الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ١٤ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم ، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة ، فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم ، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم ، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد ، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ، ويذبحون لها ، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له : " دقيانوس " ، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه .
فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك ، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم ، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم ، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها ، لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض .
فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه ، وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية .
فكان أول من جلس منهم [ وحده ] أحدهم ، جلس تحت ظل شجرة ، فجاء الآخر فجلس عنده ، وجاء الآخر فجلس إليهما ، وجاء الآخر فجلس إليهم ، وجاء الآخر ، وجاء الآخر ، وجاء الآخر ، ولا يعرف واحد منهم الآخر ، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان ، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقا ، من حديث يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف " .
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبيه ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
والناس يقولون : الجنسية علة الضم .
والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه ، خوفا منهم ، ولا يدري أنهم مثله ، حتى قال أحدهم : تعلمون - والله يا قوم - إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم ، إلا شيء فليظهر كل واحد منكم ما بأمره .
فقال آخر : أما أنا فإني [ والله ] رأيت ما قومي عليه ، فعرفت أنه باطل ، وإنما الذي يستحق أن يعبد [ وحده ] ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق كل شيء السموات والأرض وما بينهما .
وقال الآخر : وأنا والله وقع لي كذلك .
وقال الآخر كذلك ، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة ، فصاروا يدا واحدة وإخوان صدق ، فاتخذوا لهم معبدا يعبدون الله فيه ، فعرف بهم قومهم ، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم ، فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوه بالحق ، ودعوه إلى الله عز وجل ؛ ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله : ( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ) و " لن " لنفي التأبيد ، أي : لا يقع منا هذا أبدا ؛ لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلا ؛ ولهذا قال عنهم : ( لقد قلنا إذا شططا ) أي : باطلا وكذبا وبهتانا .
القول في تأويل قوله : ( وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ) يقول عز ذكره: وألهمناهم الصبر، وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى عزفت أنفسهم عما كانوا عليه من خفض العيش.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة ( وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ) يقول: بالإيمان.
قوله: ( إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: حين قاموا بين يدي الجبار دقينوس، فقالوا له إذ عاتبهم على تركهم عبادة آلهته ( رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: قالوا ربنا ملك السماوات والأرض وما فيهما من شيء، وآلهتك مربوبة، وغير جائز لنا أن نترك عبادة الربّ ونعبد المربوب ( لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا ) يقول: لن ندعو من دون ربّ السموات والأرض إلها، لأنه لا إله غيره، وإن كلّ ما دونه فهو خلقه ( لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) يقول جل ثناؤه: لئن دعونا إلها غير إله السماوات والأرض، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره إلها، شططا من القول: يعني غاليا من الكذب، مجاوزا مقداره في البطول والغلوّ: كما قال الشاعر: ألا يـا لَقَـوْمي قـد أشْـطَتْ عَوَاذِلي ويــزْعُمْنَ أنْ أوْدَى بِحَـقِّي بـاطلي (7) يقال منه: قد أشط فلان في السوم إذا جاوز القدر وارتفع، يشط إشطاطا وشططا.
فأما من البعد فإنما يقال: شط منـزل فلان يشطّ شطوطا ، ومن الطول: شطت الجارية تشطّ شطاطا وشطاطة: إذا طالت.
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله (شَطَطا) قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) يقول كذبا.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) قال: لقد قلنا إذن خطأ، قال: الشطط: الخطأ من القول.
قوله تعالى : وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططاقوله تعالى : وربطنا على قلوبهم عبارة عن شدة عزم وقوة صبر ، أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار : ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا .
[ ص: 328 ] ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط ; ومنه يقال : فلان رابط الجأش ، إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها .
ومنه الربط على قلب أم موسى .
وقوله - تعالى - : وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام وقد تقدم .قوله تعالى : إذ قاموا فقالوا فيه مسألتان :الأولى : قوله - تعالى - : إذ قاموا فقالوا يحتمل ثلاثة معان : أحدها : أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر - كما تقدم ، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ، ورفضوا في ذات الله هيبته .
والمعنى الثاني فيما قيل : إنهم أولاد عظماء تلك المدينة ، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد ; فقال أسنهم : إني أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض ; فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا .
فقاموا جميعا فقالوا : ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا .
أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا .
والمعنى الثالث : أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله - تعالى - ومنابذة الناس ; كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد .الثانية : قال ابن عطية : تعلقت الصوفية في القيام والقول بقوله إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض .قلت : وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته ، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته ، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم ; وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء .
أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان ; هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء .
ثم هذا حرام عند جماعة العلماء ، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله - تعالى - .
وقد تقدم في " سبحان " عند قوله : ولا تمش في الأرض مرحا ما فيه كفاية .
وقال الإمام أبو بكر الطرسوسي وسئل عن مذهب الصوفية فقال : وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري ; لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ; فهو دين الكفار وعباد العجل ، على ما يأتي .
{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي صبرناهم وثبتناهم، وجعلنا قلوبهم مطمئنة في تلك الحالة المزعجة، وهذا من لطفه تعالى بهم وبره، أن وفقهم للإيمان والهدى، والصبر والثبات، والطمأنينة.
{ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: الذي خلقنا ورزقنا، ودبرنا وربانا، هو خالق السماوات والأرض، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام، التي لا تخلق ولا ترزق، ولا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية، ولهذا قالوا: { لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا } أي: من سائر المخلوقات { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا } أي: إن دعونا معه آلهة، بعد ما علمنا أنه الرب الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة، إلا له { شَطَطًا } أي: ميلا عظيما عن الحق، وطريقا بعيدة عن الصواب، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والتزام ذلك، وبيان أنه الحق وما سواه باطل، وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم، وزيادة الهدى من الله لهم.
( وربطنا ) شددنا ( على قلوبهم ) بالصبر والتثبيت وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم ومفارقة ما كانوا فيه من العز وخصب العيش وفروا بدينهم إلى الكهف ( إذ قاموا ) بين يدي دقيانوس حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم ( فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ) قالوا ذلك لأن قومهم كانوا يعبدون الأوثان ( لقد قلنا إذا شططا ) يعني : إن دعونا غير الله لقد قلنا إذا شططا ، قال ابن عباس : جورا .
وقال قتادة : كذبا .
وأصل الشطط والإشطاط مجاوزة القدر والإفراط .
«وربطنا على قلوبهم» قويناها على قول الحق «إذ قاموا» بين يدي ملكهم وقد أمرهم بالسجود للأصنام «فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه» أي غيره «إلها لقد قلنا إذا شططا» أي قولاً ذا شطط أي إفراط في الكفر إن دعونا إلها غير الله فرضا.
وقوَّينا قلوبهم بالإيمان، وشددنا عزيمتهم به، حين قاموا بين يدي الملك الكافر، وهو يلومهم على تَرْكِ عبادة الأصنام فقالوا له: ربنا الذي نعبده هو رب السموات والأرض، لن نعبد غيره من الآلهة، لو قلنا غير هذا لكُنَّا قد قلنا قولا جائرًا بعيدًا عن الحق.
ثم حكى - سبحانه - جانبا من مظاهر هدايته لهم فقال : ( وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ ) .وأصل الربط : الشد ، يقال ، ربطت الدابة ، أى : شددتها برباط ، والمراد به هنا : ما غرسه الله فى قلوبهم من قوة ، وثبات على الحق ، وصبر على فراق أهليهم ، ومنه قولهم : فلان رابط الجأش ، إذا كان لا يفزع عند الشدائد والكروب .والمراد بقيامهم : عقدهم العزم على مفارقة ما عليه قومهم من باطل ، وتصميمهم على ذلك تصميما لا تزحزحه الخطوب مهما كانت جسيمة .ويصح أن يكون المراد بقيامهم : وقوفهم فى وجه ملكهم الجبار بثبات وقوة ، دون أن يبالوا به عندما أمرهم بعبادة ما يعبده قومهم ، وإعلانهم دين التوحيد ، ونبذهم لكل ما سواه من شرك وضلال .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - ( إذ قاموا ) يحتمل ثلاثة معان .
أحدها : أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدى الملك الكافر ، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ، ورفضوا ما دعاهم إليه .والمعنى الثانى فيما قيل : إنهم أولاد عظماء تلك المدينة فخرجوا واجتمعوا وراءها من غير ميعاد ، وتعاهدوا على عبادة الله وحده .والمعنى الثالث : أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله - تعالى - ومنابذة الناس ، كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا ، إذا عزم عليه بغاية الجد .وعلى أية حال فالجملة الكريمة تفيد أن هؤلاء الفتية كانت قلوبهم ثابتة راسخة ، مطمئنة إلى الحق الذى اهتدت إليه ، معتزة بالإِيمان الذى أشربته ، مستبشرة بالإِخاء الذى جمع بينها على غير ميعاد ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول :" الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " .ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد أن استقر الإِيمان فى نفوسهم فقال : ( فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها .
.
) .أى : أعلنوا براءتهم من كل خضوع لغير الله - عز وجل - حين قاموا فى وجه أعدائهم ، وقالوا بكل شجاعة وجرأة : ربنا - سبحانه - هو رب السموات والأرض ، وهو خالقهما وخالق كل شئ ، ولن نعبد سواه أى معبود آخر .ونفوا عبادتهم لغيره - سبحانه - بحرف - " لن " للإِشعار بتصميمهم على ذلك فى كل زمان وفى كل مكان ، إذ النفى بلن أبلغ من النفى بغيرها .قال الآلوسى : وقد يقال؛ إنهم أشاروا بالجملة الأولى - وهى : ربنا رب السموات والأرض - إلى توحيد الربوبية ، وأشاروا بالجملة الثانية - لن ندعو من دونه إلها - إلى توحيد الألوهية ، وهما أمران متغايران ، وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا ، ويقولون بالأول : ( وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ) وحكى - سبحانه - عنهم أنهم يقولون : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى ) وصح أنهم كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك .وقوله - سبحانه - ( لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً ) تأكيد لبراءتهم من كل عبادة لغير الله - تعالى - .والشطط : مصدر معناه مجاوزة الحد فى كل شئ ، ومنه : أشط فلان فى السَّومْ إذا جاوز الحد ، وأشط فى الحكم إذا جاوز حدود العدل : وهو صفة لموصوف محذوف ، وفى الكلام قسم مقدر ، واللام فى " لقد " واقعة فى جوابه ، و " إذا " حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر .أى : ربنا رب السموات والأرض ، لن ندعو من دون إلها .
ولو فرض أننا دعونا وعبدنا من دونه إلها آخر ، والله لنكونن فى هذه الحالة قد قلنا إذا قولا شططا ، أى : بعيدا بعدا واضحا عن دائرة الحق والصواب .والأية الكريمة تدل على قوة إيمان هؤلاء الفتية ، وعلى أن من كان كذلك ثبت الله - تعالى - قلبه ، وقواه على تحمل الشدائد ، كما تدل على أن من أشرك مع الله - تعالى - إلها آخر ، يكون بسبب هذا الإِشراك ، قد جاء بأمر شطط بعيد كل البعد عن الحق والصواب وصدق الله إذ يقول : ( وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) ثم
اعلم أنه تعالى ذكر من قبل جملة من واقعتهم ثم قال: ﴿ إنهم فتية آمنو بربهم ﴾ أي على وجه الصدق: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم ﴾ كانوا جماعة من الشبان آمنوا بالله، ثم قال تعالى في صفاتهم: ﴿ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ ﴾ أي ألهمناها الصبر وثبتناها: ﴿ إِذْ قَامُواْ ﴾ وفي هذا القيام أقوال: الأول: قال مجاهد كانوا عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أن أحداً يجده، قالوا ما تجد؟
قال أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض.
القول الثاني: أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار، وقالوا: ربنا رب السموات والأرض، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله، وصرحوا بالبراءة عن الشركاء والأنداد.
والقول الثالث: وهو قول عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن الله استأنف قصتهم بقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ وقوله: ﴿ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾ معنى الشطط في اللغة مجاوزة الحد، قال الفراء يقال قد أشط في السوم إذ جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط أشطاطاً وشططاً، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد، ومنه قوله: ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت، فالشطط البعد عن الحق، وهو هاهنا منصوب على المصدر، والمعنى لقد قلنا إذا قولاً شططاً، أما قوله: ﴿ هَؤُلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً ﴾ هذا من قول أصحاب الكهف ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام ﴿ لَّوْلاَ يَأْتُونَ ﴾ - هلا يأتون- ﴿ عَلَيْهِم بسلطان بَيّنٍ ﴾ بحجة بينة، ومعنى عليهم أي على عبادة الآلهة، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدلائل على ذلك لا يدل على عدم المدلول، ومن الناس من يحتج بعدم الدليل على عدم المدلول ويستدل على صحة هذه الطريقة بهذه الآية.
فقال إنه تعالى استدل على عدم الشركاء والأضداد بعدم الدليل عليها فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة قوية، ثم قال: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ يعني أن الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وكذب عليه، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وزدناهم هُدًى ﴾ بالتوفيق والتثبيت ﴿ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ ﴾ وقويناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام ﴿ إِذْ قَامُواْ ﴾ بين يدي الجبار وهو دقيانوس، من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم ﴿ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض.....
شَطَطًا ﴾ قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه، من شط: إذا بعد.
ومنه أشط في السوم وفي غيره ﴿ هَؤُلاء ﴾ مبتدأ، و ﴿ قَوْمُنَا ﴾ عطف بيان ﴿ واتخذوا ﴾ خبر وهو إخبار في معنى إنكار ﴿ لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم ﴾ هلا يأتون على عبادتهم، فحذف المضاف ﴿ بسلطان بَيّنٍ ﴾ وهو تبكيت؛ لأنّ الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لابد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت ﴿ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ بنسبة الشريك إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ وقَوَّيْناها بِالصَّبْرِ عَلى هَجْرِ الوَطَنِ والأهْلِ والمالِ، والجَراءَةِ عَلى إظْهارِ الحَقِّ والرَّدِّ عَلى دِقْيانُوسَ الجَبّارِ.
﴿ إذْ قامُوا ﴾ بَيْنَ يَدَيْهِ.
﴿ فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا ذا شَطَطٍ أيْ ذا بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ مُفْرِطٍ في الظُّلْمِ.
﴿ هَؤُلاءِ ﴾ مُبْتَدَأٌ.
﴿ قَوْمُنا ﴾ عَطْفُ بَيانٍ.
﴿ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ خَبَرُهُ، وهو إخْبارٌ في مَعْنى إنْكارٍ.
﴿ لَوْلا يَأْتُونَ ﴾ هَلّا يَأْتُونَ.
﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ عَلى عِبادَتِهِمْ.
﴿ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ﴾ بِبُرْهانٍ ظاهِرٍ فَإنَّ الدِّينَ لا يُؤْخَذُ إلّا بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنَ الدِّياناتِ مَرْدُودٌ وأنَّ التَّقْلِيدَ فِيهِ غَيْرُ جائِزٍ.
﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بِنِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ} وقويناها بالصبر على هجران الأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام {إِذْ قَامُواْ} بين يدي الجبار وهو دقيانوس من غير مبالاة به حين
عاتبهم على ترك عبادة الأصنام {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض} مفتخرين {لَن نَّدْعُوَاْ مِن دونه إلها} ولئن سيماهم آلهة {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} قولاً ذا شطط وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط يشط ويشط إذا بعد
﴿ ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ قَوَّيْناها بِالصَّبْرِ فَلَمْ تُزَحْزِحْها عَواصِفُ فِراقِ الأوْطانِ وتَرْكِ الأهْلِ والنَّعِيمِ والإخْوانِ ولَمْ يُزْعِجْها الخَوْفُ مِن مَلِكِهِمُ الجَبّارِ ولَمْ يَرُعْها كَثْرَةُ الكُفّارِ، وأصْلُ الرَّبْطِ الشَّدُّ المَعْرُوفُ واسْتِعْمالُهُ فِيما ذُكِرَ مَجازٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ.
وفي الأساسِ: رَبَطْتُ الدّابَّةَ شَدَدْتُها بِرِباطِ، والمَرْبِطُ الحَبْلُ، ومِنَ المَجازِ: رَبَطَ اللَّهُ تَعالى عَلى قَلْبِهِ صَبَّرَهُ، ورابِطُ الجَأْشِ.
وفِي الكَشْفِ: لَمّا كانَ الخَوْفُ والتَّعَلُّقُ يُزْعِجُ القُلُوبَ عَنْ مَقارِّها ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ ﴾ قِيلَ: في مُقابِلِهِ رَبَطَ قَلْبُهُ إذا تَمَكَّنَ وثَبَتَ وهو تَمْثِيلٌ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، وعُدِّيَ الفِعْلُ بِعَلى وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ كَقَوْلِهِ: يَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي.
﴿ إذْ قامُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِرَبَطْنا، والمُرادُ بِقِيامِهِمُ انْبِعاثُهم بِالعَزْمِ عَلى التَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى ومُنابَذَةِ النّاسِ كَما في قَوْلِهِمْ: قامَ فُلانٌ إلى كَذا إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ المُرادُ بِهِ انْتِصابُهم لِإظْهارِ الدِّينِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهم خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ فاجْتَمَعُوا وراءَها عَلى غَيْرِ مِيعادٍ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: هو أشْبَهُهم إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أحَدًا يَجِدُهُ قالُوا: ما تَجِدُ؟
قالَ: أجِدُ في نَفْسِي أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ.
فَقالُوا أيْضًا: نَحْنُ كَذَلِكَ فَقامُوا جَمِيعًا ﴿ فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ القَوْلُ بِاجْتِماعِهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ بَعْضَهم أخْفى حالَهُ عَنْ بَعْضٍ حَتّى تَعاهَدُوا فاجْتَمَعُوا عَلى كَلِمَةٍ فَقالُوا ذَلِكَ.
وقالَ صاحِبُ «الغَنِيّانِ» المُرادُ بِهِ وُقُوفُهم بَيْنَ يَدَيِ الجَبّارِ دِقْيانُوسَ، وذَلِكَ أنَّهم قامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ دَعاهم إلى عِبادَةِ الأوْثانِ فَهَدَّدَهم بِما هَدَّدَهم فَبَيْنَما هم بَيْنَ يَدَيْهِ تَحَرَّكَتْ هِرَّةٌ وقِيلَ فَأْرَةٌ فَفَزِعَ الجَبّارُ مِنها فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنْ قالُوا ذَلِكَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ قِيامُهم لِدَعْوَةِ النّاسِ سِرًّا إلى الإيمانِ.
وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ قِيامُهم مِنَ النَّوْمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ إنَّ المُرادَ قِيامُهم عَلى الإيمانِ، وما أحْسَنَ ما قالُوا؛ فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لِلسَّمَواتِ والأرْضِ تَقْتَضِي رُبُوبِيَّتَهُ لِما فِيهِما وهم مِن جُمْلَتِهِ أيِ اقْتِضاءً، وأرْدَفُوا دَعْواهم تِلْكَ بِالبَراءَةِ مِن إلَهٍ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالُوا: ﴿ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا ﴾ وجاءُوا بِلَنْ لِأنَّ النَّفْيَ بِها أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِغَيْرِها حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْراقَ الزَّمانِ فَيَكُونُ المَعْنى: لا نَعْبُدُ أبَدًا مِن دُونِهِ إلَهًا أيْ مَعْبُودًا آخَرَ لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، قِيلَ: وعَدَلُوا عَنْ قَوْلِهِمْ رَبًّا إلى قَوْلِهِمْ «إلَهًا» لِلتَّنْصِيصِ عَلى رَدِّ المُخالِفِينَ حَيْثُ كانُوا يُسَمُّونَ أصْنامَهم آلِهَةً، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ العِبادَةِ وصْفُ الأُلُوهِيَّةِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الأُلُوهِيَّةِ لا بِطَرِيقِ المالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّهم أشارُوا بِالجُمْلَةِ الأُولى إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وبِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وهُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ لا يَقُولُونَ بِهَذا ويَقُولُونَ بِالأوَّلِ؛ ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ وحَكى سُبْحانَهُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى ﴾ وصَحَّ أنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
وجاءُوا بِالجُمْلَةِ الأُولى مَعَ أنَّ ظاهِرَ القِصَّةِ كَوْنُهم بِصَدَدِ ما تُشِيرُ إلَيْهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مِن تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْمَهم إنَّما أشْرَكُوا فِيها وهم إنَّما دُعُوا لِذَلِكَ الإشْراكِ دَلالَةً عَلى كَمالِ الإيمانِ، وابْتَدَءُوا بِما يُشِيرُ إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّوْحِيدِ، والتَّوْحِيدُ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ الأرْواحُ في عالَمِ الذَّرِّ يَوْمَ قالَ لَها سُبْحانَهُ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ أوَّلًا وذِكْرِ الآخَرِ بَعْدَهُ تَدَرُّجٌ في المُخالَفَةِ فَإنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ يُشِيرُ إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ اخْتِصاصَ الرُّبُوبِيَّةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ عِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ المَعْبُودِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَدْ ألْزَمَ جَلَّ وعَلا الوَثَنِيَّةَ القائِلِينَ بِاخْتِصاصِ الرُّبُوبِيَّةِ بِذَلِكَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ الأُولى لِكَوْنِها مُشِيرَةً إلى تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ مُشِيرَةً إلى تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ قِيلَ: إنَّ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ تَأْكِيدًا لَها فَتَأمَّلْ، ولا تَعْجَلْ بِالِاعْتِراضِ.
والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ النَّكِرَةِ بَعْدَهُ، ولَوْ أُخِّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ: لَنْ نَدْعُوَ إلَهًا كائِنًا مِن دُونِهِ تَعالى ﴿ لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ أيْ: قَوْلًا ذا شَطَطٍ، أيْ بُعْدٍ عَنِ الحَقِّ مُفْرِطٍ أوْ قَوْلًا هو عَيْنُ الشَّطَطِ والبُعْدِ المُفْرِطِ عَنِ الحَقِّ عَلى أنَّهُ وصَفَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلى الوَصْفِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ «شَطَطًا» مَفْعُولًا بِهِ لِقُلْنا، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ بِالكَذِبِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالخَطَأِ، والسُّدِّيُّ بِالجَوْرِ، والكُلُّ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، وأصْلُ مَعْناهُ ما أشَرْنا إلَيْهِ لِأنَّهُ مِن شَطَّ إذا أفْرَطَ في البُعْدِ، وأنْشَدُوا: شَطَّ المُرادُ بِحُزْوى وانْتَهى الأمَلُ وفِي الكَلامِ قَسَمٌ مُقَدَّرٌ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِهِ، و«إذًا» حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ فَتَدُلُّ عَلى شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: لَوْ دَعَوْنا وعَبَدْنا مِن دُونِهِ إلَهًا واللَّهِ لَقَدْ قُلْنا إلَخْ، واسْتِلْزامُ العِبادَةِ القَوْلَ لِما أنَّها لا تَعْرى عَنِ الِاعْتِرافِ بِأُلُوهِيَّةِ المَعْبُودِ، والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، وفي هَذا القَوْلِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الفِتْيَةَ دُعُوا لِعِبادَةِ الأصْنامِ ولِيمُوا عَلى تَرْكِها، وهَذا أوْفَقُ بِكَوْنِ قِيامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ <div class="verse-tafsir"
وقال عز وجل: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ، أي حفظنا قلوبهم على الإيمان: وقيل: ألهمناهم الصبر حتى ثبتوا على دينهم.
إِذْ قامُوا من نومهم: ويقال: قاموا بإثبات الحجة، ويقال: خرجوا من عند الملك.
فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، أي لم نقل من دون الله ربا وإن فعلنا لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً، أي كذباً وجوراً.
ويقال: شَطَطاً، أي علواً، يقال: قد أشط إذا علا في القول، أي جاوز الحد.
هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا، أي عبدوا.
مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ، يعني: هلا يأتون بحجة بينة على عبادة آلهتهم.
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى، أي اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِباً أن له شريكاً.
ثم قال: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ، يقول بعضهم لبعض: لو تركتموهم وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يعني: لو تركتم ما يعبدون فلا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله.
ويقال: لو اعتزلتم عبادتهم إلا الله، يعني: قولهم: الله خالقنا، ويقال: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ هذا قولهم، ثم قال حكاية عن قولهم، فقالَ: وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ يعني: أَصحاب الكهف.
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ، أي فارجعوا إلى الكهف، ويقال: فادخلوا الكهف.
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، أي يهب لكم ربكم من نعمته، ويقال: يبسط لكم من رزقه.
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً، أي يجعل لكم من أَمركم الذي وقعتم فيه ما يرفق بكم ويصلحكم ويقال: مخرجا ونجاة ورزقا.
<div class="verse-tafsir"
أعطاه للمال، وكقوله عليه الصلاة والسلام في صفة جهنَّمِ: «أَسْود مِنَ القَارِ» وفي صفة حوضِهِ «أَبْيَض مِنَ اللَّبَنِ» «١» .
ت: وقد تقَّدم أن «أسْوَد» من «سود» ، وما في ذلك من النقْدِ، وقال مجاهدٌ:
أَمَداً معناه عدداً «٢» ، وهذا تفسيرٌ بالمعنى.
وقوله سبحانه: وَزِدْناهُمْ هُدىً، أي: يسَّرناهم للعمل الصالحِ، والانقطاع إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، ومباعدةِ الناسِ، والزهْدِ في الدنيا، وهذه زيادات على الإيمان.
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦)
وقوله سبحانه: وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ: عبارة عن شدَّةِ عزمٍ، وقوةِ صبرٍ، ولما كان الفَزَعُ وخَوَرُ النفس يشبه بالتناسُب الانحلالَ، حَسُنَ في شدَّة النفْس، وقوَّة التصميمِ أنْ يُشْبِه الربْطُ، ومِنْه يقالُ: فلانٌ رَابِطُ الجأشَ إِذا كان لا تَفْرَقُ نفسه عند الفَزَعَ والحروبِ وغيرها، ومنْه الربْطُ على قَلْب أمِّ موسى.
وقوله تعالى: إِذا قامُوا
يحتمل أنْ يكون وصف قيامهم بين يَدَيِ الملك الكافِرِ، فإِنَّه مَقَامٌ يحتاج إلى الربْطِ على القَلْب، ويحتمل أن يعبر بالقيام على انبعاثهم بالعزم على
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهُمْ ﴾ ؛ أيْ: خَبَرُ الفِتْيَةِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ ؛ أيْ: بِالصِّدْقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزِدْناهم هُدًى ﴾ ؛ أيْ: ثَبَّتْناهم عَلى الإيمانِ، ﴿ وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: ألْهَمْناها الصَّبْرَ ﴿ إذْ قامُوا ﴾ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِهِمْ دِقْيانُوسَ، ﴿ فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، فَعَصَمَ اللَّهُ هَؤُلاءِ حَتّى عَصَوْا مَلِكَهم.
وقالَ الحَسَنُ: قامُوا في قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهم إلى التَّوْحِيدِ.
وقِيلَ: هَذا قَوْلُهم بَيْنَهم لَمّا اجْتَمَعُوا خارِجَ المَدِينَةِ عَلى ما ذَكَرْنا في أوَّلِ القِصَّةِ.
فَأمّا الشَّطَطُ فَهو الجَوْرُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ: إذا جارَ.
ثُمَّ قالَ الفِتْيَةُ: ﴿ هَؤُلاءِ قَوْمُنا ﴾ يَعْنُونَ: الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ دِقْيانُوسَ، ﴿ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ ؛ أيْ: عَبَدُوا الأصْنامَ، ﴿ لَوْلا ﴾ ؛ أيْ: هَلّا، ﴿ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ﴿ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ﴾ ؛ أيْ: بِحُجَّةٍ.
وإنَّما قالَ: " عَلَيْهِمْ " والأصْنامُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّ الكُفّارَ نَحَلُوها العَقْلَ والتَّمْيِيزَ، فَجَرَتْ مَجْرى المُذَكَّرِينَ مِنَ النّاسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ فَزَعَمَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى ﴾ ﴿ وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ ﴿ هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا ﴾ ﴿ وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا ﴾ لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا ﴾ اخْتِلافًا وقَعَ في أمْرِ الفِتْيَةِ عَقَّبَ بِالخَبَرِ عن أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ مَن أمْرِهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي وقَعَ.
وفي مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ جَوابُ قُرَيْشٍ عن سُؤالِهِمُ الَّذِي أمَرَتْهم بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ و"القَصُّ": الإخْبارُ بِأمْرٍ يُسْرَدُ، لا بِكَلامٍ يُرْوى شَيْئًا شَيْئًا، لِأنَّ تِلْكَ المُخاطَبَةَ لَيْسَتْ بِقِصَصٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزِدْناهم هُدًى ﴾ أيْ: يَسَّرْناهم لِلْعَمَلِ الصالِحِ، والِانْقِطاعِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُباعَدَةِ الناسِ، والزُهْدِ في الدُنْيا، وهَذِهِ زِياداتٌ عَلى الإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ عَزْمٍ وقُوَّةِ صَبْرٍ أعْطاها اللهُ لَهُمْ، ولَمّا كانَ الفَزَعُ وخَوْرُ النَفْسِ يُشْبِهُ بِالتَناسُبِ الِانْحِلالَ، حَسُنَ في شِدَّةِ النَفْسِ وقُوَّةِ التَصْمِيمِ أنْ يُشْبِهَ الرَبْطَ، ومِنهُ يُقالُ: "فُلانٌ رابِطُ الجَأْشِ" إذا كانَ لا تَفْتَرِقُ نَفْسُهُ عِنْدَ الجَزَعِ والحَرْبِ وغَيْرِها، ومِنهُ الرَبْطُ عَلى قَلْبِ أُمِّ مُوسى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قامُوا فَقالُوا ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا وصْفُ مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الكافِرِ؛ فَإنَّهُ مَقامٌ يَحْتاجُ إلى الرَبْطِ عَلى القَلْبِ، حَيْثُ طُلِبُوا عَلَيْهِ، وخالَفُوا دِينَهُ، ورَفَضُوا في ذاتِ اللهِ هَيْبَتَهُ.
والمَعْنى الثانِي أنْ يُعَبِّرَ بِالقِيامِ عَنِ انْبِعاثِهِمْ بِالعَزْمِ إلى الهُرُوبِ إلى اللهِ تَعالى ومُنابَذَةِ الناسِ، كَما تَقُولُ: "قامَ فَلانٌ إلى أمْرِ كَذا" إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي هِيَ: ﴿ قامُوا فَقالُوا ﴾ تَعَلَّقَتِ الصُوفِيَّةُ في القِيامِ والقَوْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذْ قامُوا قِيامًا فَقالُوا".
وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ ، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِ رَبِّنا إلَهًا، و"الشَطَطُ": الجَوْرُ وتَعِدِي الحَدِّ والغُلُوُّ بِحَسْبِ أمْرٍ أمْرٍ، ومِنهُ: "اشْتَطَّ الرَجُلُ في السَوْمِ" إذا طَلَبَ في سِلْعَتِهِ فَوْقَ قِيمَتِها، ومِنهُ: شُطُوطُ النَوى والبُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ألّا يا لِقَوْمِي قَدِ اشْتَطَّ عَوازِلِي ∗∗∗ ويَزْعُمْنَ أنْ أودى بِحَقِّيَ باطِلِي وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَؤُلاءِ قَوْمُنا ﴾ مَقالَةٌ يُصْلِحُ أنْ تَكُونَ مِمّا قالُوا في مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ قِيامِهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَوْلا يَأْتُونَ ﴾ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى التَعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ تَحْضِيضٌ عَلى ما لا يُمْكِنُ؛ وإذا لَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أنْ يُلْتَفَتْ إلى دَعْواهم.
و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ مُحَلِّقَةٌ.
ثُمَّ عَظَّمُوا جُرْمَ الداعِينَ مَعَ اللهِ آلِهَةً وظُلْمَهم بِقَوْلِهِ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ-: ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ﴾ الآيَةَ.
إنْ كانَ "القِيامُ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ قامُوا ﴾ عَزْمًا -كَما تَضْمَنُ التَأْوِيلَ الواحِدَ، وكانَ "القَوْلُ" مِنهم فِيما بَيْنَهم -فَهَذِهِ المَقالَةُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ عِنْدَ قِيامِهِمْ؛ وإنْ كانَ "القِيامُ" المَذْكُورُ مَقامَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ فَهَذِهِ المَقالَةُ لا يَتَرَتَّبُ أنْ تَكُونَ مِن "مَقالِهِمْ" بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، بَلْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إذْ قامُوا فَقالُوا ﴾ إنَّما المُرادُ بِهِ: إذْ عَزَمُوا ونَفَّذُوا لِأمْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللهَ"، إنْ فَرْضَنا الكَفّارَ الَّذِينَ فَرَّ أهْلُ الكَهْفِ مِنهم لا يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى، ولا عِلْمَ لَهم بِهِ، إنَّما يَعْتَقِدُونَ الأُلُوهِيَّةَ في أصْنامِهِمْ فَقَطْ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ فَرَضْناهم يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُ العَرَبُ، لَكِنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم مَعَهُ في العِبادَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِزالَ وقَعَ في كُلِّ ما يَعْبُدُ الكُفّارُ إلّا في جِهَةِ اللهِ تَعالى وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، قالَ قَتادَةُ: هَذا تَفْسِيرُها، قالَ هارُونُ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى ما قالَ قَتادَةُ تَكُونُ "إلّا" بِمَنزِلَةِ "غَيْرِ"، و"ما" مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَما يَعْبُدُونَ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "اعْتَزَلْتُمُوهُمْ" ومُضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: إذْ فارَقْنا الكَفّارَ وانْفَرَدْنا بِاللهِ تَعالى فَلْنَجْعَلِ الكَهْفَ مَأْوًى، ونَتَّكِلْ عَلى اللهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَبْسُطُ لَنا رَحْمَتَهُ، ويَنْشُرُها عَلَيْنا، ويُهَيِّئُ لَنا مِن أمْرِنا مِرْفَقًا، وهَذا كُلُّهُ دُعاءٌ بِحَسْبِ الدُنْيا، وعَلى ثِقَةٍ كانُوا مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ آخِرَتِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "مَرْفِقًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ كالرِفْقِ فِيما حَكى أبُو زَيْدٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِرْفَقًا" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ويُقالانِ جَمِيعًا في الأمْرِ وفي الجارِحَةِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ "المُرْفَقُ" مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: "المَرْفَقُ" بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وهُما بَعْدُ لُغَتانِ.
<div class="verse-tafsir"
لما اقتضى قوله: ﴿ لنعلم أي الحزبين أحصى ﴾ [الكهف: 12] أن في نبأ أهل الكهف تخرصات ورجماً بالغيب أثار ذلك في النفس تطلعا إلى معرفة الصدق في أمرهم، من أصل وجود القصة إلى تفاصيلها من مخبر لا يُشك في صدق خبره كانت جملة نحن نقص عليك نبأهم بالحق استئنافاً بيانياً لجملة لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً [الكهف: 12].
وهذا شروع في مجمل القصة والاهتمام بمواضع العبرة منها.
وقدم منها ما فيه وصف ثباتهم على الإيمان ومنابذتهم قومهم الكفرة ودخولهم الكهف.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة نحن نقص عليك} يفيد الاختصاص، أي نحن لا غيرُنا يقص قصصهم بالحق.
والحق: هنا الصدق.
والصدق من أنواع الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿ حقيق عليّ أن لا أقول على الله إلا الحق ﴾ في سورة الأعراف (105).
والباء للملابسة، أي القصص المصاحب للصدق لا للتخرصات.
والقصص: سَرد خبر طويل فالإخبارُ بمخاطبة مفرقة ليس بقصص، وتقدم في طالع سورة يوسف.
والنبأ: الخبر الذي فيه أهمية وله شأن.
وجملة إنهم فتية} مبينة للقصص والنبأ.
وافتتاح الجملة بحرف التأكيد لمجرد الاهتمام لا لرد الإنكار.
وزيادة الهدى يجوز أن يكون تقوية هُدى الإيمان المعلوم من قوله: ﴿ آمنوا بربهم ﴾ بفتح بصايرهم للتفكير في وسائل النجاة بإيمانهم وألهمهم التوفيق والثبات، فكل ذلك هدى زائد على هدى الإيمان.
ويجوز أن تكون تقوية فضل الإيمان بفضل التقوى كما في قوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ [محمد: 17].
والزيادة: وفرةُ مقدار شيء مخصوص، مثل وفرة عدد المعدود، ووزن الموزون، ووفرة سكان المدينة.
وفعل (زاد) يكون قاصراً مثل قوله تعالى: ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ﴾ [الصافات: 147]، ويكون متعدياً كقوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً ﴾ [البقرة: 10].
وتستعار الزيادة لقوة الوصف كما هنا.
والربط على القلب مستعار إلى تثبيت الإيمان وعدم التردد فيه، فلما شاع إطلاق القلب على الاعتقاد استعير الربط عليه للتثبيت على عقده.
كما قال تعالى: ﴿ لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ﴾ [القصص: 10].
ومنه قولهم: هو رابط الجأش.
وفي ضده يقال: اضطرب قلبه، وقال تعالى: ﴿ وبلغت القلوب الحناجر ﴾ [الأحزاب: 10].
استعير الاضطراب ونحوه للتردد والشك في حصول شيء.
وتعدية فعل ربطنا} بحرف الاستعلاء للمبالغة في الشد لأن حرف الاستعلاء مستعار لمعنى التمكن من الفعل.
و ﴿ إذ قاموا ﴾ ظرف للربط، أي كان الربط في وقت في قيامهم، أي كان ذلك الخاطر الذي قاموا به مقارناً لربط الله على قلوبهم، أي لولا ذلك لما أقدموا على مثل ذلك العمل وذلك القول.
والقيام يحتمل أن يكون حقيقياً، بأن وقفوا بين يدي ملك الروم المشرك، أو وقفوا في مجامع قومهم خطباء معلنين فساد عقيدة الشرك.
ويحتمل أن يكون القيام مستعاراً للإقدام والجَسْر على عمل عظيم، وللاهتمام بالعمل أو القول، تشبيهاً للاهتمام بقيام الشخص من قعود للإقبال على عمل ما، كقول النابغة: بأن حِصْناً وحياً من بني أسد *** قَاموا فقالوا حِمانا غيرُ مقروب فليس في ذلك قيام بعد قعود بل قد يكونون قالوه وهم قعود.
وعرفوا الله بطريق الإضافة إلى ضميرهم: إما لأنهم عُرفوا من قبل بأنهم عبدوا الله المنزه عن الجسم وخصائص المحدثات، وإما لأن الله لم يكن معروفاً باسم عَلَم عند أولئك المشركين الذين يزعمون أن رب الأرباب هو (جوبتير) الممثل في كوكب المشتري، فلم يكن طريق لتعريفهم الإله الحق إلا طريق الإضافة.
وقريب منه ما حكاه الله عن قول موسى لفرعون بقوله تعالى: ﴿ قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين ﴾ [الشعراء: 23 24].
هذا إن كان القول مَسوقاً إلى قومهم المشركين قصدوا به إعلان إيمانهم بين قومهم وإظهارَ عدم الاكتراث بتهديد الملك وقومه، فيكون موقفهم هذا كموقف بني إسرائيل حين قالوا لفرعون ﴿ لا ضيْر إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ [الشعراء: 50]، أو قصدوا به موعظة قومهم بدون مواجهةِ خطابهم استنزالاً لطائرهم على طريقة التعريض من باب (إيّاككِ أعني فاسمعي يا جارة)، واستقصاءً لتبليغ الحق إليهم.
وهذا هو الأظهر لحمل القيام على حقيقته، ولأن القول نُسب إلى ضمير جمعهم دون بعضهم، بخلاف الإسناد في قوله: ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ [الكهف: 19] تقتضي أن يكون المقول له ذلك فريقاً آخر، ولظهور قصد الاحتجاج من مقالهم، ويكون قوله: رب السماوات والأرض } خبر المبتدأ إعلاماً لقومهم بهذه الحقيقة وتكون جملة ﴿ لن ندعوا ﴾ استئنافاً.
وإن كان هذا القول قد جرى بينهم في خاصتهم تمهيداً لقوله: ﴿ وإذ اعتزلتموهم ﴾ [الكهف: 16] الخ.
فالتعريف بالإضافة لأنها أخطر طريق بينهم، ولأنها تتضمن تشريفاً لأنفسهم، ويكون قوله: رب السماوات والأرض } صفةً كاشفة، وجملة ﴿ لن ندعوا من دونه إلهاً ﴾ خبرَ المبتدأ.
وذكرو الدعاء دون العبادة لأن الدعاء يشمل الأقوال كلها من إجراء وصف الإلهية على غير الله ومن نداء غير الله عند السؤال.
وجملة ﴿ لقد قلنا إذاً شططاً ﴾ استئناف بياني لما أفاده توكيد النفي بِ (لن).
وإن وجود حرف الجواب في خِلال الجملة ينادي على كونها متفرعة على التي قبلها.
واللام للقسم.
والشطط: الإفراط في مخالفة الحق والصواب.
وهو مشتق من الشط، وهو البعد عن الموطن لما في البعد عنه من كراهية النفوس، فاستعير للإفراط في شيء مكروه، أي لقد قلنا قولاً شططاً، وهو نسبة الإلهية إلى من دون الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثَبَّتْناها.
الثّانِي: ألْهَمْناها صَبْرًا، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
﴿ لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: غُلُوًّا.
الثّانِي: تَباعُدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: بِكِتابٍ بَيِّنٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَعَةً.
الثّانِي: مَعاشًا.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: يَعْنِي خَلاصًا، ويُقْرَأُ ﴿ مِرْفَقًا ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ و ﴿ مِرْفَقًا ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ إذا وصَلَ إلَيْكَ مِن غَيْرِكَ، وبِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ إذا وصَلَ مِنكَ إلى غَيْرِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبياً إلا وهو شاب، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب.
وقرأ: ﴿ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ﴾ ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ و ﴿ إنهم فتية آمنوا بربهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وزدناهم هدى ﴾ قال: إخلاصاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قال: بالإيمان.
وفي قوله: ﴿ لقد قلنا إذاً شططا ﴾ قال: كذباً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لقد قلنا إذا شططا ﴾ قال: جوراً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال: الشطط، الخطأ من القول.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ قال المفسرون: (ألهمناها الصبر وثبتناها) (١) وذكرنا معنى الربط على القلب في سورة الأنفال (٢) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَامُوا ﴾ قال عطاء ومقاتل: (يعني من النوم) [["البحر المحيط" 6/ 106، و"روح المعاني" 15/ 218، و"التفسير الكبير" 11/ 98 وقال: وهذا بعيد؛ لأن الله استأنف قصتهم بقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ \[آية 13\].]].
وهذا يتعدّى من وجوه، أحدها: أن الله تعالى استأنف قصتهم بقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ الآية، فلأنه قال: ﴿ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ وكانوا قد قالوا هذا قبل نومهم في الكهف، ولكن الوجه تفسير ﴿ قَامُوا ﴾ : (أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار الذي كان يفتن أهل الإيمان عن دينهم، فربط الله على قلوبهم بالصبر واليقين حتى قالوا بين يديه: ﴿ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ الآية، وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم، حتى عصوا ذلك الجبار وأقروا بربوبية الله -سبحانه وتعالى- ووحدانيته، وأنهم إن دعوا غيره وعبدوه كان ذلك شططا) (٣) وفي تفسير شبل عن مجاهد قال: (إنهم أبناء عظماء مدينتهم، فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أسن القوم: إني لأجد في نفسي شيئًا ما أظن أن أحدًا يجده.
قالوا: ما تجد؟
قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض.
فقالوا: نحن كذلك نجده في أنفسنا، فقاموا جميعًا فقالوا: ربنا رب السموات والأرض) (٤) وقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾ أي: كذبًا وجورًا، قاله المفسرون (٥) ومعنى الشطط في اللغة: مجاوزة القدر (٦) (٧) (٨) ﴿ وَلَا تُشْطِطْ ﴾ ، ومثله أَشَطَّ، وأصل هذا من قولهم: بما شَطَّت الدار، إذا بعدت، فالشَّطَطُ في القول بعد عن الحق؛ وهو هاهنا منصوب على المصدر، والمعنى: لقد قلنا إذا قول شَطَط، قاله الزجاج (٩) (١) "جامع البيان" 15/ 257، و"النكت والعيون" 3/ 289، و"زاد المسير" 5/ 115، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 365.
(٢) عند قوله سبحانه: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ .
(٣) هذا قول جمهور المفسرين.
انظر: "جامع البيان" 15/ 207، و"معالم التنزيل" 5/ 156، و "الكشاف" 2/ 383، و"زاد المسير" 5/ 115، و"ابن كثير" 3/ 83 - 84.
(٤) "جامع البيان" 15/ 207، و"زاد المسير" 5/ 110، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 365، و"الدر المنثور" 4/ 388 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) "جامع البيان" 15/ 208، و"معالم التنزيل" 5/ 156، و"المحرر الوجيز" 9/ 251، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 84.
(٦) "مقاييس اللغة" (شط) 3/ 165، و"القاموس المحيط" (شط) ص 674، و"لسان العرب" (شطط) 4/ 2263، و"المفردات في غريب القرآن" (شطط) (260).
(٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 403.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 272.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 172.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ ﴾ أي قوينا عزمهم وألهمناهم الصبر، يحتمل أن يريد قيامهم من النوم بين يدي الملك الكافر لما آمنوا ولم يبالوا به ﴿ لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً ﴾ أي لو دعونا من دونه إلهاً لقلنا قولاً شططاً، والشطط الجور والتَّعدي ﴿ لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾ تحضيض بمعنى التعجيز، أنهم لا يأتون بحجة بينة على عبادة غير الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.
الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.
حمزة وعلي.
الباقون بالتشديد.
﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.
الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.
وزمعة.
وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.
وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.
الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.
الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد .
قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".
وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي نعمة عليه وعلينا.
أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.
وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.
وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.
وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.
قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.
وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.
ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.
وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".
﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.
والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.
وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.
ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.
وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.
قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.
قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".
قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.
وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".
قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.
الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.
والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.
ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه سماه كذباً.
ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.
يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.
والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.
قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.
وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.
ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.
وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴾ .
واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.
قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.
ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.
قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.
ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول على سبيل الامتحان فقال ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.
وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.
والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.
وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.
وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.
والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.
وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.
وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.
ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.
﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.
و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وإما الكثرة.
قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.
وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.
وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.
واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.
وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.
وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.
وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.
فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.
والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.
﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.
وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.
وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.
وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.
وقيل هو كلام معترض إخبار من الله عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.
قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.
وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.
وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.
وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.
قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.
﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.
والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.
ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.
وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.
ثم بين الله لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.
ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.
واستبعده في التفسير الكبير.
وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.
وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.
وقيل: لهم تقلبتان في السنة.
وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.
قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب.
وأقول: لا ريب في قدرة الله ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.
والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.
قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.
عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.
وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.
وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.
قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.
وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.
وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟
فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.
والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.
والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.
وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.
والمدينة طرسوس.
قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.
عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.
وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.
وقيل: أيها أطيب وألذ.
وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.
والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.
يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.
وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.
قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.
وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.
ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.
وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.
وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.
والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟
قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.
فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.
ثم ذكر غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.
وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.
وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.
ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.
فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.
والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.
وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.
﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.
ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.
فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.
قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله من أهل الكتاب.
والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.
وكثيراً ما يقال رجم بالظن.
مكان قولهم ظن.
وقال المسلمون.
هم سبعة ثامنهم كلبهم.
قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله عن لسان جبرائيل .
والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.
يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.
وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.
واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.
وقيل ريان.
عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.
وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.
والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.
ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.
ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.
بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.
ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.
ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.
ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.
وأيضاً الله قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي ويحصل لغير النبي كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.
وقد عرفت قولهما في هذا الباب.
وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.
وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.
أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.
والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.
ثم نهى نبيه عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.
وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.
ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.
ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.
فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.
وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.
فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.
ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.
وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.
ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.
أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.
قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.
وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟
وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.
وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.
أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.
فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.
وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.
وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.
فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.
قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي حين قال بيده يا غلام من أبوك؟
فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.
وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.
ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.
فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.
فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .
ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.
ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.
ومنها قوله : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .
ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.
ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!
فقال النبي : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .
ومنها رواية أبي هريرة عن النبي : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟
قال: فلان ابن فلان.
فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟
قال: ولم تسأل عن ذلك؟
قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.
قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.
ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.
فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.
قال علي بن أبي طالب : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.
فقدم رسول ذلك الجيش.
فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.
قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.
فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.
ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.
فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.
فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.
وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.
ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.
ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال.
ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.
فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.
قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.
وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!
فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله ؟
فقال: لا ولكن فراسة صادقة.
وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ .
ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.
وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي فقال: أسرقت؟
قال: نعم.
فقطع يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟
قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.
فقال: قطع يدك وتمدحه.
قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.
فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله .
وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.
وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.
وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟
فقال: خل.
فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.
فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.
فلما فتحوا فإذا هي خل.
فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.
فقال: هذه والله دعوة خالد.
ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.
وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.
وروي أن النبي بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.
وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.
وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.
فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.
وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.
قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.
حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.
وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.
وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.
والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.
جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال حكاية عن الله : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.
وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.
قالوا: قال : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.
وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.
والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.
قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.
وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله : ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!
في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.
واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.
وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.
فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.
قيل: من هنا قال : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.
ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.
وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.
قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله أعلم.
قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.
فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.
فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.
وهذا نهي تأديب لنبيه لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.
قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.
واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.
وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.
ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.
وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.
وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.
وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.
وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.
قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.
وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.
وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.
وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.
فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.
عن قتادة.
أن قوله : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.
وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.
ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".
فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.
وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.
ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.
ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.
والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.
وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.
واقتصر على بيانه.
وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.
وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!
وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.
واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.
وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.
وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.
قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله أعلم.
التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .
هو التمتع من حسن الله وجماله.
﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.
ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.
وإنهم طلبوا النجاة من شر.
والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.
فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.
﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.
﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.
المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.
قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.
وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.
قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.
ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.
﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.
﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.
﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.
﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ ﴾ .
قيل: أحسبت.
وقيل: قد حسبت.
ويحتمل بمعنى: بل حسبت، كقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ ﴾ أي: بل يقولون، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ .
وقد ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله يكون على الإيجاب والإلزام، ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر: احسب واعلم: أن أبناء الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً.
أو ما ذكرنا: بل حسبت، وهو كذلك.
أو يقول: لا تحسبن أن أصحاب الكهف والرقيم من آياتنا عجبٌ ليس أعجب منها، بل أتاك آيات أعجب منها بكثير، والله أعلم.
ثم اختلف في ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : الكتاب؛ كقوله: ﴿ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴾ ، أي: مكتوب.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : الوادي الذي فيه كهفهم.
وقيل: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : اللوح الذي كتب فيه أسامي الفتية.
وقيل: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : القرية التي خرجت الفتية منها وكذلك روي عن ابن عباس - - أنه قال: ما أدري ما الرقيم؟
لكني سألت كعباً عنها فزعم أنها القرية التي خرجوا منها.
وقيل: ﴿ وَٱلرَّقِيمِ ﴾ : الكلب الذي كان معهم.
قالوا أمثال ما ذكرنا، وليس بنا إلى معرفة الكهف والرقيم حاجة، إنما ذلك بلسانهم ولم يسألوا عن الكهف والرقيم، وإنما سألوا عن أصحاب الكهف والرقيم مما ينبغي لهم أن يشتغلوا به.
ثم قال أهل التأويل: إن رسول الله سئل عن قصة أصحاب الكهف والرقيم وأنبائهم، فقال: أخبركم غداً ولم يستثن، فعاقبه الله فيه أن حبس عنه الوحي كذا وكذا يوماً، فنزل: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
لكن ذلك فاسد، وما توهموا على رسول الله محال؛ لأنه كذب لا يجوز أن يكون رسول الله يقول: (أخبركم غداً) والله لم يأمره بذلك، أو قال ولم يستثن؛ فيحبس الله الوحي عنه، ولا يخبرهم في الوقت الذي قال إنه يخبرهم؛ فيظهر كذبه عندهم بعدما اختاره لرسالته، واصطفاه لموضع وحيه، ثم يكذبه فيما أخبر؛ هذا فاسد محال غير محتمل ما توهموا به على الله وعلى رسوله، قد كان من كفار مكة السعي في منع رسول الله عن تبليغ الرسالة إلى الناس، والحيلولة عن الدعاء إلى ما أمر أن يدعوهم، واستقبال حججه وبراهينه بتمويهاتهم، وقد ذكر في غير قصة وخبر: أنهم سألوا اليهود عنه، وعن نعته: هل تجدون نعته في كتبكم؟
أن لم يكونوا أهل كتاب يعلمون ذلك؛ فاحتاجوا إلى من يعلمهم ويخبرهم عنه، فسألوا يهود المدينة عنه وعن خبره، فقالوا: نجد نعته في كتابنا كما يقولون، فهذا وقت خروجه وأوانه، فقالوا لهم: حدثونا بشيء نسأله لا يعلمه إلا نبيّ، فقالوا: سلوه عن ثلاث خصال، فإن أجابهن، فهو نبي، وإلا فهو كذاب، اسألوه عن أصحاب الكهف، واسألوه عن ذي القرنين فإن كان ملكاً، وكان من أمره كذا وكذا، واسألوه عن الروح، فإن أخبركم فهو نبي، وإن لم يخبركم فهو كذاب، فسألوه، فأخبرهم عن ذلك.
وفي بعض القصة: اسألوه عن الروح، فإن أخبركم عنه، فهو ليس بنبيّ وإن لم يخبركم، ولكنه وكل أمره إلى الله فهو نبي.
ثم قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ﴾ : يحتمل أن يكون الخطاب وإن كان لرسول الله فالمراد به غيره، على ما خاطبه في غير آي من القرآن والمراد به غيره.
ويحتمل أن الخطاب له والمراد هو، وإن كان هو المخاطب بهذا، فإنه يحتمل قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ...
﴾ إلى آخره وجهين: أحدهما: يقول: قد حسبت أن أنباءهم وأخبارهم كانت من آياتنا لرسالتك ونبوتك عجباً؛ فيكون الحساب على هذا التأويل في موضع العلم واليقين، كأنه قال: قد علمت أن أنباء أصحاب الكهف وأخبارهم آية عجيبة لرسالتك.
والثاني: إخبار عن أحوالهم وتقلبهم من حال إلى حال، فإن كان على هذا، فيكون الحسبان في موضع الحسبان، كأنه قال: قد حسبت أن أحوالهم وتقلبهم كان من آياتنا عجباً، هذا إذا كان الخطاب به لرسول الله ، وأمّا إذا كان الخطاب به لغيره، فإنه يجوز على الحسبان والظن وغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ ﴾ : أي: انضم.
قال بعضهم: الكهف: الغار في الجبل.
وقيل: الفضاء.
وقيل: الملجأ.
ولكن قد ذكرنا: أنا لا ندري ما الكهف وما الرقيم؟
ذلك بلسانهم، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، وهم الفتية اسم الأحداث منهم والشبان، لا اسم المشيخة، ثم يكون المماليك والخدم، ويكون الأحرار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ : قال الحسن: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي: جنة، ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ أي: يسيراً، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ .
فهذا ليس بدعاء، إنما هو تلقين وإلهام منه إياهم، فيكون تفسيراً للأول.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي: رزقاً؛ لأنهم كانوا يفارقون قومهم؛ لكفرهم؛ ليسلم لهم دينهم الذي هم عليه، وهو الإسلام، وقد عرفوا أنه يسع مفارقة الناس طلباً لسلامة الدين، ولكن لم يعرفوا أنه يسع قوتهم، وما به قوام أنفسهم إلى مكان خال عن ذلك فسألوا ربهم الرزق؛ إشفاقاً على أنفسهم بقولهم: ﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ أي: رزقاً ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ أي: احمل جميع أمورنا على الصواب والرشد على ما ذكرنا: أنهم عرفوا سعة المفارقة للدين، ولكن لم يعرفوا سعة ذلك؛ إذا كان فيه خوف هلاك أنفسهم، فسألوا ربهم أن يحمل أمرهم ذلك على الرشد والصواب.
ويحتمل ﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ﴾ : نعمة وسعة، وهيئ لنا من أمر ديننا صواباً، يقول ﴿ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ .
وقوله عز وجل: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴾ : الضرب على الآذان: هو المحو، محو الأسماع، ويقال: اضرب على حديث كذا: امحه.
ثم يحتمل محو الأسماع وجهين: أحدهما: محو الأرواح التي بها تحيا الأنفس؛ فيكون كناية عن الموت.
أو يكون محو أرواح الأسماع التي تسمع لا الموت، فلما قال في آية أخرى: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ دل أنه إنما أراد محو أرواح الأسماع، لا محو الأرواح التي بها حياة الأنفس، وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ...
﴾ الآية [الأنعام: 60].
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ ، من رقودهم؛ ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ﴾ أي: لنعلم ما قد علمناه غائباً شاهداً؛ إذ كان عالماً بما يكون منهم، وتأويله: ما ذكرنا: ليعلم الخلق شاهداً، كما علم هو غائباً.
أو ليعلم المخطئ منهم من المصيب، إذ محال وصفه بالعلم بالمخطئ ولا مخطئ ثم، وبالمصيب ولا مصيب ثمة، فإذا كان كذلك فيكون قوله: ليعلم المخطئ من المصيب، والمصيب من المخطئ إذا كان، وأصله: أنه يعلمه كائنا على ما علم أنه يكون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ .
يحتمل: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ ﴾ قال بعضهم: مشركيهم ومؤمنيهم.
ومنهم من قال: الملك والفتية.
وقال بعضهم: هم اختلفوا في مكثهم إذ بعثوا.
قال بعضهم: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، وقال بعضهم: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ ولكن لسنا ندرى من أي الحزبين، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، سوى أنا ذكرنا قول أهل التأويل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، الحق في النبأ: الصدق، والحق في الأحكام: العدل، وفي الأفعال: الصواب.
وقال بعضهم: الحق - هاهنا -: هو القرآن، فيكون قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: في الحق، وهو القرآن، أي: نقص عليك نبأهم في القرآن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ .
هذان الحرفان معناهما واحد: الزيادة والربط، كل واحد منهما يؤدي معنى صاحبه زيادة الهدى، أي: ثبتناهم على الهدى.
ويجوز أن يقال: هو التثبيت والربط.
وكذلك يجوز أن يقال على التجديد والابتداء، إذ للإيمان حكم التجدد في كل وقت؛ إذ هو يكون منكراً جاحداً للكفر في كل وقت؛ فهو مجدد للإيمان كذلك في كل وقت؛ فإن شئت حملته على الثبات والزيادة على ما كان، وإن شئت على الابتداء والتجدد، وكذلك قوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ .
وقال الحسن في قوله: ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ أي: من حكم الله أن من اهتدى زاده هدى؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى ﴾ ، لكن هذا لو كان على ما ذكر، لكان لا يجوز أن يكفر إذا اهتدى مرة، لا يزال يزيد له هدى، فإذا لم يكن دلّ أنه لا يصح ذلك، والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ إِذْ قَامُواْ ﴾ بالحجج والبراهين.
ويحتمل: ﴿ إِذْ قَامُواْ ﴾ بالنهوض إلى الكهف، حين انضموا إليه.
أو قاموا لله ولدينه.
أو قاموا من عند أولئك الكفرة، فقالوا ما ذكر: ﴿ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: قالوا: ربنا هو رب السماوات والأرض ورب ما فيهن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً ﴾ أي: لن نسميهم آلهة؛ على ما سمى قومهم الأصنام التي عبدوها: آلهة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ قُلْنَا ﴾ .
من دونه إلهاً، فسموهم: آلهة، على زعمهم، وعلى ما عندهم؛ كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ لا يجوز أن يسمي الأنبياء الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، وهي ليست بآلهة، ولكن قالوا ذلك على زعمهم، وعلى ما عندهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً ﴾ ، أي: لن نعبد، فإن كان على العبادة، ففيه إضمار، أي: لن نعبد من دونه إلهاً غير الله، كفعل قومنا، ولو فعلنا لقد قلنا شططاً، أي: جوراً وظلماً.
ثم قال: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ : يعبدونها ﴿ لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾ ، أي: هلا يأتون على تسميتهم آلهة أو استحقاق العبادة لها بحجة بينة.
ثم حرف (هلا) يستعمل في الماضي، ويستعمل في المستقبل، فإن كان على الماضي فهو على الإنكار، أي: لم يكن؛ وإن كان على المستقبل فهو على السؤال، أي: ائتوا بحجة بينة على أنها آلهة، كما أتوا هم: أن الله هو الإله الحق، وأنه خالق السماوات والأرض، ورب ما فيهما.
قال القتبي: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ ﴾ أي: أنمناهم، والأمد: هو الغاية، ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، أي: ألهمناهم الصبر، وثبتنا قلوبهم.
وقوله: ﴿ شَطَطاً ﴾ ، أي: غلوا، يقال: أشط على؛ إذا غلا في القول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ .
أي: لا أحد أظلم ممن جعل مع الله آلهة، وقد ذكرنا تأويله في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود - -: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله) فتأويل الآية على القراءة الظاهرة: وما يعبدون إلا الله، أي: وإن اعتزلتموهم، والذين لا يعبدون إلا الله، فلا تعتزلوا عبادته؛ لأنه كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الله أيضاً ويرونه معبوداً؛ فكأنهم قالوا: وإذا اعتزلتموهم والذين يعبدون إلا الله فلا تعتزلوه، وهو كقول إبراهيم - - لقومه حيث قال: ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ...
﴾ الآية [الشعراء: 75-76] استثنى عبادة رب العالمين من بين عبادة من يعبدون من دونه؛ إذ كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الله ويرونه معبوداً؛ إلا أن بعضهم لا يرون أنفسهم بلغت مرتبة عبادة الله، فيعبدون الأصنام؛ رجاء أن تشفع لهم عنده، أو تقرب عبادتهم إلى الله زلفى وأمثاله.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ : على التقديم والتأخير، أي: وإذ اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف؛ لأنهم كانوا لا يعبدون إلا الله يعني: أصحاب الكهف.
والثاني: ما ذكرنا: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدونهم في الحقيقة إلا الله، وإن كانوا في الظاهر يعبدون غير الله.
وتأويل قراءة عبد الله بن مسعود - -: وإذ اعتزلتموهم وجميع ما يعبدون من دون الله.
ويحتمل أن يكون هذا منهم ليس على القول والنطق؛ ولكن ألقى في قلوبهم وقذف: أنهم إذ فارقوا قومهم وباينوا يأوون إلى الكهف وينشر لكم ربكم من رحمته.
وقال الحسن: إن في قومهم من قد آمن سواهم؛ فقالوا: إنكم إذا باينتم وفارقتم فأووا إلى الكهف، فلا تقعدوا معهم فلعلهم يلحقونكم ويطلبون لقاءكم، فلا تقعدوا معهم.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ ، لما عزموا أن يفارقوا قومهم اعترض لهم الشيطان، فقال: إنكم تفارقون قومكم إلى مكان، وليس معكم شراب ولا طعام؛ فتهلكون أنفسكم؛ فدفعوا وساوسه؛ بقوله: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ .
ثم قوله: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ ، قال بعضهم: يخلق لكم ربكم، كقوله: ﴿ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ﴾ بالراء، أي: كيف نخلقها.
وقال بعضهم: ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ ﴾ ، أي: يبسط، والنشر: هو البسط.
قوله عز وجل: ﴿ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ : يحتمل الرزق، ويحتمل كل شيء به يدفع الهلاك عن أنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ .
أي: ما ترفقون به وتنتفعون به، وهو قول أبي عوسجة، وهو من الرفق، والمرفق - أيضاً - مثله؛ لأنه: ينتفع [به].
وقال القتبي: ﴿ مِّرْفَقاً ﴾ : ما يرتفق به.
وقال أبو عبيدة: المِرْفق: ما ارتفقت به، فأما في اليدين فهو مَرْفِق، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقوينا قلوبهم بالإيمان والثبات عليه، والصبر على هجر الأوطان فيه، حين قاموا معلنين بين يدي الملك الكافر إيمانهم بالله وحده, فقالوا له: ربنا الذي آمنا به وعبدناه هو رب السماوات ورب الأرض، لن نعبد ما سواه من الآلهة المزعومة كذبًا، لقد قلنا -إن عبدنا غيره- قولًا جائرًا بعيدًا عن الحق.
<div class="verse-tafsir" id="91.gwnxk"