الآية ١١ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١١ من سورة الكهف

فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًۭا ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 151 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ) أي : ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف ، فناموا سنين كثيرة )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) يعني جل ثناؤه بقوله: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ) : فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف : أي ألقينا عليهم النوم، كما يقول القائل لآخر: ضربك الله بالفالج، بمعنى ابتلاه الله به، وأرسله عليه.

وقوله: (سِنِينَ عَدَدًا) يعني سنين معدودة، ونصب العدد بقوله (فَضَرَبْنَا).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا عبارة عن إلقاء الله - تعالى - النوم عليهم .

وهذه من فصيحات القرآن التي أقرت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله .

قال الزجاج : أي منعناهم عن أن يسمعوا ; لأن النائم إذا سمع انتبه .

وقال ابن عباس : ضربنا على آذانهم بالنوم ; أي سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها .

[ ص: 326 ] وقيل : المعنى فضربنا على آذانهم أي فاستجبنا دعاءهم ، وصرفنا عنهم شر قومهم ، وأنمناهم .

والمعنى كله متقارب .

وقال قطرب : هذا كقول العرب ضرب الأمير على يد الرعية إذا منعهم الفساد ، وضرب السيد على يد عبده المأذون له في التجارة إذا منعه من التصرف .

قال الأسود بن يعفر وكان ضريرا :ومن الحوادث لا أبا لك أنني ضربت علي الأرض بالأسدادوأما تخصيص الآذان بالذكر فلأنها الجارحة التي منها عظم فساد النوم ، وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه ، ولا يستحكم نوم إلا من تعطل السمع .

ومن ذكر الأذن في النوم قوله - صلى الله عليه وسلم - : ذاك رجل بال الشيطان في أذنه خرجه الصحيح .

أشار - عليه السلام - إلى رجل طويل النوم ، لا يقوم الليل .

وعددا نعت للسنين ; أي معدودة ، والقصد به العبارة عن التكثير ; لأن القليل لا يحتاج إلى عدد لأنه قد عرف .

والعد المصدر ، والعدد اسم المعدود كالنفض والخبط .

وقال أبو عبيدة : عددا نصب على المصدر .

ثم قال قوم : بين الله - تعالى - عدد تلك السنين من بعد فقال : ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ } أي أنمناهم { سِنِينَ عَدَدًا } وهي ثلاث مائة سنة وتسع سنين، وفي النوم المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم وليكون آية بينة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فضربنا على آذانهم ) أي : أنمناهم وألقينا عليهم النوم .

وقيل : معناه منعنا نفوذ الأصوات إلى مسامعهم فإن النائم إذا سمع الصوت ينتبه ( في الكهف سنين عددا ) أي : أنمناهم سنين معدودة وذكر العدد على سبيل التأكيد وقيل : ذكره يدل على الكثرة فإن القليل لا يعد في العادة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فضربنا على آذانهم» أي أنمناهم «في الكهف سنين عددا» معدودة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فألقينا عليهم النوم العميق، فبقوا في الكهف سنين كثيرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما حدث لهؤلاء الفتية بعد أن لجأوا إلى الكهف ، وبعد أن دعوا الله بهذا الدعاء الشامل لكل خير .

فقال : ( فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف سِنِينَ عَدَداً ) .وأصل الضرب فى كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم ، بظاهر جسم آخر بشدة .يقال : ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها بشدة ، وتفرعت عن هذا المعنى معان أخرى ترجع إلى شدة اللصوق .والمراد بالضرب هنا النوم الطويل الذى غشاهم الله - تعالى - به فصاروا لا يحسون شيئا مما حولهم ، ومفعول ضربنا محذوف .والمعنى : بعد أن استقر هؤلاء الفتية فى الكهف ، وتضرعوا إلينا بهذا الدعاء العظيم ، ضربنا على آذانهم وهم فى الكهف حجابا ثقيلا مانعا من السماع ، فصاروا لا يسمعون شيئا يوقظهم ، واستمروا فى نومهم العميق هذا ( سنين ) ذات عدد كثير ، بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله : ( وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعاً ) .وخص - سبحانه - الآذان بالضرب ، مع أن مشاعرهم كلها كانت محجوبة عن اليقظة ، لأن الآذان هى الطريق الأول للتيقظ .

ولأنه لا يثقل النوم إلا عندما تتعطل وظيفة السمع ." وقد ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم عندما علم أن رجلا لا يستيقظ مبكرا أن قال فى شأنه : " ذلك رجل قد بال الشيطان فى أذنه " " أى : فمنعها من التبكير واليقظة قبل طلوع الشمس .والتعبير بالضرب - كما سبق أن أشرنا - للدلالة على قوة المباشرة ، وشدة اللصوق واللزوم ، ومنه قوله تعالى - ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة ) أى : التصقتا بهم التصاقا لا فكاك لهم منه ، ولا مهرب لهم عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها الرسول على سبيل الامتحان فقال تعالى: أم حسبت أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط، فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم يزين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان ثم يجعلها بعد ذلك صعيداً جرزاً خالية عن الكل كيف يستبعدون من قدرته وحفظه ورحمته حفظ طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم، هذا هو الوجه في تقرير النظم، والله أعلم.

المسألة الثانية: قد ذكرنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى  ﴾ وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحاً فقال كان النضر بن الحارث من شياطين قريش وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث رستم واسفنديار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلساً ذكر فيه الله وحدث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، وكان النضر يخلفه في مجلسه إذا قام، فقال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلموا فأنا أحدثكم بأحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ثم إن قريشاً بعثوه وبعثوا معه عتبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة وقالوا لهما سلوهم عن محمد وصفته وأخبروهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى قدما إلى المدينة فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمد فقال أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإن حديثهم عجب، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح وما هو؟

فإن أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقول، فلما قدم النضر وصاحبه مكة قالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد، وأخبروا بما قاله اليهود فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبركم بما سألتم عنه غداً» ولم يستثن، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة حتى أرجف أهل مكة به، وقالوا: وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة ليلة فشق عليه ذلك، ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبة الله إياه على حزنه عليهم، وفيها خبر أولئك الفتية، وخبر الرجل الطواف.

المسألة الثالثة: الكهف الغار الواسع في الجبل فإذا صغر فهو الغار، وفي الرقيم أقوال: الأول: روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كل القرآن اعلمه إلا أربعة غسلين وحنانا والأواه والرقيم.

الثاني: روى عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن الرقيم فقال زعم كعب أنها القرية التي خرجوا منها وهو قول السدي.

الثالث: قال سعيد بن جبير ومجاهد: الرقيم لوح من حجارة وقيل من رصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم وشد ذلك اللوح على باب الكهف، وهذا قول جميع أهل المعاني والعربية قالوا الرقيم الكتاب، والأصل فيه المرقوم، ثم نقل إلى فعيل، والرقم الكتابة، ومنه قوله تعالى: ﴿ كتاب مَّرْقُومٌ  ﴾ أي مكتوب، قال الفراء: الرقيم لوح كان فيه أسماؤهم وصفاتهم، ونظن أنه إنما سمي رقيماً لأن أسماءهم كانت مرقومة فيه، وقيل الناس رقموا حديثهم نقراً في جانب الجبل، وقوله: ﴿ كَانُواْ مِنْ ءاياتنا عَجَبًا ﴾ المراد أحسبت أن واقعتهم كانت عجيبة في أحوال مخلوقاتنا فلا تحسب ذلك فإن تلك الواقعة ليست عجيبة في جانب مخلوقاتنا، والعجب هاهنا مصدر سمي المفعول به، والتقدير كانوا معجوباً منهم، فسموا بالمصدر والمفعول به من هذا يستعمل باسم المصدر، ثم قال تعالى: ﴿ إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف ﴾ لا يجوز أن يكون إذ هنا متعلقاً بما قبله على تقدير أم حسبت إذ أوى الفتية لأنه كان بين النبي وبينهم مدة طويلة فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى الكهف بل يتعلق بمحذوف، والتقدير اذكر إذ أوى، ومعنى أوى الفتية في الكهف صاروا إليه وجعلوه مأواهم قال فقالوا: ﴿ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي رحمة من خزائن رحمتك وجلائل فضلك وإحسانك وهي الهداية بالمعرفة والصبر والرزق والأمن من الأعداء وقوله: ﴿ من لدنك ﴾ يدل على عظمة تلك الرحمة وهي التي تكون لائقة بفضل الله تعالى وواسع جوده ﴿ وهيئ لنا ﴾ أي أصلح من قولك هيأت الأمر فتهيأ: ﴿ مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ الرشد والرشاد نقيض الضلال وفي تفسير اللفظ وجهان.

الأول: التقدير وهيئ لنا أمراً ذا رشد حتى نكون بسببه راشدين مهتدين.

الثاني: اجعل أمرنا رشداً كله كقولك رأيت منك رشداً ثم قال تعالى: {فَضَرَبْنَا على ءاذَا <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَا عَلَى الأرض ﴾ يعني ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وحسن العمل: الزهد فيها وترك الاغترار بها، ثم زهد في الميل إليها بقوله ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا ﴾ من هذه الزينة ﴿ صَعِيداً جُرُزاً ﴾ يعني مثل أرض بيضاء لانبات فيها، بعد أن كانت خضراء معشبة، في إزالة بهجته، وإماطه حسنه، وإبطال ما به كان زينة: من إماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار، ونحو ذلك ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض مما خلق فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن، ثم قال ﴿ أَمْ حَسِبْتَ ﴾ يعني أن ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدّة طويلة.

والكهف: الغار الواسع في الجبل ﴿ والرقيم ﴾ اسم كلبهم.

قال أمية ابن أبي الصلت: وَلَيْسَ بِهَا إلاَّ الرَّقِيمُ مُجَاوِراً ** وَصِيدَهُمُ وَالْقَوْمُ في الْكَهْفِ هُمَّدُ وقيل: هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف.

وقيل: إن الناس رقموا حديثهم نقراً في الجبل.

وقيل: هو الوادي الذي فيه الكهف.

وقيل: الجبل.

وقيل: قريتهم.

وقيل: مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين ﴿ كَانُواْ ﴾ آية ﴿ عَجَبًا ﴾ من آياتنا وصفاً بالمصدر، أو على: ذات عجب ﴿ مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وَهَيّئ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رَشَدًا ﴾ حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشداً كله، كقولك: رأيت منك أسداً ﴿ فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ ﴾ أي ضربنا عليها حجاباً من أن تسمع، يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال: بنى على امرأته، يريدون: بنى عليها القبة ﴿ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ ذوات عدد، فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة؛ لأن الكثير قليل عنده، كقوله: ﴿ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ ﴾ [الأحقاف: 35] وقال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعدّ، وإذا كثر احتاج إلى أن يعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ ﴾ يَعْنِي فِتْيَةً مِن أشْرافِ الرُّومِ أرادَهم دِقْيانُوسُ عَلى الشِّرْكِ فَأبَوْا وهَرَبُوا إلى الكَهْفِ، ﴿ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾ تَوَجَّبْ لَنا المَغْفِرَةَ والرِّزْقَ والأمْنَ مِنَ العَدُوِّ.

﴿ وَهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا ﴾ مِنَ الأمْرِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِن مُفارَقَةِ الكُفّارِ.

﴿ رَشَدًا ﴾ نَصِيرُ بِسَبَبِهِ راشِدِينَ مُهْتَدِينَ، أوِ اجْعَلْ أمْرَنا كُلَّهُ رَشَدًا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا وأصْلُ التَّهْيِئَةِ إحْداثُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ.

﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ ﴾ أيْ ضَرَبْنا عَلَيْهِمْ حِجابًا يَمْنَعُ السَّماعَ بِمَعْنى أنَمْناهم إنامَةً لا تُنَبِّهُهم فِيها الأصْواتُ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمْ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ.

﴿ فِي الكَهْفِ سِنِينَ ﴾ ظَرْفانِ لِضَرَبْنا.

﴿ عَدَدًا ﴾ أيْ ذَواتِ عَدَدٍ، ووَصْفُ السِّنِينَ بِهِ يَحْتَمِلُ التَّكْثِيرَ والتَّقْلِيلَ، فَإنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ كَبَعْضِ يَوْمٍ عِنْدَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فضربنا على آذانهم فِى الكهف} أي ضربنا عليها حجاباً من النوم يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات فحدف المفعول الذي هو الحجاب {سِنِينَ عَدَدًا} ذوات عدد فهو صفة لسنين قال الزجاج أي تعد عدداً لكثرتها لأن القليل يعلم مقداره من غير عدد فإذا كثر عُدَّ فأما

دارهم معدودة فهي على القلة لأنهم كانوا يعدون القليل ويزنون الكثير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ ﴾ أيْ: ضَرَبْنا عَلَيْها حِجابًا يَمْنَعُ السَّماعَ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَما في قَوْلِهِمْ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ، والمُرادُ أنَمْناهم إنامَةً ثَقِيلَةً لا تُنَبِّهُهم فِيها الأصْواتُ، بِأنْ يُجْعَلَ الضَّرْبُ عَلى الآذانِ كِنايَةً عَنِ الإنامَةِ الثَّقِيلَةِ، وإنَّما صَلُحَ كِنايَةً لِأنَّ الصَّوْتَ والتَّنْبِيهَ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ إزالَةِ النَّوْمِ فَسَدُّ طَرِيقِهِ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْكامِهِ، وأمّا الضَّرْبُ عَلى العَيْنِ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِها أشَدَّ فَلا يَصْلُحُ كِنايَةً؛ إذْ لَيْسَ المُبْصَراتُ مِن طُرُقِ إزالَتِهِ حَتّى يَكُونَ سَدُّ الأبْصارِ كِنايَةً ولَوْ صَلُحَ كِنايَةً فَعَنِ ابْتِداءِ النَّوْمِ لا النَّوْمَةِ الثَّقِيلَةِ.

واعْتَرَضَ القُطْبُ جَعْلَهُ كِنايَةً عَمّا ذُكِرَ بِما لا يَخْفى رَدُّهُ وخَرَّجَ الآيَةَ عَلى الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: شَبَّهَ الإنامَةَ الثَّقِيلَةَ بِضَرْبِ الحِجابِ عَلى الآذانِ ثُمَّ ذَكَرَ ضَرَبْنا وأُرِيدَ: أنَمْنا وهو وجْهٌ فِيها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الضَّرْبَ عَلى الآذانِ عَلى تَعْطِيلِها كَما في قَوْلِهِمْ ضَرَبَ الأمِيرُ عَلى يَدِ الرَّعِيَّةِ، أيْ: مَنَعَهم عَنِ التَّصَرُّفِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَعْثِ لا يَدُلُّ عَلى إرادَةِ النَّوْمِ مَعَ أنَّهُ المُرادُ قَطْعًا.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُرادُ الحامِلِ التَّوَصُّلَ بِذَلِكَ إلى إرادَةِ الإنامَةِ فافْهَمْ.

والضَّرْبُ إمّا مِن ضَرَبْتُ القُفْلَ عَلى البابِ أوْ مِن ضَرَبْتُ الخِباءَ عَلى ساكِنِهِ، والفاءُ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ( فاسْتَجَبْنا لَهُ ) بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( إذْ نادى ) فَإنَّ الضَّرْبَ المَذْكُورَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْلِيبِ ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ والبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ اسْتِجابَةِ دُعائِهِمُ السّابِقِ ﴿ فِي الكَهْفِ ﴾ ظَرْفٌ لِضَرْبِنا وكَذا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سِنِينَ ﴾ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ تَغايَرا بِالمَكانِيَّةِ والزَّمانِيَّةِ ﴿ عَدَدًا ﴾ أيْ: ذَواتِ عَدَدٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِالتَّأْوِيلِ الشّائِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنى مَعْدُودَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: تَعَدَّ عَدَدًا، والعَدَدُ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ قَدْ يُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ لِأنَّ القَلِيلَ لا يَحْتاجُ إلى العَدِّ غالِبًا، وقَدْ يَذْكُرُ لِلتَّقْلِيلِ في مُقابَلَةِ ما لا يُحْصى كَثْرَةً، كَما يُقالُ: بِغَيْرِ حِسابٍ، وهو هُنا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ، والثّانِي هو الألْيَقُ بِمَقامِ إنْكارِ كَوْنِ القِصَّةِ عَجَبًا مِن بَيْنِ سائِرِ الآياتِ العَجِيبَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ وإنْ كَثُرَتْ في نَفْسِها فَهي كَبَعْضِ يَوْمٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ الكَثْرَةَ تُناسِبُ نَظَرًا إلى المُخاطَبِينَ، والقِلَّةَ تُناسِبُ نَظَرًا إلى المُخاطَبِ اه، وقَدْ خَفِيَ عَلى العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ أمْرُ هَذا الوَصْفِ وظَنَّ أنَّهُ لا يَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ وأنَّ التَّقْلِيلَ لا يُمْكِنُ هاهُنا وهو غَرِيبٌ مِن جَلالَةِ قَدْرِهِ ولَهُ في أمالِيهِ أمْثالُ ذَلِكَ.

ولِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ في ذَلِكَ كَلامٌ ذَكَرَهُ في الفَتاوى الحَدِيثِيَّةِ لا أظُنُّهُ شَيْئًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ، أي أنمناهم وألقينا عليهم النوم وقال الزجاج: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي: منعناهم أن يسمعوا، لأن النائم إذا سمع انتبه.

فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ويراد بذكر العدد التأكيد، لأن الكثير يحتاج أن يعد، وإنما صار نصباً لأنه مصدر.

قال ابن عباس في حديث أصحاب الكهف أنه قال: «إن مدينة كانت بالروم ظهر عليها ملك من الملوك يقال له دقيانوس، غلب على مدينتهم وأرضهم، وكانت المدينة تسمى أفسوس، فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان ويقتلهم على ذلك، فمن كفر بالله واتبع دينه تركه.

فهدى الله شاباً من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام، فجعل يدعوهم سراً حتى تابعه على ذلك سبعة أغلمة، ففطن لهم الملك، فأرسل إليهم وأخذهم ودفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من آبائهم.

فأَرسل إليهم فهربوا، فقالت آباؤهم: والله لقد خرجوا من عندنا بالأمس، فما ندري أَين هم.

فمروا بغلام راعٍ ومعه كلب له، فدعوه إلى أمرهم فأعجبه ذلك، فتابعهم عليه.

فمضى معهم واتبعه كلبه، حتى أَتوا غاراً، أي: كهفاً فدخلوا فيه.

ثم أرسلوا بعضهم إلى السوق، ليشتري لهم طعاماً من السوق، فركب الملك والناس معه في طلبهم وهم يسألون عنهم.

فسمع رسولهم بذلك، فعجَّل أن يشتري لهم كل الذي أرادوا.

فاشترى بعضه، وأتاهم فأخبرهم أن الملك والناس في طلبهم، فأكلوا ما أتاهم به ولم يشبعوا.

ثم ناموا على وجوههم، فضرب الله على آذانهم بالنوم سنين عدداً.

وسار الملك والناس معه، حتى انتهوا إلى باب الكهف، فوجدوا آثارهم داخلين ولم يجدوا آثارهم خارجين.

فدخلوا الكهف، فأعمى الله عليهم، فطلبوهم فلم يجدوا شيئاً.

فقال الملك: سدوا عليهم باب الكهف حتى يموتوا فيه، فيكون قبرهم إن كانوا فيه، ثم انصرف الملك والناس معه.

فعمد رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما إلى لوح من رصاص، فكتبا فيه أسماء الفتية وأسماء آبائهم ومدينتهم، وأنهم خرجوا فراراً من دقيانوس الملك الكافر.

فمن ظهر عليهم، يعلم بأنهم مسلمون، وأَلْزَقَاهُ في السد من داخل الكهف» .

وقال في رواية السدي، في قصة أصحاب الكهف: «كان في المدينة فتية ليس منهم أحد يعرف صاحبه، فخرج ملكهم مخرجاً له وخرج الفتية ومنهم واحد له كلب، وليس منهم أحد إلا وهو يقول في نفسه: إن رأيت أحداً استضعفت، دعوته إلى الإيمان بالله.

فلما رجع الناس، تخلف الفتية فاجتمعوا على باب المدينة، وقد أغلق الباب دونهم، فطلبوا أن يدخلوا فلم يفتح لهم.

فقال بعضهم: إني أسر إليكم أمراً، فإن تابعتموني عليه رشدتم.

فقص عليهم أمره، فقالوا جميعاً: نحن على هذا فذلك.

قوله عز وجل: إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية، فصاروا إلى الكهف فدخلوه ورقدوا فيه، ورقد الكلب بفناء الكهف، فضرب الله على آذانهم بالنوم.

فلما فقدهم أهلوهم، انطلقوا إلى الملك فأخبروه، فدعا بصخرة، فكتب فيها أسماءهم وكتب فيها أنهم هلكوا في زمن كذا، ثم ضربها في سور المدينة على الباب، وهو الرقيم.

وفي رواية وهب بن منبه قال: «جاء حواريّ من حواريي عيسى ابن مريم عليهما السلام إلى مدينة أَصحاب الكهف، فأَراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنماً لا يدخلها أحد إِلاَّ سجد له.

فكره أن يدخلها، وأتى حماماً كان قريباً من تلك المدينة، فكان يعمل فيه يعني: أنه أجّرَ نفسه من صاحب الحمام، فرأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ودر عليه الرزق، واجتمع إليه فتية من أهل المدينة، فكان يخبرهم بخبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه.

وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، فكانوا في ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فماتا في الحمام جميعاً.

فأتي الملك، فقيل له: صاحب الحمام قتل ابنك: فالتمسه، فلم يقدر عليه.

فقال: من كان يصحبه؟

فسموا الفتية، فالتمسوهم فخرجوا من المدينة.

فمروا بصاحب لهم في زرع له، وكان على مثل أمرهم، فذكروا له أنهم التمسوا.

فانطلق معهم ومعه الكلب، حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوه وقالوا: نبيت هاهنا الليلة، ثم نصبح إن شاء الله، فترون رأيكم.

فضرب على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوا آثارهم وقد دخلوا الكهف، فلما أراد رجل منهم أن يدخل الكهف، أرعب فلم يطق أحد أن يدخل عليهم، فقال له قائل: ألست لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟

فسد عليهم باب الكهف ودعهم حتى يموتوا عطشاً وجوعاً، ففعل ذلك.

ثم إن راعياً احتاج أن يبني حظيرة لغنمه، فهدم ذلك السد وبنى عليه لغنمه، فصار باب الكهف مفتوحاً.

وكلما غزا ملك تلك المدينة فظهر عليها، أظهر علامته.

إن كان مسلماً أظهر علامة المسلمين، وإن كان كافراً أظهر علامة المشركين.

ثم مات دقيانوس، وملك ملك آخر مسلم، فأظهر علامة المؤمنين بالمدينة، وكان يقال له: ستفاد الملك.

ثم إن أصحاب الملك استيقظوا بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فنظر واحد منهم إلى الشمس وقد دنت إلى الغروب ويقال: عند زوال الشمس، فقال: كَمْ لَبِثْتُمْ؟

قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

فقال كبيرهم: لا تختلفوا، فإنه لم يختلف قوم إلا هلكوا.

ثم قال: الآخرون: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً [الكهف: 19] ، أي أحلّ وأطهر، لأنهم كانوا يذبحون الخنازير.

فدفعوا الدراهم إلى رجل يقال له تمليخا.

فخرج تملينا، فلما انتهى إلى باب الكهف، رأى حجارة مكسرة على بابه فقال: إن هذا شيء ما رأيناه بالأمس.

فلما خرج أنكر الطريق، فدنا إلى باب المدينة فلم يعرفها.

فلما دخل المدينة لم يعرف أحداً من الناس، فأشكل عليه فقال: لعل هذه غير تلك المدينة.

فسأل إنساناً، فقال: أي مدينة هذه؟

فقال: أقسوس.

فقال: لقد أصابني شر أو تغير عقلي، فهذه مدينتنا ولا أعرفها، ولا أعرف أحداً من أهلها.

فأخرج الدراهم، وجاء إلى الخباز ودفعها إليه.

فأخذ الخباز الدراهم فأنكرها، وقال: من أين لك هذه الدراهم؟

لقد وجدت كنزاً لتخبرني وإلا رفعتك إلى الملك.

وكان كل ملك يحدث بعد آخر، تضرب دراهم على سكته وختمه، فمن وجد معه دراهم غير تلك الدراهم، علم أنه كنز.

فلما وجدوا معه تلك الدراهم، قالوا: هذا كنز.

فقال: هذه الدراهم ما أخرجت من المدينة إلا أمس.

فظن الخباز أنه يتجانن عليه ليرسله، فقال له: لقد علمت أنك تتجانن علي، لا أرسلك حتى تعطيني من هذا الكنز، وإلا رفعتك إلى الملك.

فاجتمع الناس عليه وذهبوا به إلى الملك، فجعل تمليخا يبكي خوفاً من الملك، وأن يرفع إلى ملكهم الجبار الذي فرّ منه.

فلما أدخل على غيره سكن، فقال له الملك: من أين لك هذه الدراهم؟

فقال: خرجت بها عشية أمس أنا وأصحاب لي فراراً من دقيانوس الملك.

فقال: إنك رجل شاب، وذلك الملك قد مضى عليه دهر طويل، فما أنا بالذي أرسلك، حتى تخبرني من أين لك هذه الدراهم؟

فقص عليه أمره وأمر أصحابه، فقال أُنَاسٌ من المسلمين قد أخبروا بقصتهم: أن آباءنا أخبرونا أن فتية قد خرجوا بدينهم وهم مسلمون فراراً من دقيانوس الملك، وإنا والله لا ندري ولعله صادق، فاركب وانظر لعله شيء أراد الله أن يظهرك عليه، أو يكون في ولايتك.

فركب الملك وركب معه الناس، المسلم والكافر، حتى انتهوا إلى الكهف.

فلما رأى أصحابه الناس قد انتهوا إليهم، عانق بعضهم بعضاً يبكون ولا يشكون، إلا أنه الملك الجبار الكافر.

فقال لهم تمليخا: امكثوا حتى أدخل أولاً، فدخل عليهم، فأخبرهم بالقصة» .

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: «دخل عليهم الملك والناس، فسألوهم عن أمرهم، فقصوا عليهم قصتهم، فنظروا فإذا اللوح الرصاص الذي كتبه المسلمان فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم، فقال الملك: هم قوم هلكوا في زمن دقيانوس، وأحياهم الله في زماني، فلم يبق أحد من الكفار مع الملك إلا أسلموا كلهم إذا رأوهم.

فبينما هم يتحدثون، إذ ماتوا كلهم» .

وقال في رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «إن القوم لما انتهوا إلى الكهف، قال لهم الفتى: مكانكم حتى أدخل على أصحابي، لا تهجموا عليهم فيفزعوا منكم.

فدخل فعمي عليهم المكان، فلم يدروا أين ذهب، ولم يقدروا على الدخول عليهم، فقالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً، فجعلوا عليهم مسجداً وصاروا يصلون فيه، فذلك قوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْناهُمْ، أي: أيقظناهم.

لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ، يعني: أي الفريقين المسلم والكافر أَحْصى، أي أحفظ.

لِما لَبِثُوا أَمَداً، يعني: لما مكثوا أجلاً.

وكان المسلمان كتبا في اللوح، فظهر لهم مقدار ما لبثوا فيه، ولم يعلم الكفار مقدار ذلك ويقال: أَيُّ الْحِزْبَيْنِ، يعني: الذين كانوا مؤمنين قبل ذلك، والذين أسلموا في ذلك الوقت، ويقال: أي الفريقين أصدق قولاً، لأنهم قد اختلفوا في البعث: منهم من كان ينكر ذلك، فظهر لهم أن البعث حق.

قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ، أي ننزل عليك في القرآن خبر الفتية بِالْحَقِّ، أي بالصدق.

إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، أي صدقوا بتوحيد ربهم.

وَزِدْناهُمْ هُدىً، أي يقيناً وبصيرة في أمر دينهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الغار، وإِنهم دفنوا ذلك في بِنَاءِ الملِك على الغار، وروت فرقة، أن المَلِك لما علم بذَهَاب الفتية، أَمَرَ بقَصِّ آثارهم إِلى باب الغار، وأمر بالدخول عليهم، فهَابَ الرجالُ ذلك، فقال له بعضُ وزرائه: «أَلَسْتَ أيها المَلِكُ إِن أخرجتَهم قتلَتهم؟

قال: نعم، قال: فأيُّ قِتْلة أبلغُ من الجُوع والعَطَش، ابن عليهم باب الغارِ، ودعْهم يموتوا فيه، ففعل، وقد ضَرَبَ اللَّه على آذانهم كما تقدَّم، ثم أخبر اللَّه سبحانه عن الفتْيَة أنهم لما أَوَوْا إِلى الكَهْف، أي: دخلوه وجعلوه مأوًى لهم وموضعَ اعتصام دَعَوُا اللَّه تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمةً، وهي الرْزقُ فيما ذكره المفسِّرون، وأن يهيِّىء لهم من أمرهم رَشَدَاً خلاصاً جميلاً، وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، وألفاظهم تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقةٍ من رَشَدِ الآخرة ورحمتها، وينبغي لكُلِّ مؤمن أنْ يجعَلَ دعاءه في أمر دنياه بهذه الآية الكريمة فقطْ فإنها كافية، ويحتمل ذكر الرحمة أن يراد بها أمر الآخرة.

وقوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ ...

الآية: عبارةٌ عن إلقاء اللَّه تعالى النَوْمَ عليهم.

وقوله: عَدَداً نعت ل «السنين» والقصد به العبارة عن التكثير.

وقوله: لِنَعْلَمَ: عبارة عن خروج ذلك الشيءِ إِلى الوجود، أي: لنعلم ذلك موجوداً وإِلا فقد كان سبحانه علم أيَّ الحزبَيْن أحْصَى الأمَدَ، و «الحْزَبان» : الفريقان، والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية، إِذ ظنوا لبثهم قليلاً، والحزب الثاني هم أهْل المدينة الذين بعث الفتية على/ عَهْدهم حين كان عنْدَهم التاريخُ بأمْر الفتية، وهذا قولُ الجمهور من المفسِّرين، وأما قوله: أَحْصى فالظاهر الجيد فيه أنّه فعل ماض، وأَمَداً منصوبٌ به على المفعول، «والأمد» : الغاية، ويأتي عبارةً عن المدَّة، وقال الزَّجَّاج:

أَحْصى هو «أفْعَل» ، ويعترض بأن «أَفْعَل» لا يكون من فعل رباعيّ إلا في «١» الشاذّ،

وأَحْصى: فعلٌ رباعيٌّ ويحتجُّ لقول الزَّجَّاج بأن «أفْعَل» من الرباعيّ قد كثر كقولك: ما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ ﴾ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ قَدْ ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿ أمْ حَسِبْتَ ﴾ : أحَسِبْتَ.

فَأمّا " الكَهْفُ " فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هو المَغارَةُ في الجَبَلِ، إلّا أنَّهُ واسِعٌ، فَإذا صَغُرَ فَهو غارٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الكَهْفُ بِمَنزِلَةِ الغارِ في الجَبَلِ.

فَأمّا الرَّقِيمُ فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْحٌ مِن رُصاصٍ كانَتْ فِيهِ أسْماءُ الفِتْيَةِ مَكْتُوبَةً، لِيَعْلَمَ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ ما قِصَّتُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.

وقالَ السُّدِّيُّ: الرَّقِيمُ: صَخْرَةٌ كُتِبَ فِيها أسْماءُ الفِتْيَةِ، وجُعِلَتْ في سُورِ المَدِينَةِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: الرَّقِيمُ: كِتابٌ كَتَبَهُ رَجُلانِ صالِحانِ، وكانا يَكْتُمانِ إيمانَهُما مِنَ المَلِكَ الَّذِي فَرَّ مِنهُ الفِتْيَةُ، كَتَبا أمْرَ الفِتْيَةِ في لَوْحٍ مِن رَصاصٍ، ثُمَّ جَعَلاهُ في تابُوتٍ مِن نُحاسٍ، ثُمَّ جَعَلاهُ في البِناءِ الَّذِي سَدُّوا بِهِ بابَ الكَهْفِ، فَقالا: لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُطْلِعَ عَلى هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ أحَدًا، فَيَعْلَمُونَ أمْرَهم إذا قَرَؤُوا الكِتابَ.

وقالَ الفَرّاءُ: كُتِبَ في اللَّوْحِ أسْماؤُهُمْ، وأنْسابُهُمْ، ودِينُهُمْ، ومِمَّنْ كانُوا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّقِيمُ: الكِتابُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ومِنهُ: كِتابٌ مَرْقُومٌ؛ أيْ: مَكْتُوبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، قالَهُ كَعْبٌ.

والثّالِثُ: اسْمُ الجَبَلِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطِيَّةُ.

والرّابِعُ: أنَّ الرَّقِيمَ: الدَّواةُ، بِلِسانِ الرُّومِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.

والخامِسُ: اسْمُ الكَلْبِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والسّادِسُ: اسْمُ الوادِي الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أحَسِبْتَ أنَّهم كانُوا أعْجَبَ آَياتِنا ؟

قَدْ كانَ في آَياتِنا ما هو أعْجَبُ مِنهُمْ، فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما أعْجَبُ مِن قِصَّتِهِمْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِي آَتَيْتُكَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والعِلْمِ أفْضَلُ مِن شَأْنِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ أوى الفِتْيَةُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى أوَوْا إلَيْهِ: صارُوا إلَيْهِ وجَعَلُوهُ مَأْواهم.

والفِتْيَةُ: جَمَعُ فَتًى، مِثْلُ غُلامٍ وغِلْمَةٍ، وصَبِيٍّ وصِبْيَةٍ، و( فِعْلَةٍ ) مِن أسْماءِ الجَمْعِ، ولَيْسَ بِبِناءٍ يُقاسُ عَلَيْهِ، لا يَجُوزُ غُرابٌ وغِرْبَةٌ، ولا غَنِيٌّ وغِنْيَةٌ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الفِتْيَةُ: بِمَعْنى الشُّبّانِ.

وقَدْ ذَكَرْنا عَنِ القُتَيْبِيِّ أنَّ الفَتى بِمَعْنى: الكامِلِ مِنَ الرِّجالِ، وبَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِكَ، ﴿ رَحْمَةً ﴾ ؛ أيْ: رِزْقًا، ﴿ وَهَيِّئْ لَنا ﴾ ؛ أيْ: أصْلِحْ لَنا، ﴿ مِن أمْرِنا رَشَدًا ﴾ ؛ أيْ: أرْشِدْنا إلى ما يُقَرِّبُنا مِنكَ.

والمَعْنى: هَيِّئَ لَنا مِن أمْرِنا ما نُصِيبُ بِهِ الرُّشْدَ.

والرُّشْدُ، والرَّشْدُ، والرَّشادُ: نَقِيضُ الضَّلالِ.

تَلْخِيصُ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ.

اخْتَلَفَ العُلَماءُ في بُدُوِّ أمْرِهِمْ وسَبَبِ مَصِيرِهِمْ إلى الكَهْفِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم هَرَبُوا لَيْلًا مِن مَلِكِهِمْ حِينَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، فَمَرُّوا بِراعٍ لَهُ كَلْبٌ، فَتَبِعَهم عَلى دِينِهِمْ، فَأوَوْا إلى الكَهْفِ يَتَعَبَّدُونَ، ورَجُلٌ مِنهم يَبْتاعُ لَهم أرْزاقَهم مِنَ المَدِينَةِ، إلى أنْ جاءَهم يَوْمًا فَأخْبَرَهم أنَّهم قَدْ ذُكِرُوا، فَبَكَوْا وتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الفِتْنَةِ، فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آَذانِهِمْ، وأمَرَ المَلِكَ فَسَدَّ عَلَيْهِمُ الكَهْفَ وهو يَظُنُّهم أيْقاظًا، وقَدْ تَوَفّى اللَّهُ أرْواحَهم وفاةَ النَّوْمِ، وكَلْبُهم قَدْ غَشِيَهُ ما غَشِيَهم.

ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ يَكْتُمانِ إيمانَهُما كَتَبا أسْماءَهم وأنْسابَهم وخَبَرَهم في لَوْحٍ مِن رَصاصٍ، وجَعَلاهُ في تابُوتٍ مِن نُحاسٍ في البُنْيانِ، وقالا: لَعَلَّ اللَّهَ يُطْلِعُ عَلَيْهِمْ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ فَيَعْلَمُونَ خَبَرَهُمْ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: فَقَدَهم قَوْمُهم فَطَلَبُوهُمْ، فَعَمى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَهُمْ، فَكَتَبُوا أسْماءَهم وأنْسابَهم في لَوْحٍ: فُلانٌ وفُلانٌ أبْناءُ مُلُوكِنا فَقَدْناهم في شَهْرِ كَذا، في سَنَةِ كَذا، في مَمْلَكَةِ فُلانٍ، ووَضَعُوا اللَّوْحَ في خَزانَةِ المَلِكَ، وقالُوا: لَيَكُونَنَّ لِهَذا شَأْنٌ.

والثّانِي: أنَّ أحَدَ الحَوارِيِّينَ جاءَ إلى مَدِينَةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَأرادَ أنْ يَدْخُلَها، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ عَلى بابِها صَنَمًا لا يَدْخُلُها أحَدٌ إلّا سَجَدَ لَهُ، فَكَرِهَ أنْ يَدْخُلَها، فَأتى حَمّامًا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ، فَكانَ يَعْمَلُ فِيهِ بِالأجْرِ، وعَلَّقَهُ فِتْيَةٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فَجَعَلَ يُخْبِرُهم عَنْ خَبَرِ السَّماءِ والأرْضِ وخَبَرِ الآَخِرَةِ، فَآَمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، حَتّى جاءَ ابْنُ المَلِكَ يَوْمًا بِامْرَأةٍ فَدَخَلَ مَعَها الحَمّامَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ الحَوارِيُّ ذَلِكَ، فَسَبَّهُ ودَخَلَ، فَماتَ وماتَتِ المَرْأةُ في الحَمّامِ، فَأتى المَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ صاحِبَ الحَمّامِ قَتَلَ ابْنَكَ، فالتُمِسَ فَهَرَبَ، فَقالَ: مَن كانَ يَصْحَبُهُ ؟

فَسُمِّيَ لَهُ الفِتْيَةُ، فالتُمِسُوا فَخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فَمَرُّوا عَلى صاحِبٍ لَهم في زَرْعٍ وهو عَلى مِثْلِ أمْرِهِمْ، فانْطَلَقَ مَعَهم ومَعَهُ كَلْبٌ حَتّى آَواهُمُ اللَّيْلُ إلى الكَهْفِ، فَدَخَلُوهُ فَقالُوا: نَبِيتُ هاهُنا، ثُمَّ نُصْبِحُ إنْ شاءَ اللَّهُ فَتَرَوْنَ رَأْيَكُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى آَذانِهِمْ فَنامُوا، وخَرَجَ المَلِكُ وأصْحابُهُ يَتْبَعُونَهُمْ، فَوَجَدُوهم قَدْ دَخَلُوا الكَهْفَ، فَكُلَّما أرادَ رَجُلٌ أنْ يَدْخُلَ [ الكَهْفَ ] أُرْعِبَ، فَقالَ قائِلٌ لِلْمَلِكَ: ألَيْسَ قُلْتَ: إنْ قَدِرْتُ عَلَيْهِمْ قَتَلْتُهم ؟

قالَ: بَلى.

قالَ: فابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الكَهْفِ حَتّى يَمُوتُوا جُوعًا وعَطَشًا، فَفَعَلَ، هَذا قَوْلُ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا أبْناءَ عُظَماءِ المَدِينَةِ وأشْرافِهُمْ، خَرَجُوا فاجْتَمَعُوا وراءَ المَدِينَةِ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ، هو أسَنُّهُمْ: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أحَدًا يَجِدُهُ، فَقالُوا: ما تَجِدُ ؟

قالَ: أجِدُ في نَفْسِي أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، فَقامُوا جَمِيعًا فَقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، فَأجْمَعُوا أنْ يَدْخُلُوا الكَهْفَ، فَدَخَلُوا فَلَبِثُوا ما شاءَ اللَّهُ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وقالَ قَتادَةُ: كانُوا أبْناءَ مُلُوكِ الرُّومِ، فَتَفَرَّدُوا بِدِينِهِمْ في الكَهْفِ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى آَذانِهِمْ.

* فَصْلٌ فَأمّا سَبَبُ بَعْثِ أصْحابِ الكَهْفِ مِن نَوْمِهِمْ، فَقالَ عِكْرِمَةُ: جاءَتْ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ وكانَ مِلِكُهم مُسْلِمًا، فاخْتَلَفُوا في الرُّوحِ والجَسَدِ، فَقالَ قائِلٌ: يَبْعَثُ الرُّوحَ والجَسَدَ.

وقالَ قائِلٌ: يَبْعَثُ الرُّوحَ وحْدَهُ، والجَسَدَ تَأْكُلُهُ الأرْضُ فَلا يَكُونُ شَيْئًا؛ فَشَقَّ اخْتِلافُهم عَلى المَلِكِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ المُسُوحَ وقَعَدَ عَلى الرَّمادِ، ودَعا اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ لَهم آَيَةً تُبَيِّنُ لَهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ أصْحابَ الكَهْفِ.

وقالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جاءَ راعٍ قَدْ أدْرَكَهُ المَطَرُ إلى الكَهْفِ، فَقالَ: لَوْ فَتَحْتَ هَذا الكَهْفَ وأدْخَلْتَهُ غَنَمِي مِنَ المَطَرِ، فَلَمْ يَزَلْ يُعالِجُهُ حَتّى فَتَحَهُ، ورَدَّ اللَّهُ إلَيْهِمْ أرْواحَهم حِينَ أصْبَحُوا مِنَ الغَدِ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: احْتاجَ صاحِبُ الأرْضِ الَّتِي فِيها الكَهْفُ أنْ يَبْنِيَ حَظِيرَةً لِغَنَمِهِ، فَهَدَمَ ذَلِكَ السَّدَّ، فَبَنى بِهِ، فانْفَتَحَ بابُ الكَهْفِ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: ألْقى اللَّهُ في نَفْسِ رَجُلٍ مِن أهْلِ البَلَدِ أنْ يَهْدِمَ ذَلِكَ البُنْيانَ فَيَبْنِيَ بِهِ حَظِيرَةً لِغَنَمِهِ، فاسْتَأْجَرَ عامِلَيْنِ يَنْزِعانِ تِلْكَ الحِجارَةَ، فَنَزَعاها وفَتَحا بابَ الكَهْفِ، فَجَلَسُوا فَرِحِينَ، فَسَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ لا يَرَوْنَ في وُجُوهِهِمْ ولا أجْسادِهِمْ شَيْئًا يُكْرَهُونَهُ، إنَّما هم عَلى هَيْئَتِهِمْ حِينَ رَقَدُوا، وهم يَرَوْنَ أنَّ مَلِكَهم في طَلَبِهِمْ، فَصَلُّوا، وقالُوا لِيَمْلِيخا صاحِبِ نَفَقَتِهِمُ: انْطَلِقْ فاسْتَمِعْ ما نُذْكَرُ بِهِ، وابْتَغِ لَنا طَعامًا، فَوَضَعَ ثِيابَهُ وأخَذَ الثِّيابَ الَّتِي كانَ يَتَنَكَّرُ فِيها وخَرَجَ، فَرَأى الحِجارَةَ قَدْ نُزِعَتْ عَنْ بابِ الكَهْفِ فَعَجِبَ، ثُمَّ مَرَّ مُسْتَخْفِيًا مُتَخَوِّفًا أنْ يَراهُ أحَدٌ فَيَذْهَبُ بِهِ إلى المَلِكَ، فَلَمّا رَأى بابَ المَدِينَةِ رَأى عَلَيْهِ عَلامَةً تَكُونُ لِأهْلِ الإيمانِ فَعَجِبَ، وخُيِّلَ إلَيْهِ أنَّها لَيْسَتْ بِالمَدِينَةِ الَّتِي يَعْرِفُ، ورَأى ناسًا لا يَعْرِفُهُمْ، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ ويَقُولُ: لَعَلِّيٌّ نائِمٌ، فَلَمّا دَخَلَها رَأى قَوْمًا يَحْلِفُونَ باسِمِ عِيسى، فَقامَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى جِدارٍ وقالَ في نَفْسِهِ: واللَّهِ ما أدْرِي ما هَذا، عَشِيَّةَ أمْسٍ لَمْ يَكُنْ عَلى [ وجْهِ ] الأرْضِ مَن يَذْكُرُ عِيسى إلّا قُتِلَ، واليَوْمَ أسْمَعُهم يَذْكُرُونَهُ، لَعَلَّ هَذِهِ لَيْسَتِ المَدِينَةَ الَّتِي أعْرِفُ، واللَّهِ ما أعْرِفُ مَدِينَةً قُرْبَ مَدِينَتِنا، فَقامَ كالحَيْرانِ، وأخْرَجَ ورَقًا فَأعْطاهُ رَجُلًا وقالَ: بِعْنِي طَعامًا، فَنَظَرَ الرَّجُلُ إلى نَقْشِهِ فَعَجِبَ، ثُمَّ ألْقاهُ إلى آَخَرَ، فَجَعَلُوا يَتَطارَحُونَهُ بَيْنَهم ويَتَعَجَّبُونَ ويَتَشاوَرُونَ، وقالُوا: إنَّ هَذا قَدْ أصابَ كَنْزًا، فَفَرَّقَ مِنهم وظَنَّهم قَدْ عَرَفُوهُ، فَقالَ: أمْسِكُوا طَعامَكم فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ، فَقالُوا لَهُ: مَن أنْتَ يا فَتى ؟

واللَّهِ لَقَدْ وجَدَتْ كَنْزًا وأنْتَ تُرِيدُ أنْ تُخْفِيَهُ، شارِكْنا فِيهِ وإلّا أتَيْنا بِكَ إلى السُّلْطانِ فَيَقْتُلُكَ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُ، فَطَرَحُوا كِساءَهُ في عُنُقِهِ وهو يَبْكِي ويَقُولُ: فُرِّقَ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي، يا لَيْتَهم يَعْلَمُونَ ما لَقِيتُ، فَأتَوْا بِهِ إلى رَجُلَيْنِ كانا يُدَبِّرانِ أمْرَ المَدِينَةِ، فَقالا: أيْنَ الكَنْزُ الَّذِي وجَدْتَ ؟

قالَ: ما وجَدْتُ كَنْزًا، ولَكِنَّ هَذِهِ ورِقُ آَبائِي ونَقْشُ هَذِهِ المَدِينَةِ وضَرْبُها، ولَكِنْ واللَّهِ ما أدْرِي ما شَأْنِي، ولا ما أقُولُ لَكم.

قالَ مُجاهِدٌ: وكانَ ورِقُ أصْحابِ الكَهْفِ مِثْلَ أخْفافِ الإبِلِ، فَقالُوا: مَن أنْتَ، وما اسْمُ أبِيكَ ؟

فَأخْبَرَهُمْ، فَلَمْ يَجِدُوا مَن يَعْرِفُهُ، فَقالَ لَهُ أحَدُهُما: أتُظَنُّ أنَّكَ تَسْخَرُ مِنّا وخَزائِنُ هَذِهِ البَلْدَةِ بِأيْدِينا، ولَيْسَ عِنْدَنا مِن هَذا الضَّرْبِ دِرْهَمٌ ولا دِينارٌ ؟

إنِّي سَآَمُرُ بِكَ فَتُعَذَّبَ عَذابًا شَدِيدًا، ثُمَّ أُوثِقُكَ حَتّى تَعْتَرِفَ بِهَذا الكَنْزِ، فَقالَ يَمْلِيخا: أنْبِئُونِي عَنْ شَيْءٍ أسَألُكم عَنْهُ، فَإنْ فَعَلْتُمْ صَدَّقْتُكُمْ، قالُوا: سَلْ، قالَ: ما فَعَلَ المَلِكُ دِقْيانُوسُ ؟

قالُوا: لا نَعْرِفُ اليَوْمَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مَلِكًا يُسَمّى دِقْيانُوسَ، وإنَّما هَذا مَلِكٌ كانَ مُنْذُ زَمانٍ طَوِيلٍ وهَلَكَتْ بَعْدَهُ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ، فَقالَ: واللَّهِ ما يُصَدِّقُنِي أحَدٌ بِما أقَوْلُهُ، لَقَدْ كُنّا فِتْيَةً، وأكْرَهَنا المَلِكُ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ والذَّبْحِ لِلطَّواغِيتِ، فَهَرَبْنا مِنهُ عَشِيَّةَ أمْسٍ فَنِمْنا، فَلَمّا انْتَبَهْنا خَرَجْتُ أشْتَرِي لِأصْحابِي طَعامًا، فَإذا أنا كَما تَرَوْنَ، فانْطَلِقُوا مَعِي إلى الكَهْفِ أُرِيكم أصْحابِي، فانْطَلَقُوا مَعَهُ وسائِرُ أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ أصْحابُهُ قَدْ ظَنُّوا لِإبْطائِهِ عَلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ أُخِذَ، فَبَيْنَما هم يَتَخَوَّفُونَ ذَلِكَ إذْ سَمِعُوا الأصْواتَ وجَلَبَةَ الخَيْلِ، فَظَنُّوا أنَّهم رُسُلُ دِقْيانُوسَ، فَقامُوا إلى الصَّلاةِ وسَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَسَبَقَ يَمْلِيخا إلَيْهِمْ وهو يَبْكِي، فَبَكَوْا مَعَهُ وسَألُوهُ عَنْ شَأْنِهِ، فَأخْبَرَهم خَبَرَهُ وقَصَّ عَلَيْهِمُ النَّبَأ كُلَّهُ، فَعَرَفُوا أنَّهم كانُوا نِيامًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما أُوقِظُوا لِيَكُونُوا آَيَةً لِلنّاسِ وتَصْدِيقًا لِلْبَعْثِ، ونَظَرَ النّاسُ في المَسْطُورِ الَّذِي فِيهِ أسْماؤُهم وقِصَّتُهم فَعَجِبُوا، وأرْسَلُوا إلى مَلِكِهِمْ فَجاءَ واعْتَنَقَ القَوْمَ وبَكى، فَقالُوا لَهُ: نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ ونَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، حَفِظَكَ اللَّهُ، وحَفِظَ مُلْكَكَ، فَبَيْنا المَلِكُ قائِمٌ، رَجَعُوا إلى مَضاجِعِهِمْ وتَوَفّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْفُسَهُمْ، فَأمَرَ المَلِكُ أنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم تابُوتًا مِن ذَهَبٍ، فَلَّما أمْسَوْا رَآَهم في المَنامِ، فَقالُوا: إنّا لَمْ نُخْلَقْ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، ولَكِنْ خُلِقْنا مِن تُرابٍ، فاتْرُكْنا كَما كُنّا في الكَهْفِ عَلى التُّرابِ حَتّى يَبْعَثَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنهُ، وحَجَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ حِينَ خَرَجُوا مِن عِنْدِهِمْ بِالرُّعْبِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ، وأمْرَ المَلِكُ فَجُعِلَ عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدٌ يُصَلّى فِيهِ، وجَعَلَ لَهم عِيدًا عَظِيمًا يُؤْتى كُلَّ سَنَةٍ.

وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا جاءَ يَمْلِيخا ومَعَهُ النّاسُ، قالَ: دَعُونِي أدْخُلْ إلى أصْحابِي فَأُبَشِّرُهُمْ، فَإنَّهم إنْ رَأوْكم مَعِي أرْعَبْتُمُوهُمْ، فَدَخَلَ فَبَشَّرَهُمْ، وقَبَضَ اللَّهُ رَوْحَهُ وأرْواحَهُمْ، فَدَخْلَ النّاسُ، فَإذا أجْسادٌ لا يُنَكِرُونَ مِنها شَيْئًا غَيْرَ أنَّها لا أرْواحَ فِيها، فَقالَ المَلِكَ: هَذِهِ آَيَةٌ بَعَثَها اللَّهُ لَكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَمْناهم ومَنَعْناهُمُ السَّمْعَ؛ لِأنَّ النّائِمَ إذا سَمِعَ انْتَبَهَ.

و ﴿ عَدَدًا ﴾ مَنصُوبٌ عَلى ضَرْبَيْنِ.

أحَدُهُما: عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: تَعُدُّ عَدَدًا.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلسِّنِينَ، المَعْنى: سِنِينَ ذاتِ عَدَدٍ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ العَدَدِ في الشَّيْءِ المَعْدُودِ، تَوْكِيدُ كَثْرَةِ الشَّيْءِ؛ لِأنَّهُ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُهُ، وإذا كَثُرَ احْتِيجَ إلى أنْ يَعُدَّ العَدَدَ الكَثِيرَ.

﴿ ثُمَّ بَعَثْناهُمْ ﴾ مِن نَوْمِهِمْ، يُقالُ لِكُلِّ مَن خَرَجَ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ أوْ مِنَ النَّوْمِ إلى الِانْتِباهِ: مَبْعُوثٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ زالَ عَنْهُ ما كانَ يَحْبِسُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ والِانْبِعاثِ.

وقِيلَ: مَعْنى ﴿ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ : أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيها شُهُورٌ ولا أيّامٌ، إنَّما هي كامِلَةٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: " أيْ ": لِنَرى.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لِتَعْلَمُوا أنْتُمْ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ، والنَّخَعِيُّ: ( لِيَعْلَمَ ) بِضَمِّ الياءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ " أيُّ الحِزْبَيْنِ "، ويَعْنِي بِالحِزْبَيْنِ: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ مَن قَوْمِ أصْحابِ الكَهْفِ.

﴿ أحْصى لِما لَبِثُوا ﴾ ؛ أيْ: لِنَعْلَمَ أهَؤُلاءِ أحْصى لِلْأمَدِ أوْ هَؤُلاءِ، فَكَأنَّهُ وقَعَ بَيْنَهم تَنازُعٌ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ في الكَهْفِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ، فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ ذَلِكَ ويُظْهِرَ.

قالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلْفَرِيقَيْنِ عِلْمٌ بِلُبْثِهِمْ، لا لِمُؤْمِنِيهِمْ ولا لِكافِرِيهِمْ.

قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا بُعِثُوا زالَ الشَّكُّ وعُرِفَتْ حَقِيقَةُ اللُّبْثِ.

وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: مَعْنى الكَلامِ: بَعَثْناهم لِيَظْهَرَ المَعْلُومُ في اخْتِلافِ الحِزْبَيْنِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، لِما في ذَلِكَ مِنَ العِبْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا ﴾ ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ ﴿ ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا ﴾ "الفِتْيَةُ" فِيما رُوِيَ: قَوَّمٌ مِن أبْناءِ أشْرافِ مَدِينَةِ دَقْيُوسَ المَلِكِ الكافِرِ، ويُقالُ فِيهِ: دَقْلَيُوسُ، ويُقالُ: دَقْيَنُوسُ.

ورُوِيَ أنَّهم كانُوا مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ بِالذَهَبِ، وهم مِنَ الرُومِ واتَّبَعُوا دِينَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: كانُوا قَبْلَ عِيسى، وأمّا أسْماؤُهم فَهي أعْجَمِيَّةٌ والسَنَدُ في مَعْرِفَتِها واهٍ، ولَكِنَّ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ هي هَذِهِ: مَكْسَيْلَمِينا، وهو أكْبَرُهم والمُتَكَلِّمُ عنهُمْ، ومَجْسَيْلَمِينِيا، وتَمْلِيخا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ الَّذِي مَضى بِالوَرِقِ إلى المَدِينَةِ عِنْدَ بَعْثِهِمْ مِن رَقْدَتِهِمْ.

ومَرْطُوسُ، وكُشُوطُوقُشُ، وبَيْرُونُسُ، ودِينَمُوسُ، ويُطُونُسُ.

واخْتَلَفَ الرُواةُ في قِصَصِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وكَيْفَ كانَ اجْتِماعُهم وخُرُوجُهم إلى الكَهْفِ، وأكْثَرَ المُؤَرِّخُونَ في ذَلِكَ، ولَكِنْ نَخْتَصِرُ مِن حَدِيثِهِمْ، ونَذْكُرُ ما لا تَسْتَغْنِي الآيَةُ عنهُ، ونَذْكُرُ مِنَ الخِلافِ عُيُونَهُ بِحَوْلِ اللهِ.

رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ كانُوا في دِينِ مَلِكٍ يَعْبُدُ الأصْنامَ، ويَذْبَحُ لَها، ويَكْفُرُ بِاللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ تابَعَهُ عَلى ذَلِكَ أهْلُ المَدِينَةِ، فَوَقَعَ لِلْفَتِيَّةِ عِلْمٌ مِن بَعْضِ الحَوارِيِّينَ -حَسْبَما ذَكَرَهُ النَقّاشُ - أو مِن بَعْضِ مُؤْمِنِي الأُمَمِ قَبْلَهم -بِحَسْبِ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ-، فَآمَنُوا بِاللهِ، ورَأوا بِبَصائِرِهِمْ قَبِيحَ فِعْلِ الناسِ، فَأخَذُوا نُفُوسَهم بِالتِزامِ الدِينِ وعِبادَةِ اللهِ تَعالى، فَرُفِعَ أمْرُهم إلى المَلِكِ، وقِيلَ لَهُ: إنَّهم قَدْ فارَقُوا دِينَكَ، واسْتَخَفُّوا بِآلِهَتِكَ وكَفَرُوا بِها، واسْتَحْضَرَهُمُ المَلِكُ في مَجْلِسِهِ، وأمْرِهِمْ بِاتِّباعِ دِينِهِ والذَبْحِ لِآلِهَتِهِ، وتَوَعَّدَهم عَلى فِراقِ ذَلِكَ بِالقَتْلِ، فَقالُوا لَهُ -فِيما رُوِيَ-: ﴿ رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ  ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ  ﴾ .

ورُوِيَ أنَّهم قالُوا نَحْوَ هَذا الكَلامِ، ولَيْسَ بِهِ، فَقالَ لَهُمُ المَلِكُ: إنَّكم شَبابٌ أغْمارٌ، لا عُقُولَ لَكُمْ، وأنا لا أعْجَلُ بِكم بَلْ أسَتَأْنِي، فاذْهَبُوا إلى مَنازِلِكم فَدَبِّرُوا أمْرَكم وارْجِعُوا إلى أمْرِي، وضَرَبَ لَهم في ذَلِكَ أجَلًا، ثُمَّ إنَّهُ سافَرَ خِلالَ الأجَلِ، فَتَشاوَرَ الفِتْيَةُ في الهُرُوبِ بِأدْيانِهِمْ، فَقالَ لَهم أحَدُهُمْ: إنِّي أعْرِفُ كَهْفًا في جَبَلِ كَذا كانَ أبِي يُدْخِلُ فِيهِ غَنَمَهُ، فَلْنَذْهَبْ إلَيْهِ فَنَخْتَفِي فِيهِ حَتّى يَفْتَحَ اللهُ لَنا، فَخَرَجُوا -فِيما رُوِيَ- يَلْعَبُونَ بِالصَوْلَجانِ والكُرَةِ، وهم يُدَحْرِجُونَها إلى نَحْوِ طَرِيقِهِمْ لِئَلّا يَشْعُرُ الناسُ بِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا مُثَقَّفِينَ فَحَضَرَ عِيدُ خَرَجُوا لَهُ فَرَكِبُوا في جُمْلَةِ الناسِ، ثُمَّ أخَذُوا في اللَعِبِ بِالصَوْلَجانِ حَتّى خَلَصُوا بِذَلِكَ.

ورَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ أمْرَ أصْحابِ الكَهْفِ إنَّما كانَ أنَّهم كانُوا مِن أبْناءِ الأشْرافِ، فَحَضَرَ عِيدٌ لِأهْلِ المَدِينَةِ، فَرَأى الفِتْيانُ ما يَمْتَثِلُهُ الناسُ في ذَلِكَ العِيدِ مِنَ الكُفْرِ وعِبادَةِ الأصْنامِ والذَبْحِ لَها، فَوَقَعَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى مُفارَقَةِ الناسِ لِئَلّا يَنالَهُمُ العَذابُ مَعَهُمْ، فَزايَلُوا الناسَ وذَهَبُوا إلى الكَهْفِ.

ورَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أمْرَهم إنَّما كانَ أنْ حَوارِيًّا لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ إلى مَدِينَةِ أصْحابِ الكَهْفِ يُرِيدُ دُخُولَها، فَأجَّرَ نَفْسَهُ مِن صاحِبِ الحَمّامِ، فَكانَ يَعْمَلُ فِيهِ، فَرَأى صاحِبُ الحَمّامِ في أعْمالِهِ بَرَكَةً عَظِيمَةً، فَألْقى إلَيْهِ بِكُلِّ أمْرٍ، وعَرَفَ ذَلِكَ الرَجُلَ فِتْيانٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فَنَشَرَ فِيهِمُ الإيمانَ، وعَرَّفَهُمُ اللهَ تَعالى، فَآمَنُوا واتَّبَعُوهُ عَلى دِينِهِ، واشْتَهَرَتْ خِلْطَتُهم بِهِ، فَأتى يَوْمًا إلى ذَلِكَ الحَمّامِ ولَدُ المَلِكِ بِامْرَأةٍ بَغِيٍّ أرادَ الخَلْوَةَ بِها، فَنَهاهُ ذَلِكَ الحَوارِيُّ فانْتَهى، ثُمَّ جاءَهُ مَرَّةً أُخْرى فَنَهاهُ وشَتَمَهُ، فَأمْضى عَزْمَهُ في دُخُولِ الحَمّامِ مَعَ البَغْيِ، فَدَخَلَ فَماتا بِهِ جَمِيعًا، فاتُّهِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وأصْحابُهُ بِقَتْلِهِ، فَفَرُّوا جَمِيعًا حَتّى دَخَلُوا الكَهْفَ.

وقالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ أصْحابَ الكَهْفِ كانُوا فَتِيَّةً مِن أبْناءِ العُظَماءِ مُطَوَّقِينَ مُسَوَّرِينَ ذَوِي ذَوائِبَ، قَدْ داخَلَهُمُ الإيمانُ أفْذاذًا.

وأزْمَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الفِرارَ بِدِينِهِ مِن بَلَدِ الكُفْرِ، فَأخْرَجَهُمُ اللهُ في يَوْمٍ واحِدٍ لِما أرادَهُ بِهِمْ، فَخَرَجَ أحَدُهم فَجَلَسَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ عَلى بُعْدٍ مِنَ المَدِينَةِ، فَخَرَجَ ثانٍ، فَلَمّا رَأى الجالِسَ جَلَسَ إلَيْهِ، ثُمَّ الثالِثُ، ثُمَّ الباقُونَ حَتّى كَمُلَ جَمِيعُهم في ظِلِّ الشَجَرَةِ، فَألْقى اللهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّ غَرَضَهم واحِدٌ، فَتَساءَلُوا، فَفَزِعَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وتَكَتَّمُوا، ثُمَّ تَراضَوْا بِرَجُلَيْنِ مِنهُمْ، وقالُوا: انْفَرَدا وتَواثَقا ولْيُفْشِ كُلُّ واحِدٌ مِنكُما سِرَّهُ إلى صاحِبِهِ، فَإنِ اتَّفَقْتُما كُنّا مَعَكُما، فَنَهَضا بَعِيدًا فَأفْصَحا بِالإيمانِ والهُرُوبِ بِالدِينِ، فَرَجَعا وفَضَحا الأمْرَ، وتابَعَهُما الآخَرُونَ، ونَهَضُوا إلى الكَهْفِ.

وأمّا الكَلْبُ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ كَلْبَ صَيْدٍ لِبَعْضِهِمْ، ورُوِيَ أنَّهم وجَدُوا في طَرِيقِهِمْ راعِيًا لَهُ كَلْبٌ، فاتَّبَعَهُمُ الراعِي عَلى رَأْيِهِمْ، وذَهَبَ الكَلْبُ مَعَهُمْ، واسْمُ الكَلْبِ حَمِرانِ، وقِيلَ: قِطْمِيرُ.

فَدَخَلُوا الغارَ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ.

فَرَوَتْ فَرِقَّةٌ أنَّ اللهَ تَعالى ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن سَتْرِهِمْ، وخَفِيَ عَلى أهْلِ المَمْلَكَةِ مَكانُهُمْ، وعَجِبَ الناسُ مِن غَرابَةِ فَقْدِهِمْ فَأرْخَوْا ذَلِكَ ورَقَّمُوهُ في لَوْحِينَ مَنَّ رَصاصٍ أو نُحاسٍ، وجَعَلُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ، فِيهِ أسْماؤُهم وأسْماءُ آبائِهِمْ وذِكْرِ شَرَفِهِمْ، وأنَّهم فُقِدُوا بِصُورَةِ كَذا في وقْتِ كَذا.

وقِيلَ: إنَّ الَّذِي كَتَبَ هَذا وتَهَمَّمَ بِهِ رَجُلانِ قاضِيانِ مُؤْمِنانِ يَكْتُمانِ إيمانَهُما مِن أهْلِ بَيْتِ المَمْلَكَةِ، وتَسَتَّرا بِذَلِكَ ودَفَنا اللَوْحَيْنِ عِنْدَهُما، وقِيلَ عَلى الرِوايَةِ: إنَّ المَلِكَ أتى بابَ الغارِ، وأنَّهُما دَفَنا ذَلِكَ في بِناءِ المَلِكِ عَلى الغارِ.

ورَوَتْ فَرِقَةٌ أنَّ المَلِكَ لَمّا ذَهَبَ الفِتْيَةُ أمَرَ بِقَصِّ آثارِهِمْ، فانْتَهى ذَلِكَ بِمُتَّبِعِيهِمْ إلى بابِ الغارِ، فَعُرِّفَ المَلِكُ فَرَكِبَ في جُنْدِهِ حَتّى وقَفَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِالدُخُولِ عَلَيْهِمْ، فَهابَ الرِجالُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ وُزَرائِهِ: ألَسْتَ أيُّها المَلِكُ إنْ أخْرَجْتَهم قَتَلْتَهُمْ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأيُّ قَتَلَةٍ أبْلَغُ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ، ابْنِ عَلَيْهِمْ بابَ الغارِ ودَعْهم يَمُوتُونَ فِيهِ، فَفَعَلَ، وضَرَبَ اللهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِما أرادَ مِن تَأْمِينِهِمْ، وأرَّخَ الناسُ أمَرَهم في اللَوْحَيْنِ، أو أرَّخَهُ الرَجُلانِ بِحَسْبِ الخِلافِ، واسْمُ أحَدِ الرَجُلَيْنِ -فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيٌّ - نِيدُرُوسُ، واسْمُ الآخَرِ رُوقُاسُ.

ورُوِيَ أنَّ هَذا المَلِكَ الَّذِي فَرَّ الفِتْيَةُ مِن دِينِهِ كانَ قَدِ امْتَحَنَ اللهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ أحَسَّ بِهِمْ، يَقْتُلُهم ويُعَلِّقُهم أشْخاصًا ورُؤُوسًا عَلى أسْوارِ مَدِينَتِهِ، وكانَ يُرِيدُ أنْ يَذْهَبَ في ذَلِكَ كَما ذَكَرَ- دِينُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَ هو وقَوْمُهُ مِنَ الرُومِ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ الفِتْيَةِ أنَّهم لَمّا أوَوْا إلى الكَهْفِ، أيْ: دَخَلُوهُ وجَعَلُوهُ مَأْوًى لَهم ومَوْضِعَ اعْتِصامٍ، دَعَوُا اللهَ تَعالى بِأنْ يُؤْتِيَهم رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ، وهي الرِزْقُ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ، وأنْ يُهَيِّئَ لَهم مَن أمْرِهِمْ رَشَدًا، أيْ: خَلاصًا جَمِيلًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "رُشْدًا" بِضَمِّ الراءِ وسُكُونِ الشِينِ، والأوَّلُ أرْجَحُ لِشِبْهِها بِفَواصِلِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ.

وهَذا الدُعاءُ مِنهم كانَ في أمْرِ دُنْياهُمْ، وألْفاظُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن رُشْدِ الآخِرَةِ ورَحْمَتِها.

ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَجْعَلَ دُعاءَهُ في أمْرِ دُنْياهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقَطْ، فَإنَّها كافِيَةٌ.

ويَحْتَمِلُ ذِكْرُ الرَحْمَةِ أنْ يُرادَ بِها أمْرُ الآخِرَةِ.

وقَدِ اخْتَصَرْتُ هَذا القَصَصَ، ولَمْ أغْفُلْ مِن مُهِمِّهِ شَيْئًا بِحَسَبِ اجْتِهادِي.

واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ ﴾ الآيَةَ، عِبارَةٌ عن إلْقاءِ اللهِ تَعالى النَوْمَ عَلَيْهِمْ، ويُعَبِّرُ عن هَذا ونَحْوِهِ بِالضَرْبِ لِتَتَبَيَّنَ قُوَّةَ المُباشِرَةِ وشِدَّةَ اللُصُوقِ في الأمْرِ المُتَكَلَّمِ فِيهِ والإلْزامَ.

ومِنهُ ضَرْبُ الذُلِّ والمَسْكَنَةِ، ومِنهُ ضَرْبُ البَعْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العنكَبُوتُ بِنَسْجِها ∗∗∗ وقَضى عَلَيْكَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ فَهَذا يُسْتَعْمَلُ في اللُزُومِ البَلِيغِ.

وأمّا تَخْصِيصُ الآذانِ بِالذِكْرِ فَلِأنَّها الجارِحَةُ الَّتِي مِنها عَظُمَ فَسادُ النَوْمِ، وقَلَّما يَنْقَطِعُ نَوْمُ نائِمٍ إلّا مِن جِهَةِ أُذُنِهِ، ولا يَسْتَحْكِمُ نَوْمٌ إلّا مَعَ تَعَطُّلِ السَمْعِ، ومِن ذِكْرِ الأُذُنِ في النَوْمِ قَوْلُهُ  : « "ذَلِكَ رَجُلٌ بالَ الشَيْطانُ في أُذُنِهِ"،» أشارَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى رَجُلٍ طَوِيلِ النَوْمِ، لا يَقُومُ بِاللَيْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَدَدًا" نَعْتٌ لِلسِّنِينِ، والقَصْدُ بِهِ العِبارَةُ عَنِ التَكْثِيرِ، أيْ: تَحْتاجُ إلى عَدَدٍ، وهي ذاتُ عَدَدٍ.

قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "عَدَدًا" عَلى المَصْدَرِ.

و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ بَعْدَ سُكُونٍ، وهَذا مُطَّرِدٌ مَعَ لَفْظَةِ البَعْثِ حَيْثُ وقَعَتْ، وقَدْ يَكُونُ السُكُونُ في الشَخْصِ، أو عَنِ الأمْرِ المَبْعُوثِ فِيهِ وإنْ كانَ الشَخْصُ مُتَحَرِّكًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِنَعْلَمَ" عِبارَةٌ عن خُرُوجِ ذَلِكَ الشَيْءِ إلى الوُجُودِ، وهَذا عَلى نَحْوِ كَلامِ العَرَبِ، أيْ: لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا، وإلّا فَقَدَ كانَ اللهُ تَعالى عَلِمَ أيَّ الحِزْبَيْنِ أحْصى الأمَدَ.

وقَرَأ الزَهْرِيُّ: "لِيَعْلَمَ" بِالياءِ.

و"الحِزْبانِ": الفَرِيقانِ، والظاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الحِزْبَ الواحِدَ هُمُ الفِتْيَةُ إذا ظَنُّوا لُبْثَهم قَلِيلًا، والحِزْبَ الثانِيَ هم أهْلُ المَدِينَةِ الَّذِينَ بَعَثَ الفِتْيَةَ عَلى عَهْدِهِمْ حِينَ كانَ عِنْدَهُمُ التارِيخُ بِأمْرِ الفِتْيَةِ.

وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ الكافِرِينَ اخْتَلَفا في مُدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما حِزْبانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَرْتَبِطُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "أحْصى" فالظاهِرُ الجَيِّدُ فِيهِ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، و"أمَدًا" مَنصُوبٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِ، و"الأمَدُ": الغايَةُ، ويَأْتِي عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ لِلْمُدَّةِ غايَةٌ هي أمَدُها عَلى الحَقِيقَةِ.

وقالَ الزَجّاجُ: "أحْصى" هو أفْعَلُ، و"أمَدًا -عَلى هَذا- نُصِبَ عَلى التَفْسِيرِ، ويَلْحَقُ هَذا القَوْلُ مِنَ الِاخْتِلالِ أنَّ "أفْعَلَ" لا يَكُونُ مِن فِعْلٍ رُباعِيٍّ إلّا في الشاذِّ، و"أحْصى" فِعْلٌ رُباعِيٌّ.

ويَحْتَجُّ لِقَوْلِ أبِي إسْحاقَ بِأنَّ "أفْعَلَ" مِنَ الرُباعِيِّ مُذَكَّرٌ، كَقَوْلِكَ: ما أعْطاهُ لِلْمالِ وآتاهُ لِلْخَيْرِ، «وَقالَ النَبِيُّ  في صَفِّهِ جَهَنَّمَ: "هِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"،»«وَقالَ في صِفَةِ حَوْضَهُ عَلَيْهِ السَلامُ: "أبْيَضُ مِنَ اللَبَنِ"،» وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَهُوَ لِما سِواها أضْيَعُ"، وهَذِهِ كُلُّها "أفْعَلُ" مِنَ الرُباعِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: "أمَدًا" مَعْناهُ: غايَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى جِهَةِ التَقْرِيبِ، وقالَ الطَبَرِيٌّ: نَصْبُ "أمَدًا" بِـ "لَبِثُوا"، وهَذا غَيْرُ مُتَّجَهٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع هذه الجملة بالفاء إما على جملة دعائهم، فيؤذن بأن مضمونها استجابة دعوتهم، فجعل الله إنامتهم كرامة لهم.

بأن سلمهم من التعذيب بأيدي أعدائهم، وأيد بذلك أنهم على الحق، وأرى الناس ذلك بعد زمن طويل.

وإما على جملة ﴿ إذ أوى الفتية ﴾ [الكهف: 10] الخ فيؤذن بأن الله عجَل لهم حصول ما قصدوه مما لم يكن في حسبانهم.

والضرب: هنا بمعنى الوضع، كما يقال: ضرب عليه حجاباً، ومنه قوله تعالى: ﴿ ضربت عليهم الذلة ﴾ [البقرة: 61]، وقد تقدم تفصيله عند قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما ﴾ [البقرة: 26].

وحذف مفعول ضربنا} لظهوره، أي ضربنا على آذانهم غشاوة أو حائلاً عن السمع، كما يقال: بنَى على امرأته، تقديره: بنى بيتاً.

والضرب على الآذان كناية عن الإنامة لأن النوم الثقيل يستلزم عدم السمع، لأن السمع السليم لا يحجبه إلا النوم، بخلاف البصر الصحيح فقد يحجب بتغميض الأجفان.

وهذه الكناية من خصائص القرآن لم تكن معروفة قبل هذه الآية وهي من الإعجاز.

و ﴿ عدداً ﴾ نعتُ ﴿ سنين ﴾ .

والعدد: مستعمل في الكثرة، أي سنين ذات عدد كثير.

ونظيره ما في حديث بدء الوحي من قول عائشة: فكان يخرج إلى غار حراء فيتحنّث فيه الليالي ذوات العدد» تريد الكثيرة.

وقد أجمل العدد هنا تبعاً لإجمال القصة.

والبعث: هنا الإيقاظ، أي أيقظناهم من نومتهم يقظة مفزوع.

كما يُبعث البعير من مَبركه.

وحسن هذه الاستعارة هنا أن المقصود من هذه القصة إثبات البعث بعد الموت فكان في ذكر لفظ البعث تنبيه على أن في هذه الإفاقة دليلاً على إمكان البعث وكيفيته.

والحزب: الجماعة الذين توافقوا على شيء واحد، فالحزبان فريقان: أحدهما مصيب والآخر مخطئ في عد الأمد الذي مضى عليهم.

فقيل: هما فريقان من أهل الكهف أنفسهم على أنه المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ [الكهف: 19].

وفي هذا بعد من لفظ حزب إذ كان القائل واحداً والآخرون شاكين، وبعيد أيضاً من فعل أحصى } لأن أهل الكهف ما قصدوا الإحصاء لمدة لبثهم عند إفاقتهم بل خالوها زمناً قليلاً.

فالوجه: أن المراد بالحزبين حزبان من الناس أهل بلدهم اختلفت أقوالهم في مدة لبثهم بعد أن علموا انبعاثهم من نومتهم، أحد الفريقين مصيب والآخر مخطئ، والله يعلم المصيب منهم والمخطئ، فهما فريقان في جانبي صواب وخطأ كما دل عليه قوله: ﴿ أحصى ﴾ .

ولا ينبغي تفسير الحزبين بأنهما حزبان من أهل الكهف الذين قال الله فيهم: {قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم الآية [الكهف: 19].

وجُعل حصول علم الله بحال الحزبين علةً لبعثِهِ إياهم كناية عن حصول الاختلاف في تقدير مدتهم فإنهم إذا اختلفوا علم الله اختلافهم عِلْمَ الواقعات، وهو تعلق للعلم يصح أن يطلق عليه تنجيزي وإن لم يقع ذلك عند علماء الكلام.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في أول السورة الكهف (7).

وأحصى} يحتمل أن يكون فعلاً ماضياً، أن يكون اسم تفضيل مصوغاً من الرباعي على خلاف القياس.

واختار الزمخشري في «الكشاف» تبعاً لأبي علي الفارسي الأول تجنباً لصوغ اسم التفضيل على غير قياس لقلته.

واختارَ الزجاج الثاني.

ومع كون صوغ اسم التفضيل من غير الثلاثي ليس قياساً فهو كثير في الكلام الفصيح وفي القرآن.

فالوجه، أن ﴿ أحصى ﴾ اسم تفضيل، والتفضيل منصرف إلى ما في معنى الإحصاء من الضبط والإصابة.

والمعنى: لنعلم أي الحزبين أتقن إحصاءً، أي عدا بأن يكون هو الموافق للواقع ونفس الأمر ويكون ما عداه تقريباً ورجماً بالغيب.

وذلك هو ما فصله قوله تعالى: ﴿ سيقولون ثلاثة ﴾ [الكهف: 22] الآية.

ف (أي) اسم استفهام مبتدأ وهو معلق لفعل لنعلم } عن العمل، ﴿ وأحصى ﴾ خبر عن (أي) و ﴿ أمداً ﴾ تمييز لاسم التفصيل تمييزَ نسبة، أي نسبة التفضيل إلى موصوفه كما في قوله: ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ [الكهف: 34].

ولا يريبك أنه لا يتضح أن يكون هذا التمييز محولاً عن الفاعل لأنه لا يستقيم أن تقول: أفضل أمده، إذ التحويل أمر تقديري يقصد منه التقريب.

والمعنى: ليظهرَ اضطراب الناس في ضبط تواريخ الحوادث واختلال خرصهم وتخمينهم إذا تصدوا لها، ويعلم تفريط كثير من الناس في تحديد الحوادث وتاريخها، وكلا الحالين يمت إلى الآخر بصلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا ﴾ أمّا الكَهْفُ فَهو غارٌ في الجَبَلِ الَّذِي أوى إلَيْهِ القَوْمُ.

وَأمّا الرَّقِيمُ فَفِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ الوادِي، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو وادٍ بِالشّامِ نَحْوَ إبْلَةَ وقَدْ رُوِيَ أنَّ اسْمَ جَبَلِ الكَهْفِ بَناجْلُوسْ، واسْمَ الكَهْفِ مِيرَمْ، واسْمُ المَدِينَةِ أفْسُوسُ، واسْمُ المَلِكِ وُفْيانُوسُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ كَلْبِهِمْ.

قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقِيلَ هو اسْمٌ لِكُلِّ كَهْفٍ.

الخامِسُ: أنَّ الرَّقِيمَ الكِتابُ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ شَأْنُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّقْمِ في الثَّوْبِ.

وَقِيلَ كانَ الكِتابُ لَوْحًا مِن رَصاصٍ عَلى بابِ الكَهْفِ، وقِيلَ في خَزائِنِ المُلُوكِ لِعَجِيبِ أمْرِهِمْ.

السّادِسُ: الرَّقِيمُ الدَّواةُ بِالرُّومِيَّةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

السّابِعُ: أنَّ الرَّقِيمَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشُّراةِ كانَتْ حالُهم مِثْلَ حالِ أصْحابِ الكَهْفِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ما حَسِبْتَ أنَّهم كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا لَوْلا أنْ أخْبَرْناكَ وأوْحَيْنا إلَيْكَ.

الثّانِي: مَعْناهُ أحَسِبْتَ أنَّهم أعْجَبُ آياتِنا ولَيْسُوا بِأعْجَبِ خَلْقِنا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ إيوائِهِمْ إلَيْهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمٌ هَرَبُوا بِدِينِهِمْ إلى الكَهْفِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا ﴾ الثّانِي: أنَّهم أبْناءُ عُظَماءٍ وأشْرافٍ خَرَجُوا فاجْتَمَعُوا وراءَ المَدِينَةِ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ أسَنُّهُمْ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أحَدًا يَجِدُهُ، إنَّ رَبِّي رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، ﴿ فَقالُوا ﴾ جَمِيعًا ﴿ رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ ثُمَّ دَخَلُوا الكَهْفَ فَلَبِثُوا فِيهِ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هم أبْناءُ الرُّومِ دَخَلُوا الكَهْفَ قَبْلَ عِيسى، وضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ فِيهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسى أخْبَرَ بِخَبَرِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ عِيسى في الفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّبِيِّ  .

وفي ﴿ شَطَطًا ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: كَذِبًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: غُلُوًّا، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: جَوْرًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ والضَّرْبُ عَلى الآذانِ هو المَنعُ مِنَ الِاسْتِماعِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا وكانُوا نِيامًا، ﴿ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إحْصاءً.

الثّانِي: سِنِينَ كامِلَةً لَيْسَ فِيها شُهُورٌ ولا أيّامٌ.

وَإنَّما ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى آذانِهِمْ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن أسْبابِ النَّوْمِ لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يُوقِظُهم مِن نَوْمِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناهُمْ ﴾ الآيَةِ.

يَعْنِي بِالبَعْثِ إيقاظَهم مِن رَقْدَتِهِمْ.

﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ أيْ لِنَنْظُرَ ﴿ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَدَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أجَلًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: الغايَةُ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَفي الحِزْبَيْنِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الحِزْبَيْنِ هُما المُخْتَلِفانِ في أمْرِهِمْ مِن قَوْمِ الفِتْيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ الفِتْيَةُ، والثّانِي: مَن حَضَرَهم مَن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ.

الثّالِثُ: أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ مُؤْمِنُونَ، والآخَرُ كُفّارٌ.

الرّابِعُ: أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ اللَّهُ تَعالى، والآخَرُ الخَلْقُ، وتَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: ﴿ الكهف ﴾ هو غار في الوادي.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس قال: ﴿ الرقيم ﴾ الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: ﴿ الرقيم ﴾ وادٍ دون فلسطين قريب من أيلة.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج، عن ابن عباس قال: والله ما أدري ما الرقيم، لكتاب أم بنيان؟

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد قال: ﴿ الرقيم ﴾ منهم من يقول كتاب قصصهم، ومنهم من يقول الوادي.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي صالح قال: ﴿ الرقيم ﴾ لوح مكتوب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: ﴿ الرقيم ﴾ لوح من حجارة، كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف وأمْرهم، ثم وضع على باب الكهف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: ﴿ الرقيم ﴾ حين رقمت أسماؤهم في الصخرة، كتب الملك فيها أسماؤهم وكتب أنهم هلكوا في زمان كذا وكذا في ملك ريبوس، ثم ضربها في سور المدينة على الباب، فكان من دخل أو خرج قرأها.

فذلك قوله: ﴿ أصحاب الكهف والرقيم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجي في أماليه وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لا أدري ما الرقيم، وسألت كعباً فقال: اسم القرية التي خرجوا منها.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه، إلا أربعاً: غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: ﴿ الرقيم ﴾ الكلب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ﴾ يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب، أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً ﴾ كانوا بقولهم أعجب آياتنا، ليسوا بأعجب آياتنا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً ﴾ قال: ليسوا بأعجب آياتنا، كانوا من أبناء الملوك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال: كان أصحاب الكهف صيارفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن أصحاب الرقيم: «أن ثلاثة نفر دخلوا إلى الكهف، فوقع من الجبل حجر على الكهف فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: تذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله أن يرحمنا.

فقال أحدهم: نعم، قد عملت حسنة مرة...

إنه كان لي عمال استأجرتهم في عمل لي، كل رجل منهم بأجر معلوم.

فجاءني رجل ذات يوم وذلك في شطر النهار فاستأجرته بقدر ما بقي من النهار بشطر أصحابه الذين يعملون بقية نهارهم ذلك، كل رجل منهم نهاره كله.

فرأيت من الحق أن لا أنقصه شيئاً مما استأجرت عليه أصحابه.

فقال رجل منهم: يعطي هذا مثل ما يعطيني ولم يعمل إلا نصف نهاره!!

فقلت له: إني لا أبخسك شيئاً من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت.

فغضب وترك أجره، فلما رأيت ذلك عزلت حقه في جانب البيت ما شاء الله، ثم مر بي بعد ذلك بقر فاشتريت له فصيلاً من البقر حتى بلغ ما شاء الله، ثم مر بي الرجل بعد حين وهو شيخ ضعيف وأنا لا أعرفه، فقال لي: إن لي عندك حقاً.

فلم أذكره حتى عرّفني ذلك، فقلت له: نعم...

إياك أبغي.

فعرضت عليه ما قد أخرج الله له من ذلك الفصيل من البقر، فقلت له: هذا حقك من البقر.

فقال لي: يا عبد الله، لا تسخر بي...

إن لا تتصدق علي أعطني حقي.

فقلت: والله ما أسخر منك: إن هذا لحقك.

فدفعته إليه، اللهم فإن كنت تعلم أني قد كنت صادقا وأني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر.

فانصدع حتى رأوا الضوء وأبصروا.

وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة، وذلك أنه كان عندي فضل فأصاب الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفاً، فقلت: لا والله، ما هو دون نفسك.

فأبت عليَّ ثم رَجَعَتْ فذكّرتني بالله، فأبيت عليها وقلت: لا والله، ما هو دون نفسك.

فأبت عليّ ثم رجَعَت فذكّرتني بالله فأبيت عليها وقلت: لا والله، ما هو دون نفسك.

فأبت عليّ فذكَرَتْ ذلك لزوجها فقال: أعطيه نفسك وأغني عيالك.

فلما رأت ذلك سمحت بنفسها، فلما هممت بها قالت: إني أخاف الله رب العالمين.

فقلت لها: تخافين الله في الشدّة ولم أخفه في الرخاء؟

فأعطيتها ما استغنت هي وعيالها.

اللهم فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر، فانصدع الحجر حتى رأوا الضوء وأيقنوا الفرج.

ثم قال الثالث: قد عملت حسنة مرة، كان لي أبوان شيخان كبيران قد بلغهما الكبر، وكانت لي غنم فكنت أرعاها...

وأختلف فيما بين غنمي وبين أبوي أطعمهما وأشبعهما وأرجع إلى غنمي، فلما كان ذات يوم أصابني غيث شديد فحبسني فلم أرجع إلا مؤخراً، فأتيت أهلي فلم أدخل منزلي حتى حلبت غنمي، ثم مضيت إلى أبوي أسقيهما فوجدتهما قد ناما، فشق عليّ أن أوقظهما وشق عليّ أن أترك غنمي، فلم أبرح جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر.

ففرّج الله عنهم وخرجوا إلى أهليهم راجعين» .

وأخرج أحمد وابن المنذر، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن ثلاثة نفر فيما سلف من الناس انطلقوا يرتادون لأهليهم، فأخذتهم السماء فدخلوا غاراً فسقط عليهم حجر، فجافّ حتى ما يرون منه خصاصة.

فقال بعضهم لبعض: قد وقع الحجر وعفا الأثر ولا يعلم مكانكم إلا الله، فادعوا الله عز وجل بأوثق أعمالكم.

فقال رجل منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما فآتيهما، فإذا وجدتهما راقدين قمت على رأسيهما كراهة أن أرد سنتهما في رأسيهما حتى يستيقظا متى استيقظا، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ففرِّج عنا.

فزال ثلث الحجر.

وقال الثاني: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً على عمل يعمله فأتاني يطلب أجره وأنا غضبان فزبرته فانطلق وترك أجره فجمعته وثمرته حتى كان منه كل المال فأتاني يطلب أجره فدفعت إليه ذلك كله، ولو شئت لم أعطه إلا أجره الأوّل، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك، فافرج عنا.

فزال ثلثا الحجر.

وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أنه أعجبته امرأة فجعل لها جعلاً فلما قدر عليها وفر لها نفسها وسلّم لها جَعْلَها.

اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك، ففرّج عنا.

فزال الحجر وخرجوا معاتيق يمشون» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصّدْق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه.

فقال واحد منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير يعلم على فرق من أرز فذهب وتركه، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً، وأنه أتاني يطلب أجره فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقْها فقال لي: إنما لي عندك فرق من أرز.

فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا.

فانساخت عنهم الصخرة.

فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل لية بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رقدا، وعيالي يتضاغون من الجوع فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا بشربتهما، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كُنْتَ تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا.

فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.

فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إليّ، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قَدِرْتُ فأتيتها بها فدفعْتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها قال: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.

فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا.

ففرج الله عنهم فخرجوا» .

وأخرج البخاري في تاريخه من حديث ابن عباس مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم!

فقال له ابن عباس: ليس ذلك لك، قد منع الله ذلك عمن هو خير منك.

فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لَوَلَّيْتَ منهم فراراً ولَمُلِئْتَ منهم رعباً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم.

فبعث رجالاً فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف فانظروا.

فذهبوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأخرجتهم.

فبلغ ذلك ابن عباس فأنشأ يحدث عنهم فقال: إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يعبد الأوثان، وقد أجبر الناس على عبادتها، وكان وهؤلاء الفتية في المدينة، فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد، فجعل بعضهم يقول لبعض: أين تريدون...؟

أين تذهبون...

فجعل بعضهم يخفي على بعض، لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا، ولا يدري هذا.

فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً، فإن اجتمعوا على شيء وإلا كتم بعضهم بعضاً.

فاجتمعوا على كلمة واحدة ﴿ فقالوا ربنا رب السماوات والأرض...

﴾ إلى قوله: ﴿ مرفقاً ﴾ قال: فقعدوا فجاء أهلهم يطلبونهم لا يدرون أين ذهبوا، فرفع أمرهم إلى الملك فقال: ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن...

ناس خرجوا لا يدري أين ذهبوا في غير خيانة ولا شيء يعرف...

!!

فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه أسماؤهم ثم طرح في خزانته.

فذلك قول الله: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ﴾ والرقيم، هو اللوح الذي كتبوا.

فانطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله على آذانهم فقاموا.

فلو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم، ولولا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض.

ذلك قول الله: ﴿ وترى الشمس...

﴾ الآية.

قال: ثم إن ذلك الملك ذهب وجاء ملك آخر فعبد الله وترك تلك الأوثان، وعدل بين الناس، فبعثهم الله لما يريد ﴿ وقال قائل منهم كم لبثتم ﴾ فقال بعضهم: يوماً.

وقال بعضهم يومين.

وقال بعضهم أكثر من ذلك.

فقال كبيرهم: لا تختلفوا، فإنه لم يختلف قوم قطّ إلا هلكوا، فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة.

فرأى شارة أنكرها ورأى بنياناً أنكره، ثم دنا إلى خباز فرمى إليه بدرهم وكانت دراهمهم كخفاف الربع- يعني ولد الناقة- فأنكر الخباز الدرهم فقال: من أين لك الدرهم؟

لقد وجدت كنزاً لتدلّني عليه أو لأرفعنك إلى الأمير.

فقال: أَوَ تخوّفني بالأمير؟

وأتى الدهقان الأمير، قال: من أبوك؟

قال: فلان.

فلم يعرفه.

قال: فمن الملك؟

قال: فلان.

فلم يعرفه، فاجتمع عليهم الناس فرفع إلى عالمهم فسأله فأخبره فقال: عليّ باللوح، فجيء به فسمى أصحابه فلاناً وفلاناً.

وهم مكتوبون في اللوح، فقال للناس: إن الله قد دلكم على إخوانكم.

وانطلقوا وركبوا حتى أتوا إلى الكهف، فلما دنوا من الكهف قال الفتى: مكانكم أنتم حتى أدخل أنا على أصحابي، ولا تهجموا فيفزعون منكم وهم لا يعلمون أن الله قد أقبل بكم وتاب عليكم.

فقالوا لتخرجن علينا قال: نعم إن شاء الله.

فدخل فلم يدروا أين ذهب، وعمي عليهم فطلبوا وحرضوا فلم يقدروا على الدخول عليهم ﴿ فقالوا لنتخذن عليهم مسجداً ﴾ فاتخذوا عليهم مسجداً يصلون عليهم ويستغفرون لهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك، رزقهم الله الإسلام فتعوذوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على صماخاتهم فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمة مسلمة وكان ملكهم مسلماً، واختلفوا في الروح والجسد فقال قائل: يبعث الروح والجسد جميعاً.

وقال قائل: يبعث الروح وأما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئاً، فشق على ملكهم إختلافهم فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد، ثم دعا الله فقال: أي رب، قد ترى إختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعاماً فدخل السوق، فلما نظر جعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق، ورأى الإيمان ظاهراً بالمدينة.

فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً، فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها.

حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الربيع- يعني الإبل الصغار- فقال الفتى: أليس ملككم فلان؟

قال الرجل: بل ملكنا فلان.

فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فنادى في الناس فجمعهم فقال: إنكم اختلفتم في الروح والجسد وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا رجل من قوم فلان- يعني ملكهم الذي قبله- فقال الفتى: انطلق بي إلى أصحابي.

فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف، فقال الفتى: دعوني أدخل إلى أصحابي.

فلما أبصروه وأبصرهم ضرب على آذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه، فإذا أجساد لا يبلى منها شيء غير أنها لا أرواح فيها.

فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم، فغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أهل الكهف.

فقال ابن عباس: ذهبت عظامهم أكثر من ثلثمائة سنة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: كان أصحاب الكهف أبناء عظماء أهل مدينتهم وأهل شرفهم، خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد، فقال رجل منهم- هو أشبههم-: إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده.

قالوا: ما تجد؟

قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض.

فقاموا جميعاً فقالوا: ﴿ ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً ﴾ وكان مع ذلك من حديثهم وأمرهم ما قد ذكر الله في القرآن، فأجمعوا أن يدخلوا الكهف وعلى مدينتهم إذ ذاك جبار يقال له (دقيوس) فلبثوا في الكهف ما شاء الله رقوداً، ثم بعثهم الله فبعثوا أحدهم ليبتاع لهم طعاماً، فلما خرج إذا هم بحظيرة على باب الكهف، فقال: ما كانت هذه هاهنا عشية أمس.

فسمع كلاما من كلام المسلمين بذكر الله- وكان الناس قد أسلموا بعدهم وملك عليهم رجل صالح- فظن أنه أخطأ الطريق، فجعل ينظر إلى مدينته التي خرج منها وإلى مدينتين وجاهها، أسماؤهن: اقسوس وايديوس وشاموس.

فيقول: ما أخطأت الطريق- هذه اقسوس وايديوس وشاموس!!!...

فعمد إلى مدينته التي خرج منها، ثم عمد حتى جاء السوق فوضع ورقة في يد رجل، فنظر فإذا ورق ليست بورق الناس، فانطلق به إلى الملك وهو خائف فسأله وقال: لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيوس، فإني قد كنت أدعو الله أن يرينيهم وأن يعلمني مكانهم.

ودعا مشيخة أهل القرية- وكان رجل منهم قد كان عنده أسماؤهم وأنسابهم- فسألهم فأخبروه، فسأل الفتى فقال: صدق.

وانطلق الملك وأهل المدينة معه لأن يدلهم على أصحابه، حتى إذا دنوا من الكهف سمع الفتية حسّ الناس فقالوا: أتيتم...

ظهر على صاحبكم، فاعتنق بعضهم بعضاً وجعل يوصي بعضهم بعضاً بدينهم، فلما دنا الفتى منهم أرسلوه، فلما قدم إلى أصحابه ماتوا عند ذلك ميتة الحق.

فلما نظر إليهم الملك شق عليه أن لم يقدر عليهم أحياء، وقال: لا أدفنهم إذاً، فائتوني بصندوق من ذهب.

فأتاه آت منهم في المنام فقال: أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب، فلا تفعل ودعنا في كهفنا، فمن التراب خلقنا وإليه نعود.

فتركهم في كهفهم وبنى على كهفهم مسجداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: جاء رجل من حواريي عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها فقيل: على بابها صنم لا يدخلها أحد إلا سجد له، فكره أن يدخل فأتى حماماً فكان فيه قريباً من تلك المدينة وكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام؛ ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة والرزق وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه، وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، وكان يشترط على صاحب الحمام: أن الليل لي ولا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت، حتى أتى ابن الملك بامرأة يدخل بها الحمام فعيره الحواري فقال: أنت ابن الملك وتدخل مع هذه الكداء؟!.

فاستحيا فذهب، فرجع مرة أخرى فسبه وانتهره فلم يلتفت حتى دخل- ودخلت معه المرأة، فباتا في الحمام جميعاً فماتا فيه.

فأتى الملك فقيل له: قتل ابنك صاحب الحمام.

فالتمس فلم يقدر عليه وهرب من كان يصحبه، فسموا الفتية.

فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم، فذكروا له أنهم التمسوا فانطلق معه ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوا فيه، فقالوا: نبيت هاهنا الليلة حتى نصبح إن شاء الله ثم تروا رأيكم.

فضرب على آذانهم، فخرج الملك بأصحابه يبتغونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل منهم أن يدخل أرعب فلم يطق أحد أن يدخله، فقال له قائل: ألست قلت: لو قدرت عليهم قتلتهم؟

قال: بلى.

قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا عطشاً وجوعاً.

ففعل.

ثم صبروا زماناً، ثم إن راعي غنم أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح لغنمه فادخلها فيه، ورد الله أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا فبعثوا أحدهم بورق ليشتري لهم طعاماً، فكلما أتى باب مدينتهم لا يرى أحد من ورقهم شيئاً إلا استنكرها، حتى جاء رجلاً فقال: بعني بهذه الدراهم طعاماً.

فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟

قال: إني رحت وأصحابي أمس فأتى الليل ثم أصبحنا فأرسلوني.

قال: فهذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان!...

فأنى لك هذه الدراهم؟!!...

فرفعه إلى الملك- وكان رجلاً صالحاً- فقال: ومن أين لك هذا الورق؟

قال: خرجت أنا وأصحابي أمس حتى إذا أدركنا الليل في كهف كذا وكذا، ثم أمروني أن اشتري لهم طعاماً.

قال: وأين أصحابك؟

قال: في الكهف.

فانطلق معه حتى أتوا باب الكهف فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم.

فلما رأوه ودنا منهم، ضرب على أذنه وآذانهم فأرادوا أن يدخلوا فجعل كلما دخل رجل منهم رعب، فلم يقدروا أن يدخلوا إليهم، فبنوا عندهم مسجداً يصلون فيه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصحاب الكهف أعوان المهدي» .

وأخرج الزجاجي في أماليه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ﴾ قال: إن الفتية لما هربوا من أهليهم خوفاً على دينهم.

فقدوهم فخبروا الملك خبرهم، فأمر بلوح من رصاص فكتب فيه أسماءهم وألقاه في خزانته وقال: إنه سيكون لهم شأن، وذلك اللوح هو الرقيم، والله أعلم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ يقول: أرقدناهم ﴿ ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين ﴾ من قوم الفتية أهل الهدى وأهل الضلالة ﴿ أحصى لما لبثوا ﴾ أنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر والسنة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أي الحزبين ﴾ قال: من قوم الفتية ﴿ أحصى لما لبثوا أمداً ﴾ قال: عدداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً ﴾ يقول: ما كان لواحد من الفريقين علم، لا لكفارهم ولا لمؤمنيهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ ﴾ قال المفسرون: (معناه: أنمناهم) (١) قال أبو إسحاق: (أي منعناهم أن يسمعوا؛ لأن النائم إذا سمع انتبه) (٢) (٣) (٤) ومن الحَوادِثِ لا أَبالَكِ أَنَّثِي ...

ضربَتْ عليَّ الأرضُ بالأسْدَادِ وذلك أنه كان ضريرًا لا يتمكن من المشي في الأرض، فكأن الأرض قد ضربت بالأسداد عليه، حيث منع من التصرف.

وقوله تعالى: ﴿ فِي الْكَهْفِ ﴾ بيان أن محل الضرب على آذانهم بالنوم كان في الكهف، فهو ظرف له بمنزلة المكان.

ثم ذكر ظرف الزمان فقال: ﴿ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ ، وذكر العدد هاهنا يفيد كثرة السنين (٥) (٦) (٧) وعلى هذا يجوز في الآية ضربان من التقدير أحدهما: حذف المضاف.

والثاني: تسمية المفعول باسم المصدر.

قال الزجاج: (ويجوز أن ينتصب على المصدر، المعنى: نعد عددًا) (٨) (١) "جامع البيان" 15/ 204، و"بحر العلوم" 2/ 290، و"معالم التنزيل" 5/ 155، و"الكشاف" 2/ 381، و"المحرز الوجيز" 9/ 245، و"زاد المسير" 5/ 109.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 271.

(٣) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 15/ 206، و"المحرر == الوجيز" 9/ 245، و"معالم التنزيل" 5/ 155، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 363.

(٤) البيت للأسود بن يعفر النهشلي.

الأسْدَاد: جمع سد، وهو الحاجز بين الشيئين، يشير هنا إلى ضعفه فقد عمي.

انظر: "ديوانه" ص 25، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 363، و"البحر المحيط" 6/ 103، و"الدر المصون" 7/ 447، و"المفضليات" ص 216، و"اللامات" ص 103، و"لسان العرب" (سدد) 4/ 1969.

(٥) "معالم التنزيل" 5/ 155، و"الكشاف" 2/ 281، و"المحرر الوجيز" 9/ 245، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 363، و"البحر المحيط" 6/ 103.

(٦) "معاني القرآن" 3/ 271، "التفسير الكبير" 11/ 83.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 135، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 271.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 271.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف ﴾ نذكر من قصتهم على وجه الاختصار ما لا غنى عنه، إذ قد أكثر الناس فيها مع قلة الصحة في كثير مما نقلوا، وذلك أنهم كانوا قوماً مؤمنين، وكان ملك بلادهم كافراً يقتل كل مؤمن، ففروا بدينهم، ودخلوا الكهف ليعبدوا الله فيه ويستخفوا من الملك وقومه، فأمر الملك باتباعهم، فانتهى المتبعون لهم إلى الغار فوجدوهم، وعرفوا الملك بذلك فوقف عليه في جنده وأمر بالدخول إليهم، فهاب الرجال ذلك وقالوا له: دعهم يموتوا جوعاً وعطشاً، وكان الله قد ألقى عليهم نوماً ثقيلاً، فبقوا على ذلك مدّة طويلة ثم أيقظهم الله، وظنوا أنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاماً بدراهم كانت لهم، فعجب لها البائع وقال: هذه الدراهم من عهد فلان الملك في قديم الزمان من أي جاءتك؟

وشاع الكلام بذلك في الناس، وقال الرجل: إنما خرجت أنا وأصحابي بالأمس فأوينا إلى الكهف، فقال: هؤلاء الفتية الذين ذهبوا في الزمان القديم فمشوا إليهم فوجدوهم موتى، وأما موضع كهفهم، فقيل إنه بمقربة من فلسطين وقال قوم: إنه الكهف الذي بالأندلس بمقربة من لوشة من جهة غرناطة، وفيه موتى ومعهم كلب، وقد ذكر ابن عطية ذلك، وقال: إنه دخل عليهم ورآهم وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء يقال له الرقيم قد بقي بعض جدرانه، وروي أن تلك الذي كانوا في زمانه اسمه دقيوس، وفي تلك الجهة آثار مدينة يقال لها مدينة دقيوس والله أعلم.

ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم وأراد الدخول إليهم، ولم يدخل معاوية الأندلس قط، وأيضاً فإن الموتى التي في غار لوشة يراهم الناس، ولم يدرك أحد منهم الرعب، الذي ذكر الله في أصحاب الكهف ﴿ فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ فِي الكهف ﴾ عبارة عن إلقاء النوم عليهم، وقال الزمخشري: المعنى ضربنا على آذانهم حجاباً ثم حذف هذا المفعول ﴿ سِنِينَ عَدَداً ﴾ أي كثيرة ﴿ ثُمَّ بعثناهم ﴾ أي أيقظناهم من نومهم ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ أي لنعلم علماً يظهر في الوجود، لأن الله قد كان علم ذلك، والمراد، بالحزبين الذين اختلفوا في الكهف في مدة لبثهم، فالحزب الواحد: أصحاب الكهف والحزب الآخر القوم الذين بعث الله أصحاب الكهف في مدتهم وقيل: إن الحزبين معاً أصحاب الكهف إذ كان بعضهم قد قال: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وقال بعضهم: ربكم أعلم بما لبثتم، وأحصى فعل ماض، وأمداً مفعول به، وقيل: أحصى اسم للتفضيل، وأمداً تمييز، وهذا ضعيف، لأن أفعل من التي للتفضيل لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.

الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.

حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد.

﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.

الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.

وزمعة.

وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.

وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.

الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.

الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد  .

قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".

وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي  نعمة عليه وعلينا.

أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.

وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.

وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.

وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.

قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.

وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.

ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.

وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".

﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.

والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.

وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.

ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله  على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.

وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.

قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.

قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".

قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.

وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".

قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.

وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله  أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.

الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.

والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.

ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه  سماه كذباً.

ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.

يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.

وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.

وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.

والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.

قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله  : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه  يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.

وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.

ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه  يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.

وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ .

واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.

قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.

ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.

قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.

ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول  على سبيل الامتحان فقال  ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.

وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.

والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.

وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.

وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.

والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.

وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.

وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.

ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.

﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.

و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ وإما الكثرة.

قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.

وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.

وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.

واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.

وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.

وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.

وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.

فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.

والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.

﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.

وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.

وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.

وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.

وقيل هو كلام معترض إخبار من الله  عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.

قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.

وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.

وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.

وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.

قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.

﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.

والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.

ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.

وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.

ثم بين الله  لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.

ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.

واستبعده في التفسير الكبير.

وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.

وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.

وقيل: لهم تقلبتان في السنة.

وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.

وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.

قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله  قادر على حفظهم من غير تقليب.

وأقول: لا ريب في قدرة الله  ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.

والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.

قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.

عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.

وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.

وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.

قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.

وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.

وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟

فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله  حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.

والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.

والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.

وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.

والمدينة طرسوس.

قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.

عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.

وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.

وقيل: أيها أطيب وألذ.

وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.

والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.

يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.

وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.

قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.

وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.

ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.

وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.

وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.

والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟

قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.

فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.

ثم ذكر  غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.

وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.

وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.

ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله  على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.

فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.

والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.

وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.

﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.

ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.

فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله  ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.

قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله  من أهل الكتاب.

والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي  فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.

وكثيراً ما يقال رجم بالظن.

مكان قولهم ظن.

وقال المسلمون.

هم سبعة ثامنهم كلبهم.

قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله  عن لسان جبرائيل  .

والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي  أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.

يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.

وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.

واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.

وقيل ريان.

عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.

وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.

والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.

ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.

ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.

بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.

ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.

ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.

ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله  جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه  منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.

وأيضاً الله  قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي  ويحصل لغير النبي  كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.

وقد عرفت قولهما في هذا الباب.

وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.

وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله  في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.

أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله  : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة  ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله  : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر  ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.

والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.

ثم نهى نبيه  عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.

وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.

ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.

ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.

فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.

وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق  تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.

فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.

ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.

وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.

ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.

أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.

قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.

وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟

وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.

وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.

أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.

فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.

وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.

وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.

فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.

قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي  حين قال بيده يا غلام من أبوك؟

فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.

وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.

ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.

فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.

فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .

ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله  قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.

ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.

فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله  : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.

ومنها قوله  : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .

ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.

ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي  قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!

فقال النبي  : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .

ومنها رواية أبي هريرة عن النبي  : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟

قال: فلان ابن فلان.

فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟

قال: ولم تسأل عن ذلك؟

قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.

قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي  ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.

ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.

فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.

قال علي بن أبي طالب  : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.

فقدم رسول ذلك الجيش.

فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.

قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي  لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.

فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.

ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.

فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.

فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.

وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.

ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.

ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله  فألقوها في النار فانطفأت في الحال.

ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.

فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.

قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.

وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!

فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله  ؟

فقال: لا ولكن فراسة صادقة.

وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم  ﴾ .

ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.

وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي  فقال: أسرقت؟

قال: نعم.

فقطع يده فانصرف من عند علي  فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟

قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.

فقال: قطع يدك وتمدحه.

قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.

فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً  فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله  .

وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله  قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.

وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله  حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.

وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟

فقال: خل.

فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.

فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.

فلما فتحوا فإذا هي خل.

فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.

فقال: هذه والله دعوة خالد.

ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.

وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.

وروي أن النبي  بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.

وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.

وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.

فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.

وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله  ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.

قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.

حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.

وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.

وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.

والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.

جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال  حكاية عن الله  : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.

وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.

قالوا: قال  : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد  حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.

وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً  لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.

والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.

قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.

وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله  : ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!

في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.

واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله  ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.

وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.

فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.

قيل: من هنا قال  : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.

ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.

وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.

قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله  أعلم.

قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال  : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.

فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.

فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.

وهذا نهي تأديب لنبيه  لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.

قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله  غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.

واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.

وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.

ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.

وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.

وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.

وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.

وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.

قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.

وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.

وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.

واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.

وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.

فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.

عن قتادة.

أن قوله  : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.

وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.

ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً  ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".

فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.

وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.

ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.

ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.

والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.

وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.

واقتصر على بيانه.

وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.

وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!

وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله  أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.

واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى  وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.

وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.

وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.

وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.

قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله  أعلم.

التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد  إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا  ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود  ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .

هو التمتع من حسن الله وجماله.

﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.

ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.

وإنهم طلبوا النجاة من شر.

والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.

فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.

﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.

﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.

المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول  : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.

قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.

وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.

قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.

ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله  : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.

﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.

﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.

﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.

﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله  ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ ﴾ .

قيل: أحسبت.

وقيل: قد حسبت.

ويحتمل بمعنى: بل حسبت، كقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ  ﴾ أي: بل يقولون، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ .

وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب والإلزام، ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر: احسب واعلم: أن أبناء الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً.

أو ما ذكرنا: بل حسبت، وهو كذلك.

أو يقول: لا تحسبن أن أصحاب الكهف والرقيم من آياتنا عجبٌ ليس أعجب منها، بل أتاك آيات أعجب منها بكثير، والله أعلم.

ثم اختلف في ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : الكتاب؛ كقوله: ﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ  ﴾ ، أي: مكتوب.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : الوادي الذي فيه كهفهم.

وقيل: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : اللوح الذي كتب فيه أسامي الفتية.

وقيل: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : القرية التي خرجت الفتية منها وكذلك روي عن ابن عباس -  - أنه قال: ما أدري ما الرقيم؟

لكني سألت كعباً عنها فزعم أنها القرية التي خرجوا منها.

وقيل: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : الكلب الذي كان معهم.

قالوا أمثال ما ذكرنا، وليس بنا إلى معرفة الكهف والرقيم حاجة، إنما ذلك بلسانهم ولم يسألوا عن الكهف والرقيم، وإنما سألوا عن أصحاب الكهف والرقيم مما ينبغي لهم أن يشتغلوا به.

ثم قال أهل التأويل: إن رسول الله  سئل عن قصة أصحاب الكهف والرقيم وأنبائهم، فقال: أخبركم غداً ولم يستثن، فعاقبه الله فيه أن حبس عنه الوحي كذا وكذا يوماً، فنزل: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً  إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

لكن ذلك فاسد، وما توهموا على رسول الله  محال؛ لأنه كذب لا يجوز أن يكون رسول الله يقول: (أخبركم غداً) والله لم يأمره بذلك، أو قال ولم يستثن؛ فيحبس الله الوحي عنه، ولا يخبرهم في الوقت الذي قال إنه يخبرهم؛ فيظهر كذبه عندهم بعدما اختاره لرسالته، واصطفاه لموضع وحيه، ثم يكذبه فيما أخبر؛ هذا فاسد محال غير محتمل ما توهموا به على الله وعلى رسوله، قد كان من كفار مكة السعي في منع رسول الله عن تبليغ الرسالة إلى الناس، والحيلولة عن الدعاء إلى ما أمر أن يدعوهم، واستقبال حججه وبراهينه بتمويهاتهم، وقد ذكر في غير قصة وخبر: أنهم سألوا اليهود عنه، وعن نعته: هل تجدون نعته في كتبكم؟

أن لم يكونوا أهل كتاب يعلمون ذلك؛ فاحتاجوا إلى من يعلمهم ويخبرهم عنه، فسألوا يهود المدينة عنه وعن خبره، فقالوا: نجد نعته في كتابنا كما يقولون، فهذا وقت خروجه وأوانه، فقالوا لهم: حدثونا بشيء نسأله لا يعلمه إلا نبيّ، فقالوا: سلوه عن ثلاث خصال، فإن أجابهن، فهو نبي، وإلا فهو كذاب، اسألوه عن أصحاب الكهف، واسألوه عن ذي القرنين فإن كان ملكاً، وكان من أمره كذا وكذا، واسألوه عن الروح، فإن أخبركم فهو نبي، وإن لم يخبركم فهو كذاب، فسألوه، فأخبرهم عن ذلك.

وفي بعض القصة: اسألوه عن الروح، فإن أخبركم عنه، فهو ليس بنبيّ وإن لم يخبركم، ولكنه وكل أمره إلى الله فهو نبي.

ثم قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ﴾ : يحتمل أن يكون الخطاب وإن كان لرسول الله  فالمراد به غيره، على ما خاطبه في غير آي من القرآن والمراد به غيره.

ويحتمل أن الخطاب له والمراد هو، وإن كان هو المخاطب بهذا، فإنه يحتمل قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ...

﴾ إلى آخره وجهين: أحدهما: يقول: قد حسبت أن أنباءهم وأخبارهم كانت من آياتنا لرسالتك ونبوتك عجباً؛ فيكون الحساب على هذا التأويل في موضع العلم واليقين، كأنه قال: قد علمت أن أنباء أصحاب الكهف وأخبارهم آية عجيبة لرسالتك.

والثاني: إخبار عن أحوالهم وتقلبهم من حال إلى حال، فإن كان على هذا، فيكون الحسبان في موضع الحسبان، كأنه قال: قد حسبت أن أحوالهم وتقلبهم كان من آياتنا عجباً، هذا إذا كان الخطاب به لرسول الله  ، وأمّا إذا كان الخطاب به لغيره، فإنه يجوز على الحسبان والظن وغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ ﴾ : أي: انضم.

قال بعضهم: الكهف: الغار في الجبل.

وقيل: الفضاء.

وقيل: الملجأ.

ولكن قد ذكرنا: أنا لا ندري ما الكهف وما الرقيم؟

ذلك بلسانهم، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، وهم الفتية اسم الأحداث منهم والشبان، لا اسم المشيخة، ثم يكون المماليك والخدم، ويكون الأحرار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ : قال الحسن: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي: جنة، ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ أي: يسيراً، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ .

فهذا ليس بدعاء، إنما هو تلقين وإلهام منه إياهم، فيكون تفسيراً للأول.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي: رزقاً؛ لأنهم كانوا يفارقون قومهم؛ لكفرهم؛ ليسلم لهم دينهم الذي هم عليه، وهو الإسلام، وقد عرفوا أنه يسع مفارقة الناس طلباً لسلامة الدين، ولكن لم يعرفوا أنه يسع قوتهم، وما به قوام أنفسهم إلى مكان خال عن ذلك فسألوا ربهم الرزق؛ إشفاقاً على أنفسهم بقولهم: ﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي: رزقاً ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ أي: احمل جميع أمورنا على الصواب والرشد على ما ذكرنا: أنهم عرفوا سعة المفارقة للدين، ولكن لم يعرفوا سعة ذلك؛ إذا كان فيه خوف هلاك أنفسهم، فسألوا ربهم أن يحمل أمرهم ذلك على الرشد والصواب.

ويحتمل ﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ : نعمة وسعة، وهيئ لنا من أمر ديننا صواباً، يقول ﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ .

وقوله عز وجل: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴾ : الضرب على الآذان: هو المحو، محو الأسماع، ويقال: اضرب على حديث كذا: امحه.

ثم يحتمل محو الأسماع وجهين: أحدهما: محو الأرواح التي بها تحيا الأنفس؛ فيكون كناية عن الموت.

أو يكون محو أرواح الأسماع التي تسمع لا الموت، فلما قال في آية أخرى: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ  ﴾ دل أنه إنما أراد محو أرواح الأسماع، لا محو الأرواح التي بها حياة الأنفس، وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ...

﴾ الآية [الأنعام: 60].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ ، من رقودهم؛ ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ﴾ أي: لنعلم ما قد علمناه غائباً شاهداً؛ إذ كان عالماً بما يكون منهم، وتأويله: ما ذكرنا: ليعلم الخلق شاهداً، كما علم هو غائباً.

أو ليعلم المخطئ منهم من المصيب، إذ محال وصفه بالعلم بالمخطئ ولا مخطئ ثم، وبالمصيب ولا مصيب ثمة، فإذا كان كذلك فيكون قوله: ليعلم المخطئ من المصيب، والمصيب من المخطئ إذا كان، وأصله: أنه يعلمه كائنا على ما علم أنه يكون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ .

يحتمل: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ﴾ قال بعضهم: مشركيهم ومؤمنيهم.

ومنهم من قال: الملك والفتية.

وقال بعضهم: هم اختلفوا في مكثهم إذ بعثوا.

قال بعضهم: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، وقال بعضهم: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ ولكن لسنا ندرى من أي الحزبين، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، سوى أنا ذكرنا قول أهل التأويل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، الحق في النبأ: الصدق، والحق في الأحكام: العدل، وفي الأفعال: الصواب.

وقال بعضهم: الحق - هاهنا -: هو القرآن، فيكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: في الحق، وهو القرآن، أي: نقص عليك نبأهم في القرآن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ .

هذان الحرفان معناهما واحد: الزيادة والربط، كل واحد منهما يؤدي معنى صاحبه زيادة الهدى، أي: ثبتناهم على الهدى.

ويجوز أن يقال: هو التثبيت والربط.

وكذلك يجوز أن يقال على التجديد والابتداء، إذ للإيمان حكم التجدد في كل وقت؛ إذ هو يكون منكراً جاحداً للكفر في كل وقت؛ فهو مجدد للإيمان كذلك في كل وقت؛ فإن شئت حملته على الثبات والزيادة على ما كان، وإن شئت على الابتداء والتجدد، وكذلك قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ أي: من حكم الله أن من اهتدى زاده هدى؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى  ﴾ ، لكن هذا لو كان على ما ذكر، لكان لا يجوز أن يكفر إذا اهتدى مرة، لا يزال يزيد له هدى، فإذا لم يكن دلّ أنه لا يصح ذلك، والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِذْ قَامُواْ ﴾ بالحجج والبراهين.

ويحتمل: ﴿ إِذْ قَامُواْ ﴾ بالنهوض إلى الكهف، حين انضموا إليه.

أو قاموا لله ولدينه.

أو قاموا من عند أولئك الكفرة، فقالوا ما ذكر: ﴿ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: قالوا: ربنا هو رب السماوات والأرض ورب ما فيهن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً ﴾ أي: لن نسميهم آلهة؛ على ما سمى قومهم الأصنام التي عبدوها: آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ قُلْنَا ﴾ .

من دونه إلهاً، فسموهم: آلهة، على زعمهم، وعلى ما عندهم؛ كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ لا يجوز أن يسمي الأنبياء الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، وهي ليست بآلهة، ولكن قالوا ذلك على زعمهم، وعلى ما عندهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً ﴾ ، أي: لن نعبد، فإن كان على العبادة، ففيه إضمار، أي: لن نعبد من دونه إلهاً غير الله، كفعل قومنا، ولو فعلنا لقد قلنا شططاً، أي: جوراً وظلماً.

ثم قال: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ : يعبدونها ﴿ لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾ ، أي: هلا يأتون على تسميتهم آلهة أو استحقاق العبادة لها بحجة بينة.

ثم حرف (هلا) يستعمل في الماضي، ويستعمل في المستقبل، فإن كان على الماضي فهو على الإنكار، أي: لم يكن؛ وإن كان على المستقبل فهو على السؤال، أي: ائتوا بحجة بينة على أنها آلهة، كما أتوا هم: أن الله هو الإله الحق، وأنه خالق السماوات والأرض، ورب ما فيهما.

قال القتبي: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ ﴾ أي: أنمناهم، والأمد: هو الغاية، ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، أي: ألهمناهم الصبر، وثبتنا قلوبهم.

وقوله: ﴿ شَطَطاً ﴾ ، أي: غلوا، يقال: أشط على؛ إذا غلا في القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ .

أي: لا أحد أظلم ممن جعل مع الله آلهة، وقد ذكرنا تأويله في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود -  -: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله) فتأويل الآية على القراءة الظاهرة: وما يعبدون إلا الله، أي: وإن اعتزلتموهم، والذين لا يعبدون إلا الله، فلا تعتزلوا عبادته؛ لأنه كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الله أيضاً ويرونه معبوداً؛ فكأنهم قالوا: وإذا اعتزلتموهم والذين يعبدون إلا الله فلا تعتزلوه، وهو كقول إبراهيم -  - لقومه حيث قال: ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ...

﴾ الآية [الشعراء: 75-76] استثنى عبادة رب العالمين من بين عبادة من يعبدون من دونه؛ إذ كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الله ويرونه معبوداً؛ إلا أن بعضهم لا يرون أنفسهم بلغت مرتبة عبادة الله، فيعبدون الأصنام؛ رجاء أن تشفع لهم عنده، أو تقرب عبادتهم إلى الله زلفى وأمثاله.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ : على التقديم والتأخير، أي: وإذ اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف؛ لأنهم كانوا لا يعبدون إلا الله يعني: أصحاب الكهف.

والثاني: ما ذكرنا: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدونهم في الحقيقة إلا الله، وإن كانوا في الظاهر يعبدون غير الله.

وتأويل قراءة عبد الله بن مسعود -  -: وإذ اعتزلتموهم وجميع ما يعبدون من دون الله.

ويحتمل أن يكون هذا منهم ليس على القول والنطق؛ ولكن ألقى في قلوبهم وقذف: أنهم إذ فارقوا قومهم وباينوا يأوون إلى الكهف وينشر لكم ربكم من رحمته.

وقال الحسن: إن في قومهم من قد آمن سواهم؛ فقالوا: إنكم إذا باينتم وفارقتم فأووا إلى الكهف، فلا تقعدوا معهم فلعلهم يلحقونكم ويطلبون لقاءكم، فلا تقعدوا معهم.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ ، لما عزموا أن يفارقوا قومهم اعترض لهم الشيطان، فقال: إنكم تفارقون قومكم إلى مكان، وليس معكم شراب ولا طعام؛ فتهلكون أنفسكم؛ فدفعوا وساوسه؛ بقوله: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ .

ثم قوله: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ ، قال بعضهم: يخلق لكم ربكم، كقوله: ﴿ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا  ﴾ بالراء، أي: كيف نخلقها.

وقال بعضهم: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ ﴾ ، أي: يبسط، والنشر: هو البسط.

قوله عز وجل: ﴿ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ : يحتمل الرزق، ويحتمل كل شيء به يدفع الهلاك عن أنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ .

أي: ما ترفقون به وتنتفعون به، وهو قول أبي عوسجة، وهو من الرفق، والمرفق - أيضاً - مثله؛ لأنه: ينتفع [به].

وقال القتبي: ﴿ مِّرْفَقاً ﴾ : ما يرتفق به.

وقال أبو عبيدة: المِرْفق: ما ارتفقت به، فأما في اليدين فهو مَرْفِق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم بعد سيرهم ولجوئهم إلى الكهف ضربنا على آذانهم حجابًا عن سماع الأصوات، وألقينا عليهم النوم أعوامًا كثيرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZP0Be"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله