الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١٠٩ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٩ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : قل يا محمد : لو كان ماء البحر مدادا للقلم الذي تكتب به كلمات ربى وحكمه وآياته الدالة عليه ، ( لنفد البحر ) أي : لفرغ البحر قبل أن يفرغ من كتابة ذلك ) ولو جئنا بمثله ) أي : بمثل البحر آخر ، ثم آخر ، وهلم جرا ، بحور تمده ويكتب بها ، لما نفدت كلمات الله ، كما قال تعالى : ( ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ) [ لقمان : 27 ] .
قال الربيع بن أنس : إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها ، وقد أنزل الله ذلك : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) .
يقول : لو كان البحر مدادا لكلمات الله ، والشجر كله أقلام ، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر ، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء ; لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي ، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه ، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول ، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة ، كحبة من خردل في خلال الأرض كلها .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) يقول عز ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قُلْ) يا محمد: ( لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا ) للقلم الذي يُكتب به ( لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ مَاءً الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) يقول: ولو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء مددا، من قول القائل: جئتك مددا لك، وذلك من معنى الزيادة.
وقد ذُكر عن بعضهم: ولو جئنا بمثله مددا، كأن قارئ ذلك كذلك أراد: لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو زدنا بمثل ما فيه من المداد الذي يكتب به مدادا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ) للقلم.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا ابن البرقي، قال : ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر وابن الدراوردي، قالا ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ للْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنْها كمَا بينَ السَّمَاءِ والأرْضِ، أعْلَى دَرَجَةٍ مِنْها الفِرْدَوْس ".
حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي، قال: ثنا أحمد بن الفرج الطائي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الفِرْدَوْسُ مِنْ رَبْوَةِ الجَنَّةِ، هِيَ أوْسَطُها وأحْسَنُها ".
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنَّ الفِرْدَوْسَ هِيَ أعْلَى الجَنَّةِ وأحْسَنُها وأرْفَعُها ".
حدثني محمد بن مرزوق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، قال للربيع ابنة النضر " يا أُمَّ حارِثَةَ، إنَّها جِنانٌ، وإنَّ ابْنَكِ أصَابَ الفِرْدَوْسَ الأعْلَى ".
والفردوس: ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها.
وقوله: نُزُلا يقول: منازل ومساكن، والمنـزل: من النـزول، وهو من نـزول بعض الناس على بعض.
وأما النـزل: فهو الريع، يقال: ما لطعامكم هذا نـزل، يراد به الريع، وما وجدنا عندكم نـزلا أي نـزولا.
وقوله: خَالِدِينَ يقول: لابثين فيها أبدا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا يقول: لا يريدون عنها تحوّلا وهو مصدر تحوّلت، أخرج إلى أصله، كما يقال: صغر يصغر صغرا، وعاج يعوج عوجا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا قال: متحولا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ) يقول: إذا لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه.
قوله تعالى : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي نفد الشيء إذا تم وفرغ ; وقد تقدم .ولو جئنا بمثله مددا أي زيادة على البحر عددا أو وزنا .
وفي مصحف أبي " مدادا " وكذلك قرأها مجاهد وابن محيصن وحميد .
وانتصب مددا على التمييز أو الحال .
وقال ابن عباس : قالت اليهود لما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أوتيتم من العلم إلا قليلا قالوا : وكيف وقد أوتينا التوراة ، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا ؟
فنزلت قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر الآية .
وقيل : قالت اليهود إنك أوتيت الحكمة ، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح ؟
!
فقال الله - تعالى - قل وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي بالنسبة إلى كلمات الله - تعالى - قليلة ، قال ابن عباس : كلمات ربي أي مواعظ ربي .
وقيل : عنى بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى ، وهو وإن كان واحدا فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فوائد الكلمات ، ولأنه ينوب منابها ، فجازت العبارة عنها بصيغة الجمع تفخيما ; وقال الأعشى :ووجه نقي اللون صاف يزينه مع الجيد لبات لها ومعاصمفعبر باللبات عن اللبة .
وفي التنزيل نحن أولياؤكم و إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لنحن نحيي ونميت وكذلك إن إبراهيم كان أمة لأنه ناب مناب أمة .
وقيل : أي ما [ ص: 439 ] نفدت العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه - سبحانه وتعالى - .
وقال السدي : أي إن كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة التي هي دار الثواب .
وقال عكرمة : لنفد البحر قبل أن ينفد ثواب من قال لا إله إلا الله .
ونظير هذه الآية : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله .
وقرأ حمزة والكسائي " قبل أن ينفد " بالياء لتقدم الفعل .
أي: قل لهم مخبرا عن عظمة الباري، وسعة صفاته، وأنها لا يحيط العباد بشيء منها: { لَوْ كَانَ الْبَحْرُ ْ} أي: هذه الأبحر الموجودة في العالم { مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ْ} أي: وأشجار الدنيا من أولها إلى آخرها، من أشجار البلدان والبراري، والبحار، أقلام، { لَنَفِدَ الْبَحْرُ ْ} وتكسرت الأقلام { قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ْ} وهذا شيء عظيم، لا يحيط به أحد.
وفي الآية الأخرى { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ْ} وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات، منقضية منتهية، وأما كلام الله، فإنه من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة، ولا لها حد ولا منتهى، فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب فالله فوق ذلك، وهكذا سائر صفات الله تعالى، كعلمه، وحكمته، وقدرته، ورحمته، فلو جمع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم، أقل من نسبة عصفور وقع على حافة البحر، فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته، ذلك بأن الله، له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة، وأن إلى ربك المنتهى.
قوله عز وجل : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ) قال ابن عباس : قالت اليهود [ يا محمد ] تزعم أنا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ثم تقول : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فأنزل الله هذه الآية .
وقيل : لما نزلت : " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " ، قالت اليهود : أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء .
فأنزل الله تعالى ( قل لو كان البحر مدادا ) سمي المداد مدادا لإمداد الكاتب ، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء .
قال مجاهد : لو كان البحر مدادا للقلم ، والقلم يكتب ( لنفد البحر ) أي : ماؤه ( قبل أن تنفد ) قرأ حمزة والكسائي " ينفد " بالياء لتقدم الفعل ، والباقون بالتاء ( كلمات ربي ) أي : علمه وحكمه ( ولو جئنا بمثله مددا ) معناه : لو كان الخلائق يكتبون والبحر يمدهم لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي ، ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مددا أو زيادة .
[ و " مددا " منصوب على التمييز ] نظيره قوله تعالى : " ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله " ( لقمان - 27 ) .
«قل لو كان البحر» أي ماؤه «مدادا» هو ما يكتب به «لكلمات ربي» الدالة على حكمه وعجائبه بأن تكتب به «لنفد البحر» في كتابتها «قبل أن تنفد» بالتاء والياء: تفرغ «كلمات ربي ولو جئنا بمثله» أي البحر «مَدَدا» زيادة فيه لنفد، ولم تفرغ هي، ونصبه على التمييز.
قل -أيها الرسول-: لو كان ماء البحر حبرًا للأقلام التي يكتب بها كلام الله، لنفِد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله، ولو جئنا بمثل البحر بحارًا أخرى مددًا له.
وفي الآية إثبات صفة الكلام لله -تعالى- حقيقة كما يليق بجلاله وكماله.
وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته ، ختمها - أيضا - بالثناء والحمد ، فقد أثبت - عز وجل - أن علمه شامل لكل شئ .
وأن قدرته نافذة على كل شئ ، وأنه - تعالى - هو المستحق للعبادة والطاعة ، فقال : ( قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً .
.
.
)والمراد بالبحر : جنسه ، والمداد فى الأصل : اسم لكل ما يُمَد به الشئ ، واختص فى العرف لما تمد به الدواة من الحبر .والمراد بكلمات ربى : علمه وحكمته وكلماته التى يصرف بها هذا الكون .وقوله : ( لنفد البحر ) : أى لفنى وفرغ وانتهى .
يقال : نفد الشئ ينفد نفادا ، إذا فنى وذهب ، ومنه قولهم : أنفد فلان الشئ واستنفده ، أى : أفناه .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس : لو كان ماء البحر مدادا للأقلام التى تكتب بها كلمات ربى ومعلوماته وأحكامه .
.
لنفد ماء البحر ولم يبق منه شئ - مع سعته وغزارته - قبل أن تنفد كلمات ربى ، وذلك لأن ماء البحر ينقص وينتهى أما كلمات الله - تعالى - فلا تنقص ولا تنتهى .وقوله - سبحانه - : ( وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) زيادة فى المبالغة وفى التأكيد لما قبله من شمول علم الله - تعالى - لكل شئ ، وعدم تناهيه .أى : وبعد نفاد ماء البحر السابق ، لو جئنا بماء بحر آخر مثله فى السعة والغزارة ، وكتبنا به كلمات الله - تعالى - لنفد - أيضاً - ماء البحر الثانى دون أن تنفد كلمات ربى .فالآية الكريمة تصور شمول علم الله - تعالى - لكل شئ ، وعدم تناهى كلماته ، تصويراً بديعاً ، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسة كمال علم الله - تعالى - وعدم تناهيه .قال الآلوسى : وقوله : ( وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) : هذا كلام من جهته - تعالى شأنه - غير داخل فى الكلام الملقن ، جئ به لتحقيق مضمونه ، وتصديق مدلوله على أتم وجه .
والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة ما ذكر عليها دلالة واضحة :أى : لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته - تعالى - لو لم نجئ بمثله مدداً ، ولو جئنا بمثله مددا - لنفد أيضاً - .وقال بعض العلماء : وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان ، لأن هذه الأشياء مخلوقة ، وجميع المخلوقات منقضية منتهية ، وأما كلام الله - تعالى - فهو من جملة صفاته ، وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى ، فأى سعة وعظمة تصورتها القلوب ، فالله - تعالى - فوق ذلك ، وهكذا سائر صفات الله - سبحانه - كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص الأولين نبه على كمال حال القرآن فقال: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى ﴾ والمداد اسم لما تمد به الدواة من الحبر ولما يمد به السراج من السليط، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وكان البحر مداداً لها والمراد بالبحر الجنس لنفد قبل أن تنفد الكلمات، تقرير الكلام أن البحار كيفما فرضت في الاتساع والعظمة فهي متناهية ومعلومات الله غير متناهية والمتناهي لا يفي ألبتة بغير المتناهي، قرأ حمزة والكسائي ينفد بالياء لتقدم الفعل على الجمع والباقون بالتاء لتأنيث كلمات، وروي أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ثم تقرأون: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ فنزلت هذه الآية يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
المسألة الثانية: احتج المخالفون على الطعن في قول أصحابنا أن كلام الله تعالى واحد بهذه الآية، وقالوا: إنها صريحة في إثبات كلمات الله تعالى وأصحابنا حملوا الكلمات على متعلقات علم الله تعالى، قال الجبائي: وأيضاً قوله: ﴿ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى ﴾ يدل على أن كلمات الله تعالى قد تنفد في الجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه، وأيضاً قال: ﴿ ولَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَاداً ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يجيء بمثل كلامه والذي يجاء به يكون محدثاً والذي يكون المحدث مثلاً له فهو أيضاً محدث وجواب أصحابنا أن المراد منه الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية، واعلم أنه تعالى لما بين كمال كلام الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يسلك طريقة التواضع فقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ ﴾ أي لا امتياز بيني وبينكم في شيء من الصفات إلا أن الله تعالى أوحى إلي أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد، والآية تدل على مطلوبين: الأول: أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر وهي قوله: ﴿ أَنَّمَا إلهكم إله واحد ﴾ .
والثاني: أن كون الإله تعالى: ﴿ إلها واحدا ﴾ يمكن إثباته بالدلائل السمعية، وقد قررنا هذين المطلوبين في سائر السور بالوجوه القوية، ثم قال: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ والرجاء هو ظن المنافع الواصلة إليه والخوف ظن المضار الواصلة إليه، وأصحابنا حملوا لقاء الرب على رؤيته والمعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله وهذه المناظرة قد تقدمت والعجب أنه تعالى أورد في آخر هذه السورة ما يدل على حصول رؤية الله في ثلاث آيات: أولها: قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ ﴾ ولا بيان أقوى من ذلك ثم قال: ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا ﴾ أي من حصل له رجاء لقاء الله فليشتغل بالعمل الصالح، ولما كان العمل الصالح قد يؤتي به لله وقد يؤتى به للرياء والسمعة لا جرم اعتبر فيه قيدان: أن يؤتى به لله، وأن يكون مبرأ عن جهات الشرك، فقال: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا ﴾ .
قيل: نزلت هذه الآية في جندب بن زهير قال- لرسول الله صلى الله عليه وسلم:- إني أعمل العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه أحد سرني، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه».
وروي أيضاً أنه قال له: لك أجران أجر السر وأجر العلانية فالرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة، والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدى به، والمقام الأول مقام المبتدئين، والمقام الثاني مقام الكاملين والحمد صلى الله عليه وسلم رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المداد: اسم ما تمدّ به الدواة من الحبر وما يمدّ به السراج من السليط.
ويقال: السماد مداد الأرض.
والمعنى: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مداداً لها، والمراد بالبحر الجنس ﴿ لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ ﴾ الكلمات ﴿ وَلَوْ جِئْنَا ﴾ بمثل البحر مداداً لنفد أيضاً.
والكلمات غير نافدة.
و ﴿ مِدَاداً ﴾ تمييز، كقولك: لي مثله رجلاً.
والمدد مثل المداد، وهو ما يمدّ به.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: بمثله مداداً.
وقرأ الأعرج: مدداً، بكسر الميم جمع مدّة، وهي ما يستمده الكاتب فيكتب به.
وقرئ: ﴿ ينفد ﴾ بالياء.
وقيل: قال حييّ بن أخطب: في كتابكم ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269] ثم تقرءون: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: 85] فنزلت، يعني: أنّ ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا ﴾ ما يُكْتَبُ بِهِ، وهو اسْمُ ما يَمُدُّ الشَّيْءَ كالحِبْرِ لِلدَّواةِ والسَّلِيطِ لِلسِّراجِ.
﴿ لِكَلِماتِ رَبِّي ﴾ لِكَلِماتِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.
﴿ لَنَفِدَ البَحْرُ ﴾ لَنَفِدَ جِنْسُ البَحْرِ بِأمْرِهِ لِأنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَناهٍ.
﴿ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ﴾ فَإنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ لا تَنْفَدُ كَعِلْمِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ.
﴿ وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ ﴾ بِمِثْلِ البَحْرِ المَوْجُودِ.
﴿ مَدَدًا ﴾ زِيادَةً ومَعُونَةً، لِأنَّ مَجْمُوعَ المُتَناهِينَ مُتَناهٍ بَلْ مَجْمُوعُ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ مِنَ الأجْسامِ لا يَكُونُ إلّا مُتَناهِيًا لِلدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى تَناهِي الأبْعادِ، والمُتَناهِي يَنْفَدُ قَبْلَ أنْ يَنْفَدَ غَيْرُ المُتَناهِي لا مَحالَةَ.
وَقُرِئَ « يَنْفَدَ» بِالياءِ و « مَدَدًا» بِكَسْرِ المِيمِ جَمْعُ مَدَّةٍ وهي ما يَسْتَمِدُّهُ الكاتِبُ ومِدادًا.
وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا في كِتابِكم ﴿ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ وتَقْرَؤُونَ ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
{قُل لَّوْ كَانَ البحر} أي ماء البحر {مِدَاداً لكلمات رَبّى} قال أبو عبيدة المداد ما يكتب به أي لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مداداً لها والمراد بالبحر الجنس {لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} بمثل البحر {مددا} لنفذ أيضا والكلمات غير نافذة مدداً تمييز نحو لي مثله رجلاً والمدد مثل المداد وهو ما يمد به ينفذ حمزة وعلي وقيل قال حيي بن أخطب في كتابكم ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ثم تقرءون وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فنزلت يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله
﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ ﴾ أيْ: جِنْسُ البَحْرِ (مِدادًا) هو في الأصْلِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُمَدُّ بِهِ الشَّيْءُ واخْتُصَّ في العُرْفِ لِما تُمَدُّ بِهِ الدَّواةُ مِنَ الحِبْرِ ﴿ لِكَلِماتِ رَبِّي ﴾ أيْ مُعَدًّا لِكِتابَةِ كَلِماتِهِ تَعالى، والمُرادُ بِها كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ مَعْلُوماتُهُ سُبْحانَهُ وحِكْمَتُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ لَنَفِدَ البَحْرُ ﴾ مَعَ كَثْرَتِهِ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ لِتَناهِيهِ ﴿ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ﴾ لِعَدَمِ تَناهِيها ﴿ ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ عَوْنًا وزِيادَةً لِأنَّ مَجْمُوعَ المُتَناهِيَيْنِ مُتَناهٍ بَلْ جَمِيعُ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ عَلى التَّعاقُبِ أوِ الِاجْتِماعِ مُتَناهٍ بِبُرْهانِ التَّطْبِيقِ وغَيْرِهِ مِنَ البَراهِينِ، وهَذا كَلامٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ وتَصْدِيقِ مَدْلُولِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُسْتَأْنِفَةِ المُقابِلَةِ لَها المَحْذُوفَةِ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً أيْ لِنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُهُ تَعالى لَوْ لَمْ نَجِئْ بِمِثْلِهِ مَدَدًا، ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا، والكَلامُ في جَوابِ (لَوْ) مَشْهُورٌ ولَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ثَمَّ نَفادًا في الجُمْلَةِ مُحَقَّقًا أوْ مُقَدَّرًا لِأنَّ المُرادَ مِنهُ لَنَفِدَ البَحْرُ وهي باقِيَةٌ إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى المَنزِلِ لِفائِدَةِ المُزاوَجَةِ، وإنَّ ما لا يَنْفَدُ عِنْدَ العُقُولِ العامِّيَّةِ يَنْفَدُ دُونَ نَفادِها، وكُلَّما فُرِضَتْ مِنَ المَدِّ فَكَذَلِكَ والمَثَلُ لِلْجِنْسِ شائِعٌ عَلى أمْثالٍ كَثِيرَةٍ تَفْرِضُ كُلٌّ مِنها مَدَدًا، وهَذا كَما في الكَشْفِ أبْلَغُ مِن وجْهٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ﴾ .
وذَلِكَ أبْلَغُ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو ما في تَخْصِيصِ هَذا العَدَدِ مِنَ النُّكْتَةِ ولَمْ يُرِدْ تَخْصِيصَ العِدَّةِ ثُمَّ فِيهِ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما اسْتَقَرَّ في عَقائِدِ العامَّةِ مِن أنَّها سَبْعَةٌ حَتّى إذا بالَغُوا فِيما يَتَعَذَّرُ الوُصُولُ إلَيْهِ قالُوا هو خَلْفَ سَبْعَةِ أبْحُرٍ، وفي إضافَةِ الكَلِماتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِ في المَوْضِعَيْنِ مِن تَفْخِيمِ المُضافِ وتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ ما لا يَخْفى، وإظْهارُ البَحْرِ والكَلِماتُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ونَصْبُ (مَدَدًا) عَلى التَّمْيِيزِ كَما في قَوْلِهِ: فَإنَّ الهَوى يَكْفِيكَهُ مِثْلُهُ صَبْرًا وجَوَّزَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ نَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ عَلى مَعْنى ولَوْ أمْدَدْنا بِمِثْلِهِ إمْدادًا ونابَ المَدَدُ عَنِ الإمْدادِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ وفِيهِ تَكَلُّفٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى ( قَبْلَ أنْ يَنْفَدَ ) بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ (أنْ تَنَفَّدَ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى تَفَعَّلَ عَلى المُضِيِّ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو فَهو مُطاوِعُ نَفَّدَ مُشَدَّدًا نَحْوَ كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ.
وقَرَأ الأعْرَجُ ( بِمِثْلِهِ مِدَدًا ) بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ مِدَّةٍ وهو ما يَسْتَمِدُّهُ الكاتِبُ فَيَكْتُبُ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والأعْمَشُ بِخِلافٍ والتَّيْمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ والحَسَنُ في رِوايَةٍ وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ.
وحَفْصٌ كَذَلِكَ أيْضًا ( مِدادًا ) بِألِفٍ بَيْنَ الدّالَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ.
وسَبَبُ النُّزُولِ أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ كَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في كِتابِكم ﴿ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ثُمَّ تَقْرَءُونَ ﴿ وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ومُرادُهُ الِاعْتِراضُ بِأنَّهُ وقَعَ في كِتابِكم تَناقُضٌ بِناءً عَلى أنْ لا الحِكْمَةَ هي العِلْمُ وأنَّ الخَيْرَ الكَثِيرَ هو عَيْنُ الحِكْمَةِ لا آثارُها وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها لِأنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ لا يَكُونُ قَلِيلًا وكَثِيرًا في حالَةٍ واحِدَةٍ، فالآيَةُ جَوابٌ عَنْ ذَلِكَ بِالإرْشادِ إلى أنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ مِنَ الأُمُورِ الإضافِيَّةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ كَثِيرًا في نَفْسِهِ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ البَحْرَ مَعَ عَظَمَتِهِ وكَثْرَتِهِ خُصُوصًا إذا ضُمَّ إلَيْهِ أمْثالُهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلِماتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلرَّسُولِ : كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلِّها ومَبْعُوثٌ إلَيْها وإنَّكَ أُعْطِيتَ مِنَ العِلْمِ ما يَحْتاجُهُ النّاسُ، وقَدْ سُئِلْتَ عَنِ الرُّوحِ فَلَمْ تُجِبْ فِيهِ؟
ومُرادُهُمُ الِاعْتِراضُ بِالتَّناقُضِ بَيْنَ دَعْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحالِهِ في زَعْمِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ العِلْمَ بِحَقِيقَةِ الرُّوحِ مِمّا يَحْتاجُهُ النّاسُ وأنَّهُ لَمْ يُفِدْهُ عِبارَةً ولا إشارَةٍ، والجَوابُ عَنْ هَذا مَنَعَ كَوْنَ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الرُّوحِ مِمّا يَحْتاجُهُ النّاسُ في أمْرِ دِينِهِمُ المَبْعُوثِ لَهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والقائِلُ ( «أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم» ) لا يَدَّعِي عِلْمَ ما يَحْتاجُهُ النّاسُ مُطْلَقًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا تَكُونُ جَوابًا عَمّا ذُكِرَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ كَوْنِ ذَلِكَ سَبَبَ النُّزُولِ إلّا بِضَمِّ الآيَةِ الآتِيَةِ إلَيْها ومَعَ هَذا يَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَوْعِ تَكَلُّفٍ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي وذلك أن اليهود قالوا: يزعم محمد أن من أوتي الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كثيراً، ثم يزعم ويقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85] فكيف نوافق الخير الكثير مع العلم القليل؟
فنزل: قل يا محمد: لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي يكتب به، لَنَفِدَ الْبَحْرُ وتكسرت الأقلام، قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أي لا تنفد كلمات ربي.
كما قال في آية أخرى: مَّا نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: 27] .
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً، أي بمثل البحر.
وقرأ بعضهم: وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَاداً.
وقراءة العامة مَدَداً ومعناهما واحد وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: 269] وهو قليل عند علم الله تعالى.
قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ، أي من يخاف البعث بعد الموت.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً، أي: خالصاً فيما بينه وبين الله تعالى، وَلا يُشْرِكْ أي لا يخلط ولا يرائي بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.
وقال سعيد بن جبير فَمَنْ كانَ يَرْجُوا، أي من كان يرجو ثواب ربه.
وروي عن مجاهد: أن رجلاً جاء إلى النبيّ وقال: إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله، وأحب أن يقال لي خيراً.
فنزل: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً.
قرأ حمزة والكسائي وابن عامر في إحدى الروايتين أن يَنفَدُ بالياء بلفظ التذكير، وقرأ الباقون: بالتاء بلفظ التأنيث، لأن الفعل إذا كان مقدماً على الاسم يجوز التأنيث والتذكير.
قال الفقيه: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن عمران قال: حدثنا أبو شهاب، قال: حدّثنا غنام بن يوسف، قال: حدثنا أبو عبد الله المديني، عن مخلد بن عبد الواحد، عن الخليل، عن علي بن زيد بن جدعان، عن زر بن حبيش، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ فَهُوَ مَعْصُومٌ ثَمَانِيَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ تَكُونُ، فَإنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ فِي تِلْكَ الثَّمَانِيَةِ أيَّامٍ، عَصَمَهُ الله مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَمَنْ قَرَأ الآيةَ الَّتِي فِي آخِرِهَا قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إلى الخاتِمَةِ حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ، كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلألأ فِي مَضْجعِهِ إلى مَكَّةَ، حَشْوُ ذلك النور ملائكة يصلون عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ مَضْجَعِهِ.
وَإنْ كَانَ مَضْجعُهُ بمكّة فتلاها، كَانَ لَهُ نُورٌ يَتَلألأ مِنْ مَضْجَعِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، حَشْوُ ذلكَ النُّورِ مَلائِكَةٌ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ مِنْ نَوْمِهِ» .
إلى غير ذلك مما ورد في فضلها من الأخبار والآثار.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي المختار وعلى آله وصحابته الأطهار، صلاة وسلاماً دائمين ما تعاقب الليل والنهار، آمين آمين آمين، والحمد للَّهِ رَبّ العالمين.
ت: ففي «البخاريِّ» من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجَنَّةِ» «١» انتهى.
وقوله تعالى: لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا «الحِوَلُ» بمعنى المتحوَّل.
قال مجاهدٌ: متحوَّلاً «٢» :
وأما قوله سبحانه: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي ...
الآية: فروي أن سبب الآية أنّ اليهود قالت للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلَّها وأنَّكَ أُعُطِيتَ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ مِنَ الْعِلْمِ، وأَنْتَ مُقَصِّرٌ، قَدْ سُئِلْتَ عَنْ الرُّوحِ، فَلَمْ تُجِبْ فيهِ؟، ونحو هذا من القول فأنزل اللَّه الآية مُعْلِمَةً باتساع معلوماتِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدْعٍ، فالمعنى: لو كان البحْرُ مداداً تكتب به معلوماته تعالى، لنَفِدَ قبل أنْ يستوفيها، «وكلمات ربِّي» هي المعاني القائمة بالنَّفْس، وهي المعلوماتُ، ومعلوماتُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ لا تتناهى والبحر متناهٍ ضرورةً، وذكر الغَزَّالِيُّ في آخر «المنهاج» أن المفسِّرين يقولون في قوله تعالى: لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي، أن هذه هي الكلماتُ التي يقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ لأهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّة باللُّطْفِ والإِكرام، مما لا تكيِّفه الأوهام، ولا يِحُيطُ به عِلْمُ مخْلوقِ، وحُقَّ أنْ يكون ذلك كذلك، وهو عطِاءُ العزيز العليم على مقتضى الفَضْل العظيم، والجود الكريمِ، أَلاَ لِمِثْلِ هذا فليعملِ العَامِلُونَ.
انتهى.
وقوله: مَدَداً، أي زيادة.
ت: وكذا فسَّره الهَرَوِيُّ ولفظه: وقوله تعالى:
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً، أي زيادة انتهى.
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي: أنا بشرٌ ينتهي علْمي إلى حيثُ يوحى إليّ، ومما يوحَى إِليَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وباقي الآية بيِّن في الشرك باللَّه تعالى، وقال ابن جُبَيْر في تفسيرها لا يرائي في عمله، وقد ورد حديثٌ أنها نزلَتْ في الرياء.
ت: وروى ابن المبارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن زَيْد بن أسْلَمُ، عن أبيه، أنه كَانَ يَصِفُ أمْرَ الرياء، فيقول: ما كَانَ مِنْ نَفْسِكَ فَرَضِيَتْهُ نَفْسُكَ لها، فإِنه مِنْ نَفْسِكَ فعاتْبها، وما كان مِنْ نَفْسِك، فكرهَتْه نَفْسُك لها، فإنه من الشيطان فتعوَّذْ باللَّه منه، وكان أبو حَازِمٍ يقول ذلك «١» ، وأسند ابنُ المبارك عن عبْدِ الرحمن بنِ أبي أُمَيَّة، قال: كُلُّ ما كَرِهَه العَبْد فليس منْه «٢» انتهى، وخرَّج الترمذيُّ عن أبي سعيد بْنِ أبي فَضَالَة الأنصاريِّ، وكان من الصحابة، قال: سَمِعْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كان أشرك في عمل عَمِلَهُ للَّهِ أحَداً، فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّركَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» «٣» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ انتهى، وقد خرَّج مسلم معناه.
ت: ومما جَّربته، وصحَّ من خواصِّ هذه السورة، أنَّ من أراد أن يستيقظ أيَّ وقتٍ شاء من الليل، فليقرأ عند نومه قولَهُ سبحانه: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي/ مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ ...
إلى آخر السورة، فإنه يستيقظُ بإِذن اللَّه في الوقْت الذي نَوَاهُ، ولتكُنْ قراءته عند آخر ما يَغْلِبُ عليه النُّعَاس بحيث لا يتجدَّد له عقب القراءة خواطِرُ، هذا مما لا شَكَّ فيه، وهو من عجائب القرآن المقطوعِ بها، واللَّه الموفِّق بفضله.
تنبيهٌ: رُوِّينا في «صحيح مسلم» ، عن جابر رضي اللَّه عنه قال: سَمِعْتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «إِنَّ في اللَّيلِ لسَاعَةً لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلَ اللَّهَ خَيْراً مِنْ أَمْر الدُّنْيَا والآخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» «٤» ، وذلِكَ كُلَّ لَيَلةٍ، فإِن أردتَّ أن تعرف هذه الساعة، فاقرأ عند نومك من قوله
تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ إلى آخر السورة، فإِنك تستيقظ في تلك الساعة- إن شاء اللَّه تعالى- بفضله، ويتكرَّر تَيَقُّظَكَ، ومهما استيقظْتَ، فادْعُ لي ولك، وهذا مما ألهمنيه اللَّهُ سبحانه، فاستفِدْه، وما كتبته إلاّ بَعْدَ استخارة، وإِياك أن تدعُوَ هنا على مُسْلِمٍ، ولو كان ظالماً، فإن خالفتَني، فاللَّه حَسِيبُكَ وبَيْن يديه أكونُ خصيمَكَ، وأنا أرغَبُ إِليك أنْ تشركني في دعائِكَ، إِذ أفدتُّكَ هذه الفائدةَ العظيمةَ وكُنْتُ شيخَكَ فيها، وللقرآن العظيم أسرارٌ يُطْلِعُ اللَّه عليها من يشاء مِنْ أوليائه، جَعَلَنَا اللَّه منْهم بفَضْله، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.
تم بحمد الله وحسن توفيقه الجزء الثالث من تفسير الثعالبي ويليه الجزء الرابع وأوله:
سورة مريم ولله الحمد والمنه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا ﴾ ، قالَتِ اليَهُودُ: كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
ومَعْنى الآَيَةِ: لَوْ كانَ ماءُ البَحْرِ مِدادًا يُكْتَبُ بِهِ.
قالَ مُجاهِدٌ: [ والمَعْنى ]: لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِلْقَلَمِ، والقَلَمُ يَكْتُبُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ المِدادُ مِدادًا لِإمْدادِهِ الكاتِبَ، وأصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ ومَجِيءُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ( مَدَدًا لِكَلِماتِ رَبِّي ) بِغَيْرِ ألِفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( تَنْفَدَ) بِالتّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( يَنْفَدَ ) بِالياءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّأْنِيثُ أُحْسَنُ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الفِعْلُ مُؤَنَّثٌ، والتَّذْكِيرُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وإنَّما لَمْ تَنْفَدْ كَلِماتُ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَلامَهُ صِفَةٌ مِن صِفاتِ ذاتِهِ، ولا يَتَطَرَّقُ عَلى صِفاتِهِ النَّفادُ.
﴿ وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ ﴾ ؛ أيْ: بِمِثْلِ البَحْرِ ﴿ مَدَدًا ﴾ ؛ أيْ: زِيادَةً، والمَدَدُ: كُلُّ شَيْءٍ زادَ في شَيْءٍ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ في أوَّلِ الآَيَةِ: " مِدادًا "، وفي آَخِرِها: " مَدَدًا "، وكِلاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، واشْتِقاقُهُما غَيْرُ مُخْتَلِفٍ ؟
فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: لَمّا كانَ الثّانِي آَخِرَ آَيَةٍ، وأواخِرُ الآَياتِ هاهُنا أتَتْ عَلى الفِعْلِ والفِعْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ نُزُلا ﴾ ، ﴿ هُزُوًا ﴾ ، ﴿ حِوَلا ﴾ ، كانَ قَوْلُهُ: " مَدَدًا " أشْبَهَ بِهَؤُلاءِ الألْفاظِ مِنَ المِدادِ، واتِّفاقُ المَقاطِعِ عِنْدَ أواخِرَ الآَيِ، وانْقِضاءُ الأبْياتِ، وتَمامُ السَّجْعِ والنَّثْرِ، أخَفُّ عَلى الألْسُنِ وأحْلى مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فاخْتَلَفَتِ اللَّفْظَتانِ لِهَذِهِ [ العِلَّةِ ] .
وقَدْ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مِدادًا )، فَحَمَلُوها عَلى الأُولى ولَمْ يَنْظُرُوا إلى المَقاطِعِ.
وقِراءَةُ الأوَّلِينَ أبْيَنُ حُجَّةً وأوْضَحُ مِنهاجًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلا ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عنها حِوَلا ﴾ ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا ﴾ لِما فَرَغَ مِن ذِكْرِ الكَفَرَةِ والأخْسَرِينَ أعْمالًا عَقَّبَ بِذِكْرِ حالَةِ المُؤْمِنِينَ لِيَظْهَرَ التَبايُنُ، وفي هَذا بَعْثُ النُفُوسِ عَلى اتِّباعِ الحَسَنِ القَوِيمِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "الفِرْدَوْسِ"، فَقالَ قَتادَةُ: إنَّهُ أعْلى الجَنَّةِ ورَبْوَتُها، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّهُ جَبَلٌ تَنْفَجِرُ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وقالَ أبُو أُمامَةَ: إنَّهُ سُرَّةُ الجَنَّةِ ووَسَطُها، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ يَتَفَجَّرُ مِنهُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: إنَّهُ جَنّاتُ الكُرُومِ والأعْنابِ خاصَّةً مِنَ الثِمارِ، وقالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ، واسْتَشْهَدَ قَوْمٌ لِذَلِكَ بُقُولِ أُمِّيَّةِ بْنِ أبِي الصَلْتِ: كانَتْ مَنازِلُهم إذْ ذاكَ ظاهِرَةٌ ∗∗∗ فِيها الفَرادِيسُ والفُومانُ والبَصَلُ وَقالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّ الفِرْدَوْسَ سُرْيانِيَّةٌ، وقِيلَ: رُومِيَّةٌ، ولَمْ يُسْمَعْ بِالفِرْدَوْسِ في كَلامِ العَرَبِ إلّا في بَيْتِ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: وإنَّ ثَوابَ اللهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ جَنانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ فِيها يُخَلَّدُ ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "إذا سَألْتُمُ اللهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ"،» وقالَتْ فَرِقْةٌ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِالرُومِيَّةِ.
وهَذا اقْتِضابُ القَوْلِ في "الفِرْدَوْسِ" وعُيُونُ ما قِيلَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نُزُلًا" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ قَدَّمْناهُما قَبْلُ.
و"الحِوَلُ" بِمَعْنى: التَحَوُّلِ.
قالَ مُجاهِدٌ: مُتَحَوَّلًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لِكُلِّ دَوْلَةٍ أجْلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ثُمَّ يُتاحُ لَها حِوَلُ وكَأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وكَأنَّ واحِدَهُ حِوالَةٌ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقالَ الزَجّاجُ عن قَوْمٍ: هو بِمَعْنى الحِيلَةِ في الشُغْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ مُتَكَلَّفٌ.
وأُمًّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا ﴾ الآيَةُ، فَرُوِيَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ «أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلِّها ومَبْعُوثٌ إلَيْها، وأنَّكَ أُعْطِيتَ ما يَحْتاجُهُ الناسُ مِنَ العِلْمِ، وأنْتَ مُقَصِّرٌ قَدْ سُئِلْتَ في الرُوحِ ولَمْ تُجِبْ فِيهِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» مُعْلِمَةً بِاتِّساعِ مَعْلُوماتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وأنَّ الوُقُوفَ دُونَها لَيْسَ بِبِدَعٍ ولا نُكُرٍ، فَعَبَّرَ عن هَذا بِتَمْثِيلِ ما يَسْتَكْثِرُونَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي ﴾ .
و"الكَلِماتُ" هي المَعانِي القائِمَةُ بِالنَفْسِ، وهي المَعْلُوماتُ، ومَعْلُوماتُ اللهِ سُبْحانُهُ لا تَتَناهى، والبَحْرُ مُتَناهٍ ضَرُورَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَنْفَدُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ عَبِيدِ: "يَنْفَدُ" بِالياءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مَصْرِفٍ: "قَبْلَ أنْ تُقْضى كَلِماتُ رَبِّي".
وقَوْلُهُ: "مِدادًا" أيْ: زِيادَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِدادًا"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ: "مِدادًا"، فالمَعْنى: لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا تُكْتَبُ بِهِ مَعْلُوماتُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَنَفِدَ قَبْلَ أنْ يَسْتَوْفِيَها، وكَذَلِكَ إلى ما شِئْتَ مِنَ العَدَدِ؛ وإنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم لَمْ أُعْطَ إلّا ما أُوحِيَ إلَيَّ وكُشِفَ لِي، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يَنْفَدُ) بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى: إنَّما أنا بَشَرٌ يَنْتَهِي عِلْمِي إلى حَيْثُ يُوحى إلَيَّ، ومُهِمٌّ ما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ، وكانَ كُفْرُهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ فَلِذَلِكَ خُصِّصَ هَذا الفَصْلُ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ أخَذَ في المَوْعِظَةِ والوَصايا البَيِّنَةِ الرُشْدِ.
و"يَرْجُوا" عَلى بابِها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "يَرْجُو": يَخافُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا إذِ المَقْصَدُ: مِمَّنْ كانَ يُؤْمِنُ بِلِقاءِ رَبِّهِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ بِلِقاءِ رَبِّهِ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ بِحالَتِي خَوْفٍ ورَجاءٍ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالخَوْفِ كانَ المَعْنى تامًّا عَلى جِهَةِ التَخْوِيفِ والتَحْذِيرِ، وإذا عَبَّرَ بِالرَجاءِ فَعَلى جِهَةِ الإطْماعِ وبَسْطِ النُفُوسِ إلى إحْسانِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أيْ: مَن كانَ يَرْجُوا النَعِيمَ المُؤَبَّدَ مِن رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ في الشِرْكِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في تَفْسِيرِها: لا يُرائِي في عَمَلِهِ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ أنَّها نَزَلَتْ في الرِياءِ حِينَ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ عَمَّنْ يُجاهِدُ ويَحْمَدُهُ الناسُ.
وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: هَذِهِ آخَرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الكَهْفِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
لما ابتدئت هذه السورة بالتنويه بشأن القرآن ثم أفيض فيها من أفانين الإرشاد والإنذار والوعد والوعيد، وذكر فيها من أحسن القصص ما فيه عبرة وموعظة، وما هو خفي من أحوال الأمم، حُول الكلام إلى الإيذان بأن كل ذلك قليل من عظيم علم الله تعالى.
فهذا استئناف ابتدائي وهو انتقال إلى التنويه بعلم الله تعالى مفيضضِ العلم على رسوله صلى الله عليه وسلم لأن المشركين لما سألوه عن أشياء يظنونها مفحمة للرسول وأن لا قبل له بعلمها علمه الله إياها، وأخبر عنها أصدق خبر، وبيّنها بأقصى ما تقبله أفهامهم وبما يقصر عنه علم الذين أغروا المشركين بالسؤال عنها، وكان آخرها خبر ذي القرنين، أتبع ذلك بما يعلم منه سعة علم الله تعالى وسعة ما يجري على وفق علمه من الوحي إذا أراد إبلاغ بعض ما في علمه إلى أحد من رسله.
وفي هذا رد عجز السورة على صدرها.
وقيل: نزلت لأجل قول اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقول، أي في سورة الإسراء ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ في سورة الإسراء (85).
وقال الترمذي عن ابن عباس: قال حيي بن أخطب اليهودي: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ [البقرة: 269] ثم تقرأون: ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً، فنزل قوله تعالى: قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي...
﴾ الآية.
وكلمات الله: ما يدلّ على شيء مِن علمه مما يوحي إلى رسله أن يبلغوه، فكل معلوم يمكن أن يخبر به.
فإذا أخبر به صار كلمة، ولذلك يطلق على المعلومات كلمات، لأن الله أخبر بكثير منها ولو شاء لأخبر بغيره، فإطلاق الكلمات عليها مجاز بعلاقة المآل.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ﴾ [لقمان: 27].
وفي هذا دليل لإثبات الكلام النفسي ولإثبات التعلّق الصلوحي لصفة العلم.
وقل من يتنبه لهذا التعلّق.
ولما كان شأن ما يُخبِر الله به على لسان أحد رسله أن يكتَب حرصاً على بقائه في الأمة، شبهت معلومات الله المخبَر بها والمطلق عليها كلمات بالمكتوبات، ورُمز إلى المشبه به بما هو من لوازمه وهو المِداد الذي به الكتابة على طريقة المكنية، وإثبات المداد تخييل كتخيُّل الأظفار للمنية.
فيكون ما هنا مثل قوله تعالى: ﴿ ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ﴾ فإن ذكر الأقلام إنما يناسب المداد بمعنى الحِبر.
ويجوز أن يكون هنا تشبيه كلمات الله بالسراج المضيء، لأنه يهدي إلى المطلوب، كما شبه نور الله وهديُه بالمصباح في قوله تعالى: ﴿ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ﴾ [النور: 35] ويكون المداد تخييلاً بالزيت الذي يمد به السراج.
والمدَاد يطلق على الحِبر لأنه تُمَد به الدواة، أي يمد به ما كان فيها من نوعه، ويطلق المداد على الزيت الذي يمد به السراج وغلب إطلاقه على الحبر.
وهو في هذه الآية يحتمل المعنيين فتتضمّن الآية مكنيتين على الاحتمالين.
واللام في قوله ﴿ لكلماته ﴾ لام العلّة، أي لأجل كلمات ربي.
والكلام يؤذن بمضاف محذوف، تقديره: لكتابة كلمات ربي، إذ المداد يراد للكتابة وليس البحر مما يكتب به ولكن الكلام بني على المفروض بواسطة (لو).
والمداد: اسم لما يمد به الشيء، أي يزاد به على ما لديه.
ولم يقل مداداً، إذ ليس المقصود تشبيهه بالحبر لحصول ذلك بالتشبيه الذي قبله وإنما قصد هنا أن مثله يمده.
والنفاد: الفناء والاضمحلال، ونفاد البحر ممكن عقلاً.
وأما نفاد كلمات الله بمعنى تعلقات علمه فمستحيل، فلا يفهم من تقييد نفاد كلمات الله بقيد الظرف وهو ﴿ قَبْلَ ﴾ إمكان نفاد كلمات الله؛ ولكن لما بُني الكلام على الفرض والتقدير بما يدل عليه (لو) كان المعنى لو كان البحر مداداً لكلمات ربي وكانت كلمات ربي مما ينفد لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي.
وهذا الكلام كناية عن عدم تناهي معلومات الله تعالى التي منها تلك المسائل الثلاث التي سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقتضي قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ إن لكلمات الله تعالى نفاداً كما علمته.
وجملة ﴿ ولو جئنا بمثله مدداً ﴾ في موضع الحال.
و ﴿ لو ﴾ وصلية، وهي الدالة على حالة هي أجدر الأحوال بأن لا يتحقق معها مفاد الكلام السابق فيُنبّه السامع على أنها متحقق معها مُفاد الكلام السابق.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في سورة آل عمران (91)، وهذا مبالغة ثانية.
وانتصب مدداً } على التمييز المُفسر للإبهام الذي في لفظ ﴿ بِمِثله ﴾ ، أي مثل البحر في الإمداد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ وعْدٌ بِالثَّوابِ لِمَن أطاعَهُ، ووَعِيدٌ بِالعِقابِ لِمَن عَصاهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ ومِثْلُهُ ﴿ لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ﴾ الثّانِي: أنَّهُ العِلْمُ بِالقُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: وهَذا إنَّما قالَهُ اللَّهُ تَعالى تَبْعِيدًا عَلى خَلْقِهِ أنْ يُحْصُوا أفْعالَهُ ومَعْلُوماتِهِ، وإنْ كانَتْ عِنْدَهُ ثابِتَةً مَحْصِيَّةً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ يقول: علم ربي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يقول: ينفد ماء البحر قبل أن ينفد كلام الله وحكمته.
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي البختري قال: صحب سلمان رجل ليتعلم منه فانتهى إلى دجلة وهي تطفح، فقال له سلمان: أنزل فاشرب.
فشرب، قال له: ازدد، فازداد.
قال: كم نقصت منها؟
قال: ما عسى أن أنقص من هذه؟
قال سلمان: فكذلك العلم، تأخذ منه ولا تنقصه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ ﴾ الآية.
روى عكرمة عن ابن عباس، قال: (قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل.
فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ ، فقالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، فأنزل الله: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ ﴾ الآية) (١) ومعنى المداد في اللغة: المجيء شيئًا بعد شيء على اتصال، ومنه يقال للزيت الذي يوقد به السراج: مداد (٢) قال الأخطل (٣) رأوا بارقات بالأكف كأنها ...
مصابيح سرج أوقدت بمداد أي: بزيت يمدها.
قال ابن الأنباري: (سمي المداد مدادا لإمداده الكاتب) (٤) ﴿ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾ ، قال مجاهد: (لو كان البحر مدادًا للقلم، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) (٥) قال ابن عباس: (يريد أن كلماته أعظم من أن يكون لها أمد) (٦) (٧) ﴿ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾ : (يريد مواعظ الشكر (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ أي: بمثل البحر في كثرة مائه مدادا زيادة له.
وأراد لو جئنا بمثله مدادًا له، والمدد: كل شيء زاد في شيء.
يقال أمددناهم بمدد أي: بقوم يزيدون في عددهم.
قال الزجاج: ( ﴿ مَدَدًا ﴾ منصوب على التمييز، يقول: ملؤ هذا، ومثل هذا ذهبًا، أي: من الذهب) (١٠) ﴿ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ﴾ قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿ مَدَدًا ﴾ منصوب على المصدر لجئنا بتقدير: لمدد البحر بمثله مددا، كما تقول: جاء فلان ركضا.
قال: ويجوز أن يكون نائبا عن الحال بتقدير: لو جئنا بمثله مادين) (١١) (١) "المحرر الوجيز" 9/ 419، "معالم التنزيل" 5/ 212، "زاد المسير" 5/ 201، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69، "أسباب النزول" للوحدي ص 308.
(٢) "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361، "القاموس المحيط" (المد) 1/ 318، "الصحاح" (مدد) 2/ 537، "لسان العرب" (مدد) 7/ 4158.
(٣) البيت للأخطل، غياث بن غوث بن الصلت التغلبي.
سرج: السراج الزاهر الذي يزهر بالليل، والمسرجة التي توضع فيها الفتيلة.
انظر: "لسان العرب" (مدد) 7/ 4156.
(٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 201، والطبري في "مجمع البيان" 6/ 770، والشوكاني في "فتح القدير" 3/ 454، وذكر نحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361.
(٥) "جامع البيان" 16/ 39، "معالم التنزيل" 15/ 212، "زاد المسير" 5/ 201.
(٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 39، "معالم التنزيل" 15/ 212، "المحرر الوجيز" 9/ 420، "لباب التأويل" 4/ 237، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 120، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69.
(٧) الكلام صفة من صفات الله عز وجل نثبتها كما أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل == ولا تشبيه، وهو صفة ذاتية باعتبار أصله؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته يتكلم متى شاء بما شاء.
وقد تقدم التعليق مرارا على الأقوال التي يوردها الواحدي والمتعلقة بالأسماء والصفات.
وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 172، "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى" للشيخ: محمد بن عثيمين ص 33، "العقيدة الواسطية" ص 43.
(٨) في (ص): (الشك)، وهو تصحيف.
(٩) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69.
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 316.
(١١) ذكر نحوه بلا نسبة في "المحتسب" 2/ 35، "إملاء ما من به الرحمن" ص 405، == "البحر المحيط" 6/ 169، "الدر المصون" 7/ 558.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبِّى ﴾ الآية إخبار عن اتساع علم الله تعالى والكلمات هي المعاني القائمة بالنفس وهي المعلومات، فمعنى الآية لو كتب علم الله بمداد البحر لنفد البحر ولم ينفد علم الله، وكذلك لو جيء ببحر آخر مثله وذلك لأن البحر متناهٍ وعلم الله غير متناه ﴿ بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾ أي زيادة والمدد هو ما يمد به الشيء أي يكثر ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ إن كان الرجاء هنا على بابه فالمعنى يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضا وقبول، وإن كان الرجاء بمعنى الخوف فالمعنى يخاف سوء لقاء ربه، ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ﴾ يحتمل أن يريد الشرك بالله وهو عبادة غيره فيكون راجعاً إلى قوله يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد أو يريد الرياء؛ لأنه الشرك الأصغر واللفظ يحتمل الوجهين، ولا يبعد أن يحمل على العموم في المعنيين والله أعلم.
القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.
﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.
يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.
﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.
الآخرون بضمها.
﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.
﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.
والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.
الآخرون بفتح الصاد والدال.
﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.
﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.
وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.
وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.
وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.
يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.
قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.
فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.
قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.
والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.
وروي عن النبي أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.
وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.
وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.
وقيل: كان لتاجه قرنان.
وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.
ويروى الروم والترك.
وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.
وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.
وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.
وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.
وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.
وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.
ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.
وعن علي : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.
وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟
فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.
قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.
وقيل: كان نبياً لقوله : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.
وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.
قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله وأنزل فيه وحياً.
والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.
والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.
ثم إنه شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.
"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟
قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .
فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.
وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟
فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.
أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.
قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.
روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.
ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.
وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.
حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.
فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.
وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.
فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.
وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.
الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.
الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.
الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.
ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.
وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.
فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.
وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.
وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.
سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟
وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.
وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.
وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.
وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.
ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.
أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: يأكلون لحومهم.
وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.
وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.
وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.
وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.
قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.
من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.
ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.
﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.
وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.
يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.
وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.
وعن رسول الله أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟
قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
قال: قد والله رأيته.
قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.
﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.
ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.
ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.
ثم شرع في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.
ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.
ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.
وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.
وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.
ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.
ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.
وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.
احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.
وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.
ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟
وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.
والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.
ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.
قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.
وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة ﴾ وروي عنه أن منهم أهل حروراء.
وعن مجاهد: أهل الكتاب.
والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.
وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.
وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.
وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.
والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.
عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.
وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.
وعن النبي : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.
نبه على كمال حال القرآن.
والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".
والمدد والمداد واحد.
يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فنزلت هذه الآية.
يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
قالت الأشاعرة: إن كلام الله واحد.
واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله .
وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله .
وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.
وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.
قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.
أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.
ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .
وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.
واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.
"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .
وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.
قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.
والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.
قال في الكشاف: عن رسول الله : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.
ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.
﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.
﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.
﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.
ثم ذكر للمؤمنين من الثواب والجزاء بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، واختاروا فيها مقابل ما ذكر للكفرة؛ فقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ﴾ .
كأن الجنان التي وعد للمؤمنين أربعة: جنات النعيم، وجنات المأوى، وجنات عدن، وجنات الفردوس، ثم كان في [كل] واحدة منها - أعني الجنان - فيها معنى الأخرى؛ لأنه قال: ﴿ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ وهو ما يؤوي إليه، و ﴿ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ ظاهر، و ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ من المقام أو غيره، و ﴿ ٱلْفِرْدَوْسِ ﴾ سميت فردوساً؛ لأنها تكون ملتفة محفوفة بالأشجار، ففي كل واحدة منها ذلك كله.
وقوله - عز وجل - ﴿ نُزُلاً ﴾ قيل: منزلاً من النزول.
وقيل: من النزل وهو من الأنزال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ أي: تحولاً، أخبر أنهم لا يملون ولا يسأمون عن نعيمها، كما يمل أهل الدنيا عن نعيمها ويسأمون؛ لأن المسرور بها يمل عن نعمة، ويرغب في أخرى، فأخبر أن أهل الجنة لا يملون فيها، ولا يسأمون، ولهم فيها ما يشتهون، ولهم فيها ما يتخيرون.
وروي أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس؛ فقال: هي جنات الأعناب بالسّريانية.
وقال بعضهم: ما ذكرنا أنها سميت: [فردوساً] لكثرة أشجارها والتفافها.
وروي عن عبادة بن الصامت عن النبي أنه قال: "الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها درجة من فوقها يكون الفردوس، منها يتفجر أنهار الجنة الأربعة فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس" وقال القتبي: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ أي: تحولاً، وكذلك قال أبو عوسجة: هو من التحول، وقال: ﴿ نُزُلاً ﴾ ، قال: هذا من الطعام والشراب، وجميع النزل: أنزال، وجمع الفردوس: فراديس.
وقال القتبي: النزل: ما يقدم للضيف، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾ .
يشبه أن يكون هذا خرج مقابل قوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وجواباً لما ذكر فيه تبياناً لكل شيء، وتفصيل كل شي، فقالوا: كيف يحتمل هذا المقدار أن يكون فيه تبيان كل شيء وتفصيل كل شيء؟
فقال - عز وجل - عند ذلك جواباً لقولهم: إنه لو بسط ما أودع فيه من نحو المعاني والحكمة، وشرح ذلك فكتب بما ذكر لبلغ القدر الذي ذكر وازداد.
وقال الحسن: قوله: ﴿ لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ أي: لخلق ربي، أي: لو قال ما خلق وأملى: أني خلقت كذا، وخلقت كذا، فيكتب جميع ما خلق، لبلغ القدر الذي ذكر.
ويرجع تأويله إلى ما خلق من أصناف الخلق وأجناس الأشخاص.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ لبيان ما خلق ربي، فهو يرجع إلى الأول، وقال: فائدة ما ذكر هو أن يعرفوا أن خلائقه وما أنشأ، لمما يخرج عن الوقوع في الأوهام، فالذي أنشأ ذلك وخلقه أحرى أن يكون خارجاً عن الوقوع في الأوهام والتصور فيها.
والثاني: يعرفوا قدرته وسلطانه، وإحاطة علمه بالخلائق، وما أنشأ فيعلموا: أن من قدر على هذا فهو على البعث الذي أنكروا أقدر، ومن أحاط علمه بما ذكر فهو على الإحاطة بأفعالهم وأقوالهم أعلم وأعرف؛ ليكونوا على الحذر أبداً في كل وقت.
ثم يحتمل قوله: ﴿ لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾ حججه وآياته التي أقامها على وحدانيته وربوبيته، أي: لو كتب ذلك لبلغ ذلك الذي ذكر.
وإن كان المراد من الكلمات: القرآن، فالتأويل ما ذكرنا بدءاً: أنه كان خرج على الجواب والمقابلة لقول كان منهم، [وهو] ما قاله الحسن وأبو بكر إن كان كلماته خلقه أو البيان عن خلقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾ : هذا ليس على التحديد، ولكن على التعظيم والإبلاغ، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ﴾ دل هذا على أن قوله: ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾ ، أن ليس لذلك المدد حدّ ولا نهاية؛ ولكن ذكر على التعظيم له والإبلاغ.
وفيه دلالة أن ليس لما خلق الله من العلوم نهاية ولا غاية يدركها الخلائق، ولكن يؤخذ من كل جنس شيء، فيعمل به.
وفيه أن ليس الأمر بتعلم العلم، والمقصود منه العلم نفسه، ولكن المقصود منه العمل بما يعلم؛ إذ ليس للعلوم نهاية ولا يبلغ ذلك البشر، فدلّ أنّه كما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .
أمره أن يخبرهم أنه بشر مثلهم، ثم يكون لذلك الأمر وإخباره إياهم أنه بشر مثلهم، وجوه من المعنى: أحدها: أنهم كانوا يسألونه آيات خارجة عن وسع البشر وطوقهم، فأمره أن يخبرهم أنه بشر مثلهم، لا يقدر على ما يسألونه من الآيات التي تخرج عن وسع البشر وطوقهم، وليس لأحد التحكم على الله، والتخير عليه في شيء، إنما ذلك إلى الله إن شاء أنزل وإن شاء لم ينزل، وأنا لا أملك شيئاً من ذلك.
والثاني: ذكر هذا ليعرفوا أنه إذا جاء من الآيات التي لا يحتمل وسع البشر أن يأتوا بمثلها، أنه إنما أتى بذلك من عند الله لا من ذات نفسه؛ إذ علموا أن وسع البشر لا يحتمل ذلك، فلما أتاهم بذلك إنما أتى بها من عند الله وأنه رسول على ما يقول.
والثالث: أمره أن يقول لهم هذا: إنه بشر مثلهم؛ لئلا يحملهم فرط حبّهم على أن يتخذوه إلهاً ربّاً على ما اتخذ قوم عيسى عيسى إلهاً ربّاً؛ لفرط حبّهم إيّاه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ فإن كانت الآية في مشركي العرب - فهم ينكرون البعث ولا يرجونه لكنّه يكون ذكر لقاء ربه لهم؛ لأنهم عرفوا في أنفسهم قديم إحسان الله إليهم [و] نعمه عليهم، فأمروا أن يعملوا العمل الصالح ليستديموا بذلك الإحسان الذي كان من الله إليهم، فيحملهم العمل على التوحيد بالله والإقرار بالبعث.
وإن كانت الآية في المؤمنين، فيكون تأويله؛ ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ ﴾ ، أي: ثواب ربه ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾ ليثاب عليه؛ إذ الثواب إنما يكون للعمل الصالح دون غيره، وفيه ما ذكرنا أن المقصود من العلم العمل الصالح، والعلم مما ليس له نهاية فالأمر بطلب ما لا نهاية له ليس لنفسه ولكن للعمل به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ﴾ ، يحتمل: حقيقة الإشراك في العبادة والألوهية، على ما أشرك أولئك: أشركوا الأصنام والأوثان التي عبدوها في عبادته وألوهيته، ويحتمل: المراءاة في العمل الصالح، على ما يرائي بعض أهل التوحيد في بعض ما يعملون من الطاعة والخيرات، والله أعلم بالصواب.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قل -أيها الرسول-: إن كلمات ربي كثيرة، فلو كان البحر حِبْرًا لها تكتب به لانتهى ماء البحر قبل أن تنتهي كلماته سبحانه، ولو أتينا ببحور أخرى لنفدت أيضًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.8O64L"