الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٧٨ من سورة الإسراء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 215 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٨ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) قيل لغروبها .
قاله ابن مسعود ، ومجاهد ، وابن زيد .
وقال هشيم ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، عن ابن عباس : " دلوكها " : زوالها .
ورواه نافع ، عن ابن عمر .
ورواه مالك في تفسيره ، عن الزهري ، عن ابن عمر .
وقاله أبو برزة الأسلمي وهو رواية أيضا عن ابن مسعود .
ومجاهد .
وبه قال الحسن ، والضحاك ، وأبو جعفر الباقر ، وقتادة .
واختاره ابن جرير ، ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد ، عن الحكم بن بشير ، حدثنا عمرو بن قيس ، عن ابن أبي ليلى ، [ عن رجل ] ، عن جابر بن عبد الله قال : دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي ، ثم خرجوا حين زالت الشمس ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اخرج يا أبا بكر ، فهذا حين دلكت الشمس " .
ثم رواه عن سهل بن بكار ، عن أبي عوانة ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي ، عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نحوه .
فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلاة الخمسة فمن قوله : ( لدلوك الشمس إلى غسق الليل ) وهو : ظلامه ، وقيل : غروب الشمس ، أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وقوله [ تعالى ] : ( وقرآن الفجر ) يعني صلاة الفجر .
وقد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات ، على ما عليه عمل أهل الإسلام اليوم ، مما تلقوه خلفا عن سلف ، وقرنا بعد قرن ، كما هو مقرر في مواضعه ، ولله الحمد .
( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) قال الأعمش ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود - وعن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) قال : " تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " .
وقال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة - وسعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " .
ويقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أسباط ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - وحدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) قال : " تشهده ملائكة الليل ، وملائكة النهار " .
ورواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، ثلاثتهم عن عبيد بن أسباط بن محمد ، عن أبيه ، به وقال الترمذي : حسن صحيح .
وفي لفظ في الصحيحين ، من طريق مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يتعاقبون فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر ، فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بكم - كيف تركتم عبادي ؟
فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " وقال عبد الله بن مسعود : يجتمع الحرسان في صلاة الفجر ، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء .
وكذا قال إبراهيم النخعي ، ومجاهد ، وقتادة ، وغير واحد في تفسير هذه الآية .
وأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا - من حديث الليث بن سعد ، عن زيادة ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن فضالة بن عبيد ، عن أبي الدرداء ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديث النزول وأنه تعالى يقول : " من يستغفرني أغفر له ، من يسألني أعطه ، من يدعني فأستجيب له حتى يطلع الفجر " .
فلذلك يقول : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) فيشهده الله ، وملائكة الليل ، وملائكة النهار - فإنه تفرد به زيادة ، وله بهذا حديث في سنن أبي داود .
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم ( أَقِمِ الصَّلاةَ ) يا محمد ( لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) .
واختلف أهل التأويل في الوقت الذي عناه الله بدلوك الشمس، فقال بعضهم: هو وقت غروبها، والصلاة التي أمر بإقامتها حينئذ: صلاة المغرب .
* ذكر من قال ذلك: حدثني واصل بن عبد الأعلى الأسدي، قال : ثنا ابن فضيل، عن أبي إسحاق، يعني الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، أنه كان مع عبد الله بن مسعود، على سطح حين غربت الشمس، فقرأ ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) .
حتى فرغ من الآية، ثم قال: والذي نفسي بيده إن هذا لَحِينَ دَلَكَتِ الشمس وأفطر الصائم ووقت الصلاة.
حدثنا ابن بشار قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، أن عُبيدة بن عبد الله كتب إليه أن عبد الله بن مسعود كان إذا غربت الشمس صلى المغرب.
ويفطر عندها إن كان صائما، ويقسم عليها يمينا ما يقسمه على شيء من الصلوات بالله الذي لا إله إلا هو، إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، ويقرأ فيها تفسيرها من كتاب الله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) .
حدثنا محمد بن المثنى ، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: هذا دلوك الشمس، وهذا غسق الليل، وأشار إلى المشرق والمغرب.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: دلوك الشمس.
غروبها، يقول: دلكت براح.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق.
عن الأسود، عن عبد الله، أنه قال: حين غربت الشمس دلكت، يعني براح مكانا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: دلوكها: غروبها.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قد ذكر لنا أن ابن مسعود كان يصليها إذا وجبت وعندها يفطر إذا كان صائما، ثم يقسم عليها قسما لا يقسمه على شيء من الصلوات بالله الذي لا إله إلا هو ، إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، ثم يقرأ ويصليها وتصديقها من كتاب الله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) .
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) قال: كان أبي يقول : دلوكها: حين تريد الشمس تغرب إلى أن يغسق الليل، قال: هي المغرب حين يغسق الليل، وتَدلُك الشمس للغروب.
حدثني سعيد بن الربيع، قال: ثنا سفيان بن عيينة، سمع عمرو بن دينار أبا عُبيدة بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله بن مسعود يصلي المغرب حين يغرب حاجب الشمس، ويحلف أنه الوقت الذي قال الله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله حين غربت الشمس: هذا والله الذي لا إله غيره وقت هذه الصلاة.
وقال: دلوكها: غروبها.
وقال آخرون: دلوك الشمس: ميلها للزوال، والصلاة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند دلوكها: الظهر.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: دلوكها: ميلها، يعني الشمس.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، قال، في قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) قال: دلوكها: زوالها.
حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نافع، عن ابن عمر، في قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) قال: دلوكها: ميلها.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن سيار بن سلامة، عن أبي برزة الأسلميّ، قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) قال: إذا زالت.
حدثنا ابن حميد مرة أخرى، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا الحسين بن واقد، قال: ثنا سيار بن سلامة الرياحي، قال : أتيت أبا برزة فسأله والدي عن مواقيت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) .
حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا مبارك ، عن الحسن، قال: قال الله عزّ وجلّ لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) قال: الظهر دلوكها، إذا زالت عن بطن السماء، وكان لها في الأرض فيء.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) قال: دلوكها: زوالها.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، مثل ذلك.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن أبي جعفر في ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) قال: لزوال الشمس.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن ابن عباس، قال دلوك الشمس: زيغها بعد نصف النهار، يعني الظلّ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: دلوك الشمس، قال: حين تزيغ عن بطن السماء.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) أي إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر.
حدثني محمد بن عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) قال: حين تزيغ.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: دلوك الشمس: حين تزيغ.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بقوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) : صلاة الظهر، وذلك أن الدلوك في كلام العرب: الميل، يقال منه: دلك فلان إلى كذا: إذا مال إليه.
ومنه الخبر الذي رُوي عن الحسن أن رجلا قال له: أيُدالك الرجل امرأته؟
يعني بذلك: أيميل بها إلى المماطلة بحقها.
ومنه قول الراجز: هَـــذَا مَقـــامُ قَــدَميْ رَبــاحِ غُــدْوَةَ حــتى دَلَكَــتْ بِــرَاحِ (2) ويروى: براح بفتح الباء، فمن روى ذلك: بِراح، بكسر الباء، فإنه يعني: أنه يضع الناظر كفه على حاجبه من شعاعها، لينظر ما لقي من غيارها ، وهذا تفسير أهل الغريب أبي عُبيدة والأصمعي وأبي عمرو الشيبانيّ وغيرهم.
وقد ذكرت في الخبر الذي رويت عن عبد الله بن مسعود، أنه قال حين غربت الشمس: دلكت براح، يعني : براح مكانا، ولست أدري هذا التفسير، أعني قوله: براح مكانا مِنْ كلام من هو ممن في الإسناد، أو من كلام عبد الله، فإن يكن من كلام عبد الله، فلا شك أنه كان أعلم بذلك من أهل الغريب الذين ذكرت قولهم، وأن الصواب في ذلك قوله، دون قولهم، وإن لم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربية كانوا أعلم بذلك منه، ولما قال أهل الغريب في ذلك شاهد من قول العجاج، وهو قوله: والشَّــمْسُ قـد كـادَتْ تَكُـونُ دَنَفـا أدْفَعُهــا بــالرَّاح كَــيْ تَزَحْلَفـا (3) فأخبر أنه يدفع شعاعها لينظر إلى مغيبها براحه.
ومن روى ذلك بفتح الباء، فإنه جعله اسما للشمس وكسر الحاء لإخراجه إياه على تقدير قَطامِ وحَذامِ ورَقاشِ، فإذا كان معنى الدلوك في كلام العرب هو الميل، فلا شكّ أن الشمس إذا زالت عن كبد السماء، فقد مالت للغروب، وذلك وقت صلاة الظهر، وبذلك ورد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان في إسناد بعضه بعض النظر.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخلد، قال: ثني محمد بن جعفر، قال: ثني يحيى بن سعيد، قال: ثني أبو بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتاني جُبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زَالَتْ فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ".
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، قال: ثنا الحسين بن واقد، قال: ثني سيار بن سلامة الرياحي، قال: قال أبو بَرزة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) .
حدثنا ابن حميد، قال : ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن جابر بن عبد الله، قال: دعوت نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: " اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ قَدْ دَلَكَتِ الشَّمْسُ".
حدثني محمد بن عثمان الرازي، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيح العَنـزيّ، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحو حديث ابن حميد.
فإذا كان صحيحا ما قلنا بالذي به استشهدنا، فبين إذن أن معنى قوله جلّ ثناؤه ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) أن صلاة الظهر والعصر بحدودهما مما أوجب الله عليك فيهما لأنهما الصلاتان اللتان فرضهما الله على نبيّه من وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل، وغسق الليل: هو إقباله ودنوه بظلامه، كما قال الشاعر: آبَ هَذَا اللَّيْلُ إذْ غَسَقَا (4) وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في الصلاة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقامتها عنده، فقال بعضهم: الصلاة التي أمر بإقامتها عنده صلاة المغرب.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) قال: غسق الليل: بدوّ الليل.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت عكرمة سئل عن هذه الآية ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) قال: بدوّ الليل.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: غسق الليل: غروب الشمس.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد عن ثور، عن معمر، عن قتادة ( غَسَقِ اللَّيْلِ ) : صلاة المغرب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) بدو الليل لصلاة المغرب.
وقد ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " لا تَزَالُ طائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا صَلَّوْا الْمَغْرِبَ قَبْلَ أنْ تَبْدُوَ النُّجُومُ ".
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد.
قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) يعني ظلام الليل.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان أبي يقول ( غَسَقِ اللَّيْلِ ) : ظلمة الليل.
وقال آخرون: هي صلاة العصر.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن أبي جعفر ( إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ) قال: صلاة العصر.
وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال : الصلاة التي أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإقامتها عند غسق الليل، هي صلاة المغرب دون غيرها، لأن غسق الليل هو ما وصفنا من إقبال الليل وظلامه، وذلك لا يكون إلا بعد مغيب الشمس.
فأما صلاة العصر، فإنها مما تقام بين ابتداء دلوك الشمس إلى غسق الليل، لا عند غسق الليل ، وأما قوله ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) فإن معناه وأقم قرآن الفجر: أي ما تقرأ به صلاة الفجر من القرآن، والقرآن معطوف على الصلاة في قوله ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) .
وكان بعض نحويي البصرة يقول: نصب قوله ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) على الإغراء، كأنه قال: وعليك قرآن الفجر ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) يقول: أن ما تقرأ به في صلاة الفجر من القرآن كان مشهودا، يشهده فيما ذكر ملائكة الليل وملائكة النهار.
وبالذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل: وجاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* ذكر من قال ذلك: حدثني عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، قال: ثني أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) قال: " تَشْهَدُهُ مِلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ".
حدثنا محمد بن سهل، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ليث بن سعد، وحدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الليث بن سعد، عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الله يَفْتَحُ الذّكْرَ فِي ثَلاثِ ساعات يَبْقِينَ مِنَ اللَّيْلِ: في السَّاعَةِ الأولى مِنْهُنَّ يَنْظُرُ فِي الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحدٌ غيرُه فَيَمْحُوا ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ، ثُمَّ يَنـزلُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ إلى جَنَّةِ عَدْنٍ، وَهيَ دَارُهُ الَّتي لَمْ تَرَها عَيْنٌ، وَلا تَخْطُرُ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وَهيَ مَسْكَنُهُ، وَلا يَسْكُنُ مَعَهُ منْ بَنِي آدَمَ غيرُ ثَلاثَةٍ: النَّبِيِّينَ والصّدَيقِينَ والشُّهَدَاءِ ثُمَّ يَقُولُ: طُوبَى لِمَنْ دَخَلَكِ، ثُمَّ يَنـزلُ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِرُوحِهِ وَمَلائكَتِهِ فتنتفض، فَيَقُولُ: قُومي بعَوْنِي، ثُمَّ يَطَّلعُ إلى عِبادِهِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي أغْفِرْ لَهُ، مَنْ يَسْأَلْنِي أُعْطِهِ، مَنْ يَدْعونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ، فذلك حين يقول ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) قال موسى في حديثه : شهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار.
وقال ابن عسكر في حديثه: فيشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، قال: قال أبو عُبيدة بن عبد الله: كان عبد الله يحدث أن صلاة الفجر عندها يجتمع الحرسان من ملائكة الله، ويقرأ هذه الآية ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) وقرآن الفجر: صلاة الصبح، كنا نحدّث أن عندها يجتمع الحَرَسان من ملائكة الله حَرَس الليل وحَرَس النهار.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) صلاة الفجر.
وأما قوله ( كَانَ مَشْهُودًا ) فإنه يقول: ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون تلك الصلاة.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) قال: تنـزل ملائكة النهار وتصعد ملائكة الليل.
حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن ضرار بن عبد الله بن أبي الهُذيل، عن أبي عبيدة، في قوله ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) قال: يشهده حرس الليل وحرس النهار من الملائكة في صلاة الفجر.
حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) قال: كانوا يقولون تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر فتشهد فيها جميعا، ثم يصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) يعني صلاة الصبح.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) قال: صلاة الصبح.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) صلاة الصبح ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) قال: تجتمع في صلاة الفجر ملائكة الليل وملائكة النهار.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) يعني صلاة الغداة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) قال: صلاة الفجر ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) قال: مشهودا من الملائكة فيما يذكرون.
قال: وكان عليّ بن أبي طالب، وأُبيّ بن كعب يقولان: الصلاة الوسطى التي حضّ الله عليها: صلاة الصبح.
قال: وذلك أن صلاة الظهر وصلاة العصر: صلاتا النهار، والمغرب والعشاء: صلاتا الليل، وهي بينها ، وهي صلاة نوم، ما نعمل صلاة يُغفل عنها مثلها.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي الورد بن ثمامة ، عن أبي محمد الحضرمي، قال: ثنا كعب في هذا المسجد، قال: والذي نفس كعب بيده، إن هذه الآية ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) إنها لصلاة الفجر إنها لمشهودة.
حدثني الحسن بن عليّ بن عباس، قال: ثنا بشر بن شعيب، قال: أخبرني أبي ، عن الزهري، قال: ثني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلُ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ"، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ) قال: صلاة الفجر تجتمع فيها ملائكة الليل وملائكة النهار.
--------------------- الهوامش : (2) الرجز من شواهد الفراء في معاني القرآن (مصورة الجامعة ص 181) وروايته فيه: "ذبب" في موضع "غدوة" وهي كرواية (اللسان: برح).
قال الفراء: "أقم الصلاة لدلوك الشمس": جاء عن ابن عباس قال، هو زيغوغتها وزوالها للظهر.
قال أبو زكريا: ورأيت العرب تذهب بالدلوك إلى غياب الشمس أنشدني بعضهم "هذا مقامي....البيت" يعني الساقي -ذبب-طرد الناس يراح: يقول حتى قال بالراحة على العين، فينظر هل غابت؟
قال: هكذا فسروه لنا.
وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن (1: 387): ودلوك الشمس من عند زوالها إلى أن تغيب.
وقال: "هذا مقام"...
البيت ألا ترى أنها تدفع بالراح يضع كفه على حاجبيه من شعاعها لينظر ما بقي من غيابها.
والدلوك: دنوها من غيبوبتها.
وقال أبو زيد الأنصاري في النوادر (ص 88): ويقال: دلكت براح وبراح (بفتح الباء، وكسر الحاء أو ضمها) وهو اسم للشمس معروف.
قال الراجز: هَـــذَا مَقَـــامُ قَــدَمْى رَبــاحِ غُــدْوَةَ حــتى دَلَكَــتْ بَــرَاحِ قال أبو حاتم: براح: أي براحة.
وفي (اللسان: برح): وبراح وبراح (بالباء مفتوحة وكسر الحاء وضمها): اسم للشمس معرفة مثل قطام، سميت بذلك لانتشارها وبيانها.
(3) البيتان من مشطور الرجز للعجاج (ديوانه طبع ليبسج سنة 1903 ص 82 من أرجوزة عدتها 81 بيتا) وهي في زوائد الديوان، لا في أصله.
وهما من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (1: 388) قال: في دلوك الشمس: ألا ترى أنها تدفع بالراح: يضع كفه على حاجبيه من شعاعها لينظر ما بقي من غيابها، والدلوك دنوها من غيبوبتها.
قال العجاج: "والشمس...
إلخ".
وفي (اللسان: تزحلف) ويقال للشمس إذا مالت للمغيب، إذا زالت عن كبد السماء نصف النهار: قد تزحلفت.
قال العجاج: "والشمس...
إلخ".
(4) هذا صدر بيت، لعبيد الله بن قيس الرقيات.
وعجز * واشــتكيت الهــم والأرقــا * واستشهد به على أن معنى "غسق الليل": ظلامه.
(مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 388) ورواية أبي عبيدة * إن هــذا الليــل قـد غسـقا * وتؤيدها رواية اللسان أيضا.
قال: غسق الليل يغسق (كيضرب) غسقا وغسقانا، وأغسق: عن ثعلب: انصت وأظلم، ومنه قول ابن الرقيات * إن هطــا الليــل قـد غسـقا * .
قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا [ ص: 272 ] فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس لما ذكر مكايد المشركين أمر نبيه - عليه السلام - بالصبر والمحافظة على الصلاة ، وفيها طلب النصر على الأعداء .
ومثله ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين .
وتقدم القول في معنى إقامة الصلاة في أول سورة البقرة .
وهذه الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة .
واختلف العلماء في الدلوك على قولين : أحدهما - أنه زوال الشمس عن كبد السماء ; قاله عمر وابنه وأبو هريرة وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم .
الثاني - أن الدلوك هو الغروب ; قاله علي وابن مسعود وأبي بن كعب ، وروي عن ابن عباس .
قال الماوردي : من جعل الدلوك اسما لغروبها فلأن الإنسان يدلك عينيه براحته لتبينها حالة المغيب ، ومن جعله اسما لزوالها فلأنه يدلك عينيه لشدة شعاعها .
وقال أبو عبيد : دلوكها غروبها .
ودلكت براح يعني الشمس ; أي غابت وأنشد قطرب :هذا مقام قدمي رباح ذبب حتى دلكت براحبراح بفتح الباء على وزن حزام وقطام ورقاش اسم من أسماء الشمس .
ورواه الفراء بكسر الباء وهو جمع راحة وهي الكف ; أي غابت وهو ينظر إليها وقد جعل كفه على حاجبه .
ومنه قول العجاج :والشمس قد كادت تكون دنفا أدفعها بالراح كي تزحلفاقال ابن الأعرابي : الزحلوفة مكان منحدر أملس ، لأنهم يتزحلفون فيه .
قال : والزحلفة كالدحرجة والدفع ; يقال : زحلفته فتزحلف .
ويقال : دلكت الشمس إذا غابت .
قال ذو الرمة :مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم ولا بالآفلات الدوالكقال ابن عطية : الدلوك هو الميل - في اللغة - فأول الدلوك هو الزوال وآخره هو الغروب .
ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكا ، لأنها في حالة ميل .
فذكر الله - تعالى - الصلوات التي تكون في حالة الدلوك وعنده ; فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب ، ويصح أن تكون المغرب داخلة في غسق الليل .
وقد ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب ; لأنه سبحانه علق وجوبها على الدلوك ، وهذا دلوك كله ; قاله الأوزاعي وأبو حنيفة في تفصيل .
وأشار إليه مالك والشافعي في حالة الضرورة .[ ص: 273 ] الثانية : قوله تعالى : إلى غسق الليل روى مالك عن ابن عباس قال : دلوك الشمس ميلها ، وغسق الليل اجتماع الليل وظلمته .
وقال أبو عبيدة : الغسق سواد الليل .
قال ابن قيس الرقيات :إن هذا الليل قد غسقا واشتكيت الهم والأرقاوقد قيل : غسق الليل مغيب الشفق .
وقيل : إقبال ظلمته .
قال زهير :ظلت تجود يدها وهي لاهية حتى إذا جنح الإظلام والغسقيقال : غسق الليل غسوقا .
والغسق اسم بفتح السين .
وأصل الكلمة من السيلان ; يقال : غسقت العين إذا سالت ، تغسق .
وغسق الجرح غسقانا ، أي سال منه ماء أصفر .
وأغسق المؤذن ، أي أخر المغرب إلى غسق الليل .
وحكى الفراء : غسق الليل وأغسق ، وظلم وأظلم ، ودجا وأدجى ، وغبس وأغبس ، وغبش وأغبش .
وكان الربيع بن خثيم يقول لمؤذنه في يوم غيم : أغسق أغسق .
يقول : أخر المغرب حتى يغسق الليل ، وهو إظلامه .الثالثة : اختلف العلماء في آخر وقت المغرب ; فقيل : وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تحجب الشمس ، وذلك بين في إمامة جبريل ; فإنه صلاها باليومين لوقت واحد وذلك غروب الشمس ، وهو الظاهر من مذهب مالك عند أصحابه .
وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه أيضا وبه قال الثوري .
وقال مالك في الموطأ : فإذا غاب الشفق فقد خرجت من وقت المغرب ودخل وقت العشاء .
وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ; لأن وقت الغروب إلى الشفق غسق كله .
ولحديث أبي موسى ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالسائل المغرب في اليوم الثاني فأخر حتى كان عند سقوط الشفق .
خرجه مسلم .
قالوا : وهذا أولى من أخبار إمامة جبريل ; لأنه متأخر بالمدينة وإمامة جبريل بمكة ، [ ص: 274 ] والمتأخر أولى من فعله وأمره ; لأنه ناسخ لما قبله .
وزعم ابن العربي أن هذا القول هو المشهور من مذهب مالك ، وقوله في موطئه الذي أقرأه طول عمره وأملاه في حياته .
والنكتة في هذا أن الأحكام المتعلقة بالأسماء هل تتعلق بأوائلها أو بآخرها أو يرتبط الحكم بجميعها ؟
والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها لئلا يكون ذكرها لغوا فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه بالكل إلى الآخر .قلت : القول بالتوسعة أرجح .
وقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي عن أبي الزبير عن جابر قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة قريبا من غروب الشمس فلم يصل المغرب حتى أتى سرف ، وذلك تسعة أميال .
وأما القول بالنسخ فليس بالبين وإن كان التاريخ معلوما ; فإن الجمع ممكن .
قال علماؤنا : تحمل أحاديث جبريل على الأفضلية في وقت المغرب ، ولذلك اتفقت الأمة فيها على تعجيلها والمبادرة إليها في حين غروب الشمس .
قال ابن خويز منداد : ولا نعلم أحدا من المسلمين تأخر بإقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس .
وأحاديث التوسعة تبين وقت الجواز ، فيرتفع التعارض ويصح الجمع ، وهو أولى من الترجيح باتفاق الأصوليين ; لأن فيه إعمال كل واحد من الدليلين ، والقول بالنسخ أو الترجيح فيه إسقاط أحدهما .
والله أعلم .الرابعة : قوله تعالى : وقرآن الفجر انتصب قرآن من وجهين : أحدهما أن يكون معطوفا على الصلاة ; المعنى : وأقم قرآن الفجر أي صلاة الصبح ; قالهالفراء .
وقال أهل البصرة .
انتصب على الإغراء ; أي فعليك بقرآن الفجر ; قاله الزجاج .
وعبر عنها بالقرآن خاصة دون غيرها من الصلوات ; لأن القرآن هو أعظمها ، إذ قراءتها طويلة مجهور بها حسبما هو مشهور مسطور ; عن الزجاج أيضا .قلت : وقد استقر عمل المدينة على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدرا لا يضر بمن خلفه - يقرأ فيها بطوال المفصل ، ويليها في ذلك الظهر والجمعة - وتخفيف القراءة في المغرب وتوسطها في العصر والعشاء .
وقد قيل في العصر : إنها تخفف كالمغرب .
وأما ما ورد في صحيح مسلم وغيره من الإطالة فيما استقر فيه التقصير ، أو من التقصير فيما استقرت فيه الإطالة ; كقراءته في الفجر المعوذتين - كما رواه النسائي - وكقراءة الأعراف والمرسلات [ ص: 275 ] والطور في المغرب ، فمتروك بالعمل .
ولإنكاره على معاذ التطويل ، حين أم قومه في العشاء فافتتح سورة البقرة .
خرجه الصحيح .
وبأمره الأئمة بالتخفيف فقال : أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والمريض والسقيم والضعيف وذا الحاجة .
وقال : فإذا صلى أحدكم وحده فليطول ما شاء .
كله مسطور في صحيح الحديث .الخامسة : قوله تعالى : وقرآن الفجر دليل على أن لا صلاة إلا بقراءة ; لأنه سمى الصلاة قرآنا .
وقد اختلف العلماء في القراءة في الصلاة فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفذ في كل ركعة .
وهو مشهور قول مالك .
وعنه أيضا أنها واجبة في جل الصلاة .
وهو قول إسحاق .
وعنه أيضا تجب في ركعة واحدة ; قاله المغيرة وسحنون .
وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة .
وهو أشذ الروايات عنه .
وحكي عن مالك أيضا أنها تجب في نصف الصلاة ، وإليه ذهب الأوزاعي .
وعن الأوزاعي أيضا وأيوب أنها تجب على الإمام والفذ والمأموم على كل حال .
وهو أحد قولي الشافعي .
وقد مضى في [ الفاتحة ] مستوفى .قوله تعالى : السادسة : كان مشهودا روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا قال : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار هذا حديث حسن صحيح .
ورواه علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح .
يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا .
ولهذا المعنى أيضا قال مالك والشافعي : التغليس بالصبح أفضل .
وقال أبو [ ص: 276 ] حنيفة : الأفضل الجمع بين التغليس والإسفار ، فإن فاته ذلك فالإسفار أولى من التغليس .
وهذا مخالف لما كان - عليه السلام - يفعله من المداومة على التغليس ، وأيضا فإن فيه تفويت شهود ملائكة الليل .
والله أعلم .السابعة : استدل بعض العلماء بقوله - صلى الله عليه وسلم - : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار على أن صلاة الصبح ليست من صلاة الليل ولا من صلاة النهار .قلت : وعلى هذا فلا تكون صلاة العصر أيضا لا من صلاة الليل ولا من صلاة النهار ; فإن في الصحيح عن النبي الفصيح - عليه السلام - فيما رواه أبو هريرة : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر الحديث .
ومعلوم أن صلاة العصر من النهار فكذلك تكون صلاة الفجر من الليل وليس كذلك ، وإنما هي من النهار كالعصر بدليل الصيام والإيمان ، وهذا واضح .
يأمر تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة تامة، ظاهرًا وباطنًا، في أوقاتها.
{ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } أي: ميلانها إلى الأفق الغربي بعد الزوال، فيدخل في ذلك صلاة الظهر وصلاة العصر.
{ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } أي: ظلمته، فدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء.
{ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } أي: صلاة الفجر، وسميت قرآنا، لمشروعية إطالة القرآن فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث شهدها الله، وملائكة الليل وملائكة والنهار.
ففي هذه الآية، ذكر الأوقات الخمسة، للصلوات المكتوبات، وأن الصلوات الموقعة فيه فرائض لتخصيصها بالأمر.
وفيها: أن الوقت شرط لصحة الصلاة، وأنه سبب لوجوبها، لأن الله أمر بإقامتها لهذه الأوقات.
وأن الظهر والعصر يجمعان، والمغرب والعشاء كذلك، للعذر، لأن الله جمع وقتهما جميعًا.
وفيه: فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة إطالة القراءة فيها، وأن القراءة فيها، ركن لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها، دل على فرضية ذلك.
قوله : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) اختلفوا في الدلوك : روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : الدلوك هو الغروب وهو قول إبراهيم النخعي ومقاتل بن حيان والضحاك والسدي .
وقال ابن عباس : وابن عمر وجابر : هو زوال الشمس وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين .
ومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس تميل إذا زالت وغربت .
والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها " فدلوك الشمس " : يتناول صلاة الظهر والعصر و " إلى غسق الليل " : يتناول المغرب والعشاء و " قرآن الفجر " : هو صلاة الصبح .
قوله عز وجل : ( إلى غسق الليل ) أي : ظهور ظلمته وقال ابن عباس : بدو الليل وقال قتادة : وقت صلاة المغرب وقال مجاهد : غروب الشمس .
( وقرآن الفجر ) يعني : صلاة الفجر سمى صلاة الفجر قرآنا لأنها لا تجوز إلا بقرآن وانتصاب القرآن من وجهين : أحدهما : أنه عطف على الصلاة أي : وأقم قرآن الفجر قاله الفراء وقال أهل البصرة : على الإغراء أي وعليك قرآن الفجر .
( ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) أي : يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " تفضل صلاة الجميع على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " ثم يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : ( إن قرآن الفجر كان مشهودا ) .
«أقم الصلاة لدلوك الشمس» أي من وقت زوالها «إلى غسق الليل» إقبال ظلمته أي الظهر والعصر والمغرب والعشاء «وقرآن الفجر» صلاة الصبح «إن قرآن الفجر كان مشهودا» تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.
أقم الصلاة تامة من وقت زوال الشمس عند الظهيرة إلى وقت ظلمة الليل، ويدخل في هذا صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأقم صلاة الفجر، وأَطِلِ القراءة فيها؛ إن صلاة الفجر تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار.
وقوله - سبحانه - ( أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس ) أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على إقامة الصلاة ، من وقت زوالها وميلها عن وسط السماء لجهة الغرب .
يقال : دلكت الشمس تدلك - بضم اللام - إذا مالت وانتقلت من وسط السماء إلى ما يليه .
ومادة ( دلك ) تدل على التحول والانتقال .ولذلك سمى الدلاك بهذا الاسم .
لأن يده لا تكاد تستقر على مكان معين من الجسم .وتفسير دلوك الشمس هذا بمعنى ميلها وزوالها عن كبد السماء ، مروى عن جمع من الصحابة والتابعين منهم عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وأنس ، وابن عباس ، والحسن ، ومجاهد .وقيل المراد بدلوك الشمس هنا غروبها .
وقد روى ذلك عن على ، وابن مسعود ، وابن زيد .قال بعض العلماء : والقول الأول عليه الجمهور ، وقالوا : الصلاة التى أمر بها ابتداء من هذا الوقت ، هى صلاة الظهر ، وقد أيدوا هذا القول بوجوه منها : ما روى عن جابر أنه قال : " طعم عندى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
ثم خرجوا حين زالت الشمس ، فقال صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس " .ومن الوجوه - أيضًا - النقل عن أهل اللغة ، فقد قالوا : إن الدلوك فى كلام العرب : الزوال ، ولذا قيل للشمس إذا زالت .
دالكة .وقوله : ( إلى غَسَقِ الليل ) أى : إلى شدة ظلمته .قال القرطبى : يقال : غسق الليل غُسوقًا .
وأصل الكلمة من السيلان .
يقال : غَسقت العين إذ سالت تغسق .
وغسَق الجرح غسقانا ، أى : سال منه ماء أصفر .
.
.
وغسق الليل : اجتماع الليل وظلمته .وقال : أبو عبيدة : الغسق : سواد الليل .
.
.
.والمراد من الصلاة التى تقام من بعد دلوك الشمس إلى غسق الليل : صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء .وقوله - تعالى - : ( وقرآن الفجر ) معطوف على مفعول ( أقم ) وهو الصلاة .والمراد بقرآن الفجر : صلاة الفجر .
وسميت قرآنًا ، لأن القراءة ركن من أركانها ، من تسمية الشئ باسم جزئه ، كتسمية الصلاة ركوعًا وسجودًا وقنوتًا .وقوله ( إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً ) تنويه بشأن صلاة الفجر ، وإعلاء من شأنها .أى : داوم - أيها الرسول الكريم - على أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، وداوم على صلاة الفجر - أيضًا - فإن صلاتها مشهودة من الملائكة ومن الصالحين من عباد الله - عز وجل - .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : وقد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترا من أفعاله وأقواله بتفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإِسلام اليوم ، مما تلقوه خلفًا عن سلف ، وقرنا بعد قرن .روى البخارى عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد ، خمس وعشرون درجة ، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر " .يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : ( وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً .
.
.
) .وقال الإِمام الفخر الرازى : " وفى الآية احتمال ، وهو أن يكون المراد من قوله - تعالى - : ( إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً ) الترغيب فى أن تؤدى هذه الصلاة بالجماعة .
ويكون المعنى : إن صلاة الفجر مشهودة بالجماعة الكثيرة " .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما قرر أمر الالهيات والمعاد والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الإيمان وأشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة فلهذا السبب أمر بها.
الثاني: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض ﴾ أمره تعالى بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدتك ولا تلتفت إليهم واشتغل بعبادة الله تعالى وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق أيديهم ودينك غالباً على أديانهم ونظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ ءانَاء اليل فَسَبّحْ وَأَطْرَافَ النهار لَعَلَّكَ ترضى ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ﴾ والوجه الثالث: في تقرير النظم أن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء عزم صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد وما النصرة والدولة إلا بتأييده ونصرته فداوم على الصلوات وارجع إلى مقرك ومسكنك وإذا دخلته ورجعت إليه فقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي في هذا البلد سلطاناً نصيراً في تقرير دينك وإظهار شرعك، والله أعلم.
المسألة الثانية: اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين.
أحدهما: أن دلوكها غروبها وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة، فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال: دلوك الشمس غروبها.
وروى زر بن حبيش أن عبد الله بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين.
والقول الثاني: أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه.
الحجة الأولى: روى الواحدي في البسيط عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس.
الحجة الثانية: روى صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر» الحجة الثالثة: قال أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة، وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة.
هكذا قاله الأزهري وقال القفال: أصل الدلوك الميل، يقال: مالت الشمس للزوال، ويقال: مالت للغروب، إذا عرفت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد من الدلوك هاهنا الزوال عن كبد السماء وذلك لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك، والدلوك عبارة عن الميل والزوال، فوجب أن يقال إنه أول ما حصل الميل والزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من كبد السماء وجب أن يتعلق به وجوب الصلاة وذلك يدل على أن المراد من الدلوك في هذه الآية ميلها عن كبد السماء وهذه حجة قوية في هذا الباب استنبطتها بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة: أن الدلوك عبارة عن الميل والزوال، والله أعلم.
الحجة الرابعة: قال الأزهري الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار، والمعنى ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل وعلى هذا التقدير فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قال: ﴿ أَقِمِ الصلاة ﴾ فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية، وإن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات وهي المغرب والعشاء والفجر وحمل كلام الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى فوجب أن يكون المراد من الدلوك الزوال، واحتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب بقول الشاعر: هذا مقام قدمي رباح *** وقفت حتى دلكت براح وبراح اسم الشمس أي حتى غابت، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرمة: مصابيح ليست باللواتي يقودها *** نجوم ولا أفلاكهن الدوالك واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل والتغير وهذا المعنى حاصل في الغروب فكان الغروب نوعاً من أنواع الدلوك فكان وقوع لفظ الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس ومنهم من احتج أيضاً على صحة هذا القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها وهذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر إليها ومعلوم أنها عند كونها في وسط السماء لا يمكن النظر إليها، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر إليها (و) عندما ينظر الإنسان إليها في ذلك الوقت يدلك عينيه، فثبت أن لفظ الدلوك مختص بالغروب.
والجواب أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السماء أتم فهذا الذي ذكرته بأن يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من وسط السماء أولى، والله أعلم.
المسألة الثالثة: قال الواحدي: اللام في قوله لدلوك الشمس لام الأجل والسبب وذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ غسق الليل سواده وظلمته قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً، والغسق: الاسم، بفتح السين.
وقال النضر بن شميل: غسق الليل دخول أوله، وأتيته حين غسق الليل، أي حين يختلط ويسد المناظر، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال: غسقت العين تغسق.
وهو هملان العين بالماء، والغاسق السائل، ومن هذا يقال لما يسيل من أهل النار: الغساق، فمعنى غسق الليل أي انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم، وأما قول المفسرين، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما غسق الليل؟
قال أوله حين يدخل.
وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق: قال دخول الليل بظلمته، وقال الأزهري: غسق الليل عند غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة واشتدادها، يقال: غسقت العين إذا امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة إذا امتلأت دماً، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت الصلوات الأربع فيه وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أول الظلمة لم يدخل فيه إلا الظهر والمغرب فوجب أن يكون الأول أولى، واعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث شريف فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر ولا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزاً بعذر السفر وعذر المطر وغيره، أما إن فسرنا الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند غيبوبة الشفق الأبيض وكلمة إلى لانتهاء الغاية والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق الأبيض وهذا إنما يصح إذا قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر، والله أعلم.
المسألة الخامسة: قوله: ﴿ وقرآن الفجر ﴾ أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح وانتصابه بالعطف على الصلاة في قوله أقم الصلاة والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وفيه فوائد.
الأولى: أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة.
الفائدة الثانية: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر وفي أول طلوع الصبح قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجراً لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح وظاهر الأمر للوجوب فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب غير حاصل، فوجب أن يبقى الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تنقل مخالفة الدليل فثبت أن هذه الآية تقتضي أن إقامة الفجر في أول الوقت أفضل وهذا يدل على صحة مذهب الشافعي في أن التغليس أفضل من التنوير، والله أعلم.
الفائدة الثالثة: أن الفقهاء بينوا أن السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات فالمقصود من قوله: ﴿ وقرآن الفجر ﴾ الحث على أن تطويل القراءة في هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر يدل على كونه أكمل من غيره.
الفائدة الرابعة: أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً.
قال الجمهور: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة وقبل أن تعرج ملائكة الليل فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ربنا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت لهم.
وأقول هذا أيضاً دليل قوي في أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار فبهذا الطريق تحضر في هذه الصلاة ملائكة الليل وملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك ما بقيت الظلمة فلم يبق في ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا يحصل المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ دليل قوي على أن التغليس أفضل وعندي في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ احتمال آخر وذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم وأكمل كان الاستدلال بها على كمال قدرة الله تعالى أكمل فالإنسان إذا شرع في أداء صلاة الصبح من أول هذا الوقت كانت الظلمة القوية باقية في العالم، فإذا امتدت القراءة في أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم، والضوء مناسب للحياة والوجود.
وعلى هذا التقدير فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ثم إنه مع ذلك يشاهد في أثناء صلاته انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء ومن الموت إلى الحياة ومن السكون إلى الحركة ومن العدم إلى الوجود.
وهذه الحالة حالة عجيبة تشهد العقول والأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب والتحويل والتبديل إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية وحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة وينفتح على العقل والروح أبواب المكاشفات الروحانية الإلهية فتصير الصلاة التي هي عبارة عن أعمال الجوارح مشهوداً عليها بهذه المكاشفات الإلهية المقدسة ولذلك فكل من له ذوق سليم وطبع مستقيم إذا قام من منامه وأدى صلاة الصبح في أول الوقت واعتبر اختلاف أحوال العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور ومن السكون إلى الحركة فإنه يجد في قلبه روحاً وراحة ومزيداً في نور المعرفة وقوة اليقين فهذا هو المراد من قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ وظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند أداء صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بمراده.
وفي الآية احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ الترغيب في أن تؤدي هذه الصلاة بالجماعة ويكون المعنى كونه مشهوداً بالجماعة الكثيرة ومزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة في تصفية القلب وفي تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فإذا حضر جمع من المسلمين في المسجد لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة الله تعالى ونور طاعته في ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى الأخرى فكذا في هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم وأدى هذه الصلاة في هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونوراً وراحة.
الفائدة الخامسة: قوله: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ يحتمل أن يكون السبب في كونه مشهوداً هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيا فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله وفكره وعقله وصارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت وأزيلت تلك النقوش عنها، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله وفكره وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة.
فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت إلى عبادة الله تعالى وقراءة الكلمات الدالة على تنزيهه والإقدام على الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى انتقش في لوح عقله وفكره وخياله هذه النقوش الطاهرة المقدسة، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة، وهي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا وشهواتها فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته ويضعف الميل إلى الدنيا وشهواتها.
إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس.
وذلك يدل على المقصود واعلم أن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما قد قوي مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلاً فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر، إلا أن الطبيب إذا كان مشفقاً حاذقاً فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه فإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وتخفيفه.
إذا عرفت هذا فنقول: مرض حب الدنيا مستولٍ على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس، وقل من يقبله وينقاد له.
لا جرم (أن) الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض وحمل الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من النوم مما ينفع في إزالة هذا المرض من الوجه الذي قررناه فوجب أن يكون مشروعاً، والله أعلم بأسرار كلامه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما أمر بالصلوات الخمس على سبيل الرمز والإشارة أردفه بالحث على صلاة الليل وفيه مباحث: البحث الأول: التهجد عبارة عن صلاة الليل فقوله: ﴿ فتهجد به ﴾ أي بالقرآن كما قال: ﴿ قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ إلى قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا ﴾ .
البحث الثاني: قال الواحدي الهجود في اللغة النوم وهو معروف كثير في الشعر يقال: أهجدته وهجدته أي أنمته ومنه قول لبيد: هجدنا فقد طال السرى *** كأنه قال: نومنا فإن السرى قد طال علينا حتى غلبنا النوم وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة الهاجد النائم والهاجد المصلي بالليل وروى ثعلب عن ابن الأعرابي مثل هذا القول كأنه قال هجد الرجل إذا صلى من الليل وهجد إذا نام بالليل فعند هؤلاء هذا اللفظ من الأضداد وأما الأزهري فإنه توسط في تفسير هذا اللفظ وقال المعروف في كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم رأينا أن في الشرع يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة إنه متهجد فوجب أن يحمل هذا على أنه سمي متهجداً لالقائه الهجود عن نفسه كما قيل للعابد متحنث لإلقائه الحنث عن نفسه وهو الإثم.
ويقال فلان رجل متحرج ومتأثم ومتحوب أي يلقي الحرج والإثم والحوب عن نفسه.
وأقول فيه احتمال آخر وهو أن الإنسان إنما يترك لذة النوم ويتحمل مشقة القيام إلى الصلاة ليطيب رقاده وهجوده عند الموت فلما كان غرضه من ترك هذا الهجود أن يصل إلى الهجود اللذيذ عند الموت كان هذا القيام طلباً لذلك الهجود فسمي تهجداً لهذا السبب.
وفيه وجه ثالث: وهو ما روي أن الحجاج بن عمرو المازني قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ثم صلاة أخرى بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا عرفت هذا فنقول كلما صلى الإنسان طلب هجوداً ورقاداً فلا يبعد أنه سمي تهجداً لهذا السبب.
البحث الثالث: قوله: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمِنَ اليل ﴾ لابد له من متعلق والفاء في قوله: ﴿ فَتَهَجَّدْ ﴾ لابد له من معطوف عليه والتقدير قم من الليل أي في بعض الليل فتهجد به وقوله: ﴿ بِهِ ﴾ أي بالقرآن والمراد منه الصلاة المشتملة على القرآن.
البحث الرابع: معنى النافلة في اللغة ما كان زيادة على الأصل ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال ﴾ ومعناها أيضاً في هذه الآية الزيادة وفي تفسير كونها زيادة قولان مبنيان على أن صلاة الليل هل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فمن الناس من قال إنها كانت واجبة عليه ثم نسخت فصارت نافلة، أي تطوعاً وزيادة على الفرائض، وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها (نافلة) وجهاً حسناً قالا إنه تعالى غفر للنبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكل طاعة يأتي بها سوى المكتوبة فإنه لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب ألبتة بل يكون تأثيرها في زيادة الدرجات وكثرة الثواب وكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة، فإن لهم ذنوباً محتاجة إلى الكفارات فهذه الطاعة محتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات فثبت أن هذه الطاعات إنما تكون زوائد ونوافل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لا في حق غيره فلهذا السبب قال: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ يعني أنها زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك وتقريره ما ذكرناه.
وأما الذين قالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا معنى كونها نافلة له على التخصيص أنها فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك ويمكن نصرة هذا القول بأن قوله فتهجد أمر وصيغة الأمر للوجوب فوجب كون هذا التهجد واجباً فلو حملنا قوله نافلة لك على عدم الوجوب لزم التعارض وهو خلاف الأصل فوجب أن يكون معنى كونها نافلة له ما ذكرناه من كون وجوبها زائداً على وجوب الصلوات الخمس، والله أعلم.
البحث الخامس: قوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْءانَ الفجر ﴾ وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه في المعنى عام في حق الأمة والدليل عليه أنه قال ومن الليل فتهجد به نافلة لك فبين أن الأمر بالتهجد مخصوص بالرسول وهذا يدل على أن الأمر بالصلاة الخمس غير مخصوص بالرسول عليه السلام وإلا لم يكن لتقييد الأمر بالتهجد بهذا القيد فائدة أصلاً، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب قال أهل المعاني لأن لفظة عسى تفيد الأطماع ومن أطمع إنساناً في شيء ثم حرمه كان عاراً والله تعالى أكرم من أن يطمع أحداً في شيء ثم لا يعطيه ذلك.
وقوله: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ فيه بحثان: البحث الأول: في انتصاب قوله محموداً وجهان.
الأول: أن يكون انتصابه على الحال من قوله يبعثك أي يبعثك محموداً.
والثاني: أن يكون نعتاً للمقام وهو ظاهر.
البحث الثاني: في تفسير المقام المحمود أقوال: الأول: أنه الشفاعة قال الواحدي أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي وأقول اللفظ مشعر به وذلك لأن الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامد والحمد إنما يكون على الانعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاماً أنعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلاً في الحال وقوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ تطميع وتطميع الإنسان في الشيء الذي وعده في الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً سيصل منه حصل له بعد ذلك إلى الناس وما ذاك إلا شفاعته عند الله فدل هذا على أن لفظ الآية وهو قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ يدل على هذا المعنى وأيضاً التنكير في قوله مقاماً محموداً يدل على أنه يحصل للنبي عليه السلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلم أن حمد الإنسان على سعيه في التخليص عن العقاب أعظم من حمده في السعي في زيادة من الثواب لا حاجة به إليها لأن احتياج الإنسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعاراً قوياً ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حل اللفظ عليه ومما يؤكد هذا الوجه الدعاء المشهور وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون واتفق الناس على أن المراد منه الشفاعة.
والقول الثاني: قال حذيفة، يجمع الناس في صعيد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجاً منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت» فهذا هو المراد من قوله: ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ وأقول القول الأول أولى لأن سعيه في الشفاعة يفيده إقدام الناس على حمده فيصير محموداً وأما ذكر هذا الدعاء فلا يفيد إلا الثواب أما الحمد فلا فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى يحمده على هذا القول قلنا لأن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في مقابلة الأنعام فقط فإن ورد لفظ الحمد في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز.
القول الثالث: المراد مقام تحمد عاقبته وهذا أيضاً ضعيف للوجه الذي ذكرناه في القول الثاني.
القول الرابع: قال الواحدي روى عن ابن مسعود أنه قال: يقعد الله محمداً على العرش وعن مجاهد أنه قال يجلسه معه على العرش، ثم قال الواحدي وهذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير ويدل عليه وجوه: الأول: أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد.
والثاني: أنه تعالى قال مقاماً محموداً ولم يقل مقعداً والمقام موضع القيام لا موضع القعود.
والثالث: لو كان تعالى جالساً على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان محدوداً متناهياً ومن كان كذلك فهو محدث.
والرابع: يقال إن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة.
والخامس: أنه إذا قيل السلطان بعث فلاناً فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين، والله أعلم ثم قال تعالى: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أنا ذكرنا في تفسير قوله: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض ﴾ قولين: أحدهما: المراد منه سعي كفار مكة في إخراجه منها.
والثاني: المراد منه أن اليهود قالوا له الأولى لك أن تخرج من المدينة إلى الشام ثم إنه تعالى قال له: أقم الصلاة واشتغل بعبادة الله تعالى ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهال فإنه تعالى ناصرك ومعينك ثم عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة فإن فسرنا تلك الآية أن المراد منها أن كفار مكة أرادوا إخراجه من مكة كان معنى هذه الآية أنه تعالى أمره بالهجرة إلى المدينة وقال له: ﴿ رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وهو المدينة ﴿ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ وهو مكة.
وهذا قول الحسن وقتادة وإن فسرنا تلك الآية بأن المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذهاب إلى الشام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثم أمره الله بأن يرجع إليها كان المراد أنه عليه الصلاة والسلام عند العود إلى المدينة قال: ﴿ رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وهو المدينة ﴿ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ يعني أخرجني منها إلى مكة مخرج صدق أي افتحها لي.
والقول الثاني: في تفسير هذه الآية وهو أكمل مما سبق أن المراد ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ في الصلاة ﴿ وَأَخْرِجْنِى ﴾ منها مع الصدق والإخلاص وحضور ذكرك والقيام بلوازم شكرك.
والقول الثالث: وهو أكمل مما سبق أن المراد: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ - في القيام بمهمات أداء دينك وشريعتك- ﴿ وَأَخْرِجْنِى ﴾ منها بعد الفراغ منها إخراجاً لا يبقى علي منها تبعة ربقية.
والقول الرابع: وهو أعلى مما سبق: ﴿ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى ﴾ في بحار دلائل توحيدك وتنزيهك وقدسك ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الأحد الفرد المنزه عن التكثيرات والتغيرات.
والقول الخامس: أدخلني في كل ما تدخلني فيه مع الصدق في عبوديتك والاستغراق بمعرفتك وأخرجني عن كل ما تخرجني عنه مع الصدق في العبودية والمعرفة والمحبة والمقصود منه أن يكون صدق العبودية حاصلاً في كل دخول وخروج وحركة وسكون.
والقول السادس: أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق.
البحث الثاني: مدخل بضم الميم مصدر كالإدخال يقال أدخلته مدخلاً كما قال: ﴿ وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً ﴾ ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق مدحهما كأنه سأل الله تعالى إدخالاً حسناً وإخراجاً حسناً لا يرى فيهما ما يكره ثم قال تعالى: ﴿ واجعل لّى مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا ﴾ أي حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني.
وبالجملة فقد سأل الله تعالى أن يرزقه التقوية على من خالفه بالحجة وبالقهر والقدرة، وقد أجاب الله تعالى دعاءه وأعلمه بأنه يعصمه من الناس فقال: ﴿ والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ﴾ وقال: ﴿ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون ﴾ وقال: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ ﴾ ولما سأل الله النصرة بين الله له أنه أجاب دعاءه فقال: ﴿ وَقُلْ جَاء الحق ﴾ وهو دينه وشرعه ﴿ وَزَهَقَ الباطل ﴾ وهو كل ما سواه من الأديان والشرائع، وزهق بطل واضمحل، وأصله من زهقت نفسه تزهق أي هلكت، وعن ابن مسعود: أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل فجعل الصنم ينكب على وجهه.
وقوله: ﴿ إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا ﴾ يعني أن الباطل وإن اتفقت له دولة وصولة إلا أنها الا تبقى بل تزول على أسرع الوجوه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
دلكت الشمس: غربت.
وقيل: زالت.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس.
فصلى بي الظهر» واشتقاقه من الدلك، لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر.
والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء ﴿ وَقُرْءَانَ الفجر ﴾ صلاة الفجر، سميت قرآناً وهو القراءة، لأنها ركن، كما سميت ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.
وهي حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن ﴿ مَشْهُودًا ﴾ يشهده ملائكة الليل والنهار، ينزل هؤلاء، ويصعد هؤلاء؛ فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة.
أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.
ويجوز أن يكون ﴿ وَقُرْءَانَ الفجر ﴾ حثاً على طول القراءة في صلاة الفجر، لكونها مكثوراً عليها، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب؛ ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة ﴿ وَمِنَ اليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ والتهجد ترك الهجود للصلاة، ونحو التأثم والتحرّج.
ويقال أيضاً في النوم: تهجد ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع نافلة موضع تهجداً؛ لأن التهجد عبادة زائدة فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد.
والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوع لهم ﴿ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ نصب على الظرف، أي: عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً.
أو ضمن يبعثك معنى يقيمك.
ويجوز أن يكون حالا بمعنى أن يبعثك ذا مقام محمود.
ومعنى المقام المحمود: المقام الذي يحمده القائم فيه، وكل من رآه وعرفه وهو مطلق في كل ما يجب الحمد من أنواع الكرامات، وقيل: المراد الشفاعة، وهي نوع واحد مما يتناوله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق: تسأل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «هو المقام الذي أشفع فيه لأمّتي» وعن حذيفة: يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم نفس، فأوّل مدعوّ محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: «لبيك وسعديك والشرّ ليس إليك، والمهديّ من هديت، وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» قال: فهذا قوله ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ لِزَوالِها ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ» .
وَقِيلَ لِغُرُوبِها وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلِانْتِقالِ ومِنهُ الدّالِكُ فَإنَّ الدّالِكَ لا تَسْتَقِرُّ يَدُهُ، وكَذا كُلُّ ما تَرَكَّبَ مِنَ الدّالِ واللّامِ: كَدَلَجَ ودَلَحَ ودَلَعَ ودَلَفَ ودَلَهَ.
وقِيلَ الدُّلُوكُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ النّاظِرَ إلَيْها يُدَلِّكُ عَيْنَيْهِ لِيَدْفَعَ شُعاعَها، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ مِثْلُها في: لِثَلاثٍ خَلَوْنَ ﴿ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ إلى ظُلْمَتِهِ وهو وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ الأخِيرَةِ.
﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ وصَلاةَ الصُّبْحِ، سُمِّيَتْ قُرْآنًا لِأنَّهُ رُكْنُها كَما سُمَّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ فِيها ولا دَلِيلَ فِيهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ لِكَوْنِها مَندُوبَةً فِيها، نَعَمْ لَوْ فُسِّرَ بِالقِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ دَلَّ الأمْرُ بِإقامَتِها عَلى الوُجُوبِ فِيها نَصًّا وفي غَيْرِها قِياسًا.
﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، أوْ شَواهِدُ القُدْرَةِ مِن تَبَدُّلِ الظُّلْمَةِ بِالضِّياءِ والنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ بِالِانْتِباهِ أوْ كَثِيرٌ مِنَ المُصَلِّينَ أوْ مَن حَقُّهُ أنْ يَشْهَدَهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، والآيَةُ جامِعَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ إنْ فُسِّرَ الدُّلُوكُ بِالزَّوالِ ولِصَلَواتِ اللَّيْلِ وحْدَها إنْ فُسِّرَ بِالغُرُوبِ.
وقِيلَ المُرادُ بِالصَّلاةِ صَلاةُ المَغْرِبِ وقَوْلُهُ ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ بَيانٌ لِمَبْدَأِ الوَقْتِ ومُنْتَهاهُ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الوَقْتَ يَمْتَدُّ إلى غُرُوبِ الشَّفَقِ.
<div class="verse-tafsir"
أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)
{أقم الصلاة لدلوك الشمس}
لزوالها وعلى هذه الآية جامعة للصلوات الخمس أو لغروبها وعلى هذا يخرج الظهر والعصر {إلى غَسقِ الليل} هو الظلمة وهو وقت صلاة العشاء {وقرآن الفجر} صلاة الفجر سميت قرآناً وهو القراءة لكونها ركناً كما سميت ركوعاً وسجوداً وهو حجة على الأَصم حيث زعم أن القراءة ليست بركن أو سميت قرآناً لطول قراءتها وهو عطف على الصلاة {إن قرآن الفجر كان مشهوداً} يشهده ملائكة الليل والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار أو يشهده الكثير من المصلين في العادة
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ كَيْدَ الكُفّارِ وسَلّى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما سَلّى أمَرَهُ أنْ يُقْبِلَ عَلى شَأْنِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ تَعالى شَأْنَهُ.
ووَعَدَهُ بِما يَغْبِطُهُ عَلَيْهِ كُلُّ الخَلْقِ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إرْشادَهُ إلى أنْ لا يَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهِمْ أوْ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ القَوْلَ في الإلَهِيّاتِ والمَعادِ والنُّبُوّاتِ أمَرَ بِأشْرَفِ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ وهي الصَّلاةُ فَقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ أيِ المَفْرُوضَةَ ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ أيْ: لِزَوالِها عَنْ دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِهِ وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وأنَسٍ وأبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ، ورَواهُ الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وخَلْقٍ آخَرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في تَفْسِيرِهِ، والبَيْهَقِيُّ في المَعْرِفَةِ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ عَقَبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ : أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِدَلْوِكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظُّهْرَ»» وقِيلَ لِغُرُوبِها وهو المَرْوِيُّ عِنْدَنا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والنَّخَعِيِّ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدَ لِذِي الرُّمَّةِ: مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالأفْلاكِ الدَّوالِكِ وأصْلُ مادَّةِ د ل ك تَدُلُّ عَلى الِانْتِقالِ، فَفي الزَّوالِ انْتِقالٌ مِن دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ إلى ما يَلِيها وفي الغُرُوبِ انْتِقالٌ مِن دائِرَةِ الأُفُقِ إلى ما تَحْتَها وكَذا في الدَّلْكِ المَعْرُوفِ انْتِقالُ اليَدِ مِن مَحَلٍّ إلى آخَرَ بَلْ كُلُّ ما أوَّلُهُ دالٌ ولامٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ آخِرِهِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَدَلَجَ بِالجِيمِ مِنَ الدُّلْجَةِ وهي سَيْرُ اللَّيْلِ، وكَذا دَلَجَ بِالدَّلْوِ إذا مَشى بِها مِن رَأْسِ البِئْرِ لِلْمَصَبِّ، ودَلَحَ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ إذا مَشى مَشْيًا مُتَثاقِلًا ودَلَعَ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ إذا أخْرَجَ لِسانَهُ، ودَلَفَ بِالفاءِ إذا مَشى مِشْيَةَ المُقَيَّدِ، وبِالقافِ إذا أخْرَجَ المائِعَ مِن مَقَرِّهِ، ووَلَهَ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ وفِيهِ انْتِقالٌ مَعْنَوِيٌّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا المَعْنى يَشْمَلُ كِلا المَعْنَيَيْنِ السّابِقَيْنِ وإنْ قِيلَ: إنَّ الِانْتِقالَ في الغُرُوبِ أتَمُّ؛ لِأنَّهُ انْتِقالٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ ومِن ظُهُورٍ إلى خَفاءٍ ولَيْسَ في الزَّوالِ إلّا الأوَّلُ، وقِيلَ: إنَّ الدُّلُوكَ مَصْدَرٌ مَزِيدٌ مَأْخُوذٌ مِنَ المَصْدَرِ المُجَرَّدِ؛ أعْنِي الدَّلْكَ المَعْرُوفَ وهو أظْهَرُ في الزَّوالِ؛ لِأنَّ مَن نَظَرَ إلى الشَّمْسِ حِينَئِذٍ يَدْلُكُ عَيْنَهُ ويَكُونُ عَلى هَذا في دَلْوِكِ الشَّمْسِ تَجُوزُ عَنْ دَلْوِكِ ناظِرِها، وقَدْ يُسْتَأْنَسُ في تَرْجِيحِ القَوْلِ الأوَّلِ مَعَ ما سَبَقَ بِأنَّ أوَّلَ صَلاةٍ صَلّاها النَّبِيُّ نَهارَ لَيْلَةِ الإسْراءِ الظُّهْرُ، وقَدْ صَحَّ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتَدَأ بِها حِينَ عَلِمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيْفِيَّةَ الصَّلاةِ في يَوْمَيْنِ، وقالَ المُبَرِّدُ: دَلُوكُ الشَّمْسِ مِن لَدُنْ زَوالِها إلى غُرُوبِها، فالأمْرُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ لِدَلُوكِها أمْرٌ بِصَلاتَيْنِ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وعَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ أمْرٌ بِصَلاةٍ واحِدَةٍ الظُّهْرِ أوِ العَصْرِ، واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ مُتَعَلِّقَةٌ بِأقِمْ، وهي بِمَعْنى بَعُدَ كَما في قَوْلِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ: فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا ∗∗∗ لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعا ومِنهُ: كَتَبْتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا، وتَكُونُ بِمَعْنى عِنْدَ أيْضًا، وقالَ الواحِدِيُّ: هي لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ دُخُولَ الوَقْتِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلاةِ.
﴿ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ أيْ: إلى شِدَّةِ ظُلْمَتِهِ، كَما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وهو وقْتُ العِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي ما الغَسَقُ؟
فَقالَ: دُخُولُ اللَّيْلِ بِظُلْمَتِهِ، وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهْيَ لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ، قالَ الشّاعِرُ: إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا وهُوَ عِنْدَهُ وقْتُ المَغْرِبِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ؛ يُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ إذا هَمَلَتْ بِالماءِ كَأنَّ الظُّلْمَةَ تُنْصَبُ عَلى العالَمِ، وقِيلَ: المُرادُ مِن غَسَقِ اللَّيْلِ ما يَعُمُّ وقْتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ وهو مُمْتَدٌّ إلى الفَجْرِ كَما أنَّ المُرادَ بِدُلُوكِ الشَّمْسِ ما يَعُمُّ وقْتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ فَفي الآيَةِ بِدُخُولِ الغايَةِ تَحْتَ المُغَيّا وبِضَمِّ ما بَعْدُ إشارَةً إلى أوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ واسْتَدَلُّوا بِها عَلى أنَّ وقْتَ الظُّهْرِ مُوَسَّعٌ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، ووَقْتُ المَغْرِبِ مُوَسَّعٌ إلى انْتِصافِ اللَّيْلِ، وهي أحَدُ أدِلَّةِ الجَمْعِ في الحَضَرِ بِلا عُذْرٍ الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ وأبْدَوْا ذَلِكَ مِمّا رَواهُ العَيّاشِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ عُبَيْدَةَ، وزُرارَةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى افْتَرَضَ أرْبَعَ صَلَواتٍ أوَّلُ وقْتِها مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى انْتِصافِ اللَّيْلِ، مِنها صَلاتانِ أوَّلُ وقْتِهِما مِن عِنْدِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها إلّا أنَّ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ ومِنها صَلاتانِ أوَّلُ وقْتِهِما غُرُوبُ الشَّمْسِ إلى انْتِصافِ اللَّيْلِ إلّا أنَّ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ وهو مُرْتَضى المُرْتَضى في أوْقاتِ الصَّلاةِ.
والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّ دُلُوكَ الشَّمْسِ وقْتُ الظُّهْرِ، وغَسَقُ اللَّيْلِ وقْتُ العِشاءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إقْحامُ الغَسَقِ وعَدَمُ الِاكْتِفاءِ بِإلى اللَّيْلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأقِمْ، وأجازَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الصَّلاةِ، أيْ: مَمْدُودَةٍ إلى اللَّيْلِ والأوَّلُ أوْلى، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ بَلْ إقامَةُ كُلِّ صَلاةٍ في وقْتِها الَّذِي عُيِّنَ لَها بِبَيانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الثّابِتِ في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَمْ يَرْوِها - مَن شَهِدَ - أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ الطّاهِرِينَ بِزَنْدَقَتِهِمْ ونَجاسَةِ بَواطِنِهِمْ، كَما أنَّ أعْدادَ رَكَعاتِ كُلِّ صَلاةٍ مَوْكُولَةٌ إلى بَيانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِبَيانِ المَبْدَأِ والمُنْتَهى في أوْقاتِ الصَّلاةِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَها لِما أنَّ الإنْسانَ فِيما بَيْنَ هَذِهِ الأوْقاتِ عَلى اليَقَظَةِ فَبَعْضُها مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ بِخِلافِ وقْتِ العِشاءِ والفَجْرِ؛ فَإنَّهُ بِاشْتِغالِهِ فِيما بَيْنَهُما بِالنَّوْمِ عادَةً يَنْقَطِعُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، ولِذَلِكَ فُصِلَ وقْتُ الفَجْرِ عَنْ سائِرِ الأوْقاتِ، ثُمَّ إنَّ المُسْتَدِلَّ مِنَ الشِّيعَةِ بِالآيَةِ لا يَتِمُّ لَهُ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وبَيْنَ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ ما لَمْ يَضُمَّ إلى ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الأخْبارِ فَإنَّها إذا لَمْ يُضَمَّ إلَيْها ذَلِكَ أوْلى بِأنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الأرْبَعَةِ جَمِيعِها لا بَيْنَ الِاثْنَتَيْنِ والِاثْنَتَيْنِ، ولا يَخْفى ما في الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى هَذا المَطْلَبِ؛ ولِذا لَمْ يَرْتَضِهِ أبُو جَعْفَرٍ مِنهُمْ، نَعَمْ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِمّا يُؤَيِّدُهُ ظَواهِرُ بَعْضِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمْعًا بِالمَدِينَةِ».
وفِي رِوايَةٍ «أنَّهُ صَلّى ثَمانِيًا جَمِيعًا وسَبْعًا جَمِيعًا مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ».
واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ؛ فَمِنهم مَن أوَّلَهُ بِأنَّهُ جَمَعَ بِعُذْرِ المَطَرِ والجَمْعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ وتَقْدِيمًا فَقَطْ في الجَدِيدِ بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ في كُتُبِهِمْ، وخَصَّ مالِكٌ جَوازَ الجَمْعِ بِالمَطَرِ في المَغْرِبِ والعِشاءِ، وهَذا التَّأْوِيلُ مَشْهُورٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الكِبارِ المُتَقَدِّمِينَ وهو ضَعِيفٌ لِما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أيْضًا: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ بِالمَدِينَةِ في غَيْرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ،» وكَوْنُ المُرادِ ولا مَطَرٌ كَثِيرٌ لا يَرْتَضِيهِ ذُو إنْصافٍ قَلِيلٍ، والشُّذُوذُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ومِنهم مَن أوَّلَهُ بِأنَّهُ كانَ في غَيْمٍ فَصَلّى الظُّهْرَ ثُمَّ انْكَشَفَ الغَيْمُ وبانَ أنَّ أوَّلَ وقْتِ العَصْرِ دَخَلَ فَصَلّاها، وفِيهِ أنَّهُ وإنْ كانَ فِيهِ أدْنى احْتِمالٍ في الظُّهْرِ والعَصْرِ إلّا أنَّهُ لا احْتِمالَ في المَغْرِبِ والعِشاءِ، ومِنهم مَن أوَّلَهُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَّرَ الأُولى إلى آخِرِ وقْتِها فَصَلّاها فِيهِ فَلَمّا فَرَغَ مِنها دَخَلَ وقْتُ الثّانِيَةِ فَصَلّاها فَصارَتِ الصُّورَةُ صُورَةَ جَمْعٍ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ مُخالَفَةً لا تُحْتَمَلُ، ويَرُدُّهُ أيْضًا ما صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: «خَطَبَنا ابْنُ عَبّاسٍ يَوْمًا بَعْدَ العَصْرِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وبَدَتِ النُّجُومُ وجَعَلَ النّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فَجاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ فَجَعَلَ لا يَفْتُرُ ولا يَنْثَنِي: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ لا أُمَّ لَكَ، رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: فَحاكَ في صَدْرِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَأتَيْتُ أبا هُرَيْرَةَ فَسَألْتُهُ فَصَدَّقَ مَقالَتَهُ،» ومِنهم مَن قالَ: هو مَحْمُولٌ عَلى الجَمْعِ بِعُذْرِ المَرَضِ أوْ نَحْوِهِ مِمّا هو في مَعْناهُ مِنَ الأعْذارِ وهَذا قَوْلُ الإمامِ أحْمَدَ والقاضِي حُسَيْنٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ واخْتارَهُ مِنهُمُ الخَطابِيُّ والمُتَوَلِّي والرُّويانِيُّ.
وقالَ النَّوَوِيُّ: هو المُخْتارُ في التَّأْوِيلِ، ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِنَ الأئِمَّةِ جَوازُ الجَمْعِ في الحَضَرِ لِلْحاجَةِ لِمَن لا يَتَّخِذُهُ عادَةً، وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وأشْهَبَ مِن أصْحابِ مالِكٍ، وحَكاهُ الخَطّابِيُّ عَنِ القَفّالِ الشّاشِيِّ الكَبِيرِ مِن أصْحابِ الإمامِ الشّافِعِيِّ، وعَنْ أبِي إسْحَقَ المَرْوَزِيِّ، وعَنْ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ الحَدِيثِ واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا أنَّهُ لَمّا قالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ بِالمَدِينَةِ في غَيْرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ» قِيلَ لَهُ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟
فَقالَ: أرادَ أنْ لا يُحْرِجَ أحَدًا مِن أُمَّتِهِ وهو مِنَ الحَرَجِ بِمَعْنى المَشَقَّةِ، فَلَمْ يُعَلِّلْهُ بِمَرَضٍ ولا غَيْرِهِ، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَ التِّرْمِذِيِّ في آخِرِ كِتابِهِ: لَيْسَ في كِتابِي حَدِيثٌ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِهِ إلّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ في الجَمْعِ بِالمَدِينَةِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا مَطَرٍ، وحَدِيثُ قَتْلِ شارِبِ الخَمْرِ في المَرَّةِ الرّابِعَةِ ناشِئٌ مِن عَدَمِ التَّتَبُّعِ.
نَعَمْ ما قالَهُ في الحَدِيثِ الثّانِي صَحِيحٌ؛ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّهُ حَدِيثٌ مَنسُوخٌ دَلَّ الإجْماعُ عَلى نَسْخِهِ.
وقالَ ابْنُ الهُمامِ: إنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ مَعارَضٌ بِما في مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ أنَّهُ قالَ: ««لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْرِيطُ في اليَقَظَةِ، أنْ يُؤَخِّرَ الصَّلاةَ حَتّى يَدْخُلَ وقْتُ صَلاةٍ أُخْرى»».
ولِلْبَحْثِ في ذَلِكَ مَجالٌ.
ومَذْهَبُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ عَدَمُ جَوازِ جَمْعِ صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ في وقْتِ إحْداهُما والمَغْرِبِ والعِشاءِ كَذَلِكَ مُطْلَقًا إلّا بِعَرَفاتٍ فَيُجْمَعُ فِيها بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بِسَبَبِ النُّسُكِ وإلّا بِمُزْدَلِفَةَ فَيُجْمَعُ فِيها بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بِسَبَبِ ذَلِكَ أيْضًا، واسْتُدِلَّ بِما اسْتُدِلَّ.
وفي الصَّحِيحَيْنِ وسُنَنِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ ما لا يُساعِدُهُ عَلى التَّخْصِيصِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاحْتِياطَ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فالمُحْتاطُ لا يُخْرِجُ صَلاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا عَنْ وقْتِها المُتَيَقَّنِ الَّذِي لا خِلافَ فِيهِ إلى وقْتٍ فِيهِ خِلافٌ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّهُ إذا وقَعَ التَّعارُضُ يُقَدَّمُ الأحْوَطُ، وتَعارُضُ الأخْبارِ في هَذا الفَصْلِ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، هَذا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ المَأْمُورِ بِإقامَتِها صَلاةُ المَغْرِبِ والتَّحْدِيدُ المَذْكُورُ بَيانٌ لِمَبْدَأِ وقْتِها ومُنْتَهاهُ عَلى أنَّ الغايَةَ خارِجَةٌ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى امْتِدادِهِ إلى غُرُوبِ الشَّفَقِ وهو خِلافُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الجَدِيدِ مِن أنَّهُ يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدَرِ زَمَنِ وُضُوءٍ وغُسْلٍ وتَيَمُّمٍ، وطَلَبٍ خَفِيفٍ وإزالَةِ خُبْثٍ مُغَلَّظٍ يَعُمُّ البَدَنَ والثَّوْبَ والمَحَلَّ وسَتْرِ عَوْرَةٍ واجْتِهادٍ في القِبْلَةِ وأذانٍ وإقامَةٍ، وأُلْحِقَ بِهِما سائِرُ سُنَنِ الصَّلاةِ المُتَقَدِّمَةِ كَتَعَمُّمٍ وتَقَمُّصٍ ومَشْيٍ لِمَحِلِّ الجَماعَةِ وأكْلِ جائِعٍ حَتّى يَشْبَعَ وسَبْعِ رَكَعاتٍ، ولَعَلَّ الزَّمانَ الَّذِي يَسَعُ كُلَّ هَذا يَزِيدُ عَلى زَمَنِ ما بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وغُرُوبِ الشَّفَقِ؛ أيَّ شَفَقٍ كانَ في أكْثَرِ الإعْراضِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ مِن غَسَقِ اللَّيْلِ وقْتَ العِشاءِ وفُسِّرَ الغَسَقُ بِاجْتِماعِ الظُّلْمَةِ وشِدَّتِها كانَ ذَلِكَ مُؤَيِّدًا لِما في ظاهِرِ الرِّوايَةِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّ أوَّلَ وقْتِ العِشاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ بِمَعْنى البَياضِ الَّذِي يَعْقُبُ الخُمْرَةَ في الأُفُقِ الغَرْبِيِّ لِأنَّ الظُّلْمَةَ لا تَجْتَمِعُ ولا تَشْتَدُّ ما لَمْ يَغِبْ، ولا يَأْبى ذَلِكَ أنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ أوَّلَ وقْتِها حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ وهو في اللُّغَةِ الحُمْرَةُ المَعْلُومَةُ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ بِالبَياضِ قَدْ جاءَ أيْضًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ وعُمَرَ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، ورَواهُ عَبْدُ الرّازِقِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ والمُزَنِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والخَطّابِيُّ، واخْتارَهُ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ، وما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: ««أوَّلُ وقْتِ العِشاءِ حِينَ يَغِيبُ الأُفُقُ»».
ظاهِرٌ في كَوْنِ الشَّفَقِ البَياضَ إذْ لا غَيْبُوبَةَ لِلْأُفُقِ إلّا بِسُقُوطِهِ، نَعَمْ ذَهَبَ صاحِباهُ إلى أنَّهُ الحُمْرَةُ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ورَواهُ أسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ الإمامِ أيْضًا لَكِنَّهُ خِلافُ ظاهِرِ الرِّوايَةِ عَنْهُ، والصَّحِيحُ المُفْتى بِهِ عِنْدَنا ما جاءَ في ظاهِرِ الرِّوايَةِ، وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ المُحَقِّقُ ابْنُ الهُمامِ والعَلّامَةُ قاسِمُ وابْنُ نُجَيْمٍ وغَيْرُهُما، وما قالَهُ الإمامُ أبُو المَفاخِرِ مِن أنَّ الإمامَ رَجَعَ إلى قَوْلِهِما وقالَ: إنَّهُ الحُمْرَةُ لِما ثَبَتَ عِنْدَهُ مِن حَمْلِ عامَّةِ الصَّحابَةِ إيّاهُ عَلى ذَلِكَ وعَلَيْهِ الفَتْوى وتَبِعَهُ المَحْبُوبِيُّ وصَدْرُ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الرُّجُوعَ لَمْ يَثْبُتْ ودُونَ إثْباتِهِ مَعَ نَقْلِ الكافَّةِ عَنِ الكافَّةِ خِلافَهُ خَرْطُ القَتادِ، وكَذا دَعْوى حَمْلِ عامَّةِ الصَّحابَةِ خِلافَ المَنقُولِ كَما سَمِعْتَ حَتّى أنَّ البَيْهَقِيَّ لَمْ يَرْوِ أنَّ الشَّفَقَ الحُمْرَةُ إلّا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وما رَواهُ اَلدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««الشَّفَقُ الحُمْرَةُ فَإذا غابَ وجَبَتِ الصَّلاةُ»».
قالَ البَيْهَقِيُّ والنَّوَوِيُّ فِيهِ الصَّحِيحُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومِثْلُ هَذا الِاخْتِلافِ الِاخْتِلافُ في أوَّلِ وقْتِ العَصْرِ فَقالَ الإمامُ: هو إذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوالِ وقالا: إذا صارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوالِ، وفَتْوى المُحَقِّقِينَ عَلى قَوْلِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ بَلْ قالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: إنَّ الإفْتاءَ بِغَيْرِهِ لا يَجُوزُ وقَدْ أطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ في رِسالَتِهِ: رَفْعُ الغِشاءِ عَنْ وقْتَيِ العَصْرِ والعِشاءِ.
﴿ وقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ عُطِفٌ عَلى مَفْعُولِ: «أقِمْ» أوْ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ كَما قالَ الزَّجّاجُ وأبُو البَقاءِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ، والمُرادُ بِقُرْآنِ الفَجْرِ صِلاتُهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وسُمِّيَتْ قُرْآنًا أيْ قِراءَةً لِأنَّها رُكْنُها كَما سَمِّيَتْ رُكُوعًا وسُجُودًا وهَذِهِ حُجَّةٌ عَلى ابْنِ عُلَيَّةَ.
والأصَمُّ في زَعْمِهِما أنَّ القِراءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ في الصَّلاةِ قالَهُ في الكَشّافِ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى الرُّكْنِيَّةِ لِجَوازِ كَوْنِ مَدارِ التَّجَوُّزِ كَوْنَ القِراءَةِ مَندُوبَةً فِيها وفي الكَشْفِ أنَّهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ العَلاقَةَ المُعْتَبَرَةَ في إطْلاقِ غَيْرِ الصَّلاةِ وإرادَةَ الصَّلاةِ هي عَلاقَةُ الكُلِّ والجُزْءِ بِدَلِيلِ النَّظائِرِ وهاهُنا إذْ ورَدَ تَجَوُّزًا فَحَمْلُهُ عَلى مَعْلُومِ النَّظِيرِ مِنَ الِاسْتِقْراءِ واجِبٌ عَلى أنَّ النَّدْبِيَّةَ لا تَصْلُحُ عَلاقَةً مُعْتَبَرَةً إلّا بِالتَّكَلُّفِ، وجُعِلَ سَبَّحَ بِمَعْنى صَلّى لِأنَّ التَّسْبِيحَ بِمَعْنى التَّنْزِيهِ البالِغِ والمُصَلِّي مُسَبِّحٌ قَوْلًا بِقِراءَةِ الفاتِحَةِ بَلْ بِالتَّكْبِيرِ الواجِبِ بِالِاتِّفاقِ وفِعْلًا أيْضًا بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ مَثَلًا الدّالِّينَ عَلى كَمالِ التَّعْظِيمِ والتَّبْجِيلِ فَهو الرُّكْنُ كُلُّهُ لا لِأنَّ التَّسْبِيحَ بِمَعْنى قَوْلِ: سُبْحانَ اللَّهِ لِيُقالَ: تَجُوزُ عَنِ الصَّلاةِ بِما هو مَندُوبٌ فِيها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاكْتِفاءَ بِعَلاقَةِ النَّدْبِيَّةِ الَّتِي يَقُولُ بِها الأصَمَّ وابْنُ عُلَيَّةَ لا تَكَلُّفَ فِيهِ؛ فَإنَّ القُرْآنَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلاةِ الكامِلَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كالنَّظائِرِ بِلا ضَرَرٍ ولا ضَيْرٍ، وبِأنَّ مَذْهَبَهُما في التَّكْبِيرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَدَعْوى الِاتِّفاقِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ مِنهُ، ولَوْ كانَ كَما ذَكَرَهُ لَكانَ الوُجُوبُ كافِيًا في عَلاقَةٍ أُخْرى وهي اللُّزُومُ وفِيهِ بَحْثٌ.
وأبْقى الجَصّاصُ القُرْآنَ عَلى حَقِيقَتِهِ وقالَ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ فِيها: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ ولا قِراءَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ واجِبَةٌ إلّا في الصَّلاةِ، وزَعَمَ أنَّ كَوْنَ المَعْنى: صَلُّوا الفَجْرَ غَلَطٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِيقَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، والثّانِي أنَّ ﴿ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ فِيما بَعْدُ يَأْباهُ؛ إذْ لا مَعْنى لِلتَّهَجُّدِ بِصَلاةِ الفَجْرِ، وفِيهِ أنَّ الدَّلِيلَ قائِمٌ وهو ﴿ أقِمِ ﴾ لِاشْتِهارِ ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ دُونَ أقِمِ القِراءَةَ، وضَمِيرُ «بِهِ» فِيما بَعْدُ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى القُرْآنِ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ اسْتِخْدامًا وهو أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى ثُمَّ مَتى دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ القِراءَةِ في صَلاةِ الفَجْرِ نَصًّا كانَ ثُبُوتُ وُجُوبِها في غَيْرِها مِنَ الصَّلاةِ قِياسًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في التَّعْبِيرِ عَنْ صَلاةِ الفَجْرِ بِخُصُوصِها بِما ذُكِرَ إشارَةً إلى أنَّهُ يُطْلَبُ فِيها مِن تَطْوِيلِ القِراءَةِ ما لَمْ يُطْلَبْ في غَيْرِها وهو حَسَنٌ، وقالَ الإمامُ: إنَّ في الآيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ يُسَنُّ التَّغْلِيسُ في صَلاةِ الفَجْرِ لِأنَّهُ أُضِيفَ فِيها القُرْآنُ إلى الفَجْرِ عَلى مَعْنى أقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، والفَجْرُ أوَّلُ طُلُوعِ الصُّبْحِ لِانْفِجارِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنْ نُورِ الصَّباحِ حِينَئِذٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الفَجْرُ فَجْرًا فَيَقْتَضِي ذَلِكَ وُجُوبَ إقامَةِ صَلاةِ الفَجْرِ أوَّلَ الطُّلُوعِ وحَيْثُ أُجْمِعَ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ ذَلِكَ بَقِيَ النَّدْبُ لِأنَّ الوُجُوبَ عِبارَةٌ عَنْ رُجْحانِ مانِعِ التَّرْكِ فَإذا مَنَعَ مانِعٌ مِن تَحَقُّقِ الوُجُوبِ كالإجْماعِ هُنا وجَبَ أنْ يَرْتَفِعَ المَنعُ مِنَ التَّرْكِ وأنْ يَبْقى أصْلُ الرُّجْحانِ حَتّى تَقِلَّ مُخالَفَةُ الدَّلِيلِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ ما لِلْعُلَماءِ مِنَ الخِلافِ في الباقِي بَعْدَ رَفْعِ الوُجُوبِ، وما ذُكِرَ قَوْلٌ في المَسْألَةِ لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ المَطْلُوبَ؛ لِأنَّ صَلاةَ الفَجْرِ اسْمٌ لِلصَّلاةِ المَخْصُوصَةِ سَواءٌ وقَعَتْ بِغَلَسٍ أمْ إسْفارٍ، والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى سُنِّيَّةِ الإسْفارِ بِها.
كَخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وهو كَما قالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ ««أسْفِرُوا بِالفَجْرِ؛ فَإنَّهُ أعْظَمُ لِلْأجْرِ»».
وحَمْلُهُ عَلى تَبَيُّنِ الفَجْرِ حَتّى لا يَكُونَ شَكٌّ في طُلُوعِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ ما لَمْ يَتَبَيَّنْ لا يُحْكَمُ بِجَوازِ الصَّلاةِ فَضْلًا عَنْ إصابَةِ الأجْرِ المُفادِ بِآخِرِ الخَبَرِ ولَوْ حُمِلَ أعْظَمُ فِيهِ عَلى عَظِيمٍ ورُدَّ أنَّ المُناسِبَ في التَّعْلِيلِ فَإنَّهُ لا تَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِهِ عَلى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ يَنْفِيهِ رِوايَةُ الطَّحاوِيِّ: أسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَكُلَّما أسَفَرْتُمْ فَهو أعْظَمُ الأجْرِ أوْ لِأُجُورِكم أوْ كَما قالَ، ورُوِيَ بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: ما اجْتَمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ عَلى شَيْءٍ ما اجْتَمَعُوا عَلى التَّنْوِيرِ، ومُحالٌ نَظَرًا إلى عُلُوِّ شَأْنِهِمْ أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى خِلافِ ما فارَقَهم عَلَيْهِ حَبِيبُهم رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وما رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى صَلاةً لِمِيقاتِها إلّا صَلاتَيْنِ؛ صَلاةَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بِجَمْعٍ، وصَلّى الفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقاتِها مَعَ أنَّهُ كانَ بَعْدَ الفَجْرِ» كَما يُفِيدُهُ لَفْظُ البُخارِيِّ.
فَيَكُونُ المُرادُ قَبْلَ مِيقاتِها الَّذِي اعْتادَ الأداءَ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَعْتادُ التَّغْلِيسَ إلّا أنَّهُ فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ لِيَمْتَدَّ الوُقُوفُ، ونَحْنُ نَقُولُ بِسُنِّيَّتِهِ بِفَجْرِ جَمْعٍ لِهَذا الحَدِيثِ.
وخَبَرُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: ««كانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَتَشْهَدُ مَعَهُ نِساءٌ مُلْتَفِعاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلى بُيُوتِهِنَّ ما يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ»».
حَمَلَ الغَلَسَ فِيهِ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى غَلَسِ داخِلِ المَسْجِدِ، ويَأْباهُ قَوْلُها: ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلى بُيُوتِهِنَّ ما يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذا الغَلَسِ المانِعِ مِن مَعْرِفَتِهِنَّ في طَرِيقِ رُجُوعِهِنَّ إلى بُيُوتِهِنَّ عَلى غَلَسِ داخِلِ المَسْجِدِ، وكَوْنُ المُرادِ: ما يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ في داخِلِ المَسْجِدِ مِنَ الغَلَسِ خِلافُ الظّاهِرِ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا مِن ضَمِيرِ يَرْجِعْنَ.
والظّاهِرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ، وكَذا جَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا مِن «نِساءٌ» أوْ صِفَةً لَها كَأنَّهُ قِيلَ: فَتَشْهَدُ مَعَهُ نِساءٌ مُلْتَفِعاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ما يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلى بُيُوتِهِنَّ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في يَوْمِ غَيْمٍ، ويُبْعِدُهُ «كانَ» فَإنَّها شائِعَةُ الِاسْتِعْمالِ فِيما كانَ يُداوِمُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هو مَنسُوخٌ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ اجْتِماعُ الصَّحابَةِ عَلى التَّنْوِيرِ، ويُبْعِدُ ذَلِكَ أنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي سابِقِيَّةَ وُجُودِ المَنسُوخِ، وقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما رَأيْتُ...
إلَخْ.
يُفِيدُ أنْ لا سابِقِيَّةَ لَهُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: تُرَجَّحُ في الأخْبارِ المُتَعارِضَةِ هُنا رِوايَةُ الرِّجالِ خُصُوصًا مِثْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَإنَّ الحالَ أكْشَفُ لَهم في صَلاةِ الجَماعَةِ فَتَأمَّلْ.
وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ الَّذِي يَنْبَغِي الدُّخُولُ في الفَجْرِ وقْتَ التَّغْلِيسِ والخُرُوجُ وقْتَ الإسْفارِ، وهو قَوْلُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ وهو خِلافُ ما يَذْكُرُهُ الأصْحابُ عَنْهم مِنَ البَدْءِ والخَتْمِ في الإسْفارِ وهو الَّذِي يُفِيدُهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ صَلاةَ الفَجْرِ وإنْ كانَتْ إحْدى الصَّلَواتِ الخَمْسِ الَّتِي فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ إقامَتِها كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُصَلِّها صُبْحَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِعَدَمِ العِلْمِ بِكَيْفِيَّتِها حِينَئِذٍ وإنَّما عَلِمَ الكَيْفِيَّةَ بَعْدُ.
وقَدْ قَدَّمْنا قَرِيبًا أنَّ البُداءَةَ وقَعَتْ في صَلاةِ الظُّهْرِ إشارَةً إلى أنَّ دِينَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيَظْهَرُ عَلى الأدْيانِ ظُهُورَها عَلى بَقِيَّةِ الصَّلَواتِ، ونَوَّهَ سُبْحانَهُ هُنا بِشَأْنِ صَلاةِ الفَجْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: «إنَّهُ كانَ مَشْهُودًا».
أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ: ««تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ»».
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««قالَ النَّبِيُّ : «تَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ الفَجْرِ».
ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ »».
والمُرادُ بِهَؤُلاءِ المَلائِكَةِ الكَتَبَةُ والحَفَظَةُ فَتَنْزِلُ مَلائِكَةُ النَّهارِ وتَصْعَدُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وتَلْتَقِي الطّائِفَتانِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وكَذا تَلْتَقِي الطّائِفَتانِ، وأمْرُ النُّزُولِ والصُّعُودِ عَلى العَكْسِ وقْتَ العَصْرِ كَما جاءَ في الآثارِ، وهَذا مِمّا يُعَكِّرُ عَلى الإمامِ في زَعْمِهِ أنَّ هَذا أيْضًا دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلى أنَّ التَّغْلِيسَ أفْضَلُ مِنَ التَّنْوِيرِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا شَرَعَ في الصَّلاةِ مِن أوَّلِ الصُّبْحِ يَكُونُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ حاضِرِينَ لِبَقاءِ الظُّلْمَةِ فَإذا امْتَدَّتِ الصَّلاةُ بِسَبَبِ تَرْتِيلِ القِراءَةِ وتَكْثِيرِها زالَتِ الظُّلْمَةُ وظَهَرَ الضَّوْءُ وحَضَرَ مَلائِكَةُ النَّهارِ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلى هَذا البَيانِ الَّذِي لا يَرُوجُ إلّا عَلى الصِّبْيانِ القَوْلُ بِأنَّ تَأْخِيرَ صَلاةِ العَصْرِ إلى أنْ يَزُولَ الضَّوْءُ وتَظْهَرَ الظُّلْمَةُ وهو لا يَقُولُ بِهِ بَلْ لا يَقُولُ بِهِ أحَدٌ.
وهَلِ الطّائِفَةُ الَّتِي تَشْهَدُ اليَوْمَ مَثَلًا تَشْهَدُ غَدًا أوْ كُلَّ يَوْمٍ تَشْهَدُ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ تَشْهَدْ قَبْلُ ولا تَشْهَدْ بَعْدُ؟
فِيهِ خِلافٌ، وسَيَأْتِي الكَلامُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
وقِيلَ: يَشْهَدُ الكَثِيرُ مِنَ المُصَلِّينَ في العادَةِ، وقِيلَ: مِن حَقِّهِ أنْ تَشْهَدَهُ الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، وقِيلَ: تَشْهَدُهُ وتَحْضُرُ فِيهِ شَواهِدُ القُدْرَةِ مِن تَبَدُّلِ الضِّياءِ بِالظُّلْمَةِ والِانْتِباهِ بِالنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ، وهو احْتِمالٌ أبْداهُ الإمامُ وبَسَطَ الكَلامَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمالَ كَوْنِ المُرادِ مَشْهُودًا بِالجَماعَةِ الكَثِيرَةِ وبَسَطَ الكَلامَ أيْضًا في تَحْقِيقِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْحَصْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وهَذا هو المُرادُ، ثُمَّ إبْداءُ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ عَلى أنَّهُ بَعْدَ ما صَحَّ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ لَهُ بِما سَمِعْتَ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ في غَيْرِهِ هَذا هو المُرادُ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ والحَثِّ عَلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ صَلاةِ الفَجْرِ لِأنَّ العَبْدَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُشَيِّعٌ كِرامًا ومُتَلَقٍّ كِرامًا فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى أحْسَنِ حالٍ يَتَحَدَّثُ بِهِ الرّاحِلُ ويَرْتاحُ لَهُ النّازِلُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا، أي: هكذا سنتي فيمن قد مضى: أن أهلك من عصوا الرسول ولم يتبعوه، ولا أهلكهم ونبيهم بين أظهرهم، فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذّبهم.
وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا، يعني: تغييراً أو تبديلاً.
قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية حفص: لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ، وقرأ الباقون: خَلْفَكَ ومعناهما قريب، أي: بعدك.
ثم قال عز وجل: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي: بعد زوالها الظهر والعصر إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ أي: إلى دخول الليل وهو المغرب والعشاء.
وروى سالم، عن ابن عمر أنه قال: «دلوكها زيغها بعد نصف النهار» .
وقال قتادة: دلوكها زيغها عن كبد السماء.
وروى ابن طاوس، عن أبيه أنه قال: دلوكها غروبها وروى معمر، عن الشعبي، عن ابن عباس أنه قال: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ «حين تزول الشمس» .
وروى مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: «دلوكها غروبها» ، وكذا قال ابن مسعود.
وقال القتبي: إلى غسق الليل.
والغسق ظلامه.
ثم قال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، أي صلاة الغداة وإنَّما سميت صلاة الغداة قرآناً، لأن القراءة فيها أكثر وأطول.
ويقال: لأنه يقرأ في كلتا الركعتين، وفي كلتا الركعتين القراءة فريضة.
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً، أي صلاة الغداة مشهودة، يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار ويقال: كانَ أي صار، يعني صار مشهوداً، لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الغداة، فينزل ملائكة النهار والقوم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل، فإذا فرغ الإمام من صلاته، عرجت ملائكة الليل فيقولون: ربنا إنا تركنا عبادك وهم يصلون.
ويقول الآخرون: ربنا أدركنا عبادك وهم يصلون.
وَقُرْآنَ الْفَجْرِ صار نصباً، لأن معناه: أقم قرآن الفجر، ويقال: صار نصباً على وجه الإغراء، أي عليك بقرآن الفجر <div class="verse-tafsir"
وقال مجاهد: ذهبَتْ قريش إلى هذا، ولكنه لم يقعْ منها لأنه لما أراد اللَّه سبحانه استبقاء قريش، وألّا يستأصلها، أذن لرسوله في الهجْرة، فخرج من الأرض بإِذن اللَّه، لا بَقْهر قريشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قريشٌ لِيُسِلمَ منها ومِنْ أعقابها مَنْ أسْلَم «١» .
ت: قال ص: قوله لاَّ يَلْبَثُونَ جوابُ قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللَّهِ، إِن استُفْزِزْتَ، فخرجْتَ، لا يلبثون خلفك إِلا قليلاً.
انتهى.
وقوله سبحانه: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا ...
الآية: معنى الآية الإِخبار أن سنة اللَّه تعالى في الأمم الخالية وعادته أنها إذا أخْرجَتْ نبيَّها من بين أظهرها، نالها العذاب، واستأصلها، فلم تلبث خلفه إلا قليلا.
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨)
وقوله سبحانه: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ...
الآية: إِجماع المفسِّرين على أنَّ الإِشارة هنا إلى الصلوات المفروضة، والجمهورُ أنَّ دلوك الشمس زوالُها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغَسَقِ اللَّيْلِ: أشير به إلى المغرب والعشاء، وقُرْآنَ الْفَجْرِ: يريد به صلاةَ الصبح، فالآية تعم جميعَ الصلواتِ، «والدلوكُ» في اللغة: هو الميلُ، فأول الدلوكِ هو الزوالُ، وآخره هو الغروبُ، قال أبو حيان «٢» : واللام في لِدُلُوكِ الشَّمْسِ: للظرفية بمعنى بعد انتهى، وغَسَقِ اللَّيْلِ: اجتماعه وتكاثُف ظلمته، وعَبَّر عن صلاة الصبْحِ خاصَّة بالقرآن، لأن القرآن هو عظمها إِذ قراءتها طويلةٌ مجهورٌ بها.
وقوله سبحانه: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً معناه: يشهده حَفَظَة النهار وحَفَظَة الليل من الملائكة حَسْبما ورد في الحديث الصَّحيح: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ فَيَجْتَمِعُونَ في صَلاَةِ الصُّبْحِ وَصَلاَةِ العَصْرِ ...
» الحديث «٣» بطوله، وفي «مسند «٤» البَزَّار» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنَّهُ قال: «إنَّ أَفْضَلَ الصَّلَواتِ صَلاَةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، في جَمَاعَةَ، ومَا أَحْسِبُ شَاهِدَهَا مِنْكُمْ إِلاَّ مَغْفُور له» «٥» انتهى من «الكوكب الدري» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ ﴾ ؛ أيْ: أدِّها ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ ؛ أيْ: عِنْدَ دَلُوكِها.
وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ( اللّامِ ) قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى ( في ) .
والثّانِي: أنَّها مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ .
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دَلُوكُها: مِن عِنْدِ زَوالِها إلى أنْ تَغِيبَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَيْلُها وقْتَ الظَّهِيرَةِ دُلُوكٌ، ومَيْلُها لِلْغُرُوبِ دُلُوكٌ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: مَعْنى ( الدُّلُوكِ ) في كَلامِ العَرَبِ: الزَّوالُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ: دالِكَةٌ، وإذا أفْلَتْ: دالِكَةٌ؛ لِأنَّها في الحالَيْنِ زائِلَةٌ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالدُّلُوكِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زَوالُها نِصْفَ النَّهارِ.
«رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: دَعَوْتُ رَسُولَ اللهِ ومَن شاءَ مِن أصْحابِهِ فَطَعِمُوا عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وقالَ: " اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حَيْثُ دَلَكَتِ الشَّمْسُ "»؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَرْزَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ، وهو اخْتِيارُ الأزْهَرِيِّ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: لِتَكُونَ الآَيَةُ جامِعَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أقِمِ الصَّلاةَ مِن وقْتِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، فَيَدْخُلُ فِيها الأُولى، والعَصْرُ، وصَلاتا غَسَقِ اللَّيْلِ، وهُما العِشاءانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ ، فَهَذِهِ خَمْسُ صَلَواتٍ.
والثّانِي: أنَّهُ غُرُوبُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقَوْلَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: ورَأيْتُ العَرَبَ تَذْهَبُ في الدُّلُوكِ إلى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: دَلَكَ النَّجْمُ: إذا غابَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالأفِلاتِ الدَّوالِكِ وَتَقُولُ في الشَّمْسِ: دَلَكَتْ بَراحٍ، يُرِيدُونَ: غَرَبَتْ، والنّاظِرُ قَدْ وضَعَ كَفَّهُ عَلى حاجِبِهِ يَنْظُرُ إلَيْها، قالَ الشّاعِرُ: والشَّمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ أدْفَعُها بِالرّاحِ كَيْ تَزَحْلَفا فَشَبَّهَها بِالمَرِيضِ [ في ] الدَّنَفِ؛ لِأنَّها قَدْ هَمَّتْ بِالغُرُوبِ كَما قارَبَ الدَّنِفَ المَوْتُ، وإنَّما يَنْظُرُ إلَيْها مِن تَحْتِ الكَفِّ، لِيَعْلَمَ كَمْ بَقِيَ لَها إلى أنْ تَغِيبَ، ويَتَوَقّى الشُّعاعَ بِكَفِّهِ.
فَعَلى هَذا المُرادِ بِهَذِهِ الصَّلاةِ: المَغْرِبُ، فَأمّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَظَلامُهُ.
وَفِي المُرادِ بِالصَّلاةِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَسَقِ اللَّيْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: العِشاءُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: المَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ وقْتِ المَغْرِبِ، أنَّهُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ.
والثّالِثُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ المَعْنى: وأقِمْ قِراءَةَ الفَجْرِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: صَلاةُ الفَجْرِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذا فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ، حِينَ سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآَنًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ، قالَ: " «تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَصَلِّ بِالقُرْآَنِ.
قالَ مُجاهِدٌ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَهَجَّدْتُ: سَهِرَتُ، وهَجَدْتُ: نِمْتُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّهَجُّدُ هاهُنا بِمَعْنى: التَّيَقُّظِ والسَّهَرِ، واللُّغَوِيُّونَ يَقُولُونَ: هو مِن حُرُوفِ الأضْدادِ، يُقالُ لِلنّائِمِ: هاجِدٌ ومُتَهَجِّدٌ، وكَذَلِكَ لِلسّاهِرِ قالَ النّابِغَةُ: ولَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبْدِ الإلَهِ صَرُورَةٍ مُتَهَجِّدِ لَرَنا لِبَهْجَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولِخالِهِ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ يَعْنِي بِالمُتَهَجِّدِ: السّاهِرَ، وقالَ لَبِيدُ: قالَ هَجَدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى ∗∗∗ [ وقَدَرْنا إنْ خُنّا الدَّهْرَ غَفَلَ ] أيْ: نَوَّمَنا.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُتَهَجِّدُ: القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ.
وقِيلَ لَهُ: مُتَهَجِّدٌ؛ لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ، كَما يُقالُ: تَحَرَّجَ وتَأثَّمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ النّافِلَةُ في اللُّغَةِ: ما كانَ زائِدًا عَلى الأصْلِ.
وَفِي مَعْنى هَذِهِ الزِّيادَةِ في حَقِّهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ فِيما فُرِضَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَرِيضَةٌ عَلَيْكَ، وكانَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ قِيامُ اللَّيْلِ، هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والثّانِي: أنَّها زائِدَةٌ عَلى الفَرْضِ ولَيْسَتْ فَرْضًا، فالمَعْنى: تُطَوُّعًا وفَضِيلَةً.
قالَ أبُو أُمامَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: إنَّما النّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ خاصَّةً.
قالَ مُجاهِدٌ: وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَما زادَ عَلى فَرْضِهِ فَهو نافِلَةٌ لَهُ وفَضِيلَةٌ، وهو لِغَيْرِهِ كَفّارَةٌ.
وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهُ في تَرْكِها، فَصارَتْ نافِلَةً.
وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في هَذا قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: يُقارِبُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ، فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ إذا تَنَفَّلَ لا يَقْدِرُ لَهُ أنْ يَكُونَ بِذَلِكَ ماحِيًا لِلذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنَبِهِ وما تَأخَّرَ، وغَيْرُهُ إذا تَنَفَّلَ كانَ راجِيًا ومُقَدِّرًا مَحْوَ السَّيِّئاتِ عَنْهُ بِالتَّنَفُّلِ، فالنّافِلَةُ لِرَسُولِ اللهِ زِيادَةٌ عَلى الحاجَةِ، وهي لِغَيْرِهِ مُفْتَقَرٌ إلَيْها، ومَأْمُولٌ بِها دَفْعَ المَكْرُوهِ.
والثّانِي: أنَّ النّافِلَةَ لِلنَّبِيِّ وأُمَّتَهُ، والمَعْنى: ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدُوا بِهِ نافِلَةً لَكُمْ، فَخُوطِبَ النَّبِيُّ بِخِطابِ أُمَّتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ " ﴾ : " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ومَعْنى " يَبْعَثُكَ ": يُقِيمُكَ " مَقامًا مَحْمُودًا " وهو الَّذِي يَحْمَدُهُ لِأجْلِهِ جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ.
وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّفاعَةُ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عُمَرَ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنُ، وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: يُجْلِسُهُ عَلى العَرْشِ يَوْمَ القِيامَةِ.
رَوى أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، وقالَ: يُقْعِدُهُ عَلى العَرْشِ، وكَذَلِكَ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ المِيمِ في ( مُدْخَلِ ) وَ( مُخْرَجَ ) .
قالَ الزَّجّاجُ: المُدْخَلُ بِضَمِّ المِيمِ: مَصْدَرُ أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا، ومَن قالَ: مُدْخَلُ صِدْقٍ، فَهو عَلى أدْخَلْتُهُ، فَدَخَلَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وكَذَلِكَ شَرَحَ ( مُخْرَجَ ) مِثْلَهُ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المُدْخَلِ والمُخْرَجِ أحَدَ عَشْرَ قَوْلًا: أحَدُها: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ.
رَوى أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآَيَةُ.» وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أدْخِلْنِي القَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ، وأخْرِجْنِي إلى مَكَّةَ، يَعْنِي: لِفَتْحِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ، فَخَرَجَ مِنها آَمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَخَلَها ظاهِرًا عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، قالَهُالضَّحّاكُ.
والخامِسُ: أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ الجَنَّةِ، وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ.
والسّادِسُ: أدْخِلْنِي في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، يَعْنِي: أخْرِجْنِي مِمّا يَجِبُ عَلَيَّ فِيها.
والسّابِعُ: أدْخِلْنِي في الإسْلامِ وأخْرِجْنِي مِنهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، يَعْنِي: مِن أداءِ ما وجَبَ عَلَيَّ فِيهِ إذا جاءَ المَوْتُ.
والثّامِنُ: أدْخِلْنِي في طاعَتِكَ وأخْرِجْنِي مِنها؛ أيْ: سالِمًا غَيْرَ مُقَصِّرٍ في أدائِها، قالَهُ عَطاءٌ.
والتّاسِعُ: أدْخِلْنِي الغارَ وأخْرِجْنِي مِنهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ.
والعاشِرُ: أدْخِلْنِي في الدِّينِ وأخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيا وأنا عَلى الحَقِّ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والحادِي عَشَرَ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ وأخْرِجْنِي إلى حُنَيْنٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَأمّا إضافَةُ الصِّدْقِ إلى المَدْخَلِ والمُخْرِجِ، فَهو مَدْحٌ لَهُما.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في سُورَةِ ( يُونُسَ: ٢ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِكَ ﴿ سُلْطانًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّسَلُّطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ الحُجَّةُ البَيِّنَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: المَلِكُ العَزِيزُ الَّذِي يُقْهَرُ بِهِ العُصاةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُهُ: ﴿ نَصِيرًا ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُنَصِّرًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ ناصِرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الحَقَّ: الإسْلامُ، والباطِلُ: الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الحَقَّ: القُرْآَنُ، والباطِلُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ: الجِهادُ، والباطِلُ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والرّابِعُ: الحَقُّ: عِبادَةُ اللَّهِ، والباطِلُ: عِبادَةُ الأصْنامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ومَعْنى " زَهَقَ ": بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وكُلُّ شَيْءٍ هَلَكَ وبَطَلَ فَقَدْ زَهَقَ، وزَهَقَتْ نَفْسُهُ: تَلَفَتْ.
وَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولُ اللهِ دَخْلَ مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُها ويَقُولُ: " جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا "» .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ: إنَّ " زَهَقَ " بِمَعْنى بَطَلَ، والباطِلُ مَوْجُودٌ مَعْمُولٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِهِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن بُطْلانِهِ وهَلَكَتِهِ: وُضُوحُ عَيْبِهِ، فَيَكُونُ هالِكًا عِنْدَ المُتَدَبِّرِ النّاظِرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مَن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلا ﴾ ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ إلى غَسَقِ اللَيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ قالَ حَضْرَمِيُّ: الضَمِيرُ في "كادُوا" لِيَهُودَ المَدِينَةِ وناحِيَتِها، كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللهِ فَقالُوا: إنَّ هَذِهِ الأرْضَ لَيْسَتْ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وإنَّما أرْضُ الأنْبِياءِ بِالشامِ، ولَكِنَّكَ تَخافُ الرُومَ، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا، فاخْرُجْ إلَيْها فَإنَّ اللهَ سَيَحْمِيكَ كَما حَمى غَيْرَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ رَسُولَهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُلْبِثْهم بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا.
وحَكى النِقاشُ أنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ، وعَسْكَرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وأقامَ يَنْتَظِرُ أصْحابَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ فَرَجَعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لَمْ يَقَعْ في سِيرَةٍ ولا في كِتابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وذُو الحُلَيْفَةِ لَيْسَ في طَرِيقِ الشامِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "كادُوا" هو لِقُرَيْشٍ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّ اسْتِفْزازَهم هو ما كانُوا أجْمَعُوا عَلَيْهِ في دارِ النَدْوَةِ مِن قَتْلِهِ، و"الأرْضُ" -عَلى هَذا- عامَّةٌ في الدُنْيا، كَأنَّهُ قالَ: يُخْرِجُوكَ مِنَ الدُنْيا، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ هي أرْضٌ مَخْصُوصَةٌ، إمّا مَكَّةُ وإمّا المَدِينَةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أو يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ﴾ ، وإمّا مَعْناهُ: مِنَ الأرْضِ الَّتِي بِها تَصَرُّفُهم وتَمَتُّعُهم.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: واسْتِفْزازُ قُرَيْشٍ هو ما كانُوا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن إخْراجِ رَسُولِ اللهِ مِن مَكَّةَ، كَما ذَهَبُوا قَبْلُ إلى حَصْرِهِ في الشِعْبِ.
ووَقَعَ اسْتِفْزازُهم هَذا بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وضَيَّقُوا عَلَيْهِ حَتّى خَرَجَ واتَّبَعُوهُ إلى الغارِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ونَفَّذَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدَ في أنْ لَمْ يَلْبَثُوا خَلْفَهُ إلّا قَلِيلًا يَوْمَ بَدْرٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ذَهَبَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذا ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنها؛ لِأنَّهُ لَمّا أرادَ اللهُ اسْتِبْقاءَ قُرَيْشٍ وألّا يَسْتَأْصِلَها أذِنَ لِرَسُولِ اللهِ في الهِجْرَةِ، فَخَرَجَ مِنَ الأرْضِ بِإذْنِ اللهِ تَعالى لا بِقَهْرِ قُرَيْشٍ، واسْتُبْقِيَتْ قُرَيْشٌ يُسْلِمُ مِنها ومِن أعْقابِها مَن أسْلَمَ، قالَ: ولَوْ أخْرَجَتْهُ قُرَيْشٌ لَعُذِّبُوا، فَذَهَبَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في "يَلْبَثُونَ" عامٌّ في جَمِيعِهِمْ.
وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذًا لا يَلْبَثُوا" بِحَذْفِ النُونِ وإعْمالِ "إذًا"، وسائِرُ القُرّاءِ ألْغَوْها وأثْبَتُوا النُونَ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "يُلَبَّثُونَ" بِضَمِّ الياءِ وشَدِّ الباءِ وفَتْحِ اللامِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عن يَعْقُوبَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ الباءَ.
وقَرَأ عَطاءٌ: "بَعْدَكَ إلّا قَلِيلًا"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خَلْفَكَ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، الكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "خِلافَكَ"، والمَعْنى واحِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَقَبَ الرَذاذُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ ﴾ ، عَلى بَعْضِ تَأْوِيلاتِهِ، أيْ: بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ قَدْ لَزِمَ حَذْفُ المُضافِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ في آياتِنا: "خِلافَ خُرُوجِكَ"، وفي بَيْتِ الشاعِرِ: "خِلافَ انْبِساطِ الشَمْسِ" أو نَحْوَهُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: أصابُوا هَذِهِ الظُرُوفَ تُضافُ إلى الأسْماءِ الأعْيانِ الَّتِي لَيْسَتْ أحْداثًا، فَلَمْ يَسْتَحِبُّوا إضافَتَها إلى غَيْرِ ما جَرى عَلَيْهِ كَلامُهُمْ، كَما أنَّها لَمّا جَرَتْ مَنصُوبَةً في كَلامِهِمْ تَرَكُوها عَلى حالِها إذا وقَعَتْ في غَيْرِ مَوْقِعِ النَصْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنّا مِنّا الصالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "سُنَّةَ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ الفِراءَ: نَصَبَهُ عَلى حَذْفِ الخافِضِ؛ لِأنَّ المَعْنى: "كَسُنَّةِ"، فَحَذَفَ الكافَ ونَصَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُهُ عَلى هَذا أنْ لا يَقِفَ عَلى قَوْلِهِ: "قَلِيلًا".
ومَعْنى الآيَةِ الإخْبارُ أنَّ سُنَّةَ اللهِ تَعالى في الأُمَمِ الخالِيَةِ وعادَتَهُ أنَّها إذا أخْرَجَتْ نَبِيَّها مِن بَيْنِ أُظْهِرِها نالَها العَذابُ، واسْتَأْصَلَها الهَلاكُ، فَلَمْ تَلْبَثْ بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ المَفْرُوضَةِ.
فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو بُرْدَةِ، والحُسْنُ، والجُمْهُورُ: "دُلُوكُ الشَمْسِ": زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظَهْرِ والعَصْرِ، و"غَسَقِ اللَيْلِ" أُشِيرَ بِهِ إلى المَغْرِبِ والعَشاءِ، و"قُرْآنَ الفَجْرِ" أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُبْحِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- تَعُمُّ جَمِيعَ الصَلَواتِ" ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوكِ الشَمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِي الظَهْرَ"،»«وَرَوى جابِرٌ أنَّ النَبِيَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدْ طَعِمَ وزالَتِ الشَمْسُ، فَقالَ: "اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حِينَ دَلَكَتِ الشَمْسُ".» وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "دُلُوكُ الشَمْسِ": غُرُوبُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَغْرِبِ.
و"غَسَقِ اللَيْلِ": اجْتِماعُ ظُلْمَتِهِ، فالإشارَةُ إلى العَتْمَةِ، و"قُرْآنَ الفَجْرِ": صَلاةُ الصُبْحِ، ولَمْ تَقَعْ إشارَةٌ -عَلى التَأْوِيلِ- إلى الظَهْرِ والعَصْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ لِعُمُومِهِ الصَلَواتِ، وهُما مِن جِهَةِ اللُغَةِ حُسْنانِ، وذَلِكَ أنَّ "الدُلُوكَ" هو المَيْلُ في اللُغَةِ، فَأوَّلُ الدُلُوكِ هو الزَوالُ، وآخِرُهُ هو المَغْرِبُ، ومِن وقْتِ الزَوالِ إلى الغُرُوبِ يُسَمّى دُلُوكًا، لِأنَّها في حالَةِ مَيْلٍ، فَذَكَرَ اللهُ الصَلَواتِ الَّتِي في حالَةِ الدُلُوكِ وعِنْدَهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الظَهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ المَغْرِبُ داخِلَةً في "غَسَقِ اللَيْلِ"، ومِنَ الدُلُوكِ الَّذِي هو المَيْلُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: أيُدالِكُ الرَجُلُ امْرَأتَهُ؟
يُرِيدُ: أيَمِيلُ بِها إلى المُطْلِ في دَيْنِها؟
فَقالَ لَهُ الحَسَنُ: نَعَمْ، إذا كانَ مُلْحِفًا، أيْ: عَدِيمًا، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَواتِي تَقُودُها ∗∗∗ ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَوالِكِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: هَذا مَكانُ قَدَمَيْ رَباحِ ∗∗∗ ∗∗∗ غَدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحِ وَيُرْوى "بِراحِ" بِكَسْرِ الباءِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأصْمَعِيُّ، وأبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: مَعْناهُ: بِراحَةِ الناظِرِ يَسْتَكْفِ بِها أبَدًا لِيَنْظُرَ كَيْفَ مَيْلُها وما بَقِيَ لَها، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الحَجّاجِ: والشَمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ ∗∗∗ أدْفَعُها بِالراحِ كَيْ تَزَحْلَفا وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: "دَلَكَتْ بِراحِ، يَعْنِي: بِراحِ مَكانًا".
قالَ: فَإنْ كانَ هَذا مِن تَفْسِيرِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهو أعْلَمُ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ راوٍ فَأهْلُ الغَرِيبِ أعْلَمُ بِذَلِكَ.
ويُرْوى البَيْتُ الأوَّلُ: "غَدْوَةً حَتّى هَلَكَتْ بَراحِ" بِفَتْحِ الباءِ، عَلى وزْنِ قَطامِ وحِزامِ، وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَمْسِ.
و"غَسَقُ اللَيْلِ": اجْتِماعُهُ وتَكاثُفُ ظُلْمَتِهِ، قالَ الشاعِرُ: آبَ هَذا اللَيْلُ إذْ غَسَقًا وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَسَقُ اللَيْلِ: بَدْؤُهُ.
ونُصِبَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: واقْرَأْ قُرْآنَ، ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ عَطْفًا عَلى "الصَلاةِ"، أيْ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، وعَبَّرَ عن صَلاةِ الصُبْحِ خاصَّةً بِالقُرْآنِ لِأنَّ القُرْآنَ هو عُظْمُها، إذْ قِراءَتُها طَوِيلَةٌ مَجْهُودٌ بِها.
ويَصِحُّ أنْ يُنْصَبَ قَوْلُهُ: "قُرْآنَ" عَلى الإغْراءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ مَعْناهُ: يَشْهَدُهُ حَفَظَةُ النَهارِ وحَفَظَةُ اللَيْلِ مِنَ المَلائِكَةِ حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ"» الحَدِيثِ بِطُولِهِ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ وغَيْرِهِ.
وعَلى القَوْلِ بِذَلِكَ مَضى الجُمْهُورُ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ ابْنِ عَسْكَرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي الدَرْداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ مَشْهُودًا ﴾ ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ: (يَشْهَدُهُ اللهُ ومَلائِكَتُهُ)، وذَكَرَ في ذَلِكَ الحَدِيثِ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَنْزِلُ في آخِرِ اللَيْلِ، ونَحْوَ هَذا مِمّا لَيْسَ بِقَوِيٍّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ ﴾ ، "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، والتَقْدِيرُ: ووَقْتًا مِنَ اللَيْلِ، أيْ: وأقِمْ وقْتًا مِنَ اللَيْلِ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ مُطْلَقٌ، كَما هو الضَمِيرُ مُطْلَقٌ، لَكِنْ جَرى مُضافًا إلى الفَجْرِ.
و"تَهَجَّدْ" مَعْناهُ: اطْرَحِ الهُجُودَ عنكَ، والهُجُودُ: النَوْمُ، يُقالُ: هَجَدَ يَهْجُدُ -بِضَمِّ الجِيمِ- هُجُودًا إذا نامَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألا طَرَقَتْنا والرِفاقُ هُجُودٌ ∗∗∗ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَوالِ تَجُودُ ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: فَحَيّاكِ وُدٌّ ما هَداكِ لِفِتْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُوصٍ بِأعْلى ذِي طُوالَةِ هُجَّدِ وهَذا الفِعْلُ جارٍ مَجْرى: تَحَرَّبَ وتَحَرَّجَ وتَأثَّمَ وتَحَنَّثَ، ومِثْلُهُ ﴿ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴾ ، فَمَعْناهُ: تَنْدَمُونَ، أيْ تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي انْبِساطُ النَفْسِ وسُرُورُها، يُقالُ: رَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ كَثِيرَ السُرُورِ والضَحِكِ، فالمَعْنى: ووَقْتًا مِنَ اللَيْلِ اسْهَرْ بِهِ في صَلاةٍ وقِراءَةٍ، وقالَ الأسْوَدُ، وعَلْقَمَةُ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ: التَهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ، وقالَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: إنَّما التَهَجُّدُ بَعْدَ رَقْدَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: التَهَجُّدُ ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نافِلَةً لَكَ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: زِيادَةٌ لَكَ في الفَرْضِ، قالُوا: وكانَ قِيامُ اللَيْلِ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ هَذا عَلى جِهَةِ النَدْبِ في التَنَفُّلِ، ويَكُونُ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ، كَخِطابِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَلاةَ لِدُلُوكِ الشَمْسِ ﴾ .
وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما هي نافِلَةٌ لِلنَّبِيِّ ؛ لِأنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ، والناسُ يَحُطُّونَ بِمِثْلِ ذَلِكَ خَطاياهُمْ، وبَيَّنَ أنَّ النَبِيَّ مُنْذُ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّما كانَتْ نَوافِلُهُ واسْتِغْفارُهُ فَضائِلُ مِنَ العَمَلِ، وقُرَبًا أشْرَفَ مِن نَوافِلِ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّ هَذِهِ إمّا أنْ تُجْبَرَ بِها فَرائِضُهُمْ، وإمّا أنْ تُحَطَّ بِها خَطِيئاتُهُمْ، وقَدْ يُتَصَوَّرُ مَن لا ذَنْبَ لَهُ يَنْتَفِلُ، فَيَكُونُ تَنَفُّلُهُ فَضْلًا، كَنَصْرانِيٍّ يُسَلِّمُ وصَبِيٍّ يَحْتَلِمُ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ مُجاهِدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ عِدَّةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِرَسُولِهِ ، وهو أمْرُ الشَفاعَةِ الَّذِي يَتَدافَعُهُ الأنْبِياءُ حَتّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
والحَدِيثُ بِطُولِهِ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْناهُ، ولِأجْلِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ الَّذِي لَهُ في مَرْضاةِ جَمِيعِ العالَمِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ".» و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، و"مَقامًا" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن غَرِيبِ حَدِيثِ الشَفاعَةِ اقْتِضابُهُ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ صَدْرَ الحَدِيثِ يَقْتَضِي أنَّ النَبِيَّ يُسْتَنْهَضُ لِلشَّفاعَةِ في أنْ يُحاسَبَ الناسُ، ويَنْطَلِقُونَ مِنَ المَوْقِفِ، فَيَذْهَبُ لِذَلِكَ، ويَنُصُّ بِأثَرِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ شَفَعَ في إخْراجِ المُذْنِبِينَ مِنَ النارِ، فَمَعْناهُ الِاقْتِضابُ والِاخْتِصارُ؛ لِأنَّ الشَفاعَةَ في المُذْنِبِينَ لَمْ تَكُنْ إلّا بَعْدَ الحِسابِ والزَوالِ مِنَ المَوْقِفِ ودُخُولِ قَوْمٍ الجَنَّةَ ودُخُولِ قَوْمٍ النارَ، وهَذِهِ الشَفاعَةُ لا يَتَدافَعُها الأنْبِياءُ، بَلْ يَشْفَعُونَ ويَشْفَعُ العُلَماءُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « " المَقامُ المَحْمُودُ هو المَقامُ الَّذِي أشْفَعُ فِيهِ لِأُمَّتِي".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ هَذا عَلى ما قُلْناهُ: لِأُمَّتِهِ وغَيْرِها، أو يُقالَ: كُلٌّ مِنهُما مَقامٌ مَحْمُودٌ.
وقالَ النَقّاشُ: لِرَسُولِ اللهِ ثَلاثُ شَفاعاتٍ: العامَّةُ، وشَفاعَةٌ في السَبْقِ إلى الجَنَّةِ، وشَفاعَةٌ في أهْلِ الكَبائِرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَشْهُورُ أنَّهُما شَفاعَتانِ فَقَطْ.
حَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ مِنها مُجاهِدٌ أنَّها قالَتِ: المَقامُ المَحْمُودُ هو أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُجْلِسُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - مَعَهُ عَلى عَرْشِهِ، ورَوَتْ في ذَلِكَ حَدِيثًا، وعَضَّدَ الطَبَرِيُّ جَوازَ ذَلِكَ بِشَطَطٍ مِنَ القَوْلِ، وهو لا يَخْرُجُ إلّا عَلى تَلَطُّفٍ في المَعْنى، وفِيهِ بُعْدٌ، ولا يُنْكَرُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُرْوى، والعِلْمُ يَتَأوَّلُهُ.
وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي داوُدٍ السِجِسْتانِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن أنْكَرَ هَذا الحَدِيثَ فَهو عِنْدُنا مُتَّهَمٌ، ما زالَ أهْلُ العِلْمِ يَتَحَدَّثُونَ بِهَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَن أنْكَرَ جَوازَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
كان شَرْع الصلوات الخمس للأمة ليلة الإسراء، كما ثبت في الحديث الصحيح، ولكنه كان غير مثبت في التشريع المتواتر إنما أبلغه النبي أصحابه فيوشك أن لا يعلمه غيرهم ممن يأتي من المسلمين.
وأيضاً فقد عينت الآية أوقاتاً للصلوات بعد تقرر فرضها، فلذلك جاءت هذه الآية في هذه السورة التي نزلت عقب حادث الإسراء جمعاً للتشريع الذي شرع للأمة أيامئذٍ المبتدأ بقوله تعالى: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ﴾ الآيات [الإسراء: 23].
فالجملة استئناف ابتدائي.
ومناسبة موقعها عقب ما قبلها أن الله لما امتن على النبي بالعصمة وبالنصر ذكره بشكر النعمة بأن أمره بأعظم عبادة يَعبده بها، وبالزيادة منها طلباً لازدياد النعمة عليه، كما دل عليْه قوله في آخر الآية ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ [الإسراء: 79].
فالخطاب بالأمر للنبيء، ولكن قد تقرر من اصطلاح القرآن أن خطاب النبي بتشريععٍ تدخُل فيه أمته إلا إذا دل دليل على اختصاصه بذلك الحكم، وقد عَلم المسلمون ذلك وشاع بينهم بحيث ما كانوا يسألون عن اختصاص حكم إلا في مقام الاحتمال القوي، كمن سأله: ألنا هذه أمْ للأبد؟
فقال: بل للأبد.
والإقامة: مجاز في المواظبة والإدامة.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ في أول سورة [البقرة: 3].
(واللام في لدلوك الشمس} لام التوقيت، وهي بمعنى (عند).
والدلوك: من أحوال الشمس، فوَرد بمعنى زوال الشمس عن وسط قوس فَرْضيّ في طريق مسيرها اليومي.
وورد بمعنى: مَيل الشمس عن مقدار ثلاثة أرباع القوس وهو وقت العصر، وورد بمعنى غروبها، فصار لفظ الدلوك مشتركاً في المعاني الثلاثة.
والغسق: الظلمة، وهي انقطاع بقايا شعاع الشمس حين يماثل سواد أفق الغروب سواد بقية الأفق وهو وقت غيبوبة الشفق، وذلك وقت العشاء، ويسمى العتمة، أي الظلمة.
وقد جمعت الآية أوقاتاً أربعة، فالدلوك يجمع ثلاثة أوقات باستعمال المشترك في معانيه، والقرينة واضحة.
وفهم من حرف (إلى) الذي للانتهاء أن في تلك الأوقات صلوات لأن الغاية كانت لفعل ﴿ أقم الصلاة ﴾ فالغاية تقتضي تكرر إقامة الصلاة.
وليس المراد غاية لصلاة واحدة جعل وقتها متسعاً، لأن هذا فَهْم ينبو عنه ما تدل عليه اللام في قوله: ﴿ لدلوك الشمس ﴾ من وجوب إقامة الصلاة عند الوقت المذكور لأنه الواجب أو الأكمل.
وقد زاد عمل النبي صلى الله عليه وسلم بياناً للآية.
وأما مقدار الاتساع فيعرف من أدلة أخرى وفيه خلاف بين الفقهاء.
فكلمة «دلوك» لا تعادلها كلمة أخرى.
وقد ثبت في حديث أبي مسعود الأنصاري في «الموطأ»: أن أول الوقت هو المقصود.
وثبت في حديث عطاء بن يسار مرسلاً في «الموطأ» وموصولاً عن أنس بن مالك عند ابن عبد البر وغيره: أن للصبح وقتاً له ابتداء ونهاية.
وهو أيضاً ثابت لكل صلاة بآثار كثيرة عَدا المغرب فقد سكت عنها الأثر.
فترددت أنظار الفقهاء فيها بين وقوف عند المروي وبين قياس وقتها على أوقات غيرها، وهذا الثاني أرجح، لأن امتداد وقت الصلاة توسعة على المصلي وهي تناسب تيسير الدين.
وجُعل الغسق نهاية للأوقات، فعلم أن المراد أول الغسق كما هو الشأن المتعارف في الغاية بحرف (إلى) فعلم أن ابتداء الغسق وقت صلاة، وهذا جمع بديع.
ثم عطف ﴿ قرآن الفجر ﴾ على ﴿ الصلاة ﴾ .
والتقدير: وأقم قرآن الفجر، أي الصلاة به.
كذا قدر القراء وجمهور المفسرين ليُعلم أن لكل صلاة من تلك الصلوات قرآناً كقوله: ﴿ فاقرءوا ما تيسر من القرآن ﴾ [المزمّل: 20]، أي صَلُّوا به نافلة الليل.
وخص ذكر ذلك بصلاة الفجر دون غيرها لأنها يجهر بالقرآن في جميع ركوعها، ولأن سنتها أن يقرأ بسور من طوال المفصل فاستماع القرآن للمأمومين أكثر فيها وقراءته للإمام والفذ أكثر أيضاً.
ويجوز أن يكون عطف وقرآن الفجر} عطفَ جملة والكلام على الإغراء، والتقدير: والزَمْ قرآنَ الفجر، قاله الزجاج.
فيعلم أن قراءة القرآن في كل صلاة حتم.
وهذا مجمل في كيفية الصلوات.
ومقادير ما تشتمل عليه من القرآن بينته السنّة المتواترة والعرف في معرفة أوقات النهار والليل.
وجملة ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ استئناف بياني لوجه تخصيص صلاة الصبح باسم القرآن بأن صلاة الفجر مشهودة، أي محضورة.
وفُسِّر ذلك بأنها تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار، كما ورد في الحديث: «وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح» وذلك زيادة في فضلها وبركتها.
وأيضاً فهي يحضرها أكثر المصلين لأن وقتها وقت النشاط وبعدها ينتظر الناس طلوع الشمس ليخرجوا إلى أعمالهم فيكثر سماع القرآن حينئذٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ أمّا دُلُوكُ الشَّمْسِ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ غُرُوبُها، وأنَّ الصَّلاةَ المَأْمُورُ بِها صَلاةُ المَغْرِبِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ زَيْدٍ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ زَوالُها، والصَّلاةُ المَأْمُورُ بِها صَلاةُ الظُّهْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ، وهو قَوْلُ أبِي بُرْدَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ لِرِوايَةِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (أتانِي جِبْرِيلُ لِدُلُوِكِ الشَّمْسِ حِينَ زالَتْ فَصَلّى بِيَ الظُّهْرَ)» وقالَ الشّاعِرُ: هَذا مُقامُ قَدَمَيْ رَباحِ ∗∗∗ ذَيَّبَ حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ وَبَراحُ اسْمُ الشَّمْسِ، والباءُ الَّتِي فِيهِ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ إلى أنَّ الباءَ الَّتِي فِيها باءُ الجَرِّ، واسْمُ الشَّمْسِ راحُ.
فَمَن جَعَلَ الدُّلُوكَ اسْمًا لِغُرُوبِها فَلِأنَّ الإنْسانَ يُدَلِّكُ عَيْنَيْهِ بِراحَتِهِ لِتَبَيُّنِها، ومَن جَعَلَهُ اسْمًا لِزَوالِها فَلِأنَّهُ يُدَلِّكُ عَيْنَيْهِ بِراحَتِهِ لِشِدَّةِ شُعاعِها.
وَقِيلَ إنَّ أصْلَ الدُّلُوكِ في اللُّغَةِ هو المَيْلُ، والشَّمْسُ تَمِيلُ عِنْدَ زَوالِها وغُرُوبِها فَلِذَلِكَ انْطَلَقَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
وَأمّا ﴿ غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ فَفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ظُهُورُ ظَلامِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ عِيسى، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهْيَ لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ الثّانِي: أنَّهُ دُنُوُّ اللَّيْلِ وإقْبالُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
قالَ الشّاعِرُ: إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ ...
...
...
وَفِي الصَّلاةِ المَأْمُورِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ.
الثّانِي: هي صَلاةُ العِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
ثُمَّ قالَ ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ في "قُرْآنَ" تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أقِمِ القِراءَةَ في صَلاةِ الفَجْرِ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.
الثّانِي: مَعْناهُ صَلاةُ الفَجْرِ، فَسَمّاها قُرْآنًا لِتَأْكِيدِ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ.
﴿ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنَّ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ تَشْهَدَهُ بِالحُضُورِ إلَيْهِ في المَساجِدِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ ما رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ)» وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِن صَلاةِ اللَّيْلِ ولا مِن صَلاةِ النَّهارِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ﴾ أمّا الهُجُودُ فَمِن أسْماءِ الأضْدادِ، ويَنْطَلِقُ عَلى النَّوْمِ وعَلى السَّهَرِ، وشاهِدُ انْطِلاقِهِ عَلى السَّهَرِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ألا زارَتْ وأهْلُ مِنًى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنًى يَعُودُ وَشاهِدُ انْطِلاقِهِ عَلى النَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعَلّاتِ النَّوالِ تَجُودُ أمّا التَّهَجُّدُ فَهو السَّهَرُ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: السَّهَرُ بِالتَّيَقُّظِ لِما يَنْفِي النَّوْمَ، سَواءٌ كانَ قَبْلَ النَّوْمِ أوْ بَعْدَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ السَّهَرُ بَعْدَ النَّوْمِ، قالَهُ الأسْوَدُ بْنُ عَلْقَمَةَ.
وَفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَتَهَجَّدْ بِالقُرْآنِ وقِيامِ اللَّيْلِ نافِلَةً أيْ فَضْلًا وزِيادَةً عَلى الفَرْضِ.
وَفي تَخْصِيصِ النَّبِيِّ بِأنَّها نافِلَةٌ لَهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَخْصِيصًا لَهُ بِالتَّرْغِيبِ فِيها والسَّبْقِ إلى حِيازَةِ فَضْلِها، لِاخْتِصاصِها بِكَرامَتِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الثّانِي: لِأنَّها فَضِيلَةٌ لَهُ، ولِغَيْرِهِ كَفّارَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: لِأنَّها عَلَيْهِ مَكْتُوبَةٌ ولِغَيْرِهِ مُسْتَحَبَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَقامَ المَحْمُودَ الشَّفاعَةُ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ.
الثّانِي: أنَّهُ إجْلاسُهُ عَلى عَرْشِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ إعْطاؤُهُ لِواءَ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا رابِعًا: أنْ يَكُونَ المَقامُ المَحْمُودُ شَهادَتَهُ عَلى أُمَّتِهِ بِما أجابُوهُ مِن تَصْدِيقٍ أوْ تَكْذِيبٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يسكنون الشام، فمالك والمدينة؟
فَهَمَّ أن يشخص فأنزل الله تعالى ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن حضرمي رضي الله عنه، أنه بلغه أن بعض اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أرض الأنبياء أرض الشام، وإن هذه ليست بأرض الأنبياء.
فأنزل الله تعالى ﴿ وإن كادوا ليستفزونك...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر، عن عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه: أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: «إن كنت نبياً فالْحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض...
﴾ إلى قوله: ﴿ تحويلاً ﴾ فأمره بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها محياك وفيها مماتك وفيها تبعث.
وقال له جبريل عليه السلام: سل ربك...
فإن لكل نبي مسألة.
فقال: ما تأمرني أن أسأل؟
قال: ﴿ قل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ فهؤلاء نزلن عليه في رجعته من تبوك» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ﴾ قال: همّ أهل مكة بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وقد فعلوا بعد ذلك فأهلكهم الله تعالى يوم بدر، ولم يلبثوا بعده إلا قليلاً حتى أهلكهم الله يوم بدر، وكذلك كانت سنة الله تعالى في الرسل عليهم الصلاة والسلام إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذاً لا يلبثون خلافَكَ إلا قليلاً ﴾ قال: يعني بالقليل يوم أخذهم ببدر، فكان ذلك هو القليل الذي كان كثيراً بعده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: القليل ثمانية عشر شهراً.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دلوك الشمس: غروبها.
تقول العرب: إذا غربت الشمس: دلكت الشمس.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي رضي الله عنه قال: دلوكها، غروبها.
وأخرج ابن مردويه «عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ قال: لزوال الشمس» .
وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ﴿ دلوك الشمس ﴾ زوالها.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ﴿ دلوك الشمس ﴾ زياغها بعد نصف النهار.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دلوكها، زوالها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لدلوك الشمس ﴾ قال: إذا فاء الفيء.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر» .
وأخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن مردويه، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كنت أقود مولاي قيس بن السائب فيقول لي: أدلكت الشمس؟
فإذا قلت نعم، صلى الظهر.
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر عند دلوك الشمس.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ قال: العشاء الآخرة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ غسق الليل ﴾ اجتماع الليل وظلمته.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ﴿ غسق الليل ﴾ بدو الليل.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ إلى غسق الليل ﴾ قال: ما الغسق؟
قال: دخول الليل بظلمته.
قال فيه زهير بن أبي سلمى: ظلت تجوب يداها وهي لاهبة ** حتى إذا جنح الإظلام في الغسق وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ دلوك الشمس ﴾ حين تزيغ.
و ﴿ غسق الليل ﴾ غروب الشمس.
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ﴿ دلوك الشمس ﴾ إذا زالت عن بطن السماء و ﴿ غسق الليل ﴾ غروب الشمس.
والله سبحانه أعلم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقرآن الفجر ﴾ قال: صلاة الصبح.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وقرآن الفجر ﴾ قال: صلاة الفجر.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ قال: تشهده الملائكة والجن.
وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها.
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يتدارك الحرسان من ملائكة الله تعالى، حارس الليل وحارس النهار عند صلاة الصبح، اقرؤوا إن شئتم ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ ثم قال: تنزل ملائكة الليل وملائكة النهار.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير والطبراني وابن مردويه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ قال: «يشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار» .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم عن أبيه قال: دخل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه المسجد لصلاة الفجر، فإذا قوم قد أسندوا ظهورهم إلى القبلة فقال: نحّوا عن القبلة...
لا تحولوا بين الملائكة وصلاتها، فإن هاتين الركعتين صلاة الملائكة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن علقمة والأسود رضي الله عنهما قال: التهجد بعد نومة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: نسخ قيام الليل إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعني، خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم أمر بقيام الليل وكتب عليه.
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث هن عليّ فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ومحمد بن نصر والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ نافة لك ﴾ قال: لم تكن النافلة لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، خاصة من أجل أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل مع المكتوب فهو نافلة له سوى المكتوب من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب فهي نوافل له وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوب في كفارة ذنوبهم فليس للناس نوافل، إنما هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه مثله.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه مثله.
وأخرج محمد بن نصر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال: لا تكون نافلة الليل إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ نافلة لك ﴾ قال: تطوّعاً وفضيلة لك.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن أبي أمامة رضي الله عنه في قوله: ﴿ نافلة لك ﴾ قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم نافلة ولكم فضيلة.
وفي لفظ إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الطيالسي وابن نصر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في تاريخه، عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: إذا توضأ الرجل المسلم فأحسن الوضوء، فإن قعد- قعد مغفوراً له، وإن قام يصلي كانت له فضيلة.
قيل له: نافلة؟
قال: إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم، كيف يكون له نافلة وهو يسعى في الخطايا والذنوب!؟
ولكن فضيلة.
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثاء كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان، اشفع لنا.
حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ وسئل عنه قال: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي.
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المقام المحمود، الشفاعة» .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: مقام الشفاعة.
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود فقال: «هو الشفاعة» .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن كعب بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تَلٍّ، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي أن أقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق علي بن حسين قال: أخبرني رجل من أهل العلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمد الأرض يوم القيامة مدّ الأديم ولا يكون لبشر من بني آدم فيها إلا موضع قدمه، ثم أدعى أول الناس فأخر ساجداً، ثم يؤذن لي فأقول: يا رب، أخبرني هذا لجبريل وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه جبريل قط قبلها أنك أرسلته إلي.
وجبريل عليه السلام ساكت لا يتكلم حتى يقول الرب: صدقت...
ثم يؤذن لي في الشفاعة فأقول: أي رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض.
فذلك المقام المحمود» .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق، عن حذيفة رضي الله عنه قال: يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حفاة عراة كما خلقوا قياماً، لا تكلم نفس إلا بإذنه ينادي: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشرّ لَيْسَ إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت.
فهذا المقام المحمود.
وأخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم عليه السلام فيقول: لَسْتُ بصاحب ذلك، ثم موسى عليه السلام فيقول: كذلك، ثم محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع، فيقضي الله بين الخلائق فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة» فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً يحمده أهل الجمع كلهم.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأقوم المقام المحمود.
قيل: وما المقام المحمود؟
قال: ذلك إذا جيء بكم حفاة عراة غرلاً، فيكون أول من يكسى إبراهيم عليه السلام، فيقول: اكسوا خليلي.
فيؤتى بريطتين بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعد مستقبل العرش.
ثم أوتَى بكسوة فألبسها فأقوم عن يمينه مقاماً لا يقومه أحد، فيغبطني به الأولون والآخرون، ثم يفتح نهر من الكوثر إلى الحوض» .
وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: ما المقام المحمود الذي ذكر لك ربك؟
قال: «يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلاً، كهيئتكم يوم ولدتم...
هالهم الفزع الأكبر وكظمهم الكرب العظيم، وبلغ الرشح أفواههم وبلغ بهم الجهد والشدة، فأكون أول مدعى وأول معطى، ثم يدعى إبراهيم عليه السلام قد كسي ثوبين أبيضين من ثياب الجنة، ثم يؤمر فيجلس في قبل الكرسي.
ثم أقوم عن يمين العرش...
فما من الخلائق قائم غيري، فأتكلم فيسمعون وأشهد فيصدقون» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: «يجلسه على السرير» .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ- آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر...
فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم عليه السلام فيقولون: أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك.
فيقول: إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض، ولكن ائتوا نوحاً.
فيأتون نوحاً فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم فيقول: ائتوا موسى.
فيأتون موسى عليه الصلاة والسلام فيقول: إني قتلت نفساً، ولكن ائتوا عيسى.
فيأتون عيسى عليه السلام فيقول: إني عُبِدْتُ من دون الله، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم.
فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها، فيقال: من هذا؟
فأقول: محمد.
فيفتحون لي ويقولون: مرحباً.
فأخرّ ساجداً فيلهمني الله عز وجل من الثناء والحمد والمجد، فيقال: ارفع رأسك...
سل تُعْطَ، واشفع تُشَفّعْ، وقل يسمع لقولك.
فهو المقام المحمود الذي قال الله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: يخرج الله قوماً من النار من أهل الإيمان والقبلة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك المقام المحمود.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه ذكر حديث الجهنّميّين فقيل له: ما هذا الذي تحدث والله تعالى يقول: ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ [ آل عمران: 192] ﴿ وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ [ السجدة: 20] فقال: هل تقرأ القرآن؟
قال: نعم.
قال: فهل سمعت فيه بالمقام المحمود؟
قال: نعم.
قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم الذي يخرج الله به من يخرج.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يأذن الله تعالى في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل عليه السلام، ثم يقوم إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام، ثم يقوم عيسى أو موسى عليهما السلام، ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم واقفاً ليشفع، لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ .
وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله فاسألوه أن يبعثني المقام المحمود الذي وعدني» .
وأخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حَلّتْ له شفاعتي يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان رضي الله عنه قال: يقال له: سل تعطه- يعني النبي صلى الله عليه وسلم- واشفع تشفع، وادع تجب.
فيرفع رأسه فيقول: أمتي.
مرتين أو ثلاثاً، فقال سلمان رضي الله عنه: يشفع في كل من في قلبه مثقال حبة حنطة من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال حبة خردل من إيمان.
قال سلمان رضي الله عنه: فذلكم المقام المحمود.
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قيل: يا رسول الله، ما المقام المحمود؟
قال: ذلك يوم ينزل الله تعالى عن عرشه، فيئط كما يئط الرحل الجديد من تضايقه» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: يجلسه بينه وبين جبريل عليه السلام، ويشفع لأمته.
فذلك المقام المحمود.
وأخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: يجلسني معه على السرير» .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خيِّر بين أن يكون عبداً نبياً أو ملكاً نبياً، فأومأ إليه جبريل عليه السلام أن تواضع، فاختار أن يكون عبداً نبياً.
فأعطى به النبي صلى الله عليه وسلم ثنتين: أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع.
فكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ قال: يجلسه معه على عرشه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ اختلف أهل المعاني والمفسرون في معنى (دلوك الشمس) على قولين؛ أحدهما: أن دلوكها غروبها، وهو اختيار الفراء (١) (٢) (٣) غُدْوَةً حتى دَلَكَتْ بَرَاحِ (٤) ولا بالآفلات (٥) (٦) القول الثاني: أن دلوك الشمس زوالها وزيغوغتها عن كبد السماء، والصحابة مختلفون في هذا، فروى نافع وسالم عن ابن عمر قال: دلوك الشمس: زيغها حين تزول (٧) (٨) (٩) وقال في رواية عطاء: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ يريد لزوالها (١٠) (١١) ويدل على هذا ما روي عن جابر أنه قال: طعم عندي رسول الله - - وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس، فقال النبيّ - -: "هذا حين دلكت الشمس" (١٢) وروى جماعة عن ابن مسعود أنه قال حين غربت الشمس: هذا والذي نفسي بيده وقت الصلاة حين دلكت الشمس، ثم قال: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ (١٣) وروى زِرّ بن حُبَيْش (١٤) (١٥) -: دلوك الشمس غيبوبتها (١٦) (١٧) وأما المحققون من أهلِ اللغة: فإنهم ذهبوا إلى أن دلوك الشمس ميلها في الوقتين.
قال الزجاج: دلوك الشمس زوالها ومَيْلها في وقت الظهر، وكذلك ميلها للغروب، وهو دلوكها أيضًا (١٨) وقال المبرد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها عند العرب (١٩) وقال الأزهري: القول عندي في دلوك الشمس أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، والمعنى: أقم الصلاة؛ أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل، فيدخل فيها الأولى والعصر وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال: ﴿ قُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ ، فهذه خمس صلوات، وإذا جعلت الدلوك: الغروب، كان الأمر في الآية مقصورًا على ثلاث صلوات.
قال: ومعنى الدلوك في كلام العرب: الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها إذا أقلت: دالكة؛ لأنها في الحالتين زائلة، انتهى كلامه.
(٢٠) ﴿ قُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ لام الأجل والسبب؛ وذلك أن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس، فيجب على الصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس.
وقوله تعالى: ﴿ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ ، غسق الليل: سواده وظلمته، قاله الفراء والزجاج وأبو عبيدة وابن قتيبة (٢١) قال الكسائي: غسق الليل غسوقًا، والغسق الاسم بفتح السين (٢٢) وقال ابن شميل: غَسقُ الليلِ دخولُ أولِه، وأتيته حين غسق الليل، أي حين يختلط وَيسُدُّ المناظر (٢٣) وقال الفراء في المصادر: أغسق الليل إغساقًا وغسق غسوقًا (٢٤) وقال الزجاج في باب الوفاق: غسق الليل وأغسق (٢٥) وأصل هذا الحرف من السَّيَلان، قال أبو زيد: غَسَقت العينُ تَغْسِقُ، وهو هَملانُ العينِ بالغَمَص والماء (٢٦) أبْكي لِفَقْدِهِمُ بِعَيْن ثَرَّةٍ ...
تَجْرِي مَسَارِبُها بِعَيْنٍ غاسقٍ (٢٧) أي سائل، وليس من الظلمة في شيء، ومن هذا قيل لما يسيل من أهل النار: الغَسَّاق، فمعنى غسق الليل: أي انصب بظلامه، وذلك أن الظلمة تنزل من فوق.
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: الغَسَقان: الانْصِبَابُ، وغَسَقَتِ السماء: أرشَّتْ (٢٨) ومنه قول عُمرَ حين غسقَ الليلُ على الظِّرابِ (٢٩) (٣٠) وأما قول المفسرين؛ فقال ابن عباس: غسق الليل: اجتماع الليل وظلمته (٣١) (٣٢) وقال ابن مسعود: غسق الليل إظلام الليل (٣٣) وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس: ما الغسق؟
قال: دخول الليل بظلمته، وأنشد بيت زهير: ظلَّتْ تَجُوب يَدَاهَا وهي لاهِيَةٌ ...
حتى إذا جَنَحَ الإظلامُ والغَسَقُ (٣٤) وقال الأزهري: غسق الليل عندي: غَيْبُوبةُ الشَّفق الأحمر حين تحِلُّ صلاةُ عِشاء الآخرة، يدل على ذلك سِيَاقُ الآية في الأمر بالصلوات الخمس، فيدخل الظهر والعصر والمغرب والعشاء في قوله: ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾ (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ قال ابن عباس: يريد صلاة الصبح (٣٦) (٣٧) ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ قاله الفراء (٣٨) ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ ، وأقم قرآن الفجر، فأمر أن يقيم الصلاة بالقراءة، حيث سميت الصلاة قرآنًا، فلا تكون صلاةٌ إلا بقراءة؛ انتهى كلامه (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِكَانَ مَشْهُودًا ﴾ ، كلهم قالوا: صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (٤٠) وروى أبو هريرة أن النبيّ - - قال: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح"، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿ قُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ الآية.
(٤١) ﴿ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ (٤٢) وقال الكلبي: ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الغداة خلف الإمام، تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل، فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار، فتقول ملائكة الليل إذا صعدت إلى ربها: ربنا إنا تركنا عبادك يصلون لك، ويقول الآخرون: ربنا أتينا عبادك وهم يصلون، فيقول الله لملائكته: اشهدوا أني قد غفرت لهم (٤٣) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 129.
(٢) "الغريب" لابن قتيبة 1/ 261.
(٣) نسب لقطرب في: "تفسير القرطبي" 10/ 303، و"اللسان" (برح) 1/ 245.
(٤) وصدره: هذا مَقَامُ قدَمَيْ رَبَاحِ ورد بلا نسبة في "مجاز القرآن" 1/ 387، و"نوادر أبي زيد" ص 315، و"تفسير الطبري" 15/ 136، و"جمهرة اللغة" 1/ 274، و"الأزمنة والأمكنة" ص 286، و"المخصص" 9/ 25، و"تهذيب الألفاظ" ص 393 وفيه: (اليوم) بدل (غدوة)، و"تفسير الثعلبي" 7/ 116 أ، و"ابن عطية" 9/ 163، و"أبي حيان" 6/ 68، وورد برواية (ذبَّبَ) بدل (غُدْوَة) في "معاني القرآن" للفراء 2/ 129، و"تهذيب اللغة" (برح) 1/ 302، (دلك) 2/ 1220، و"الصحاح" (برح) 1/ 356، و"تفسير الماوردي" 3/ 263، و"شرح المفصل" 4/ 60، و"تفسير القرطبي" 10/ 303، و"اللسان" (برح) 1/ 245، وورد برواية: (للشمس) بدل (غدوة) في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، و"تفسير الطوسي" 6/ 509، (رباح): اسم ساقٍ على بئر، قال الفراء: يعني الساقي (ذَبَّب).
طرد الناس، (براح)؛ يقول: حتى قال بالراحة على العين، فينظر هل غابت ، وقال "الطبري" 15/ 136: (براج) يروى بفتح الباء فمن روى ذلك بكسرها، فإنه يعني: أشبه يضع الناظركفه على حاجبه من شعاعها == لينظر ما لقي من غبارها، وهذا تفسير أهل الغريب ...
ومن روى بفتح الباء، فإنه جعله اسمًا للشمس، (دلكت): مالت للغُيوب.
(٥) في جميع النسخ: (بالأفلاف)، والتصويب من الديوان وجميع المصادر.
(٦) وتمامه كما في "الديوان" 3/ 1734: مصابيحُ ليست ليست باللَّواتي تقودُها ...
نُجومٌ .................
وورد في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 261، و"تفسير الثعلبي" 7/ 116 أ، و"الماوردي" 3/ 262، و"ابن عطية" 9/ 163، و"ابن الجوزي" 5/ 72، و"القرطبي" 10/ 303، و"اللسان" (دلك) 3/ 1412، و"تفسير أبي حيان" 6/ 68، وفي "اللسان" (صبح) 4/ 2389: المصباح من الإبل: الذي يبرك في معرَّسه فلا ينهض حتى يصبح وإن أثير، وقيل: المِصْبَحُ والمِصْباح من الإبل: التي تُصبحُ في مبركها لا ترعى حتى يرتفع النهار، وهو مما يستحب من الإبل؛ وذلك لقوتها وسمنها.
والمقصود هنا: أنها من الشبع لا تبالي ألَّا ترحل، (الآفلات): الغائبات.
(٧) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 384 بمعناه من طريق سالم، وابن أبي شيبة 2/ 44 بمعناه من طريق نافع، و"الطبري" 15/ 135 بمعناه من طريق نافع، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 181 بمعناه من طريقها، و"تفسير السمرقندي" 2/ 280، بنحوه من طريق سالم.
(٨) داود بن الحصين، أبو سليمان المدني، مولى عثمان بن عفان ، محدّث مشهور ، ثقة إلا في عكرمة ، رُمي برأي الخوارج، روى عن أبيه والأعرج، وعنه: إسحاق ومالك، مات سنة (135 هـ).
== انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 408، و"ميزان الاعتدال" 2/ 195، و"الكاشف" 1/ 379، و"تقريب التهذيب" ص198 (1779).
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 44) بنصه من هذه الطريق، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 354 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(١٠) ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 129 - بمعناه، أخرجه "الطبري" 15/ 135 بلفظه من طريق الشعبي، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 508 - بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 354 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور.
(١١) "تفسير مجاهد" 1/ 368 بمعناه، وأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 384 - بمعناه عن قتادة وعطاء، وابن أبي شيبة 2/ 45، بلفظه عن الشعبي، وبنحوه عن مجاهد، و"الطبري" 15/ 135 بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس والحسن وقتادة، وبنحوه عن مجاهد، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 181 بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس، و"تفسير السمرقندي" 2/ 280 بمعناه عن قتادة والشعبي عن ابن عباس، و"الثعلبي" 7/ 116 أبلفظه عن مجاهد والحسن وعطاء، و"الماوردي" 3/ 262 - بلفظه عن الشعبي عن ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد، و"الطوسي" 6/ 508، عن الحسن ومجاهد وقتادة.
(١٢) أخرجه "الطبري" 15/ 137، بنحوه، من طريق ابن أبي ليلى عن رجل عن جابر - - قال: دعوت نبي الله - - ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي - - فقال: "اخرج يا أبا بكر قد دلكت الشمس"، فيه== رجل مجهول، وأخرجه -كذلك- من طريق الأسود بن قيس عن نُبيح العَنزي عن جابر - - عن النبي - - بنحوه.
ورجاله ثقات، لكن الطبري لم يجزم بصحته؛ حيث قال في ترجيح هذا القول: وبذلك ورد الخبر عن رسول الله - - وإن كان في إسناد بعضه بعض نظر، وقال بعد إيراد هذه الأخبار: فإذا كان صحيحًا ما قلنا بالذي به استشهدنا ..
، وقد استشهد بالحديث كذلك: "ابن عطية" 9/ 161، و"ابن الجوزي" 5/ 72، و"أبي حيان" 6/ 70، و"ابن كثير" 3/ 61، والحديث ضعيف.
(١٣) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 384 بمعناه، وابن أبي شيبة 2/ 45، بنحوه، و"الطبري" 15/ 134، بنحوه من طرق، والطبراني في "الكبير" 9/ 262، بنحوه من عدة طرق، والحاكم: التفسير، الإسراء2/ 363، بنحوه وصححه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 116 أ، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 354 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق.
(١٤) أبو مريم زِر بن حبيش الأسدي الكوفي، ثقة جليل مخضرم، سمع عمر وعليًّا - ما- وعنه: عاصم بن أبي النجود والشعبي، مات سنة (82 هـ) وله (127) سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 622، و"الكاشف" 1/ 402، و"تقريب التهذيب" ص 215 (2008).
(١٥) أخرجه الطبراني في "الكبير" 9/ 263 بلفظه من هذه الطريق، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 181، و"تهذيب اللغة" (دلك) 2/ 1220، و"تفسير الجصاص" 3/ 206، و"السمرقندي" 2/ 280، و"هود الهواري" 2/ 436، و"الماوردي" 3/ 262، و"الطوسي" 6/ 508.
(١٦) أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 45) عنه بمعناه، قال: دلوكها غروبها، وانظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 70 - بمعناه، وأورده السيوطي في "الدرالمنثور" 4/ 354 بمعناه == وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وفي جميع النسخ: (غببوبته) مذكرًا، وحقها التأنيث؛ لأن الضمير يعود على الشمس وهي مؤنثة.
(١٧) أخرجه "الطبري" 15/ 134 بمعناه عن ابن عباس من طريق مجاهد (صحيحة)، وابن زيد، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 262 - بمعناه عن ابن عباس وابن زيد، و"الطوسي" 6/ 508 بمعناه عن ابن عباس وابن زيد، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 72، عنهم- ما عدا السدي، و"الخارن" 3/ 174، عن إبراهيم والسدي.
(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، بنصه.
(١٩) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 530، بنصه.
(٢٠) "تهذيب اللغة" (دلك) 2/ 1220 بتصرف يسير.
وقد رجح الطبري هذا القول، قائلاً: وأولى القولين بالصواب قول من قال: عني بقوله: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ : صلاة الظهر؛ وذلك أن الدلوك في كلام العرب: الميل.
ثم قال: فإذا كان معنى الدلوك في كلام العرب هو الميل، فلا شك أن الشمس إذا زالت عن كبد السماء، فقد مالت للغروب، وذلك وقت صلاة الظهر، وكذلك رجحه البغوي 5/ 114، و"ابن عطية" 9/ 162، وذهب بعضهم إلى أن اللفظ يشمل الأمرين؛ لأن أصل الدلوك في اللغة هو الميل، والشمس تميل عند زوالها وغروبها، فلذلك انطلق على كل واحدٍ منهما.
انظر: "تفسير الماوردي" 3/ 263.
(٢١) جاء بنحوه في "معاني القرآن" للفراء 2/ 129، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، و"مجاز القرآن" 1/ 388، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 261.
(٢٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 26، و"أبي حيان" 6/ 68، و"القرطبي" 10/ 304 بلا نسبة.
(٢٣) ورد في "تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، بنصه.
(٢٤) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 304، و"أبى حيان" 6/ 68.
(٢٥) "فعلت وأفعلت" ص 69، بنحوه (٢٦) ورد في "تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، بنصه.
(٢٧) ورد في "تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، و"اللسان" (غسق) 6/ 3255.
(٢٨) الراء والشين أصلٌ واحد يدلّ على تفريق الشيء، والرشُّ يكون للماء والدم والدمع، ويقال: رشَّت السماءُ وأرشت، وكذلك أرشّت الطعنةُ الدم، وأرشّت العينُ الدمع.
انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 373، و"اللسان" (رشش) 3/ 1650.
(٢٩) ورد أثر عمر - - في: "النهاية" 3/ 156، و"اللسان" (ظرب) 5/ 2745، (غسق) 6/ 3255.
والظِّراب: جمع ظَرِبٍ بوزن كَتِفٍ، وهي الروابي الصغار.
قال الليث: الظَربُ من الحجارة ما كان ناتئًا في جبلٍ أو أرض خَربةٍ (٣٠) ورد في"تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، بنصه.
(٣١) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 182 بنصه، و"تفسير الجصاص" 3/ 206 == بنصه، انظر: "تفسير ابن العربي" 3/ 1219، و"القرطبي" 10/ 304، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 354 وعزاه إلى ابن المنذر.
(٣٢) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 384 بنصه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 27.
(٣٣) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 531.
(٣٤) لم أجده في ديوانه، وورد في: "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 89، و"الإتقان" 2/ 86، و"الدر المنثور" 4/ 354، وبرواية تجود في "تفسير الماوردي" 3/ 263، و"القرطبي" 10/ 304، و"أبي حيان" 6/ 68، و"شرح القصائد السبع الطوال" ص 559 بلا نسبة.
(٣٥) "تهذيب اللغة" (غسق) 3/ 2664، بتصرف.
(٣٦) أخرجه "الطبري" 15/ 140، بنصه من طريق العوفي (ضعيفة)، وأورده في "الدر المنثور" 4/ 355.
(٣٧) "تفسير مجاهد" ص 368 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 139 - 140، عنهم - عدا مسروق، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد.
(٣٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 129، بمعناه.
(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 255، بنصه.
(٤٠) انظر: "تفسير الطبري" 15/ 139، و"ابن عطية" 9/ 166.
(٤١) وطرف الحديث: "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل ..
" الحديث، أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 1/ 522 بنصه، وأحمد 2/ 474، بنحوه، والبخاري (4717) كتاب: التفسير، سورة الإسراء، باب: قوله ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ ...
﴾ بنصه، ومسلم (649/ 246) كتاب: المساجد، فضل الجماعة، وابن ماجه (670) كتاب: مواقيت الصلاة؛، وقت الصلاة الفجر، بنحوه، والترمذي (3135) كتاب: التفسير، الإسراء، بنحوه وقال: حسن صحيح، والنسائي: الصلاة، فضل الصلاة الجماعة == 1/ 241 بنصه، و"الطبري" 15/ 141، بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 183، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" 7/ 117 أ، بنصه، و"الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٤٢) أخرجه "الطبري" 15/ 141، بنحوه، والطبراني في "الكبير" 9/ 265، بنحوه، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 437، بنحوه، و"الدر المنثور" 4/ 355 وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
(٤٣) لم أقف عليه، وقد ورد بهذا المعنى حديث صحيح مشهور، رواه أبو هريرة عن النبي - - وطرفه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ..) أخرجه البخاري (555) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاتى العصر، ومسلم (632) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَقِمِ الصلاوة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل وَقُرْآنَ الفجر ﴾ هذه الآية إشارة إلى الصلوات المفروضة فدلوك الشمس زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته وذلك إشارة إلى المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الصبح، وانتصب قرآن الفجر بالعطف على موضع اللام في قوله: ﴿ لدلوك الشمس ﴾ ، فإن اللام فيه ظرفية بمعنى علم، كذا وقيل: هو عطف على الصلاة وقيل: مفعول بفعل مضمر تقديره: اقرأ قرآن الفجر، وإنما عبر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر، لأن القرآن فيها أكثر من غيرها لأنها تصلى بسورتين طويلتين ﴿ إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً ﴾ أي تشهده ملائكة الليل والنهار، فيجتمعون فيه إذ تضعد ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.
الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".
حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.
الباقون بفتحتين كرمى.
الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.
التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.
عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟
فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.
فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.
فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.
وقال عمر: أما ترون رسول الله أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.
وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.
وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.
وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.
فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.
وعن سعيد بن جبير أنه كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.
قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.
فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.
والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.
وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.
قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.
وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.
والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.
وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.
والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.
واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.
والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي .
وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.
وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.
وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله عقيب ذلك.
ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.
ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.
واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.
وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.
وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .
ثم بين أن عادته جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.
وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.
وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.
وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.
وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.
وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.
وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.
قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.
وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.
وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.
قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.
قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.
وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.
وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.
الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.
وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.
والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.
ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.
وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.
وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.
فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.
ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.
فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.
والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.
ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.
قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.
وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.
فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.
ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.
ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.
فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.
وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.
وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".
ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي .
زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.
ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.
ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.
وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.
ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.
فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.
وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.
وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له .
قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.
قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.
﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.
وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.
وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.
وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.
وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.
وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.
يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.
ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.
عن ابن مسعود أن النبي دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.
صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.
فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.
فحمله رسول الله حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.
وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.
وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .
ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.
ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.
وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.
وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.
والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.
ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.
وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.
﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.
والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.
﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.
ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.
فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.
فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.
ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله ، وإذا كانت معرفة الله .
ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟
وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي وما يعلم الروح.
ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.
ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.
وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.
وقوله : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.
وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.
ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.
وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.
ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.
وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.
قال : ﴿ وما أمر فرعون برشيد ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا ﴾ أي فعلنا.
وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.
ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.
ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.
وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.
وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ ونقل عن علي أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.
وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.
وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟
فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.
وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.
واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!
ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.
أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.
والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.
أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.
فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.
ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.
ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.
وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.
قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.
ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.
ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.
والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.
وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.
وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.
وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.
فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.
فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.
وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.
وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.
ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.
وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.
والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.
قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.
واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.
ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.
وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.
فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟
وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟
فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.
ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.
على أنه قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله .
قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.
وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.
ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.
﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.
قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.
وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.
وقد أوحاها الله إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.
التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.
﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.
وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.
﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.
ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.
﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.
ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.
وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها ﴾ .
"روي أن رجلاً جاء إلى النبي يعرض حاجة فقال : ما تريد؟
فقال: مرافقتك في الجنة.
فقال : أو غير ذلك؟
فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.
فقال النبي : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.
والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.
فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي .
فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.
ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.
وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".
وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.
ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.
وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.
وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
يحتمل الأمر بإقامة الصلاة: الأمر بالدوام عليها واللزوم بها، أي: الزم بها وأدها.
أو اسم التمام والكمال، أي: أتممها وأكملها بالشرائط التي أمرت بها.
ويحتمل قوله: ﴿ أَقِمِ ﴾ : فعلها، ولم يفهم من قوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ الانتصاب على ما ينصب الشيء ويقام به؛ فدلّ أنه لا يفهم من الخطاب ظاهره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، أي: إلى ظلمة الليل ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ ، أي: صلاة الفجر، فيقول [بعض] الناس: في هذه الآية بيان أوقات الصلوات الخمس جميعاً؛ لأنه ذكر أول ما يجب من الصلاة وهي الظهر إلى ما ينتهي وهي الفجر؛ فعلى هذا التأويل ﴿ إِلَىٰ ﴾ لا تكون غاية، ولكن تكون كأنه قال: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، والله أعلم.
[وقوله - عز وجل -: ﴿ لِدُلُوكِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: دلوك الشمس: زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، أي: إلى ظلمة الليل].
ومنهم من يقول: فيه ذكر صلوات النهار؛ لأنه ذكر دلوك الشمس، وهو زوالها ﴿ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ، وغسق الليل هو بدوّ ظلمة الليل.
فيدخل فيه الظهر والعصر؛ فعلى تأويل هذا يكون حرف ﴿ إِلَىٰ ﴾ غاية لا تدخل صلاة الليل فيه.
ثم تخصيص الخطاب لرسول الله والأمر له بإقامة الصلاة يكون كأنه قال: (أقم لهم الصلاة)، فإن كان هذا، ففيه دلالة صحة صلاة القوم بصلاة الإمام، وتعلق صلاتهم بصلاة الإمام حيث قال: (أقم لهم الصلاة)، ولو كان كل أحد يقيم صلاة نفسه، لكان لا يقول: (أقم لهم الصلاة)، ولكن يقول (صل الصلاة)؛ فدلّ أنه على ما ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أقم الصلاة للذي تدلك له الشمس [أي: تسجد] كقوله: ﴿ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ...
﴾ الآية [النحل: 48].
والثاني: أقم الصلاة للوقت الذي يتلو دلوك الشمس الصلاة [وأقم قراءة الصلاة].
ثم تخصيص الفجر لما ذكر حيث قال: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ ، التخصيص لقرآن الفجر لأنه مشهود، والفرضية بها بقوله: أقم قرآن الصلاة على ما ذكرنا.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ \[أي: لم يزل في علم الله كان مشهوداً، أو صار مشهوداً\]، ثم قال: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ : وهي صلاة الفجر، وإنما ذكر صلوات النهار فدخل صلوات الليل بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ ، لكنهم يقولون: إن التهجد بعد النوم، وقد يكره النوم قبل فعل المغرب والعشاء فلا يصح هذا.
ومنهم من يقول: ﴿ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ ﴾ غروبها، وهو قول عبد الله بن مسعود وغيره.
وقال بعضهم: فيه ذكر صلوات الليل؛ لأنه ذكر بدوّ ظلمة الليل، وذلك بالغروب، وقرآن الفجر وهو آخر ما ينتهي ظلمة الليل؛ لأنه يبقي ظلمة الليل إلى وقت الفراغ من الفجر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: أحدهما: القرآن يكون كناية عن صلاة الفجر، كأنه قال: أقم الصلاة لدلوك الشمس، وأقم - أيضاً - صلاة الفجر؛ لأنه نسق على الأول، ويحتمل قوله: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ ﴾ ، أي: قراءة الفجر، أي: أقم قراءة الفجر.
ويجوز أن يقال: (القرآن) مكان (القراءة)، كقوله: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ ، أي: قراءته.
ثم من الناس من احتج بفرضية القراءة في الصلاة بهذا؛ لأنه نسق على الأول على ما ذكرنا كأنه [قال] (أقم القراءة).
ومنهم من يقول: إنما حث على قراءة الفجر دون غيرها من الصلوات لما طول القراءة فيها لتقصيره عن الأربع؛ لأنه لم يجعل غيرها من الصلوات ركعتين فحث على قراءتها لهذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، أي: حرس الليل وحرس النهار، وعلى ذلك رويت الآثار عن رسول الله وعن الصحابة.
وقوله: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ﴾ : أي: قراءة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، على هذا حمله أهل التأويل، وعلى ذلك رويت الأخبار، وإلا جاز أن يقال فيه [بوجه] آخر: وهو أن تشهده القلوب والسمع والعقول؛ لأن ذلك الوقت هو وقت الفراغ عن جميع الأشغال والموانع التي تشغل عن الاستماع والفهم عنه ما لا يكون ذلك الفراغ لغيرها من الصلوات من صلاة المغرب والعشاء؛ لأنها بقرب من الأشغال والحوائج، ألا ترى أن الجهر بالقراءة إنما جعل في الأوقات التي هي أوقات الفراغ عن الاشتغال: وهي المغرب والعشاء، ثم وقت الفجر هو أخلى وقت عن غيره؛ لأنه بعد فراغ النوم، وقبل هجوم وقت التقلب، فالقراءة فيها والقلوب أشهد لها، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ .
قال بعضهم: النافلة: الغنيمة، كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ ﴾ ، أي: الغنائم، وقوله - عز وجل -: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ ، أي: غنيمة لك تغنم بها غنائم أو كلام نحو هذا.
وقال الحسن: قوله: ﴿ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ : أي: خالصة لك، وخلوصها له وهو ألا يغفل هو عن شيء منها في حال من الأحوال، وغيره من الناس يغفلون فيها عن أشياء.
وقال بعضهم: ذكر أنه نافلة له؛ لأنه كان مغفوراً له فما يعمل يكون له نافلة، وأما غيره فإن ما يعمل من الخيرات يكون كفارة لذنوبهم فلا يكون لهم نافلة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ .
قال: ﴿ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ ، تحمد عاقبته بالتهجد، أي: يبعثك ربك مقاماً تحمد أنت تلك العاقبة جزاء بتهجدك في الدنيا.
وقال بعضهم: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ ما يحمده كل الخلائق الأولون والآخرون.
وقال بعضهم: ﴿ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ هو مقام الشفاعة، والله أعلم، أي: تشفع لأمتك وأهل العصيان منهم.
وجائز أن يكون هو صلة قوله - ما تقدم من قوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ﴾ ، وقوله: ﴿ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ﴾ ، وما ذكر من المواعيد لما سمع هذا وقرع سمعه أخافه ذلك وأفزعه؛ فنزل قوله: ﴿ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ﴾ إن عبدت الله وأطعته في جميع أموره ونواهيه، وأقمت له الصلاة والصيام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ : ظاهر هذا الخطاب يكون لرسول الله حيث أمره أن يدعو بما ذكر، وقد عرف هو ما أمره من الدعاء بقوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، فلا حاجة تقع لنا إلى أن نطلب المراد من ذلك، إلا أن يكون لغير في ذلك اشتراك، فعند ذلك يتكلف فيه ويطلب المراد منه.
وقد تكلم أهل التأويل في ذلك.
قال بعضهم: قوله: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ ، كان النبي بمكة ثم أمر بالهجرة منها إلى المدينة وأمر أن يدعو بهذا الدعاء: (رب أدخلني في المدينة مدخل صدق آمنا على زعم اليهود، وأخرجني من المدينة إلى مكة مخرج صدق على زعم كفار مكة ظاهراً عليهم)؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ عليهم ففعل الله ذلك له وأجابه، وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف (السلطان) يتوجه إلى وجوه ثلاثة: يكون مرة عبارة عن حجة قاهرة غالبة.
ويكون عبارة عن ولاية نافذة غالبة.
ويكون عبارة عن اليد الغالبة الظاهرة أيضاً، وقد كان - بحمد الله ومنته - لرسول الله على الكفرة ذلك كله.
وقال بعضهم: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ في مكة؛ ليعلم أهل مكة أني قد بلغت الرسالة ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ؛ ليعلم يهود المدينة أني نصرت وبلغت ما أمرت به.
وقال الحسن: أخرجني من مكة مخرج صدق.
وأدخلني في الجنة مدخل صدق.
وقال بعضهم: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾ فيما حملتني من الرسالة والنبوة، وما أمرتني به لأؤديها على ما أمرتني، وأبلغ الرسالة إلى الخلق على ما كلفتني، ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ ، أي: أخرجني مما كلفتني سالماً لا تبعة علي، أو كلام نحوه.
وأصله: كأنه أمره أن يسأل ربه الصدق في جميع أفعاله وأقواله؛ وفي جميع ما يعبده به من الدخول في أمر أو الخروج منه؛ إذ لا يخلو العبد من هذين: من الدخول في أمر والخروج منه، سأله الصدق في كل حال وكل دخول وكل خروج.
وقال مجاهد: ﴿ رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ في الرسالة والنبوة، وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ .
قال بعضهم: حجة منه، وقد أقامها على الكفرة.
وقال بعضهم: ﴿ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ ، أي: اجعل في قلوب الناس هيبة، ليهابوني، وقد كان من الهيبة بحيث هابوه من مسيرة شهرين.
وقال بعضهم: هو السلطان الذي ينصرون به الدين، ويقيمون الحدود والأحكام ونحوه.
وقيل: السلطان: هو إقامة الحدود والأحكام والشرائع، وهو تفسير الولاية؛ لأنه بالولاية ما يقيمها، وهو ما ذكرنا: أن الولاية إقامة الأحكام.
ثم قيل في الصدق والإخلاص: قال بعضهم: الإخلاص: هو ألا يجعل الشخص بقلبه نصيباً لأحد سواه، والصدق وإن جعل لا يجد لذلك لذة، الصدق عندنا أن يجعل الفضل في جميع أفعاله لله لا يجعل لنفسه شيئاً من الفضل، وعلى ذلك يلزمه الشكر لربّه في جميع خيراته.
وعن الحسن قال: لما مكر كفار مكة برسول الله ؛ ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، فأراد الله بقاء أهل مكة، فأمر نبيه أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة، وعلمه ما يقول، فأنزل الله: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً ﴾ ؛ وعده الله لينزعن ملك فارس والروم ويجعله لأمته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ وهو الإسلام.
وقيل: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ : القرآن.
وقيل: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: محمد.
أو يقول: جاءت آثار الحق فذهب الباطل وآثاره.
أو جاءت حجج الحق وبراهينه وذهبت شبه الباطل وتمويهاته، والحق: يحتمل ما ذكرنا من الإسلام ورسول الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب وبطل غيره من الأديان، وغيره من المذاهب، وعبادة الأصنام ونحو ذلك.
قالوا: وأصله: أن الناس كانوا في حيرة وتيه قبل بعث الرسول؛ لما كانوا فقدوا دين الله وسبيله منذ كان رفع عيسى من الأرض إلى السماء لا يجدون سبيل الله، ولا يهتدون إلى شيء، حيارى، حزانى حتى بعث الله محمداً، ليدعوهم إلى دين الله، ويبين لهم سبيله الذي كان يتمسك به الأنبياء من قبله، ويخرجهم من تلك الحيرة التي كانوا فيه، ففعل ؛ فذلك الذي قال الله : ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ ﴾ الذي [كانوا] فقدوه فسرُّوا بذلك، ﴿ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ ، أي: ذهب واضمحل، ﴿ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ ، أي: ذاهباً مضمحلاً، لا يجدي خيراً، ولا يعقب لأهله نفعاً، والحق هو الذي يعقب ويجدي نفعاً لأهله.
ثم قوله: ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ ﴾ لم يفهم أهل الخطاب بمجيء الحق: الانتقال من مكان إلى مكان، ولا بذهاب الباطل على ما يفهم من مجيء فلان وذهاب فلان، بل فهموا من مجيء الحق ظهوره وعلوه، وفهموا من زهوق الباطل وذهابه: فناه واضمحلاله وتلاشيه، وعلى ذلك لم يفهموا من مجيء الأعراض ما فهموا من مجيء الأجسام والأجساد؛ فعلى ذلك لا يجب أن يفهموا من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ : الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك لا يفهم من قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ استواء الخلق، ولا من نزوله: نزول الخلق؛ على ما لم يفهم مما أضيف إلى الأعراض من الأفعال ما فهموا من الأجساد والأجسام، بل فهموا [من الله غير الذي فهموا من الآخر]؛ فعلى ذلك لا يفهم مما أضيف إلى الله ما يفهم مما أضيف إلى الخلق، بل يتعالى عن أن يشبه الخلق أو يشبهه الخلق في معنى من المعاني، أو في وجه من الوجوه، بل هو كما وصف نفسه؛ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴾ ، وقوله: ﴿ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ وتعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ ، كأن الآية نزلت في ابتداء الأمر، حيث قال: ﴿ وَنُنَزِّلُ ﴾ ولم يقل: (ونزلنا من القرآن ما هو شفاء).
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ ﴾ : نفس القرآن، وهو ما ذكرنا.
ويحتمل المواعيد التي في القرآن من وقائع تكون عليهم، وكأن في ذلك شفاء للمؤمنين، كقوله: ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 14].
أو نقول بأنه يجوز (نفعل) بمعنى (فعلنا)، وذلك كثير في القرآن.
ثم قوله: ﴿ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: شفاء للمستشفين في الدنيا، ورحمة لمن تمسك به في الآخرة، فيه شفاء لمن استشفاه في الدنيا، ورحمة في الآخرة لمن تمسّك به، وعمى وخسار وظلمة لمن أعرض عنه، ونظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء [والاستثقال]، وأما من نظر إليه بعين التعظيم والإجلال فهو له شفاء ورحمة وإن كان القرآن نفسه شفاء ونوراً، وهكذا في الشاهد أن من أبصر شيئاً إنما يبصر بنور البصر وبنور الهواء بارتفاع ما يستر النورين جميعاً؛ لأنه إذا كان عمى البصر لم يبصر شيئاً، وإن كان نور الهواء متجلياً وكذلك لا يبصر إذا كان نور البصر متجلياً، بعد أن سترت الظلمة نور الهواء.
فإن كان ما ذكرنا أنه لا يبصر في الشاهد شيئاً إلا بنورين: نور البصر، ونور الهواء، فالكافر لم يبصر نور القرآن وشفاءه؛ لما سترت الظلمة نور قلبه، والمؤمن أبصر نوره وشفاءه بنور إيمانه، وهكذا الأدوية؛ فإنها لا تجدي نفعاً وإن كانت نافعة شافية في أنفسها إلا بقبول الطبيعة؛ لأن الطبع إذا لم يقبلها وإن كانت نافعة شافية - لم تنفع صاحبها، ولم تكن له شفاء، وصارت كأنها في الأصل كانت ضارة غير شافية؛ فعلى ذلك القرآن - وإن كان في نفسه شفاء ونوراً - ضار للكافر عمى وخساراً، كأن لا شفاء فيه ولا رحمة لما سترت ظلمة الكفر نوره فصار كالزائد رجساً وطغياناً ونفوراً، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً ﴾ ، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أقم الصلاة بالإتيان بها على أتم وجه في أوقاتها من زوال الشمس عن كبد السماء ويشمل ذلك صلاة الظهر والعصر، إلى ظلمة الليل، وتشمل المغرب والعشاء، وأقم صلاة الفجر وأطل القراءة فيها، فصلاة الفجر تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار.
<div class="verse-tafsir" id="91.6kdND"