الآية ٨٥ من سورة الإسراء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 17 الإسراء > الآية ٨٥ من سورة الإسراء

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا ٨٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 197 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٥ من سورة الإسراء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٥ من سورة الإسراء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله - هو ابن مسعود رضي الله عنه - قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث في المدينة ، وهو متوكئ على عسيب ، فمر بقوم من اليهود ، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح .

فقال بعضهم : لا تسألوه .

قال : فسألوه عن الروح فقالوا يا محمد ، ما الروح ؟

فما زال متوكئا على العسيب ، قال : فظننت أنه يوحى إليه ، فقال : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فقال بعضهم لبعض : قد قلنا لكم لا تسألوه .

وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش ، به .

ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية ، عن عبد الله بن مسعود قال : بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث ، وهو متوكئ على عسيب ، إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ، فقال : ما رابكم إليه .

وقال بعضهم : لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه .

فقالوا سلوه فسألوه عن الروح ، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا ، فعلمت أنه يوحى إليه ، فقمت مقامي ، فلما نزل الوحي قال : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) الآية .

وهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادي الرأي أن هذه الآية مدنية ، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود ، عن ذلك بالمدينة ، مع أن السورة كلها مكية .

وقد يجاب عن هذا : بأنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك ، أو أنه نزل عليه الوحي بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه ، وهي هذه الآية : ( ويسألونك عن الروح ) ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما قال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا يحيى بن زكريا ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قالت قريش ليهود : أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل .

فقالوا : سلوه عن الروح .

فسألوه ، فنزلت : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) قالوا : أوتينا علما كثيرا ، أوتينا التوراة ، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا .

قال : وأنزل الله : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) [ الكهف : 109 ] .

وقد روى ابن جرير ، عن محمد بن المثنى ، عن عبد الأعلى ، عن داود ، عن عكرمة قال : سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح ، فأنزل الله : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فقالوا يزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة ، وهي الحكمة ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) ؟

[ البقرة : 269 ] قال : فنزلت : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) [ لقمان : 27 ] .

قال : ما أوتيتم من علم ، فنجاكم الله به من النار ، فهو كثير طيب وهو في علم الله قليل .

وقال محمد بن إسحاق ، عن بعض أصحابه ، عن عطاء بن يسار قال : نزلت بمكة : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، أتاه أحبار يهود .

وقالوا يا محمد ، ألم يبلغنا عنك أنك تقول : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) أفعنيتنا أم عنيت قومك ؟

فقال : " كلا قد عنيت " .

قالوا : إنك تتلو أنا أوتينا التوراة ، وفيها تبيان كل شيء ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي في علم الله قليل ، وقد آتاكم ما إن عملتم به استقمتم " ، وأنزل الله : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ) [ لقمان : 27 ] .

وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح هاهنا على أقوال : أحدها : أن المراد [ بالروح ] : أرواح بني آدم .

قال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( ويسألونك عن الروح ) الآية ، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرنا عن الروح ؟

وكيف تعذب الروح التي في الجسد ، وإنما الروح من الله ؟

ولم يكن نزل عليه فيه شيء ، فلم يحر إليهم شيئا .

فأتاه جبريل فقال له : ( قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقالوا : من جاءك بهذا ؟

فقال : " جاءني به جبريل من عند الله ؟

" فقالوا له : والله ما قاله لك إلا عدو لنا .

فأنزل الله : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله [ مصدقا لما بين يديه ] ) الآية [ البقرة : 97 ] .

وقيل : المراد بالروح هاهنا : جبريل .

قاله قتادة ، قال : وكان ابن عباس يكتمه .

وقيل : المراد به هاهنا : ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( ويسألونك عن الروح ) يقول : الروح : ملك .

وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري ، حدثنا وهب بن رزق أبو هريرة حدثنا بشر بن بكر ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا عطاء ، عن عبد الله بن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن لله ملكا ، لو قيل له : التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة ، لفعل ، تسبيحه : سبحانك حيث كنت " .

وهذا حديث غريب ، بل منكر .

وقال أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : حدثني علي ، حدثني عبد الله ، حدثني أبو نمران يزيد بن سمرة صاحب قيسارية ، عمن حدثه عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال في قوله : ( ويسألونك عن الروح ) قال : هو ملك من الملائكة ، له سبعون ألف وجه ، لكل وجه منها سبعون ألف لسان ، لكل لسان منها [ سبعون ] ألف لغة ، يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها ، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة .

وهذا أثر غريب عجيب ، والله أعلم .

وقال السهيلي : روي عن علي أنه قال : هو ملك ، له مائة ألف رأس ، لكل رأس مائة ألف وجه ، في كل وجه مائة ألف فم ، في كل فم مائة ألف لسان ، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة .

قال السهيلي : وقيل المراد بذلك : طائفة من الملائكة على صور بني آدم .

وقيل : طائفة يرون الملائكة ولا تراهم فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم .

وقوله : ( قل الروح من أمر ربي ) أي : من شأنه ، ومما استأثر بعلمه دونكم ؛ ولهذا قال : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) أي : وما أطلعكم من علمه إلا على القليل ، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى .

والمعنى : أن علمكم في علم الله قليل ، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى ، ولم يطلعكم عليه ، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى .

وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر : أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة ، فنقر في البحر نقرة ، أي : شرب منه بمنقاره ، فقال : يا موسى ، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر .

أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه ؛ ولهذا قال تبارك وتعالى : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) وقال السهيلي : قال بعض الناس : لم يجبهم عما سألوا ؛ لأنهم سألوا على وجه التعنت .

وقيل : أجابهم ، وعول السهيلي على أن المراد بقوله : ( قل الروح من أمر ربي ) أي : من شرعه ، أي : فادخلوا فيه ، وقد علمتم ذلك لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة ، وإنما ينال من جهة الشرع .

وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر ، والله أعلم .

ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس ، أو غيرها ، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء ، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر .

وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن ، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم ، فهي إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء .

قال : كما أن الماء هو حياة الشجر ، ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسما خاصا ، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارا أو خمرا ، ولا يقال له : " ماء " حينئذ إلا على سبيل المجاز ، وهكذا لا يقال للنفس : " روح " إلا على هذا النحو ، وكذلك لا يقال للروح : نفس إلا باعتبار ما تئول إليه .

فحاصل ما يقول أن الروح أصل النفس ومادتها ، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن ، فهي هي من وجه لا من كل وجه وهذا معنى حسن ، والله أعلم .

قلت : وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها وصنفوا في ذلك كتبا .

ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن منده ، في كتاب سمعناه في : الروح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: ويسألك الكفار بالله من أهل الكتاب عن الروح ما هي؟

قل لهم: الروح من أمر ربي، وما أوتيتم أنتم وجميع الناس من العلم إلا قليلا وذُكِر أن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فنـزلت هذه الآية بمسألتهم إياه عنها، كانوا قوما من اليهود.

ذكر الرواية بذلك حدثنا أبو هشام، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة، ومعه عَسِيب يتوكأ عليه، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم: اسألوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، فقام متوكئا على عسيبه، فقمت خلفه، فظننت أنه يوحَى إليه، فقال ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) فقال بعضهم لبعض: ألم نقل لكم لا تسألوه ".

حدثنا يحيي بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: " بينا أنا أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَرَّة بالمدينة، إذ مررنا على يهود، فقال بعضهم: سَلُوه عن الروح، فقالوا: ما أربكم إلى أن تسمعوا ما تكرهون، فقاموا إليه، فسألوه ، فقام فعرفت أنه يوحى إليه، فقمت مكاني، ثم قرأ ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) فقالوا : ألم ننهكم أن تسألوه ".

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، قال: " سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، فأنـزل الله تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) فقالوا: أتزعم إنا لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا قال: فنـزلت وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ قال: ما أوتيتم من علم، فنجاكم الله به من النار، فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل ".

حدثني إسماعيل بن أبي المتوكل، قال: ثنا الأشجعيّ أبو عاصم الحِمْصيّ، قال: ثنا إسحاق بن عيسى أبو يعقوب، قال: ثنا القاسم بن معن، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: إني لمع النبيّ صلى الله عليه وسلم في حرث بالمدينة، إذ أتاه يهوديّ ، قال: يا أبا القاسم، ما الروح؟

فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنـزل الله عزّ وجلّ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) لقيت اليهود نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فتغَشَّوه وسألوه وقالوا: إن كان نبيّا علم، فسيعلم ذلك، فسألوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فأنـزل الله في كتابه ذلك كله ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) يعني اليهود ".

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) قال: يهود تسأل عنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) قال: يهود تسأله.

حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ )....

الآية: " وذلك أن اليهود قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أخبرنا ما الروح، وكيف تعذّب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله عزّ وجلّ، ولم يكن نـزل عليه فيه شيء، فلم يُحِر إليهم شيئا، فأتاه جَبرائيل عليه السلام ، فقال له ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) فأخبرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، قالوا له: من جاءك بهذا؟

فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: " جاءنِي بِهِ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ الله، فقالوا: والله ما قاله لك إلا عدوّ لنا، فأنـزل الله تبارك اسمه قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ...

الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فمررنا بأناس من اليهود، فقالوا: يا أبا القاسم ما الرُّوح؟

فأُسْكِت.

فرأيت أنه يوحَى إليه، قال: فتنحيت عنه إلى سُباطة، فنـزلت عليه ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ )....

الآية، فقالت اليهود: هكذا نجده عندنا ".

واختلف أهل التأويل في الروح الذي ذُكِر في هذا الموضع ما هي؟

فقال بعضهم: هي جبرئيل عليه السلام.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) قال: هو جبرائيل، قال قتادة: وكان ابن عباس يكتمه.

وقال آخرون: هي مَلك من الملائكة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) قال: الروح: مَلك.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني أبو مروان يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمن حدثه عن عليّ بن أبي طالب، أنه قال في قوله ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح ) قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله عزّ وجلّ بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كلّ تسبيحة مَلكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة.

وقد بيَّنا معنى الرّوح في غير هذا الموضع من كتابنا، بما أغنى عن إعادته.

وأما قوله ( مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) فإنه يعني: أنه من الأمر الذي يعلمه الله عزّ وجلّ دونكم، فلا تعلمونه ويعلم ما هو.

وأما قوله ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ بقوله ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) فقال بعضهم: عنى بذلك: الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وجميع الناس غيرهم، ولكن لما ضمّ غير المخاطب إلى المخاطب، خرج الكلام على المخاطبة، لأن العرب كذلك تفعل إذا اجتمع في الكلام مخبر عنه غائب ومخاطب، أخرجوا الكلام خطابا للجميع.

* ذكر من قال ذلك: حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نـزلت بمكة ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود، فقالوا: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) أفعنيتنا أم قومك؟

قال: كُلا قَدْ عَنَيْتُ، قالوا: فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كلّ شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هِيَ في عِلْمِ الله قَلِيلٌ، وَقَدْ آتاكُمْ ما إنْ عمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ ، فَأَنـزل الله وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ....

إلى قوله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ .

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله عزّ وجلّ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) قال: يا محمد والناس أجمعون.

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح خاصة دون غيرهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ) يعني: اليهود.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: خرج الكلام خطابا لمن خوطب به، والمراد به جميع الخلق، لأن علم كلّ أحد سوى الله، وإن كثر في علم الله قليل.

وإنما معنى الكلام: وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا قليلا من كثير مما يعلم الله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله قال : بينا أنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حرث وهو متكئ على عسيب إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح .

فقال : ما رابكم إليه ؟

وقال بعضهم : لا يستقبلكم بشيء تكرهونه .

فقالوا : سلوه .

فسألوه عن الروح فأمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليهم شيئا ; فعلمت أنه يوحى إليه ، فقمت مقامي ، فلما نزل الوحي قال : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا لفظ [ ص: 291 ] البخاري .

وفي مسلم : فأسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفيه : وما أوتوا .

وقد اختلف الناس في الروح المسئول عنه ، أي الروح هو ؟

فقيل : هو جبريل ; قاله قتادة .

قال : وكان ابن عباس يكتمه .

وقيل هو عيسى .

وقيل القرآن ، على ما يأتي بيانه في آخر الشورى .

وقال علي بن أبي طالب : هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه ، في كل وجه سبعون ألف لسان ، في كل لسان سبعون ألف لغة ، يسبح الله - تعالى - بكل تلك اللغات ، يخلق الله - تعالى - من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة .

ذكره الطبري .

قال ابن عطية : وما أظن القول يصح عن علي - رضي الله عنه - .قلت : أسند البيهقي أخبرنا أبو زكريا عن أبي إسحاق أخبرنا أبو الحسن الطرائفي حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ويسألونك عن الروح يقول : الروح ملك .

وبإسناده عن معاوية بن صالح حدثني أبو هران [ بكسر الهاء ] يزيد بن سمرة عمن حدثه عن علي بن أبي طالب أنه قال في قوله - تعالى - : ويسألونك عن الروح قال : هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه .

.

.

الحديث بلفظه ومعناه .

وروى عطاء عن ابن عباس قال : الروح ملك له أحد عشر ألف جناح وألف وجه ، يسبح الله إلى يوم القيامة ; ذكره النحاس .

وعنه : جند من جنود الله لهم أيد وأرجل يأكلون الطعام ; ذكره الغزنوي .

وقال الخطابي : وقال بعضهم ، هو ملك من الملائكة بصفة وضعوها من عظم الخلقة .

وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي يكون به حياة الجسد .

وقال أهل النظر منهم : إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الإنسان ، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به ، وهذا شيء لا يعلمه إلا الله - عز وجل - .

وقال أبو صالح : الروح خلق كخلق بني آدم وليسوا ببني آدم ، لهم أيد وأرجل .

والصحيح الإبهام لقوله : قل الروح من أمر ربي أي هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله - تعالى - ، مبهما له وتاركا تفصيله ; ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها .

وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى .

وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز .قوله تعالى : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا اختلف فيمن خوطب بذلك ; فقالت فرقة : السائلون فقط .

وقال قوم : المراد اليهود بجملتهم .

وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود " وما أوتوا " ورواها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقالت فرقة : المراد العالم كله .

وهو الصحيح ، وعليه قراءة الجمهور وما أوتيتم .

وقد قالت اليهود للنبي - صلى الله عليه وسلم - : كيف لم نؤت من العلم إلا قليلا وقد [ ص: 292 ] أوتينا التوراة وهي الحكمة ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ؟

فعارضهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعلم الله فغلبوا .

وقد نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله في بعض الأحاديث : " كلا " يعني أن المراد " بما أوتيتم " جميع العالم .

وذلك أن يهود قالت له : نحن عنيت أم قومك .

فقال : ( كلا ) .

وفي هذا المعنى نزلت ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام .

حكى ذلك الطبري - رحمه الله - وقد قيل : إن السائلين عن الروح هم قريش ، قالت لهم اليهود : سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن واحدة فهو نبي ; فأخبرهم خبر أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين على ما يأتي .

وقال في الروح : قل الروح من أمر ربي أي من الأمر الذي لا يعلمه إلا الله .

ذكره المهدوي وغيره من المفسرين عن ابن عباس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا متضمن لردع من يسأل المسائل، التي لا يقصد بها إلا التعنت والتعجيز، ويدع السؤال عن المهم، فيسألون عن الروح التي هي من الأمور الخفية، التي لا يتقن وصفها وكيفيتها كل أحد، وهم قاصرون في العلم الذي يحتاج إليه العباد.

ولهذا أمر الله رسوله أن يجيب سؤالهم بقوله: { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } أي: من جملة مخلوقاته، التي أمرها أن تكون فكانت، فليس في السؤال عنها كبير فائدة، مع عدم علمكم بغيرها.وفي هذه الآية دليل على أن المسؤول إذا سئل عن أمر، الأولى بالسائل غيره أن يعرض عن جوابه، ويدله على ما يحتاج إليه، ويرشده إلى ما ينفعه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) الآية .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد - يعني ابن زياد - حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح وقال بعضهم : لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه فقال بعضهم لنسألنه فقام رجل منهم فقال : يا أبا القاسم ما الروح؟

فسكت فقلت : إنه يوحى إليه فقمت فلما انجلى عنه الوحي قال : ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) قال الأعمش : هكذا في قراءتنا .

وروي عن ابن عباس أنه قال : إن قريشا قد اجتمعوا وقالوا : إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود : سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحدة فهو نبي فسلوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان من أمرهم؟

فإنه كان لهم حديث عجيب وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره وعن الروح؟

فسألوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أخبركم بما سألتم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي - قال مجاهد : اثني عشرة ليلة وقيل : خمسة عشر يوما وقال عكرمة : أربعين يوما - وأهل مكة يقولون : وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم نزل جبريل بقوله : " ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " ونزل في قصة الفتية " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب " ويسألونك عن ذي القرنين " ونزل في الروح " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " .

واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه فروي عن ابن عباس : أنه جبريل وهو قول الحسن وقتادة .

وروي عن علي أنه قال : هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها .

وقال مجاهد : خلق على صور بني آدم لهم أيد وأرجل ورءوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام .

وقال سعيد بن جبير : لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين يقوم يوم القيامة عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السموات من نوره .

وقيل : الروح هو القرآن .

وقيل : المراد منه عيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته ومعناه : أنه ليس كما يقول اليهود ولا كما يقوله النصارى .

وقال قوم : هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان وهو الأصح .

وتكلم فيه قوم فقال بعضهم : هو الدم ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم؟

وقال قوم : هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس .

وقال قوم : هو عرض .

وقال قوم : هو جسم لطيف .

وقال بعضهم : الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلو والبقاء ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات فإذا خرج ذهب الكل ؟

وأولى الأقاويل : أن يوكل علمه إلى الله عز وجل وهو قول أهل السنة .

قال عبد الله بن بريدة : إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا .

وقوله عز وجل : ( قل الروح من أمر ربي ) قيل من علم ربي .

( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) أي : في جنب علم الله قيل هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم .

وقيل : خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير .

وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ولكن لم يخبر به أحدا لأن ترك إخباره به كان علما لنبوته .

والأول أصح لأن الله عز وجل استأثر بعلمه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويسألونك» أي اليهود «عن الروح» الذي يحيا به البدن «قل» لهم «الروح من أمر ربي» أي علمه لا تعلمونه «وما أويتم من العلم إلا قليلاً» بالنسبة إلى علمه تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويسألك الكفار عن حقيقة الروح تعنتًا، فأجبهم بأن حقيقة الروح وأحوالها من الأمور التي استأثر الله بعلمها، وما أُعطيتم أنتم وجميع الناس من العلم إلا شيئًا قليلا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح ) روايات منها : ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال : " بينما أنا أمشى مع النبى صلى الله عليه وسلم فى حرث وهو متوكئ على عسيب - أى على عصا - إذ مر اليهود ، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ، فقالوا : يا محمد ما لروح فأمسك النبى صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئًا ، فعلمت أنه يوحى إليه ، فقمت مقامى ، فلما نزل الوحى قال : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي .

.

.

) .قال الإِمام ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها : وهذا السياق يقتضى فيما يظهر بادى الرأى ، أن هذه الآية مدنية ، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة ، مع أن السورة كلها مكية .وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية ، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك .

أو أنه نزل عليه الوحى بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه ، وهى هذه الآية : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح .

.

.

) " .ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما أخرجه الإِمام أحمد عن ابن عباس قال : " قالت قريش ليهود .

أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل؟

فقالوا : سلوه عن الروح ، فسألوه فنزلت : ويسألونك عن الروح .

.

الآية " .وكلمة الروح تطلق فى القرآن الكريم على أمور منها :الوحى ، كما فى قوله - تعالى - : ( يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ .

.

.

) ومنها : القوة والثبات كما فى قوله - تعالى - : ( أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ .

.

.

) ومنها : جبريل ، كما فى قوله - تعالى - : ( نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين .

.

.

) ومنها : القرآن كما فى قوله - سبحانه - : ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا .

.

.

) ومنها : عيسى ابن مريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ .

.

.

) وجمهور العلماء على أن المراد بالروح فى قوله - تعالى - : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح .

.

.

) ما يحيا به بدن الإِنسان ، وبه تكون حياته ، وبمفارقته للجسد يموت الإِنسان ، وأن السؤال إنما هو عن حقيقة الروح ، إذ معرفة حقيقة الشئ .

تسبق معرفة أحواله .وقيل المراد بالروح هنا : القرآن الكريم ، وقيل : جبريل ، وقيل : عيسى إلى غير ذلك من الأقوال التى أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال .ويبدو لنا أن ما ذهب إليه جمهور المفسرين ، أولى بالاتباع ، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك : ( قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) يؤيد هذا الاتجاه .قال الآلوسى : " الظاهر عند المنصف ، أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذى هو مدار البدن الإِنسانى ، ومبدأ حياته ، لأن ذلك من أدق الأمور التى لا يسع أحدًا إنكارها ، ويشرئب الجميع إلى معرفتها ، وتتوافر دواعى العقلاء إليها ، وَتَكِلُّ الأذهان عنها ، ولا تكاد تعلم إلا بوحى .

.

" .و ( من ) فى قوله : ( قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) بيانية .

والمراد بالأمر هنا .

الشأن .والمعنى : ويسألك بعض الناس - أيها الرسول - عن حقيقة الروح ، قل لهم على سبيل الإِرشاد والزجر : الروح شئ من جنس الأشياء التى استأثر الله - تعالى - وحده بعلم حقيقتها وجوهرها .وقال - سبحانه - : ( قل الروح ) بالإِظهار ، لكمال العناية بشأن المسئول عنه .وإضافة كلمة ( أمر ) إلى لفظ الرب - عز وجل - ، من باب الاختصاص العلمى ، إذ الرب وحده هو العليم بشأنها ، وليس من باب الاختصاص الوجودى ، لأن الروح وغيرها من مخلوقات الله - تعالى - .وفى هذه الإِضافة ما فيها من تشريف المضاف ، حيث أضيف هذا الأمر إلى الله - تعالى - وحده .قال القرطبى : وقوله - تعالى - ( قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) دليل على خلق الروح ، أى : هو أمر عظيم ، وشأن كبير من أمر الله - تعالى - ، مبهمًا له وتاركًا تفصيله ، ليعرف الإِنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها .

وإذا كان الإِنسان فى معرفة نفسه هكذا ، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى .

وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز .وقوله : ( وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ) من جملة الجواب الذى أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد به على السائلين عن حقيقة الروح .أى : وما أوتيتم - أيها السائلون عن الروح - من العلم إلا علمًا قليلاً ، بالنسبة إلى علمه - تعالى - الذى وسع كل شئ ، ولا يخفى عليه شئ .وإن علمكم مهما كثر فإنه لا يمكنه أن يتعلق بحقيقة الروح وأحوالها ، لأن ذلك شئ استأثر الله - تعالى - به وحده ، واقتضت حكمته - عز وجل - أن يجعله فوق مستوى عقولكم .قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية : والمنهج الذى سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عما هم فى حاجة إليه ، وما يستطيع إدراكهم البشرى بلوغه ومعرفته ، فلا يبدد الطاقة العقلية التى وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر ، وفى غير مجالها الذى تملك وسائله ، وبعضهم عندما سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الروح ، أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمره- سبحانه - .

.

.وليس فى هذا حجر على العقل البشرى أن يعمل ، ولكن فيه توجيهًا لهذا العقل أن يعمل فى حدوده ، وفى مجاله الذى يدركه .والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه .

.

ولقد أبدع الإِنسان فى هذه الأرض ما أبدع ، ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدرى ما هو؟

ولا كيف جاء؟

ولا كيف يذهب؟

ولا أين كان ولا أين يكون ، إلا ما يخبر به العليم الخبير فى التنزيل " .وقال بعض العلماء : وفى هذه الآية ما يزجر الخائضين فى شأن الروح ، المتكلفين لبيان ماهيته ، وإيضاح حقيقته ، أبلغ زجر ، ويردعهم أعظم ردع ، وقد أطالوا المقال فى هذا البحث ، بما لا يتسع له المقام ، وغالبه ، بل كله من الفضول الذى لا يأتى بنفع فى دين أو دنيا .

.فقد استأثر الله - تعالى - بعلم الروح ، ولم يطلع عليه أنبياءه ، ولم يأذن لهم بالسؤال عنه ، ولا البحث عن حقيقته ، فضلاً عن أممهم المقتدين بهم .

.

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ختم الآية المتقدمة بقوله: ﴿ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ وذكرنا أن المراد منه مشاكلة الأرواح للأفعال الصادرة عنها وجب البحث هاهنا عن ماهية الروح وحقيقته فلذلك سألوا عن الروح وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: للمفسرين في الروح المذكورة في هذه الآية أقوال أظهرها أن المراد منه الروح الذي هو سبب الحياة، روى أن اليهود قالوا لقريش اسألوا محمداً عن ثلاث فإن أخبركم باثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نبي: اسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الثلاثة فقال عليه السلام: «غداً أخبركم» ولم يقل إن شاء الله فانقطع عنه الوحي أربعين يوماً ثم نزل الوحي بعده: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا  إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا  ﴾ ثم فسر لهم قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وأبهم قصة الروح ونزل فيه قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ وبين أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة حقيقة الروح فقال: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ومن الناس من طعن في هذه الرواية من وجوه: أولها: أن الروح ليس أعظم شأناً ولا أعلى مكاناً من الله تعالى فإذا كانت معرفة الله تعالى ممكنة بل حاصلة فأي مانع يمنع من معرفة الروح.

وثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين ولم يجب عن الروح فهو نبي وهذا كلام بعيد عن العقل لأن قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين ليست إلا حكاية من الحكايات وذكر الحكاية يمتنع أن يكون دليلاً على النبوة وأيضاً فالحكاية التي يذكرها إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته أو بعد العلم بنبوته فإن كان قبل العلم بنبوته كذبوه فيها وإن كان بعد العلم بنبوته فحينئذ صارت نبوته معلومة قبل ذلك فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية.

وأما عدم الجواب عن حقيقة الروح فهذا يبعد جعله دليلاً على صحة النبوة.

وثالثها: أن مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة وأراذل المتكلمين فلو قال الرسول صلى الله عليه وسلم إني لا أعرفها لأورث ذلك ما يوجب التحقير والتنفير فإن الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أي إنسان كان فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماء وأفضل الفضلاء.

ورابعها: أنه تعالى قال في حقه: ﴿ ٱلرَّحْمَٰنُ  عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ  ﴾ ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ وقال: ﴿ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً  ﴾ وقال في صفة القرآن: ﴿ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ  ﴾ ، وكان عليه السلام يقول: «أرنا الأشياء كما هي» فمن كان هذا حاله وصفته كيف يليق به أن يقول أنا لا أعرف هذه المسألة مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة بين جمهور الخلق بل المختار عندنا أنهم سألوه عن الروح وأنه صلى الله عليه وسلم أجاب عنه على أحسن الوجوه وتقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة.

أحدها: أن يقال ماهية الروح أهو متحيز أو حال في المتحيز أو موجود غير متحيز ولا حال في التحيز.

وثانيها؛ أن يقال الروح قديمة أو حادثة.

وثالثها: أن يقال الأرواح هل تبقى بعد موت الأجسام أو تفنى.

ورابعها: أن يقال ما حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة، وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على أنهم عن هذه المسائل سألوا أو عن غيرها إلا أنه تعالى ذكر له في الجواب عن هذا السؤال قوله: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ وهذا الجواب لا يليق إلا بمسألتين من المسائل التي ذكرناها إحداهما السؤال عن ماهية الروح والثانية عن قدمها وحدوثها.

أما البحث الأول: فهم قالوا ما حقيقة الروح وماهيته؟

أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الطبائع والأخلاط، أو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام، أو هو عبارة عن موجود يغاير هذه الأجسام والأعراض؟

فأجاب الله عنه بأنه موجود مغاير لهذه الأجسام ولهذه الأعراض وذلك لأن هذه الأجسام أشياء تحدث من امتزاج الأخلاط والعناصر، وأما الروح فإنه ليس كذلك بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ فقالوا لم كان شيئاً مغايراً لهذه الأجسام ولهذه الأعراض فأجاب الله عنه بأنه موجود يحدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة لهذا الجسد ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فإن أكثر حقائق الأشياء وماهياتها مجهولة.

فإنا نعلم أن السكنجبين له خاصية تقتضي قطع الصفراء فأما إذا أردنا أن نعرف ماهية تلك الخاصية وحقيقتها المخصوصة فذاك غير معلوم فثبت أن أكثر الماهيات والحقائق مجهولة ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها فكذلك هاهنا وهذا هو المراد من قوله: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

وأما المبحث الثاني: فهو أن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل قال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  ﴾ وقال: ﴿ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا  ﴾ أي فعلنا فقوله: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ أي من فعل ربي وهذا الجواب يدل على أنهم سألوه أن الروح قديمة أو حادثة فقال بل هي حادثة وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه وإيجاده ثم احتج على حدوث الروح بقوله: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ يعني أن الأرواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم والمعارف ثم يحصل فيها العلوم والمعارف فهي لا تزال تكون في التغيير من حال إلى حال وفي التبديل من نقصان إلى كمال والتغيير والتبديل من أمارات الحدوث فقوله: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ يدل على أنهم سألوه أن الروح هل هي حادثة فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله وتكوينه وهو المراد من قوله: ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال وهو المراد من قوله: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ فهذا ما نقوله في هذا الباب، والله أعلم.

المسألة الثانية: في ذكر سائر الأقوال المقولة في نفس الروح المذكورة في هذه الآية.

اعلم أن الناس ذكروا أقوالاً أخرى سوى ما تقدم ذكره، فالقول الأول: أن المراد من هذا الروح هو القرآن قالوا وذلك لأن الله تعالى سمى القرآن في كثير من الآيات روحاً واللائق بالروح المسؤول عنه في هذا الموضع ليس إلا القرآن فلابد من تقرير مقامين.

المقام الأول: تسمية الله القرآن بالروح يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ وقوله: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ  ﴾ وأيضاً السبب في تسمية الق <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان.

سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله، أي مما استأثر بعلمه.

وعن عبد الله بن بريدة: لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح.

وقيل: هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك.

وقيل: جبريل عليه السلام.

وقيل: القرآن و ﴿ مِنْ أَمْرِ رَبّى ﴾ أي من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر.

بعثت اليهود إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبيّ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبيّ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة، فندموا على سؤالهم ﴿ وَمَا أُوتِيتُم ﴾ الخطاب عام.

وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا: نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟

فقال: بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً، فقالوا: ما أعجب شأنك: ساعة تقول ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269] وساعة تقول هذا، فنزلت: ﴿ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ﴾ [لقمان: 27] وليس ما قالوه بلازم؛ لأنّ القلة والكثرة تدوران مع الإضافة، فيوصف الشيء بالقلة مضافاً إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافاً إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها؛ إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة.

وقيل: هو خطاب لليهود خاصة؛ لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة، وقد تلوت ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269] فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ الَّذِي يَحْيا بِهِ بَدَنُ الإنْسانِ ويُدَبِّرُهُ.

﴿ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ مِنَ الإبْداعِيّاتِ الكائِنَةِ بِـ " كُنْ " مِن غَيْرِ مادَّةٍ وتُولَدُ مِن أصْلٍ كَأعْضاءِ جَسَدِهِ، أوْ وُجِدَ بِأمْرِهِ وحَدَثَ بِتَكْوِينِهِ عَلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ قِدَمِهِ وحُدُوثِهِ.

وقِيلَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.

لِما رُوِيَ: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ سَلُوهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ، فَإنْ أجابَ عَنْها أوْ سَكَتَ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضٍ وسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيٌّ، فَبَيَّنَ لَهُمُ القِصَّتَيْنِ وأبْهَمَ أمْرَ الرُّوحِ وهو مُبْهَمٌ في التَّوْراةِ.» وَقِيلَ الرُّوحُ جِبْرِيلُ وقِيلَ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلَكِ وقِيلَ القُرْآنُ، و ﴿ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ مَعْناهُ مِن وحْيِهِ.

﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ تَسْتَفِيدُونَهُ بِتَوَسُّطِ حَواسِّكم، فَإنَّ اكْتِسابَ العَقْلِ لِلْمَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ.

إنَّما هو مِنَ الضَّرُورِيّاتِ المُسْتَفادَةِ مِن إحْساسِ الجُزْئِيّاتِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا.

ولَعَلَّ أكْثَرَ الأشْياءِ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ ولا شَيْئًا مِن أحْوالِهِ المَعْرُوفَةِ لِذاتِهِ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الرُّوحَ مِمّا لا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذاتِهِ إلّا بِعَوارِضَ تُمَيِّزُهُ عَمّا يَلْتَبِسُ بِهِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى هَذا الجَوابِ كَما اقْتَصَرَ مُوسى في جَوابِ: وما رَبُّ العالَمِينَ بِذِكْرِ بَعْضِ صِفاتِهِ.

رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ قالُوا: أنَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ ؟

فَقالَ: بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ، فَقالُوا: ما أعْجَبَ شَأْنَكَ ساعَةً تَقُولُ ﴿ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ .

وساعَةً تَقُولُ هَذا فَنَزَلَتْ.

﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ » وما قالُوهُ لَسُوءِ فَهْمِهِمْ لِأنَّ الحِكْمَةَ الإنْسانِيَّةَ أنْ يَعْلَمَ مِنَ الخَيْرِ والحَقِّ ما تَسَعُهُ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ بَلْ ما يَنْتَظِمُ بِهِ مَعاشُهُ ومَعادُهُ، وهو بِالإضافَةِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها قَلِيلٌ يَنالُ بِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ وهو بِالإضافَةِ إلَيْهِ كَثِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويسألونك عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى} أي من أمر يعلمه ربي الجمهور على أنه الروح الذي في الحيوان سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من مر الله أي مما استأثر بعلمه وعن أبي هريرة لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح وقد عجزت الأوائل عن إدراك ما هيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على الخوض فيه والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز ولذا رد ما قيل في حده أنه جسم دقيق هوائي في كل جزء من الحيوان وقيل هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو جبريل عليه السلام نزل به

الروح الأمين على قلبك وعن الحسن القرآن دليله وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ولأن به حياة القلوب ومن أمر ربي أي من وحيه وكلامه ليس من كلام البشر ورُوي أن اليهود بعثت إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فإن أجاب عن الكل أوسكت عن الكل فليس بنبي وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوارة فندموا على سؤالهم وقيل كان السؤال عن خلق الروح يعني أهو مخلوق أم لا وقوله من أمر ربي دليل خلق الروح فكان هذا جواباً {وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً} الخطاب عام فقد رُويَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقيل هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم قد أوتينا التوارة وفيها الحكمة وقد تلوت وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فقد أوتى خيرا كثيرا فقيل لهم ان علم التوارة قليل في جنب علم الله فالقلة والكثرة من الأمور الإضافية فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله تعالى فهي قليلة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ الظّاهِرُ عِنْدَ المُنْصِفِ أنَّ السُّؤالَ كانَ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ الَّذِي هو مَدارُ البَدَنِ الإنْسانِيِّ ومَبْدَأُ حَياتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أدَقِّ الأُمُورِ الَّتِي لا يَسَعُ أحَدًا إنْكارُها ويَشْرَئِبُّ كُلٌّ إلى مَعْرِفَتِها وتَتَوَفَّرُ دَواعِي العُقَلاءِ إلَيْها وتَكِلُّ الأذْهانُ عَنْها ولا تَكادُ تُعْلَمُ إلّا بِوَحْيٍ، وزَعَمَ ابْنُ القَيِّمِ أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ الرَّوْحُ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في كِتابِهِ أنَّهُ يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قالَ: لِأنَّهم إنَّما يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أمْرٍ لا يُعْرَفُ إلّا بِالوَحْيِ؛ وذَلِكَ هو الرُّوحُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا يَعْلَمُهُ النّاسُ، وأمّا أرْواحُ بَنِي آدَمَ فَلَيْسَتْ مِنَ الغَيْبِ إلى آخِرِ ما قالَ وقَدْ أطالَ، وفي البُحُورِ الزّاخِرَةِ: أنَّ هَذا هو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ السَّلَفِ بَلْ كُلُّهُمْ، والحَقُّ ما ذَكَرْنا وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ في البَحْرِ وغَيْرِهِ.

نَعَمْ ما زَعَمَهُ ابْنُ القَيِّمِ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الرَّوْحُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وصَوَّرَهم عَلى صُورَةِ بَنِي آدَمَ وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنَ الرُّوحِ ثُمَّ تَلا: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ ﴾ .

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الرُّوحِ المَسْؤُولِ عَنْهُ: هو مَلِكٌ واحِدٌ لَهُ عَشَرَةُ آلافِ جَناحٍ؛ جَناحانِ مِنها ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لَهُ ألْفُ وجْهٍ لِكُلِّ وجْهٍ لِسانٌ وعَيْنانِ وشَفَتانِ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ فِيهِ: هو مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ وجْهٍ لِكُلِّ وجْهٍ مِنها سَبْعُونَ ألْفَ لِسانٍ لِكُلِّ لِسانٍ مِنها سَبْعُونَ ألْفَ لُغَةٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى بِتِلْكَ اللُّغاتِ كُلِّها، يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلِكًا يَطِيرُ مَعَ المَلائِكَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وطَعَنَ الإمامُ في ذَلِكَ بِما طَعَنَ.

وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الرُّوحُ خَلْقٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَراهُمُ المَلائِكَةُ كَما لا تَرَوْنَ أنْتُمُ المَلائِكَةَ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ قالَ: الإنْسُ والجِنُّ عَشَرَةُ أجْزاءٍ فالإنْسُ جُزْءٌ، والجِنُّ تِسْعَةُ أجْزاءٍ، والمَلائِكَةُ والجِنُّ عَشَرَةُ أجْزاءٍ، فالجِنُّ مِن ذَلِكَ جُزْءٌ، والمَلائِكَةُ تِسْعَةٌ، والمَلائِكَةُ والرُّوحُ عَشَرَةُ أجْزاءٍ، فالمَلائِكَةُ مِن ذَلِكَ جُزْءٌ، والرُّوحُ تِسْعَةُ أجْزاءٍ والرُّوحُ والكُرُوبِيُّونَ عَشَرَةُ أجْزاءٍ، فالرُّوحُ مِن ذَلِكَ جُزْءٌ، والكُرُوبِيُّونَ تِسْعَةُ أجْزاءٍ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُّوحُ هو جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ سُمِّيَ رُوحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ﴾ ﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ والسُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ نُزُولِهِ وإلْقائِهِ الوَحْيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو القُرْآنُ وقَدْ سُمِّيَ رُوحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ السُّؤالَ عَنْ حُدُوثِ الرُّوحِ بِالمَعْنى الأوَّلِ وقِدَمِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما سَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وضَمِيرُ يَسْألُونَ لِلْيَهُودِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ النَّبِيِّ  في خِرَبِ المَدِينَةِ وهو مُتَّكِئٌ عَلى عَسِيبٍ فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْألُوهُ.

فَسَألُوهُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ما الرُّوحُ؟

فَما زالَ مُتَوَكِّئًا عَلى العَسِيبِ فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَلَمّا نَزَلَ الوَحْيُ قالَ: ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ الآيَةَ».

وقالَ بَعْضُهم لِقُرَيْشٍ لِما أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ وابْنُ حِبّانَ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ: أعْطُونا شَيْئًا نَسْألُ هَذا الرَّجُلَ.

فَقالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فَسَألُوهُ فَنَزَلَتْ: ﴿ ويَسْألُونَكَ ﴾ إلَخْ.

وفِي السِّيَرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتِ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ.

وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ إلى أحْبارِ يَهُودَ بِالمَدِينَةِ وقالُوا لَهُمْ: سَلُوهم مُحَمَّدًا فَإنَّهم أهْلُ كِتابٍ عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَنا فَخَرَجا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ فَسَألُوهم فَقالُوا: سَلُوهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ فَإنْ أجابَ عَنْها أوْ سَكَتَ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضٍ وسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيٌّ، فَجاؤُوا وسَألُوهُ فَبَيَّنَ لَهم  قَضِيَّتَيْنِ وأبْهَمَ أمْرَ الرُّوحِ وهو مُبْهَمٌ في التَّوْراةِ، والآيَةُ عَلى هَذا وما قَبْلَهُ مَكِّيَّةٌ وعَلى خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ مَدَنِيَّةٌ، وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ ذَلِكَ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَتَدَبَّرْ، وأيًّا ما كانَ فَوَجْهُ تَعْقِيبِ ما تَقَدَّمَ بِها إنْ فُسِّرَ الرُّوحُ بِالقُرْآنِ ظاهِرٌ مُلائِمٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ ﴾ ولِما بَعْدَهُ مِنَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِ وعَلى مُتَّبِعِيهِ بِحِفْظِهِ في الصُّدُورِ والبَقاءِ وكَذَلِكَ إنْ فُسِّرَ بِجِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ فَقَدْ ورَدَ مُعْتَرِضًا دَلالَةً عَلى خَسارِ الظّالِمِينَ وضَلالِهِمْ وأنَّهم مُشْتَغِلُونَ عَنْ تَدَبُّرِ الكِتابِ والِانْتِفاعِ بِهِ إلى التَّعَنُّتِ بِسُؤالِ ما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ سَدَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ، ويُقالُ نَحْوُ هَذا عَلى القَوْلِ المَرْوِيِّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ﴿ قُلِ الرُّوحُ ﴾ أُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ إظْهارًا لِكَمالِ الِاعْتِناءِ ﴿ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ كَلِمَةُ «مِن» تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: بَيانِيَّةٌ، والأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ لا الإيجادِيِّ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو مُضافٌ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِهَذا المَعْنى، فِيها مِن تَشْرِيفِ المُضافِ ما لا يَخْفى كَما في الإضافَةِ الثّانِيَةِ مِن تَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ: هي مِن جِنْسِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا تَكادُ تُدْرِكُها عُيُونُ عُقُولِ البَشَرِ.

﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ لا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِأمْثالِ ذَلِكَ، وهَذا عَلى ما قِيلَ: تَرْكٌ لِلْبَيانِ ونَهْيٌ لَهم عَنِ السُّؤالِ.

أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ «فَلَمّا هاجَرَ  إلى المَدِينَةِ أتاهُ أحْبارُ يَهُودَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَمْ يَبْلُغْنا عَنْكَ أنَّكَ تَقُولُ: ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ أفَعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ؟

قالَ: «كُلًّا قَدْ عَنَيْتُ».

قالُوا: فَإنَّكَ تَتْلُو أنّا أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ.

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «هِيَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى قَلِيلٌ، وقَدْ آتاكُمُ اللَّهُ تَعالى ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ».

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ » وكَأنَّهُ  أشارَ إلى أنَّ المُرادَ في الآيَةِ - تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ - مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّها أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، وبِهَذا يُرَدُّ عَلى القائِلِ بِالعُمُومِ الحَقِيقِيِّ.

وفِي رِوايَةِ النَّسائِيِّ وابْنِ حِبّانَ والتِّرْمِذِيِّ والحاكِمِ وصَحَّحاها أنَّ اليَهُودَ قالُوا حِينَ نَزَلَتِ الآيَةُ: أُوتِينا عِلْمًا كَثِيرًا؛ أُوتِينا التَّوْراةَ ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ ﴾ الآيَةَ.

ولا يَخْفى أنَّ هَذا أيْضًا لا يَلْزَمُ مِنهُ التَّناقُضُ؛ لِأنَّ الكَثْرَةَ والقِلَّةَ مِنَ الأُمُورِ الإضافِيَّةِ فالشَّيْءُ يَكُونُ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما فَوْقَهُ وكَثِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتَهُ فَما في التَّوْراةِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرٍ آخَرَ.

وفِي رِوايَةٍ أخْرَجَها ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّهُ  لَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ اليَهُودُ: نَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ فَقالَ: بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ فَقالُوا: ما أعْجَبَ شَأْنَكَ ساعَةَ تَقُولُ: ﴿ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ وساعَةَ تَقُولُ هَذا، فَنَزَلَ: ﴿ ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ ﴾ إلَخْ».

ولا يَلْزَمُ مِنهُ التَّناقُضُ أيْضًا عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ بِأنْ يُقالَ: الحِكْمَةُ الإنْسانِيَّةُ أنْ يُعْلَمَ مِنَ الخَيْرِ ما تَسَعُهُ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ بَلْ ما يَنْتَظِمُ بِهِ أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَعْلُوماتِهِ تَعالى كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها، وإلى تَعْمِيمِ الخِطابِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ النّاسَ أجْمَعِينَ ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِالعُمُومِ ظاهِرُ قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ: «وما أُوتُوا» فَإنَّهُ يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِالسّائِلِينَ، والحَدِيثُ الأخِيرُ الَّذِي هو نَصٌّ فِيهِ قالَ العِراقِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، والحَدِيثُ الأوَّلُ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: مَعْنى كَوْنِ الرُّوحِ مِن أمْرِهِ تَعالى أنَّهُ مِنَ الإبْداعِيّاتِ الكائِنَةِ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ مِن غَيْرِ تَحَصُّلٍ مِن مادَّةٍ وتَوَلُّدٍ مِن أصْلٍ كالجَسَدِ الإنْسانِيِّ فالمُرادُ مِنَ الأمْرِ واحِدُ الأوامِرِ أعْنِي كُنْ، والسُّؤالُ عَنِ الحَقِيقَةِ والجَوابُ إجْمالِيٌّ، ومَآلُهُ أنَّ الرُّوحَ مِن عالَمِ الأرْضِ مُبْدَعَةٌ مِن غَيْرِ مادَّةٍ لا مِن عالَمِ الخَلْقِ وهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَجَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سُؤالَ فِرْعَوْنَ إيّاهُ ما رَبُّ العالَمِينَ إشارَةً إلى أنَّ كُنْهَ حَقِيقَتِهِ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ إدْراكِ البَشَرِ وإنَّما الَّذِي يُعْلَمُ هَذا المِقْدارُ الإجْمالِيُّ المُنْدَرِجُ تَحْتَ ما اسْتُثْنِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ أيْ: إلّا عِلْمًا قَلِيلًا تَسْتَفِيدُونَهُ مِن طُرُقِ الحَواسِّ فَإنَّ تَعَقُّلَ المَعارِفِ النَّظَرِيَّةِ إنَّما هو في الأكْثَرِ مِن إحْساسِ الجُزْئِيّاتِ ولِذَلِكَ قِيلَ: مَن فَقَدَ حِسًّا فَقَدْ فَقَدَ عِلْمًا، ولَعَلَّ أكْثَرَ الأشْياءِ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَحْسُوسٍ أوْ مَحْسُوسًا مَنَعَ مِن إحْساسِهِ مانِعٌ كالغَيْبَةِ مَثَلًا وكَذا لا يُدْرِكُ شَيْئًا مِن عَرَضِيّاتِهِ لِيَرْسُمَهُ بِها فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْتَقِلَ مِنها الفِكْرُ إلى الذّاتِيّاتِ لِيَقِفَ عَلى الحَقِيقَةِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ الوُقُوفَ عَلى كُنْهِ الرُّوحِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الجَوابَيْنِ.

وفَرَّقَ الخَفاجِيُّ بِأنَّ بَيانَ كُنْهِ الرُّوحِ مُمْكِنٌ بِخِلافِ كُنْهِ الذّاتِ الأقْدَسِ، وفي الكَشْفِ أنَّ سَبِيلَ مَعْرِفَةِ الرُّوحِ إزالَةُ الغِشاءِ عَنْ أبْصارِ القُلُوبِ بِاجْتِلاءِ كُحْلِ الجَواهِرِ مِن كَلامِ عَلّامِ الغُيُوبِ؛ فَهو عِنْدَ المُكْتَحِلِينَ أجْلى جَلِيٍّ وعِنْدَ المُشْتَغِلِينَ أخْفى خَفِيٍّ، ويُشْكِلُ عَلى هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قالَ: لَقَدْ قُبِضَ النَّبِيُّ  وما يَعْلَمُ الرُّوحَ، ولَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ هَذا يَزْعُمُ أنَّها يَمْتَنِعُ العِلْمُ بِها وإلّا فَلَمْ يُقْبَضْ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ العِلْمُ بِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ وسُئِلَ البُخارِيُّ عَنْهُ فَقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««إنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ ما قُدِّرَ لِي فَنَعَسْتُ في صَلاتِي حَتّى اسْتَثْقَلْتُ فَإذا أنا بِرَبِّي عَزَّ وجَلَّ في أحْسَنِ صُورَةٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟

قالَ: يا مُحَمَّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟

قُلْتُ: لا أدْرِي رَبِّ، قالَ: يا مُحَمَّدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟

قُلْتُ: لا أدْرِي رَبِّ، قُلْتُ: لا أدْرِي رَبِّ، فَرَأيْتُهُ وضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفِي حَتّى وجَدْتُ بَرْدَ أنامِلِهِ بَيْنَ صَدْرِي وتَجَلّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وعَرَفْتُ»» الحَدِيثَ.

و«رَأيْتُ» يُعْلَمُ في الخَبَرِ السّابِقِ في بَعْضِ الكُتُبِ مَضْبُوطًا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والرُّوحُ مَضْبُوطًا بِالرَّفْعِ والإشْكالُ عَلى ذَلِكَ أوْهَنُ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

ويَفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ مُتَأخَّرِي الصُّوفِيَّةِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ الوُقُوفُ عَلى حَقِيقَةِ الرُّوحِ بَلْ ذَكَرَ هَذا البَعْضُ أنَّ حَقِيقَةَ جَمِيعِ الأشْياءِ لا يُوقَفُ عَلَيْها وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما لا يَخْفى عَلَيْكَ، ورَدُّهُ أوْ قَبُولُهُ مُفَوَّضٌ إلَيْكَ، ثُمَّ إنَّ لِي في هَذا الوَجْهِ وقْفَةً؛ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ إطْلاقَ عالَمِ الأمْرِ عَلى الكائِنِ مِن غَيْرِ تُحَصُّلٍ مِن مادَّةٍ وتَوَلُّدٍ مِن أصْلٍ وإطْلاقَ عالَمِ الخَلْقِ عَلى خِلافِهِ مَحْضُ اصْطِلاحٍ لا يُعْرَفُ لِلْعَرَبِ ولا يَعْرِفُونَهُ، وفي الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ﴾ ما لا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ، هَذا وذَكَرَ الإمامُ أنَّ السُّؤالَ عَنِ الرُّوحِ يَقَعُ عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ولَيْسَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ ما يَدُلُّ عَلى وجْهٍ مِنها إلّا أنَّ الجَوابَ المَذْكُورَ لا يَلِيقُ إلّا بِوَجْهَيْنِ مِنها: الأوَّلُ: كَوْنُهُ سُؤالًا عَنِ الماهِيَّةِ: والثّانِي: كَوْنُهُ سُؤالًا عَنِ القِدَمِ والحُدُوثِ، وحاصِلُ الجَوابِ عَلى الأوَّلِ أنَّها جَوْهَرٌ بَسِيطٌ مُجَرَّدٌ مُحْدَثٌ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ وتَأْثِيرِهِ إفادَةَ الحَياةِ لِلْجَسَدِ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ المَخْصُوصَةِ فَإنَّ أكْثَرَ حَقائِقِ الأشْياءِ ماهِيّاتُها مَجْهُولَةٌ ولَمْ يَلْزَمْ مِن كَوْنِها مَجْهُولَةً نَفْيُها، ويُشِيرُ إلَيْهِ: ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ومَبْنى هَذا أيْضًا الفَرْقُ بَيْنَ عالَمِ الأمْرِ وعالَمِ الخَلْقِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ، وحاصِلُ الجَوابِ عَلى الثّانِي أنَّهُ حادِثٌ حَصَلَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى وتَكْوِينِهِ وإيجادِهِ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ احْتِجاجًا عَلى الحُدُوثِ بِمَعْنى أنَّ الأرْواحَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ تَكُونُ خالِيَةً عَنِ العُلُومِ والمَعارِفِ ثُمَّ يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ فَلا تَزالُ في تَغَيُّرٍ مِن حالٍ إلى حالٍ وهو مِن أماراتِ الحُدُوثِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حَمْلَ السُّؤالِ عَلى ما ذُكِرَ وجَعْلَ الجَوابِ إخْبارًا بِالحُدُوثِ مَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِحالِ السّائِلِينَ لا يُساعِدُهُ التَّعَرُّضُ لِبَيانِ قِلَّةِ عِلْمِهِمْ؛ فَإنَّ ما سَألُوا عَنْهُ مِمّا يَفِي بِهِ عِلْمُهم حِينَئِذٍ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْهُ، وجَعْلُ ذَلِكَ احْتِجاجًا عَلى الحُدُوثِ مِن أعْجَبِ الحَوادِثِ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي رَوْحٍ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وهاهُنا أبْحاثٌ لا بَأْسَ بِإيرادِها: * * * البَحْثُ الأوَّلُ في شَرْحِ مَذاهِبِ النّاسِ في حَقِيقَةِ الإنْسانِ، وظاهِرُ كَلامِ الإمامِ أنَّ الِاخْتِلافَ في حَقِيقَتِهِ عَيْنُ الِاخْتِلافِ في حَقِيقَةِ الرُّوحِ، وفي القَلْبِ مِن ذَلِكَ ما فِيهِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ البِنْيَةِ المَحْسُوسَةِ والهَيْكَلِ المُجَسَّمِ المَحْسُوسِ وهو الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ: أنا وأبْطَلَ ذَلِكَ الإمامُ بِسَبْعَ عَشْرَةَ حُجَّةً نَقْلِيَّةً وعَقْلِيَّةً، لَكِنْ لِلْبَحْثِ في بَعْضِها مَجالٌ، مِنها ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ أجْزاءَ البِنْيَةِ مُتَغَيِّرَةٌ زِيادَةً ونُقْصانًا وذُبُولًا ونُمُوًّا، والعِلْمُ الضَّرُورِيُّ قاضٍ بِأنَّ الإنْسانَ مِن حَيْثُ هو أمْرٌ باقٍ مِن أوَّلِ العُمْرِ إلى آخِرِهِ، وغَيْرُ الباقِي غَيْرُ الباقِي، ومِنها أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَعْتَرِيهِ ما يَشْغَلُهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى أجْزاءِ بِنْيَتِهِ كُلًّا وبَعْضًا ولا يَغْفُلُ عَنْ نَفْسِهِ المُعَيَّنَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَقُولُ مَعَ ذَلِكَ الشّاغِلِ: فَعَلْتُ وتَرَكْتُ مَثَلًا وغَيْرُ المَعْلُومِ غَيْرُ المَعْلُومِ.

ومِنها أنَّهُ قَدْ تُوجَدُ البِنْيَةُ المَخْصُوصَةُ وحَقِيقَةُ الإنْسانِ غَيْرُ حاصِلَةٍ؛ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرًا ما رُؤِيَ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وإبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ رُؤِيَ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ وقَدْ تَنْتَفِي البِنْيَةُ مَعَ بَقاءِ حَقِيقَةِ الإنْسانِ فَإنَّ المَمْسُوخَ مَثَلًا قِرْدًا باقِيَةٌ حَقِيقَتُهُ مَعَ انْتِفاءِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ وإلّا لَمْ يَتَحَقَّقْ مَسْخٌ بَلْ إماتَةٌ لِذَلِكَ الإنْسانِ وخَلْقِ قِرْدٍ، ومِنها أنَّهُ جاءَ في الخَبَرِ أنَّ المَيِّتَ إذا حُمِلَ عَلى النَّعْشِ رَفْرَفَ رُوحُهُ فَوْقَ النَّعْشِ ويَقُولُ: يا أهْلِي.

ويا ولَدِي لا تَلْعَبَنَّ بِكُمُ الدُّنْيا كَما لَعِبَتْ بِي؛ جَمَعْتُ المالَ مِن حِلِّهِ ومِن غَيْرِ حِلِّهِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ لِغَيْرِي فالهَناءُ لَهُ والتَّبِعَةُ عَلَيَّ، فاحْذَرُوا مِثْلَ ما حَلَّ بِي، فَصَرَّحَ  بِأنَّ هُناكَ شَيْئًا يُنادِي غَيْرَ المَحْمُولِ كانَ الأهْلُ أهْلًا لَهُ وكانَ الجامِعُ لِلْمالِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا الإنْسانُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ، وقِيلَ: إنَّ الإنْسانَ هو الرُّوحُ الَّذِي في القَلْبِ، وقِيلَ: إنَّهُ جُزْءٌ لا يَتَجَزَّأُ في الدِّماغِ، وقِيلَ: إنَّهُ أجْزاءٌ نارِيَّةٌ مُخْتَلِطَةٌ بِالأرْواحِ القَلْبِيَّةِ والدِّماغِيَّةِ وهي المُسَمّاةُ بِالحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، وقِيلَ: هو الدَّمُ الحالُّ في البَدَنِ، وقِيلَ وقِيلَ إلى نَحْوِ ألْفِ قَوْلٍ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ جِسْمٍ نُورانِيٍّ عُلْوِيٍّ حَيٍّ مُتَحَرِّكٍ مُخالِفٍ بِالماهِيَّةِ لِهَذا الجِسْمِ المَحْسُوسِ سارَ فِيهِ سَرَيانَ الماءِ في الوِرْدِ والدُّهْنِ في الزَّيْتُونِ والنّارِ في الفَحْمِ لا يَقْبَلُ التَّحَلُّلَ والتَّبَدُّلَ والتَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ مُفِيدٌ لِلْجِسْمِ المَحْسُوسِ الحَياةَ وتَوابِعَها ما دامَ صالِحًا لِقَبُولِ الفَيْضِ لِعَدَمِ حُدُوثِ ما يَمْنَعُ مِنَ السَّرَيانِ كالأخْلاطِ الغَلِيظَةِ ومَتى حَدَثَ ذَلِكَ حَصَلَ المَوْتُ لِانْقِطاعِ السَّرَيانِ، والرُّوحُ عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الجِسْمِ واسْتَحْسَنَ هَذا الإمامُ فَقالَ: هو مَذْهَبٌ قَوِيٌّ وقَوْلٌ شَرِيفٌ يَجِبُ التَّأمُّلُ فِيهِ فَإنَّهُ شَدِيدُ المُطابَقَةِ لِما ورَدَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِن أحْوالِ الحَياةِ والمَوْتِ، وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِهِ «الرُّوحُ»: إنَّهُ الصَّوابُ ولا يَصِحُّ غَيْرُهُ وعَلَيْهِ دَلَّ الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجْماعُ الصَّحابَةِ وأدِلَّةُ العَقْلِ والفِطْرَةُ وذَكَرَ لَهُ مِائَةَ دَلِيلٍ وخَمْسَةَ أدِلَّةٍ فَلْيُراجَعْ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ وهو الرُّوحُ ولَيْسَ بِداخِلِ العالَمِ ولا خارِجِهِ ولا مُتَّصِلٍ بِهِ ولا مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، ولَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصَرُّفِ وهو قَوْلُ أكْثَرِ الإلَهِيِّينَ مِنَ الفَلاسِفَةِ.

وذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ مِنهُمُ الشَّيْخُ أبُو القاسِمِ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ وحُجَّةُ الإسْلامِ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَعْمَرُ بْنُ عَبّادٍ السُّلَمِيُّ، ومِنَ الشِّيعَةِ الشَّيْخُ المُفِيدُ، ومِنَ الكَرّامِيَّةِ جَماعَةٌ، ومِن أهْلِ المُكاشَفَةِ والرِّياضَةِ أكْثَرُهُمْ، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ الأدِلَّةَ عَلى ذَلِكَ، ومَن أرادَ الإحاطَةَ بِذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِ الشَّيْخَيْنِ أبِي عَلِيٍّ وشِهابِ الدِّينِ المَقْتُولِ وإلى كُتُبِ الإمامِ الرّازِيِّ كالمَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ وغَيْرِهِ، ولِلشَّيْخِ الرَّئِيسِ رِسالَةٌ مُفْرَدَةٌ في ذَلِكَ سَمّاها بِالحُجَجِ الغُرِّ أحْكَمَها وأتْقَنَها ما يَبْتَنِي عَلى تَعَقُّلِ النَّفْسِ لِذاتِها، وابْنُ القَيِّمِ زَيَّفَ حُجَجَهُ في كِتابِهِ وهو كِتابٌ مُفِيدٌ جِدًّا يَهَبُ لِلرُّوحِ رُوحًا ويُورِثُ لِلصَّدْرِ شَرْحًا، واسْتَدَلَّ الإمامُ عَلى ذَلِكَ في تَفْسِيرِهِ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ فَقالَ: إنَّ الرُّوحَ لَوْ كانَ جِسْمًا مُنْتَقِلًا مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ ومِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ لَكانَ مُساوِيًا لِلْبَدَنِ في كَوْنِهِ مُتَوَلِّدًا مِن أجْسامٍ اتَّصَفَتْ بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ أُخَرَ فَإذا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  عَنْهُ وجَبَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ جِسْمٌ كانَ كَذا ثُمَّ صارَ كَذا وكَذا حَتّى صارَ رُوحًا مِثْلَ ما ذُكِرَ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ البَدَنِ أنَّهُ كانَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً فَلَمّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وقالَ: هو مِن أمْرِ رَبِّي بِمَعْنى أنَّهُ لا يَحْدُثُ ولا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأجْسامِ بَلْ هو جَوْهَرٌ قُدْسِيٌّ مُجَرَّدٌ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإقْناعِيّاتِ الخِطابِيَّةِ وهي كَثِيرَةٌ في هَذا البابِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الإضافَةَ مِمّا تُنَبِّهُ عَلى شَرَفِ الجَوْهَرِ الإنْسِيِّ وكَوْنِهِ عُرْيًا عَنِ المَلابِسِ الحِسِّيَّةِ.

ومِنها قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أنا النَّذِيرُ العُرْيانُ»».

فَفِيهِ إلى تَجَرُّدِ الرُّوحِ عَنْ عَلائِقِ الأجْرامِ.

وقَوْلُهُ  : ««إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ».

وفِي رِوايَةٍ: «عَلى صُورَتِهِ»».

وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي»».

فَفِي ذَلِكَ إيذانٌ بِشَرَفِ الرُّوحِ وقُرْبِهِ مِن رَبِّهِ قُرْبًا بِالذّاتِ والصِّفاتِ مُجَرَّدًا عَنْ عَلائِقِ الأجْرامِ وعَوائِقِ الأجْسامِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى وهو عَلى هَذا المِنوالِ ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ أيُّ مَجالٍ، وكانَ ثابِتُ بْنُ قُرَّةَ يَقُولُ: إنَّ الرُّوحَ مُتَعَلِّقٌ بِأجْسامٍ سَماوِيَّةٍ نُورانِيَّةٍ لَطِيفَةٍ غَيْرِ قابِلَةٍ لِلْكَوْنِ والفَسادِ والتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ وتِلْكَ الأجْسامُ سارِيَةٌ في البَدَنِ وهي ما دامَتْ سارِيَةً كانَ الرُّوحُ مُدَبِّرًا لِلْبَدَنِ وإذا انْفَصَلَتْ عَنْهُ انْقَطَعَ التَّعَلُّقُ، وهو قَوْلٌ مُلَفَّقٌ وأنا لا أسْتَبْعِدُهُ.

* * * «البَحْثُ الثّانِي في اخْتِلافِ النّاسِ في حُدُوثِ الرُّوحِ وقِدَمِهِ» أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ حادِثٌ حُدُوثًا زَمانِيًّا كَسائِرِ أجْزاءِ العالَمِ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ: هَلْ هو حادِثٌ قَبْلَ البَدَنِ أمْ بَعْدَهُ؛ فَذَهَبَ طائِفَةٌ إلى الحُدُوثِ، قِيلَ: مِنهم مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ.

وأبُو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ الظّاهِرِيُّ وحَكاهُ إجْماعًا وقَدِ افْتَرى، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ««الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَما تَعارَفَ مِنها ائْتَلَفَ، وما تَناكَرَ مِنها اخْتَلَفَ»».

قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ في تَبْصِرَتِهِ: قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: مَعْنى هَذا الحَدِيثِ الأخْبارُ عَنْ كَوْنِ الأرْواحِ مَخْلُوقَةً قَبْلَ الأجْسادِ، وزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أنَّها في بَرْزَخٍ وهو مُنْقَطِعُ العَناصِرِ، فَإذا اسْتَعَدَّ جَسَدٌ لِشَيْءٍ مِنها هَبَطَ إلَيْهِ وأنَّها تَعُودُ إلى ذَلِكَ البَرْزَخِ بَعْدَ الوَفاةِ ولا دَلِيلَ لِهَذا مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ.

وبَعْضُهُمُ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِخَبَرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ بِألْفَيْ عامٍ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ القَيِّمِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ إسْنادُهُ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ إلى الحُدُوثِ بَعْدُ، ومِن أدِلَّةِ ذَلِكَ كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««إنَّ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا دَمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ»».

ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الرُّوحَ لَوْ كانَ مَخْلُوقًا قَبْلُ لَقِيلَ: ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ بِالرُّوحِ فَيُدْخِلُهُ فِيهِ، وصَرَّحَ في رَوْضَةِ المُحِبِّينَ ونُزْهَةِ المُشْتاقِينَ بِاخْتِيارِ هَذا القَوْلِ فَقالَ: إنَّ القَوْلَ بِأنَّ الأرْواحَ خُلِقَتْ قَبْلَ الأجْسادِ قَوْلٌ فاسِدٌ وخَطَأٌ صَرِيحٌ، والقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ والعَقْلُ أنَّها مَخْلُوقَةٌ مَعَ الأجْسادِ وأنَّ المَلَكَ يَنْفُخُ الرُّوحَ؛ أيْ: يُحْدِثُهُ بِالنَّفْخِ في الجَسَدِ إذا مَضى عَلى النُّطْفَةِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ ودَخَلَتْ في الخامِسِ، ومَن قالَ: إنَّها مَخْلُوقَةٌ قَبْلُ فَقَدْ غَلِطَ، وأقْبَحُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها قَدِيمَةٌ.

انْتَهى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، ويُوافِقُ مَذْهَبُ الحُدُوثِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ فَلْيُفْهَمْ.

وذَهَبَ أفْلاطُونُ ومَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الفَلاسِفَةِ إلى قِدَمِ الرُّوحِ وذَهَبَ المُعَلِّمُ الأوَّلُ إلى حُدُوثِها مَعَ حُدُوثِ البَدَنِ المُسْتَعِدِّ لَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الإسْلامِيِّينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في اسْتِدْلالِ كُلٍّ جَرْحًا وتَعْدِيلًا، ويُقالُ هُنا: إنَّ المُعَلِّمَ الأوَّلَ قائِلٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الفَلاسِفَةِ بِتَجَرُّدِ الرُّوحِ المُسَمّاةِ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ عِنْدَهم عَنِ المادَّةِ فَكَيْفَ يَسَعُهُ القَوْلُ بِحُدُوثِها مَعَ قَوْلِهِمْ: كُلُّ حادِثٍ زَمانِيٍّ يَحْتاجُ إلى مادَّةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ المادَّةَ هاهُنا أعَمُّ مِنَ المَحَلِّ والمُتَعَلِّقُ بِهِ والبَدَنُ مادَّةٌ لِلنَّفْسِ بِهَذا المَعْنى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اسْتِعْدادَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ لا يَكُونُ إلّا فِيما إذا كانَ ذَلِكَ مُقْتَرِنًا بِهِ لا مُبايِنًا عَنْهُ فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ البَدَنَ الإنْسانِيَّ لَمّا اسْتُدْعِيَ لِمِزاجِهِ الخاصِّ صُورَةٌ مُدَبِّرَةٌ لَهُ مُتَصَرِّفَةٌ فِيهِ أيْ أمْرًا مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن حَيْثُ هو كَذَلِكَ وجَبَ عَلى مُقْتَضى جُودِ الواهِبِ الفَيّاضِ وُجُودُ أمْرٍ يَكُونُ مَبْدَأً لِلتَّدابِيرِ الإنْسِيَّةِ والأفاعِيلِ البَشَرِيَّةِ، ومِثْلُ هَذا الأمْرِ لا يُمْكِنُ إلّا أنْ يَكُونَ ذاتًا مُدْرِكَةً لِلْكُلِّيّاتِ مُجَرَّدَةً في ذاتِها فَلا مَحالَةَ قَدْ فاضَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً النَّفْسَ لا مِن حَيْثُ إنَّ البَدَنَ اسْتَدْعاها بَلْ مِن حَيْثُ عَدَمُ انْفِكاكِها عَمّا اسْتَدْعاهُ فالبَدَنُ اسْتَدْعى بِاسْتِعْدادِهِ الخاصِّ أمْرًا مادِّيًّا وُجُودُ المَبْدَأِ الفَيّاضِ أفادَ جَوْهَرًا قُدْسِيًّا، وكَما أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ عَلى ما قَرَّرُوهُ جَوْهَرًا وعَرَضًا بِاعْتِبارَيْنِ كَذَلِكَ يَكُونُ أمْرٌ واحِدٌ مُجَرَّدًا ومادِّيًّا بِاعْتِبارَيْنِ فالنَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ مُجَرَّدَةٌ ذاتًا مادِّيَّةً فِعْلًا فَهي مِن حَيْثُ الفِعْلُ مِنَ التَّدْبِيرِ والتَّحْرِيكِ مَسْبُوقَةٌ بِاسْتِعْدادِ البَدَنِ مُقْتَرِنَةً بِهِ، وأمّا مِن حَيْثُ الذّاتُ والحَقِيقَةُ فَمُنْشَأُ وُجُودِها وُجُودُ المَبْدَأِ الواهِبِ لا غَيْرَ، فَلا يَسْبِقُها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ اسْتِعْدادُ البَدَنِ ولا يَلْزَمُها الِاقْتِرانُ في وُجُودِها بِهِ ولا يَلْحَقُها شَيْءٌ مِن مَثالِبِ المادِّيّاتِ إلّا بِالعَرَضِ.

ويُمْكِنُ تَأْوِيلُ ما نُقِلَ عَنْ أفْلاطُونَ في بابِ قِدَمِ النَّفْسِ إلى هَذا بِوَجْهٍ لِطَيْفٍ كَذا قالَهُ بَعْضُ صُدُورِ المُتَأخِّرِينَ فَتَأمَّلْهُ.

* * * «البَحْثُ الثّالِثُ» اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّوحِ والنَّفْسِ هَلْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ أمْ شَيْئانِ، فَحَكى ابْنُ زَيْدٍ عَنْ أكْثَرِ العُلَماءِ أنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ؛ فَقَدْ صَحَّ في الأخْبارِ إطْلاقُ كُلٍّ مِنهُما عَلى الآخَرِ وما أخْرَجَهُ البَزّارُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: ««أنَّ المُؤْمِنَ يَنْزِلُ بِهِ المَوْتُ ويُعايِنُ ما يُعايِنُ يَوَدُّ لَوْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ واللَّهُ تَعالى يُحِبُّ لِقاءَهُ، وأنَّ المُؤْمِنَ تَصْعَدُ رُوحُهُ إلى السَّماءِ فَتَأْتِيهِ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ فَيَسْتَخْبِرُونَهُ عَنْ مَعارِفِهِ مِن أهْلِ الدُّنْيا»» الحَدِيثُ ظاهِرٌ في ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُما شَيْئانِ؛ فالرُّوحُ هو النَّفَسُ المُتَرَدِّدُ في الإنْسانِ والنَّفَسُ أمْرٌ غَيْرُ ذَلِكَ لَها يَدانِ ورِجْلانِ ورَأْسٌ وعَيْنانِ وهي الَّتِي تَلْتَذُّ وتَتَألَّمُ وتَفْرَحُ وتَحْزَنُ وإنَّها هي الَّتِي تُتَوَفّى في المَنامِ وتَخْرُجُ وتَسْرَحُ وتَرى الرُّؤْيا ويَبْقى الجَسَدُ دُونَها بِالرُّوحِ فَقَطْ لا يَلْتَذُّ ولا يَفْرَحُ حَتّى تَعُودَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ ﴾ الآيَةَ، وحَكى ابْنُ مَندَهْ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ النَّفْسَ طِينِيَّةٌ نارِيَّةٌ، والرُّوحَ نُورِيَّةٌ رُوحانِيَّةٌ، وعَنْ آخَرَ أنَّ النَّفْسَ ناسُوتِيَّةٌ والرُّوحَ لاهُوتِيَّةٌ، وذُكِرَ أنَّ أهْلَ الأثَرِ عَلى المُغايَرَةِ وأنَّ قِوامَ النَّفْسِ بِالرُّوحِ، والنَّفْسُ صُورَةُ العَبْدِ، والهَوى والشَّهْوَةُ والبَلاءُ مَعْجُونٌ فِيها ولا عَدُوَّ أعْدى لِابْنِ آدَمَ مِن نَفْسِهِ لا تُرِيدُ إلّا الدُّنْيا ولا تُحِبُّ إلّا إيّاها، والرُّوحُ تَدْعُو إلى الآخِرَةِ وتُؤْثِرُها، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ مُحَقِّقِي الصُّوفِيَّةِ القَوْلُ بِالمُغايَرَةِ فَفي مُنْتَهى المَدارِكِ لِلْمُحَقِّقِ الفَرْغانِيِّ أنَّ النَّفْسَ المُضافَةَ إلى الإنْسانِ عِبارَةٌ عَنْ بُخارٍ ضَبابِيٍّ مُنْبَعِثٍ مِن باطِنِ القَلْبِ الصَّنَوْبَرِيِّ حامِلٍ لِقُوَّةِ الحَياةِ مُتَجَنِّسٍ بِأثَرِ الرُّوحِ الرُّوحانِيَّةِ المُرادَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي ﴾ الثّابِتُ تَعَيُّنُها في عالَمِ الأرْوَحِ، وأثَرُها واصِلٌ إلى هَذا البُخارِ الحامِلِ لِلْحَياةِ، فالنَّفْسُ إذَنْ أمْرٌ مُجْتَمِعٌ مِنَ البُخارِ، ووَصْفُ الحَياةِ وأثَرُ الرُّوحِ الرُّوحانِيَّةِ وهَذِهِ النَّفْسُ بِحُكْمِ تَجَنُّسِها بِأثَرِ الرُّوحِ الرُّوحانِيَّةِ مُتَعَيِّنَةٌ لِتَدْبِيرِ البَدَنِ الإنْسانِيِّ قابِلَةٌ لِمَعالِي الأُمُورِ وسَفاسِفِها كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ﴾ والرُّوحُ الرُّوحانِيَّةُ أمْرٌ لا يُكْتَنَهُ، والحَقُّ أنَّهُما قَدْ يَتَّحِدانِ إطْلاقًا وقَدْ يَتَغايَرانِ، وابْنُ القَيِّمِ اعْتَمَدَ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ الِاتِّحادِ ذاتًا، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الصُّوفِيَّةُ بَيْدَ أنَّهم قالُوا: إنَّ النَّفْسَ هي الأصْلُ في الإنْسانِ فَإذا صُقِلَتْ بِالرِّياضَةِ وأنْواعِ الذِّكْرِ والفِكْرِ صارَتْ رُوحًا ثُمَّ قَدْ تَتَرَقّى إلى أنْ تَصِيرَ سِرًّا مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى.

وتَفْصِيلُ الكَلامِ حِينَئِذٍ في هَذا المَقامِ أنَّ لِلنَّفْسِ مَراتِبَ تَتَرَقّى فِيها، الأُولى تَهْذِيبُ الظّاهِرِ بِاسْتِعْمالِ النَّوامِيسِ الإلَهِيَّةِ مِنَ القِيامِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما، الثّانِيَةُ تَهْذِيبُ الباطِنِ عَنِ المَلَكاتِ الرَّدِيَّةِ والأخْلاقِ الدَّنِيَّةِ، الثّالِثَةُ: تَحَلِّي النَّفْسِ بِالصُّوَرِ القُدْسِيَّةِ، الرّابِعَةُ: فَناؤُها عَنْ ذاتِها ومُلاحَظَتُها جَلالَ رَبِّ العالَمِينَ جَلَّ جَلالُهُ، ويُقالُ في كَيْفِيَّةِ التَّرَقِّي في هَذِهِ المَراتِبِ أنَّ الإنْسانَ أوَّلَ ما يُولَدُ فَهو كَباقِي الحَيَواناتِ لا يَعْرِفُ إلّا الأكْلَ والشُّرْبَ ثُمَّ بِالتَّدْرِيجِ يَظْهَرُ لَهُ باقِي صِفاتِ النَّفْسِ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والحِرْصِ والحَسَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي هي نَتائِجُ الِاحْتِجابِ والبُعْدِ مِن مَعْدِنِ الجُودِ والصِّفاتِ الكَمالِيَّةِ، ثُمَّ إذا تَيَقَّظَ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ وقامَ مِن نَوْمِ الجَهْلِ وبانَ لَهُ أنَّ وراءَ هَذِهِ اللَّذّاتِ البَهِيمِيَّةِ لَذّاتٌ أُخَرُ وفَوْقَ هَذِهِ المَراتِبِ مَراتِبُ أُخَرُ كَمالِيَّةٌ يَتُوبُ عَنِ اشْتِغالِهِ بِالمَنهِيّاتِ الشَّرْعِيَّةِ ويُنِيبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ فَيَشْرَعُ في تَرْكِ الفُضُولِ الدُّنْيَوِيَّةِ طَلَبًا لِلْكَمالاتِ الأُخْرَوِيَّةِ ويَعْزِمُ عَزْمًا تامًّا ويَتَوَجَّهُ إلى السُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ مِن مَقامِ نَفْسِهِ فَيُهاجِرُ مِنهُ ويَقَعُ في الغُرْبَةِ ويا طُوبى لِلْغُرَباءِ وإنْ قِيلَ: إنَّما الغُرْبَةُ لِلْأحْرارِ ذُبِحَ ثُمَّ إذا دَخَلَ في الطَّرِيقِ يَزْهَدُ عَنْ كُلِّ ما يَعُوقُهُ عَنْ مَقْصُودِهِ ويَصُدُّهُ عَنْ مَعْبُودِهِ فَيَتَّصِفُ بِالوَرَعِ والتَّقْوى والزُّهْدِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ يُحاسِبُ نَفْسَهُ دائِمًا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ ويَتَّهِمُها في كُلِّ ما تَأْمُرُ بِهِ وإنْ كانَ عِبادَةً فَإنَّها مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ الشَّهَواتِ ومَطْبُوعَةٌ عَلى الدَّسائِسِ الخَفِيّاتِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَأْمَنَها ويَكُونَ عَلى ثِقَةٍ مِنها.

يُحْكى عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَزَلْ تَأْمُرُهُ بِالجِهادِ وتَحُثُّهُ عَلَيْهِ فاسْتَغْرَبَ ذَلِكَ ثُمَّ فَطِنَ أنَّها تُرِيدُ أنْ تَسْتَرِيحَ مِن نَصَبِ القِيامِ والصِّيامِ بِالمَوْتِ فَلَمْ يُجِبْها إلى ذَلِكَ، فَإذا خَلَصَ مِنها وصَفا وقْتُهُ وطابَ عَيْشُهُ بِما يَجِدُهُ في طَرِيقِ المَحْبُوبِ يَتَنَوَّرُ باطِنُهُ ويَظْهَرُ لَهُ لَوامِعُ أنْوارِ الغَيْبِ ويَنْفَتِحُ لَهُ بابُ المَلَكُوتِ وتَلُوحُ مِنهُ لَوائِحُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَيُشاهِدُ أُمُورًا غَيْبِيَّةً في صُوَرٍ مِثالِيَّةٍ، فَإذا ذاقَ شَيْئًا مِنها يَرْغَبُ في العُزْلَةِ والخَلْوَةِ والذِّكْرِ والمُواظَبَةِ عَلى الطَّهارَةِ والعِبادَةِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ ويُعْرِضُ عَنِ المَلاذِّ الحِسِّيَّةِ كُلِّها ويَفْرَغُ القَلْبُ عَنْ مَحَبَّتِها فَيَتَوَجَّهُ باطِنُهُ إلى الحَقِّ تَعالى بِالكُلِّيَّةِ فَيَظْهَرُ لَهُ الوَجْدُ والسُّكْرُ والشَّوْقُ والعِشْقُ والهَيَمانُ ويَجْعَلُهُ فانِيًا عَنْ نَفْسِهِ غافِلًا عَنْها فَيُشاهِدُ الحَقائِقَ السِّرِّيَّةَ والأنْوارَ الغَيْبِيَّةَ فَيَتَحَقَّقُ بِالمُشاهَدَةِ والمُعايَنَةِ والمُكاشَفَةِ ويَظْهَرُ لَهُ أنْوارٌ حَقِيقِيَّةٌ تارَةً وتَخْتَفِي أُخْرى حَتّى يَتَمَكَّنَ ويَتَخَلَّصَ مِنَ التَّلْوِينِ ويَنْزِلَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ الرُّوحِيَّةُ والطُّمَأْنِينَةُ الإلَهِيَّةُ ويَصِيرُ وُرُودُ هَذِهِ البَوارِقِ والأحْوالِ لَهُ مَلَكَةً فَيَدْخُلُ في عَوالِمِ الجَبَرُوتِ ويُشاهِدُ العُقُولَ المُجَرَّدَةَ والأنْوارَ القاهِرَةَ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ والمُهَيِّمِينَ ويَتَحَقَّقُ بِأنْوارِهِمْ فَيَظْهَرُ لَهُ أنْوارُ سُلْطانِ الأحَدِيَّةِ وسَواطِعُ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ فَتَجْعَلُهُ هَباءً مَنثُورًا ويَنْدَكُّ حِينَئِذٍ جِبالُ إنِّيَّتِهِ فَيَخِرُّ لِلَّهِ تَعالى خُرُورًا ويَتَلاشى في التَّعَيُّنِ الذّاتِيِّ ويَضْمَحِلُّ وُجُودُهُ في الوُجُودِ الإلَهِيِّ وهَذا مَقامُ الفَناءِ والمَحْوِ وهو غايَةُ السَّفَرِ الأوَّلِ لِلسّالِكِينَ، فَإنْ بَقِيَ في الفَناءِ والمَحْوِ ولَمْ يَجِئْ إلى البَقاءِ والصَّحْوِ صارَ مُسْتَغْرِقًا في عَيْنِ الجَمْعِ مَحْجُوبًا بِالحَقِّ عَنِ الخَلْقِ لا يَزِيغُ بَصَرُهُ عَنْ مُشاهَدَةِ جَمالِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وأنْوارِ ذاتِهِ وجَلالِهِ فاضْمَحَلَّتِ الكَثْرَةُ في شُهُودِهِ واحْتَجَبَ التَّفْصِيلُ عَنْ وُجُودِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ، وفَوْقَ ذَلِكَ مَرْتَبَةٌ يَرْجِعُ فِيها إلى الصَّحْوِ بَعْدَ المَحْوِ، ويَنْظُرُ إلى التَّفْصِيلِ في عَيْنِ الجَمْعِ ويَسَعُ صَدْرُهُ الحَقَّ والخَلْقَ فَيُشاهِدُ الحَقَّ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَرى كُلَّ شَيْءٍ بِالحَقِّ عَلى وجْهٍ لا يُوجِبُ التَّكَثُّرَ والتَّجَسُّمَ وهو طَوْرٌ وراءَ طَوْرِ العَقْلِ.

ووَقَعَ في عِبارَةِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَدْ يَصِيرُ العارِفُ مُتَخَلِّقًا بِأخْلاقِ اللَّهِ تَعالى بِالحَقِيقَةِ لا بِمَعْنى صَيْرُورَةِ صِفاتِهِ تَعالى عَرَضًا قائِمًا بِالنَّفْسِ فَإنَّ هَذا مِمّا لا يُتَصَوَّرُ أبَدًا، والقَوْلُ بِهِ خُرُوجٌ عَنِ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ، بَلْ بِمَعْنى عَلاقَةٍ أُخْرى أتَمَّ مِن عَلاقَتِها مَعَ الصِّفاتِ الكَوْنِيَّةِ البَدَنِيَّةِ وغَيْرِها لا تُعْلَمُ حَقِيقَتُها، ولَعَلَّ مُرادَهم بِالمَرْتَبَةِ الَّتِي تَتَرَقّى إلَيْها النَّفْسُ فَتَكُونُ سِرًّا مِن أسْرارِ اللَّهِ تَعالى هي هَذِهِ المَرْتَبَةُ والِاطِّلاعُ عَلَيْها يَحْتاجُ إلى سُلُوكِ طَرِيقَةِ الأبْرارِ، ولا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الأنْظارِ والأفْكارِ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلسُّلُوكِ والمُتَفَضِّلُ بِالغِنى عَلى الصُّعْلُوكِ.

* * * «البَحْثُ الرّابِعُ» اخْتَلَفَ النّاسُ في الرُّوحِ هَلْ تَمُوتُ أمْ لا؟

فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها تَمُوتُ لِأنَّها نَفْسٌ، وكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ، وقَدْ دَلَّ الكِتابُ عَلى أنَّهُ لا يَبْقى إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ وهو يَسْتَدْعِي هَلاكَ الأرْواحِ كَغَيْرِها مِنَ المَخْلُوقاتِ، وإذا كانَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَمُوتُونَ فالأرْواحُ البَشَرِيَّةُ أوْلى، وأيْضًا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ أهْلِ النّارِ أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ ﴾ ولا تُحَقَّقُ الإماتَتانِ إلّا بِإماتَةِ البَدَنِ مَرَّةً وإماتَةِ الرُّوحِ أُخْرى.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّها تَمُوتُ لِلْأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى نَعِيمِها وعَذابِها بَعْدَ المُفارَقَةِ إلى أنْ يُرْجِعَها اللَّهُ تَعالى إلى الجَسَدِ، وإنْ قُلْنا بِمَوْتِها لَزِمَ انْقِطاعُ النَّعِيمِ والعَذابِ، والصَّوابُ أنْ يُقالَ: مَوْتُ الرُّوحِ هو مُفارَقَتُها الجَسَدَ، فَإنْ أُرِيدَ بِمَوْتِها هَذا القَدْرُ فَهي ذائِقَةُ المَوْتِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّها تَعْدَمُ وتَضْمَحِلُّ فَهي لا تَمُوتُ بَلْ تَبْقى مُفارِقَةً ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ تَعُودُ إلى الجَسَدِ وتَبْقى مَعَهُ في نَعِيمٍ أوْ عَذابٍ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ وهي مُسْتَثْناةٌ مِمَّنْ يُصْعَقُ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ عَلى أنَّ الصَّعْقَ لا يَلْزَمُ مِنهُ المَوْتُ والهَلاكُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالعَدَمِ بَلْ يَتَحَقَّقُ بِخُرُوجِ الشَّيْءِ عَنْ حَدِّ الِانْتِفاعِ بِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ، وما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ الإماتَتَيْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ.

وإلى أنَّها لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ ذَهَبَتِ الفَلاسِفَةُ أيْضًا، واحْتَجَّ الشَّيْخُ عَلَيْهِ بِأنْ قالَ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّفْسَ يَجِبُ حُدُوثُها عِنْدَ حُدُوثِ البَدَنِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونا مَعًا في الوُجُودِ أوْ لِأحَدِهِما تَقَدُّمٌ عَلى الآخَرِ، فَإنْ كانا مَعًا فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونا مَعًا في الماهِيَّةِ أوَّلًا في الماهِيَّةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَكانَتِ النَّفْسُ والبَدَنُ مُتَضايِفَيْنِ لَكِنَّهُما جَوْهَرانِ هَذا خَلْفٌ، وإنْ كانَتِ المَعِيَّةُ في الوُجُودِ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدِهِما حاجَةٌ في ذَلِكَ الوُجُودِ إلى الآخَرِ فَعَدَمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما يُوجِبُ عَدَمَ تِلْكَ المَعِيَّةِ، إمّا لا يُوجِبُ عَدَمَ الآخَرِ، وإمّا إنْ كانَ لِأحَدِهِما حاجَةٌ في الوُجُودِ إلى الآخَرِ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ المُقَدَّمُ هو النَّفْسَ أوِ البَدَنَ، فَإنْ كانَ المُقَدَّمُ في الوُجُودِ هو النَّفْسَ فَذَلِكَ التَّقَدُّمُ إمّا أنْ يَكُونَ زَمانِيًّا أوْ ذاتِيًّا، والأوَّلُ باطِلٌ لِما ثَبَتَ أنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ البَدَنِ، وأمّا الثّانِي فَباطِلٌ أيْضًا لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَكُونُ وُجُودُهُ مَعْلُولَ شَيْءٍ كانَ عَدَمُهُ مَعْلُولَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ إذْ لَوِ انْعَدَمَ ذَلِكَ المَعْلُولُ مَعَ بَقاءِ العِلَّةِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ العِلَّةُ كافِيَةً في إيجابِها فَلا تَكُونُ العِلَّةُ عِلَّةً بَلْ جُزْءٌ مِنَ العِلَّةِ هَذا خَلْفٌ، فَإذا لَوْ كانَ البَدَنُ مَعْلُولًا لامْتَنَعَ عَدَمُ البَدَنِ إلّا لِعَدَمِ النَّفْسِ، والتّالِي بُطْلانُ البَدَنِ قَدْ يَنْعَدِمُ لِأسْبابٍ أُخَرَ مِثْلَ سُوءِ المِزاجِ أوْ سُوءِ التَّرْكِيبِ أوْ تَفَرُّقِ الِاتِّصالِ فَبَطَلَ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ عِلَّةً لِلْبَدَنِ، وباطِلٌ أيْضًا أنْ يَكُونَ البَدَنُ عِلَّةً لِلنَّفْسِ لِأنَّ العِلَلَ كَما عُرِفَ أرْبَعٌ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ البَدَنُ عِلَّةً فاعِلِيَّةً لِلنَّفْسِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ عِلَّةً فاعِلِيَّةً لِوُجُودِ النَّفْسِ بِمُجَرَّدِ جِسْمِيَّتِهِ أوْ لِأمْرٍ زائِدٍ عَلى جِسْمِيَّتِهِ، والأوَّلُ باطِلٌ وإلّا لَكانَ كُلُّ جِسْمٍ كَذَلِكَ، والثّانِي باطِلٌ، أمّا أوَّلًا فَلِما ثَبَتَ أنَّ الصُّوَرَ المادِّيَّةَ إنَّما تَفْعَلُ بِواسِطَةِ الوَضْعِ، وكُلُّ ما لا يَفْعَلُ إلّا بِواسِطَةِ الوَضْعِ اسْتَحالَ أنْ يَفْعَلَ أفْعالًا مُجَرَّدَةً عَنِ الحَيِّزِ والوَضْعِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الصُّوَرَ المادِّيَّةَ أضْعَفُ مِنَ المُجَرَّدِ القائِمِ بِنَفْسِهِ، والأضْعَفُ لا يَكُونُ سَبَبًا لِلْأقْوى، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ البَدَنُ عِلَّةً قابِلِيَّةً لِما ثَبَتَ أنَّ النَّفْسَ مُجَرَّدَةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ المادَّةِ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ عِلَّةً صُورِيَّةً لِلنَّفْسِ أوْ تَمامِيَّةً؛ فَإنَّ الأمْرَ أوْلى أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ فَإذًا لَيْسَ بَيْنَ البَدَنِ والنَّفْسِ عَلاقَةٌ واجِبَةُ الثُّبُوتِ أصْلًا فَلا يَكُونُ عَدَمُ أحَدِهِما عِلَّةً لِعَدَمِ الآخَرِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ جَعَلْتُمُ البَدَنَ عِلَّةً لِحُدُوثِ النَّفْسِ؟

فَنَقُولُ: قَدْ بُيِّنَ أنَّ الفاعِلَ إذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ التَّغَيُّرِ ثُمَّ صَدَرَ عَنْهُ الفِعْلُ بَعْدَ أنْ كانَ غَيْرَ صادِرٍ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ أنَّ شَرْطَ الحُدُوثِ قَدْ حَصَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ دُونَ ما قَبْلَهُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ لَمّا كانَ شَرْطًا لِلْحُدُوثِ فَقَطْ وكانَ غَنِيًّا في وُجُودِهِ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ عَدَمُ ذَلِكَ الشَّرْطِ مُؤَثِّرًا في عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ثُمَّ لَمّا اتَّفَقَ أنْ كانَ ذَلِكَ الشَّرْطُ مُسْتَعِدًّا لِأنْ يَكُونَ آلَةً لِلنَّفْسِ في تَحْصِيلِ الكَمالاتِ والنَّفْسُ لِذاتِها مُشْتاقَةٌ إلى الكَمالِ لا جَرَمَ حَصَلَ لِلنَّفْسِ شَوْقٌ طَبِيعِيٌّ إلى التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ البَدَنِ والتَّدْبِيرِ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأصْلَحِ، ومِثْلُ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَدَمُهُ عِلَّةً لِعَدَمِ ذَلِكَ الحادِثِ بَلْ ذَهَبَ الفَلاسِفَةُ إلى اسْتِحالَةِ انْعِدامِ النَّفْسِ وبَرْهَنُوا عَلى ذَلِكَ بِما بَرْهَنُوا، وعِنْدَنا لا اسْتِحالَةَ في ذَلِكَ.

* * * «البَحْثُ الخامِسُ في تَمايُزِ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَتِها الأبْدانَ» نَصَّ ابْنُ القَيِّمِ عَلى أنَّ كُلَّ رُوحٍ تَأْخُذُ مِن بَدَنِها صُورَةً تَتَمَيَّزُ بِها عَنْ غَيْرِها، وأنَّ تَمايُزَ الأرْواحِ أعْظَمُ مِن تَمايُزِ الأبْدانِ إلّا أنَّهُ زَعَمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّمايُزُ بَيْنَها عَلى القَوْلِ بِأنَّها جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ المادَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإنَّ القائِلِينَ بِذَلِكَ قائِلُونَ بِالتَّمايُزِ أيْضًا بِاعْتِبارِ ما يَحْصُلُ لَها مِنَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ أوْ بِنَحْوٍ آخَرَ مِنَ التَّمايُزِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في بَعْضِ رَسائِلِهِ أنَّ الأرْواحَ بَعْدَ مُفارَقَتِها أبْدانَها المَخْصُوصَةَ تَتَعَلَّقُ بِأبْدانٍ أُخَرَ مِثالِيَّةً حَسْبَما يَلِيقُ بِها وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِالطَّيْرِ الخُضْرِ في حَدِيثِ الشُّهَداءِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّ ذَرّارِيَّ المُؤْمِنِينَ أرْواحُهم في عَصافِيرَ في شَجَرٍ في الجَنَّةِ».

أيْ إنَّها تَكُونُ في أبْدانٍ عَلى تِلْكَ الصُّوَرِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوايَةُ ابْنِ ماجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ««أرْواحُ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَطَيْرٍ خُضْرٍ»».

وفِي لَفْظٍ عَنْ كَعْبٍ: ««أرْواحُ الشُّهَداءِ طَيْرٌ خُضْرٌ»».

ولَفْظُ ابْنِ عُمَرَ: ««فِي صُورَةِ طَيْرٍ بِيضٍ»».

وفِي رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ عُثْمانَ اللّاحِقِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ «أنَّ ذَرّارِيَّ المُؤْمِنِينَ أرْواحُهم عَصافِيرُ في الجَنَّةِ».

وعَلى هَذا يَكُونُ إنْكارُ قَوْمٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ خَبَرَ في أجْوافِ طَيْرٍ، وكَذا خَبَرُ: في عَصافِيرَ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَعَلُّقِ رُوحَيْنِ في بَدَنٍ واحِدٍ وقَدْ قالُوا بِاسْتِحالَتِهِ ناشِئًا مِن عَدَمِ التَّأمُّلِ والتَّثَبُّتِ؛ لِأنَّهُ عَلى ما قَرَّرْنا لا يَكُونُ لِلطّائِرِ رُوحٌ غَيْرُ رُوحِ الشَّهِيدِ عَلى أنَّهُ لَوْ بَقِيَ الخَبَرُ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَلْزَمْ مُحالٌ؛ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الرُّوحُ في جَوْفِ الطَّيْرِ عَلى نَحْوِ كَوْنِ الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّهِ فَتَدَبَّرْ.

(١) (١) اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، أي لا علم لي فيه.

وقال مجاهد: الروح خلق من خلق الله تعالى، له أيْدٍ وأرجل.

وقال مقاتل: الروح ملك عظيم على صورة الإنسان، أعظم من كل مخلوق.

وروى معمر، عن قتادة والحسن أنهما قالا: هو جبريل.

وقال قتادة: كان ابن عباس يكتمه، أي يجعله من المكتوم الذي لا يفسر.

وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: «كنت أمشي مع رسول الله  فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه.

فقالوا: يا محمد ما الروح؟

فقام متوكئاً على عسيب، فظننت أنه يوحى إليه فقال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه (١) ويقال: الروح القرآن كقوله: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: 7] وروي بعض الرواة، عن ابن عباس قال: «الروح ملك له مائة ألف جناح، كل جناح لو فتحه يأخذ ما بين المشرق والمغرب» ويقال: إن جميع الملائكة تكون صفاً واحداً والروح وحده يكون صفاً واحداً، كقوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [النبأ: 38] ويقال: معناه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الذي هو في الجسد، كيف هو؟

قل: الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ويقال: الروح جبريل كقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: 193] أي يسألونك عن إتيان جبريل كيف نزوله عليك؟

قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، أي ما أعطيتم من العلم مما عند الله إلّا قليلا.

(١) حديث ابن مسعود: أخرجه البخاري (125) و (4721) و (7297) ومسلم (2794) (33) (34) والترمذي (3141) وأحمد: 1/ 444- 445.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عليك قال الداوديّ: وما روي عن ابن مسعود من أنه سَيُنْزَعُ القرآنُ من الصدور، وتُرْفَعُ المصاحف «١» لا يَصِحُّ وإِنما قال سبحانه: وَلَئِنْ شِئْنا فلم يشأ سبحانه، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ» «٢» قال البخاريُّ: وهم أهل العِلْم، ولا يكون العلم مع فقد القرآن.

انتهى كلام الداوديّ، وهو حَسَن جدًّا، وقد جاء في الصحيح ما هو أبْيَنُ من هذا، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْتَزِعُ العِلْمَ انْتِزَاعاً ولَكِنْ يقبض العلم بقبض العلماء ...

«٣» ، الحديث.

وقوله سبحانه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ ...

الآية: سببُ هذه الآية أنَّ جماعة من قريش قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ جِئْتَنَا بآيةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هذا القرآن، فإِنا نَقْدِرُ نَحنُ عَلَى المَجِيءِ بمثله، فنزلَتْ هذه الآية المصرِّحة بالتعجيز لجميع الخلائق.

قال ص: واللام في لَئِنِ اجْتَمَعَتِ اللام الموطِّئة للقسم، وهي الداخلة على الشرطِ، كقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا [الحشر: ١٢] وَلَئِنْ قُوتِلُوا [الحشر: ١٢] والجوابُ بعدُ للقَسَمِ لتقدُّمه، إِذا لم يسبق ذو خبره لا للشرطِ، هذا مذهبُ البصريِّين خلافاً للفراء في إجازته الأَمرين، إِلا أنَّ الأكثر أنْ يجيء جواب قَسَمٍ، «والظهير» المعين.

/ قال ع «٤» : وفهمت العرب الفصحاء بُخُلوصِ فهمها في مَيْزِ الكلامِ وَدُرْبتها به

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  مَرَّ بِناسٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ ؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْألُوهُ فَيَسْتَقْبِلُكم بِما تَكْرَهُونَ، فَأتاهُ نَفَرٌ مِنهُمْ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ ما تَقُولُ في الرُّوحِ ؟

فَسَكَتَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: «أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِقُرَيْشٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم عَنِ اثْنَتَيْنِ وأمْسَكَ عَنِ الثّالِثَةِ فَهو نَبِيٌّ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ فَقَدُوا، وسَلُوهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؛ فَسَألُوهُ عَنْها، فَفَسَّرَ لَهم أمْرَ الفِتْيَةِ في الكَهْفِ، وفَسَّرَ لَهم قِصَّةَ ذِي القَرْنَيْنِ، وأمْسَكَ عَنْ قِصَّةِ الرُّوحِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي المُرادِ بِالرُّوحِ هاهُنا سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي يَحْيا بِهِ البَدَنُ، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في ماهِيَةِ الرُّوحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلِ الرُّوحُ النَّفْسُ، أمْ هُما شَيْئانِ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ اخْتِلافِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا بُرْهانَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وإنَّما هو شَيْءٌ أخَذُوهُ عَنِ الطِّبِّ والفَلاسِفَةِ ؟

فَأمّا السَّلَفُ فَإنَّهم أمْسَكُوا عَنْ ذَلِكَ لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ ، فَلَمّا رَأوْا أنَّ القَوْمَ سَألُوا عَنِ الرُّوحِ فَلَمْ يُجابُوا، ولِوَحْيٍ يَنْزِلُ والرَّسُولُ حَيٌّ، عَلِمُوا أنَّ السُّكُوتَ عَمّا لَمْ يُحِطْ بِحَقِيقَةِ عِلْمِهِ أوْلى.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذا الرُّوحِ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى خِلْقَةٍ هائِلَةٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الرَّوْحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صُوَرُهم عَلى صُوَرِ بَنِي آَدَمِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ القُرْآَنُ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.

والسّادِسُ: أنَّهُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّوْحَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآَنِ، فَغالِبُ ظَنِّي أنَّ النّاقِلِينَ نَقَلُوا تَفْسِيرَهُ مِن مَوْضِعِهِ إلى مَوْضِعٍ لا يَلِيقُ بِهِ، وظَنُّوهُ مِثْلَهُ، وإنَّما هو الرُّوحُ الَّذِي يَحْيى بِهِ ابْنُ آَدَمَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ " مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ "؛ أيْ: مِن عَمَلِهِ الَّذِي مَنَعَ أنْ يَعْرَفَهُ أحَدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ في المُخاطَبِينَ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ الخَلْقِ، عِلْمُهم قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآَيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ ؟

فالجَوابُ: أنَّ ما أُوتِيَهُ النّاسُ مِنَ العِلْمِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فَهو بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُوحِ قُلِ الرُوحِ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِن العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا ﴾ ﴿ إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ الضَمِيرُ في "يَسْألُونَكَ" قِيلَ: هو لِلْيَهُودِ وأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، «وَرَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  ، فَمَرَّ عَلى حَرْثٍ بِالمَدِينَةِ - ويُرْوى عَلى خَرِبٍ- وإذا فِيهِ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُوحِ، فَإنْ أجابَ فِيهِ عَرَفْتُمْ أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّهُ كانَ عِنْدَهم في التَوْراةِ أنِ الرَوْحَ مِمّا انْفَرَدَ اللهُ بِعِلْمِهِ، ولا يُطْلِعُ عَلَيْهِ أحَدًا مِن عِبادِهِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْألُوهُ لِئَلّا يَأْتِي فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي -واللهُ أعْلَمُ- مِن أنَّهُ لا يُفَسِّرُهُ فَتَقْوى الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في نُبُوَّتِهِ، قالَ: فَسَألُوهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ  مُتَوَكِّئًا عَلى عَسِيبٍ، فَظَنَنْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمُ الآيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والضَمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: نَسْألُ عن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- أهْلَ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ، فَأرْسَلُوا إلَيْهِمْ إلى المَدِينَةِ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، فَقالَ اليَهُودُ: جَرِّبُوا بِثَلاثِ مَسائِلَ، سَلُوهُ عن أهْلِ الكَهْفِ وعن ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُوحِ، فَإنَّ فَسِرَّ الثَلاثَةَ فَهو كَذّابٌ، وإنَّ سَكْتَ عَنِ الرُوحِ فَهو نَبِيٌّ، فَسَألَتْهُ قُرَيْشٌ عَنِ الرُوحِ، فَيُرْوى أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَهُمْ: "غَدًا أُخْبِرُكم بِهِ"، ولَمْ يَقِلْ: "إنْ شاءَ اللهُ"، فاسْتَمْسَكَ الوَحْيُ عنهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مُعاتَبَةً عَلى وعْدِهِ لَهم دُونَ اسْتِثْناءٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الرُوحِ المَسْؤُولِ عنهُ، أيُّ رُوحٍ هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: وقَعَ السُؤالُ عَنِ الرُوحِ الَّتِي في الأشْخاصِ الحَيَوانِيَّةِ، ما هِيَ؟

فالرُوحُ اسْمُ جِنْسٍ عَلى هَذا، وهَذا هو الصَوابُ، وهو المُشْكِلُ الَّذِي لا تَفْسِيرَ لَهُ.

وقالَ قَتادَةُ: الرُوحُ المَسْؤُولُ عنهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَكْتُمُهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (مَلَكٌ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ وجْهٍ في كُلِّ وجْهٍ سَبْعُونَ ألْفَ لِسانٍ، لِكُلِّ لِسانٍ سَبْعُونَ ألْفَ لُغَةٍ، يُسَبِّحُ اللهَ سُبْحانَهُ بِكُلِّ تِلْكَ اللُغاتِ، فَيُخْلَقُ مِن كُلِّ تَسْبِيحَةٍ مَلَكًا يَطِيرُ مَعَ المَلائِكَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.

وما أظُنُّ هَذا القَوْلَ يَصِحُّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرُوحُ القُرْآنُ، وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُفَسِّرَةٌ، والأوَّلُ أظْهَرُها وأصْوَبُها.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ "الأمْرُ" اسْمُ جِنْسٍ لِلْأُمُورِ، أيِ: الرَوْحُ مِن جُمْلَةِ أُمُورِ اللهِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها، فَهي إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، والثانِي أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، مِن أمْرٍ يَأْمُرُ، أيِ: الرَوْحُ مِمّا أمَرَ اللهُ تَعالى أمْرًا بِالكَوْنِ فَكانَ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "وَما أُوتُوا"، ورَواها ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَما أُوتِيتُمْ".

واخْتُلِفَ فِيمَن خُوطِبَ بِذَلِكَ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: السائِلُونَ فَقَطْ، تَرْجَمَ الطَبَرِيُّ بِذَلِكَ، ثُمَّ أدْخَلَ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عن قَتادَةُ أنَّهُمُ اليَهُودُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ اليَهُودُ بِجُمْلَتِهِمْ، وعَلى هَذا هي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: العالَمُ كُلُّهُ، وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى لَهُ: ﴿ قُلِ الرُوحُ ﴾ إنَّما هو أمْرٌ بِالقَوْلِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ إذْ كَذَلِكَ هي أقْوالُهُ كُلُّها، وعَلى ذَلِكَ تَمَّتِ الآيَةُ مِن مُخاطَبَةِ الكُلِّ.

ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةً مِنَ اللهِ تَعالى لِلنَّبِيِّ  ولِجَمِيعِ الناسِ.

ويَتَّصِفُ ما عِنْدَ جَمِيعِ الناسِ مِنَ العِلْمِ بِالقِلَّةِ بِإضافَتِهِ إلى عِلْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِي هو بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي عِنْدَنا مِن عِلْمِها طَرَفٌ يَسِيرٌ جِدًّا، كَما قالَ الخَضْرُ عَلَيْهِ السَلامُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلائِقِ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ"، وأرادَ الخَضْرُ عِلْمَ اللهِ بِهَذِهِ المَوْجُوداتِ الَّتِي عِنْدَ البَشَرِ مِن عِلْمِها طَرَفٌ يَسِيرٌ جِدًّا نِسْبَةً إلى ما يَخْفى عنهُمْ، نِسْبَةَ النُقْطَةِ إلى البَحْرِ، وأمّا عِلْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى الإطْلاقِ فَغَيْرُ مُتَناهٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَجَوُّزُ في قَوْلِ الخَضْرِ عَلَيْهِ السَلامُ: "كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ"، أيْ: إنّا لا يَنْقُصُ عِلْمُنا شَيْئًا مِن عِلْمِ اللهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ مَثَّلَ بِنَقْرَةِ العُصْفُورِ في عَدَمِ النَقْصِ؛ إذْ نَقْصُهُ غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَكَأنَّهُ مَعْدُومٌ، فَهَذا احْتِمالٌ، ولَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ قالَتِ اليَهُودُ لِرَسُولِ اللهِ  : كَيْفَ لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا وقَدْ أُوتِينا التَوْراةَ وهي الحِكْمَةُ، ومَن أُوتِيَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا؟

فَعارَضَهم رَسُولُ اللهِ  بِعِلْمِ اللهِ فَغُلِبُوا، وقَدْ نَصَّ رَسُولُ اللهِ  في بَعْضِ الأحادِيثِ بِقَوْلِهِ: "كُلًّا".

يَعْنِي أنَّ المُرادَ بِـ "أُوتِيتُمْ" جَمِيعَ العالِمِ، وذَلِكَ أنَّ يَهُودَ قالَتْ لَهُ: أنَحْنُ عَنَيْتَ أمْ قَوْمَكَ؟

فَقالَ: "كُلًّا"، وفي هَذا المَعْنى نَزَلَتْ: ﴿ وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ  ﴾ ، حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ الآيَةَ، فِيها شِدَّةٌ عَلى النَبِيِّ  ، وهي عِتابٌ عَلى قَوْلِهِ: "غَدًا أُعْلِمُكُمْ"، فَأُمِرَ بِأنْ يَقُولَ: إنِ الرُوحَ مِن أمْرِ رَبِّي، فَيُذْعِنُ بِالتَسْلِيمِ لِلَّهِ في أنَّهُ يُعْلِمُ بِما شاءَ، ويُمْسِكُ عن عِبادِهِ ما شاءَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: وما أُوتِيتُمْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ وجَمِيعُ الخَلائِقِ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا، فاللهُ تَعالى يُعْلِمُ مَن عِلْمِهِ بِما شاءَ، ويَدَعُ ما شاءَ، ولَئِنْ شاءَ لَذَهَبَ بِالوَحْيِ الَّذِي أتاكَ، ثُمَّ لا ناصِرَ لَكَ مِنهُ، فَلَيْسَ بِعَظِيمٍ ألّا تَجِيءَ بِتَفْسِيرٍ في الرُوحِ الَّذِي أرْدَتْ تَفْسِيرَهُ لِلنّاسِ ووَعَدَتْهم بِذَلِكَ.

ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَتَخْرُجُ رِيحٌ حَمْراءُ مِن قِبَلِ الشامِ فَتُزِيلُ القُرْآنَ مِنَ المَصاحِفِ ومِنَ الصُدُورِ، وتَذْهَبُ بِهِ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أرادَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِتِلاوَةِ الآيَةِ أنْ يُبْدِيَ أنَّ الأمْرَ جائِزُ الوُقُوعِ لِيَظْهَرَ مِصْداقُ خَبَرِهِ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأمْرِ في الِانْتِصارِ أوِ المُخاصَمَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن وُجُودِ النَفْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا رَحْمَةً" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ يُمْسِكُ ذَلِكَ عَلَيْكَ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ يُخَصِّصُ تَخْصِيصًا ما، ولَيْسَ كالمُتَّصِلِ؛ لِأنَّ المُتَّصِلَ يُخَصِّصُ مِنَ الجِنْسِ أوِ الجُمْلَةِ، والمُنْقَطِعَ يُخَصِّصُ أجْنَبِيًّا مِن ذَلِكَ، ولا يُنْكِرُ وُقُوعَ المُنْقَطِعِ في القُرْآنِ إلّا أعْجَمِيٌّ، وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ خُوَيْزٍ مِقْدادٍ.

ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كِبَرَ فَضْلِهِ في اخْتِصاصِهِ بِالنُبُوَّةِ، وحِمايَتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ ﴾ الآيَةَ.

سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَماعَةً مِن قُرَيْشٍ قالَتْ لِرَسُولِ اللهِ  : يا مُحَمَّدُ.

جِئْنا بِآيَةٍ غَرِيبَةٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ فَإنّا نَقْدِرُ عَلى المَجِيءِ بِمِثْلِ هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُصَرِّحَةُ بِالتَعْجِيزِ، المُعْلِمَةُ بِأنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ إنْسًا وجِنًّا لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.

والعَجْزُ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ إنَّما وقَعَ في النَظْمِ والرَصْفِ لِمَعانِيهِ، وعِلَّةُ ذَلِكَ الإحاطَةُ الَّتِي لا يَتَّصِفُ بِها إلّا اللهُ تَعالى.

والبَشَرُ مُقَصِّرٌ ضَرُورَةً بِالجَهْلِ والنِسْيانِ والغَفْلَةِ وأنْواعِ النَقْصِ، فَإنَّ نَظْمَ كَلِمَةٍ خَفِيٌّ عنهُ -لِلْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرْنا- ألْيَقُ الكَلامِ بِها في المَعْنى، وقَدْ ذَكَرْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ في صَدْرِ هَذا الدِيوانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْتُونَ ﴾ بِمِثْلِهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"لا" مُتَلَقِّيَةٌ قَسَمًا، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَئِنِ" مُؤَذِّنَهٌ غَيْرُ لازِمَةٍ، قَدْ تُحْذَفُ أحْيانًا، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ اللامُ مُؤَكِّدَةً فَقَطْ، ويَجِيءُ الفِعْلُ المَنفِيُّ مَجْزُومًا، وهَذا اعْتِمادٌ عَلى الشَرْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْمَشِ: لَئِنْ مُنِيتَ بِنا عن غَبِّ مَعْرَكَةٍ ∗∗∗ لا تُلْفِنا عن دِماءِ القَوْمِ نَنْتَقِلُ و"الظَهِيرُ": المُعِينُ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ  ﴾ الآيَةَ.

فالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفَهِمَتِ العَرَبُ بِخُلُوصِ فَهْمِها في مَيْزِ الكَلامِ ودُرْبَتِها بِهِ ما لا نَفْهَمُهُ نَحْنُ ولا كُلُّ مَن خالَطَتْهُ حَضارَةٌ، فَفَهِمُوا العَجْزَ عنهُ ضَرُورَةً ومُشاهَدَةً، وعَلِمَهُ الناسُ بَعْدَهُمُ اسْتِدْلالًا ونَظَرًا، ولِكُلٍّ حَصَلَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ، لَكِنْ لَيْسَ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وهَذا كَما عَلِمَتِ الصَحابَةُ شَرْعَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأعْمالَهُ مُشاهَدَةً عِلْمَ ضَرُورَةٍ، وعَلِمْنا نَحْنُ المُتَواتِرَ مِن ذَلِكَ بِنَقْلِ التَواتُرِ، فَحَصَلَ لِلْجَمِيعِ القَطْعُ، لَكِنَّ في مَرْتَبَتَيْنِ، وفَهِمَ إعْجازَ القُرْآنِ أرْبابُ الفَصاحَةِ الَّذِينَ لَهم غَرائِبُ في مَيْزِ الكَلامِ.

ألا تَرى إلى فَهْمِ الفَرَزْدَقِ شِعْرَ جَرِيرٍ في شِعْرِ ذِي الرُمَّةِ في قَوْلِهِ: يَعُدُّ الناسِبُونَ إلى تَمِيمٍ.

الأبْياتَ كُلَّها.

وألا تَرى قِصَّةَ جَرِيرٍ في نَوادِرِهِ مَعَ الفَرَزْدَقِ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: عَلامَ تَلَفَّتِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ: تَلَفَّتُ أنَّها تَحْتَ ابْنِ قَيْنٍ.

وألا تَرى إلى قَوْلِ الأعْرابِيِّ: "عَزَّ فَحَكَمَ فَقَطَعَ"؟

وألا تَرى إلى اسْتِدْلالِ الآخَرِ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ  ﴾ ، فَقالَ: إنَّ الزِيارَةَ تَقْتَضِي الِانْصِرافَ.

ومِنهُ عِلْمُ بَشّارٍ بِقَوْلِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في شِعْرِ الأعْشى: وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ.

وَمِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ لِلْأصْمَعِيِّ: مَن أحْوَجَ الكِرِيمَ إلى أنْ يُقْسِمَ؟

ومِن فَهْمِهِمْ أنَّهم بِبَدائِهِهِمْ يَأْتُونَ بِكَلِمَةٍ مَنثُورَةٍ تَفْضُلُ المُنَقَّحَ مِنَ الشِعْرِ، وأمْثِلَةُ ذَلِكَ مَحْفُوظَةٌ، ومِن ذَلِكَ أجْوِبَتُهُمُ المُسْكِتَةُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن بَراعَتِهِمْ في الفَصاحَةِ وكَوْنِهِمْ فِيها النِهايَةَ، كَما كانَ السِحْرُ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والطِبُّ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَهم مَعَ هَذِهِ الأفْهامِ أقَرُّوا بِالعَجْزِ، ولَجَأ المُحادُّ مِنهم إلى السَيْفِ، ورَضِيَ بِالقَتْلِ والسِباءِ وكَشْفِ الحُرَمِ، وهو كانَ يَجِدُ المَندُوحَةَ عن ذَلِكَ بِالمُعارَضَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ التَحَدِّي بِالعَشْرِ السُورِ، والتَحَدِّي بِالسُورَةِ، إنَّما وقَعَ كُلُّهُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في النُظُمِ خاصَّةً، وقَيَّدَ العَشْرَ بِالِافْتِراءِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ القُرْآنَ مُفْتَرًى، فَدَعاهم بِعَقِبِ ذِكْرِ ذَلِكَ إلى الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرِياتٍ، ولَمْ يَذْكُرِ الِافْتِراءَ في السُورَةِ لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ عنهم ذِكْرُ ذَلِكَ قَبْلُ، بَلْ قالَ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ  ﴾ ، عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ ذِكْرُ السُورَةِ مَعَ ذِكْرِهِمُ الِافْتِراءَ في سُورَةِ هُودٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ الناسُ في هَذا المَوْضِعِ - فَقِيلَ: دُعُوا إلى السُورَةِ المُماثِلَةِ في النَظْمِ والغُيُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ، وكانَ ذَلِكَ مِن تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، فَلَمّا عَسُرَ عَلَيْهِمْ خُفِّفَ بِالدَعْوَةِ إلى المُفْتَرَياتِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَنْحَلُّ عِنْدَ تَحْصِيلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

وقْعُ هذه الآية بين الآي التي معها يقتضي نظمُه أن مرجع ضمير ﴿ يسألونك ﴾ هو مرجع الضمائر المتقدمة، فالسائلون عن الروح هم قريش.

وقد روى الترمذي عن ابن عباس قال: قالت قريش ليهود أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل عنه، فقالوا: سَلوه عن الروح، قال: فسألوه عن الروح، فأنزل الله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ الآية.

وظاهر هذا أنهم سألوه عن الروح خاصة وأن الآية نزلت بسبب سؤالهم.

وحينئذٍ فلا إشكال في إفراد هذا السؤال في هذه الآية على هذه الرواية.

وبذلك يكون موقع هذه الآية بين الآيات التي قبلها والتي بعدها مسبباً على نزولها بين نزول تلك الآيات.

واعلم أنه كان بين قريش وبين أهل يثرب صلات كثيرة من صهر وتجارة وصحبة.

وكان لكل يثربي صاحب بمكة ينزل عنده إذا قدم الآخر بلده، كما كان بين أمية بن خلف وسَعْد بن معاذ.

وقصتهما مذكورة في حديث غزوة بدر من «صحيح البخاري».

روى ابن إسحاق أن قريشاً بعثوا النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعيط إلى أحبار اليهود بيثرب يسألانهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال اليهود لهما: سلوه عن ثلاثة.

وذكروا لهم أهل الكهف وذا القرنين وعن الروح كما سيأتي في سورة الكهف، فسألتْه قريش عنها فأجاب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين بما في سورة الكهف، وأجاب عن الروح بما في هذه السورة.

وهذه الرواية تثير إشكالاً في وجه فصل جواب سؤال الروح عن المسألتين الأخريين بذكر جواب مسألة الروح في سورة الإسراء وهي متقدمة في النزول على سورة الكهف.

ويدفع الإشكال أنه يجوز أن يكون السؤال عن الروح وقع منفرداً أول مرة ثم جمع مع المسألتين الأخريين ثاني مرة.

ويجوز أن تكون آية سؤال الروح مما ألحق بسورة الإسراء كما سنبينه في سورة الكهف.

والجمهور على أن الجميع نزل بمكة، قال الطبري عن عطاء بن يسار: نزل قوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم قليلاً ﴾ بمكة.

وأما ما روي في «صحيح البخاري» عن ابن مسعود أنه قال: «بينما أنا مع النبي في حرث بالمدينة إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح، فسألوه عن الروح فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يردّ عليهم شيئاً، فعلمتُ أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ الآية.

فالجمع بينه وبين حديث ابن عباس المتقدم: أن اليهود لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم قد ظن النبي أنهم أقرب من قريش إلى فهم معنى الروح فانتظر أن ينزل عليه الوحي بما يجيبهم به أبين مما أجاب به قريشاً، فكرر الله تعالى إنزال الآية التي نزلت بمكة أو أمره أن يتلوها عليهم ليعلم أنهم وقريشاً سواء في العجز عن إدراك هذه الحقيقة أو أن الجواب لا يتغير.

هذا، والذي يترجح عندي: أن فيما ذكره أهلُ السير تخليطاً، وأن قريشاً استقوا من اليهود شيئاً ومن النصارى شيئاً فقد كانت لقريش مخالطة مع نصارى الشام في رحلتهم الصيفية إلى الشام، لأن قصة أهل الكهف لم تكن من أمور بني إسرائيل وإنما هي من شؤون النصارى، بناءً على أن أهل الكهف كانوا نصارى كما سيأتي في سورة الكهف، وكذلك قصة ذي القرنين إن كان المراد به الإسكندر المقدوني يظهر أنها مما عني به النصارى لارتباط فتوحاته بتاريخ بلاد الروم، فتعين أن اليهود ما لَقنوا قريشاً إلا السؤال عن الروح.

وبهذا يتضح السبب في إفراد السؤال عن الروح في هذه السورة وذكر القصتين الأخريين في سورة الكهف.

على أنه يجوز أن يتكرر السؤال في مناسبات وذلك شأن الذين معارفهم محدودة فهم يلقونها في كل مجلس.

وسُؤالهم عن الروح معناه أنهم سألوا عن بيان ماهية ما يعبر عنه في اللغة العربية بالروح والتي يعرف كل أحد بوجه الإجمال أنها حالّة فيه.

والروح: يطلق على الموجود الخفي المنتشر في سائر الجسد الإنساني الذي دلت عليه آثاره من الإدراك والتفكير، وهو الذي يتقوم في الجسد الإنساني حين يكون جنيناً بعد أن يمضي على نزول النطفة في الرحم مائة وعشرون يوماً.

وهذا الإطلاق هو الذي في قوله تعالى: ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ﴾ [ص: 72].

وهذا يسمى أيضاً بالنفس كقوله: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ [الفجر: 27].

ويطلق الروح على الكائن الشريف المكون بأمر إلهي بدون سبب اعتيادي ومنه قوله تعالى: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ [الشورى: 52] وقوله: ﴿ وروح منه ﴾ [النساء: 171].

ويطلق لفظ (الروح) على المَلك الذي ينزل بالوحي على الرسل.

وهو جبريل عليه السلام ومنه قوله: ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك ﴾ [الشعراء: 193].

واختلف المفسرون في الروح المسؤول عنه المذكور هنا ما هو من هذه الثلاثة.

فالجمهور قالوا: المسؤول عنه هو الروح بالمعنى الأول، قالوا لأنه الأمر المشكل الذي لم تتضح حقيقته، وأما الروح بالمعنيين الآخرين فيشبه أن يكون السؤال عنه سؤالاً عن معنى مصطلح قرآني.

وقد ثبت أن اليهود سألوا عن الروح بالمعنى الأول لأنه هو الوارد في أول كتابهم وهو سفر التكوين من التوراة لقوله في الإصحاح الأول وروح الله يرف على وجه المياه.

وليس الروح بالمعنيين الآخرين بوارد في كتبهم.

وعن قتادة والحسن: أنهم سألوا عن جبريل، والأصح القول الأول.

وفي الروض الأنف} أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابهم مرة، فقال لهم: هوجبريل عليه السلام.

وقد أوضحناه في سورة الكهف.

وإنما سألوا عن حقيقة الروح وبيان ماهيتها، فإنها قد شغلت الفلاسفة وحكماء المتشرعين، لظهور أن في الجسد الحي شيئاً زائداً على الجسم، به يكون الإنسان مدركاً وبزواله يصير الجسم مسلوبَ الإرادة والإدراك، فعلم بالضرورة أن في الجسم شيئاً زائداً على الأعضاء الظاهرة والباطنة غير مشاهد إذ قد ظهر بالتشريح أن جسم الميت لم يفقد شيئاً من الأعضاء الباطنة التي كانت له في حال الحياة.

وإذ قد كانت عقول الناس قاصرة عن فهم حقيقة الروح وكيفية اتصالها بالبدن وكيفية انتزاعها منه وفي مصيرها بعد ذلك الانتزاع، أجيبوا بأن الروح من أمر الله، أي أنه كائن عظيم من الكائنات المشرفة عند الله ولكنه مما استأثر الله بعلمه.

فلفظ ﴿ أمر ﴾ يحتمل أن يكون مرادف الشيء.

فالمعنى: الروح بعض الأشياء العظيمة التي هي لله، فإضافة ﴿ أمر ﴾ إلى اسم الجلالة على معنى لام الاختصاص، أي أمر اختص بالله اختصاص علممٍ.

و (من) للتبعيض، فيكون هذا الإطلاق كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ [الشورى: 52].

ويحتمل أن يكون الأمر أمرَ التكوين، فإما أن يراد نفس المصدر وتكون (من) ابتدائية كما في قوله: ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ [النحل: 40]، أي الروح يصدر عن أمر الله بتكوينه؛ أو يراد بالمصدر معنى المفعول مثل الخلق و(من) تبعيضية، أي الروح بعض مأمورات الله فيكون المرادُ بالروح جبريلَ عليه السلام، أي الروح من المخلوقات الذين يأمرهم الله بتبليغ الوحي، وعلى كلا الوجهين لم تكن الآية جواباً عن سؤالهم.

وروى ابن العربي في الأحكام عن ابن وهب عن مالك أنه قال: لم يأته في ذلك جواب ا ه.

أي أن قوله: قل الروح من أمر ربي} ليس جواباً ببيان ما سألوا عنه ولكنه صرف عن استعلامه وإعلام لهم بأن هذا من العلم الذي لم يؤتوه.

والاحتمالات كلها مرادة، وهي كلمة جامعة.

وفيها رمز إلى تعريف الروح تعريفاً بالجنس وهو رسم.

وجملة ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ يجوز أن تكون مما أمَر الله رسولَه أن يقوله للسائلين فيكون الخطاب لقريش أو لليهود الذين لقنوهم، ويجوز أن يكون تذييلاً أو اعتراضاً فيكون الخطاب لكل من يصلح للخطاب، والمخاطبون متفاوتون في القليل المستثنى من المؤْتَى من العلم.

وأن يكون خطاباً للمسلمين.

والمراد بالعلم هنا المعلوم، أي ما شأنه أن يعلم أو من معلومات الله.

ووصفه بالقليل بالنسبة إلى ما من شأنه أن يعلم من الموجودات والحقائق.

وفي «جامع الترمذي» قالوا (أي اليهود): «أوتينا علماً كثيراً التوراةَ ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فأنزلت: ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ الآية [الكهف: 109].

وأوضح من هذا ما رواه الطبري عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا: يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ، أفعنيتنا أم قومَك؟

قال: كُلاّ قد عنيت.

قالوا: فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء.

فقال رسول الله: هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم.

فأنزل الله ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ﴾ [لقمان: 27].

هذا، والذين حاولوا تقريب شرح ماهية الروح من الفلاسفة والمتشرعين بواسطة القول الشارح لم يأتوا إلا برسوم ناقصة مأخوذة فيها الأجناس البعيدة والخواص التقريبية غير المنضبطة وتحكيم الآثار التي بعضها حقيقي وبعضها خيالي، وكلها متفاوتة في القرب من شرح خاصاته وأماراته بحسب تفاوت تصوراتهم لماهيته المبنيات على تفاوت قوى مداركهم وكلها لا تعدو أن تكون رسوماً خيالية وشعرية معبرة عن آثار الروح في الإنسان.

وإذا قد جرى ذكر الروح في هذه الآية وصُرف السائلون عن مرادهم لغرض صحيح اقتضاه حالهم وحال زمانهم ومكانهم، فما علينا أن نتعرض لمحاولة تعرف حقيقة الروح بوجه الإجمال فقد تهيأ لأهل العلم من وسائل المعرفة ما تغيرت به الحالة التي اقتضت صرف السائلين في هذه الآية بعض التغير، وقد تتوفر تغيرات في المستقبل تزيد أهل العلم استعداداً لتجلي بعض ماهية الروح، فلذلك لا نجاري الذين قالوا: إن حقيقة الروح يجب الإمساك عن بيانها لأن النبي أمسك عنها فلا ينبغي الخوض في شأن الروح بأكثر من كونها موجودة.

فقد رأى جمهور العلماء من المتكلمين والفقهاء منهم أبو بكر بن العربي في العواصم}، والنووي في «شرح مسلم»: أن هذه الآية لا تصد العلماء عن البحث عن الروح لأنها نزلت لطائفة معينة من اليهود ولم يقصد بها المسلمون.

فقال جمهور المتكلمين: إنها من الجواهر المجردة، وهو غير بعيد عن قول بعضهم: هي من الأجسام اللطيفة والأرواح حادثة عند المتكلمين من المسلمين وهو قول أرسطاليس.

وقال قدماء الفلاسفة: هي قديمة.

وذلك قريب من مرادهم في القول بقدم العالم.

ومعنى كونها حادثة أنها مخلوقة لله تعالى.

فقيل: الأرواح مخلوقة قبل خلق الأبدان التي تنفخ فيها، وهو الأصح الجاري على ظواهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهي موجودة من الأزل كوجود الملائكة والشياطين، وقيل: تخلق عند إرادة إيجاد الحياة في البدن الذي توضع فيه واتفقوا على أن الأرواح باقية بعد فناء أجسادها وأنها تحضر يوم الحساب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

كَما قالَ تَعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ  ﴾ .

الثّانِي: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَهُ سَبْعُونَ ألْفَ وجْهٍ، لِكُلِّ وجْهٍ سَبْعُونَ ألْفَ لِسانٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى بِجَمِيعِ ذَلِكَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا  ﴾ فَيَكُونُ مَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَحْيُهُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ ولَيْسَ هو مِنِّي.

الرّابِعُ: أنَّهُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ هو مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ كَما ادَّعَتْهُ النَّصارى أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، ولا كَما افْتَرَتْهُ اليَهُودُ أنَّهُ لِغَيْرِ رَشْدَةٍ.

الخامِسُ: أنَّهُ رُوحُ الحَيَوانِ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الرِّيحِ.

قالَ قَتادَةُ سَألَهُ عَنْها قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ وقِيلَ في كِتابِهِمْ أنَّهُ إنْ أجابَ عَنِ الرَّوْحِ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ فَلَمْ يُجِبْهم عَنْها فاحْتَمَلَ ذَلِكَ سِتَّةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَحْقِيقًا لِشَيْءٍ إنْ كانَ في كِتابِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ الإعْناتَ كَما قَصَدُوا اقْتِراحَ الآياتِ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ قَدْ يُتَوَصَّلُ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالعَقْلِ دُونَ السَّمْعِ.

الرّابِعُ: لِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى سُؤالِ ما لا يَعْنِي.

الخامِسُ: قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، أنَّهُ لَوْ أجابَهم عَنْها ووَصَفَها; بِأنَّها جِسْمٌ رَقِيقٌ تَقُومُ مَعَهُ الحَياةُ، لَخَرَجَ مِن شَكْلِ كَلامِ النُّبُوَّةِ، وحَصَلَ في شَكْلِ كَلامِ الفَلاسِفَةِ.

فَقالَ ﴿ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ أيْ هو القادِرُ عَلَيْهِ.

السّادِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن سُؤالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مُحْدَثٌ أوْ قَدِيمٌ، فَأجابَهم بِأنَّهُ مُحْدَثٌ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ مِن أمْرِ رَبِّي ﴾ أيْ مِن فِعْلِهِ وخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ ﴾ فَعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ جَوابًا لِما سَألُوهُ، ولا يَكُونُ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ جَوابًا.

﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا قَلِيلًا مِن مَعْلُوماتِ اللَّهِ.

الثّانِي: إلّا قَلِيلًا بِحَسَبِ ما تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ حالًا فَحالًا.

وَفِيمَن أُرِيدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: النَّبِيُّ  وسائِرُ الخَلْقِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ قال: يهود يسألونه.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة وهو متكئ على عسيب، فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح.

وقال بعضهم: لا تسألوه.

فسألوه فقالوا: يا محمد، ما الروح؟

فما زال يتوكأ على العسيب، وظننت أنه يوحى إليه فأنزل الله: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ .

وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ قالوا: أوتينا علماً كثيراً: أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً.

فأنزل الله تعالى ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً ﴾ [ الكهف: 109] .

وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «أخبرنا، ما الروح؟

وكيف تعذب الروح التي في الجسد؟

وإنما الروح من الله ولم يكن نزل عليه فيه شيء فلم يجر إليهم شيئاً، فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: ﴿ قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقالوا: من جاءك بهذا؟

قال: جبريل.

قالوا: والله ما قاله لك إلا عدوّ لنا.

فأنزل الله تعالى ﴿ قل من كان عدوّا لجبريل...

﴾ [ البقرة: 97] الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد، وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان...

لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى بتلك اللغات، يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ قال: هو ملك واحد له عشرة آلاف جناح، جناحان منهما ما بين المشرق والمغرب له ألف وجه، لكل وجه لسان وعينان وشفتان يسبحان الله تعالى إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الروح أمر من أمر الله، وخلق من خلق الله وصورهم على صور بني آدم، وما ينزل من السماء من ملك إلا ومعه واحد من الروح.

ثم تلا ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً ﴾ [ النبأ: 38] .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن عكرمة رضي الله عنه قال: سئل ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ﴾ لا تنال هذه المنزلة، فلا تزيدوا عليها.

قولوا كما قال الله وعلّم نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال: لقد قبض النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن زياد، أنه بلغه أن رجلين اختلفا في هذه الآية ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فقال أحدهما: إنما أريد بها أهل الكتاب وقال الآخر: بل إنه محمد صلى الله عليه وسلم.

فانطلق أحدهما إلى ابن مسعود رضي الله عنه فسأله فقال: ألست تقرأ سورة البقرة؟

فقال: بلى.

فقال: وأي العلم ليس في سورة البقرة؟

إنما أريد بها أهل الكتاب.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ قال: ﴿ الروح ﴾ ملك.

وأخرج ابن عساكر، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أم الحكم الثقفي رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة، إذ عرض له اليهود فقالوا: يا محمد، ما الروح؟

وبيده عسيب نخل فاعتمد عليه- ورفع راسه إلى السماء- ثم قال: ﴿ ويسألونك عن الروح....

﴾ إلى قوله: ﴿ قليلاً ﴾ قال ابن عساكر: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أم الحكم الثقفي قيل إن له صحبة.

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ الروح ﴾ خلق مع الملائكة لا يراهم الملائكة، كما لا ترون أنتم الملائكة.

﴿ الروح ﴾ حرف استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحداً من خلقه.

وهو قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ﴾ .

وأخرج أبو الشيخ عن سلمان رضي الله عنه قال: الإنس والجن عشرة أجزاء: فالانس جزء، والجن تسعة أجزاء.

والملائكة والجن عشرة أجزاء: فالجن من ذلك جزء، والملائكة تسعة.

والملائكة والروح عشرة أجزاء: فالملائكة من ذلك جزء، والروح تسعة أجزاء.

والروح والكروبيون عشرة أجزاء: فالروح من ذلك جزء، والكروبيون تسعة أجزاء.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن عطاء بن يسار قال: نزلت بمكة ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ «فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، ألم يبلغنا أنك تقول: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ أفعنيتنا أم قومك؟

قال: كلاًّ قد عنيت.

قالوا: فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي في علم الله قليل، وقد آتاكم الله ما عملتم به انتفعتم» فأنزل الله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام...

﴾ [ لقمان: 27] إلى قوله: ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ [ لقمان: 28] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم ﴾ قال: يا محمد، والناس أجمعون.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ يعني اليهود.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس في رواية عطاء: اجتمعت قريش فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد بكذاب، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة، فإن شئتم فأرسلوا منكم جماعة إلى يهود يثرب حتى يسألوهم عنه، فخرج منهم طائفة حتى لقوا أحبار اليهود فسألوهم عنه، فقال لهم اليهود: سلوه (١)  - فقال لهم رسول الله -  -: "غدًا أخبركم" ولم يستثن، فأبطأ عنه الوحي أربعين يومًا لِمَا أراد الله، ثم نزل الوحي عليه بعد أربعين يومًا: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ  ﴾ ثم فَسَّر لهم أمر الفية الذين فُقِدوا في سورة الكهف، وفَسَّر لهم قصة ذي القرنين، وأبهم قصة الروح؛ وذلك أنه ليس في التوراة قصته ولا تفسيره إلا ذكر اسمه الروح، وأنزل قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ الآية (٢) (٣) وقال ابن مسعود: سألته اليهود عن الروح وذَكر في (٤) ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ ، ومسلم (2794)، في الجنة والنار، باب سؤال اليهود النبي -  - عن الروح.

عن ابن مسعود -  - قال: بينا أنا مع النبي -  - في حرث وهو متكئٌ على عسيب إذ مرّ اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه؟

[أي ما إربكم وحاجتكم إلى سؤاله] وقال بعضهم: لا يستقبلُكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي -  - فلم يردّ عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحيُ قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ ، أخرجه أحمد 1/ 389، والبخاري (4721) التفسير، الإسراء، ومسلم (2794) الموضع السابق، والترمذي (3141) في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 263، والنسائي في "تفسيره" 1/ 670، و"الطبري" 15/ 155، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 459، وأبو نعيم في "الدلائل" 2/ 357، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 189، و"تفسير السمرقندي" 2/ 282، و"الثعلبي" 7/ 119 ب، وأوردها المصنف في "أسباب النزول" ص 299، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وليس فيها؛ بل في "الأسماء والصفات".]] ، ونحو هذا قال مجاهد (٥) واختلفوا في الروح المسؤول عنه؛ فقال علي بن أبي طلحة: هو مَلَك (٦)  - قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يُسَبّح الله -عز وجل- بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة (٧) ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ﴾ (٨) وقال الحسن وقتادة: هو جبريل (٩) ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ  ﴾ ، وقال مجاهد: الروح: خَلْقٌ ليسوا بالملائكة على سورة بني آدم، يأكلون، ولهم أيد وأرجل ورؤوس (١٠) وقال أبو صالح: يشبهون الناس، وليسوا بالناس (١١) وقال قوم: هو القرآن (١٢) ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ قال أبو إسحاق: ودليل هذا القول قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا  ﴾ ، وتأويل تسمية القرآن بالروح أن القرآن حياة القلوب وحياة النفوس (١٣) (١٤) وقال آخرون: هو روح الحيوان (١٥) (١٦) قال ذو الرُمَة: فقلتُ له ارفعها إليك وأحْيِها ...

برُوحك واجعله لها قِيتَةً قدْرا (١٧) ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي  ﴾ وقال آخرون: سمي روحًا لأنه يهتز وينبسط وينتشر في جميع البدن، من قولهم: رجْلٌ أروح، ورِجلٌ روحاء، هي التي في صَدْرِ قدمها انبساط، وقَصْعَةٌ رَوْحَاءُ قريبة القَعْرِ منبسطة، وإناء أروح (١٨) (١٩) واختلفوا في ماهية (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وأخبرني العروضي عن الأزهري قال: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا الهيثم يقول: الروح إنما هو النَّفَسُ الذي يتنفسه الإنسان، وهو جار في جميع الجسد، فإذا خرج لم يتنفس بعد خروجه، وإذا تَتَامَّ خروجه بقي بصره شاخصًا نحوه حتى يُغْمض، وهو بالفارسية جان (٢٤) وزعم ابن الروندي (٢٥) (٢٦) وقال عامة المعتزلة والنجارية (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى خلق الأرواح من ستة أشياء: من جوهر النور والطِّيبِ والبقاء والحياة والعلم والعلو، ألا ترى أنه ما دام في الجسد كان الجسد نورانيًا؛ تبصر العينان وتسمع الأذنان، ويكون طَيبًا فإذا خرج نَتِنَ الجسدُ، ويكون باقيًا فإذا زايله الروح لم يعلم شيئًا، ويكون الجسد علويًّا لطيفًا مادام فيه الروح، فإذا خرج صار سفليًّا كثيفًا (٣٠) وقال محمد بن موسى الواسطي (٣١) (٣٢) (٣٣) وقال أبو قِلابَة: ما خلق الله شيئًا أطيب من الروح وما انتزع من شيء إلا نتن (٣٤) ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ ﴾ إلى قوله: ﴿ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ  ﴾ يدل على أن الروح جسم؛ لأن الارتزاق والفرح من صفات الأجسام، والمراد بهذا أرواحهم لأن أبدانهم قد بليت في التراب، وكذلك ما روي: "أن أرواح الشهداء تَعْلُقُ من شجر الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش" (٣٥) وأما مدخل الروح ومخرجه، فقال قوم: يدخل من المنافذ كلها ويخرج من المنافذ كلها، وقال بعضهم: يدخل من الأنف ويخرج من الفم.

وحكى علي بن مهدي (٣٦) (٣٧) وقال آخرون: مسكنها الدماغ، وقيل: مسكنه الدم، وقال بعضهم: هو يشتمل جميع البدن، ففي كل بعضٍ من أبعاضِ البدن بعضٌ مِن أبعاضِ الروح، واحتج بقوله: ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ  ﴾ ، وهذا كله إذا رجعت إلى التحقيق ضرب من التكلُّف (٣٨) (٣٩) قال عبد الله بن بُريدة: ما يبلغ الجن والإنس والملائكة والشياطين علم الروح، ولقد مات رسول الله -  - وما يدري ما الروح (٤٠) وقال الفراء: الروح هو الذي يعيش به الإنسان، لم يخبر الله به أحدًا من خلقه، ولم يعط علمه أحدًا من عباده (٤١) وقال في قوله: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ من علم ربي لا تعلمونه (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ ، أي: بالإضافة إلى علم الله تعالى، وذلك أن اليهود كانت تدّعى علم كل شيء بما في كتابهم التوراة، فقال الله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ قال أبو إسحاق: وقليل وكثير لا يصلح إلا بالإضافة، وإنما يَقِلُّ الشيء عند ما هو أكثر منه، وكذلك يكثر عند ما هو أقل منه (٤٣) ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ للنبي -  - والمؤمنين، وذلك حين لم يعرف رسول الله -  - علم الروح، ولم يبين الله له ذلك، قال له: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ ، يدل على هذا: قوله: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ .

(١) في (أ)، (ش)، (د): (سلوهم)، والمثبت من (ع) وهامش نسخة (أ) هو الصحيح.

(٢) ورد في "السيرة" لابن هشام 1/ 321، وأخرجه "الطبري" 15/ 155 مطولًا من طريق عكرمة، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 270 من طريق سعيد بن جبير، وورد في "دلائل النبوة" للأصبهاني ص 216، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وفي "الباب النقول" 143، والحديث ضعيف بسبب الجهالة والاضطراب؛ إذ رواه ابن إسحاق في رواية الطبري عن رجل من أهل مصر، وفي رواية البيهقي عن رجل من أهل مكة، لكن في سورة الكهف آيات تشير إلى حدوث الأسئلة.

(٣) أخرجه أحمد 1/ 255، والترمذي (3141) في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، وقال حسن صحيح، وابن أبي عاصم في السنة 1/ 264، وأبو يعلى في "مسنده" 4/ 381، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 192، والحاكم 2/ 531 وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 269، وأورده المصنف في "أسباب النزول" ص 299.

(٤) في (أ)، (د): (وذكرو ذلك)، والمثبت من: (ش)، (ع).

(٥) "تفسير مجاهد" 1/ 369 ، وأخرجه "الطبري" 15/ 156 من طريقين.

(٦) أخرجه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة "الطبري" 15/ 156، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 462.

(٧) أخرجه "الطبري" 15/ 156 بنصه، وابن الأنباري في "الأضداد" ص 423، بنصه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 194، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 462، بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 269 - بنحوه، و"الطوسي" 6/ 515، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والأثر ضعيف، لجهالة أحد الرواة، وهو شيخ أبي هران الذي لم يسم، حيث قال: ...

حدثني أبو هران يزيد بن سمرة القيساري عمن حدثه عن علي -  - أنه قال: الحديث.

وقال ابن عطية: وما أظن القول يصحُّ عن علي -  -، وقد ضعفه الفخر الرازي -كذلك- من عدة وجوه، وقال ابن كثير: وهذا أثر غريب عجيب.

انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 181، و"الفخر الرازي" 21/ 39، و"ابن كثير" 3/ 69.

(٨) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 120 أمطولاً، وانظر: "البغوي" 5/ 125، و"الخازن" 3/ 179، وقد ورد في هذا الأثر أشياء غيبية غريبة لا يصح الاقول بها إلا بخبر صحيح عن المعصوم، وهو ما لم أقف عليه، وحسبك لرده أن مصدره الثعلبي!

(٩) أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 388 بلفظه عنهما، و"الطبري" 15/ 156 بلفظه عن == قتادة، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 190، عن الحسن، و"تفسير السمرقندي" 2/ 282، عنهما، و"الثعلبي" 7/ 119 ب، عنهما، ولا وجه البتة لتفسيره بجبريل هنا.

(١٠) أخرجه "الطبري" 30/ 23، بنحوه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 197، بنحوه، وورد بنحوه في: "تفسير السمرقندي" 2/ 282، و"الثعلبي" 7/ 119 ب، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 125، قال الفخر الرازي -تعقيبًا على هذا القول والذي يليه-: ولم أجد في القرآن ولا في الأخبار الصحيحة شيئًا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول، وأيضًا فهذا شيء مجهول فيبعد صرف هذا السؤال إليه.

"تفسير الفخر الرازي" 21/ 39.

(١١) أخرجه "الطبري" 30/ 23 بنصه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 195 بنصه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 463، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 ب، بنحوه، وهو كسابقه.

(١٢) أخرجه بلفظه "الطبري" 30/ 23، عن ابن زيد، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 196، عن الضحاك، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 190، و"تفسير السمرقندي" 2/ 282، و"هود الهواي" 2/ 440، عن الحسن، و"الثعلبي" 7/ 120 أو"الماوردي" 3/ 269، عن الحسن، و"الطوسي" 6/ 515، عن الحسن، وهو أيضًا بعيد هنا.

(١٣) في (د): (النفس).

(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 258، بنصه تقريبًا.

(١٥) ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 207، بلفظه، و"الثعلبي" 7/ 120، بمعناه، و"الماوردي" 3/ 270، بلفظه، و"الطوسي" 6/ 515، بلفظه.

(١٦) وهذا هو القول المشهور والصحيح، وعليه أكثر المفسرين، ذكره البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 459، والسمعاني في "تفسيره" 3/ 274، وقال أبو حيان 6/ 75 هو قول الجمهور، وقد ذهب إليه: "الجصاص" 3/ 207، والطوسي 5/ 515، والسمعاني 3/ 274، و"البغوي" 5/ 126، و"الخازن" 3/ 179، وابن حجر في "الفتح" 8/ 255 وقال: وجنح ابن القيم -في كتاب "الروح" 2/ 524 - إلى ترجيح أن المراد بالروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا  ﴾ قال: وأما أرواح بني آدم فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفسًا.

ثم قال: ولا دلالة في ذلك لما رجحه، بل الراجح الأول، وأيده بما رواه "الطبري" 15/ 156، عن ابن عباس  ما من طريق العوفي في هذه أنهم سألوه عن الروح: وكيف يعذب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟

فنزلت الآية.

(١٧) "ديوانه" 3/ 1429 برواية: (واقْتَتْهُ) بدل: (واجعله)، وورد في "تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1313 و"الأسماء والصفات" ص 461، و"الأساس" 1/ 4378، == و"اللسان" (روح) 3/ 1766، و"المفردات" ص 687 بلا نسبة.

(ارفعها): أي ارفع النار، (اقتته): افتَعِلهُ من القوت، وقاته يقوته قُوتًا: أطعمه قُوتَه، وأقاته يُقِيتُهُ: جعل له ما يقوته، ويقال: ما له قوت ليلة، وقِيتُ ليلة، وقيتَةُ ليلة، نحوُ: الطعْمِ والطِّعْمَةِ.

(١٨) انظر: راح في "تهذيب اللغة" 2/ 1313، و"المحيط في اللغة" 3/ 198، و"مقاييس اللغة" 2/ 454، و"الصحاح" 1/ 367، و"اللسان" 3/ 1766.

(١٩) انظر: "التلخيص في معرفة أسماء الأشياء" 2/ 504.

(٢٠) في جميع النسخ: (مائية)، والصواب المثبت كما دلّ عليه التفصيل بعده.

(٢١) ليت الواحدي -رحمه الله- لم يخض في هذا الموضوع الفلسفي الذي لا طائل من ورائه ولا يقوم عليه عمل، وبحث لا يستند إلى علم، لذلك كان الأولى، بل الواجب أن يفوض أمر ماهية الروح ومسكنه ومدخله ومخرجه -مما تكلم عنه- إلى الله تعالى، كما قال: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وما أحسن ما قاله ابن الجوزي، قال: وقد اختلف الناس في ماهية الروح ..

ولا يُحتاج إلى ذكر اختلافهم؛ لأنه لا برهان على شيء من ذلك، وإنما هو شيء أخذوه عن الطب والفلاسفة، فأما السلف فإنهم أمسكوا عن ذلك، لقوله تعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ انظر: "البغوي" 5/ 126، و"ابن الجوزي" 5/ 83.

(٢٢) انظر: "تفسير البغوي" 5/ 126، و"الخازن" 3/ 179.

(٢٣) انظر: "تفسير الخازن" 3/ 179.

(٢٤) ورد في "تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1313، بنصه.

(٢٥) أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، وقيل: الرِّيوَنْديّ، الزنديق الشهير، كان من متكلمي المعتزلة ثم تزندق واشهر بالإلحاد، وقيل: كان لا يستقر على مذهب، كان غاية في الذكاء ولم يك زكي النفس، صنف كتبًا كثيرة يطعن فيها على الإسلام، وألَّف لليهود والنصارى يحتجُّ لهم في إبطال نبوة سيد البشر، وكان يلازم الرافضة والملاحدة، قيل: كان أبوه يهوديًا فأسلم هو، فكان بعض اليهود يقول للمسلمين: لا يفسد هذا عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة، قال ابن الجوزي: وإنما ذكرته ليعرف قدر كفره، وقال ابن حجر: إنما أوردته لألعنه، مات سنة (298 هـ).

انظر: "المنتظم" 13/ 108، و"وفيات الأعيان" 1/ 94، و"سير أعلام النبلاء" 14/ 59، و"لسان الميزان" 1/ 194.

(٢٦) ورد في "مقالات الإسلاميين" ص 332، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 126، و"الخازن" 3/ 179 بلا نسبة فيهما.

(٢٧) هم أتباع الحسين بن محمد النجّار، من فوق المرجئة، يعتقدون أن الإيمان بالقول دون العمل، وأن من كان مؤمنا لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر، ويثبتون للفعل فاعلين؛ الله تعالى والعبد، واتفقوا مع المعتزلة في نفي بعض الصفات == والقول بخلق القرآن، وهم أكثر من عشر فرق بالري.

انظر: "مقالات الإسلاميين" 135، و"الفرق بين الفرق" 25، و"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان" 39.

(٢٨) ورد في "مقالات الإسلاميين" ص 334 بلا نسبة، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 126 بلا نسبة، و"الروح" لابن القيم 2/ 573 بلا نسبة.

(٢٩) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي المفسّر، أبو سعيد الأشج، حدث عن هُشيم وأبي بكر بن عياش، وعنه الأئمة الستة وابن خزيمة، قال الذهبي: رأيت تفسيره مجلدٌ، مات سنة (257 هـ) انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 73، و"سيرأعلام النبلاء" 12/ 182، و"طبقات المفسرين" للداوودي 1/ 235.

(٣٠) انظر: "تفسير البغوي" 5/ 126 مختصرًا، و"الخازن" 3/ 179 مختصرًا.

(٣١) محمد بن موسى الواسطي، قاضى الرملة، قال ابن يونس -في تايخ مصر- كان == عالمًا بالفقه والتفسير، ويتفقه على مذهب أهل الظاهر، وقد رمي بالقدر، مات سنة (320 هـ).

انظر: "طبقات المفسرين" للسيوطي ص 117، و"طبقات المفسرين" للداوودي 2/ 264.

(٣٢) في د: (ما).

(٣٣) لم أقف عليه.

(٣٤) لم أقف عليه.

(٣٥) لم أقف على هذه الرواية بنصها، بل وردت مفرداتها في أحاديث متفرقة، أقربها: عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله -  - قال: "إن أروح الشهداء في طير خُضرٍ تَعْلُقُ من ثمرة الجنة أو شجر الجنة ..

" أخرجه أحمد 6/ 386، والترمذي (1641) كتاب فضل الجهاد، باب ما جاء في ثواب الشهداء 4/ 176 وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني في "الكبير" 19/ 66، بنحوه، وفي رواية عن ابن مسعود أن النبي -  - سئل عن قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا  ﴾ فقال: "أرواحهم في جوف طير خُضرٍ لها قناديل معلقةٌ بالعرش ..

" أخرجه مسلم (1887) في الأمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة 3/ 1502، والترمذي (3011) كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (2801): الجهاد، باب فضل الشهادة == في سبيبل الله، والبيهقي: السير، باب فضل الشهادة في سبيل الله 9/ 163، (تَعْلُقُ): أي تتناول.

(٣٦) علي بن محمد بن مهدي الطبري الأشعري، أبو الحسن، تلميذ أبي الحسن الأشعري، صحبه بالبصرة وأخذ عنه، كان من المبرزين في علم الكلام والقوَّامين بتحقيقه، وله كتاب تأويل الأحاديث المشكلات الواردات في الصفات، كان حافظًا للفقه والتفاسير والمعاني وأيام العرب، فصيحًا مبارزًا في النَّظر، توفي في حدود سنة (380 هـ) انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 466، و"تبيين كذب المفتري" ص 195، و"الوافي بالوفيات" للصفدي 22/ 143، و"طبقات الفقهاء الشافعية" للعبادي ص 85 (٣٧) جزء من حديث رواه عبد الله بن عتيك -  -، وطرفه: "من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله ..

-إلى أن يقول- أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله -عز وجل-" ثم يقول الرواي: والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله -  - ...

، أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 210، وأحمد 4/ 36، والطبراني في "الكبير" 2/ 191، والحاكم 2/ 88، وصححه ووافقه الذهبي، وورد في "تهذيب اللغة" (حتف) 1/ 737 ، وأورده في "المجمع" 5/ 277 وقال: وفيه محمد بن إسحاق مدلس، وباقية رجال أحمد ثقات، انظر: "مجمع الأمثال" 2/ 266، و"المستقصى" 2/ 338، ويُروى: حتف أنْفَيْه، ومعناه: أي مات بلا ضرب ولا قتل ، قال أبو عبيد: هو أن يموت موتًا على فراشه من غير قتل ولا غرق ولا سبْع ولا غيره.

(٣٨) في جميع النسخ: (التكليف).

والصواب ما أثبته.

(٣٩) لذلك كان الأولى أن لا يخوض في هذه المسألة أصلاً.

(٤٠) ورد في "الأضداد" لابن الأنباري ص 426 مختصرًا، وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" ص 193، بنصه، انظر:"تفسير السمعاني" 3/ 275، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 362 مختصرًا، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.

(٤١) ورد في " تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1313، بنصه تقريبًا.

(٤٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 130، بنحوه.

(٤٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 258، بتصرف يسير.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح ﴾ السائلون اليهود، وقيل: قريش بإشارة اليهود، والروح هنا عند الجمهور هو الذي في الجسم، وقد يقال فيه: النفس وقيل: الروح هنا جبريل، وقيل: القرآن، والأول هو الصواب لدلالة ما بعده على ذلك ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ أي من الأمور التي استأثر الله بها ولم يطلع عليها خلقه، وكانت اليهود قد قالت لقريش اسألوه عن الروح، فإن لم يجبكم فيه بشيء فهو نبيّ، وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه، وقال ابن بريدة: لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعرف الروح، ولقد كثر اختلاف الناس في النفس والروح، وليس في أقوالهم في ذلك ما يعول عليه ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ خطاب عام لجميع الناس، لأن علمهم قليل بالنظر إلى علم الله.

وقيل: خطاب لليهود خاصة، والأول أظهر، لأن فيه إشارة إلى أنهم لا يصلون إلى العلم بالروح ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن فمحوناه من الصدور والمصاحف، وهذه الآية متصلة المعنى بقوله: وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً: أي في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك فلا يبقى عندك شيء من العلم ﴿ وَكِيلاً ﴾ أي من يتوكل بإعادته وردّه بعد ذهابه ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ يحتمل أن يكون استثناء متصلاً، فمعنى أن رحمة ربك ترد القرآن بعد ذهابه لو ذهب، أو استثناء منقطعاً بمعنى أن رحمة ربك تمسكه عن الذهاب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلفك ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد.

الآخرون ﴿ خلافك ﴾ بكسر الخاء بالألف ﴿ وننزل من ﴾ مخففاً: أبو عمرو ويعقوب الياقوت بالتشديد وياء تحتانية ﴿ وناء بجانبه ﴾ مثل "ناع": يزيد وابن ذكوان ﴿ ونأى ﴾ يفتح النون وإمالة الهمزة مثل "رمى".

حمزة غير خلف والعجلي وحماد ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف والعجلي وخلف لنفسه.

الباقون بفتحتين كرمى.

الوقوف: ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه لا لتعلق "إذا" ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ وقرآن ﴾ ه ﴿ الفجر ﴾ ط ﴿ مشهوداً ﴾ ه ﴿ نافلة لك ﴾ قف والوصل أولى لأن "عسى" وعد على التهجد ﴿ محموداً ﴾ ه ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ وزهق الباطل ﴾ ط ﴿ زهوقاً ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده من صلة "ما" ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج لعطف حملتي الظرف ﴿ بؤساً ﴾ ه ﴿ شاكلته ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ عن الروح ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ وكيلاً ﴾ ه لا ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ز لعطف المتفقين معنى المختلفين لفظاً ﴿ كفوراً ﴾ ه.

التفسير: لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء.

عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي  : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب، لا نعشر - أي لا تؤخذ عشور أموالنا - ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل رباً لنا فهو لنا، وكل رباً علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وجّ فعضد شجره فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟

فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب "ولا يجبون" والكاتب ينظر إلى رسول الله.

فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم ناراً.

فقالوا: لسنا نكلمك إنما نكلم محمداً.

وقال عمر: أما ترون رسول الله  أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه فأنزل الله الآية.

وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية.

وروي أن قريشاً قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت.

وقال الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله  بمكة قبل الهجرة فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقاً كان فلان وفلان بهذا الأمر أحق منك.

فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم.

وعن سعيد بن جبير أنه  كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية فنزلت.

قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله  بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون  ﴾ وقوله: ﴿ ودّوا لو تدهن فيدهنون  ﴾ وتارة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ﴿ ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا  ﴾ وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم  ﴾ وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ويزيلوه عن منهجه.

فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجوداً لكان للآية محمل صحيح.

والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين.

وأصل الفتنة الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك ﴿ وإذا لاتخذوك ﴾ أي لو اتبعت مرادهم لاتخذوك ﴿ خليلاً ﴾ ولكنت لهم ولياً وخرجت من ولايتي ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ لولا تثبيتنا وعصمتنا لك ﴿ لقد كدت تركن إليهم ﴾ لقاربت أن تميل إلى مرادهم ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ أي ركوناً قليلاً.

قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم.

قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي  : "اللَّهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين." ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: ﴿ إذا لأذقناك ﴾ أي لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون لأذقناك ﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله.

وقال صاحب الكشاف: المراد عذاب الممات وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار.

والعذاب يوصف بالضعف كقوله: ﴿ فزده عذابا ضعفاً في النار  ﴾ بمعني مضاعفاً فكان أصل الكلام عذاباَ ضعفاً في الحياة الدنيا وعذاباً ضعفاً في الممات، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات.

وقال التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة.

والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا عقوبتهم أعظم نظير ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما جاء في الحديث: " "من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ﴿ ثم لا تجد لك علينا نصيراً ﴾ يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا.

واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها.

والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي  .

وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق.

وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبياً من عنده.

وأجيب بأنه لو لم يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله  عقيب ذلك.

ثم ذكر طرفاً آخر من مكايدهم فقال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ "إن" مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ﴿ ليستفزونك ﴾ ليزعجونك كما مر في قوله: ﴿ واستفزز  ﴾ والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ومجاهد ويرد عليه أن "كاد" للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل قوله: ﴿ وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك  ﴾ ويمكن أن يقال: إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق الإخراج على إرادة الإخراج مجوزاً يؤيده قوله: ﴿ وإذا لا يلبثون ﴾ وهو معطوف على ﴿ يستفزونك ﴾ أي لا يبقون بعد إخراجك إلا زماناً قليلاً أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ذلك على عدم وقوع الإخراج.

ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل.

واما أرض المدينة على ما روي عن ابن عباس أن رسول الله  لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك.

وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم فعسكر رسول الله  على أميال من المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع.

وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضاً مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر في قوله: ﴿ بمقعدهم خلاف رسول الله  ﴾ وقرىء: ﴿ وإذا لا يلبثوا ﴾ بحذف النون على إعمال "إذن" فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ .

ثم بين أن عادته  جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم ﴿ فقال سنة من قد أرسلنا ﴾ وهو منصوب على المصدر المؤكد أي سن الله ذلك سنة ﴿ ولا تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ لأن الأسباب الكلية في الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبيدل إحدى الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال عقلاً وعادة.

وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة.

وأيضاً لما قال: ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ أمره بالاشتغال بعبادته تفويضاً للأمور إلى الله وتعويلاً على فضله في دفع شر أعدائه نظيره قوله في سورة طه: ﴿ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها  ﴾ ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولاً عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها.

وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر والعصر.

وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ويؤيده ما روي أنه  قال: " أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر." قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في كبد السماء.

وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس.

وحمل كلام الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا الوقت ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلمته.

قال الكسائي: غسق الليل غسوقاً أي أظلم، والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم.

وهذا عند سيبويه الشفق الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية.

وهذا الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعاً وسجوداً وقنوتاً.

قال جار الله: إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن.

قلت: أجزاء الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات فلا يتم هذ الاعتراض.

وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجميع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقاً.

وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم إبقاؤها على الجواز الأصلي.

الثاني: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر.

وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل.

والفجر انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل.

ومنها أنه خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت، ومنها أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهوداً فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهوداً بالجماعة الكثيرة.

وقال أكثر المفسرين: معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار.

وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل.

فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار.

ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك لك، وتقول ملائكة النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون.

فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد غفرت لهم.

والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد.

ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدىء بها وقت التنوير.

قال أهل التحقيق: إذا شرع في صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة - التي هي نظيره الموت - إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقاناً ومعرفة وإيماناً، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة.

وإذا كان هذا المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء.

فيحتمل أن يكون قوله: ﴿ مشهوداً ﴾ إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة.

ولا ريب أنه إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس.

ثم حث على قيام الليل فقال: ﴿ ومن الليل فتهجد به نافلة لك ﴾ قال أبو عبيدة وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضاً إذا صلى من الليل، وبوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه "تأثم" "وتحرج" وإذا ألقى الإثم والحرج عن نفسه.

فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه.

وبوجه آخر لما كان غرض المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجداً.

وربما يقال: سمي تهجداً لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله  ولداود كما جاء في الحديث: "أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ثلثه ويقوم سدسه" قال جار الله: معنى ﴿ ومن الليل ﴾ وعليك بعض الليل ﴿ فتهجد به ﴾ وقال في التفسير الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن ومعنى نافلة زائدة كما مر في أول "الأنفال".

ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي  .

زعم أن معناها كونها فريضة له زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعاً زائدة على الفرائض.

ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: ﴿ فتهجد ﴾ وبين قوله ﴿ نافلة ﴾ تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه.

ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: ﴿ نافلة ﴾ قرينة صارفة للوجوب إلى الندب.

وعن مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: ﴿ نافلة لك ﴾ يعلم أن قوله: ﴿ أقم الصلاة ﴾ عام له ولكل أمته وإن كان ظاهره خطاباً معه.

ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: ﴿ عسى أن يبعثك ربك ﴾ ولا ريب أن "عسى" من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب ﴿ مقاماً محموداً ﴾ على الظرف أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاماً محموداً، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.

والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في إيصال الثواب إليه، ويؤيده رواية أبي هريرة عن النبي  : "هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي." وأما ما روى عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.

فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب حمداً له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول.

وقيل: أراد مقاماً تحمد عاقبته.

وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه على العرش وزيف بلزوم التحيز له  .

قوله: ﴿ مدخل صدق ﴾ و ﴿ مخرج صدق ﴾ مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق لأجل المبالغة نحو "حاتم الجود" أي إدخالاً يستأهل أن يسمى إدخالاً ولا يرى فيه ما يكره.

قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء وعزم رسول الله  على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ﴿ وما النصر إلا من عند الله ﴾ فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ومسكنك.

﴿ وقل رب أدخلني ﴾ في المدينة ﴿ مدخل صدق وأخرجني ﴾ منها إلى مكة ﴿ مخرج صدق ﴾ أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عوداً إلى الواقعة المذكورة في قوله ﴿ وإن كادوا ليستفزونك ﴾ والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان.

وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهراً عليها الفتح وإخراجه منها آمناً من المشركين.

وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً.

وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوّة، وإخراجه منه مؤدياً لما كلفه من غير تفريط.

وقيل: أراد رب أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول.

وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالاً مرضياً وأخرجني منه عند البعث ملقى بالكرامة.

يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث ﴿ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ﴾ حجة ظاهرة تنصرني بها جميع من خالفني أو ملكاً وعزاً ناصراً للإسلام وذويه.

ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: ﴿ وقل جاء الحق ﴾ أي الإسلام ﴿ وزهق الباطل ﴾ اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت ﴿ إن الباطل كان زهوقاً ﴾ غير ثابت في كل وقت وإن اتفقت له دولة وصولة كانت كنار العرفج.

عن ابن مسعود أن النبي  دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً لقبائل العرب.

صنم كل - قوم بحيالهم - فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل.

فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعاً وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة - وكان من قوارير صفر - فقال: يا علي ارم به.

فحمله رسول الله  حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلاً أسحر من محمد فلا جرم كذبهم الله وصدق نبيه بقوله: ﴿ وننزل من القرآن ﴾ "من" للبيان كقوله: ﴿ من الأوثان  ﴾ أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء.

وهو هذا القرآن أو بعض هذا الجنس.

وقيل: زائدة ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن الأمراض الجسمانية أيضاً لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء للمرض كما قال  : "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله" .

ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة المقرّبين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطاً في ظهور الأثر من الفاعل فلا جرم ﴿ لا يزيد ﴾ القرآن ﴿ الظالمين ﴾ الذي وضعوا التكذيب مقام التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان ﴿ إلا خساراً ﴾ لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شراً فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظاً وحنقاً ويدعوهم ذلك إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جراً إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم.

ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان ﴾ أي على هذا الجنس بالصحة والغنى.

وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة.

وفي التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول ﴿ أعرض ونأى بجانبه ﴾ النأي البعد، والباء للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه عرض وجهه أي ناحيته.

والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين.

ومن قرأ ﴿ ناء ﴾ فإما من النوء بمعنى النهوض مستثقلاً.

وإما مقلوب كقولهم: "راء" في رأى.

﴿ وإذا مسه الشر ﴾ من مرض أو فقر ﴿ كان يؤساً ﴾ شديد اليأس من روح الله.

والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: ﴿ قل كل يعمل على شاكلته ﴾ أي كل واحد من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي جبل عليها من قولهم "طريق ذو شواكل" وهي الطرق التي تتشعب منه.

﴿ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً ﴾ لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملك وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه.

ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية الروح فلذلك قال: ﴿ ويسألونك عن الروح ﴾ ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمداً عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح.

فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي.

فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح إذا قال: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على سؤالهم.

ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى شأناً من الله  ، وإذا كانت معرفة الله  .

ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح: ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي  أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟

وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي  وما يعلم الروح.

ومنها أن جعل الحكاية دليلاً على النبوة غير معقول.

ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونة متحيزاً أو غير متحيز، أو قديماً أو حادثاً أو باقياً بعد البدن أو فانياً، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته.

وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة.

وقوله  : ﴿ وسألونك عن الروح ﴾ ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب.

وقال في آخر سورة يس ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون  ﴾ ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه.

ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركاً للباري  في الحقيقة، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات.

وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفاً على الزمان لم يكن حاصلاً بمجرد الأمر والمفروض خلافه.

ولما كان أمر الروح مشتبهاً على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلاً ﴾ وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل ما لم يعلم، فإذا نسب معلومه إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام  ﴾ ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  ﴾ كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.

وقال بعض المفسرين: هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي  : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت: ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً  ﴾ فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله، وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ يدل على أن الروح حادث لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل.

قال  : ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ أي فعله وقال: ﴿ ولما جاء أمرنا  ﴾ أي فعلنا.

وإذا حصل الروح بفعل الله وتكوينه كان من المحدثات.

ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح مستنبطة من قوله  : ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائماً في التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث.

ومنع كلية هذه القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظاً من العلم وافراً، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات.

وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله  بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله.

وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله  : ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ ونقل عن علي  أن له سبعين ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله  بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يطيرمع الملائكة يوم القيامة ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل.

وأمثال هذه الروايات مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلاً عليه.

وقال الحسن وقتادة: هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي؟

فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أن نزوله بأمر الرب كقوله: ﴿ ما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا بالناس.

وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر.

واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد!

ولنذكر بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله "أنا" فذلك المشار إليه إما أن يكونه جوهراً مفارقاً، أو جسماً هو هذه البنية، أو جسماً داخلاً فيها أو خارجاً عنها أو عرضاً.

أما المتكلمون فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن دائماً في التغير والتبدل.

والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلاً عن أجزاء بدنه، بأن النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء  ﴾ ، ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي  ﴾ ﴿ النار يعرضون عليها غدواً أو عشياً ﴾ {الزمر: 46] وكقوله  : "أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وقوله في خطبة طويلة: حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله وغير حله فالهناء لغيري والتبعة عليّ فاحذر وامثل ما حل بي" توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في المنام فيخبر عن أمور غائبه وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من أعضائه ويعلم يقيناً أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئاً من الأعضاء.

أما إن قيل: الإنسان جسم هو في داخل البدن.

فاعلم أن أحداً من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم الموت.

ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان.

ومنهم من قال: إذا تكوّن بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق والتمزق، نفوذاً يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورد.

وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت.

قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف.

ومن شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة.

ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه.

والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام - كالشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد  ، ومن الكرامية جماعة، ومن الفلاسفة الإلهيين كلهم - أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم الجسماني ولا خارجه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلاً ميتاً، واستدلوا على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان الإنسان جوهراً متحيزاً لكان كونه متحيزاً عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزاً مرتين ولزم اجتماع المثلين.

وأيضاً لم يكن جعل أحدهما ذاتاً والآخر صفة أولى من العكس.

وأيضاً التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان اللازم باطلاً فالملزوم منتفٍ وعورض بأنه لو كان الإنسان جَوهراً مجرداً لكان كل من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك.

وأجيب بالفرق بين التحيز - وهو صفة ثبوتية - وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل واحداً بقوله: "أنا واحد" بالبديهة، ولأن الغضب مثلاً حالة نفسانية تحدث عند محاولة دفع المنافي مشروطاً بالشعور بكون الشيء منافياً.

فالذي يغضب لا بد أن يكون هو بعينه مدركاً، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها.

فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعاً للآخر، وأيضاً شيئاً فقد يكون الإدراك سبباً لحصول الشهوة، وقد يكون سبباً للغضب، فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب.

وأيضاً النفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخّيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة آلات مختلفة وقوى متغايرة.

وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءاً من أجزاء البدن كانت قوة سارية في جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل البدن ولكل جزء من أجزائه.

ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلاً امتنع أن يقبل حينئذ شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما عداها ولذلك يزداد الإنسان فهماً وذكاء بازدياد العلوم.

وأيضاً كثرة الأفكار توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها أن الروح لو كان جسماً منتقلاً من حالة إلى حالة لكان مساوياً للبدن في كونه متولداً من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله  عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره.

والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور.

قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد يبين أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ﴾ قلت: في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن يقال: إنه لما كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه  ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضاً فبين أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي - الذي هو أكمل أنواع الإنسان - من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره ﴿ إلاَّ رحمة من ربك ﴾ استثناء متصل أي إلا أن يرحمك بربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ﴿ إن فضله ﴾ بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا ﴿ كان عليك كبيراً ﴾ وفيه أن نعمة القرآن وبقاءه محفوظاً في الصدور مسطوراً في الدفاتر من أجلّ النعم وأشرفها، فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق القرآن ويعمل بمقتضاه.

واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديماً، وأجيب بأن إزالة العلم عن القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي الذي هو محل النزاع.

ثم دل على أن الذي أوحى إليه ليس من جنس كلام المخلوقين فقال: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية.

وقد مرّ وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة.

فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا التأليف سعياً في إضلال الخلق؟

وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟

فالجواب أن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزاً.

ثم إن الصادق لذي ثبت صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضاً عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن فسقط السؤال بالكلية.

على أنه  قد أجاب عنه في آخر سورة الشعراء بقوله: ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين  ﴾ وسوف يجيء تفسيره إن شاء الله  .

قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال.

وأجيب بمثل ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفس لا الألفاظ التي يقع التحدي بها وبفصاحتها.

ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ رددنا وكررنا ﴿ للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ "من كل" معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة وغيرها من المواعظ والنصائح.

﴿ فأبى أكثر الناس ﴾ فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم يرضوا ﴿ إلا كفوراً ﴾ وجحوداً.

قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل السورة حين قال: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا  ﴾ لتقدم ذكرهم في السورة.

وذكرهم في "الكهف" إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس ههنا وإن جرى ذكرهم دفعاً للالتباس، لأن ذكر الجن أيضاً قد جرى وقدم للناس على قوله: ﴿ في هذا القرآن ﴾ كما قدمه في قوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ وأما في "الكهف" فعكس الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها.

وقد أوحاها الله  إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر.

التأويل: ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ أي من عمى قلوبهم ﴿ ولولا أن ثبتناك ﴾ بالقول الثابت وهو قول "لا إله إلا الله" إلى أن بلغت حقيقة "لا إله إلا الله" ﴿ شيئاً قليلاً ﴾ وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة.

﴿ ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك.

وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق.

﴿ سنة من قد أرسلنا ﴾ أي جرت عادة الله  بأن يجعل لكل نبي عدواً يؤذيه ويمكر به.

ثم بين طريق خلاص الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: ﴿ أقم الصلاة ﴾ أي أدّها بالقلب الحاضر نهاراً وليلاً.

﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ بشواهد الحق بل الحق مشهود له.

ثم ﴿ أدخلني مدخل صدق ﴾ يعني السير في الله بالله ﴿ وأخرجني مخرج صدق ﴾ من حولي وأنانيتي ﴿ واجعل لي من لدنك ﴾ لا من لدن غيرك.

وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله: ﴿ وسعى لها سعيها  ﴾ .

"روي أن رجلاً جاء إلى النبي  يعرض حاجة فقال  : ما تريد؟

فقال: مرافقتك في الجنة.

فقال  : أو غير ذلك؟

فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة.

فقال النبي  : فأعني على نفسك بكثرة السجود" ﴿ جاء الحق ﴾ من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال ﴿ وزهق الباطل ﴾ وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ﴾ لأن كلام الحبيب طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني *** ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ قال العارفون: لله  عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من شيء ويعبر عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة.

والمعنى والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما روي أنه  قال: "أول ما خلق الله جوهرة" - وفي رواية - "درّة فنظر إليها فذابت" "أول ما خلق الله اللوح" "أول ما خلق الله روحي" وفي رواية "نوري" "وأول ما خلق الله العقل" "وأول ما خلق الله القلم" وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي.

فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي  .

فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته سمي نوراً، وباعتبار وفور عقله سمي عقلاً، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة للعالمين فأقبل.

ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك، بك أعرف، وبك آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين.

وباعتبار جريان الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلماً، وباعتبار غلبات صفات الملائكة عليه سمي ملكاً كروبياً، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم الأرواح وروحها فلهذا قيل له "أمي".

وقد ورد في الحديث: "آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة" ولما كان الروح خليفة الله  اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزلياً ولا أبدياً إلا بتبعية الروح.

ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ﴿ ولئن شئنا لنذهبن ﴾ الآية.

وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله  لكنه أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون فيتناول الملائكة أيضاً.

وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل لذاته والله  أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾ : فيشبه أن يكون النعمة التي ذكر هو محمد؛ لما ذكرنا أنهم كانوا في حيرة وعمى لا يجدون السبيل إلى دين الله، ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً  ﴾ فذلك الإعراض الذي ذكروا، والله أعلم، فبعث الله محمداً  ليدعوهم إلى دين الله ويبين سبيله، فذلك منه نعمة عظيمة أعرضوا عنها وتباعدوا عنها.

ويشبه أن يكون ما قاله أهل التأويل إنه إذا وسع عليه الرزق والعيش أعرض عن الدعاء له وتباعد بجانبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾ ، أي: يائساً من الخير ألا يعود إليه أصلاً، وهكذا كانت عادتهم أنهم [كانوا] يخلصون الدعاء له إذا مسّهم سوء وأصابتهم شدة، ويكفرون به إذا تجلى ذلك عنهم وانكشف، كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 65].

﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ...

﴾ الآية.

وأمثاله، وكان الناس كلهم فرقاً أربعة: منهم من كان مذهبهم ما ذكرنا: أنهم كانوا يخلصون له الدعاء في حال الشدة ويكفرون في حال الرخاء.

ومنهم من كان يؤمن به في حال الرخاء والنعمة ويكفر به في حال الشدة، كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ الآية [الحج: 11].

وهم أهل النفاق.

ومنهم من يكفر به في الأحوال كلها كقوله: [...].

والفرقة الرابعة هم أهل الإسلام يؤمنون به في حال الرخاء وحال الشدّة في الأحوال كلها، على هذا كانوا في الأصل، وعلى هذا يجيء أن يكون قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾ من الأصنام، كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ فيكون إياسهم من الأصنام التي عبدوها.

لكن أهل التأويل صرفوا إلى ما ذكرنا من الإياس عن الخير من [أن يعود إليهم.

وقوله  : ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ : لسنا نعلم إزاء أي سبب كان هنالك حتى قال: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ ؛ إذ إنه يجوز أن يقال هذا بلا سبب كان منهم، لكن يشبه أن يكون] قال هذا على الإياس من إيمانهم لما لم يزدهم دعاؤه إياهم وكثرة تلاوة آياته عليهم وإقامة حججه عليهم - إلا عناداً وإنكاراً، فقال عند ذلك: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ ، أي: على دينه وطريقته، كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، فهو كله على الإياس عن أن يؤمنوا به ويقبلوا دينه، ثم قال: ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً ﴾ ، أي: ربكم أعلم بمن منا على الهدى، ومن ليس.

أو [من] منا أهدى سبيلاً نحن أو أنتم؟

وقال أبو عوسجة: الشاكلة: الحاضرة أي: على ناحيته.

وقال القتبي: شاكلته، أي: على خليقته [وطبيعته].

وقال قطرب: على طريقته، وكأن هذا أشبه.

وقال بعضهم: على نيته.

وقيل: على دينه ومذهبه.

وقيل: على جديلته ومنهاجه، وكله يرجع إلى واحد.

ويشبه أن يكون: أي: كل يعمل بما هو الشبيه به وما هو يشبهه؛ لأن الشكل هو ما يشبه الشيء، يقال: هذا شكل هذا، وقوله: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ﴾ على قول من يقول على خليقة خلق عليها؛ لأنه خلق على علم منه أنه يختارها ويؤثرها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ قيل: ذاهباً باطلاً، لا يجدي لأهله نفعاً؛ لأنه يتلاشى ولا يبقى، والحق يجدي لأهله نفعاً ويبقى، وعلى ذلك ضرب الله مثل الحق بالشيء الذي يبقى، وضرب مثل الباطل بالشيء الذي لا يبقى ولا يثبت؛ فقال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقد ذكرناه في موضعه: ضرب مثل الباطل بالزبد وهو يتلاشى، لا ينتفع به؛ فعلى ذلك الباطل، وضرب مثل الحق بالماء، وهو يبقى في الأرض، وينفع الناس، وضرب مثل الباطل - أيضاً - بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار بقوله: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 26]، وضرب مثل الحق بالشجرة الطيبة الثابتة في الأرض ذات قرار وثبات بقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ .

فهو على ما وصفها: الحق ثابت باق وله قرار ينفع أهله، والباطل يرى ثم يتلاشى ولا بقاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ : اختلف فيه: قال أبو بكر الأصم: الروح: القرآن هاهنا، كقوله: ﴿ يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ...

﴾ الآية [الشورى: 52].

﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: من تدبير ربي، ما لو اجتمع الخلائق ما قدروا على مثله.

فإن قيل: كيف سألوا عن القرآن، وهم لم يقروا بالقرآن؟

فقال: سمّوه: قرآناً وروحاً على ما عنده - أعني: عند رسول الله - كقوله: ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ  ﴾ وهم لم يكونوا أقروا أنّه رسول، ولكن سمّوه: رسولاً؛ لما [أنه] عند نفسه وزعمه رسول، أي: ما لهذا الذي يزعم أنه رسول يأكل الطعام؟

فعلى ذلك قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ﴾ وهو الذي به حياة الأبدان من هلاك الضلال، أي: من تمسك به نجا من هلاك الضلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: بأمر ربي ينزل.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ، أي: من خلق ربي، وهما واحد.

وقال بعضهم: الروح: هو الملك وإنما سألوه عنه، كقوله: ﴿ تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا  ﴾ : يعني: الملك.

وقال بعضهم: إنما سألوا عن الروح المعروف الذي به حياة الأبدان، لكنه لم يجبهم، فوكل أمره إلى الله لما لا يدركون ذلك لو بين لهم وأمثاله.

وروى عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه كان ينهى عن الخوض في الكلام، ويحتج بظاهر هذه الآية؛ حيث سألوه عن الروح، فلم يجبهم، ولكن فوض أمره إلى الله، وما سئل من الأحكام إلا وقد بين لهم كقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ...

﴾ الآية [البقرة: 219]، و ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ...

﴾ الآية [الأنفال: 1]، و ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ  ﴾ ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ  ﴾ ، ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ  ﴾ ، مثل هذا ما سئل عن شيء من الأحكام إلا وقد أجابهم وبين لهم بياناً شافياً، وقال هاهنا: ﴿ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ .

وقال جعفر بن حرب: إن الله قد أمر بالتكلم في الكلام بقوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم...

﴾ الآية [النحل: 125]، وقال: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ...

﴾ الآية [الكهف: 22].

ونحوه، فكيف نهى عن الخوض في الكلام؟

لكن أبا يوسف إنما نهى عن الخوض في الكلام الذي لا يدرك ولا يزيد الخوض فيه إلا حيرة وضلالاً نحو ما روى عن نبي الله  أنه قال: "تفكروا في المخلوق ولا تتفكروا في الخالق" لأنه لا يدرك، فالتفكر فيما لا يدرك لا يزيد إلا عمى وحيرة وتيهاً، وأمّا الخوض في الذي يدرك ويعقل فإنه لم ينه عن مثله.

وأصله: ما ذكرنا من إباحة التكلم في الدين والخوض في الكلام في كثير من الآيات من ذلك قوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...

﴾ الآية [النحل: 125].

ونحوه.

قال الشيخ - رحمه الله -: أو لا نفسر الروح ما هو؟

لما لا يعلم ما أرادوا بالروح وهم قد علموا ما أرادوا.

أو علم رسول الله  ما سألوا، وإنما سألوا ذلك عما في كتبهم؛ ليعلموا صدقه فيما يدعي من الرسالة؛ لما علموا أن غير الرسول لا يعلم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .

قال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي به مصالحكم وما جاءكم إلا قليلاً.

وقال بعضهم: أي: ما أوتيتم من العلم الذي أنشأه والعلم الذي عنده إلا قليلاً، وهو هكذا: أنا لم نؤت من العلم إلا علم ظواهر الأشياء وباديها، لم نؤت علم بواطن الأشياء وحقائقها، وذلك أنا نعلم أن البصر يبصر، والسمع يسمع، واللسان ينطق، واليد تقبض وتأخذ، والرجل تمشي، والعقل يدرك، لكن لا نعلم المعنى الذي جعل فيه به يسمع وبه يبصر وبه ينطق وبه يأخذ وبه يمشي وبه يدرك، وكذلك نعرف هذه الحيوانات التي نشاهدها ونعايشها بأن هذا حمار، وهذا ثور، وهذا كذا، ولكن لا نعرف المعنى الذي [به] صار هذا حماراً، أو هذا ثوراً، وكذلك كل جواهر وأجناس، فلا نعرف من العلوم التي أنشأها الله إلا القليل منها - ظواهرها - وأما الحقائق فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ من يقول بأن الروح الذي سألوه عنه هو الوحي والقرآن الذي أنزل عليه يحتج بهذه الآية، وبقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ لما خرج ذكرها على أثر سؤال الروح، فدلّ أنه ما ذكرنا، وقد ضل بهذه الآية فريقان: الحشوية، والمعتزلة.

أمّا الحشوية فإنهم يقولون: إن القرآن والكلام هو صفة الله الذي هو لم يزل به موصوفاً، وإنه لا يزايله، ثم [إنهم] يقولون: القرآن في المصاحف بعينه وهو في الأرض وفي القلوب، فقولهم مناقض؛ لأنه إذا كان صفته لا هو ولا غيره، لا يجوز أن يكون في المصاحف بعينه أو في الأرض أو في القلوب.

قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله -: أمّا الذي في المصاحف هذا ما يفهم به ذلك أو ما يوافق به ذاك - أعني: القرآن - ويقال: هذا حكاية عن ذلك.

وأما المعتزلة: فإنهم ينكرون خلق أفعال العباد، ثم يقولون: إن القرآن مخلوق؛ فعلى زعمهم يكون القرآن والكلام ما يكتب ويثبت ويمحى، وذلك فعل العباد، ثم يقولون: أفعالهم غير مخلوقة؛ فذلك تناقض في القول بيِّن.

وعلى قولنا: ما ذكر من الذهاب والمجيء كله على المجاز، أي: الموافقة لا على الحقيقة، كما يقال: سمعت كلام فلان وقول فلان، وكتبت حديث فلان ونحوه؛ فذلك كله على المجاز لا على التحقيق؛ لأنه لا يسمع قول فلان حقيقة ولا كلامه ولا حديثه، ولكن يسمع صوتاً يفهم به قوله وكلامه وحديثه، فعلى ذلك الأول يذهب بالذي يسمع ويكتب، فأما حقيقة ذلك فلا يوصف بشيء من ذلك.

وبعد: فإنه قد أضيف المجيء إلى الذي لا يعرف منه ذلك، ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، أن يكون صلة قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ حتى لا يظفر به، وإلا كان رسول الله  يعلم أنه لو شاء لذهب بالذي أوحى إليه وقادر عليه وله رفعه، وكذلك يعرف هذا كل مؤمن.

وإن كانت الآية على الابتداء فهو يخرج على ذكر المنة والرحمة، أي: له أن يرفع هذا الذي أوحى إليه؛ ليعلموا أن إبقاء النبوة والوحي فضل منه ورحمة، وكذلك الوحي إليه في الابتداء وبعثه رسولاً إليهم فضلاً واختصاصاً لا استحقاقاً منه واستيجاباً، كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ  ﴾ أخبر أن النبوة له وما أرسل إليه اختصاصاً منه وفضلاً، لا استحقاقاً منه؛ فعلى ذلك إبقاء النبوة والوحي رحمة وفضل منه.

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة من وجوه: أحدها: ما قالوا: إنه لا يختار الله أحداً لرسالته ونبوته إلا من كان مستحقّاً لها ومستوجباً لذلك، وقد أخبر أنه بفضله واختصاصه أرسله رسولاً، وبفضله ورحمته أبقاها وتركها بعدما أوحى إليه وأرسله رسوله.

والثاني: فيه أن له أن يفعل ما ليس هو بأصلح لهم في الدين، حيث أوعد لهم برفع ما أوحى إليه [وأرسله] وإذهابه إياه، ولا يوعد إلا بما له أن يفعل ما أوعد؛ إذ لا يوعد بما ليس له الفعل في الحكمة، ثم لا شك أن إبقاء النبوة وترك ما أوحى إليه أصلح لهم من رفعها وتركه إياهم خلوّاً عن ذلك، دلّ أنه قد يفعل ما ليس لهم بأصلح لهم في الدين.

وفيه أنه قد يكلف خلقه التوحيد والإيمان وإن لم يرسل رسولاً ولا أوحى إليه وحياً؛ لأنه معلوم أنه لو لم يرسل الرسول، ولا كانوا مكلفين في أنفسهم، لكان خلقه إياهم عبثاً ليتركهم سدى؛ فدل أنهم مكلفون بتوحيده ومعرفته وإن لم يرسل ولا أوحى؛ حيث أخبر أن بعث الرسالة وإبقاءها فضل منه ورحمة بقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ﴾ : وقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ .

أي: إبقاء النبوة والوحي رحمة من ربك، وفضله - أيضاً - في إبقاء ذلك كبيراً.

وفيه أن الحفظ والنسيان - وإن كانا من العبد - فلله فيهما صنع به يحفظ؛ حيث قال: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، أخبر أنه لو شاء، لذهب بالمحفوظ في القلب وينسيه؛ دلّ أن له قدرة في فعل العبد.

وفي قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ وجه آخر من الحكمة؛ وهو أن يعلم المؤمنون: أن الفضل كله من الله؛ لئلا يروا لأنفسهم في ذلك فضلاً ومعنى، وإليه يضيفون جميع ما يجرى على أيديهم من أفعال الخير والطاعة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، ثم لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه، وقوله: بمثله، أي: به، كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ أي: ليس كهو شيء؛ إذ لا مثل له؛ فدلّ أن قوله: ﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، أي: لا يقدرون أن يأتوا به بعد ما عرفوه وعاينوه؛ فلئلا يقدروا على إتيانه ابتداء قبل أن نظروا فيه وعرفوا مثاله - أشدّ وأبعد؛ إذ نظم الشيء وتصوره بعدما عاينوا الأشياء والصّور أهون وأيسر من تصويرها ونظمها قبل أن يعاينوها ويشاهدوها.

وجائز أن يستدل بهذه الآية على أنه كان مبعوثاً إلى الإنس والجن جميعاً حيث قال: ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن مبعوثاً إلى الفريقين جميعاً لم يكن لذكرهما معنى وفائدة.

وفيه دلالة: أن في الجن من لسانه لسان العرب؛ إذ لو لم يكن [كذلك، لم يكن] لذكر أولئك [معنى] ثم جائز أن يكون قوله: ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ ﴾ ، أي: الإنس مع الجن، أو هؤلاء مع هؤلاء، ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: إنما ذكر هذا لقولهم: إنه سحر وإنما يعلمه بشر [النحل: 103] وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ وقولهم: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ \[المؤمنون: 38\]، ومثله، يقول: إن الإفك والسحر وما ذكرتم لا يكون إلا من هذين، من الجن والإنس، فأخبر أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله ما قدروا عليه.

والدلالة على أنهم عجزوا عن ذلك، ولم يطمع أحد منهم ذلك إلا سفيه أظهر الله سفهه وكذبه في القرآن؛ حيث قال: ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ لم يسأل التوفيق إن كان هو حقّاً، ولكن سأل العذاب؛ دلّ أنه كان سفيهاً، فآية السفه: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، ثم ارتاب فيه وشك بقوله: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ  ﴾ وإلا لم يطمع ولم يخطر ببال أحد من الخلائق التكلف لذلك، دلّ أنه آية معجزة من الله  .

ثم اختلف في قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ .

قيل: مثل نظمه ورصفه.

وقيل: مثل حقه وصدقه.

ويحتمل مثل حججه وبراهينه.

ويحتمل مثل علمه وحكمته.

ويحتمل مثل إحكامه وإتقانه.

يحتمل قوله: ﴿ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ هذه الوجوه الخمسة التي ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ بِمِثْلِهِ ﴾ يحتمل ما ذكرنا؛ أي: بالذي رفع وذهب به؛ على التأويل الذي جعلناه صلة قوله: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ ، ﴿ لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ﴾ الذي ذهب به ورفع ﴿ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ ، أي: لا يقدرون على إتيانه.

وإن كان على الابتداء، فهو على المثل؛ أي: لا يقدرون على أن يأتوا بمثله، على ما لم يقدروا عليه بعدما قرع سمعهم هذا فلو كان في وسعهم هذا لفعلوا؛ ليخرج قولهم صدقاً وقول الرسول كذباً، فإذا لم يفعلوا ذلك، ولم يتكلفوا؛ دل أنهم عرفوا أن ذلك من الله وأنه آية معجزة خارجة عن وسعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ .

أي: بيّنا، وتحتمل ضربنا، وتحتمل فرقنا للناس: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: ذكرنا للناس مثلاً على أثر مثل، ومثلاً بعد مثل ما لو تفكروا فيه، وتأمّلوا لعرفوا صدق رسول الله  وكذب أنفسهم وسفههم، ولعرفوا الحق من الباطل والمحق من المبطل، ولكن لم يتفكروا فيه ولم يتأمّلوا وعاندوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ .

لا يريد كل الأمثال، ولكن ما ذكرنا من كل مثل لو تأملوا فيه، وتفكروا، لكان لهم معتبراً.

وفي قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، يكون ما ذكر من تصريف الأمثال وضربها للناس من وجوه ثلاثة: أحدها: ضرب المثل لهذه الأمة من شهد رسول الله  ، وغيره من مكذّبهم ومصدّقهم بالأمم الماضية ماذا حلَّ بهم بالمكذبين منهم رسل الله من نقمته وعذابه، وقدر أخبر أن تلك سنته في المكذبين منهم، وذكر أن سنته تلك لا تحول، ولا تبدل، [وهو قوله: ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً  ﴾ ، و ﴿ تَحْوِيلاً ﴾ ، فهي لا تبدل، ولا تحول فكانت لأولئك معجلة ولهذه الأمة مؤخرة] وهي غير محوّلة ولا مبدّلة لواحدة من الأمم.

والثاني: يحتمل تصريف الأمثال هو ما بين لهم، وذكر ما به صلاح معاشهم ومعادهم، وصلاح دينهم ودنياهم ما لو تأمّلوا فيه وتفكروا، أدركوا ذلك.

والثالث: يكون تصريف الأمثال التي ذكر دعاءه إلى دين الله وسبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، كقوله: ﴿ ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ  ﴾ .

إلى هذه الوجوه الثلاثة يصرف جميع ما ذكر من الأمثال في القرآن والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ﴾ يحتمل أبي أكثر الناس إلا كفوراً بالأمثال التي ضربها في القرآن، وصرفها لهم.

أو يقول: فأبى أكثر الناس إلا كفوراً بنعم الله في صرف الشكر إلى غيره، أو كفوراً في وحدانية الله وألوهيته.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويسألك -أيها الرسول- الكفار من أهل الكتاب عن حقيقة الروح، فقل لهم: لا يعلم حقيقة الروح إلا الله، وما أُعْطِيتم أنتم وجميع الخلق من العلم إلا قليلًا في جنب علم الله سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.eykb6"

مزيد من التفاسير لسورة الإسراء

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل