الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢٤ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 169 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٤ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( واذكر ربك إذا نسيت ) قيل : معناه إذا نسيت الاستثناء ، فاستثن عند ذكرك له .
قاله أبو العالية ، والحسن البصري .
وقال هشيم ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في الرجل يحلف ؟
قال : له أن يستثني ولو إلى سنة ، وكان يقول : ( واذكر ربك إذا نسيت ) في ذلك .
قيل للأعمش : سمعته عن مجاهد ؟
قال حدثني به ليث بن أبي سليم ، يرى ذهب كسائي هذا .
ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية ، عن الأعمش ، به .
ومعنى قول ابن عباس : " أنه يستثني ولو بعد سنة " أي : إذا نسي أن يقول في حلفه أو كلامه " إن شاء الله " وذكر ولو بعد سنة ، فالسنة له أن يقول ذلك ، ليكون آتيا بسنة الاستثناء ، حتى ولو كان بعد الحنث ، قال ابن جرير ، رحمه الله ، ونص على ذلك ، لا أن يكون [ ذلك ] رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة .
وهذا الذي قاله ابن جرير ، رحمه الله ، هو الصحيح ، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه ، والله أعلم .
وقال عكرمة : ( واذكر ربك إذا نسيت ) أي : إذا غضبت .
وهذا تفسير باللازم .
وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني ، حدثنا سعيد بن سليمان ، عن عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ) أن تقول : إن شاء الله [ وهذا تفسير باللازم ] .
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن الحارث الجبيلي حدثنا صفوان بن صالح ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن عبد العزيز بن حصين ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ) أن تقول : إن شاء الله .
وروى الطبراني ، أيضا عن ابن عباس في قوله : ( واذكر ربك إذا نسيت ) الاستثناء ، فاستثن إذا ذكرت .
وقال : هي خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه ثم قال : تفرد به الوليد ، عن عبد العزيز بن الحصين .
ويحتمل في الآية وجه آخر ، وهو أن يكون الله - عز وجل - قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى ؛ لأن النسيان منشؤه من الشيطان ، كما قال فتى موسى : ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) [ الكهف : 63 ] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان ، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان ، فذكر الله سبب للذكر ؛ ولهذا قال : ( واذكر ربك إذا نسيت ) .
وقوله : ( وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا ) أي : إذا سئلت عن شيء لا تعلمه ، فاسأل الله فيه ، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد [ في ذلك ] وقيل غير ذلك في تفسيره ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) وهذا تأديب من الله عز ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عهد إليه أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة، إلا أن يصله بمشيئة الله، لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله.
وإنما قيل له ذلك فيما بلغنا من أجل أنه وعد سائليه عن المسائل الثلاث اللواتي قد ذكرناها فيما مضى اللواتي، إحداهنّ المسألة عن أمر الفتية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهنّ غد يومهم، ولم يستثن، فاحتبس الوحي عنه فيما قيل من أجل ذلك خمس عشرة، حتى حزنه إبطاؤه ، ثم أنـزل الله عليه الجواب عنهنّ، وعرف نبيه سبب احتباس الوحي عنه ، وعلَّمه ما الذي ينبغي أن يستعمل في عداته وخبره عما يحدث من الأمور التي لم يأته من الله بها تنـزيل، فقال: وَلا تَقُولَنَّ يا محمد لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا كما قلت لهؤلاء الذين سألوك عن أمر أصحاب الكهف، والمسائل التي سألوك عنها، سأخبركم عنها غدا( إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ).
ومعنى الكلام: إلا أن تقول معه: إن شاء الله، فترك ذكر تقول اكتفاء بما ذكر منه، إذ كان في الكلام دلالة عليه ، وكان بعض أهل العربية يقول: جائز أن يكون معنى قوله: ( إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) استثناء من القول، لا من الفعل كأن معناه عنده: لا تقولنّ قولا إلا أن يشاء الله ذلك القول، وهذا وجه بعيد من المفهوم بالظاهر من التنـزيل مع خلافه تأويل أهل التأويل.
وقوله: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم: واستثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك في حال اليمين.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن هارون الحربيّ ، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا هشيم، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في الرجل يحلف، قال له: أن يستثني ولو إلى سنة، وكان يقول ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) في ذلك قيل للأعمش سمعته من مجاهد، فقال: ثني به ليث بن أبي سليم، يرى ذهب كسائي (3) هذا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ الاستثناء ، ثم ذكرت فاستثن.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه ، في قوله: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) قال: بلغني أن الحسن، قال: إذا ذكر أنه لم يقل: إن شاء الله، فليقل: إن شاء الله.
وقال آخرون: معناه: واذكر ربك إذا عصيت.
* ذكر من قال ذلك: حدثني نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا حكام بن سلم، عن أبي سنان، عن ثابت، عن عكرمة، في قول الله: ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) قال: اذكر ربك إذا عصيت.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي سنان، عن ثابت، عن عكرمة، مثله .
وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره، لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب الترك، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل.
فإن قال قائل: أفجائز للرجل أن يستثني في يمينه إذ كان معنى الكلام ما ذكرت بعد مدة من حال حلفه؟
قيل: بل الصواب أن يستثني ولو بعد حِنثه في يمينه، فيقول: إن شاء الله ليخرج بقيله ذلك مما ألزمه الله في ذلك بهذه الآية، فيسقط عنه الحرج بتركه ما أمره بقيله من ذلك ، فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن يكون استثناؤه موصولا بيمينه.
فإن قال: فما وجه قول من قال له: ثُنْياه ولو بعد سنة، ومن قال له ذلك ولو بعد شهر، وقول من قال ما دام في مجلسه؟
قيل: إن معناهم في ذلك نحو معنانا في أن ذلك له، ولو بعد عشر سنين، وأنه باستثنائه وقيله إن شاء الله بعد حين من حال حلفه، يسقط عنه الحرج الذي لو لم يقله كان له لازما ، فأما الكفارة فله لازمة بالحِنْث بكلّ حال، إلا أن يكون استثناؤه كان موصولا بالحلف، وذلك أنا لا نعلم قائلا قال ممن قال له الثُّنْيا بعد حين يزعم أن ذلك يضع عنه الكفارة إذا حنِث، ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك، وأن معنى القول فيه، كان نحو معنانا فيه.
وقوله: ( وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) يقول عز ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل ولعل الله أن يهديني فيسدّدني لأسدَّ مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون، إن هو شاء.
وقد قيل: إن ذلك مما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه، الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله: إن شاء الله، إذا ذكر.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن محمد، رجل من أهل الكوفة، كان يفسر القرآن، وكان يجلس إليه يحيى بن عباد، قال: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا قال فقال: وإذا نسي الإنسان أن يقول: إن شاء الله، قال: فتوبته من ذلك، أو كفارة ذلك أن يقول: ( عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ).
------------------------- الهوامش : (3) قوله "يرى: ذهب الكسائي هذا " هكذا جاءت هذه العبارة في الجزء الخامس عشر من النسخة المخطوطة رقم 100 الورقة 411 والعبارة غامضة ، ولعل فيها تحريفا.
قال ابن عطية : وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين ، والآية ليست في الأيمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين .
وقوله : إلا أن يشاء الله في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ويحسنه الإيجاز ; تقديره : إلا أن تقول إلا أن يشاء الله ; أو إلا أن تقول إن شاء الله .
فالمعنى : إلا أن تذكر مشيئة الله ; فليس إلا أن يشاء الله من القول الذي نهي عنه .قلت : ما اختاره ابن عطية وارتضاه هو قول الكسائي والفراء والأخفش .
وقال البصريون : المعنى إلا بمشيئة الله .
فإذا قال الإنسان أنا أفعل هذا إن شاء الله فمعناه بمشيئة الله .
قال ابن عطية : وقالت فرقة إلا أن يشاء الله استثناء من قوله ولا تقولن .
قال : وهذا قول حكاه الطبري ورد عليه ، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكى .
وقد تقدم القول في الاستثناء في اليمين وحكمه في " المائدة " .قوله تعالى : واذكر ربك إذا نسيت وفيه الأمر بالذكر بعد النسيان واختلف في الذكر المأمور به ; فقيل : هو قوله وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا قال محمد الكوفي المفسر : إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن ، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء .
وقال الجمهور : هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص .
وقيل : هو قوله إن شاء الله الذي كان نسيه عند يمينه .
حكي عن ابن عباس أنه إن نسي الاستثناء ثم [ ص: 346 ] ذكر ولو بعد سنة لم يحنث إن كان حالفا .
وهو قول مجاهد .
وحكى إسماعيل بن إسحاق ذلك عن أبي العالية في قوله - تعالى - : واذكر ربك إذا نسيت قال : يستثني إذا ذكره .
الحسن : ما دام في مجلس الذكر .
ابن عباس : سنتين ; ذكره الغزنوي قال : فيحمل على تدارك التبرك بالاستثناء للتخلص عن الإثم .
فأما الاستثناء المفيد حكما فلا يصح إلا متصلا .
السدي : أي كل صلاة نسيها إذا ذكرها .
وقيل : استثن باسمه لئلا تنسى .
وقيل : اذكره متى ما نسيته .
وقيل : إذا نسيت شيئا فاذكره يذكركه .
وقيل : اذكره إذا نسيت غيره أو نسيت نفسك ; فذلك حقيقة الذكر .
وهذه الآية مخاطبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي استفتاح كلام على الأصح ، وليست من الاستثناء في اليمين بشيء ، وهي بعد تعم جميع أمته ; لأنه حكم يتردد في الناس لكثرة وقوعه .
والله الموفق .
ولما كان العبد بشرا، لا بد أن يسهو فيترك ذكر المشيئة، أمره الله أن يستثني بعد ذلك، إذا ذكر، ليحصل المطلوب، وينفع المحذور، ويؤخذ من عموم قوله: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } الأمر بذكر الله عند النسيان، فإنه يزيله، ويذكر العبد ما سها عنه، وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله، أن يذكر ربه، ولا يكونن من الغافلين، ولما كان العبد مفتقرا إلى الله في توفيقه للإصابة، وعدم الخطأ في أقواله وأفعاله، أمره الله أن يقول: { عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } فأمره أن يدعو الله ويرجوه، ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد.
وحري بعبد، تكون هذه حاله، ثم يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد، أن يوفق لذلك، وأن تأتيه المعونة من ربه، وأن يسدده في جميع أموره.
( واذكر ربك إذا نسيت ) قال ابن عباس ومجاهد والحسن : معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن .
وجوز ابن عباس الاستثناء المنقطع وإن كان إلى سنة وجوزه الحسن ما دام في المجلس وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان فإن بعد فلا يصح .
ولم [ يجوز باستثناء ] جماعة حتى يكون متصلا بالكلام وقال عكرمة : معنى الآية : واذكر ربك إذا غضبت .
وقال وهب : مكتوب في الإنجيل : ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب .
وقال الضحاك والسدي : هذا في الصلاة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا الحسن بن أحمد المخلدي حدثنا أبو العباس السراج حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " .
( وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) أي : يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد .
وقيل : أمر الله نبيه أن يذكره إذا نسي شيئا ويسأله أن يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه .
ويقال : هو أن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله عز وجل أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو أدل لهم من قصة أصحاب الكهف وقد فعل حيث أتاه من علم الغيب المرسلين ما كان أوضح لهم في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف .
وقال بعضهم : هذا شيء أمر أن يقوله مع قوله " إن شاء الله " إذا ذكر الاستثناء بعد النسيان وإذا نسي الإنسان " إن شاء الله " فتوبته من ذلك أن يقول : " عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا " .
«إلا يشاء الله» أي إلا ملتبسا بمشيئة الله تعالى بأن تقول إن شاء الله «واذكر ربك» أي مشيئته معلقا بها «إذا نسيت» ويكون ذكرها بعد النسيان كذكرها مع القول الحسن وغيره ما دام في المجلس «وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا» من خبر أهل الكهف في الدلالة على نبوتي «رشدا» هداية وقد فعل الله ذلك.
ولا تقولنَّ لشيء تعزم على فعله: إني فاعل ذلك الشيء غدًا إلا أن تُعَلِّق قولك بالمشيئة، فتقول: إن شاء الله.
واذكر ربك عند النسيان بقول: إن شاء الله، وكلما نسيت فاذكر الله؛ فإن ذِكْرَ الله يُذهِب النسيان، وقل: عسى أن يهديني ربي لأقرب الطرق الموصلة إلى الهدى والرشاد.
وكم من أمور أعد الإِنسان لها أسبابها التى تؤدى إلى قضائها .
.
ثم جاءت إرادة الله - تعالى - فغيرت ما أعده ذلك الإِنسان ، لأنه لم يستشعر عند إعداده للأسباب أن .
إرادة الله - تعالى - فوق إرادته ، وأنه - سبحانه - القادر على خرق هذه الأسباب ، وخرق ما تؤدى إليه ، ولأنه لم يقل عندما يريد فعله فى المستقبل ، إن شاء الله .وقوله : ( واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) تأكيد لما قبله أى : لا تقولن أفعل غدا إلا ملتبسا بقول : إن شاء الله ، واذكر ربك - سبحانه - إذا نسيت تعليق القول بالمشيئة ، أى : عند تذكرك بأنك لم تقرن قولك بمشيئة الله ، فأت بها .
اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون إن القوم لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة، قال عليه السلام أجيبكم عنها غداً ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس الوحي خمسة عشر يوماً وفي رواية أخرى أربعين يوماً، ثم نزلت هذه الآية، اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين: الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأنه إذا أخبر عن أنه سيفعل الفعل الفلاني غداً فربما جاءته الوفاة قبل الغد، وربما عاقه عائق آخر عن الإقدام على ذلك الفعل غداً، وإذا كان كل هذه الأمور محتملاً، فلو لم يقل إن شاء الله ربما خرج الكلام مخالفاً لما عليه الوجود وذلك يوجب التنفير عنه، وعن كلامه عليه السلام، أما إذا قال إن شاء الله كان محترزاً عن هذا المحذور، وإذا كان كذلك كان من البعيد أن يعد بشيء ولم يقل فيه إن شاء الله.
الثاني: أن هذه الآية مشتملة على فوائد كثيرة وأحكام جمة فيبعد قصرها على هذا السبب ويمكن أن يجاب عن الأول: أنه لا نزاع أن الأولى أن يقول إن شاء الله إلا أنه ربما اتفق له أنه نسي هذا الكلام لسبب من الأسباب فكان ذلك من باب ترك الأولى والأفضل، وأن يجاب عن الثاني أن اشتماله على الفوائد الكثيرة لا يمنع من أن يكون سبب نزوله واحداً منها.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ ليس فيه بيان أنه شاء الله ماذا، وفيه قولان: الأول: التقدير: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ أن يأذن لك في ذلك القول، والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عن نفسك أنك تفعل الفعل الفلاني إلا إذا أذن الله لك في ذلك الإخبار.
القول الثاني: أن يكون التقدير: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً ﴾ إلا أن تقول: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ والسبب في أنه لابد من ذكر هذا القول هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد، ولم يبعد أيضاً لو بقي حياً أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من العوائق، فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في ذلك الوعد، والكذب منفرد وذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام، فلهذا السبب أوجب عليه أن يقول: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ حتى أن بتقدير أن يتعذر عليه الوفاء بذلك الموعود لم يصر كاذباً فلم يحصل التنفير.
المسألة الثالثة: اعلم أن مذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه فيقع مراد العبد ولا يقع مراد الله فتكون إرادة العبد غالبة وإرادة الله تعالى مغلوبة، وأما عندنا فكل ما أراد الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر ويريد الإيمان من المؤمن وعلى هذا التقرير فإرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة إذا عرفت هذا فنقول إذا قال العبد لأفعلن كذا غداً إلا أن يشاء الله والله إنما يدفع عنه الكذب إذا كانت إرادة الله غالبة على إرادة العبد فإن على هذا القول يكون التقدير أن العبد قال أنا أفعل الفعل الفلاني إلا إذا كانت إرادة الله بخلافه فأنا على هذا التقدير لا أفعل لأن إرادة الله غالبة على إرادتي فعند قيام المانع الغالب لا أقوى على الفعل، أما بتقدير أن تكون إرادة الله تعالى مغلوبة فإنها لا تصلح عذراً في هذا الباب، لأن المغلوب لا يمنع الغالب.
إذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنه إذا قال والله لأفعلن كذا ثم قال: إن شاء الله دافعاً للحنث فلا يكون دافعاً للحنث إلا إذا كانت إرادة الله غالبة، فلما حصل دفع الحنث بالإجماع وجب القطع بكون إرادة الله تعالى غالبة وأنه لا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله وأصحابنا أكدوا هذا الكلام في صورة معينة وهو أن الرجل إذا كان له على إنسان دين وكان ذلك المديون قادراً على أداء الدين فقال والله لأقضين هذا الدين غداً، ثم قال إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض هذا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة أنه تعالى يريد منه قضاء الدين وعلى هذا التقدير فقوله: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ تعليق لذلك الحكم على شرط واقع فوجب أن يحنث، ولما أجمعوا على أن لا يحنث علمنا أن ذلك إنما كان لأن الله تعالى ما شاء ذلك الفعل مع أن ذلك الفعل قد أمر الله به ورغب فيه وزجر عن الإخلال به وثبت أنه تعالى قد ينهى عن الشيء ويريده وقد يأمر بالشيء ولا يريده وهو المطلوب، فإن قيل هب أن الأمر كما ذكرتم إلا أن كثيراً من الفقهاء قالوا: إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق فما السبب فيه؟
قلنا السبب هو أنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئة الله لم يقع إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا أولاً حصول هذه المشيئة لكن مشيئة الله تعالى غيب فلا سبيل إلى العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق المشيئة قد وقع وحصل وهو الطلاق فعلى هذا الطريق لا نعرف حصول المشيئة إلا إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا وقوع المشيئة فيتوقف العلم بكل واحد منها على العلم بالآخرة، وهو دور والدور باطل فلهذا السبب قالوا الطلاق غير واقع.
المسألة الرابعة: احتج القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً * أَن يَشَاء الله ﴾ قالوا: الشيء الذي سيفعله الفاعل غداً سماه الله تعالى في الحال بأنه شيء لقوله: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ ﴾ ومعلوم أن الشيء الذي سيفعله الفاعل غداً فهو معدوم في الحال، فوجب تسمية المعدوم بأنه شيء.
والجواب أن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم مسمى بكونه شيئاً وعندنا أن السبب فيه أن الذي سيصير شيئاً يجوز تسميته بكونه شيئاً في الحال كما أنه قال: ﴿ أتى أَمْرُ الله ﴾ والمراد سيأتي أمر الله، أما قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه كلام متعلق بما قبله والتقدير أنه إذا نسي أن يقول إن شاء الله فليذكره إذا تذكره وعند هذا اختلفوا فقال ابن عباس رضي الله عنهما لو لم يحصل التذكر إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في دفع الحنث وعن سعيد بن جبير بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم، وعن طاوس أنه يقدر على الاستثناء في مجلسه، وعن عطاء يستثني على مقدار حلب الناقة الغزيرة، وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً، واحتج ابن عباس بقوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ لأن الظاهر أن المراد من قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ هو الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ وقوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ ﴾ غير مختص بوقت معين بل هو يتناول كل الأوقات فوجب أن يجب عليه هذا الذكر في أي وقت حصل هذا التذكر وكل من قال وجب هذا الذكر قال: إنه إنما وجب لدفع الحنث وذلك يفيد المطلوب، واعلم أن استدلال ابن عباس رضي الله عنهما ظاهر في أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلاً، أما الفقهاء فقالوا إنا لو جوزنا ذلك لزم أن لا يستقر شيء من العقود، والإيمان، يحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة رحمه الله: هذا يرجع عليك، فإنك تأخذ البيعة بالإيمان أتفرض أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟
فاستحسن المنصور كلامه ورضي به.
واعلم أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه.
وأيضاً فلو قال إن شاء الله على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع مع أن المحذور الذي ذكرتم حاصل فيه.
فثبت أن الذي عولوا عليه ليس بقوي، والأولى أن يحتجوا في وجوب كون الاستثناء متصلاً بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد.
قال تعالى: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ وقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ ﴾ فالآتي بالعهد يجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان متصلاً لأن الاستثناء مع المستثنى منه كالكلام الواحد بدليل أن لفظ الاستثناء وحده لا يفيد شيئاً، فهو جار مجرى نصف اللفظ الواحدة، فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة، وعلى هذا التقدير فعند ذكر الاستثناء عرفنا أنه لم يلزم شيء بخلاف ما إذا كان الاستثناء متصلاً فإنه حصل الالتزام التام بالكلام فوجب عليه الوفاء بذلك الملتزم والقول الثاني أن قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ لا تعلق له بما قبله بل هو كلام مستأنف وعلى هذا القول ففيه وجوه: أحدها: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، والمراد منه الترغيب في الاهتمام بذكر هذه الكلمة.
وثانيها: واذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي.
وثالثها: حمله بعضهم على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها، وهذا القول بما فيه من الوجوه الثلاثة بعيد لأن تعلق هذا الكلام بما قبله يفيد إتمام الكلام في هذه القضية وجعله كلاماً مستأنفاً يوجب صيرورة الكلاء مبتدأ منقطعاً وذلك لا يجوز ثم قال تعالى: ﴿ وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبّى لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن ترك قوله: ﴿ أَن يَشَاء الله ﴾ ليس بحسن وذكره أحسن من تركه وقوله: ﴿ لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا ﴾ المراد منه ذكر هذه الجملة.
الثاني: إذا وعدهم بشيء وقال معه إن شاء الله فيقول عسى أن يهديني ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به.
والثالث: أن قوله: ﴿ لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا ﴾ إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والدلائل على صحة أني نبي من عند الله صادق القول في ادعاء النبوة ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبأ أصحاب الكهف.
وقد فعل الله ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ مِئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا * قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ فاعلم أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب الكهف وفي قوله: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ﴾ قولان: الأول: أن هذا حكاية كلام القوم والدليل عليه أنه تعالى قال: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ وكذا إلى أن قال: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ﴾ أي أن أولئك الأقوام قالوا ذلك ويؤكده أنه تعالى قال بعده: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ وهذا يشبه الرد على الكلام المذكور قبله ويؤكده أيضاً ما روي في مصحف عبد الله: وقالوا ولبثوا في كهفهم.
والقول الثاني: أن قوله: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ﴾ هو كلام الله تعالى فإنه أخبر عن كمية تلك المدة، وأما قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ فهو كلام قد تقدم وقد تخلل بينه وبين هذه الآية ما يوجب انقطاع أحدهما عن الآخر وهو قوله: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآء ظاهرا ﴾ وقوله: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السموات والأرض ﴾ لا يوجب أن ما قبله حكاية، وذلك لأنه تعالى أراد: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السموات والأرض ﴾ فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب.
المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ثلثمائة سنين بغير تنوين والباقون بالتنوين وذلك لأن قوله: ﴿ سِنِينَ ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿ ثلثمائة ﴾ لأنه لما قال: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ﴾ لم يعرف أنها أيام أم شهور أم سنون فلما قال سنين صار هذا بياناً لقوله: ﴿ ثلثمائة ﴾ فكان هذا عطف بيان له وقيل هو على التقديم والتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.
وأما وجه قراءة حمزة فهو أن الواجب في الإضافة ثلثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع الواحد في التمييز كقوله: ﴿ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا ﴾ .
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وازدادوا تِسْعًا ﴾ ؟
المعنى وازدادوا تسع سنين فإن قالوا: لم لم يقل ثلثمائة وتسع سنين؟
وما الفائدة في قوله: ﴿ وازدادوا تِسْعًا ﴾ ؟
قلنا: قال بعضهم: كانت المدة ثلثمائة سنة من السنين الشمسية وثلثمائة وتسع سنين من القمرية، وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا القول، ويمكن أن يقال: لعلهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الأنبياء ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين ثم قال: ﴿ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ معناه أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدة من الناس الذين اختلفوا فيها، وإنما كان أولى بأن يكون عالماً به لأنه موجد للسموات والأرض ومدبر للعالم، وإذا كان كذلك كان عالماً بغيب السموات والأرض فيكون عالماً بهذه الواقعة لا محالة ثم قال تعالى: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ وهذه كلمة تذكر في التعجب، والمعنى ما أبصره وما أسمعه، وقد بالغنا في تفسير كلمة التعجب في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ مَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ ﴾ وفيه وجوه: الأول: ما لأصحاب الكهف من دون الله من ولي فإنه هو الذي يتولى حفظهم في ذلك النوم الطويل.
الثاني: ليس لهؤلاء المختلفين في مدة لبث أهل الكهف ولي من دون الله يتولى أمرهم ويقيم لهم تدبير أنفسهم فإذا كانوا محتاجين إلى تدبير الله وحفظه فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير أعلامه.
الثالث: أن بعض القوم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب، فبين الله أنه ليس لهم من دونه ولي يمنع الله من إنزال العقاب عليهم.
ثم قال: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ والمعنى أنه تعالى لما حكم أن لبثهم هو هذا المقدار فليس لأحد أن يقول قولاً بخلافه.
والأصل أن الاثنين إذا كانا لشريكين فإن الاعتراض من كل واحد منهما على صاحبه يكثر ويصير ذلك مانعاً لكل واحد منهما من إمضاء الأمر على وفق ما يريده.
وحاصله يرجع إلى قوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ فالله تعالى نفى ذلك عن نفسه بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ وقرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء والجزم على النهي والخطاب عطفاً على قوله: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ ﴾ أو على قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ والمعنى ولا تسأل أحداً عما أخبرك الله به من عدة أصحاب الكهف واقتصر على حكمه وبيانه ولا تشرك أحداً في طلب معرفة تلك الواقعة وقرأ الباقون بالياء والرفع على الخبر والمعنى أنه تعالى لا يفعل ذلك.
المسألة الرابعة: اختلف الناس في زمان أصحاب الكهف وفي مكانهم، أما الزمان الذي حصلوا فيه، فقيل إنهم كانوا قبل موسى عليه السلام وإن موسى ذكرهم في التوراة، ولهذا السبب فإن اليهود سألوا عنهم، وقيل: إنهم دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبر المسيح بخبرهم ثم بعثوا في الوقت الذي بين عيسى عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل إنهم دخلوا الكهف بعد المسيح، وحكى القفال هذا القول عن محمد بن إسحاق.
وقال قوم: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وأما مكان هذا الكهف، فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه ليعرف حال أصحاب الكهف إلى الروم، قال: فوجه ملك الروم معي أقواماً إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه، قال: وإن الرجل الموكل بذلك الموضع فزعني من الدخول عليهم، قال: فدخلت ورأيت الشعور على صدورهم قال وعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة لأبدان الموتى لتصونها عن البلى مثل التلطيخ بالصبر وغيره، ثم قال القفال: والذي عندنا لا يعرف أن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف أو موضع آخر، والذي أخبر الله عنه وجب القطع به ولا عبرة بقول أهل الروم إن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف، وذكر في الكشاف عن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس لك ذلك قد منع الله من هو خير منك، فقال: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً، فقال لابن عباس: لا أنتهي حتى أعلم حالهم، فبعث أناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأحرقتهم، وأقول العلم بذلك الزمان وبذلك المكان ليس للعقل فيه مجال، وإنما يستفاد ذلك من نص، وذلك مفقود فثبت أنه لا سبيل إليه.
المسألة الخامسة: اعلم أن مدار القول بإثبات البعث والقيامة على أصول ثلاثة.
أحدها: أنه تعالى قادر على كل الممكنات.
والثاني: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات.
وثالثها: أن كل ما كان ممكن الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات فإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث والقيامة، فكذلك هاهنا ثبت أنه تعالى عالم قادر على الكل، وثبت أن بقاء الإنسان حياً في النوم مدة يوم ممكن فكذلك بقاؤه مدة ثلثمائة سنة يجب أن يكون ممكناً بمعنى أن إله العالم يحفظه ويصونه عن الآفة.
وأما الفلاسفة فإنهم يقولون أيضاً: لا يبعد وقوع أشكال فلكية غريبة توجب في هيولي عالم الكون والفساد حصول أحوال غريبة نادرة، وأقول: هذه السور الثلاثة المتعاقبة اشتمل كل واحد منها على حصول حالة عجيبة نادرة في هذا العالم فسورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بجسد محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام وهو حالة عجيبة، وهذه السورة اشتملت على بقاء القوم في النوم مدة ثلثمائة سنة وأزيد وهو أيضاً حالة عجيبة، وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب وهو أيضاً حالة عجيبة.
والمعتمد في بيان إمكان كل هذه العجائب والغرائب المذكورة في هذه السور الثلاثة المتوالية هو الطريقة التي ذكرناها.
ومما يدل على أن هذا المعنى من الممكنات أن أبا علي بن سينا ذكر في باب الزمان من كتاب الشفاء أن أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف، ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْيْءٍ ﴾ ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه ﴿ إِنّى فَاعِلٌ ذلك ﴾ الشيء ﴿ غَداً ﴾ أي فيما يستقبل من الزمان.
ولم يرد الغد خاصة ﴿ إِلاَّ أَن يَشاءَ الله ﴾ متعلق بالنهي لا بقوله: إني فاعل لأنه لو قال إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله، كان معناه: إلا أن تعترض مشيئة الله دون فعله، وذلك مما لا مدخل فيه للنهي، وتعلقه بالنهي على وجهين، أحدهما: ولا تقولنّ ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن لك فيه.
والثاني: ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، وهو في موضع الحال.
يعني: إلا ملتبساً بمشيئة الله قائلاً: إن شاء الله وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون ﴿ أن يشاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد، كأنه قيل ولا تقولنه أبداً.
ونحوه قوله ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله ﴾ [الأعراف: 89] لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله.
وهذا نهي تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين.
فسألوه فقال: ائتوني غداً أخبركم ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش ﴿ واذكر رَّبَّكَ ﴾ أي مشيئة ربك وقل: إن شاء الله إذا فرط منك نسيان لذلك.
والمعنى: إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: ولو بعد سنة ما لم تحنث.
وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة.
وعن طاوس: هو على ثنياه ما دام في مجلسه.
وعن الحسن نحوه.
وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.
وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.
ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس رضي الله عنه في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه: فقال أبو حنيفة: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟
فاستحسن كلامه ورضي عنه.
ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، تشديداً في البعث على الاهتمام بها.
وقيل: واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به.
وقيل: واذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
و ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف.
ومعناه: لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني نبيّ صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلّ، والظاهر أن يكون المعنى: إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك.
وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رَشَدًا ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.
ولعل النسيان كان خيرة، كقوله ﴿ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا ﴾ [البقرة: 106] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ نَهْيُ تَأْدِيبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ حِينَ قالَتِ اليَهُودُ لِقُرَيْشٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وأصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ، فَسَألُوهُ فَقالَ: «ائْتُونِي غَدًا أُخْبِرْكم» ولَمْ يَسْتَثْنِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ عَلَيْهِ وكَذَّبَتْهُ قُرَيْشٌ.
والِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّهْيِ أيْ ولا تَقُولَنَّ لِأجْلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلَيْهِ إنِّي فاعِلُهُ فِيما يُسْتَقْبَلُ إلّا بِـ ﴿ أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ إلّا مُلْتَبِسًا بِمَشِيئَتِهِ قائِلًا إنْ شاءَ اللَّهُ أوْ إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَهُ بِمَعْنى أنْ يَأْذَنَ لَكَ فِيهِ، ولا يَجُوزَ تَعْلِيقُهُ بِفاعِلٍ لِأنَّ اسْتِثْناءَ اقْتِرانِ المَشِيئَةِ بِالفِعْلِ غَيْرُ سَدِيدٍ واسْتِثْناءُ اعْتِراضِها دُونَهُ لا يُناسِبُ النَّهْيَ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ ﴾ مَشِيئَةَ رَبِّكَ وقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ.
كَما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» .
﴿ إذا نَسِيتَ ﴾ إذا فَرَطَ مِنكَ نِسْيانٌ لِذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرْتَهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ ما لَمْ يَحْنَثْ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ تَأْخِيرَ الِاسْتِثْناءِ عَنْهُ.
وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى خِلافِهِ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَقَرَّرْ إقْرارٌ ولا طَلاقٌ ولا عَتاقٌ ولَمْ يُعْلَمْ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ والخَبَرِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَدارَكَ بِهِ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ بَلْ هو مِن مُقَدَّرٍ مَدْلُولٍ بِهِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى واذْكُرْ رَبَّكَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ مُبالِغَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ، أوِ اذْكُرْ رَبَّكَ وعِقابَهُ إذا تَرَكْتَ بَعْضَ ما أمَرَكَ بِهِ لِيَبْعَثَكَ عَلى التَّدارُكِ، أوِ اذْكُرْهُ إذا اعْتَراكَ النِّسْيانُ لِيُذَكِّرَكَ المَنسِيَّ.
﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ يَدُلَّنِي.
﴿ لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا ﴾ لِأقْرَبَ رَشَدًا وأظْهَرَ دَلالَةً عَلى أنِّي نَبِيٌّ مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ.
وقَدْ هَداهُ لِأعْظَمَ مِن ذَلِكَ كَقَصَصِ الأنْبِياءِ المُتَباعِدَةِ عَنْهُ أيّامَهم، والإخْبارِ بِالغُيُوبِ والحَوادِثِ النّازِلَةِ في الأعْصارِ المُسْتَقْبِلَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، أوْ لِأقْرَبَ رَشَدًا وأدْنى خَيْرًا مِنَ المَنسِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ أَن يَشَاء الله} أن تقوله بأن يأذن لك فيه أو ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله أي إلا بمشيئته وهو في موضع الحال أي إلا ملتبساً بمشيئة الله قائلاً إن شاء الله وقال الزجاج معناه ولا تقولن إني أفعل ذلك إلا بمشيئة الله تعالى لأن قول القائل أنا أفعل ذلك إن شاء الله معناه لا أفعله إلا بمشيئة الله وهذا نهى نهي تأديب من الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش سلوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غداً أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه {واذكر ربك} أي مشيئتة ربك وقل إن شاء الله {إِذَا نَسِيتَ} إذا فرط منك نسيان لذلك والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت عليها فتداركها بالذكر عن الحسن ما دام في مجلس الذكر وعن ابن عباس رضي الله عنهما ولو بعد سنة وهذا محمول على تدارك التبرك بالاستثناء فأما الاستثناء المغير حكماً فلا يصح إلا متصلاً وحُكي أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة
الكهف (٢٧ - ٢٤)
رحمه الله خالف ابن عباس رضي الله عنهما في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة هذا يرجع عليك إنك تأخذ البيعة بالأيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن كلامه وأمر الطاعن فيه بإخراجه من عنده أو معناه واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء تشديداً في البعث على الاهتمام بها أو صلاة نسيتها إذا ذكرتها أو إذا نسيت شيئاً فاذكره ليذكرك المنسي {وَقُلْ عسى أَن يهدين رَبّى لأَِقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا} يعني إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك وذكر ربك عند نسيانه أن تقول عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه رشداً وأدنى خيراً ومنفعه أن يهدين إن ترن أن يؤتين أن تعلمن مكى في الحالين ووافقه أبو عمرو ومدني في الوصل
﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ اغْتِرارًا بِرَدِّ الطَّبَرِيِّ: إنَّهُ مِنَ الفَسادِ بِحَيْثُ كانَ الواجِبُ أنْ لا يُحْكى خُرُوجٌ عَنِ الإنْصافِ، وهو مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ.
وفِي الكَلامِ تَقْدِيرُ باءٍ لِلْمُلابَسَةِ داخِلَةً عَلى أنْ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابَسَتِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ تَذْكُرَ، قالَ في الكَشْفِ: إنَّ التِباسَ القَوْلِ بِحَقِيقَةِ المَشِيئَةِ مُحالٌ، فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ بِذِكْرِها وهو إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ونَحْوَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَعْلِيقِهِ الأُمُورَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى.
ورُدَّ بِما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لا رَدًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ أعَمَّ الأوْقاتِ؛ أيْ: لا تَقُولَنَّ ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا في وقْتِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ القَوْلَ مِنكَ، وفُسِّرَتِ المَشِيئَةُ عَلى هَذا بِالإذْنِ؛ لِأنَّ وقْتَ المَشِيئَةِ لا يُعْلَمُ إلّا بِإعْلامِهِ تَعالى بِهِ، وإذْنِهِ فِيهِ فَيَكُونُ مَآلُ المَعْنى: لا تَقُولَنَّ إلّا بَعْدَ أنْ يُؤْذَنَ لَكَ بِالقَوْلِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّأْبِيدُ؛ أيْ: ولا تَقُولَنَّ ذَلِكَ أبَدًا، ووَجَّهَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِأنَّهُ نُهِيَ عَنِ القَوْلِ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وهي مَجْهُولَةٌ فَيَجِبُ الِانْتِهاءُ أبَدًا، وأشارَ إلى أنَّهُ هو مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ لا ما يُتَوَهَّمُ مِن جَعْلِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ مِن أنَّ التَّأْبِيدَ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى فِعْلَ ذَلِكَ غَدًا لِقُبْحِهِ كالعَوْدِ في مِلَّةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ القُبْحَ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى إطْلاقِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والتَّخْصِيصُ بِما يَتَعَلَّقُ بِالوَحْيِ عَلى مَعْنى: لا تَقُولَنَّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالوَحْيِ إنِّي أُخْبِرُكم بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ أنْ تَقُولَهُ مِن عِنْدَكَ، فَإذًا لا تَقُولَنَّهُ أبَدًا يَأْباهُ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّهْيِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّفْيِ والتَّقْيِيدُ بِالمُسْتَقْبَلِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ أيْ: مُخْبِرٌ عَنْ أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالوَحْيِ غَدًا غَيْرُ مُؤْذِنٍ بِأنَّ قَوْلَهُ في الغَدِ يَكُونُ مِن عِنْدِهِ لا عَنْ وحْيٍ، فالتَّشْبِيهُ في أنَّ الِاسْتِثْناءَ بِالمَشِيئَةِ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِضِ التَّأْبِيدِ وإنْ كانَ وجْهُ الدَّلالَةِ مُخْتَلِفًا أخْذًا مِن مُتَعَلِّقِ المَشِيئَةِ تارَةً ومِنَ الجَهْلِ بِها أُخْرى، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ في الآيَةِ الوَجْهُ الأوَّلُ، وأنَّ أُمَّتَهُ وهو في الخِطابِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ سَواءٌ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي فاعِلٌ ﴾ بِأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مِمّا في حَيِّزِهِ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أوِ الأوْقاتِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ إمّا أنْ تَعْتَبِرَ تَعَلُّقَ المَشِيئَةِ بِالفِعْلِ فَيَكُونُ المَعْنى: إنِّي فاعِلٌ في كُلِّ حالٍ أوْ في كُلِّ وقْتٍ إلّا في حالِ أوْ وقْتِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى الفِعْلَ وهو غَيْرُ سَدِيدٍ أوْ يُعْتَبَرُ تَعَلُّقُها بِعَدَمِهِ فَيَكُونُ المَعْنى: إنِّي فاعِلٌ في كُلِّ حالٍ أوْ في كُلِّ وقْتٍ إلّا في حالِ أوْ وقْتِ مَشِيئَةِ اللَّهِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى عَدَمَ الفِعْلِ، ولا شُبْهَةَ في عَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِلنَّهْيِ بَلْ هو أمْرٌ مَطْلُوبٌ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَعَلِّقًا بِ «إنِّي فاعِلٌ» والمَشِيئَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالعَدَمِ صارَ المَعْنى: إنِّي فاعِلٌ في كُلِّ حالٍ إلّا إذا شاءَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ فِعْلِي وهَذا لا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْهُ، أمّا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّهم لا يَشُكُّونَ في أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ فِعْلِ العَبْدِ الِاخْتِيارِيِّ إذا عَرَضَتْ دُونَهُ بِإيجادِ ما يَعُوقُ عَنْهُ مِنَ المَوْتِ ونَحْوِهِ مَنَعَتْ عَنْهُ، وإنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ عِنْدَهم بِإيجادِهِ وإعْدامِهِ، وكَذا لا يَصِحُّ النَّهْيُ إذا كانَتِ المَشِيئَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالفِعْلِ في المَذْهَبَيْنِ، فَما قِيلَ: إنَّ تَعَلُّقَ الِاسْتِثْناءِ بِما ذُكِرَ صَحِيحٌ والمَعْنى عَلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَذْهَبَ مَذْهَبَ الِاعْتِزالِ في خَلْقِ الأعْمالِ فَيُضِيفُها لِنَفْسِهِ قائِلًا: إنْ لَمْ تَقْتَرِنْ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى بِالفِعْلِ فَأنا فاعِلُهُ اسْتِقْلالًا، فَإنِ اقْتَرَنَتْ فَلا يَخْفى ما فِيهِ عَلى نَبِيِّهِ فَتَأمَّلْ.
وقَدْ شاعَ الِاعْتِراضُ عَلى المُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ المَعاصِيَ واقِعَةٌ مِن غَيْرِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا الطّاعاتِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ فِيما إذا قالَ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِهِ قَدْ طالَبَهُ بِهِ: واللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ حَقَّكَ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، أنْ يَكُونَ حانِثًا إذا لَمْ يَفْعَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ شاءَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ طاعَةً، وإنْ لَمْ يَقَعْ فَتَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ عَنْ يَمِينِهِ ولَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْناءُ كَما لَوْ قالَ: واللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ إنْ قامَ زَيْدٌ فَقامَ ولَمْ يَفْعَلْ، وفي التِزامِ الحِنْثِ في ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنِ الإجْماعِ.
وقَدْ أجابَ عَنْهُ المُرْتَضى بِأنَّ لِلِاسْتِثْناءِ الدّاخِلِ في الكَلامِ وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً؛ فَقَدْ يَدْخُلُ في الأيْمانِ والطَّلاقِ والعَتاقِ وسائِرِ العُقُودِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الأخْبارِ وهَذا يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَنْ إمْضاءِ الكَلامِ والمَنعَ مِن لُزُومِ ما يَلْزِمُ بِهِ ويَصِيرُ لَهُ الكَلامُ كَأنَّهُ لا حُكْمَ لَهُ، ويَصِحُّ في هَذا الوَجْهِ الِاسْتِثْناءُ في الماضِي فَيُقالُ: قَدْ دَخَلْتُ الدّارَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ خَبَرًا قاطِعًا أوْ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ، ولا يَصِحُّ في المَعاصِي لِأنَّ فِيهِ إظْهارَ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَعاصِي لا يَصْلُحُ ذَلِكَ فِيها، قالَ: وهَذا الوَجْهُ أحَدُ مُحْتَمَلاتِ الآيَةِ، وقَدْ يَدْخُلُ في الكَلامِ ويُرادُ بِهِ التَّسْهِيلُ والأقْدارُ والتَّخْلِيَةُ والبَقاءُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ وهَذا هو المُرادُ إذا دَخَلَ في المُباحاتِ وهو مُمْكِنٌ في الآيَةِ، وقَدْ يَدْخُلُ لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ عَلى هَذا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ في كَوْنِ الكَلامِ صادِقًا أوْ كاذِبًا وهو أيْضًا مُمْكِنٌ في الآيَةِ، وقَدْ يَدْخُلُ ويُرادُ بِهِ اللُّطْفُ والتَّسْهِيلُ وهَذا يَخْتَصُّ بِالطّاعاتِ ولا يَصِحُّ أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّها تَتَناوَلُ كُلَّ ما لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا.
وقَوْلُ المَدْيُونِ السّابِقُ إنْ قَصَدَ بِهِ هَذا المَعْنى لا يَلْزَمُ مِنهُ الحِنْثُ إذا لَمْ يَفْعَلْ، ويَدِينُ المَدْيُونُ وغَيْرُهُ إنِ ادَّعى قَصْدَ ما لا يَلْزَمُهُ فِيهِ شَيْءٌ فَلا وُرُودَ لِما اعْتَرَضُوا بِهِ، والإنْصافُ أنَّ الِاعْتِراضَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والرَّدُّ عَلَيْهِمْ غَنِيٌّ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ هَذا، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ إطْلاقَ الِاسْتِثْناءِ عَلى التَّقْيِيدِ بِ «إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» بَلْ عَلى التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا ثابِتٌ في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ السِّيرافِيُّ في شَرْحِ الكِتابِ.
وقالَ الرّاغِبُ: الِاسْتِثْناءُ دَفْعُ ما يُوجِبُهُ عُمُومٌ سابِقٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً ﴾ إلَخْ أوْ دَفْعُ ما يُوجِبُهُ اللَّفْظُ كَقَوْلِهِ: امْرَأتُهُ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
انْتَهى.
وفِي الحَدِيثِ: ««مَن حَلَفَ عَلى شَيْءٍ فَقالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقَدِ اسْتَثْنى»».
فَما قِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تُسَمّى اسْتِثْناءً لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْها هُنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ لَيْسَ بِسَدِيدٍ فَكَذا ما قِيلَ: إنَّها أشْبَهَتِ الِاسْتِثْناءَ في التَّخْصِيصِ فَأُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُهُ كَذا قالَ الخَفاجِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ في الحَدِيثِ نَوْعَ إباءٍ لِدَعْوى أنَّ إطْلاقَ الِاسْتِثْناءِ عَلى التَّقْيِيدِ بِ «إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» لُغَوِيٌّ لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِإفادَةِ المَدْلُولاتِ اللُّغَوِيَّةِ، بَلْ لِتَبْلِيغِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ فَتَذَكَّرْ.
﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ ﴾ تَعالى؛ أيْ: مَشِيئَةَ رَبِّكَ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وذِكْرُ مَشِيئَةِ تَعالى عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلُ أنْ يُقالَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ نَزَلَتْ: ﴿ إذا نَسِيتَ ﴾ أيْ: إذا فَرَطَ مِنكَ نِسْيانُ ذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرْتَهُ فَإنَّهُ ما دامَ ناسِيًا لا يُؤْمَرُ بِالذِّكْرِ وهو أمْرٌ بِالتَّدارُكِ عِنْدَ التَّذَكُّرِ سَواءٌ قَصُرَ الفَصْلُ أمْ طالَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَرى الِاسْتِثْناءَ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ ويَقْرَأُ الآيَةَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ في رَجُلٍ حَلَفَ ونَسِيَ أنْ يَسْتَثْنِيَ قالَ: لَهُ ثُنْياهُ إلى شَهْرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَإنَّ الثُّنْيا حَلْبَ ناقَةٍ قالَ: وكانَ طاوُسٌ يَقُولُ: ما دامَ في مَجْلِسِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: يَسْتَثْنِي ما دامَ في كَلامِهِ، وعامَّةُ الفُقَهاءِ عَلى اشْتِراطِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ في عَدَمِ الحِنْثِ ولَوْ صَحَّ جَوازُ الفَصْلِ وعَدَمُ تَأْثِيرِهِ في الأحْكامِ لا سِيَّما إلى الغايَةِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِما تَقَرَّرَ إقْرارٌ ولا طَلاقٌ ولا عَتاقٌ ولَمْ يُعْلَمْ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ.
ويُحْكى أنَّهُ بَلَغَ المَنصُورَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خالَفَ ابْنَ عَبّاسٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ فاسْتَحْضَرَهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ أبُو حَنِيفَةَ: هَذا يَرْجِعُ إلَيْكَ؛ أنَّكَ تَأْخُذُ البَيْعَةَ بِالأيْمانِ، أفَتَرْضى أنْ يَخْرُجُوا مِن عِنْدَكَ فَيَسْتَثْنُوا فَيَخْرُجُوا عَلَيْكَ، فاسْتَحْسَنَ كَلامَهُ.
ومِن غَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ رَجُلًا مِن عُلَماءِ المَغْرِبِ أحَبَّ أنْ يَرى عُلَماءَ بَغْدادَ ويَتَحَقَّقَ مَبْلَغَ عِلْمِهِمْ فَشَدَّ الرَّحْلَ لِلِاجْتِماعِ مَعَهم فَدَخَلَ بَغْدادَ مِن بابِ الكَرْخِ فَصادَفَ رَجُلَيْنِ يَمْشِيانِ أمامَهُ يَبِيعانِ البَقْلَ في أطْباقٍ عَلى رُءُوسِهِما فَسَمِعَ أحَدَهُما يَقُولُ لِصاحِبِهِ: يا فُلانُ، إنِّي لَأعْجَبُ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَيْفَ جَوَّزَ فَصْلَ الِاسْتِثْناءِ، وقالَ بِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ في الأحْكامِ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُ لَأمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالِاسْتِثْناءِ لِئَلّا يَحْنَثَ فَإنَّهُ أقَلُّ مُؤْنَةً مِمّا أرْشَدَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ ﴾ ولَيْسَ بَيْنَ حَلِفِهِ وأمْرِهِ بِما ذَكَرَهُ أكْثَرُ مِن سَنَةٍ فَرَجَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى بَلَدِهِ واكْتَفى بِما سَمِعَ ورَأى، فَسُئِلَ: كَيْفَ وجَدْتَ عُلَماءَ بَغْدادَ؟
فَقالَ: رَأيْتُ مَن يَبِيعُ البَقْلَ عَلى رَأْسِهِ في الطَّرَقاتِ مِن أهْلِها بَلَغَ مَبْلَغًا مِنَ العِلْمِ يَعْتَرِضُ بِهِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، فَما ظَنُّكَ بِأهْلِ المَدارِسِ المُنْقَطِعِينَ لِخِدْمَةِ العِلْمِ والإنْصافِ، إنَّ هَذا الِاعْتِراضَ عَلى عَلّامَةٍ يُسْتَكْثَرُ مِمَّنْ يَبِيعُ البَقْلَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ النَّقْلِ.
لا يُقالُ: إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ يُطابِقُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَبْرُ وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّدارُكِ مَعْنًى وكَذا ما جاءَ في الخَبَرِ لِما قالُوا: إنَّ التَّدارُكَ فِيما يَرْجِعُ إلى تَفْوِيضِ العَبْدِ يَحْصُلُ بِذِكْرِهِ بَعْدَ التَّنَبُّهِ أمّا في التَّأْثِيرِ في الحُكْمِ حَتّى يُخْرِجَهُ عَنِ الجَزْمِ فَلَيْسَتِ الآيَةُ مَسُوقَةً لَهُ ولا دالَّةً عَلَيْهِ بِوَجْهٍ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ مِن خَصائِصِهِ فَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْتَثْنِيَ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ بِخِلافِ غَيْرِهِ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ فاسْتَثْنِ إذا ذَكَرْتَ، ثُمَّ قالَ: هي خاصَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ولَيْسَ لِأحَدِنا أنْ يَسْتَثْنِيَ إلّا في صِلَةِ يَمِينٍ، وقِيلَ: لَيْسَ في الآيَةِ والخَبَرِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَدارَكَ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ بَلْ مِن مُقَدَّرٍ مَدْلُولٍ بِهِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ في الآيَةِ: كُلَّما نَسِيتَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى اذْكُرْهُ حِينَ التَّذَكُّرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وفِي الحَدِيثِ: ««لا أنْسى المَشِيئَةَ بَعْدَ اليَوْمِ ولا أتْرُكُها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، أوْ أقُولُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إذا قُلْتُ إنِّي فاعِلٌ أمْرًا فِيما بَعْدُ»» ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ، والمُرادُ مِن ذَلِكَ المُبالَغَةُ في الحَثِّ عَلَيْهِ بِإيهامِ أنَّ تَرْكَهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي يَجِبُ لَها التَّوْبَةُ والِاسْتِغْفارُ، وقِيلَ: المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ وعِقابَهُ إذا تَرَكْتَ بَعْضَ ما أمَرَكَ بِهِ لِيَبْعَثَكَ ذَلِكَ عَلى التَّدارُكِ، وحَمْلُ النِّسْيانِ عَلى التَّرْكِ مَجازٌ لِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ، أوِ اذْكُرْ رَبَّكَ إذا عَرَضَ لَكَ نِسْيانٌ لِيَذْكُرَكَ المَنسِيُّ، و ﴿ نَسِيتَ ﴾ عَلى هَذا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ولا يَخْفى بُعْدُ ارْتِباطِ الآيَةِ عَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ بِما سَبَقَ.
وحَمَلَ قَتادَةُ الآيَةَ عَلى أداءِ الصَّلاةِ المَنسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِها، فَإذا أرادَ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ: واقْضِ الصَّلاةَ المَنسِيَّةَ إذْ ذَكَرْتَها فَهو كَما تَرى، وأمْرُ الِارْتِباطِ كَما في سابِقِهِ، وإنْ أرادَ أنَّها تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِقَضاءِ الصَّلاةِ المَنسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِها لِما أنَّها دَلَّتْ عَلى الأمْرِ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ المَنسِيِّ، وأمْرُ الصَّلاةِ أشَدُّ والِاهْتِمامُ بِها أعْظَمُ، فالأمْرُ أسْهَلُ، ولَكِنَّ ظاهِرَ كَلامِهِمْ أنَّهُ أرادَ الأوَّلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرِهِما عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أيِ اذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ، ووَجْهُ تَفْسِيرِ النِّسْيانِ بِالغَضَبِ أنَّهُ سَبَبٌ لِلنِّسْيانِ، وأمْرُ هَذا القَوْلِ نَظِيرُ ما مَرَّ.
﴿ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ أيْ: يُوَفِّقَنِي ﴿ لأقْرَبَ مِن هَذا ﴾ أيْ: لِشَيْءٍ أقْرَبَ وأظْهَرَ مِن نَبَأِ أصْحابِ الكَهْفِ مِنَ الآياتِ والدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِي ﴿ رَشَدًا ﴾ إرْشادًا لِلنّاسِ ودَلالَةً عَلى ذَلِكَ.
وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ آتاهُ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وأبْيَنُ كَقَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُتَباعِدَةِ أيّامُهم والحَوادِثِ النّازِلَةِ في الأعْصارِ المُسْتَقْبَلَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وكَأنَّهُ تَهْوِينٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِأمْرِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ كَما هَوَّنَهُ جَلَّ وعَلا أوَّلًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أمْ حَسِبْتَ ﴾ إلَخْ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَجْمُوعِ القِصَّةِ، وعَطَفَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ عَلى العامِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ إذْ أوى الفِتْيَةُ إلَخْ، ﴿ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ لِما هو أظْهَرُ مِن ذَلِكَ دَلالَةً عَلى نُبُوَّتِي.
وقالَ الجُبّائِيُّ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ ﴾ إلى آخِرِهِ والمَعْنى عِنْدَهُ: ادْعُ رَبَّكَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا نَسِيتَ شَيْئًا أنْ يُذَكِّرَكَ إيّاهُ وقُلْ إنْ لَمْ يُذَكِّرْكَ سُبْحانَهُ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي لِشَيْءٍ أقْرَبَ مِنَ المَنسِيِّ خَيْرًا ومَنفَعَةً «فَهَذا» إشارَةٌ إلى المَنسِيِّ والرَّشَدُ الخَيْرُ والمَنفَعَةُ و(أقْرَبَ) عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أقْرَبُ مِن جِهَةِ المُتَعَلِّقِ وأبْعَدُ مِن جِهاتٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمُتَعاطِفاتِ قَبْلَهُ، وهَذا إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الخَيْرِ أمْرًا ونَهْيًا كَأنَّهُ قِيلَ: افْعَلْ كَذا ولا تَفْعَلْ كَذا، واطْمَعْ مِن رَبِّكَ أنْ يَهْدِيَكَ لِأقْرَبَ مِمّا أُرْشِدْتَ إلَيْهِ في ضِمْنِ ما سَمِعْتَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ خَيْرًا ومَنفَعَةً، وقَدْ هُدِيَ في ضِمْنِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي إلى ما هو أقْرَبُ مِن ذَلِكَ مَنفَعَةً، ولا يَكادُ يُحْصى وهو كَما تَرى، ولَعَلَّهُ عَلى عِلّاتِهِ أقْرَبُ مِمّا نُقِلَ عَنِ الجُبّائِيِّ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: عَسى أنْ يُعَرِّفَنِي رَبِّي جَوابَ مَسائِلِكم قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ لَكم ويُعَجِّلَ لِي مِن جِهَتِهِ الرَّشادَ، ولا يَكادُ يُسْتَفادُ هَذا المَعْنى مِنَ الآيَةِ، وعَلى فَرْضِ الِاسْتِفادَةِ تَكُونُ نَظِيرَ اسْتِفادَةِ المَعانِي المُرادَةِ مِنَ المُعَمَّياتِ ويُجَلُّ كِتابُ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمُ عَنْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ الكُوفَةِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا نَسِيَ الإنْسانُ الِاسْتِثْناءَ فَتَوْبَتُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا ﴾ وحَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنْ مُحَمَّدٍ الكُوفِيِّ المُفَسِّرِ، والظّاهِرُ أنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُعْتَمِرُ، وهو قَوْلٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ قال بعضهم: اختلفوا في أمرهم ويقال: هذا الاختلاف في زمن النبيّ .
فاختلفوا وذلك أن أهل نجران: السيد والعاقب ومن معهما، قدموا على رسول الله ، فكان السيد صارماً يعقوبياً، والعاقب نسطورياً، وصنف منهم ملكانيا فسألهم النبيّ عن عدة أصحاب الكهف، فقال السيد وأصحابه: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ، أي العاقب وأصحابه: خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، أي ظنا بالغيب.
وَيَقُولُونَ، أي صنف منهم: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.
قال الله تعالى للنبي : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ وهذا إخبار من الله تعالى أن عدتهم سبعة.
قال ابن عباس وفي رواية أُخرى أنه قال: «أظن القوم كانوا ثلاثة.
قال واحد منهم: كم لبثتم؟
فقال الثاني: لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يوم.
فقال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم» .
وروي عن ابن عباس أنه قال: «إنهم سبعة وذكر أسماءهم فقال: مكسلمينا وهو أكبرهم، وتمليخاً، ومطرونس، وسارينوس، ونوانس، وكفاشطهواس، وبطنبورسوس» .
وذكر في رواية وهب أسماؤهم بخلاف هذا إلا تمليخا، فقد اتفقوا على اسمه.
وقال ابن عباس: «كان اسم الكلب قطمير» وقال سعيد بن جبير: كان اسمه فرفدين ويقال: كان لونه خليج، ويقال: كان لونه غلبة بالفارسية ومعناه بالعربية أبلق، وقال بعض المحدثين: إن كلب أهل الكهف يكون معهم في الجنة، وقال بعضهم: يصير تراباً مثل سائر الحيوانات.
وإنما الجنة للمؤمنين خاصة.
ثم قال عز وجل: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً قال قتادة: فَلا تُمارِ يقول: حسبك ما أعلمناك من خبرهم.
وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً، أي لا تَسألْ عن أصحاب الكهف من النصارى أحداً.
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أردت أن أفعله إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، يعني: إلا أن تستثني فتقول: إن شاء الله.
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، يعني: إذا نسيت الاستثناء، فاذكرها بعد ما ذكرت واستثن، وهذا في غير اليمين.
وأما في اليمين، فاتفق الفقهاء من أهل الفتوى أن الاستثناء لا يكون موصولاً إلا رواية عن ابن عباس، روى عنه مجاهد قال: «يستثني الرجل في يمينه متى ذكر» .
ثم قرأ: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وهذه الرواية غير مأخوذة.
وروى أبو هريرة، عن رسول الله أنه قال: «كَانَ لِسُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ مِائةُ امْرأَة، فَقَالَ: لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعاً وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَأْتِي بِغُلاَمٍ يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ الله، وَنَسِيَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ الله، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشَيْءٍ، إِلاَّ امْرأَةٌ وَاحِدَةٌ أَتَتْ بِشِقِّ غُلامٍ.
فَقَالَ النَّبِيُّ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَوُلِدَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ دَركاً له فِيْ حَاجَتِهِ» .
ثم قال تعالى: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي، أي: يرشدني لِأَقْرَبَ، أي: لأسرع مِنْ هذا الميعاد الذي وعدت لكم، رَشَداً أي صواباً، وهذا قول مقاتل.
وقال الزجاج: معناه عسى ربي أن يعطيني من الآيات والدلائل على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل على قصة أصحاب الكهف.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أَنْ يَهْدِيَنِي بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بحذف الياء.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ويدلُّ على هذا من الآية أنه سبحانه لَمَّا حكى قول من قال: ثلاثة، وخمسة، قَرَنَ بالقول أنه رَجْم بالغيب، ثم حكى هذه المقالة، ولم يقدَحْ فيها بشيء، وأيضاً فَيَقْوى ذلك على القول بواوِ الثمانية لأنها إِنما تكون حيث عدد الثمانية صحيحٌ.
وقوله سبحانه: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً معناه على بعض الأقوال: أي:
بظاهر ما أوحينا إِليك، وهو ردُّ علْمِ عدتهم إِلى اللَّه تعالى، وقيل: معنى الظاهر أنْ يقول: ليس كما تقولون، ونحو هذا، ولا يحتجّ هو على أمر مقرَّر في ذلك، وقال التِّبْرِيزِيُّ: ظاهِراً معناه: ذاهباً وأنشد: [الطويل] ...
وَتلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا «٢» ولم يبح له في هذه/ الآية أن يماري، ولكن قوله: إِلَّا مِراءً مجازٌ من حيث يماريه أهْلُ الكتاب، سمِّيت مراجعته لهم مِرَاءً، ثم قيد بأنه ظاهرٌ، ففارَقَ المراءَ الحقيقيَّ المذمومَ، و «المِرَاء» : مشتقٌّ من المِرْية، وهو الشكُّ، فكأنه المُشَاكَكَة.
ت: وفي سماع ابن القاسمِ، قال: كان سليمان بن يَسَارٍ، إِذا ارتفع الصوْتُ في مجلسه، أو كانِ مَراءً، أخذ نعليه، ثم قام.
قال ابنُ رُشْد: هذا مِنْ وَرَعه وفَضْله، و «المِرَاء» في العِلْم منهيٌّ عنه، فقد جاء أنه لا تُؤْمَنُ فتنته، ولا تفهم حِكْمته انتهى من «البيان» .
والضمير في قوله: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ عائد على أهل الكَهْف، وفي قوله:
مِنْهُمْ عائدٌ على أهْل الكتاب.
وقوله: فَلا تُمارِ فِيهِمْ، أي: في عدّتهم.
وقوله سبحانه: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قد تقدّم
أن هذه الآية عتاب من اللَّه تعالى لنبيِّه حيث لم يستثْنِ، والتقدير: إِلا أنْ تقولَ إِلاَّ أنْ يشاء اللَّه أو إِلاَّ أنْ تقولَ: إِن شاء اللَّه، والمعنى: إِلا أن تذكُرَ مشيئَةَ اللَّهِ.
وقوله سبحانه: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ قال ابن عباس «١» والحسن «٢» معناه:
إِلاشارة به إلى الاستثناء، أي: ولتستثْنِ بعد مدّة إذا نسيت، أو لا لِتَخْرُجَ من جُمْلة من لم يعلِّق فعله بمشيئة اللَّه، وقال عكرمة: واذكر ربَّك إِذا غَضِبْتَ «٣» ، وعبارة الواحِدِيِّ:
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، أي: إِذا نسيتَ الاستثناء بمشيئة اللَّه، فاذكره وقله إذا تذكّرت.
اه.
وقوله سبحانه: وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي ...
الآية: الجمهورُ أنَّ هذا دعاءٌ مأمورٌ به، والمعنى: عسى أنْ يرشدني ربِّي فيما أستقبل من أمري، والآية خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهي بعدُ تعمُّ جميع أمته.
وقال الواحديُّ: وقل عسى أن يهديني، أي: يعطيني ربي الآياتِ من الدلالاتِ على النبوَّة ما يكون أقرَبَ في الرشد، وأدلَّ من قصَّة أصحاب الكهف، ثم فعل اللَّه له ذلك حيثُ آتاه علْم غَيْوب المرسَلِينَ وخَبَرَهم.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ...
الآية: قال قتادة وغيره:
الآية حكايةٌ عن بني إسرائيلُ «٤» ، أنهم قالوا ذلك واحتجوا بقراءة «٥» ابن مسعود وفي مُصِحفه: «وقَالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ» ، ثم أمر اللَّه نبيَّه بأن يردَّ العلْم إِليه ردَّا على مقالهم وتفنيداً لهم، وقال المحقِّقون: بل قوله تعالى: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ...
الآية خبرٌ من اللَّه تعالى عن مُدَّة لبثهم، وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا، أي: فليزل اختلافكم أيها المخرِّصون، وظاهر قوله سبحانه: وَازْدَادُوا تِسْعاً أنها أعوام.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ ثَلاثَةٌ ﴾ مَرْفُوعٌ بِخَبَرِ الِابْتِداءِ، المَعْنى: سَيَقُولُ الَّذِينَ تَنازَعُوا في أمْرِهِمْ: [ هم ] ثَلاثَةٌ.
وفي هَؤُلاءِ القائِلِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم نَصارى نَجْرانَ، ناظَرُوا رَسُولَ اللهِ في عِدَّةِ أهْلِ الكَهْفِ، فَقالَتِ المَلَكِيَّةُ: هم ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هم خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ، وقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: هم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ مَدِينَتِهِمْ قَبْلَ ظُهُورِهِمْ عَلَيْهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ ؛ أيْ: ظَنًّا غَيْرَ يَقِينٍ، قالَ زُهَيْرٌ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ فَأمّا دُخُولُ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ ، ولَمْ تَدْخُلْ فِيما قَبْلَ هَذا، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ دُخُولَها وخُرُوجَها واحِدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّ ظُهُورَ الواوِ في الجُمْلَةِ الثّامِنَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها مُرادَةٌ في الجُمْلَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ، فَأعْلَمَ بِذِكْرِها هاهُنا أنَّها مُرادَةٌ فِيما قَبْلُ، وإنَّما حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، ذَكَرَهُ أبُو نَصْرٍ في " شَرْحِ اللُّمَعِ " .
والثّالِثُ: أنَّ دُخُولَها يَدُلُّ عَلى انْقِطاعِ القِصَّةِ وأنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، وهو قَوْلُ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، فَإنَّ الواوَ تَدُلُّ عَلى تَمامِ الكَلامِ قَبْلَها واسْتِئْنافِ ما بَعْدَها، قالَ الثَّعْلَبِيُّ: فَهَذِهِ واوُ الحُكْمِ والتَّحْقِيقِ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى اخْتِلافَهُمْ، فَتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ ﴾ ، ثُمَّ حَكَمَ أنَّ ثامِنَهم كَلْبُهم.
وجاءَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا عِنْدَ اخْتِلافِ النَّصارى: هم سَبْعَةٌ، فَحَقَّقَ اللَّهُ قَوْلَ المُسْلِمِينَ.
والرّابِعُ: أنَّ العَرَبَ تَعْطِفُ بِالواوِ عَلى السَّبْعَةِ، فَيَقُولُونَ: سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ؛ لِأنَّ العَقْدَ عِنْدَهم سَبْعَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ.
.
.
﴾ إلى أنْ قالَ في الصِّفَةِ الثّامِنَةِ: ﴿ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ ، وقَوْلُهُ في صِفَةِ الجَنَّةِ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ، وفي صِفَةِ النّارِ: ﴿ فُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ؛ لِأنَّ أبْوابَ النّارِ سَبْعَةٌ، وأبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في عَدَدِهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا سَبْعَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ثَمانِيَةٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ : صاحِبُ كَلْبِهِمْ، كَما يُقالُ: السَّخاءُ حاتِمٌ، والشِّعْرُ زُهَيْرٌ؛ أيِ: السَّخاءُ سَخاءُ حاتِمٍ، والشِّعْرُ شِعْرُ زُهَيْرٍ.
وأمّا أسْماؤُهم؛ فَقالَ هَشِيمٌ: مَكْسِلِمِينا، ويَمْلِيخا، وطُرْيَنُوسُ، وسَدْيُنُوسُ، وسَرْيُنُوسُ، ونَواسُسُ، ويَرانُوسُ، وفي التَّفْسِيرِ خِلافٌ في أسْمائِهِمْ فَلَمْ أُطِلْ بِهِ.
واخْتَلَفُوا في كَلْبِهِمْ لِمَن كانَ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ لِراعٍ مَرُّوا بِهِ، فَتَبِعَهُمُ الرّاعِي والكَلْبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ لَهم يَتَصَيَّدُونَ عَلَيْهِ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم مَرُّوا بِكَلْبٍ فَتَبِعَهم فَطَرَدُوهُ، فَعادَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ مِرارًا، فَقالَ لَهُمُ الكَلْبُ: ما تُرِيدُونَ مِنِّي ؟
لا تَخْشَوْا جانِبِي أنا أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ، فَنامُوا حَتّى أحْرُسَكُمْ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
وَفِي اسْمِ كَلْبِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قِطْمِيرُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اسْمُهُ الرَّقِيمُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: قَطْمُورُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ.
والرّابِعُ: حِمِرانُ، قالَهُ شُعَيْبٌ الجِبائِيُّ.
وفي صِفَتِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أحْمَرُ، حَكاهُ الثَّوْرِيُّ.
والثّانِي: أصْفَرُ، حَكاهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: أحْمَرُ الرَّأْسِ، أسْوَدُ الظَّهْرِ، أبْيَضُ البَطْنِ، أبْلَقُ الذَّنْبِ، ذَكَرَهُ ابْنُ السّائِبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ حَرَّكَ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأسْكَنَها الباقُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ ﴾ ؛ أيْ: ما يَعْلَمُ عَدَدَهُمُ إلّا قَلِيلٌ مِنَ النّاسِ.
قالَ عَطاءٌ: يَعْنِي بِالقَلِيلِ: أهْلُ الكِتابِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، هم سَبْعَةٌ، إنَّ اللَّهَ عَدَّهم حَتّى انْتَهى إلى السَّبْعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: لا تُمارِ أحَدًا، حَسْبُكَ ما قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِن أمْرِهِمْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تُمارِ في عِدَّتِهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا أنْ تَقُولَ لَهُمْ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ، لَيْسَ كَما تَعْلَمُونَ.
وقِيلَ: ﴿ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والمِراءُ في اللُّغَةِ: الجِدالُ، يُقالُ: مارى يُمارِي مُماراةً ومِراءً؛ أيْ: جادَلَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ: لا تُجادِلُ إلّا جِدالَ مُتَيَقِّنٍ عالِمٍ بِحَقِيقَةِ الخَبَرِ؛ إذِ اللَّهُ تَعالى ألْقى إلَيْكَ ما لا يَشُوبُهُ باطِلٌ.
وتَفْسِيرُ المِراءِ في اللُّغَةِ: اسْتِخْراجُ غَضَبِ المُجادِلِ، من قَوْلِهِمْ: مَرَيْتُ الشّاةَ: إذا اسْتَخْرَجْتَ لَبَنَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ ﴾ ؛ أيْ: في أصْحابِ الكَهْفِ، ﴿ مِنهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: مِن أهْلِ الكِتابِ.
قالَ الفَرّاءُ: أتاهُ فَرِيقانِ مِنَ النَّصارى: نَسْطُورِي ويَعْقُوبِي، فَسَألَهُمُ النَّبِيُّ عَنْ عَدَدِهِمْ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ قُرَيْشًا سَألُوا النَّبِيَّ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَنِ الرُّوحِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ: " غَدًا أُخْبِرُكم بِذَلِكَ "، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِتَرْكِهِ الِاسْتِثْناءَ، فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ومَعْنى الكَلامِ: ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ: إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إلّا أنْ تَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَحَذَفَ القَوْلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: واذْكُرْ رَبَّكَ بَعْدَ تَقَضِّي النِّسْيانَ، كَما تَقُولُ: اذْكُرْ لِعَبْدِ اللَّهِ - إذا صَلّى - حاجَتَكَ؛ أيْ: بَعْدَ انْقِضاءِ الصَّلاةِ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ ذَكَرْتَ، فَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ولَوْ كانَ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ شَهْرٍ أوْ سَنَةٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿ إذا نَسِيتَ ﴾ : إذا غَضِبْتَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ولَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأنَّ الغَضَبَ يُنْتِجُ النِّسْيانَ.
والثّالِثُ: إذا نَسِيتَ الشَّيْءَ فاذْكُرِ اللَّهَ لِيُذَكِّرَكَ إيّاهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
* فَصْلٌ وَفائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ أنْ يَخْرُجَ الحالِفُ مِنَ الكَذِبِ إذا لَمْ يَفْعَلْ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ مُوسى: ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ﴾ ، ولَمْ يَصْبِرْ، فَسَلِمَ مِنَ الكَذِبِ لِوُجُودِ الِاسْتِثْناءِ في حَقِّهِ.
ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايَةُ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ في الطَّلاقِ والعَتاقِ، وأنَّهُ إذا قالَ: أنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأنْتَ حُرٌّ إنْ شاءَ اللَّهُ، أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: لا يَقَعُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
وأمّا اليَمِينُ بِاللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيها يَصِحُّ، بِخِلافِ الطَّلاقِ، وكَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ في كُلِّ ما يُكَفِّرُ، كالظِّهارِ والنَّذْرِ؛ لِأنَّ الطَّلاقَ والعِتاقَ لَفْظُهُ لَفْظُ إيقاعٍ، وإذا عَلَّقَ بِهِ المَشِيئَةَ عَلِمْنا وجُودَها، لِوُجُودِ لَفْظِ الإيقاعِ مِن جِهَتِهِ، بِخِلافِ سائِرِ الأيْمانِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِمُوجِباتٍ لِلْحُكْمِ، وإنَّما تَتَعَلَّقُ بِأفْعالٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ في الوَقْتِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ إلّا مَوْصُولًا بِالكَلامِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أحْمَدَ نَحْوَ هَذا، وبِهِ قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ يَصِحُّ ما دامَ في المَجْلِسِ، قالَهُ الحَسَنُ وطاوُوسٌ، وعَنْ أحْمَدَ نَحْوُهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوِ اسْتَثْنى بَعْدَ سَنَةٍ جازَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الصَّوابُ لِلْإنْسانِ أنْ يَسْتَثْنِيَ ولَوْ بَعْدَ حِنْثِهِ في يَمِينِهِ، فَيَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِمّا ألْزَمَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الحَرَجُ، فَأمّا الكَفّارَةُ فَلا تَسْقُطُ عَنْهُ بِحالٍ، إلّا أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مَوْصُولًا بِيَمِينِهِ، ومَن قالَ: لَهُ ثُنْياهُ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، أرادَ سُقُوطَ الحَرَجِ الَّذِي يُلْزِمُهُ بِتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ دُونَ الكَفّارَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: ( يَهْدِيَنِي رَبِّي ) بِياءٍ في الوَصْلِ [ دُونَ ] الوَقْفِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِياءٍ في الحالَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَسى أنْ يُعْطِيَنِي رَبِّي مِنَ الآَياتِ والدَّلالاتِ عَلى النُّبُوَّةِ ما يَكُونُ أقْرَبُ في الرُّشْدِ، وأدَلَّ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَفَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وآَتاهُ مِن عَلْمِ غُيُوبِ المُرْسَلِينَ ما هو أوْضَحُ في الحُجَّةِ وأقْرَبُ إلى الرُّشْدِ مِن خَبَرِ أصْحابِ الكَهْفِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَألَتْ رَسُولَ اللهِ أنْ يُخْبِرَهم خَبَرَ أصْحابِ الكَهْفِ، قالَ: " غَدًا أُخْبِرَكم "، كَما شَرَحْنا في سَبَبِ نُزُولِ الآَيَةِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ ؛ أيْ: عَسى أنْ يَعْرِفَنِي جَوابَ مَسائِلِكم قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ لَكُمْ، ويُعَجِّلَ لِي مِن جِهَتِهِ الرَّشادَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا ﴾ ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "سَيَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ أهْلُ التَوْراةِ مِن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ أهْلِ الكَهْفِ هَذا الِاخْتِلافَ المَنصُوصَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَلاثَةٌ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثَلاثٌ" بِإدْغامِ التاءِ في الثاءِ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "خَمْسَةَ" بِفَتْحِ المِيمِ اتِّباعًا لِعَشَرَةَ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (خِمِسَةَ) بِكَسْرِ الخاءِ والمِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَجْمًا بِالغَيْبِ ﴾ مَعْناهُ: ظَنًّا، وهو مُسْتَعارٌ مِنَ الرَجْمِ، كَأنَّ الإنْسانَ يَرْمِي المَوْضِعَ المُشْكَلَ المَجْهُولَ عِنْدَهُ بِظَنِّهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ، يَرْجُمُهُ بِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ، ومِن هَذا: التُرْجُمانُ، وتَرْجَمَةُ الكِتابِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: وما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ ∗∗∗ وما هو عنها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ ﴾ طَرِيقُ النَحْوِيِّينَ فِيها أنَّها واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ في آخِرِ إخْبارٍ عن عَدَدِهِمْ، لِتَفْصِلَ أمْرَهُمْ، وتَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا نِهايَةُ ما قِيلَ، ولَوْ سَقَطَتْ لَصَحَّ الكَلامُ،[ ولَوْ كانَتْ فِيما قَبْلَ مِن قَوْلِهِ: "رابِعُهُمْ" و"سادِسُهُمْ" لَصَحَّ الكَلامُ]، وتَقُولُ فِرْقَةٌ مِنها ابْنُ خالَوَيْهَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، أنَّ قُرَيْشًا كانْتْ تَقُولُ في عَدَدِها: سِتَّةً، سَبْعَةً، وثَمانِيَةً، تِسْعَةً، فَتَدْخُلُ الواوُ في الثَمانِيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُها، وهي في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ ،وَقَوْلُهُ: ﴿ وَفُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ ﴾ فَتَوُهِّمَ في هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ أنَّها واوُ الثَمانِيَةِ ولَيْسَتْ بِها، بَلْ هي لازِمَةٌ لا يَسْتَغْنِي الكَلامُ عنها.
وَقَدْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذِهِ أنْ يَرُدَّ عِلْمَ عِدَّتِهِمْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عالِمَ ذَلِكَ مِنَ البَشَرِ قَلِيلٌ، والمُرادُ بِهِ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ: "أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ، وكانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُسْتَدَلُّ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ، فَإنَّ القُرْآنَ لَمّا حَكى قَوْلَ مَن قالَ ثَلاثَةً وخَمْسَةً قَرَنَ بِالقَوْلِ أنَّهُ رَجَمَ بِالغَيْبِ، فَقَدَحَ ذَلِكَ فِيهِما، ثُمَّ حَكى هَذِهِ المَقالَةَ ولَمْ يَقْدَحْ فِيها بِشَيْءٍ، بَلْ تَرَكَها مُسَجَّلَةً، وأيْضًا فَيُقَوِّي ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّها واوُ الثَمانِيَةِ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ حَيْثُ عَدَدُ الثَمانِيَةِ صَحِيحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا ﴾ مَعْناهُ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، أيْ: بِظاهِرِ ما أوحَيْناهُ إلَيْكَ وهو رَدُّ عِلْمِ عِدَّتِهِمْ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: مَعْنى الظاهِرِ أنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَما تَقُولُونَ، ونَحْوَ هَذا، ولا يَحْتَجُّ هو عَلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في ذَلِكَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِراءً في باطِنٍ مِنَ الأمْرِ، وقالَ التَبْرِيزِيُّ: "ظاهِرًا" مَعْناهُ: ذاهِبًا، وأنْشَدَ: وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنكَ عارُها.
ولَمْ يُبِحْ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُمارِيَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إلا مِراءً ﴾ اسْتِعارَةٌ، مِن حَيْثُ يُمارِيهِ أهْلُ الكِتابِ سُمِّيَتْ مُراجَعَتُهُ لَهم مِراءً، ثُمَّ قَيَّدَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ فَفارَقَ المِراءَ الحَقِيقِيَّ المَذْمُومَ.
و"المِراءُ" مُشْتَقٌّ مِنَ المِرْيَةِ، وهو الشَكُّ، فَكَأنَّهُ المُشاكَكَةُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تُمارِ فِيهِمْ ﴾ يَعْنِي: في عِدَّتِهِمْ، وحُذِفَتِ العُدَّةُ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ﴾ الآيَةَ.
عاتَبَ اللهُ تَعالى فِيها نَبِيَّهُ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْلِهِ لِلْكُفّارِ: غَدًا أُخْبِرُكم بِجَوابِ أسْئِلَتِكُمْ، ولِمَ يَسْتَثْنِي في ذَلِكَ، فاحْتَبَسَ عنهُ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وأرْجَفَ الكَفّارُ بِهِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُورَةُ مُفَرِّجَةً، وأُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يَقُولَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ: إنِّي أفْعَلُ غَدًا كَذا وكَذا إلّا وأنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِشَيْءٍ" بِمَنزِلَةِ "فِي"، أو كَأنَّهُ قالَ: لِأجْلِ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ ، في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ الظاهِرُ ويُحْسِنُهُ الإيجازُ، تَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقُولَ "إلّا أنْ يَشاءَ اللهُ"، أو إلّا أنْ تَقُولَ "إنْ شاءَ اللهُ".
فالمَعْنى: إلّا أنْ تَذْكُرَ مَشِيئَةَ اللهِ، فَلَيْسَ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ مِنَ القَوْلِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: "وَلا تَقُولَنَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ورَدَّ عَلَيْهِ، وهو مِنَ الفَسادِ بِحَيْثُ كانَ الواجِبُ ألّا يُحْكى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: مَعْناهُ والإشارَةُ بِهِ إلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ: ولْتَسْتَثْنِ بَعْدَ مُدَّةٍ إذا نَسِيَتِ الِاسْتِثْناءَ أوَّلًا لِتَخْرُجَ مِن جُمْلَةِ مَن لَمْ يُعَلِّقْ فِعْلَهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَكَلَّمَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في الِاسْتِثْناءِ في اليَمِينِ، والآيَةُ لَيْسَتْ في الأيْمانِ، وإنَّما هي في سُنَّةِ الِاسْتِثْناءِ في غَيْرِ اليَمِينِ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها يَنْبَغِي أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
أمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجَمِيعُ أصْحابِهِ -فِيما عَلِمْتُ- وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ فَيَقُولُونَ: لا يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ويُسْقِطُ الكَفّارَةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِاليَمِينِ.
وقالَ عَطاءٌ: لَهُ أنْ يَسْتَثْنِيَ في قَدْرِ حَلْبِ الناقَةِ الغَزِيرَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: إنِ اسْتَثْنى قَبْلَ أنْ يَقُومَ فَلَهُ ثَنَياهُ.
وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَهُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ في ذَلِكَ الأمْرِ، وقالَهُ ابْنُ راهَوَيْهَ.
وقالَ طاوُسٌ، والحَسَنُ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ما دامَ الحالِفُ في مَجْلِسِهِ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَقَطْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ ولَوْ بَعْدَ سَنَةٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَنْفَعُ أبَدًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الناسُ في التَأْوِيلِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَقالَ الطَبَرِيٌّ وغَيْرِهِ: إنَّما أرادَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ يَنْفَعُ في أنْ يَجْعَلَ الحالِفَ في رُتْبَةِ المُسْتَثْنِينَ بَعْدَ سَنَةٍ مِن حَلِفِهِ، وأمّا الكَفّارَةُ فَلا تَسْقُطُ عنهُ، قالَ الطَبَرِيٌّ: ولا أعْلَمَ أحَدًا يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) يَقُولُ بِسُقُوطِ الكَفّارَةِ، قالَ ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "مَن حِلَفَ عَلى يَمِينٍ ثُمَّ رَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ ولْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» فَلَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ يُسْقِطُ الكَفّارَةَ لَكانَ أخَفَّ عَلى الأُمَّةِ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الكَفّارَةِ فائِدَةٌ.
وقالَ الزَهْراوِيُّ: إنَّما تَكَلَّمَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في أنَّ الِاسْتِثْناءَ بَعْدَ سَنَةٍ لِمَن قالَ: أنا أفْعَلُ كَذا، لا لِحالِفٍ أرادَ حَلَّ يَمِينِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَتْ فِرْقَةُ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما سُقُوطُ الكَفّارَةِ، وألْزَمُوا كُلَّ مَن يَقُولُ (يَنْفَعُ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُدَّةٍ) إسْقاطَ الكَفّارَةِ، ورَدُّوا عَلى القَوْلِ بَعْدَمِ إلْزامِهِ، ولَيْسَ الِاسْتِثْناءُ إلّا في اليَمِينِ بِاللهِ، لا يَكُونُ في طَلاقٍ ونَحْوِهِ، ولا في مَشْيٍ إلى مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ مالِكٍ وجَماعَةٌ.
وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، وطاوُسٌ وحَمّادٌ: الِاسْتِثْناءُ في ذَلِكَ جائِزٌ، ولَيْسَ في اليَمِينِ الغَمُوسِ اسْتِثْناءٌ يَنْفَعُ، ولا يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ بِالقَلْبِ، وإنَّما يَكُونُ قَوْلًا ونُطْقًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي ﴾ الآيَةَ.
قالَ مُحَمَّدٌ الكُوفِيُّ المُفَسِّرُ: إنَّها بِألْفاظِها مِمّا أُمِرَ أنْ يَقُولَها كُلٌّ مَن لَمْ يَسْتَثْنِ، وإنَّها كَفّارَةٌ لِنِسْيانِ الِاسْتِثْناءِ.
وقالَ الجُمْهُورُ: هو دُعاءٌ مَأْمُورٌ بِهِ دُونَ هَذا التَخْصِيصِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَهْدِينِي" بِإثْباتِ الياءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "يَهْدِينَ" دُونَ ياءٍ في الوَصْلِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.
والإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى الِاسْتِدْراكِ الَّذِي يَقَعُ مِن ناسِي الِاسْتِثْناءُ وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: عَسى أنْ يُيَسِّرَ اللهُ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى نُبُوَّتِي أقْرَبَ مِن دَلِيلِ أصْحابِ الكَهْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما قَدَّمْتُهُ أصْوَبُ، أيْ: عَسى أنْ يُرْشِدَنِي فِيما اسْتَقْبَلَ مِن أمْرِي.
وهَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهي بَعْدُ تَعُمُّ جَمِيعَ أُمَّتِهِ، لِأنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَدَّدُ الناسُ بِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ، واللهُ المُوَفِّقُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنِّى فَاعِلٌ ذلك غَداً ﴾ ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ﴾ .
عطف على الاعتراض.
ومناسبة موقعه هنا ما رواه ابن إسحاق والطبري في أول هذه السورة والواحدي في سورة مريم: أن المشركين لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف وذي القرنين وعدهم بالجواب عن سؤالهم من الغد ولم يَقُل " إن شَاءَ الله " فلم يأته جبريل عليه السلام بالجواب إلا بعد خمسة عشرَ يوماً.
وقيل: بعد ثلاثة أيام كما تقدم، أي فكان تأخير الوحي إليه بالجواب عتاباً رمزياً من الله لرسوله عليه الصلاة والسلام كما عاتب سليمان عليه السلام فيما رواه البخاري: " أن سليمان قال: لأطوفَنّ الليلة على مائة امرأة تَلِد كل واحدة ولداً يقاتل في سبيل الله فلم تحمل منهن إلا واحدة ولدت شِقّ غلام ".
ثم كان هذا عتاباً صريحاً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أهل الكهف وعد بالإجابة ونسي أن يقول: «إن شاء الله» كما نسي سليمان، فأعلم الله رسوله بقصة أهل الكهف، ثم نهاه عن أن يَعِد بفعل شيء دون التقييد بمشيئة الله.
وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ استثناء حقيقي من الكلام الذي قبله.
وفي كيفية نظمه اختلاف للمفسرين، فمقتضى كلام الزمخشري أنه من بقية جملة النهي، أي هو استثناء من حكم النهي، أي لا تقولن: إني فاعل الخ...
إلا أن يشاء الله أن تقوله.
ومشيئة الله تُعلم من إذنه بذلك، فصار المعنى: إلا أن يأذن الله لك بأن تقوله.
وعليه فالمصدر المسبك من ﴿ أن يشاء الله ﴾ مستثنى من عموم المنهيات وهو من كلام الله تعالى، ومفعول ﴿ يشاء الله ﴾ محذوف دل عليْه ما قبله كما هو شأن فِعل المشيئة والتقدير: إلا قولاً شاءه الله فأنت غير منهي عن أن تقوله.
ومقتضى كلام الكسائي والأخفش والفراء أنه مستثنى من جملة ﴿ إني فاعل ذلك غداً ﴾ ، فيكون مستثنى من كلام النبي صلى الله عليه وسلم المنهي عنه، أيْ إلا قولاً مقترناً ب (إن شاء الله) فيكون المصدر المنسبك من (أن) والفعل في محل نصب على نزع الخافض وهو باء الملابسة.
والتقدير: إلا ب (إن يشاء الله) أي بما يدل على ذكر مشيئة الله، لأن ملابسة القول لحقيقة المشيئة محال، فعلم أن المراد تلبسه بذكر المشيئة بلفظ (إن شاء الله) ونحوهِ، فالمراد بالمشيئة إذن الله له.
وقد جمعت هذه الآية كرامة للنبيء صلى الله عليه وسلم من ثلاث جهات: الأولى: أنه أجاب سؤله، فبين لهم ما سألوه إياه على خلاف عادة الله مع المكابرين.
الثانية: أنه علمه علماً عظيماً من أدب النبوءة.
الثالثة: أنه ما علمه ذلك إلا بعد أن أجاب سؤله استئناساً لنفسه أن لا يبادره بالنهي عن ذلك قبل أن يجيبه، كيلا يتوهم أن النهي يقتضي الإعراض عن إجابة سؤاله، وكذلك شأن تأديب الحبيب المكرّم.
ومثاله ما في الصحيح: أن حكيم بن حزام قال: " سألت رسول الله فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلوةٌ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى.
قال حكيم: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأُ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا ".
فعلم حكيم أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك ليس القصد منه منعه من سُؤْله وإنما قصد منه تخليقه بخلق جميل، فلذلك أقسم حكيم: أن لا يأخذ عن أحد غير رسول الله شيئاً، ولم يقل: لا أسألك بعد هذه المرة شيئاً.
فنظم الآية أن اللام في قوله: ﴿ لشيء ﴾ ليست اللام التي يتعدى بها فعل القول إلى المخاطب بل هي لام العلة، أي لا تقولن: إني فاعل كذا لأجل شيء تَعِدُ به، فاللام بمنزلة (في).
و «شيء» اسم متوغل في التنكير يفسره المقام، أي لشيء تريد أن تفعله.
والإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ عائدة إلى «شيء».
أي أني فاعل الإخبار بأمر يسألونه.
و ﴿ غداً ﴾ مستعمل في المستقبل مجازاً.
وليست كلمة (غداً) مراداً بها اليوم الذي يلي يَومه، ولكنه مستعمل في معنى الزمان المستقبل، كما يستعمل اليومُ بمعنى زمان الحال، والأمسُ بمعنى زمن الماضي.
وقد جمعها قول زهير: وأعلمُ عِلم اليوم والأمس قبله *** ولكنني عن علم ما في غدٍ عَمِ وظاهر الآية اقتصار إعمالها على الإخبار بالعزم على فعل في المستقبل دون ما كان من الكلام إنشاءً مثل الأيمان، فلذلك اختلف فقهاء الأمصار في شمول هذه الآية لإنشاء الأيمان ونحوها، فقال جمهورهم: يكون ذكر ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ حَلاً لعقد اليمين يُسقط وجوب الكفارة.
ولعلهم أخذوه من معنى (شيء) في قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ﴾ الخ: بحيث إذا أُعقبت اليمينُ بقول (إلا أن يشاء الله) ونحوه لم يلزم البر في اليمين.
وروى ابن القاسم وأشهب وابنُ عبد الحكم عن مالك أن قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ﴾ الخ..
إنما قُصد بذلك ذكر الله عند السهو وليس باستثناء.
يعني أن حكم الثنيا في الأيمان لا يؤخذ من هذه الآية بل هو مما ثبت بالسنّة.
ولذلك لم يخالف مالك في إعمال الثنيا في اليمين، وهي قول (إن شاء الله).
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي.
عطف على النهي، أي لا تَعِدْ بوعد فإن نسيتَ فقلت: إني فاعل، فاذكر ربك، أي اذكر ما نهاك عنه.
والمراد بالذكر التدارك وهو هنا مشتق من الذُكر بضم الذال، وهو كناية عن لازم التذكر، وهو الامتثال، كما قال عُمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أفْضَلُ من ذكر الله باللسان ذِكْرُ الله عند أمره ونهيه».
وفي تعريف الجلالة بلفظ الرب مضافاً إلى ضمير المخاطب دون اسم الجلالة العَلَم من كمال الملاطفة ما لا يخفى.
وحُذف مفعول ﴿ نسيت ﴾ لظهوره من المقام، أي إذا نسيت النهي فقلت: إني فاعل.
وبعض الذين أعْملوا آية ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ في حل الأيمان بذكر الاستثناء بمشيئة الله جعلوا قوله: ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ ترخيصاً في تدارك الثنيا عند تذكر ذلك، فمنهم من لم يحد ذلك بمدة.
وعن ابن عباس: لا تحديد بمدة بل ولو طال ما بين اليمين والثنيا.
والجمهور على أن قوله: ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ لا دلالة فيه على جواز تأخير الثنيا، واستدلوا بأن السنّة وردت بخلافه.
لما أبر الله وعَد نبيه صلى الله عليه وسلم الذي وعده المشركين أن يبين لهم أمر أهل الكهف فأوحاه إليه وأوقفهم عليْه، أعقب ذلك بعتابه على التصدي لمجارَاتهم في السؤال عما هو خارج عن غرض الرسالة دون إذن من الله، وأمَره أن يذكر نهي ربه.
ويعزم على تدريب نفسه على إمساك الوعد ببيان ما يُسأل منه بيانُه دون أن يأذنه الله به، أمره هنا أن يخبر سائليه بأنه ما بُعث للاشتغال بمثل ذلك، وأنه يرجو أن الله يهديه إلى ما هو أقرب إلى الرشد من بيان أمثال هذه القصة، وإن كانت هذه القصة تشتمل على موعظة وهدى ولكن الهدى الذي في بيان الشريعة أعظم وأهم.
والمعنى: وقل لهم عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً.
فجملة ﴿ وقل عسى أن يهدين ﴾ الخ...
معطوفة على جملة ﴿ فلا تمار فيهم ﴾ [الكهف: 22].
ويجوز أن تكون جملة وقل عسى أن يهدين ربي } عطفاً على جملة ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ ، أي اذكر أمره ونهيه وقل في نفسك: عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشداً، أي ادع الله بهذا.
وانتصب ﴿ رشداً ﴾ على تمييز نسبة التفضيل من قوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ .
ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول مطلق مبين لنوع فعل ﴿ أن يهدين ﴾ لأن الرشد نوع من الهداية.
ف ﴿ عسى ﴾ مستعملة في الرجاء تأدباً، واسم الإشارة عائد إلى المذكور من قصة أهل الكهف بقرينة وقوع هذا الكلام معترضاً في أثنائها.
ويجوز أن يكون المعنى: وارجُ من الله أن يهديك فيُذكرك أن لا تَعِد وعداً ببيان شيء دون إذن الله.
والرّشَد بفتحتين: الهدى والخير.
وقد تقدم القول فيه عند قوله تعالى في هذه السورة ﴿ وهيء لنا من أمرنا رشداً ﴾ [الكهف: 10].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ ﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ إضْمارٌ وتَقْدِيرُهُ: إلّا أنْ تَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وهَذا وإنْ كانَ أمْرًا فَهو عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ والإرْشادِ أنْ لا تَعْزِمَ عَلى أمْرٍ إلّا أنْ تُقْرِنَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ العَزْمَ رُبَّما صَدَّ عَنْهُ بِمانِعٍ فَيَصِيرُ في وعْدِهِ مُخْلِفًا في قَوْلِهِ كاذِبًا، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ﴾ ولَمْ يَصْبِرْ ولَمْ يَكُنْ كاذِبًا لِوُجُودِ الِاسْتِثْناءِ في كَلامِهِ.
الثّانِي: إذْعانًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّهُ مُدَبِّرٌ في أفْعالِهِ بِمَعُونَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ.
الثّالِثُ: يَخْتَصُّ بِيَمِينِهِ إنْ حَلَفَ وهو سُقُوطُ الكَفّارَةِ عَنْهُ إذا حَنِثَ.
﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّكَ إذا نَسِيتَ الشَّيْءَ فاذْكُرِ اللَّهَ لِيُذَكِّرْكَ إيّاهُ، فَإنْ فَعَلَ فَقَدْ أرادَ مِنكَ ما ذَكَّرَكَ، وإلّا فَسَيَدُلُّكَ عَلى ما هو أرْشَدُ لَكَ مِمّا نَسِيتَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.
الثّانِي: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا غَضِبْتَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، لِيَزُولَ عَنْكَ الغَضَبُ عِنْدَ ذِكْرِهِ.
الثّالِثُ: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ الِاسْتِثْناءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ في يَمِينِكَ.
وَفي الذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما ذَكَرَهُ في بَقِيَّةِ الآيَةِ ﴿ وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا ﴾ الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ إنْ شاءَ اللَّهُ الَّذِي كانَ نَسِيَهُ عِنْدَ يَمِينِهِ.
واخْتَلَفُوا في ثُبُوتِ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَ اليَمِينِ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها إلى سَنَةٍ، فَيَكُونُ كالِاسْتِثْناءِ بِها مَعَ اليَمِينِ في سُقُوطِ الكَفّارَةِ ولا يَصِحُّ بَعْدَ السَّنَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها في مَجْلِسِ يَمِينِهِ، ولا يَصِحُّ بَعْدَ فِراقِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ.
الثّالِثُ: يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها ما لَمْ يَأْخُذْ في كَلامٍ غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها مَعَ قُرْبِ الزَّمانِ، ولا يَصِحُّ مَعَ بُعْدِهِ.
الخامِسُ: أنَّهُ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ بِها إلّا مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ وهو الظّاهِرُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذرعن مجاهد، أن قريشاً اجتمعت فقالوا: «يا محمد، قد رغبت عن ديننا ودين آبائنا، فما هذا الدين الذي جئت به؟
قال: هذا دين جئت به من الرحمن.
فقالوا: إنا لا نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة- يعنون مسيلمة الكذاب- ثم كاتبوا اليهود فقالوا: قد نبغ فينا رجل يزعم أنه نبي، وقد رغب عن ديننا ودين آبائنا، ويزعم أن الذي جاء به من الرحمن.
قلنا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وهو أمين لا يخون..
وفيّ لا يغدر..
صدوق لا يكذب، وهو في حسب وثروة من قومه، فاكتبوا إلينا بأشياء نسأله عنها.
فاجتمعت يهود فقالوا: إن هذا لوصفه وزمانه الذي يخرج فيه.
فكتبوا إلى قريش: أن سلوه عن أمر أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح.
فإن يكن الذي أتاكم به من الرحمن، فإن الرحمن هو الله عز وجل، وإن يكن من رحمن اليمامة فينقطع.
فلما أتى ذلك قريشاً أتى الظفر في أنفسها فقالوا: يا محمد، قد رغبت عن ديننا ودين آبائك...
فحدثنا عن أمر أصحاب الكهف وذي القرنين والروح.
قال: ائتوني غداً.
ولم يستثن، فمكث جبريل عنه ما شاء الله لا يأتيه، ثم أتاه فقال: سألوني عن أشياء لم يكن عندي بها علم فأجيب حتى شق ذلك عليّ.
قال: ألم ترنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة؟- وكان في البيت جرو كلب- ونزلت ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً ﴾ من علم الذي سألتموني عنه أن يأتي قبل غد؟
ونزل ما ذكر من أصحاب الكهف ونزل ﴿ ويسألونك عن الروح...
﴾ [ الإسراء: 85] الآية» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف على يمين فمضى له أربعون ليلة، فأنزل الله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ واستثنى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أربعين ليلة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه، عن ابن عباس أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة، ثم قرأ ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ قال: إذا ذكرت.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن عباس في هذه الآية قال: إذا نسيت أن تقول لشيء؛ إني أفعله، فنسيت أن تقول إن شاء الله، فقل إذا ذكرت: إن شاء الله.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي العالية في قوله: ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ قال: تستثني إذا ذكرت.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في رجل حلف ونسي أن يستثني، قال له: ثنياه إلى شهر، وقرأ ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار، عن عطاء أنه قال: من حلف على يمين فله الثنيا حلب ناقة.
وكان طاوس يقول: ما دام في مجلسه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: يستثني ما دام في كلامه.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ قال: إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت.
قال: هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لأحدنا أن يستثني إلا في صلة يمينه.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر قال: كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وإذا كان غير موصول فهو حانث.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال: إن شاء الله.
فإن شاء مضى، وإن شاء رجع غير حانث» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال سليمان بن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله.
فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل.
فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان» .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله، لم يحنث وكان دركاً لحاجته» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، عن عكرمة في قوله: ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ قال: إذا غضبت.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن الحسن في قوله: ﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ قال: إذا لم تقل إن شاء الله.
وأخرج البيهقي من طريق المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبا الحارث، عن رجل من أهل الكوفة كان يقرأ القرآن في الآية قال: إذا نسي الإنسان أن يقول إن شاء الله، فتوبته من ذلك أن يقول: ﴿ عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ أكثر الناس على أن معناه: إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله تعالى فاذكره، وقله إذا ذكرت.
قال ابن عباس رواية عطاء: (يريد الاستثناء ولو بعد شهر) (١) وقال سعيد بن جبير: (إذا قلت لشيء إنك فاعله غدًا، فنسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت، فقل: إن شاء الله، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة) (٢) وقال أبو العالية: (إذا ذكرت فاستثن) (٣) وقال عمرو بن دينار: (له الاستثناء متى ما ذكر) (٤) : "مَنْ حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث" (٥) وروى ابن عمر عن النبي - - قال: "مَنْ حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فهو بالخيار" (٦) ولا خلاف في هذا بين الناس، وإنما الخلاف فيه إذا انقطع الاستثناء عن اليمين، روى قتادة عن الحسن في الرجل يحلف فيستثني في يمينه قال: (له ثنياه إذا اتصل كلامه، ولم يكن بين ذلك كلام) (٧) وقال طاووس: (له ثنياه ما كان في مجلسه) (٨) (٩) (١٠) وقال الحسن: (إذا حرك لسانه أجزأ عنه) (١١) (١٢) (١٣) والصحيح: أنه إذا اتصل نفع، ووقع موقعه (١٤) وروي عن ابن عباس أنه قال: (يستثني الرجل في يمينه متى ما ذكر، وإن تطاول الزمان، وقرأ هذه الآية) (١٥) - لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف قال: غدًا أخبركم، ولم يحلف على ذلك، ويؤكد هذا ما روي أن النبي - - قال: "مَنْ حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منه، فليأتِ الذي هو خير ويُكَفّر عن يمينه" (١٦) ولو كان يخرج بقوله: إن شاء الله عن الحنث، لقال: وليقل: إن شاء الله، وأيضًا فإن الإنسان إذا حلف من غير نية [فقد تمت يمينه واستقرت، فلم يجز أن ينقض حكمها شيء يحدثه بعد ذلك، بخلاف ما يقارنه الاستثناء] (١٧) ﴿ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ على غير الاستثناء؛ لأن قوله: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ ﴾ ابتداء كلام آخر وقصة أخرى، والاستثناء الذي ذكر وقع في موضعه متصلاً.
قال عكرمة: ( ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ قال: إذا غضبت) (١٨) ومعناه أنه إنما يغضب لما يطرأ عليه من نسيان ذكر الله، فأمر بذكر الله ليزول غضبه.
وروي عن السدي والضحاك أنهما قالا: (هذا فيمن نسي صلاة فعليه أن يصليها إذا ذكرها) (١٩) وقال المبرد: (إن ابن عباس أعلم من أن يسقط حكم الحنث بالاستثناء الذي لا يصله الحالف بيمينه، ولعله قال هذا في الاستثناء من غير يمين كما قال المفسرون، قال: إذا نسي أن يقول: إن شاء الله، ثم ذكر فليقله.
فظن بعض الناس أنه يقول ذلك في اليمين، فروي عنه ذلك في اليمين) (٢٠) قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ ﴾ إلى آخرها، قال أبو إسحاق: (أي قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصحاب الكهف) (٢١) قال المفسرون: (إن الله -عز وجل- فعل به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين، وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف) (٢٢) وقال بعضهم: (هذا نبأ أمر أن يقوله مع الاستثناء إذا ذكر، وهو كفارة نسيان الاستثناء أن يقول: ﴿ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ ﴾ إلى آخرها) (٢٣) وقال بعضهم: (هذا فيما ينساه النبي - - أمر أن يذكر الله تعالى فسأله أو يذكره ما نسي، أو يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه) (٢٤) (١) "زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386، و"التفسير الكبير" 11/ 110.
(٢) "الكشاف" 2/ 386، و"زاد المسير" 5/ 128، و"الدر المنثور" 4/ 394، و"التفسير الكبير" 11/ 110.
(٣) انظر: "جامع البيان" 15/ 229، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الدر المنثور" 4/ 394.
(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 431، وذكرته كتب الفقه بلا نسبة.
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 3/ 1235، و"أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 273، و"المغني" لابن قدامة 13/ 485.
(٥) أخرجه ابن ماجة في "سننه" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء في اليمين 1/ 680، النسائي في "سننه" كتاب الأيمان والنذر باب: الاستثناء 7/ 23، والترمذي في "جامعه" كتاب: النذور والأيمان باب: ما جاء في الاستثناء في اليمين 4/ 91 وقال: حديث حسن.
والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 275، والدارمي في "سننه" كتاب: النذور والأيمان باب: في الاستثناء في اليمين 2/ 106، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: الأيمان، باب: في الاستثناء في اليمين 11/ 664.
(٦) أخرج نحوه الترمذي في "جامعه" كتاب: النذور والأيمان، باب: الاستثناء في اليمين 4/ 91، والنسائي في "سننه" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء 7/ 23، وابن ماجة في "سنة" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء في اليمين 1/ 680، والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 6، ومالك في "الموطأ" كتاب: الأيمان، باب: ما لا تجب فيه الكفارة من اليمين 2/ 477 والدارمى في "سننه"، كتاب.
النذور والأيمان باب: في الاستثناء في اليمين 2/ 106، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 395.
(٧) "المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" == 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386، و"المغني" لابن قدامة 13/ 273.
(٨) "الكشاف" 2/ 386، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"التفسير الكبير" 11/ 110، و"روح المعاني" 15/ 249، و"الدر المنثور" 4/ 394.
(٩) حماد بن زيد بن درهم الأزدي، تقدمت ترجمته.
(١٠) ذكرته كتب الفقه بلا نسبة.
انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"المحلى" 8/ 406، و"بلغة السالك" 1/ 700، و"المغني" لابن قدامة 3/ 485، كتاب: "الأيمان والنذور" لأبي فارس ص 37.
(١١) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 283 بلا نسبة، وابن قدامة في "المغني" 13/ 485.
(١٢) انظر: "الأم" للشافعي 7/ 65، و"روضة الطالبين" 11/ 3، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 274.
(١٣) انظر: "الأم" للشافعي 7/ 65، و"روضة الطالبين" 11/ 4، و"أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 283، و"المغني" لابن قدامة 13/ 484.
(١٤) وهذا ما عليه جمهور العلماء.
قال الإمام الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 229: فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال إلا أن يكون استثناؤه موصولاً بيمينه، وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 79: والتحقيق الذي لا شك فيه أن == الاستثناء لا يصح إلا مقترنًا بالمستثنى منه، وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك.
وانظر: "روضة الطالبين" 11/ 4، و"بداية المجتهد" 8/ 406، و"أحكام القرآن" للكيا الهراس 4/ 207، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 273، و"المغني" لابن قدامة 13/ 484.
(١٥) ذكرت نحوه كتب التفسير.
انظر: "جامع البيان" 15/ 229، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"زاد المسير" 5/ 129، و"ابن كثير" 3/ 89.
(١٦) أخرجه البخاري كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ 8/ 229، ومسلم، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها 3/ 1268، والنسائي كتاب: الأيمان والنذور، باب: الكفارة قبل الحنث 7/ 9، وابن ماجة كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها 1/ 681 ومالك في "الموطأ" كتاب: الأيمان، باب: ما جاء فيه الكفارة من الأيمان 2/ 478.
(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت في بقية النسخ.
(١٨) "جامع البيان" 15/ 229، و"معالم التنزيل" 5/ 163، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"الدر المنثور" 4/ 395.
(١٩) "معالم التنزيل" 5/ 163، و"الكشاف" 2/ 387، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386.
(٢٠) انظر: "جامع البيان" 15/ 229.
وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 79/ 4: والتحقيق الذي لا شك فيه أن الاستثناء لا يصح، إلا مقترنًا بالمستثى منه وأن المستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أن تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما تري.
(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.
(٢٢) "معالم التنزيل" 5/ 163، و"الكشاف" 2/ 387، و"زاد المسير" 5/ 129 و"التفسير الكبير" 11/ 111.
(٢٣) "جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 164، و"المحرر الوجيز" 9/ 281، و"الدر المنثور" 4/ 395.
(٢٤) "معالم التنزيل" 5/ 164، و"الكشاف" 2/ 387.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذكر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ .
قال ابن عباس: الإشارة بذلك إلى الاستثناء، أي استثن بعد مدة إذا نسيت الاستثناء أولاً، وذلك على مذهبه، فإن الاستثناء في اليمين ينفع بعد سنة، وأما مذهب مالك والشافعي فإنه لا ينفع إلا إن كان متصلاً باليمين، وقيل معنى الآية: اذكر ربك إذا غضبت، وقيل اذكر إذا نسيت شيئاً ليذكرك ما نسيت، والظاهر أن المعنى اذكر ربك إذا نسيت ذكره أي ارجع إلى الذكر إذا غفلت عنه، واذكره في كل حال، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ﴿ وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ﴾ هذا كلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، والإشارة بهذا إلى خبر أصحاب الكهف، أي عسى الله أن يؤتيني من الآيات والحجج ما هو أعظم في الدلالة على نبوّتي، من خبر أصحاب الكهف اللفظ يقتضي أن المعنى: يعني أن يوقفني الله تعالى من العلوم والأعمال الصالحات لما هو أرشد من خبر أصحاب أهل الكهف وأقرب إلى الله، وقيل: إن الإشارة بهذا إلى المنسي أي إذا نسيت شيئاً فقل عسى أن يهديني الله إلى شيء آخر هو أرشد من المنسيّ.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.
الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.
حمزة وعلي.
الباقون بالتشديد.
﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.
الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.
وزمعة.
وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.
وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.
الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.
الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد .
قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".
وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي نعمة عليه وعلينا.
أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.
وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.
وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.
وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.
قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.
وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.
ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.
وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".
﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.
والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.
وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.
ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.
ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.
وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.
قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.
قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".
قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.
وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".
قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.
الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.
والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.
ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه سماه كذباً.
ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.
يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.
وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.
والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.
قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.
وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.
ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.
وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه ﴾ .
واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.
قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.
ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.
قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.
ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول على سبيل الامتحان فقال ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.
وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.
والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.
وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.
وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.
والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.
وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.
وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.
ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.
﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.
و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وإما الكثرة.
قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.
وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.
وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.
واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.
وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.
وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.
وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.
فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.
والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.
﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.
وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.
وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.
وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.
وقيل هو كلام معترض إخبار من الله عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.
قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.
وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.
وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.
وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.
قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.
﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.
والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.
والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.
ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.
وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.
ثم بين الله لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.
ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.
واستبعده في التفسير الكبير.
وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.
وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.
وقيل: لهم تقلبتان في السنة.
وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.
وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.
قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله قادر على حفظهم من غير تقليب.
وأقول: لا ريب في قدرة الله ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.
والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.
قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.
عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.
وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.
وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.
قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.
وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.
وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟
فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.
والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.
والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.
وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.
والمدينة طرسوس.
قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.
عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.
وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.
وقيل: أيها أطيب وألذ.
وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.
والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.
يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.
وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.
قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.
وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.
ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.
وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.
وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.
والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟
قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.
فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.
ثم ذكر غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.
وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.
وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.
ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.
فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.
والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.
وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.
﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.
ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.
فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.
قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله من أهل الكتاب.
والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.
وكثيراً ما يقال رجم بالظن.
مكان قولهم ظن.
وقال المسلمون.
هم سبعة ثامنهم كلبهم.
قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله عن لسان جبرائيل .
والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.
يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.
وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.
واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.
وقيل ريان.
عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.
وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.
والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.
ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.
ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.
بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.
ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.
ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.
ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.
وأيضاً الله قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي ويحصل لغير النبي كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.
وقد عرفت قولهما في هذا الباب.
وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.
وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.
أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.
والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.
ثم نهى نبيه عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.
وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.
ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.
ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.
فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.
وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.
فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.
ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.
وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.
ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.
أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.
قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.
وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟
وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.
وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.
أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.
فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.
وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.
وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.
فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.
قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي حين قال بيده يا غلام من أبوك؟
فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.
وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.
ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.
فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.
فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .
ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.
ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.
ومنها قوله : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .
ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.
ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!
فقال النبي : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .
ومنها رواية أبي هريرة عن النبي : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟
قال: فلان ابن فلان.
فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟
قال: ولم تسأل عن ذلك؟
قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.
قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.
ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.
فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.
قال علي بن أبي طالب : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.
فقدم رسول ذلك الجيش.
فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.
قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.
فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.
ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.
فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.
فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.
وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.
ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.
ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال.
ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.
فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.
قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.
وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!
فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله ؟
فقال: لا ولكن فراسة صادقة.
وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ﴾ .
ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.
وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي فقال: أسرقت؟
قال: نعم.
فقطع يده فانصرف من عند علي فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟
قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.
فقال: قطع يدك وتمدحه.
قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.
فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله .
وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.
وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.
وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟
فقال: خل.
فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.
فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.
فلما فتحوا فإذا هي خل.
فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.
فقال: هذه والله دعوة خالد.
ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.
وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.
وروي أن النبي بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.
وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.
وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.
فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.
وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.
قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.
والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.
حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.
وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.
وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.
والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.
جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال حكاية عن الله : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.
وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.
قالوا: قال : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.
وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.
والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.
قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.
وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله : ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!
في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.
واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.
وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.
فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.
قيل: من هنا قال : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.
ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.
وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.
قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله أعلم.
قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.
فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.
فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.
وهذا نهي تأديب لنبيه لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.
قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.
واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.
وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.
ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.
وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.
وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.
وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.
وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.
قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.
وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.
وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.
واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.
وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.
فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.
عن قتادة.
أن قوله : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.
وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.
ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".
فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.
وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.
ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.
ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.
والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.
وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.
واقتصر على بيانه.
وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.
وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!
وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.
واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.
وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.
وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.
وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.
قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله أعلم.
التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .
هو التمتع من حسن الله وجماله.
﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.
ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.
وإنهم طلبوا النجاة من شر.
والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.
فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.
﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.
﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.
المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.
قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.
وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.
قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.
ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.
﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.
﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.
﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.
﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: عددهم كان سبعة والثامن الكلب؛ لأنه ذكر في الثالث والخامس ﴿ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ ﴾ ، أي: قذفاً بالغيب وظنا، وقيل: ترجمة بالغيب، أي: بلا علم ولم يذكر في قوله: ﴿ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ، وكذلك قال ابن عباس - - وقال: "أنا من القليل الذين استثناهم الله، وكانوا سبعة والثامن الكلب"، لعل ابن عباس قال: "أنا من القليل" ظنا واستدلالا بالذي ذكر، أو كان سماعا [سمع] من رسول الله ذلك.
وقال الحسن وأبو بكر وغيرهما: إن الله قال: ﴿ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم ﴾ ، ثم استثنى قليلا من عباده، فلا نعلم بأن أولئك القليل من الملائكة أو من البشر أو منهم؟
فلا ندري من هم؟
ولا كم عددهم؟
وبه نقول نحن، وهو ما قال: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ نهى رسوله أن يستفتي منهم أحداً؛ لما يحتمل أن يكون ذلك غير مبين في كتبهم، فلا يطلع رسوله خوف التكذيب.
ثم اختلف في وقتهم: قال [بعضهم]: كان فيما بين عيسى ومحمد.
وقال بعضهم: ذلك كان قبل بعث موسى، وهو قول الحسن وأبي بكر وهؤلاء، وهذا أشبه؛ لأنهم إنما سألوا عنهم أهل التوراة وهم اليهود، فلا يحتمل أن يكون بعد عيسى وهم لا يؤمنون بالإنجيل.
وقول أهل التأويل: كان أساميهم وعددهم [كذا، ليس لنا إلى معرفة أساميهم وعددهم] حاجة، ولو كانت لتولي الله بيان ذلك في الكتب.
وقال القتبي: ﴿ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: ظنا بالغيب، أي: يقولون بالظن.
وقيل: قذفاً بالغيب على غير استيقان، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ إلى قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ يحتمل الخطاب بهذا لكل الناس، ليس أحد أولى به من غيره؛ فيخرج ذلك مخرج التعليم لهم في ترك المراء مع الكفرة إلا مراء ظاهراً، وكذلك في ترك الاستفتاء، وكذلك علمهم وأدبهم ألا يعدوا عدة إلا والثنيا بها ملحقة.
ويحتمل أيضاً أن يكون الخطاب به لرسول الله، لكن ليس لأنه قد كان منه ما ذكر من المراء والاستفتاء والوعد بغير ثنيا، ولكن خاطب به رسول الله ليتأدب غيره من الناس بذلك الأدب، وهو كما خاطبه بقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ونحوه من الخطاب الذي خاطبه به، فخاطبه به لا لأنه كان منه ذلك أو كان فيه ما ذكر، ولكن لما ذكرنا من الوجوه فيما تقدم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ : قال بعضهم: ذلك في أمر أصحاب الكهف، أي: لا تمار فيهم ولا تستفت فيهم منهم إلا قدر ما كان في كتبهم، فإنك لو ماريتهم بما ليس في كتابهم كذبوك، ولكن قدر ما في كتبهم؛ هذا كان على المسألة، فإن كان على غير المسألة في غير أمر أصحاب الكهف على ابتداء المحاجة والحجاج فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أي: لا تمار فيهم إلا بما هو أظهر ويعرفون ذلك ظاهراً، من نحو ما يعرفون أن الأصنام التي عبدوها لا تنفع ولا تضر ولا تبصر ولا تسمع، ونحو ذلك مما يعرفون أنها كذلك.
والثاني: لا تحاجهم بلطائف الحكمة ودقائقها، ولكن بشيء محسوس ظاهر من الآية، لا بما يلطف ويدق، على ما يحاجهم الأنبياء بآيات حسيات.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ دلالة ألاَّ يسع النظر في كتاب الفلاسفة إلا على جهة العرض لما فيها على كتاب الله فيؤخذ بما يوافقه ويترك الباقي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
لو كان فهم الخطاب على ظاهر ما خرج، لكان في قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ نهى عن العدة بالثنيا، فإذ لم يفهم هذا، ولكن فهموا: لا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن تقول إن شاء الله، على إضمار القول؛ دل أن الخطاب ليس يحمل على ظاهر المخرج، ولكن على ما توجبه الحكمة والدليل.
ثم نهى أن [يعد] عدة ولا يستثني فيها، وقاس بعض الناس الأيمان على العدات فيقول: إذا حلف، فإنه يلزمه أن يستثني فيها، وذلك فاسد؛ لأن الأيمان تخرج على تعظيم الرب وإجلاله، فلا يجوز أن يؤمر بالثنيا فيها؛ لأن الثنيا نقض ذلك التعظيم، وكذلك ما روي: "إذا حلفتم فاحلفوا بالله ولا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت" نهى عن الحلف بغير الله؛ لما في الحلف به تعظيم لذلك الشيء، وأما العدة، فإنما هي إضافة الفعل إلى نفسه، وهو لا يملك تحقيقه؛ لذلك أمر أن يلحق الثنيا فيه؛ لئلا يلحقه الخلف في الوعد إذا لم يفعل ما وعد، وعلى ذلك ذكر عن الأنبياء أنهم إذا وعدوا استثنوا فيه؛ كقول موسى: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً...
﴾ الآية [الكهف: 69]، ثم إذا لم يصبر لم يعاتبه بترك الصبر، ولو كان خلفا لعاتبه، كما عاتب موسى حيث قال: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ وقد ظهر من الأنبياء والرسل الأيمان والقسم، ثم لم يذكر عن أحد منهم الثنيا في ذلك؛ دل أن الثنيا في العدات لازمة وفي الأيمان لا.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ دلالة ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله حيث ندبه إلى الثنيا، ثم إذا خرج على غير ما وعد لم يلحقه الخلف في الوعد؛ دل أنه قد شاء ذلك، وأنه إذا لم يشأ شيئاً لم يكن؛ لأنه لو كان شيئاً لم يشأ هو، أو شاء شيئاً فلم يكن - لم يكن لقوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ معنى إذا كان ما لم يشأ هو، ولم يكن ما هو شاء؛ دل أن [ما] شاء هو كان، وما لم يشأ لم يكن.
وفيه أنه قد شاء كل طاعة وخير من العبد، فلو لم يشأ ما ليس بطاعة، لكان لا يستثني، وقد علم أنه قد شاء ذلك، فدل ثنياه على أنه قد يشاء ما ليس بطاعة إذا علم أنه يختار ذلك، وذلك على المعتزلة.
فإن قيل: إنما أمر بالثنيا في العدة؛ لما لعله سيموت قبل أن يفعل ما وعد، أو تذهب عنه القدرة فيعجز عما وعد.
قيل: إن الأوهام لا ترجع إلى ذلك، بل الإمكان مشروط فيه وإن لم يذكر؛ نحو ما لا يؤمر الإنسان بالطيران؛ لعدم الإمكان فيه موجودا فهو كالمشروط وإن لم يذكر، فعلى ذلك في العدات والأيمان وغيرها.
وجائز أن يكون المراد بهذا الخطاب غير النبي؛ وهو الأشبه؛ لما لا يحتمل أن يكون النبي يعد عدة ولا يذكر الثنيا؛ لما يعرف ألا يكون شيء إلا بمشيئة الله وإرادته، وأما غير النبي فجائز ألا يعرف ذلك؛ لذلك كان غيره أولى به يخرج منه على التعريف لهم والعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ أي: إذا ذكرته بعدما نسيت فاذكره؛ كقوله: ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ فعلى ذلك هذا.
والثاني: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ ، أي: الثنيا في آخر الكلام إذا نسيت أوله - أعني: الثنيا - إذ المستحب أن يستثني في أول كلامه على التبرك؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ استثنوا أولا ثم وعدوا، فهو المستحب، فكأنه قال: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ ﴾ : الثنيا في آخر كلامك ﴿ إِذَا نَسِيتَ ﴾ في أوله وهو الثنيا، وهذا يرد على أصحاب الظاهر؛ لأن ظاهر الكتاب أن يخاطبهم بذكره إذا نسوا، ولا يجوز أن يخاطب أحداً في حال نسيانه، فإذا لم يفهم من هذا هذا، دل أنه لا يفهم على ما خرج ظاهره، ولكن على ما يصح ويوجب الحكمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً ﴾ .
قال بعضهم: أي: قل: عسى أن يهديني ربي لآية هي أوضح على دلالة رسالتي وآخذ مما تسألونني من أمر أصحاب الكهف؛ لأنهم كانوا: يسألونه عن خبرهم فيستدلون على رسالته وصدقه؛ فيقول: قد هداني ربي لآية على دلالة رسالتي أوضح مما تسألونني وآخذ للقلوب؛ إذ كانت له آيات حسيات على رسالته.
وقال الحسن: قوله: ﴿ وَقُلْ عَسَىٰ ﴾ وعسى من الله واجب، أي: قد هداني ربي الرشد والصواب، وأما غيره من أهل التأويل يقولون: إنه وعد لأولئك أن يخبرهم غدا عما يسألونه، وقال: عسى أن يرشدني ربي لأسرع من هذا الميعاد الذي وعدت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة قول أولئك الذين قالوا: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ...
﴾ الآية، مع قوله: إنهم لبثوا في كهفهم ما ذكرنا، فأمره أن يقول لهم: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ...
﴾ الآية.
وقال بعضهم: هو قول الله، أخبر أنهم لبثوا ما ذكر من المدة، وازدادوا تسعاً، قال بعضهم: تسع سنين، لكن ليس فيه بيان أنه أراد تسع سنين أو تسعة أشهر أو تسعة أيام، فلا ندري أراد بذلك ذا أو ذا؟
فالأمر فيه إلى الله على ما أمر رسوله أن يقول لهم: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
فإن قيل في قوله: ﴿ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ ﴾ : ألا قال: ثلائمائة سنة، كما يقال: ثلاثمائة رجل وثلاثمائة درهم ونحوه؟
قال بعض أهل الأدب: إنه لم يضف ثلاثمائة إلى سنين، ولكنه أراد إتمام الكلام بقوله: ﴿ ثَلاثَ مِاْئَةٍ ﴾ ؛ لذلك نون فيها، ثم أخبر ما تلك الثلاثمائة؟
فقال: سنين على القطع من الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ﴾ .
هو ما ذكرنا: أنه جعل علم مدة لبثهم في كهفهم إلى الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً ثلاثة: أحدها: له علم ما غاب عن أهل السماوات وأهل الأرض؛ كقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
والثاني: له علم ما غيب وأسر أهل السماوات والأرض بعضهم من بعض.
والثالث: له علم غيب ما شاهد أهل السماوات وأهل الأرض؛ لأن فيما شاهدوا من الأشياء وعاينوها غيباً وسرية لم يعلموه، من نحو الشمس شاهدوها وعرفوا أنها شمس، ولكن لم يعلموا ما فيها من المعنى الذي به صلاح الأشياء ومنافعها، وكذلك القمر، وإنما شاهدوا هذه الأشياء، ولكن لم يعرفوا المعنى الذي به صارت نافعة للأشياء ومصلحتها، وكذلك السمع والبصر والعقل ونحوه من الحواس، عرفوا هذه الحواس على ظواهرها ولكن لا يعرفون المعنى الذي به يسمعون ويبصرون ويفهمون، فيقول: له علم ما غاب عنكم من هذه الأشياء التي شاهدتموها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ .
هذا كلام يتكلم على النهاية والغاية والإبلاغ من الوصف، ويقال: أكرم به من فلان، إذا كان بلغ الكرم به غايته، وكذلك يقال: أحسن به من فلان: إذا بلغ في الحسن غايته ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾ هو وصف له على النهاية؛ كما يقال: ما أعلمه، وما أبصره، وما أكرمه، وما أحسنه: يعلمهم أنه يعلم ما غاب عن الخلق وما شاهدوا أبصر به من الأفعال التي يفعلون، وأسمع به من الأقوال التي يتفوهون، أي: يعلم ما غاب عنهم مما لم يفعلوا ولم يقولوا، فالذي قالوه وفعلوه أحق أن يعلم؛ يحذرهم عز وجل عن أفعالهم وأقوالهم، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ .
يحتمل: لا يشرك في ألوهيته وربوبيته أحداً.
ويحتمل: ولا يشرك في حكمه، أي: الحكم له ليس لأحد دونه حكم، إنما عليهم طلب حكم الله فيما يحكمون.
أو لا يشرك في تقديره وتدبيره الذي يدبر في خلقه أحداً.
ويحتمل: ولا يشرك في قسمته التي يقسم بين الخلق أحداً، ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ ، أي: فيما جاءت به الرسل ودعت الخلق إليه.
<div class="verse-tafsir"
إلا أن تُعَلِّق فعله على مشيئة الله بأن تقول: سافعله -إن شاء الله- غدًا، واذكر ربك بقولك: إن شاء الله -إن نسيت أن تقولها- وقيل: أرجو أن يرشدني ربي لأقرب من هذا الأمر هداية وتوفيقًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.3Q6NK"