أقْدِرُ أنْ أُقاوِمَ شَكِيمَتَهم، مِنِ احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا جَرَّدَ ما عَلَيْها أكْلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَكِ وإنَّما عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ يَتَسَهَّلُ لَهُ إمّا اسْتِنْباطًا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ مَعَ التَّقْرِيرِ، أوْ تَفَرُّسًا مِن خَلْقِهِ ذا وهْمٌ وشَهْوَةٌ وغَضَبٌ.
<div class="verse-tafsir"
{قال أرأيتك هذا الذى} الكاف لا موضع لها لأنها ذكرت للخطاب تأكيداً هذا مفعول به والمعنى أخبرنى عن هذا الذي {كرمت علي} أن فضلته لم كرمته علي وأنا خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طين فحذف ذلك اختصاراً لدلالة ما تقدم عليه ثم ابتدأ فقال {لئن أخرتن} وبلاياء كوفي وشامي واللام موطئة للقسم المحذوف {إلى يَوْمِ القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ} لأستأصلنهم بإغوائهم {إِلاَّ قَلِيلاً} وهم المخلصون قيل من كل ألف واحد وإنما علم الملعون ذلك بالإعلام أو لأنه رأى أنه خلق شهواني
﴿ قالَ ﴾ أيْ إبْلِيسُ، وفي إعادَةِ الفِعْلِ بَيْنَ كَلامَيِ اللَّعِينِ إيذانٌ بِعَدَمِ اتِّصالِ الثّانِي بِالأوَّلِ وعَدَمِ ابْتِنائِهِ عَلَيْهِ بَلْ عَلى غَيْرِهِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخْرى؛ أيْ: قالَ بَعْدَ طَرْدِهِ مِنَ المَحَلِّ الأعْلى ولَعْنِهِ واسْتِنْظارِهِ وإنْظارِهِ: ﴿ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ .
الكافُ حَرْفُ خِطابٍ مُؤَكِّدٍ لِمَعْنى التّاءِ قَبْلَهُ وهو مِنَ التَّأْكِيدِ اللُّغَوِيِّ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ورَأى عِلْمِيَّةٌ فَتَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ و«هَذا» مَفْعُولُها الأوَّلُ والمَوْصُولُ صِفَتُهُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ، وهَذا الإنْشاءُ مَجازٌ عَنْ إنْشاءٍ آخَرَ ومِن هُنا تَسْمَعُهم يَقُولُونَ: المَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وأنا أكْرَمُ مِنهُ، والعَلاقَةُ ما بَيْنَ العِلْمِ والإخْبارِ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ واللّازِمِيَّةِ والمَلْزُومِيَّةِ، وجُمْلَةُ: لِمَ كَرَّمْتَهُ واقِعَةٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ مَوْقِعَ المَفْعُولِ الثّانِي، وذَهَبَ بَعْضُ النُّحاةِ إلى أنَّ رَأى بَصَرِيَّةٌ فَتَتَعَدّى إلى واحِدٍ واخْتارَهُ الرَّضِيُّ، ويَجْعَلُونَ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ المَذْكُورَةَ مُسْتَأْنَفَةً.
وقالَ الفَرّاءُ: الكافُ ضَمِيرٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ أيْ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ وهو كَما تَقُولُ: أتَدَبَّرْتَ آخِرَ أمْرِكَ فَإنِّي صانِعٌ كَذا، و ﴿ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَدْ حُذِفَ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ؛ أيْ: أهَذا إلَخْ، وقالَ بَعْضُهم بِهَذا إلّا أنَّهُ جَعَلَ الكافَ حَرْفَ خِطابٍ مُؤَكَّدٍ أيْ: أخْبِرْنِي أهَذا مَن كَرَّمْتَهُ ﴿ عَلَيَّ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الكافُ حَرْفٌ كَما قِيلَ لَكِنَّ مَعْنى أرَأيْتَكَ أتَأمَّلْتَ؛ كَأنَّ المُتَكَلِّمَ يُنَبِّهُ المُخاطَبَ عَلى اسْتِحْضارِ ما يُخاطِبُهُ بِهِ عَقِيبَهُ، وكَوْنُهُ بِمَعْنى أخْبِرْنِي قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والزَّجّاجِ وتَبِعَهُما الحُوفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُما، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ اسْتِفْهامٌ ولا اسْتِفْهامَ في الآيَةِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُقَرَّرَ في أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي أنْ تَدْخُلَ عَلى جُمْلَةٍ ابْتِدائِيَّةٍ يَكُونُ الخَبَرُ فِيها اسْتِفْهامًا مَذْكُورًا أوْ مُقَدَّرًا فَمُجَرَّدُ عَدَمِ وُجُودِهِ لا يَأْبى ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فاسْمُ الإشارَةِ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ مِنَ التَّكْرِيمِ التَّفْضِيلُ.
وجُمْلَةُ ﴿ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ وابْتِداءُ كَلامٍ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ .
وفِي البَحْرِ: لَوْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلّا أنَّ هَذا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأرَأيْتَكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي والمَفْعُولُ الثّانِي الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ المَذْكُورَةُ لِانْعِقادِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا قَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتُكَ لَذَهَبَ مَذْهَبًا حَسَنًا؛ إذْ لا يَكُونُ في الكَلامِ عَلى هَذا إضْمارٌ وهو كَما تَرى، والمُرادُ مِن أخَّرْتَنِي أبْقَيْتَنِي حَيًّا أوْ أخَّرْتَ مَوْتِي، ومَعْنى ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءً قَوِيًّا مِن قَوْلِهِمْ: حَنَّكَ الدّابَّةَ واحْتَنَكَها إذا جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ.
وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ أوْ لَأسْتَأْصِلَنَّهم وأُهْلِكَنَّهم بِالإغْواءِ مِن قَوْلِهِمْ: احْتَنَكَ الجَرادُ الأرْضَ إذا أهْلَكَ نَباتَها وجَرَّدَ ما عَلَيْها، واحْتَنَكَ فُلانٌ مالَ فُلانٍ إذا أخَذَهُ وأكَلَهُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: نَشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وأجْلَفَتْ.
وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَكِ وهو باطِنُ أعْلى الفَمِ مِن داخِلِ المِنقارِ فَهو اشْتِقاقٌ مِنَ اسْمِ عَيْنٍ، واخْتارَ هَذا الطَّبَرِيُّ والجُبّائِيُّ وجَماعَةٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: يَقُولُ: لَأُضِلَّنَّهم وهو بَيانٌ لِخُلاصَةِ المَعْنى، وهَذا كَقَوْلِ اللَّعِينِ ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ .
﴿ إلا قَلِيلا ﴾ مِنهُمْ، وهو العِبادُ المُخْلَصُونَ الَّذِينَ جاءَ اسْتِثْناؤُهم في آيَةٍ أُخْرى جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم مِنهم.
وعَلِمَ اللَّعِينُ تَسَنِّيَ هَذا المَطْلَبِ لَهُ حَتّى ذَكَرَهُ مُؤَكَّدًا إمّا بِواسِطَةِ التَّلَقِّي مِنَ المَلائِكَةِ سَماعًا وقَدْ أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوْ رَأوْهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ بِواسِطَةِ اسْتِنْباطِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ مَعَ تَقْرِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ أوْ بِالفِراسَةِ لِما رَأى فِيهِ مِن قُوَّةِ الوَهْمِ والشَّهْوَةِ والغَضَبِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءُ القَلِيلِ بِالفِراسَةِ أيْضًا وكَأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّ المانِعَ مِنَ الِاسْتِيلاءِ في القَلِيلِ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ وسَوَّسَ إلى آدَمَ وغَرَّهُ حَتّى كانَ ما كانَ فَقاسَ الفَرْعَ عَلى الأصْلِ وهو مُشْكِلٌ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ كانَ قَبْلَ الوَسْوَسَةِ الَّتِي كانَ بِسَبَبِها ما كانَ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ كانَ هُناكَ وسُوسَتانِ فَعَلَيْهِ البَيانُ، ولا يَأْتِي بِهِ حَتّى يَؤُوبَ القارِظانِ أوْ يَسْجُدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الشَّيْطانُ.
<div class="verse-tafsir"
وقال: قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ.
الآية وفيها مضمر، معناه: فلعنه الله، فقال إبليس: أرأيتك هذا الذي لعنتني لأجله وفضلته عليَّ؟
لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، يعني: لئن أجلتني إلى يوم البعث.
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع لئن أَخَّرْتَنِى بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بغير ياء لأن الكسرة تقوم مقامه.
ثم قال: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ، أي لأستزلنَّ ذريته.
يقول: أطلب زلتهم وقال القتبي: لَأَحْتَنِكَنَّ أي لأستأصلنّ، يقال: احتنك الجراد ما على الأرض، إذا أكله كله.
ويقال: هو من حنك الدابة يحنكها حنكاً، إذا شدّ في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به، أي لأقودنهم حيث شئت.
إِلَّا قَلِيلًا يعني: الأنبياء والمخلصين لله، ويقال: إِلاَّ من عصمته مني.
قوله عز وجل: قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ، أي من أطاعك مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ، يعني: نصيبكم من العذاب في النار.
جَزاءً مَوْفُوراً، أي نصيبا مَوْفُوراً أي وافراً لا يفتر عنهم.
ثم قال: وَاسْتَفْزِزْ، يقول: استزلّ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ يقول: بدعائك ووسوستك، ويقال: بأصوات الغناء والمزامير.
وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، يعني: استعن عليهم بأعوانك من مردة الشياطين الذين يوسوسون للناس، ويقال: خيل المشركين ورجالهم، وكل خيل تسعى في معصية الله تعالى فهي من خيل إبليس.
قرأ عاصم في رواية حفص وَرَجِلِكَ بنصب الراء وكسر الجيم، فدل الواحد على الجنس.
وقرأ الباقون بجزم الجيم وهو جمع الراجل.
وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ، أي ما أكل من الأموال بغير طاعة الله تعالى، وهو ما جمع من الحرام.
ويقال: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وهو ما جعلوا من الحرث والأنعام نصيباً لآلهتهم، ويقال: كل طعام لم يذكر اسم الله عليه فللشيطان فيه شركة.
قال الفقيه : حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدّثنا سفيان بن يحيى قال: حدثنا أبو مطيع، عن الربيع بن زيد، عن أبي محمد وهو رجل من أصحاب أنس قال: «قال إبليس لربه: يا رب جعلت لبني آدم بيوتاً فما بيتي؟
قال الحمام.
قال: وجعلت لهم مجلسا فما مجلسي؟
قال: السوق.
قال: وجعلت لهم قرآناً فما قرآني؟
قال الشعر.
قال: وجعلت لهم حديثاً فما حديثي؟
قال: الكذب.
قال: وجعلت لهم أذاناً فما أذاني؟
قال: المزامير.
قال: وجعلت لهم رسلاً فما رسلي؟
قال: الكهنة.
قال: وجعلت لهم كتاباً فما كتابي؟
قال الوشم.
قال: وجعلت لهم طعاماً فما طعامي؟
قال: ما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: وجعلت لهم شراباً فما شرابي؟
قال: كل مسكر.
قال وجعلت لهم مصايد فما مصايدي؟
قال: النساء» .
ثم قال: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ، أي: كل نفقة في معصية الله تعالى.
وَالْأَوْلادِ، أي أولاد الزنى، فهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير.
ويقال: هو ما سموا أولادهم عبد العزى وعبد الحارث، ويقال كل معصية بسبب الولد، ويقال: إذا جامع الرجل أهله ولم يذكر اسم الله فيه، جامع معه الشيطان.
ويقال: المرأة النائحة والسكرانة يجامعها الشيطان، فيكون له شركة في الولد.
قال الفقيه أبو الليث: هذا الكلام مجاز لا على وجه الحقيقة، إنما يراد به المثل.
ثم قال: وَعِدْهُمْ، أي مَنِّهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث.
وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً، أي باطلاً.
<div class="verse-tafsir"
جاءتهم الآيات المقترحة، فلم يؤمنوا كثمودَ وغيرهم.
قال الزَّجَّاجِ «١» : أخبر تعالى أنَّ موعد كفار هذه الأمة الساعة بقوله سبحانه: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ [القمر: ٤٦] فهذه الآية تنظُرُ إِلى ذلك، ومُبْصِرَةً أي: ذاتُ إِبصار وهي عبارةٌ عن بيان أمْر الناقة، ووضوح إعجازها، وقوله: فَظَلَمُوا بِها، أي: بِعَقْرِها، وبالكُفْر في أمرهَا، ثم أخبر تعالى أنه إِنما يرسل بالآياتِ غيرِ المُقْتَرَحةِ تخويفاً للعباد، وهي آيات معها إِمهال، فمن ذلك الكُسْوفُ والرعْدُ والزلزلةُ وقَوْسُ قُزَحَ، وغَيْرُ ذلك، وآيات اللَّه المعَتَبرُ بها ثلاثَةُ أقْسَامٍ: فقسمٌ عامٌّ في كل شيء، إِذ حيث ما وضَعْتَ نَظَرك، وجدتَّ آيةً، وهنا فِكْرة للعلماء، وقِسْمٌ معتاد غالباً كالكسوف ونحوه، وهنا فِكْرَة الجَهَلَةِ، وقسْمٌ خَارِقٌ للعادة، وقد انقضى بانقضاء النبوَّة، وإِنما يعتبر به، توهُّماً لما سلف منه.
وقوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ هذه الآية إخبار للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه محفوظٌ من الكَفَرة آمِنٌ، أي: فَلْتُبْلِّغْ رسالةَ ربِّك، ولا تتهَّيب أحداً من المخلوقين قاله الطبريُّ «٢» ونحوه للحَسَن «٣» والسُّدِّيِّ.
وقوله سبحانه: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ...
الآية: الجمهورُ أنَّ هذه الرؤيا رؤيا عين ويقظة، وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لما كان صَبِيحَةَ الإِسراء، وأخبر بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفَّار: إِن هذا لعجب، واستبعدوا ذلك فافتتن بهذا قومٌ من ضَعَفَةِ المسلمين فارتدوا وشقَّ ذلك على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فنزلت هذه الآية فعلى هذا يحسن
أنْ يكون معنى قوله: أَحاطَ بِالنَّاسِ في إِضلالهم وهدايتهم، أي: فلا تهتمَّ/، يا محمَّد، بكُفْر من كفر، وقال ابن عباس: الرؤيا في هذه الآية هي رؤيا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه يدخُلُ مكَّة، فعجَّل في سنة الحُدَيْبِيَة، فصدّ فافتنن المسلمون لذلك، يعني بعَضهم، وليس بفتْنَة كُفْر «١» .
وقوله: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ معطوفة على قوله: الرُّؤْيَا، أي جعلنا الرؤيا والشَّجرةَ فتنةً وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في قول الجمهورِ: هي شجرةٌ الزَّقُّوم، وذلك أن أمرها لما نَزَلَ في سورة «والصَّافَّات» قال أبو جَهْل وغيره: هذا محمَّد يتوعَّدكم بنَارٍ تَحْرِقُ الحِجَارة، ثم يزعُمُ أنها تُنْبِتُ الشجَرَ، والنار تأكلُ الشجَر، وما نعرفُ الزَّقُّوم إِلا التمر بالزُّبْد، ثم أحضر تمراً وزُبْداً، وقال لأصحابه، تَزقَّمُوا، فافتتن أيضاً بهذه المقالةِ بعْضُ الضعفاء، قال الطبري عن «٢» ابن عباس: أن الشجرة الملعونة، يريد الملعون أُكُلُهَا لأنها لم يَجْرِ لها ذكر «٣» .
قال ع «٤» ويصحُّ أَن يريد الملعونَةِ هنا، فأكَّد الأمر بقوله: فِي الْقُرْآنِ، وقالت فرقة: الْمَلْعُونَةَ، أي: المُبْعَدَة المكْروهة، وهذا قريب في المعنى من الذي قبله، ولا شك أن ما ينبت في أصْل الجحيمِ هو في نهاية البُعْدِ من رحمة الله سبحانه.
وقوله سبحانه: وَنُخَوِّفُهُمْ يريد كفّار مكّة.
وقوله: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ الكافُ في «أَرَأَيْتَكَ» هي كافُ خطابٍ ومبالغةٍ في التنبيه، لا موضعَ لها من الإِعراب، فهي زائدةٌ، ومعنى «أَرأَيْتَ» : أتأملت ونحوه، كأنَّ المخاطِبَ بها ينبِّه المخاطَبَ ليستَجْمِعَ لما ينصُّه بعْدُ.
وقوله: لَأَحْتَنِكَنَّ معناه لأُمِيلَنَّ ولأَجُرَّنَّ، وهو مأخوذ من تَحْنِيكِ الدابَّة، وهو أن يشدَّ على حَنَكِها بحَبْل أو غيره، فتقاد، والسَّنةُ تَحْتَنِكُ المالَ، أي: تجتره، وقال الطبري «٥» «لأحتنكَنَّ» معناه لأستأصلنَّ، وعن ابن عباس: لأستولين «٦» ، وقال ابن زيد «٧» : لأضلّنّ.
قال ع «١» وهذا بدلُ اللفظ، لا تفسير.
وقوله: اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، وما بعده من الأوامر: هي صيغةُ «افْعَلْ» بمعنى التهديد، كقوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] «الموفور» ، المُكْمَل، وَاسْتَفْزِزْ معناه: استخف واخدع، وقوله: بِصَوْتِكَ: قيل: هو الغِنَاء والمزامير والمَلاَهي، لأنها أصواتٌ كلُّها مختصة بالمعاصي، فهي مضافةٌ إِلى الشيطانِ، قاله مجاهد «٢» ، وقيل: بدعائك إِياهم إِلى طاعتك.
قال ابن عباس: صوته دعاءُ كُلِّ مَنْ دعا إِلى معصيةِ «٣» اللَّه، والصوابُ أنْ يكون الصوتُ يعمُّ جميع ذلك.
وقوله: وَأَجْلِبْ، أي: هوِّل، و «الجَلَبة» الصوتُ الكثير المختلِطُ الهائل.
وقوله: بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ قيل: هذا مجازٌ واستعارة بمعنى اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل: حقيقة وإنَّ له خيلاً ورَجُلاً من الجنِّ، قاله «٤» قتادة، وقيل: المراد فرسان الناس، ورجالتهم المتصرِّفون في الباطل، فإِنهم كلهم أعوان لإِبليس على غيرهم «٥» قاله مجاهد.
وَشارِكْهُمْ/ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ عامٌّ لكل معصية يصنعها الناس بالمال، ولكلِّ ما يصنع في أمر الذرِّية من المعاصي، كالإيلاد بالزنا وكتسميتهم عَبْدَ شَمْس، وأبا الكُوَيْفِر، وعَبْدَ الحارِثِ، وكلَّ اسْمٍ مكروه ومن ذلك: وأد البنات ومن ذلك: صبغهم في أديان الكفر، وغير هذا، وما أدخله النَّقَّاش من وطْء الجنِّ، وأنه يُحْبِلُ المرأة من الإِنسِ، فضعيفٌ كلُّه.
ت: أما ما ذكره من الحبل، فلا شك في ضَعْفه، وفسادِ قولِ ناقله، ولم أر في ذلك حديثاً لا صحيحاً ولا سقيماً، ولو أمكن أنْ يكون الحبل من الجنّ، كما زعم ناقله،
قَوْلُهُ تَعالى: ( آَسْجُدُ ) قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ يَعْنِي بِهِ: لَمْ أكُنْ لِأفْعَلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " طِينًا " مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: التَّمْيِيزُ، المَعْنى: لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.
والثّانِي: عَلى الحالِ، المَعْنى: أنْشَأْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ مِن طِينٍ.
ولَفْظُ ﴿ قالَ أرَأيْتَكَ ﴾ جاءَ هاهُنا بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: قالَ: آَسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا وأرَأيْتُكَ ؟
وهي في مَعْنى: أخْبَرَنِي، والكافُ ذُكِرَتْ في المُخاطَبَةِ تَوْكِيدًا، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ؟
فَحَذَفَ هَذا؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ: ( أخَّرْتَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ.
ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في وصْلٍ ولا في وقْفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والفَرّاءُ.
والثّانِي: لِأُضِلَّنَّهُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: لَأسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقالُ: احْتَنَكَ الجَرادُ ما عَلى الأرْضِ: إذا أكَلَهُ، واحْتَنَكَ فَلانٌ ما عِنْدَ فُلانٍ مِنَ العِلْمِ: إذا اسْتَقْصاهُ، فالمَعْنى: لَأقُودَنَّهم كَيْفَ شِئْتَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ عِلْمُ الغَيْبِ ؟
فَقَدْ أجَبْنا عَنْهُ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١١٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ عَصَمَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اذْهَبْ ﴾ هَذا اللَّفْظُ يَتَضَمَّنُ إنْظارَهُ، ﴿ فَمَن تَبِعَكَ ﴾ ؛ أيْ: تَبِعَ أمْرَكَ مِنهُمْ، يَعْنِي: ذُرِّيَّةَ آَدَمَ.
والمَوْفُورُ: المُوَفِّرُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وفَّرْتُ مالَهُ عَلَيْهِ، ووَفَرْتُهُ، بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اسْتَخِفَّ، ومِنهُ تَقُولُ: اسْتَفَزَّنِي فُلانٌ.
وَفِي المُرادِ بِصَوْتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الغِناءُ والمَزامِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ أيْ: صِحْ ﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ واحْثُثْهُمُ عَلَيْهِمْ بِالإغْراءِ، يُقالُ: أجْلَبَ القَوْمُ وجَلَّبُوا: إذا صاحُوا.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والرَّجُلُ: الرَّجّالَةُ، يُقالُ: راجِلٌ ورَجْلٌ، مِثْلَ: تاجِرٌ وتَجْرٌ، وصاحِبٌ وصَحْبٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ خَيْلٍ تَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ رَجُلٍ يَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ لَهُ خَيْلًا ورَجْلًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٌ: ( بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي رَزِينٍ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ.
قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رَجُلٌ رَجِلٌ لِلرّاجِلِ، ويُقالُ: جاءَنا حافِيًا رَجُلًا.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ والجَحْدَرِيُّ: ( بِخَيْلِكَ ورُجّالِكَ ) بِرَفْعِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَفْتُوحَةً وبِألِفٍ بَعْدَها.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ: ( ورِجالكَ ) بِكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ مَعَ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشارِكْهم في الأمْوالِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ما كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِن أنْعامِهِمْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الأمْوالُ الَّتِي أُصِيبَتْ مِن حَرامٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: الَّتِي أنْفَقُوها في مَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والرّابِعُ: ما كانُوا يَذْبَحُونَ لِآَلِهَتِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَأمّا مُشارَكَتُهُ إيّاهم في الأوْلادِ، فَفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم أوْلادُ الزِّنا، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: المَوْؤُودَةُ مِن أوْلادِهِمْ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَسْمِيَةُ أوْلادِهِمْ عَبِيدًا لِأوْثانِهِمْ، كَعَبْدِ شَمْسٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ مَنافٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: ما مَجَّسُوا وهَوَّدُوا ونَصَّرُوا، وصَبَغُوا مِن أوْلادِهِمْ غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿ يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ.
.
.
﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ [ النِّساءِ: ١٢٠ ] .
وهَذِهِ الآَيَةُ لَفْظُها لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناها التَّهْدِيدُ، ومَثَلُها في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِلْإنْسانِ: اجْهَدْ جُهْدكَ فَسَتَرى ما يَنْزِلُ بِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: إذا تَقَدَّمَ الأمْرَ نَهْيٌ عَمّا يُؤْمَرُ بِهِ، فَمَعْناهُ التَّهْدِيدً والوَعِيدً، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: لا تَدْخُلْنَ هَذِهِ الدّارَ، فَإذا حاوَلَ أنْ يَدْخُلَها قُلْتَ: ادْخُلْها وأنْتَ رَجِلٌ، فَلَسْتَ تَأْمُرُهُ بِدُخُولِها، ولَكِنَّكَ تُوعِدُهُ وتُهَدِّدُهُ، ومِثْلُهُ: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ ، وقَدْ نُهُوْا أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعاصِي.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا أمْرٌ مَعْناهُ التَّهْدِيدُ، تَقْدِيرُهُ: إنْ فَعَلْتَ هَذا عاقَبْناكَ وعَذَّبْناكَ، فَنُقِلَ إلى لَفْظِ الأمْرِ عَنِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الحِجْرِ: ٤٢ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَفى بِهِ وكِيلًا لِأوْلِيائِهِ يَعْصِمُهم مِنَ القَبُولِ مِن إبْلِيسَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا ﴾ ﴿ قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا ﴾ ﴿ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ قُلْنا، وكَذَلِكَ "إذْ" في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعِ ذِكْرُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ وأمْرِ السُجُودِ لَهُ.
واخْتَلَفَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ فَقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ "إبْلِيسَ" لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ.
وقَوْلُهُ: "طِينًا" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا.
وقاسَ إبْلِيسُ في هَذِهِ النازِلَةِ فَأخْطَأ؛ وذَلِكَ أنَّهُ رَأى الفَضِيلَةَ لِنَفْسِهِ مِن حَيْثُ رَأى النارَ أفْضَلَ مِنَ الطِينِ، وجَهِلَ أنَّ الفَضائِلَ في الأشْياءِ إنَّما تَكُونُ حَيْثُ خَصَّصَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ولا يُنْظَرُ إلى أُصُولِها.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي أمَرَهُ اللهُ تَعالى، فَأخَذَ مِن أدِيمِ الأرْضِ طِينَةً، فَخَلَقَ آدَمَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مَلَكُ المَوْتِ.
وكُفْرُ إبْلِيسَ في أنَّهُ جَهَلَ صِفَةَ العَدْلِ مِنَ اللهِ تَعالى حِينَ لَحِقَتْهُ الأنَفَةُ والكِبْرُ، وكانَ أصْلُ ذَلِكَ الحَسَدُ ولِذَلِكَ قِيلَ: "أوَّلُ ما عُصِيَ اللهُ تَعالى بِالحَسَدِ"، وظَهَرَ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ ﴾ و ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ حَسْبَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، فَهَذا هو النَصُّ بِأنَّ فِعْلَكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
والكافُ في قَوْلِهِ: "أرَأيْتَكَ" هي كافُ خِطابٍ ومُبالِغَةٍ في التَنْبِيهِ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ فَهي زائِدَةٌ.
ومَعْنى "أرَأيْتُ" كَأتَأمَّلْتُ، ونَحْوَهُ: كَأنَّ المُخاطِبَ بِها يُنَبِّهُ المُخاطَبَ لِيَسْتَجْمِعَ لِما يَنُصُّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَعْنى أخْبَرَنِي، ومَثَّلَ بِقَوْلِهِ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا أيُؤْمِنُ هُوَ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَهُ الزَجاجُ في آياتِنا، ولَمْ يُمَثِّلْ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ كَمِثالِهِ، وما في هَذِهِ فَهي كَما قُلْتُ، ولَيْسَ الَّتِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أخَّرْتَنِي" بِالياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وهَذا هو الأصْلُ، ولَيْسَ هَذا المَوْضِعُ كالقافِيَةِ الَّتِي يَحْسُنُ فِيها الحَذْفُ، كَمِثْلِ قَوْلِ الأعْشى: فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيادِي البِلا ∗∗∗ دَ مَن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنَّ؟
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرُو بِالياءِ في الوَصْلِ وبِحَذْفِها في الوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أخَّرْتَنِ" بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِياءِ "قاضٍ" ونَحْوَهُ، لِكَوْنِها ياءً مُتَطَرِّفَةً قَبْلَها كَسْرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ ﴾ .
وقَوْلُهُ: "لَأحْتَنِكَنَّ" مَعْناهُ: لِأمِيلَنَّ ولَأجُرَّنَّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن تَحْنِيكِ الدابَّةِ، وهو أنْ يُشَدَّ عَلى حَنَكِها بِحَبْلٍ أو غَيْرِهِ فَتَنْقادُ، والسَنَةُ تَحْتَنِكُ المالَ، أيْ: تَجْتَرُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ جُهْدًا إلى جُهْدٍ بِنا فَأضْعَفَتْ واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وجَنَّفَتْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذا الشِعْرِ قالَ الطَبَرِيُّ في "لَأحْتَنِكَنَّ": لِأسْتَأْصِلُنَّ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في ذَلِكَ بِـ "لِأسْتَوْلِيَنَّ"، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لِأُضِلَّنَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا بَدَلُ اللَفْظِ لا تَفْسِيرُ.
وحَكَمَ إبْلِيسُ بِهَذا الحُكْمِ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن حَيْثُ رَأى الخِلْقَةَ مُجَوَّفَةً مُخْتَلِفَةَ الأجْزاءِ، وما اقْتَرَنَ بِها مِنَ الشَهَواتِ والعَوارِضِ كالغَضَبِ ونَحْوَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنى القَلِيلَ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يُصْلَبُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "اذْهَبْ" وما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ هو صِيغَةُ افْعَلْ، مِنَ التَهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ و"تَبِعَكَ" مَعْناهُ: في طَرِيقِ الكُفْرِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ.
فالآيَةُ في الكُفّارِ وفِيمَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "جَزاءً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و"المَوْفُورُ": المُكْتَمِلُ.
و"اسْتَفْزِزْ" مَعْناهُ: اسْتَخَفَّ واخْدَعْ حَتّى يَقَعَ في إرادَتِكَ، تَقُولُ: اسْتَفَزَّنِي فُلانٌ في كَذا، إذا خَدَعَكَ حَتّى تَقَعَ في أمْرٍ أرادَهُ، ومِنَ الخِفَّةِ قِيلَ لِوَلَدِ البَقَرَةِ: فَزٌّ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: كَما اسْتَغاثَ بِسَيْءٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ خافَ العُيُونَ فَلَمْ يُنْظَرْ بِهِ الحَشَكُ وَ "الصَوْتُ" هُنا قِيلَ: هو الغِناءُ والمَزامِيرُ والمَلاهِي؛ لِأنَّها أصْواتٌ كُلُّها مُخْتَصَّةٌ بِالمَعاصِي، فَهي مُضافَةٌ إلى الشَيْطانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِدُعائِكَ إيّاهم إلى طاعَتِكَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَوْتُهُ دُعاءُ كُلِّ عاصٍ إلى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ أنْ يَكُونَ "الصَوْتُ" يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأجْلِبْ" أيْ: هَوِّلْ، والجَلَبَةُ: الصَوْتُ الكَثِيرُ المُخْتَلِطُ الهائِلُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "واجْلُبْ" بِوَصْلِ الألِفِ وضَمِّ اللامِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ﴾ قِيلَ: هَذا مَجازٌ واسْتِعارَةٌ بِمَعْنى: اسْعَ سَعْيَكَ وابْلُغْ جُهْدَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ لَهُ مِنَ الجِنِّ خَيْلًا ورُجْلًا، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: المُرادُ فُرْسانُ الناسُ ورَجّالَتُهُمُ المُتَصَرِّفُونَ في الباطِلِ، فَإنَّهم كُلُّهم أعْوانٌ لِإبْلِيسَ عَلى غَيْرِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرَجْلِكَ" بِسُكُونِ الجِيمِ، وهو جَمْعُ راجِلٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وصاحِبٍ وصَحْبٍ، وشارِبٍ وشَرْبٍ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَرَجِلِكَ" بِكَسْرِ الجِيمِ، عَلى وزْنِ فَعِلَ، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرُو -بِخِلافٍ عنهُ- وهي صِفَةٌ، تَقُولُ: فُلانٌ يَمْشِي رَجِلًا، أيْ غَيْرَ راكِبٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أما أُقاتِلُ عن دِينِي عَلى فَرَسِي ∗∗∗ ∗∗∗ ولا كَذا رَجُلًا إلّا بِأصْحابِ؟
وَقَرَأ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: "بِخَيْلِكَ ورِجالِكَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ وَشارِكْهم في الأمْوالِ ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَعْصِيَةٍ يَصْنَعُها الناسُ بِالمالِ، فَإنَّ ذَلِكَ المَصْرِفَ في المَعْصِيَةِ هو خَطُّ إبْلِيسَ، فَمِن ذَلِكَ السَجائِرُ وشَبَهُها، ومِن ذَلِكَ مَهْرُ البَغِيِّ وثَمَنُ الخَمْرِ وحُلْوانُ الكاهِنِ والرِبا وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُوجَدُ في الناسِ دَأْبًا، وقَوْلَهُ: "والأولادِ" عامٌّ لِكُلِّ ما يُصْنَعُ في أمْرِ الذُرِّيَّةِ مِنَ المَعاصِي، فَمِن ذَلِكَ الإيلادُ بِالزِنا، ومِن ذَلِكَ تَسْمِيَتُهم عَبَدَ شَمْسٍ، وعَبْدَ الحارِثٍ، وأبا الكُوَيْفِرِ، وكُلَّ اسْمٍ مَكْرُوهٍ، ومِن ذَلِكَ الوَأْدِ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، ومِن ذَلِكَ صَبْغِهِمْ في أدْيانِ الكُفْرِ، وغَيْرِ هَذا، وما أدْخَلَ النَقّاشُ مِن وطْءِ الجِنِّ وأنَّهُ يُحَبِّلُ المَرْأةَ مِنَ الإنْسِ فَضَعِيفٌ كُلُّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعِدْهُمْ" أيْ: مَنِّهِمْ بِما لا يَتِمُّ لَهُمْ، وبِأنَّهم غَيْرُ مَبْعُوثِينَ، فَهَذا مُشارَكَةٌ في النُفُوسِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ إنَّما يَعِدُهم غُرُورًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ لا يُغْنِي عنهم شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ﴾ قَوْلٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِإبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "عِبادِي" يُرِيدُ المُؤْمِنِينَ في الكُفْرِ، والمُتَّقِينَ في المَعاصِي، وخَصَّهم بِأنَّهُمُ العِبادُ، وإنْ كانَ اسْمًا عامًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ، مِن حَيْثُ قَصَدَ تَشْرِيفَهم والتَنْوِيهَ بِهِمْ، كَما يَقُولُ رَجُلٌ لِأحَدِ بَنِيهِ إذا رَأى مِنهُ ما يُحِبُّ: "هَذا ابْنِي"، عَلى مَعْنى التَنْبِيهِ مِنهُ والتَشْرِيفِ لَهُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: "هَذا خالِيَ، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خالَهُ-".» و"السُلْطانُ": المَلِكِيَّةُ والتَغَلُّبُ، وتَفْسِيرُهُ هُنا بِالحُجَّةِ قَلِقٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: وكَفى بِرَبِّكَ يا مُحَمَّدُ حافِظا لِلْمُؤْمِنِينَ وقَيِّمًا عَلى هِدايَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ﴾ [الإسراء: 60] أي واذكر إذ قلنا للملائكة.
والمقصود من هذا هو تذكير النبي بما لقي الأنبياء قبله من معاندة الأعداء والحسدة من عهد آدم حين حسده إبليس على فضله.
وأنهم لا يَعدمون مع ذلك معترفين بفضلهم وهم خيرة زمانهم كما كانت الملائكة نحو آدم عليه السلام، وأن كلا الفريقين في كل عصر يمُتّ إلى أحد الفريقين الذي في عهد آدم، فلفريق الملائكة المؤمنون ولفريق الشيطان الكافرون، كما أومَأ إليه قوله تعالى: ﴿ قال اذهب فمن تبعك منهم ﴾ [الإسراء: 63] الآية، ففي ذلك تسلية للنبيء عليه الصلاة والسلام.
فأمْرُ الله نبيئه بأن يذكر ذلك يتضمن تذكيره إياه به، وذكر النبي ذلك موعظةٌ للناس بحال الفريقين لينظر العاقل أين يضع نفسه.
وتفسير قصة آدم وبيان كلماتها مضى في سورة البقرة وما بعدها.
والاستفهام في أأسجد} إنكار، أي لا يكون.
وجملة ﴿ قال أأسجد ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن استثناء إبليس من حكم السجود لم يفد أكثر من عدم السجود.
وهذا يثير في نفس السامع أن يسأل عن سبب التخلف عن هذا الحكم منه، فيجاب بما صدر منه حين الاتصاف بعدم السجود أنه عصيان لأمر الله ناشئ عن جهله وغروره.
وقوله: ﴿ طيناً ﴾ حال من اسم الموصول، أي الذي خلقته في حال كونه طيناً، فيفيد معنى أنك خلقته من الطين.
وإنما جعل جنس الطين حالاً منه للإشارة إلى غلبة العنصر الترابي عليه لأن ذلك أشد في تحقيره في نظر إبليس.
وجملة ﴿ قال أرأيتك ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ أأسجد لمن خلقت طيناً ﴾ باعتبار ما تشتمل عليْه من احتقار آدم وتغليط الإرادة من تفضيله.
فقد أعيد إنكار التفضيل بقوله: ﴿ أرأيتك ﴾ المفيد الإنكار.
وعلل الإنكار بإضمار المكر لذريته، ولذلك فصلت جملة ﴿ قال أرأيتك ﴾ عن جملة ﴿ قال أأسجد ﴾ كما وقع في قوله تعالى: ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ﴾ [طه: 120].
وأرأيتك } تركيب يفتتح بها الكلام الذي يراد تحقيقه والاهتمام به.
ومعناه: أخبرني عما رأيت، وهو مركب من همزة استفهام، و(رأى) التي بمعنى علم وتاء المخاطب المفرد المرفوع، ثم يزاد على ضمير الخطاب كافُ خطاب تشبه ضمير الخطاب المنصوب بحسب المخاطب واحداً أو متعدداً.
يقال: أرأيتك وأرأيتكم كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ في سورة [الأنعام: 40].
وهذه الكاف عند البصريين تأكيد لمعنى الخطاب الذي تفيده تاء الخطاب التي في محل رفع، وهو يشبه التوكيد اللفظي.
وقال الفراء: الكاف ضمير نصب، والتركيب: أرأيتَ نفسك.
وهذا أقرب للاستعمال، ويسوغه أن أفعال الظن والعلم قد تنصب على المفعولية ما هو ضميرُ فاعلها نحو قول طرفة فما لي أراني وابنَ عمي مالكاً *** مَتى أدْنُ منه ينأ عني ويبَعَد أي أرى نفسي.
واسم الإشارة مستعمل في التحقير، كقوله تعالى: ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ [الأنبياء: 36].
والمعنى أخبرني عن نيتك أهذا الذي كرمته عليّ بلا وجه.
وجملة لئن أخرتن إلى يوم القيامة } الخ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، وهي جملة قَسَمية، واللام موطئة للقسم المحذوف مع الشرط، والخبرُ مستعمل في الدعاء فهو في معنى قوله: ﴿ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ [ص: 79].
وهذا الكلام صدر من إبليس إعراباً عما في ضميره وإنما شرط التأخير إلى يوم القيامة ليعم بإغوائه جميع أجيال ذرية آدم فلا يكون جيل آمنا من إغوائه.
وصدر ذلك من إبليس عن وجدان ألقي في نفسه صادف مراد الله منه فإن الله لما خلقه قدر له أن يكون عنصر إغواء إلى يوم القيامة وأنه يُغوي كثيراً من البشر ويَسلَم منه قليل منهم.
وإنما اقتصر على إغواء ذرية آدم ولم يذكر إغواءَ آدم وهو أولى بالذكر إذ آدم هو أصل عداوة الشيطان الناشئة عن الحسد من تفضيله عليه إما لأن هذا الكلام قاله بعد أن أعوَى آدم وأخرج من الجنة فقد شفَى غليله منه وبقيت العداوة مسترسلة في ذرية آدم، قال تعالى: ﴿ إن الشيطان لكم عدو ﴾ [فاطر: 6].
والاحتناك: وضع الراكب اللجامَ في حَنَك الفرس ليركَبه ويَسيّره، فهو هنا تمثيل لجلب ذرية آدم إلى مراده من الإفساد والإغواء بتسيير الفَرس على حب ما يريد راكبه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ بِالغَلَبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ لَأُضِلَّنَّهم بِالإغْواءِ.
الثّالِثُ: لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ.
الرّابِعُ: لَأسْتَمِيلَنَّهم، قالَهُ الأخْفَشُ.
الخامِسُ: لَأقُودَنَّهم إلى المَعاصِي كَما تُقادُ الدّابَّةُ بِحَنَكِها إذا شُدَّ فِيهِ حَبْلٌ يَجْذِبُها وهو افْتِعالٌ مِنَ الحَنَكِ إشارَةً إلى حَنَكِ الدّابَّةِ.
السّادِسُ: مَعْناهُ لَأقَطَعَنَّهم إلى المَعاصِي، قالَ الشّاعِرُ: أشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا إلى جَهْدٍ بِنا وأضْعَفَتْ واحْتَنَكَتْ أمْوالُنا واجْتَلَفَتْ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية قال: حسد إبليس آدم عليه السلام على ما أعطاه الله من كرامة وقال: أنا ناري، وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال إبليس: إن آدم خلق من تراب ومن طين خلق ضعيفاً، وإني خلقت من نار والنار تحرق كل شيء ﴿ لأحتنكن ذريته إلا قليلاً ﴾ فصدق ظنه عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لأحتنكن ﴾ قال: لأستولين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ قال: لأحتوينهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ قال: لأضلنهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ جزاء موفوراً ﴾ قال: وافراً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً ﴾ يقول: يوفر عذابها للكافر فلا يدخر عنهم منها شيء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ قال: صوته كل داع دعا إلى معصية الله ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ﴾ قال: كل راكب في معصية الله ﴿ وشاركهم في الأموال ﴾ قال: كل مال في معصية الله ﴿ والأولاد ﴾ قال: ما قتلوا من أولادهم، وأتوا فيهم الحرام.
وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ قال: كل خيل تسير في معصية الله، وكل رجل يمشي في معصية الله، وكل مال أخذ بغير حقه وكل ولد زنا.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ قال: استنزل من استطعت منهم بالغناء والمزامير واللهو والباطل ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ قال كل راكب وماش في معاصي الله ﴿ وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ قال: كل مال أخذ بغير طاعة الله تعالى، وأنفق في غير حقه، والأولاد، أولاد الزنا.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ قال: الأموال ما كانوا يحرمون من أنعامهم والأولاد أولاد الزنا.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: مشاركته في الأموال، ان جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة، لغير الله ومشاركته إياهم في الأولاد سمو عبد الحارث وعبد شمس.
وأخرج ابن مردويه، عن أنس رضي الله عنه رفعه قال: قال إبليس يا رب، إنك لعنتني واخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أستطيعه إلا بك.
قال: فأنت المسلط.
قال: أي رب، زدني قال: ﴿ أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر، عن ثابت رضي الله عنه قال: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة، فسلطني، قال: صدورهم مساكن لك.
قال: رب زدني.
قال: لا يولد لآدم ولد، إلا ولد لك عشرة.
قال: رب زدني.
قال: تجري منهم مجرى الدم.
قال: رب زدني.
قال: ﴿ أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ فشكا آدم- عليه السلام- إبليس إلى ربه.
قال: يا رب، إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاً، وسلطته علي، وأنا لا أطيقه إلا بك.
قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.
قال: رب زدني.
قال: الحسنة بعشر أمثالها قال: رب زدني.
قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر.
والله أعلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال: عبادي الذين قضيت لهم بالجنة، ليس لك عليهم أن يذنبوا ذنباً، إلا أغفر لهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ ﴾ يعني إبليس، ﴿ أَرَأَيْتَكَ ﴾ قال الزجاج: هو في معنى أخبرني، والكاف لا موضح لها؛ لأنها ذكرت في المخاطبة توكيدًا (١) ﴿ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ : لِمَ كرمته عليّ؟!
قال: موضح هذا نصب بأَرَأَيْتَ، والجواب محذوف، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت عليّ لم كَرَّمْتَه عَليَّ، وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟!
فَحُذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه (٢) ﴿ كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ : أي فَضَّلت، قال ابن عباس: والكرم اسم جامع لكل ما يحمد (٣) وقوله تعالى: ﴿ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: لأستولين (٤) وقال الحسن: لأغوينَّ (٥) (٦) (٧) وقال ابن زيد: لأضلنهم (٨) (٩) فأما كلام أهل اللغة في هذا الحرف، فروى محمد بن سَلاَّم أنه سأل يونس عن هذه الآية فقال: يقال: كأن في الأرض كلأً فاحتنكه الجراد؛ أي أتى عليه، ويقول أحدُهُم: لم أجد لِجاماً فاحْتَنَكْتُ دَابَّتي، أي ألقيتُ في حَنَكها حبلًا قُدْتُها به (١٠) وتفسير هذا الحرف لا يخرج عن هذين الأصلين الذين ذكرهما يونس، فمن قال: لأستأصلنهم ولأستولين عليهم، فأصله من احتِناكِ الجرادِ الزرعَ، وهو أن يأكلها ويستأصلها باحتناكها فيفسدها، ومن هذا يقال للجماعة المنتجعين: الحنك، يقال: ما تركَ الأحْنَاكُ في أرضنا شيئًا، يعنون: الجماعات المارة، ومنه قول أبي نُخَيْلَة (١١) إنا وكُنَّا حَنَكًا نَجْدِيًّا (١٢) (١٣) هذا هو الأصل، ثم يُسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناكًا، حتى يقال: احتَنَكَ ما عند فلان، أي أخذه كله من علم أو مال أو غير ذلك (١٤) (١٥) واحْتَنَكَتْ أموالَنَا وجلَّفَتْ (١٦) ومن قال: لأغوينّهم ولأقودنّهم إلى المعاصي؛ كما روي عن مجاهد أنه قال: مثل الزِّياق، فأصله من قولهم: حَنَكَ الدابةَ يَحْنُكُها، إذا ربط في حنكِها الأسفل حَبْلًا يقودها به (١٧) (١٨) فإنَّ لدَينا مُلْجِمِينَ وحانِكًا (١٩) والمعنى على هذا الأصل: لأقودنّهم حيث شئت، كمن يُربط في حَنَكه الزياق فيقاد.
قال الأخفش في قوله: ﴿ لَأَحْتَنِكَنَّ ﴾ : لأستأصلَنَّهم ولأستميلَنَّهم (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ يعني المعصومين، قال ابن عباس: يريد بالقليل أولياء الله الذين عصمهم (٢٣) ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ فإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟
فالجواب عن هذا: أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، بنصه.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، بنصه.
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 287، بلا نسبة.
(٤) أخرجه "الطبري" 15/ 117 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 254، و"الطوسي" 6/ 497، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 56، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) لم أقف على هذا القول، وورد عنه تفسيره بـ: لأستأصلن ذريته، في "تفسير هود الهواري" 2/ 429.
(٦) "تفسير مجاهد" 1/ 365 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 117 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "تفسير هود الهواري" 2/ 429، و"الطوسي" 6/ 497، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٧) لم أقف عليه، والزياق: هو ما أحاط بالعمق من القميص.
انظر (زيق) في: "الصحاح" 4/ 1492، و"اللسان" 3/ 190، و"متن اللغة" 3/ 80.
(٨) أخرجه "الطبري" 15/ 117 بنصه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 497 - بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 57، و"القرطبي" 10/ 287، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٩) ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الماوردي" 3/ 254، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 366، و"الفخر الرازي" 21/ 4.
(١٠) ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، بنصه.
(١١) الرَّاجز أبو نُخيلة، اسمه يَعْمر، وكني أبا نُخَيلة لأن أمه ولدته إلى جنب نخلة -كما قال ابن قتيبة- وفي "الأغاني" عن الأصمعي وابن حبيب أنه لا يعرف له اسم غيره، وله كنينان: أبو الجُنيد وأبو العِرماس، كان عاقًا لأبيه فنفاه أبوه عن نفسه، فخرج إلى الشام وأقام هناك إلى أن مات أبوه، ثم عاد وبقي مشكوكًا في نسبه، مطعونًا عليه، مات سنة (145 هـ) انظر: "الشعر والشعراء" ص 399، و"الأغاني" 20/ 403، و"الخزانة" 1/ 165.
(١٢) وعجزه: لمَّا انْتَجَعْنا الورقَ المرْعِيَّا ورد في "الأساس" ص 203، و"اللسان" (حنك) 2/ 1028.
(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 943، بنصه.
(١٤) ورد نحوه في "مجاز القرآن" 1/ 384.
(١٥) زيادة يقتضيها السياق؛ كما في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249.
(١٦) ورد بلا نسبة في "مجاز القرآن" 1/ 384، و"تفسير الطبري" 15/ 116، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، و"تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الماوردي" 3/ 254، و"الطوسي" 6/ 497، و"ابن عطية" 9/ 134، و"القرطبي" 10/ 287، و"الدر المصون" 7/ 380، في بعض الروايات: جَنَّفَتْ واجتلفت بدل جلَّفَتْ؛ (الجَلْفُ): القَشْرُ، والجالفةُ: السَّنة التي تذهبُ بأموال الناس؛ من جلفت الشيءَ: إذا قلَعْتَه واستأصلْتَه.
"العباب الزاخر" ف/ 67.
(١٧) ذكره ابن السكيت في "الإصلاح" ص 71 بنصه، وورد بنحوه في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 258، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 171، انظر (حنك) في: "تهذيب اللغة" 1/ 944، و"المحيط في اللغة" 2/ 383.
(١٨) البيت لزَبَّان بن سَيَّار الفزَاري، كما في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، وتصحفت في اللسان إلى: زياد، والصحيح أنه زبان، كما في "الاشتقاق" ص 283.
(١٩) صدره: فإن كنتَ تُشْكَى بالجِماع ابنَ جعفر ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944 ، و"اللسان" (حنك) 2/ 1028.
(٢٠) ليس في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، بنصه.
(٢١) "مجاز القرآن" 1/ 384، بنصه (٢٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 127، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 260.
(٢٣) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 57، بنصه.
(٢٤) في (أ)، (د): (ولا يسفك) بزيادة (لا) والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح المتسق مع السياق.
(٢٥) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 497، بنصه.
(٢٦) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 498 بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 287، و"أبي حيان" 6/ 58 وقال: وهذا ليس بظاهر؛ لأن قول ذلك كان قبل وسوسته لآدم في أكل الشجرة.
وما قاله أبو حيات متوجه، إلا أن يكون الحسن أراد بقوله ما ورد عن أنس - - أن رسول الله - - قال: "لما صوَّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك" أخرجه مسلم (2611) كتاب: البر والصلة، باب.
خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ الكاف من أرأيتك للخطاب، لا موضع لها من الإعراب، وهذا مفعول بأرأيت، والمعنى؛ أخبرني عن هذا الذي كرمته علي أي فضلته وأنا خير منه، فاختصر الكلام بحذف ذلك، وقال ابن عطية: أرأيتك هذا بمعنى: أتأملت ونحوه لا بمعنى أخبرني ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ معناه لأستولين عليهم ولأقودنهم، وهو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشدّ على حنكها بحبل فتنقاد ﴿ قَالَ اذهب ﴾ قال ابن عطية، وما بعده من الأوامر: صيغة أمر على وجه التهديد، وقال الزمخشري: ليس المراد الذهاب الذي هو ضدّ المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً له وتخلية، ويحتمل عندي: أن يكون معناه للطرد والإبعاد ﴿ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ ﴾ كان الأصل أن يقال جزاؤهم بضمير الغيبة، ليرجع إلى من اتبعك، ولكنه ذكره بلفظ المخاطب تغليباً للمخاطب على الغائب، وليدخل إبليس معهم ﴿ جَزَاءً مَّوْفُوراً ﴾ مصدر في موضع الحال والموفور المكمل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ اخرتني ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
الباقون بالحذف ﴿ ورجلك ﴾ بكسر الجيم: حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها.
﴿ أن نخسف ﴾ ، ﴿ أونرسل ﴾ ، ﴿ أن نعيدكم ﴾ ، ﴿ فنرسل ﴾ ، ﴿ فتضركم ﴾ كلها بالنون: ابن كثير وأبو عمرو.
والباقون على الغيبة إلا يعقوب ويزيد فإنهما قرأ ﴿ فتغرقكم ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من الرياح على الجميع يزيد: ﴿ هذه أعمى ﴾ بالإمالة ﴿ أعمى ﴾ بالتفخيم: أبو عمرو ونصير والبرجمي ورويس.
وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعاً بالإمالة.
الباقون جميعاً بالتفخيم.
الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ طيناً ﴾ ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف ﴿ عليّ ﴾ ز لحق القسم المحذوف مع اتحاد الكلام ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ موفوراً ﴾ ه ﴿ وعدهم ﴾ ط للعدول ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ الا إياه ﴾ ج ﴿ أعرضتم ﴾ ط ﴿ كفوراً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ تبيعاً ﴾ ه ﴿ تفضيلاً ﴾ ه ﴿ بإمامهم ﴾ ج ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ .
التفسير: قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول كان من قومه في بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم .
وأيضاً إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: الكبر والحسد.
فبين الله أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه.
وأيضاً لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ وهذه القصة ذكرها الله في سبع سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص.
ونحن قد استقصينا القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ، قال جار الله ﴿ طيناً ﴾ حال إما من الموصول والعامل فيه ﴿ أسجد ﴾ معناه أأسجد له وهو طين في الأصل؟
وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره أأسجد لمن كان في وقت خلقه طيناً؟
ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك ﴿ قال أرأيتك ﴾ أي أخبرني عن ﴿ هذا الذي كرمته ﴾ أي فضلته ﴿ عليّ ﴾ لم كرمته وأنا خير منه؟
فاختصر الكلام لكونه معلوماً.
ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته عليّ؟
والإشارة هنا تفيد الاستحقار.
وقيل: إن هذا مفعول: ﴿ أرأيت ﴾ لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا يكرّم عليّ.
ثم ابتدأ فقال ﴿ لئن أخرتني ﴾ واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه ﴿ لأحتنكن ذرّيته ﴾ لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً من الحنك.
ومنه ما ذكر سيبويه "أحنك الشاتين" أي آكلهما.
وقال أبو مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه.
وإنما ظن إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم ﴿ تجعل فيها من يفسد فيها ﴾ أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه السبعية والوهمية والبهيمية.
أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه.
وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة ﴿ قال ﴾ أي الله ﴿ اذهب ﴾ ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك الذي اخترته خذلاناً وتخيلة وإمهالاً.
ثم رتب على على الإمهال قوله: ﴿ فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي وغيره تبع له.
وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات.
وانتصب ﴿ جزاء موفوراً ﴾ على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو المدلول عليه بقوله: ﴿ فإن جهنم جزاؤكم ﴾ أو على الحال الموطئة.
والموفور الموفر من قولهم "فر لصاحبك عرضه فرة".
وقيل: هو بمعنى الوافر.
ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ﴾ أفزه الخوف واستفزه أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله.
وقيل: الغناء واللهو واللعب ﴿ وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ﴾ قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة والصياح أي صح عليهم.
وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل من تقدر عليه من مكايدك.
فالإجلاب الجمع والباء في ﴿ بخيلك ﴾ زائدة.
وقال ابن السكيت: الإجلاب الإعانة، والخيل يقع على الفرسان قال : " يا خيل الله اركبي." وعلى الأفراس جميعاً.
والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب.
وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل.
تضم جيمه أيضاً مثل ندس وندس وحذر وحذر.
عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده.
وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلاً فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك.
قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتاً يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم.
أما المشاركة في الأموال فهي كل تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذاً من غير عوض أو وضعاً في غير حق كالربا والغضب والسرقة.
وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة وسائبة.
والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق.
﴿ وعدهم ﴾ بتزيين المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه لا جنة ولا نار.
وقيل: تسويف التوبة.
وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب.
وقيل: بشفاعة الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل على الآجل.
ثم نفى أن يكون لوعد الشيطان عاقبة حميدة فقال: ﴿ وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ﴾ لأنه إنما يدعو إلى اللذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام وكلها لا أصل لها ولا دوام.
ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب "ذم الغرور من كتاب إحياء علم الدين" للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله .
ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش سائر المكلفين بقوله: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ قال الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلاً: ﴿ إلاَّ من تبعك ﴾ وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين.
ثم زاد في تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ فهو يدفع كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه.
ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيراً لهم وتحذيراً فقال: ﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ أي يسير لأجلكم ﴿ الفلك في البحر ﴾ والإزجاء سوق الشيء حالاً بعد حال ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ الربح بالتجارة ﴿ إنه كان بكم رحيماً ﴾ فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد ﴿ وإذا مسكم الضر ﴾ أي خوف الغرق ﴿ في البحر ضل من تدعون ﴾ ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم ﴿ إلا إياه ﴾ وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان الاستثناء منقطعاً ﴿ فلما نجاكم ﴾ من ذلك الضر وأخرجكم ﴿ إلى البر أعرضتم ﴾ عن الإخلاص ﴿ وكان الإنسان كفوراً ﴾ لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله وفي الرخاء يعرض عنه.
ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلاً: ﴿ أفأمنتم ﴾ تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض ﴿ أن يخسف ﴾ أصله دخول الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء ﴿ بكم ﴾ حال، وإنما قال: ﴿ جانب البر ﴾ لأنه ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على تسليط آفات البر عليكم.
إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة وذلك أن ﴿ يرسل عليكم ﴾ حاصباً وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء.
وقال الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن والتامر.
ولا يخفى أن هذين العذابين أشد من غرق البحر.
﴿ ثم لا تجدوا لكم وكيلاً ﴾ يصرف ذلك عنكم ﴿ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ﴾ بأن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر ﴿ فيرسل عليكم قاصفاً ﴾ وريحاً لها قصيف أي صوت شديد أو القاصف الكاسر.
وقوله: ﴿ من الريح ﴾ بيان له ﴿ فيغرقكم بما كفرتم ﴾ بسبب كفركم ﴿ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ مطالباً يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو لنصرفه عنكم فهو كقوله: ﴿ ولا يخاف عقباها ﴾ .
ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوهاً منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها - هو أو غيره - الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن الانطماس ﴿ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ﴾ ومنها الصورة الحسنة ﴿ وصوركم فأحسن صوركم ﴾ ، ومنها القامة المعتدلة ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ ومنها أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم.
يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق - وعنده أبو يوسف - فقال له: جاء في تفسير جدك ابن عباس هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه.
ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال.
ومنها تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ﴾ وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ظاهر.
وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟
ولا شك أن الإنسان - لكونه مستجمعاً للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ولقوّتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية وهي الاغتذاء والنموّ والتوليد - يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى المجردات المحضة.
وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة "كن".
يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة.
فقال: وعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له "كن" فكان.
ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ قال ابن عباس: في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن ﴿ ورزقناهم من الطيبات ﴾ من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وأذله.
واعلم أن التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ﴾ فسر بعض الأشاعرة الكثير ههنا بمعنى الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول القائل: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا.
والإنصاف أن كون الكثير مفيداً لمعنى الجميع لا يوجب هذا التشنيع، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر ألبتة، لأن هذا معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله؟
وأيضاً فالحاصل هو قولنا على جميع من خلقنا لا على جميع ممن خلقنا، فإن الدعوى هو أن كثيراً من الشيء أقيم مقام كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي الكل و "من" التبعيضية.
هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ظاهره، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان تفضيل عليه، لأنه ذكر في هذا الكلام في معرض المدح، ولو كان الإنسان مفضلاً على الكل لم يقع من الله الاقتصار على ذكر البعض، وكل من أثبت هذا القسم قال: إنه هو الملائكة: فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضل من كل الملائكة بل بعض الملائكة أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط.
وأما أن كل الملائكة أفضل من كل البشر - على ما زعم جار الله وأمثاله - فإنه تحكم محض.
ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة فقال: ﴿ يوم ندعو ﴾ وهو منصوب بإضمار "اذكر" أو بقوله: ﴿ فضلناهم ﴾ على عادة الله في الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب، وعلى هذا يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على ﴿ تفضيلاً ﴾ والإمام في اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين.
والباء في قوله: ﴿ بإمامهم ﴾ للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك.
عن أبي هريرة مرفوعاً أنه ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى يا أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر.
ويجوز أن يتعلق الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير: تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون وإمامهم في نحو "ركب بجنوده".
وروى الضحاك وابن زيد أنه ينادى في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل.
وقال الحسن: يدعون بكتابهم الذي فيه أعمالهم فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر.
وهو قول الربيع وأبي العالية أيضاً.
قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع "أن" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم.
والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا.
ثم قال: وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته؟
وقال في التفسير الكبير: كل خلق يظهر من الإنسان حسن كالعفة والشجاعة والعلم، أوقبيح كأضدادها فالداعي إلى تلك الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنبع والمنشأ، ويوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق ﴿ فمن أوتى ﴾ هو في معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه ﴿ فأولئك يقرؤن ﴾ وخص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء والخجل والتتعتع ﴿ ومن كان في هذه ﴾ الدنيا ﴿ أعمى ﴾ لا خلاف أن المراد بهذا العمى عمى القلب.
وأما قوله: ﴿ فهو في الآخرة أعمى ﴾ فيحتمل أن يراد به عمىالبصر كقوله: ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً ﴾ وفي هذا زيادة العقوبة.
ويحتمل أن يراد عمى القلب.
قال ابن عباس: المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله: ﴿ ربكم الذي يزجى ﴾ إلى قوله: ﴿ تفضيلاً ﴾ فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى، لأن الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعاً، فعلى هذا يكون الأعمى في الموضعين في الدنيا، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك.
من كان في الدنيا أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس والدواب، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى.
قال المفسرون: لا يبعد أن يكون أعمى على هذا التفسير "أفعل" التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة الأول وتفخيم الثاني، لأن الأول ألفه واقعة في الطرف فكانت عرضة للإمالة ومظنة لها بخلاف الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة.
هذا قول صاحب الكشاف تابعاً لأبي علي الفارسي.
وأقول: في هذا الوجه نظر، لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل "شيئان" "والكافرين" ونحوهما ولهذا قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني، ولعل من لم يمل الثاني راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم.
قال الحسن: في الآخرة أي في الدار الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل.
وقيل: المراد بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج، بها ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة.
التأويل: ﴿ من استطعت منهم بصوتك ﴾ أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق العالمين ﴿ وكفى بربك وكيلاً ﴾ في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم.
﴿ ربكم الذي يزجى لكم ﴾ فلك الشريعة في بحر الحقيقة ﴿ لتبتغوا من فضله ﴾ جذبة العناية ﴿ فلما نجاكم ﴾ إلى بر الوصول والوصال ﴿ أعرضتم ﴾ بحجب العجب ورؤية الأعمال ﴿ حاصباً ﴾ من مطر القهر ﴿ قاصفاً ﴾ من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء ﴿ فيغرقكم ﴾ في بحر الشهوات ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته بيده وتصويره في الرحم بنفسه، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه من روحه وشرفه بخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وأنطقه بجواب ﴿ بلى ﴾ وأولده على الفطرة وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية والهداية والجذبة كما قال: ﴿ وحملناهم في البر والبحر ﴾ أي عبرنا بهم من بر البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية ﴿ ورزقناهم من ﴾ طيبات المواهب ونوال الكشوف ﴿ وفضلناهم على كثير ﴾ أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من مخلوقات الله.
وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة وهو المراد بالأمانة في قوله: ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ ﴿ ندعو كل أناس بإمامهم ﴾ من الدنيا والآخرة وغيرهما فيقال: يا أهل الدنيا ويا أهل الآخرة ويا أهل الله ﴿ فمن أوتى كتابه بيمينه ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل الله لا يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالأبصار وبالبصائر والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ﴾ .
قوله: ﴿ أَأَسْجُدُ ﴾ ، أي: لا أسجد؛ كقوله: ﴿ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ ﴾ ؛ فدلّ هذا أن قوله: ﴿ أَأَسْجُدُ ﴾ معناه، أي: لا أسجد.
ذكر في قصة إبليس ألفاظاً مختلفة: مرة قال: ﴿ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ ﴾ ، وقال في موضع [آخر]: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ ، ونحوه؛ فجائز أن يكون ذكر هذا على اختلاف الأحوال لا في حال واحدة.
هذا على ما ذكر في قصّة آدم من اختلاف الأحوال حيث قال مرة: ﴿ مِن تُرَابٍ ﴾ ، وقال مرة: ﴿ مِّن طِينٍ ﴾ \[المؤمنون: 12\]، ومرة: ﴿ مِن صَلْصَالٍ ﴾ ، ونحوه، وذلك إخبار عن أحوال تغيرت فيها.
وجائز أن يكون ذلك بغير هذا اللسان؛ فذكر هاهنا بألفاظ مختلفة؛ والزيادة والنقصان؛ لأن اختلاف الألفاظ لا يغير المعنى.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ .
قد أقر إبليس - لعنه الله - بالفضيلة لآدم والإكرام له إما من جهة الطاعة له والنبوة التي أعطاها الله [له]، وإن ادعى لنفسه الفضيلة عليه من جهة الخلقة؛ بأنه ناري وهو طيني، حيث قال: ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ : أقر بالفضل له عليه، والإكرام: إما لطاعتهم له، أو لما جعله رسولاً إلى خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ : لا يحتمل أن يخاطب ربه ويقول: لئن أخرتني إلى كذا لأحتنكن؛ لأنه لما طلب التأخير والبقاء إلى يوم القيامة كان طالب نعمة منه ومنة؛ فيقول مقابل ما يطلب من النعمة: لئن أعطيتني ذلك لأعصينك؟!
إنما يذكر مقابل طلب النعمة الطاعة له والشكر؛ على ما قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾ : إنما يقابل بطلب النعمة الطاعة له، وأما مقابلة المعصية - فلا تعرف.
ثم يخرج قوله: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ على وجهين: أحدهما: على التأكيد، يقول: أي إنك، وإن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته.
أو على التمني منه الأمرين جميعاً: التأخير، واحتناك ذرّيته، وسؤاله إياهما.
ثم اختلف في قوله: ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ : قال بعضهم: لأحتوينهم ولأحيطن بهم.
وقال بعضهم: لأضلّنهم؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ﴾ : لأستزلن.
وقيل: لأستولين.
وقال القتبي: ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ﴾ ، أي: لأستأصلنهم.
ويقال: هو من حنك الدابة، حنك دابته: يحنكها، حنكاً، إذا شد في حنكها الأسفل حبلاً يقودها به.
وقال القتبي: أي: لأقودنهم كيف شئت.
ثم قوله: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ كأنه سأل ربه التأخير، على ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ؛ كأن اللعين لما سمع قوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ [علم] أنه لا تناله الرحمة في الإيمان به؛ حيث ذكر اللعنة عليه إلى يوم الدين، واللّعين هو المطرود عن رحمته، فعند ذلك سأل ربّه النظرة [إلى يوم القيامة]؛ ليغوين عباده، وعلم اللعين: أن طاعة خلقه له لا تزيد في ملكه شيئاً، وعصيانهم لا ينقص في ملكه شيئاً.
لذلك قال: ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ ، ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ ، ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ ، وما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ .
مع إحساني إليهم وإنعامي عليهم.
﴿ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ﴾ .
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على التمكين له ذلك والإقدار على ما ذكر، أي: مكن له ذلك، وأقدر عليه؛ لخذلانه إياه لما عصى ربّه وترك أمره؛ لما رأى أمره بالسجود لآدم جوراً منه، حيث قال له: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .
مكن له ذلك، لتتم له اللعنة والخذلان.
والثاني: قال ذلك له على التوعد والتهدد؛ ألا ترى أنه ذكر هذا على أثر وعيد، وهو قوله: ﴿ قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ﴾ ، فيخرج على إثر ذلك مخرج الوعيد له ولمن تبعه وأجابه، كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لهذا وإن كان ظاهره أمراً فهو وعيد؛ فعلى هذا قوله: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ﴾ فإن لك ولمن تبعك كذا.
أو لما ذكرنا من التمكين له ذلك والإقدار على ذلك ليتم له اللعنة والخذلان.
والثاني: قال ذلك الذي لعنه، وإلا لا يجوز أن يكون الله يأمره بما ذكر أن يخرج الأمر بما ذكر مخرج سفه والأمر بالفحشاء، وقد أخبر أنه: لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وإنما يأمر بالعدل؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ﴾ ؛ فلو حمل هذا على الأمر لكان أمراً بالفحشاء والمنكر فدلّ أنه يخرج على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما، أو على الاستبعاد والإياس عن أن يملك أو يقدر عليهم بما ذكر إلا من اختار منهم اتباعه، وهو ما ذكر: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ...
﴾ الآية [الإسراء: 65]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ ﴾ : قال القتبي، أي: استخف، والرجل: الرجالة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ ﴾ ، أي: استخف، أي: دعاه فأجابه وأمره فأطاعه؛ وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ ، أي: أمرهم فأطاعوه، أو دعاهم فأجابوه.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: على حقيقة الصوت، يكون له صوت يدعو الناس به، فيسمع ذلك الصوت النفس الخفية التي تكون في هذه النفس الظاهرة الكثيفة، ولا تسمعه النفس الظاهرة، على ما يخطر أشياء بالقلب من غير أن يعلم به الإنسان أنه من أين جاء؟
ومن أين هيجانه؟
وعلى ما يقذف ويوسوس أشياء في القلوب من غير أن يعلم ذلك ويطلع عليه؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون له صوت يدعو الناس به، وإن كنا لا نسمعه؛ لكنّه يسمع النفس الخفيّة بما يسمع النفس الظاهرة، وبها نبصر - أعني: بالنفس الخفية - ألا ترى أن النائم يرى أشياء ويكون في أقصى الدنيا، ونفسه الظاهرة ملقاة هاهنا؛ فذلك كله بالنفس الخفية.
والثاني: على التمثيل، ليس على تحقيق الصوت، لكن ذكر الصوت؛ لما بالصوت يوصل إلى إعلام بعضهم بعضاً، وبه يدعو بعضهم بعضاً عند البعد؛ فذكر الصوت له مكان الوسوسة التي يوسوس الناس أشياء من بعد، ويدعوهم به إلى معاصي الله - - وكذلك قال الحسن في قوله: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ : من بعد من غير أن كان هنالك تقرب منه.
والثالث: على إضافة عمل كل عاص من نحو الغناء والمزامير وغيره، أو ما يضاف عمل كل طاغ وكل ضال إليه؛ أضيف ذلك إليه كما أضاف إليه موسى حيث قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، ولم يكن ذلك عمل الشيطان حقيقة، ولكن قال ذلك وأضافه إليه؛ لما بأمره ودعائه يعمل ذلك.
وقال عامة أهل التأويل: ﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ ، أي: بدعائك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ وَأَجْلِبْ ﴾ ، أي: اجمعهم، ويقال: وأجلبتهم، أي: أعنتهم - أيضاً - وهو قول أبي عوسجة.
وقوله: ﴿ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ .
يخرج على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: أحدها: أن يكون له خيل ورجالة من جنسه وجوهره بجلبهم بهم، وإن كنا لا نراهم؛ كما قال: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ...
﴾ الآية [الأعراف: 27]؛ فجائز أن يكون له خيل ورجالة وجنود لا نراهم نحن، وهم يروننا.
والثاني: على ما ذكرنا: أنه على التمثيل، لكنه ذكر الخيل والرجل؛ لما بالخيل والمشي يصل بعض إلى بعض عند الحاجة إليه في البعد والقرب؛ فذكر ذلك له على ما ذكرنا في الصوت.
والثالث: أنه أضاف كل خيل راكب في معصية الله، أو كل ماش [مشى] في معصية الله إليه؛ على ما ذكرنا في الصوت: أنه أضاف كل صوت في معصية الله إليه، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً ﴾ : قال القتبي: ﴿ مَّوْفُوراً ﴾ ، أي: موفراً.
وقال غيره: وافراً.
وفي قوله: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن إبليس سأل ربّه التأخير والإبقاء له إلى يوم القيامة، وقد علم أنه إذا أعطاه ذلك له يفي ما وعد، وأبقاه إلى ذلك الوقت، وهم لم يعرفوا ذلك؛ بل قالوا: إنه يجيء عبد فيقتله؛ فيمنعه عن وفاء ما وعد، والإبقاء إلى الوقت الذي وقت له؛ فهو أعرف بربه منهم، وكذلك قال: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ ، وهم يقولون لم يغوه؛ فهو أعرف به منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: مشاركته في الأموال: هي أن يجعلوا [له] البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي؛ على ما كانوا يفعلونه.
وأمّا الأولاد: فإنهم هودوهم ونصروهم، ومجَّسوهم، وهو قول قتادة.
وقال بعضهم: مشاركته في الأموال: هي أن يكتسبوها من خبيث وحرام، وينفقونها في مثله وفيما لا يحل.
وأمّا الأولاد: ما ولدوا من الزنا.
وقال بعضهم: الأموال: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، ويجعلون لها من الحرث والأنعام.
والأولاد: ما ولدوا من الزنا.
وجائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ حتى تشاركهم في الأموال والأولاد.
ثم معنى المشاركة له - فيما ذكر، والله أعلم - هو أن هذه الأموال والأولاد لله - - حقيقة؛ لما هو أنشأها وخلقها؛ فحقيقة الملك له بما ذكرنا، وظاهر الانتفاع لعبيده؛ إذ هذا كله لله بحق المحنة يمتحنهم وحق الانتفاع لهم؛ إذ لا يجوز أن يخلق الله شيئاً لمنفعة نفسه، ولكن يخلق لمنافع أنفسهم؛ ليمتحنهم بها.
وقد شرع الله لهم شرائع، وشرع لهم إبليس شرائع، وهو ما ذكر: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، فإذا صرفوا ذلك إلى ما شرع لهم إبليس دون ما شرع الله - فقد أشركوه فيها، وكل ما أطيع فيها مما [سن] لهم إبليس وشرع لهم - فذلك شركته فيها؛ وذلك أن الأولاد في الشاهد إنما تطلب لأحد الوجوه الثلاثة: إمّا للاستئناس بهم في حال الوحشة.
وإمّا للاستنصار بهم والعون على أعدائهم.
وإمّا للذكر بعد الوفاة.
وكذلك الأموال يطلب منها ما ذكرنا: الانتفاع بها في حال الحياة.
وإمّا للمعونة على الأعداء.
أو الذكر بعد الموت؛ لخيرات يتركونها، فإذا صرفوها إلى ما أمرهم إبليس أشركوه فيها، ومشاركته إياهم في الأموال هي أن يأمرهم ويدعوهم إلى اكتساب ما يحرم، والإنفاق فيما لا يحل وفي الأولاد، وكذلك يأمرهم بالمعصية، ويدعوهم إليه فيطيعونه ويجيبونه في ذلك، فذلك - والله أعلم - مشاركته.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أي: وعدهم أن لا جنة، ولا نار، ولا بعث، لكن يعدهم بخلاف ما وعد الله، وخوفهم على ضدّ ما خوفهم الله: ما كان من الله لهم وعد رجاء يكون منه وعد [خوف]، وما كان من الله [وعد خوف] يكون منه وعد رجاء؛ وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ : أخبر أن ما وعد هو قد أخلف، فذلك تأويل قوله: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ ، أي: كذباً وباطلاً؛ لأنه يخرج كله على خلاف ما وعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ سُلْطَانٌ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: القدرة والقهر.
والثاني: في الحجة والبرهان.
والثالث: الولاية.
فأما القدرة والقهر: فليس له عليهم ذلك؛ لأنه لم يجعل له قدرة القهر عليهم شاءوا أو أبوا، وكذلك ليس له عليهم الحجة فيما يدعوهم إليه ويأمرهم به، كقوله يوم القيامة حين يقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 22].
وأمّا سلطان الولاية فإن له ذلك على من اختار اتباعه وتوليه؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي ﴾ المخلصين الذين أخلصوا إليّ، ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ سُلْطَانٌ ﴾ ، أي: حجة؛ لأنهم إنما يتبعون أمر الله بحججه؛ فلا يتبعون الشيطان بأمانيه التي يمنيهم، وشبهاته التي يشبه عليهم.
أو أن يكون قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ ، أي: سلطان القهر والغلبة؛ إنما له عليهم الدعاء والتزيين لا غير.
أو أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ : من الحجة والملك على ما ذكرنا؛ إنما سلطانه عليهم سلطان الولاية على الذين يتولونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَكِيلاً ﴾ : عاصماً يعصمك عن تمويهاته وتسويلاته، وناصراً ينصرك على مكائده، أو مفزعاً تفزع إليه، أو معتمداً تعتمد عليه في جميع أمورك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قال إبليس لربه: أرأيت هذا المخلوق الذي كرَّمته عليّ بأمرك لي بالسجود له؟
لئن أبقيتني حيًّا إلى آخر الحياة الدنيا لأستميلن أولاده ولأغوينهم عن صراطك المستقيم إلا قليلًا ممن عصمت منهم، وهل عبادك المخلصون.
<div class="verse-tafsir" id="91.18QrV"