الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٣٢ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 109 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٢ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول الله تعالى بعد ذكر المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين ، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم ، فضرب لهم مثلا برجلين ، جعل الله ( لأحدهما جنتين ) أي : بستانين من أعناب ، محفوفتين بالنخل المحدقة في جنباتهما ، وفي خلالهما الزروع ، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجود
القول في تأويل قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واضرب يا محمد لهؤلاء المشركين بالله، الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، (مَثَلا) مثل ( رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ) أي جعلنا له بستانين من كروم ( وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ) يقول: وأطفنا هذين البستانين بنخل.
وقوله: ( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ) يقول: وجعلنا وسط هذين البستانين زرعا
قوله تعالى : واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاقوله تعالى : واضرب لهم مثلا رجلين هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين ، وهو متصل بقوله واصبر نفسك .
واختلف في اسم هذين الرجلين وتعيينهما ; فقال الكلبي : نزلت في أخوين من أهل مكة مخزوميين ، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، زوج أم سلمة قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - .
والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد ، وهما الأخوان المذكوران في سورة " الصافات " في قوله قال قائل منهم إني كان لي قرين ، [ ص: 357 ] ورث كل واحد منهما أربعة آلاف دينار ، فأنفق أحدهما ماله في سبيل الله وطلب من أخيه شيئا فقال ما قال .
.
.
; ذكره الثعلبي والقشيري .
وقيل : نزلت في النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل مكة .
وقيل : هو مثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر .
وقيل : هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وصهيب وأصحابه ; شبههم الله برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا ; في قول ابن عباس .
وقال مقاتل : اسمه تمليخا .
والآخر كافر واسمه قرطوش .
وهما اللذان وصفهما الله - تعالى - في سورة الصافات .
وكذا ذكر محمد بن الحسن المقرئ قال : اسم الخير منهما تمليخا ، والآخر قرطوش ، وأنهما كانا شريكين ثم اقتسما المال فصار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ، فاشترى المؤمن منهما عبيدا بألف وأعتقهم ، وبالألف الثانية ثيابا فكسا العراة ، وبالألف الثالثة طعاما فأطعم الجوع ، وبنى أيضا مساجد ، وفعل خيرا .
وأما الآخر فنكح بماله نساء ذوات يسار ، واشترى دواب وبقرا فاستنتجها فنمت له نماء مفرطا ، واتجر بباقيها فربح حتى فاق أهل زمانه غنى ; وأدركت الأول الحاجة ، فأراد أن يستخدم نفسه في جنة يخدمها فقال : لو ذهبت لشريكي وصاحبي فسألته أن يستخدمني في بعض جناته رجوت أن يكون ذلك أصلح بي ، فجاءه فلم يكد يصل إليه من غلظ الحجاب ، فلما دخل عليه وعرفه وسأله حاجته قال له : ألم أكن قاسمتك المال نصفين فما صنعت بمالك ؟
.
قال : اشتريت به من الله - تعالى - ما هو خير منه وأبقى .
فقال : أئنك لمن المصدقين ، ما أظن الساعة قائمة وما أراك إلا سفيها ، وما جزاؤك عندي على سفاهتك إلا الحرمان ، أوما ترى ما صنعت أنا بمالي حتى آل إلى ما تراه من الثروة وحسن الحال ، وذلك أني كسبت وسفهت أنت ، اخرج عني .
ثم كان من قصة هذا الغني ما ذكره الله - تعالى - في القرآن من الإحاطة بثمره وذهابها أصلا بما أرسل عليها من السماء من الحسبان .
وقد ذكر الثعلبي هذه القصة بلفظ آخر ، والمعنى متقارب .
قال عطاء : كانا شريكين لهما ثمانية آلاف دينار .
وقيل : ورثاه من أبيهما وكانا أخوين فاقتسماها ، فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار ، فقال صاحبه : اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني اشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال : اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف دينار ، فتصدق بها ، ثم تزوج امرأة فأنفق عليها ألف دينار ، فقال : اللهم إن فلانا تزوج امرأة بألف دينار وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار ، فتصدق بألف دينار .
ثم اشترى خدما ومتاعا بألف دينار ، وإني أشتري منك خدما ومتاعا من الجنة بألف دينار ، فتصدق بألف دينار .
ثم أصابته حاجة شديدة فقال : لعل صاحبي ينالني معروفه فأتاه فقال : ما فعل مالك ؟
فأخبره قصته فقال : وإنك لمن المصدقين بهذا الحديث [ ص: 358 ] والله لا أعطيك شيئا ثم قال له : أنت تعبد إله السماء ، وأنا لا أعبد إلا صنما ; فقال صاحبه : والله لأعظنه ، فوعظه وذكره وخوفه .
فقال : سر بنا نصطد السمك ، فمن صاد أكثر فهو على حق ; فقال له : يا أخي إن الدنيا أحقر عند الله من أن يجعلها ثوابا لمحسن أو عقابا لكافر .
قال : فأكرهه على الخروج معه ، فابتلاهما الله ، فجعل الكافر يرمي شبكته ويسمي باسم صنمه ، فتطلع متدفقة سمكا .
وجعل المؤمن يرمي شبكته ويسمي باسم الله فلا يطلع له فيها شيء ; فقال له : كيف ترى أنا أكثر منك في الدنيا نصيبا ومنزلة ونفرا ، كذلك أكون أفضل منك في الآخرة إن كان ما تقول بزعمك حقا .
قال : فضج الملك الموكل بهما ، فأمر الله - تعالى - جبريل أن يأخذه فيذهب به إلى الجنان فيريه منازل المؤمن فيها ، فلما رأى ما أعد الله له قال : وعزتك لا يضره ما ناله من الدنيا بعد ما يكون مصيره إلى هذا ; وأراه منازل الكافر في جهنم فقال : وعزتك لا ينفعه ما أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيره إلى هذا .
ثم إن الله - تعالى - توفى المؤمن وأهلك الكافر بعذاب من عنده ، فلما استقر المؤمن في الجنة ورأى ما أعد الله له أقبل هو وأصحابه يتساءلون ، فقال : إني كان لي قرين يقول أإنك لمن المصدقين الآية ; فنادى مناد : يا أهل الجنة هل أنتم مطلعون فاطلع إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم ; فنزلت واضرب لهم مثلا .بين الله - تعالى - حال الأخوين في الدنيا في هذه السورة ، وبين حالهما في الآخرة في سورة " الصافات في قوله إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين - إلى قوله - لمثل هذا فليعمل العاملون .
قال ابن عطية : وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين ، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة الله حتى عيره الآخر ، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله - تعالى - في ليلة ، وإياها عنى بهذه الآية .
وقد قيل : إن هذا مثل ضربه الله - تعالى - لهذه الأمة ، وليس بخبر عن حال متقدمة ، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ، وجعله زجرا وإنذارا ; ذكره الماوردي .
وسياق الآية يدل على خلاف هذا ، والله أعلم .قوله تعالى : وحففناهما بنخل أي أطفناهما من جوانبهما بنخل .
والحفاف الجانب ، وجمعه أحفة ; ويقال : حف القوم بفلان يحفون حفا ، أي طافوا به ; ومنه حافين من حول العرش .وجعلنا بينهما زرعا أي جعلنا حول الأعناب النخل ، ووسط الأعناب الزرع .
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اضرب للناس مثل هذين الرجلين، الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كل منهما، من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل، والثواب، ليعتبروا بحالهما، ويتعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة أعيان الرجلين، وفي أي: زمان أو مكان هما فيه فائدة أو نتيجة، فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط، والتعرض لما سوى ذلك من التكلف.
فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة، جعل الله له جنتين، أي: بستانين حسنين، من أعناب.
{ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات، وخصوصا أشرف الأشجار، العنب والنخل، فالعنب في وسطها، والنخل قد حف بذلك، ودار به، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه، وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح، التي تكمل بها الثمار، وتنضج وتتجوهر، ومع ذلك جعل بين تلك الأشجار زرعا.
( واضرب لهم مثلا رجلين ) الآية قيل : نزلت في أخوين من أهل مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل [ وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل ] .
وقيل : هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه شبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس وقال مقاتل : يمليخا والآخر كافر واسمه قطروس وقال وهب : قطفير وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة " والصافات " وكانت قصتهما على ما حكى عبد الله بن المبارك عن معمر عن عطاء الخراساني قال : كان رجلان شريكين لهما ثمانية آلاف دينار وقيل : كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فعمد أحدهما فاشترى أرضا بألف دينار فقال صاحبه : اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار فإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال هذا : اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار فإني أشتري منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بذلك ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال هذا المؤمن : اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم اشترى صاحبه خدما ومتاعا بألف دينار فقال هذا : اللهم إني أشتري منك متاعا وخدما في الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم أصابته حاجة شديدة فقال : لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به في حشمه فقام إليه فنظر إليه الآخر فعرفه فقال : فلان؟
قال : نعم فقال : ما شأنك؟
قال : أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتصيبني بخير فقال : ما فعل مالك وقد اقتسمنا مالا واحدا وأخذت شطره؟
فقص عليه قصته فقال : وإنك لمن المصدقين بهذا ؟
اذهب فلا أعطيك شيئا فطرده فقضي لهما أن توفيا فنزل فيهما : " فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين " ( الصافات - 50 ، 51 ) .
وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أموال نفسه فنزل فيهما .
( واضرب لهم مثلا رجلين ) اذكر لهم خبر رجلين ( جعلنا لأحدهما جنتين ) بستانين ( من أعناب وحففناهما بنخل ) أي : أطفناهما من جوانبهما بنخل والحفاف : الجانب وجمعه أحفة ، يقال : حف به القوم أي : طافوا بجوانبه ( وجعلنا بينهما زرعا ) أي : جعلنا حول الأعناب النخيل ووسط الأعناب الزرع .
وقيل : " بينهما " أي بين الجنتين زرعا يعني : لم يكن بين الجنتين موضع خراب .
«واضرب» اجعل «لهم» للكفار مع المؤمنين «مثلاً رجلين» بدل وهو وما بعده تفسير للمثل «جعلنا لأحدهما» الكافر «جنتين» بستانين «من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا» يقتات به.
واضرب -أيها الرسول- لكفار قومك مثلا رجلين من الأمم السابقة: أحدهما مؤمن، والآخر كافر، وقد جعلنا للكافر حديقتين من أعناب، وأحطناهما بنخل كثير، وأنبتنا وسطهما زروعًا مختلفة نافعة.
والمثل فى اللغة : الشبيه والنظير ، وهو فى عرف القرآن الكريم : الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع .وضرب المثل : إيراده ، وعبر عن إيراده بالضرب ، لشدة ما يحدث عنه من التأثير فى نفس السامع .أى : واضرب - أيها الرسول الكريم - مثلا للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ، وللكافرين الذين غرتهم الحياة الدنيا ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حى عن بينة .قال الآلوسى : " والمراد بالرجلين ، إما رجلان مقدران على ما قيل ، وضرب المثل لا يقتضى وجودهما .
وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه .
فقيل هما رجلان من بنى إسرائيل أحدهما : كافر .
.
والآخر : مؤمن .ثم قال : والمراد ضربهما مثلا للفريقين المؤمنين والكافرين ، لا من حيث أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفا ، بل من أن للمؤمنين فى الآخرة كذا ، وللكافرين فيها كذا ، من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم فى نعم الله ، وطاعة المؤمنين مع مكابدتهم مشاق الفقر " .أى : واضرب لهم مثلا من حيثية العصيان مع النعمة ، والطاعة مع الفقر ، حال رجلين : ( جعلنا لأحدهما ) وهو الكافر ( جنتين ) أى : بستانين ، ولم يعين - سبحانه - مكانهما ، لأنه لم يتعلق بهذا التعيين غرض .ثم بين ما اشتملت عليه هاتان الجنتان من خيرات فقال : ( من أعناب ) جمع عِنَب ، والعنبة الحبة منه .
والمراد : من كروم متنوعة .وقوله : ( وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً ) بيان لما أضيف إلى الجنتين من مناظر تزيدهما بهجة وفائدة .والحف بالشئ : الإِحاطة به .
يقال : فلان حفه القوم ، أى : أحاطوا به ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش .
.
.
) أى : جعلنا لأحد الرجلين ، وهو الكافر منهما جنتين من أعناب ، وأحطناهما بنخل ليكون كالحماية النافعة لهما ، وجعلنا فى وسطهما زرعا وبذلك تكون الجنتان جامعتين للأقوات والفواكه ، مشتملتين على ما من شأنه أن يشرح الصدر ، ويفيد الناس .
اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين فبين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنياً والغني فقيراً، أما الذي يجب حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية فقال: ﴿ واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ﴾ أي مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين كانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه براطوس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وقيل هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فأخذ كل واحد منهما النصف فاشترى الكافر أرضاً فقال المؤمن اللهم إني أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه داراً بألف فقال المؤمن: اللهم إني اشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال المؤمن اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين ثم اشترى أخوه خدماً وضياعاً بألف فقال المؤمن: اللهم إني اشتريت منك الولدان بألف فتصدق به ثم أصابه حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ﴾ ، فاعلم أن الله تعالى وصف تلك الجنة بصفات: الصفة الأولى: كونها جنة وسمى البستان جنة لاستتار ما يستتر فيها بظل الأشجار وأصل الكلمة من الستر والتغطية، والصفة الثانية: قوله: ﴿ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾ أي وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين نظيره قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش ﴾ أي واقفين حول العرش محيطين به، والحفاف جانب الشيء والأحفة جمع فمعنى قول القائل حف به القوم أي صاروا في أحفته وهي جوانبه قال الشاعر: له لحظات في حفافي سريره *** إذا كرها فيها عقاب ونائل قال صاحب الكشاف: حفوه إذا طافوا به، وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً كقوله: غشيته وغشيته به، قال: وهذه الصفة مما يؤثرها الدهاقين في كرومهم وهي أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسن في المنظر.
الصفة الثالثة: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴾ والمقصود منه أمور.
أحدها: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
وثانيها: أن تكون تلك الأرض متسعة الأطراف متباعدة الأكناف ومع ذلك فإنها لم يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض.
وثالثها: أن مثل هذه الأرض تأتي في كل وقت بمنفعة أخرى وهي ثمرة أخرى فكانت منافعها دارة متواصلة.
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ كِلْتَا الجنتين أَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا ﴾ كلا اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان، وكلتا اسم مفرد يؤكد به مؤنثان معرفتان.
وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك.
وجاءني كلتا أختيك، ورأيت كلتا أختيك، ومررت بكلتا أختيك، وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف، وفي الجر والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
وقوله: ﴿ أَتَتْ أُكُلَهَا ﴾ حمل على اللفظ لأن كلتا لفظه لفظ مفرد ولو قيل أتتا على المعنى لجاز، وقوله: ﴿ وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا ﴾ أي لم تنقص والظلم النقصان، يقول الرجل: ظلمني حقي أي نقصني.
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً ﴾ أي كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين.
وفي قراءة يعقوب وفجرنا مخففة وفي قراءة الباقين وفجرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و ﴿ خلالهما ﴾ أي وسطهما وبينهما.
ومنه قوله تعالى: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم ﴾ .
ومنه يقال خللت القوم أي دخلت بين القوم.
الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ قرأ عاصم بفتح الثاء والميم في الموضعين وهو جمع ثمار أو ثمرة، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم في الحرفين والباقون بضم الثاء والميم في الحرفين ذكر أهل اللغة: أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد، وأنشد للحارث بن كلدة: ولقد رأيت معاشرا *** قد أثمروا مالاً وولدا وقال النابغه: مهلاً فداء لك الأقوام كلهم *** ما أثمروه أمن مال ومن ولد وقوله: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر.
وعن مجاهد الذهب والفضة: أي كان مع الجنتين أشياء من النقود، ولما ذكر الله تعالى هذه الصفات قال بعده: ﴿ فَقَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم: حار إذا رجع، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰٓ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرًا ﴾ ، فذكر تعالى أن عند هذه المحاورة قال الكافر: ﴿ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ والنفر عشيرة الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه، وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ﴾ وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال، فإن قيل: لم أفرد الجنة بعد التثنية؟
قلنا: المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحداً منهما، ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ ﴾ وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعاً تلك النعم في غير موضعها، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ فجمع بين هذين، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبداً مع أنها متغيرة متبدلة.
فإن قيل: هب أنه شك في القيامة فكيف قال: ما أظن أن تبيد هذه أبداً مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية؟
قلنا: المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده، ثم قال: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ وقوله: ﴿ لأَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ والسبب في وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقاً له، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء.
والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر للاستدراج والتملية، قرأ نافع وابن كثير خيراً منهما، والمقصود عود الكناية إلى الجنتين، والباقون منها، والمقصود عود الكناية إلى الجنة التي دخلها، ثم ذكر تعالى جواب المؤمن فقال جل جلاله: ﴿ قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن الإنسان الأول قال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ وهذا الثاني كفره حيث قال: ﴿ أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ﴾ وهذا يدل على أن الشاك في حصول البعث كافر.
البحث الثاني: هذا الاستدلال يحتمل وجهين: الأول: يرجع إلى الطريقة المذكورة في القرآن وهو أنه تعالى لما قدر على الابتداء وجب أن يقدر على الإعادة فقوله: ﴿ خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ إشارة إلى خلق الإنسان في الابتداء.
الوجه الثاني: أنه لما خلقك هكذا فلم يخلقك عبثاً، وإنما خلقك للعبودية وإذا خلقك لهذا المعنى وجب أن يحصل للمطيع ثواب وللمذنب عقاب وتقريره ما ذكرناه في سورة يس، ويدل على هذا الوجه قوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ أي هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة إهماله أمرك ثم قال المؤمن: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّي ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال أهل اللغة لكنا أصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فاجتمعت النونان فادغمت نون لكن في النون التي بعدها ومثله: وتقلينني لكن إياك لا أقلى *** أي لكن أنا لا أقليك وهو في قوله: ﴿ هُوَ الله رَبّى ﴾ ضمير الشأن وقوله: ﴿ الله رَبّى ﴾ جملة من المبتدأ والخبر واقعة في معرض الخبر لقوله: هو فإن قيل قوله: ﴿ لَكُنَّا ﴾ استدراك لماذا؟
قلنا لقوله: ﴿ أَكَفَرْتَ ﴾ كأنه قال لأخيه: أكفرت بالله لكني مؤمن موحد كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر.
والبحث الثاني: قرأ ابن عامر ويعقوب الحضرمي ونافع في رواية: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّى ﴾ في الوصل بالألف.
وفي قراءة الباقين: ﴿ لَّكِنَّ هُوَ الله رَبّى ﴾ بغير ألف والمعنى واحد ثم قال المؤمن: ﴿ وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ ذكر القفال فيه وجوهاً: أحدها: إني لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى وأصبر إذا ابتلي ولا أتكبر عندما ينعم علي ولا أرى كثرة المال والأعوان من نفسي وذلك لأن الكافر لما اعتز بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى.
وثانيها: لعل ذلك الكافر مع كونه منكراً للبعث كان عابد صنم فبين هذا المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء.
وثالثها: أن هذا الكافر لما عجز الله عن البعث والحشر فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر: ﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ﴾ فأمره أن يقول هذين الكلامين الأول قوله: ﴿ مَا شَاء الله ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن تكون (ما) شرطية ويكون الجزاء محذوفاً والتقدير أي شيء شاء الله كان.
والثاني: أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف وتقديره الأمر ما شاء الله، واحتج أصحابنا بهذا على أن كل ما أراده الله وقع وكل ما لم يرده لم يقع وهذا يدل على أنه ما أراد الله الإيمان من الكافر وهو صريح في إبطال قول المعتزلة أجاب الكعبي عنه بأن تأويل قولهم: ما شاء مما تولى فعله لا مما هو فعل العباد كما قالوا: لا مرد لأمر الله لم يرد ما أمر به العباد ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريده كما يحصل فيه ما نهى عنه، واعلم أن الذي ذكر الكعبي ليس جواباً عن الاستدلال بل هو التزام المخالفة لظاهر النص وقياس الإرادة على الأمر، باطل لأن هذا النص دال على أنه لا يوجد إلا ما أراده الله وليس في النصوص ما يدل على أنه لا يدخل في الوجود إلا ما أمر به فظهر الفرق وأجاب القفال عنه بأن قال: هلا إذا دخلت بستانك قلت ما شاء الله كقول الإنسان هذه الأشياء الموجودة في هذا البستان ما شاء الله، ومثله قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ وهم ثلاثة وقوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ ﴾ أي قولوا هذه حطة وإذا كان كذلك كان المراد من هذا الشيء الموجود في البستان شيء شاء الله تكوينه وعلى هذا التقدير لم يلزم أن يقال كل ما شاء الله وقع لأن هذا الحكم غير عام في الكل بل مختص بالأشياء المشاهدة في البستان وهذا التأويل الذي ذكره القفال أحسن بكثير مما ذكره الجبائي والكعبي، وأقول: إنه على جوابه لا يدفع الإشكال على المعتزلة لأن عمارة ذلك البستان ربما حصلت بالغصوب والظلم الشديد فلا يصح أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقع بمشيئة الله.
اللهم إلا أن نقول المراد أن هذه الثمار حصلت بمشيئة الله تعالى إلا أن هذا تخصيص لظاهر النص من غير دليل.
والكلام الثاني: الذي أمر المؤمن الكافر بأن يقوله هو قوله: ﴿ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ﴾ أي لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.
والمقصود إنه قال المؤمن للكافر: هلا قلت عند دخول جنتك الأمر ما شاء الله والكائن ما قدره الله اعترافاً بأنها وكل خير فيها بمشيئة الله وفضله فإن أمرها بيده إن شاء تركها وإن شاء خربها، وهلا قلت لا قوة إلا بالله إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فهو بمعونة الله وتأييده لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله ثم إن المؤمن لما علم الكافر الإيمان أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا ﴾ من قرأ أقل بالنصب فقد جعل أنا فصلاً وأقل مفعولاً ثانياً ومن قرأ بالرفع جعل قوله: ﴿ أَنَاْ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ أَقُلْ ﴾ خبر والجملة مفعولاً ثانياً لترن واعلم أن ذكر الولد هاهنا يدل على أن المراد بالنفر المذكور في قوله: ﴿ وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ الأعوان والأولاد كأنه يقول له: إن كنت تراني: ﴿ أَقُلْ مَالاً وَوَلَدًا ﴾ وأنصاراً في الدنيا الفانية: ﴿ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ ﴾ إما في الدنيا، وإما في الآخرة.
ويرسل على جنتك: ﴿ حُسْبَانًا مِّنَ السماء ﴾ أي عذاباً وتخريباً والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب أي مقداراً قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها.
قال الزجاج: عذاب حسبان وذلك الحسبان حسبان ما كسبت يداك وقيل حسباناً أي مرامي الواحد منها حسبانة وهي الصواعق: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ أي فتصبح جنتك أرضاً ملساء لا نبات فيها والصعيد وجه الأرض، زلقاً أي تصير بحيث تزلق الرجل عليها زلقاً ثم قال: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ أي يغوص ويسفل في الأرض: ﴿ فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ أي فيصير بحيث لا تقدر على رده إلى موضعه.
قال أهل اللغة في قوله: ﴿ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ أي غائراً وهو نعت على لفظ المصدر كما يقال: فلان زور وصوم للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ويقال نساء نوح أي نوائح ثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية وأصله من إحاطة العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ ومثله قولهم: أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعلياً عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ ﴾ وهو كناية عن الندم والحسرة فإن من عظمت حسرته يصفق إحدى يديه على الأخرى، وقد يمسح إحداهما على الأخرى، وإنما يفعل هذا ندامة على ما أنفق في الجنة التي وعظه أخوه فيها وعذله: ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ أي ساقطة على عروشها فيمكن أن يكون المراد بالعروش عروش الكرم فهذه العروش سقطت ثم سقطت الجدران عليها ويمكن أن يراد من العروش السقوف وهي سقطت على الجدران.
وحاصل الكلام أن هذه اللفظة كناية عن بطلانها وهلاكها، ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ والمعنى أن المؤمن لما قال: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فهذا الكافر تذكر كلامه وقال: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فإن قيل هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه وليس الأمر كذلك لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» وأيضاً فلما قال: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فقد ندم على الشرك ورغب في التوحيد فوجب أن يصير مؤمناً فلم قال بعده: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ﴾ والجواب عن السؤال الأول: أنه لما عظمت حسرته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضاً في كل عمره عن طلب الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقي الحرمان عن الدنيا والدين عليه.
فلهذا السبب عظمت حسرته والجواب عن السؤال الثاني: أنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحداً غير مشرك لبقيت عليه جنته فهو إنما رغب في التوحيد والرد عن الشرك لأجل طلب الدنيا فلهذا السبب ما صار توحيده مقبولاً عند الله ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: (ولم يكن له فئة) بالياء لأن قوله: ﴿ فِئَةٌ ﴾ جمع فإذا تقدم على الكناية جاز التذكير، ولأنه رعاية للمعنى.
والباقون بالتاء المنقوطة باثنتين من فوق لأن الكناية عائدة إلى اللفظة وهي الفئة.
البحث الثاني: المراد من قوله: ﴿ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ هو أنه ما حصلت له فئة يقدرون على نصرته من دون الله أي هو الله تعالى وحده القادر على نصرته ولا يقدر أحد غيره أن ينصره ثم قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عقبى ﴾ .
المسألة الأولى: اختلف القراء في ثلاثة مواضع من هذه الآية.
أولها: في لفظ الولاية ففي قراءة حمزة والكسائي بكسر الواو وفي قراءة الباقين بالفتح وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: كسر الواو لحن قال صاحب الكشاف: الولاية بالفتح النصرة والتولي وبالكسر السلطان والملك.
وثانيها: قرأ أبو عمرو والكسائي قوله: الحق بالرفع والتقدير هنالك الولاية الحق لله وقرأ الباقون بالجر صفة لله.
وثالثها: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر عقباً بضم القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبى بتسكين القاف.
المسألة الثانية: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ ﴾ فيه وجوه: الأول: أنه تعالى لما ذكر من قصة الرجلين ما ذكر علمنا أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقال: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق ﴾ أي في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام تكون الولاية لله يوالي أولياءه فيغلبهم على أعدائه ويفوض أمر الكفار إليهم فقوله هنالك إشارة إلى الموضع والوقت الذي يريد الله إظهار كرامة أوليائه وإذلال أعدائه (فيهما).
والوجه الثاني: في التأويل أن يكون المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله ويلتجيء إليه كل محتاج مضطر يعني أن قوله: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ كلمة ألجيء إليها ذلك الكافر فقالها جزعاً مما ساقه إليه شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.
والوجه الثالث: المعنى هنالك الولاية لله ينصر بها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفي صدورهم من أعدائهم يعني أنه تعالى نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله في قوله: ﴿ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السماء ﴾ ويعضده قوله: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عقبى ﴾ أي لأوليائه.
والوجه الرابع: أن قوله هنالك إشارة إلى الدار الآخرة أي في تلك الدار الآخرة الولاية لله كقوله لمن الملك اليوم لله ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا ﴾ أي في الآخرة لمن آمن به والتجأ إليه: ﴿ وَخَيْرٌ عقبى ﴾ أي هو خير عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه وقد ذكرنا أنه قرئ عقبى بضم القاف وسكونها وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ﴾ أي ومثل حال الكافرين والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا.
وقيل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ ﴾ [الصافات: 51] ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها.
فاشترى الكافر أرضاً بألف، فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار، وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف، فتصدّق به.
ثم بنى أخوه داراً بألف، فقال: اللهم إني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدّق به.
ثم تزوّج أخوه امرأة بألف، فقال: اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف، فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدّق به ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمرّ به في حشمه، فتعرّض له، فطرده ووبخه على التصدّق بماله، وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم: مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد، وكان زوج أمّ سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد ﴿ جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب ﴾ بستانين من كروم ﴿ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾ وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم: أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة.
يقال: حفوه، إذا أطافوا به: وحففته بهم.
أي جعلتهم حافين حوله، وهو متعدّ إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً، كقولك: غشيه، وغشيته به ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴾ جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه.
ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بماء وهو أصل الخير ومادّته من أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به، وهو السيح بالنهر الجاري فيها.
والأكل: الثمر.
وقرئ (بضم الكاف) ﴿ وَلَمْ تَظْلِمِ ﴾ ولم تنقص.
وآتت: حمل على اللفظ، لأنّ ﴿ كِلْتَا ﴾ لفظه لفظ مفرد، ولو قيل: آتتا على المعنى: لجاز وقرئ ﴿ وفجرنا ﴾ على التخفيف وقرأ عبد الله ﴿ كل الجنتين آتى أكله ﴾ بردّ الضمير على كل ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ أي أنواع من المال، من ثمر ماله إذا كثر.
وعن مجاهد: الذهب والفضة، أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، متمكناً من عمارة الأرض كيف شاء ﴿ وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ يعني أنصاراً وحشماً.
وقيل: أولاداً ذكوراً، لأنهم ينفرون معه دون الإناث، يحاوره: يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا ﴾ لِلْكافِرِ والمُؤْمِنِ.
﴿ رَجُلَيْنِ ﴾ حالُ رَجُلَيْنِ مُقَدَّرَيْنِ أوْ مَوْجُودَيْنِ هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كافِرٌ اسْمُهُ قَطْرُوسُ ومُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا، ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ فَتَشاطَرا، فاشْتَرى الكافِرُ بِها ضِياعًا وعَقارًا وصَرَفَها المُؤْمِنُ في وُجُوهِ الخَيْرِ، وآلَ أمْرُهُما إلى ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ المُمَثَّلُ بِهِما أخَوانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ كافِرٌ وهو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ ومُؤْمِنٌ وهو أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ ﴾ بُسْتانَيْنِ.
﴿ مِن أعْنابٍ ﴾ مِن كُرُومٍ والجُمْلَةُ بِتَمامِها بَيانٌ لِلتَّمْثِيلِ أوْ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.
﴿ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ﴾ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطَةً بِهِما مُؤَزِّرًا بِها كُرُومَهُما، يُقالُ حَفَّهُ القَوْمُ إذا أطافُوا بِهِ وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ إذا جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ فَتُزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا كَقَوْلِكَ: غَشَيْتُهُ بِهِ.
﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما ﴾ وسَطَهُما.
﴿ زَرْعًا ﴾ لِيَكُونَ كُلٌّ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ مُتَواصِلَ العِمارَةِ عَلى الشَّكْلِ الحَسَنِ والتَّرْتِيبِ الأنِيقِ.
<div class="verse-tafsir"
{واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} ومثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مسلم اسمه يهوذا وقيل هما المذكوران في والصافات في قوله قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ ورثا من ابيهما ثمانية آلاف دينار فجعلاهما شطرين فاشترى الكافر أرضاً بألف دينار فقال المؤمن اللهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه داراً بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور ثم اشترى أخوه خدما وستاعا بألف دينار فقال اللهم إني اشتريت منك دار في الجنة بألف فتصدق
به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار فقال اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وويخه على التصديق بماله {جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب} بساتين من كروم وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة يقال حفوه إذا أطافوا به وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق
﴿ واضْرِبْ لَهُمْ ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ والكَفَرَةِ الَّذِينَ طَلَبُوا طَرْدَهم ﴿ مَثَلا رَجُلَيْنِ ﴾ مَفْعُولانِ لِ «اضْرِبْ» ثانِيهُما أوَّلُهُما لِأنَّهُ المُحْتاجُ إلى التَّفْصِيلِ والبَيانِ قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ، والمُرادُ بِالرَّجُلَيْنِ إمّا رَجُلانِ مُقَدَّرانِ عَلى ما قِيلَ وضَرْبُ المَثَلِ لا يَقْتَضِي وُجُودَهُما وإمّا رَجُلانِ مَوْجُودانِ وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أحَدُهُما كافِرٌ اسْمُهُ فَرْطُوسُ، وقِيلَ اسْمُهُ قِطْفِيرُ والآخَرُ مُؤْمِنٌ اسْمُهُ يَهُوذا في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُهُ يَمْلِيخا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُما ابْنا مَلِكٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْفَقَ أحَدُهُما مالَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وكَفَرَ الآخَرُ واشْتَغَلَ بِزِينَةِ الدُّنْيا وتَنْمِيَةِ مالِهِ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا، ورُوِيَ أنَّهُما ورِثا مِن أبِيهِما ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ فَتَشاطَراها فاشْتَرى الكافِرُ أرْضًا بِألْفٍ فَقالَ المُؤْمِنُ: اللَّهُمَّ أنا أشْتَرِي مِنكَ أرْضًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ بَنى أخُوهُ دارًا بِألْفٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ دارًا في الجَنَّةِ بِألْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أخُوهُ امْرَأةً بِألْفٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي جَعَلْتُ ألْفًا صَداقًا لِلْحُورِ، فَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ اشْتَرى أخُوهُ خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أشْتَرِي مِنكَ الوِلْدانَ المُخَلَّدِينَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقُ بِهِ، ثُمَّ أصابَتْهُ حاجَةٌ فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ كافِرٌ هو الأسْوَدُ بْنُ الأسَدِ ومُؤْمِنٌ هو أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، والمُرادُ ضَرْبُهُما مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنَيْنِ والكافِرَيْنِ لا مِن حَيْثُ أحْوالُهُما المُسْتَفادَةُ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا مِن أنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ كَذا ولِلْكافِرِينَ فِيها كَذا، بَلْ مِن حَيْثُ عِصْيانُ الكَفَرَةِ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ في نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ مُكابَدَتِهِمْ مَشاقَّ الفَقْرِ، أيِ اضْرِبْ لَهم مَثَلًا مِن حَيْثِيَّةِ العِصْيانِ مَعَ النِّعْمَةِ والطّاعَةِ مَعَ الفَقْرِ حالَ رَجُلَيْنِ ﴿ جَعَلْنا لأحَدِهِما ﴾ وهو الكافِرُ ﴿ جَنَّتَيْنِ ﴾ بُسْتانَيْنِ لَمْ يُعَيِّنْ سُبْحانَهُ مَكانَهُما؛ إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِتَعْيِينِهِ كَبِيرُ فائِدَةٍ.
وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبُ في كِتابِهِ: «عَجائِبُ البِلادِ» أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِيسَ كانَتْ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ فَجَرى ما جَرى فَفَرَّقَهُما اللَّهُ تَعالى في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُعْلَمُ مِنهُ قَوْلٌ آخَرُ، والجُمْلَةُ بِتَمامِها تَفْسِيرٌ لِلْمَثَلِ فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرَجُلَيْنِ فَمَوْضِعُها النَّصْبُ.
﴿ مِن أعْنابٍ ﴾ مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ فالكَلامُ عَلى ما قِيلَ إمّا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وإمّا الأعْنابُ فِيهِ مَجازٌ عَنِ الكُرُومِ وهي أشْجارُ العِنَبِ، والمَفْهُومُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ العِنَبَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الثَّمَرَةِ والكَرْمِ وعَلَيْهِ فَيُرادُ الكُرُومُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّقْدِيرِ أوِ ارْتِكابِ المَجازِ، والدّاعِي إلى إرادَةِ ذَلِكَ أنَّ الجَنَّةَ لا تَكُونُ مِن ثَمَرٍ بَلْ مِن شَجَرٍ ﴿ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ﴾ أيْ: جَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطَةً بِهِما مُطِيفَةً بِحِفافَيْهِما؛ أيْ: جانِبَيْهِما مُؤَزَّرًا بِها كُرُومُهُما، يُقالُ: حَفَّهُ القَوْمُ إذا طافُوا بِهِ وحَفَفْتُهُ بِهِمْ إذا جَعَلَتَهم حافِّينَ حَوْلَهُ فَتُزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا آخَرَ كَقَوْلِكَ: غَشِيتُهُ بِهِ ﴿ وجَعَلْنا بَيْنَهُما ﴾ وسَطَهُما ﴿ زَرْعًا ﴾ لِتَكُونا جامِعَتَيْنِ لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ مُتَواصِلَتَيِ العِمارَةِ عَلى الهَيْئَةِ الرّائِقَةِ والوَضْعِ الأنِيقِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ، أي صف لأَهل مكة صفة رجلين أخوين من بني مخزوم، أحدهما: مؤمن واسمه أبو سلمة بن عبد الأسد، والآخر: كافر ويقال له أسود بن عبد الأسود وهما من هذه الأمة.
وآخرين أيضاً من بني إسرائيل مؤمن وكافر، فالمؤمن: اسمه تمليخا، ويقال يهوذا، والكافر: اسمه أبو قطروس.
هكذا روي عن ابن عباس، ويقال: هذا المثل لجميع من آمن بالله، وجميع من كفر به.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: «كانا مشركين من بني إسرائيل، أَحدهما مؤمن والآخر كافر، فاقتسما فأصاب كل واحد منهما أربعين ألف درهم» .
وروي عن ابن عباس أنه قال: «كانا أَخوين ورث كل واحد منهما من أبيه أربعة آلاف دينار، فالكافر أنفق ماله في زينة الدنيا، نحو شراء المنازل والخدم والحيوان، وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله تعالى، وتصدق على الفقراء والمساكين» .
وذلك قوله تعالى: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ، أي بساتين.
قال السدي: كان بستاناً واحدا عليه جدار واحد، وكان في وسطه نهر، فلذلك قال: جَنَّتَيْنِ لمكان النهر الذي بينهما، وسماه جنة للمكان الدائر الذي عليه.
وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ، يعني: الجنتين.
ثم قال وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً، أي مزرعاً يقال: كان حول البستان نخيل وأشجار، وداخل الأشجار كروم، وداخل الكروم موضع الزرع والرطاب ونحو ذلك.
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها، أي أعطت وأَخرجت حملها وثمارها.
وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً، أي لم تنقص من ثمر الجنتين شيئاً.
وقال الزجاج: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها، لأن لفظ كلتا واحد، والمعنى: أن كل واحدة منهما آتَتْ أُكُلَها، يعني: أعطت وَأَخْرَجَتْ حَمْلَهَا وَثَمَرَتَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً، يعني: لم ينقص من ثمر الجنتين شيئاً، ولو قال: أتت، لكان جائزاً.
وَفَجَّرْنا خِلالَهُما، أي أجرينا وسطها نَهَراً، والنهر بنصب الهاء والجزم بمعنى واحد في اللغة، إلا أن قراءة النصب أصح.
وقال: وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ قرأ أبو عمرو ثَمَرٌ بضم الثاء وجزم الميم، وقرأ الباقون غير عاصم بضم الثاء والميم، ومعناهما واحد، وقرأ عاصم بنصب الثاء والميم.
فمن قرأ بالنصب، فهو ما يخرج من الشجر، ومن قرأ بالضم، فهو المال.
يقال: قد أثمر فلان مالاً، ويقال: الثمر جمع ثمار، ويقال: ثمرة وثمار، وجمع الثمار ثمر.
فَقالَ لِصاحِبِهِ، يعني: قال الكافر للمؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ، أي يفاخره ويراجعه، وذلك أن أخاه احتاج فأتاه يسأله منه شيئاً، فلم يعطه شيئاً، وعاتبه بدفع ماله، وذلك قوله تعالى: فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً، يعني: وأكثر خدما.
<div class="verse-tafsir"
حِبَّان في «صحيحهما» وهذا لفظ الترمذيِّ، وقال: حديثٌ حَسَن، وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرط مسلم، «والتِّرَةُ» - بكسر التاء المُثَنَّاة من فوقُ وتخفيفِ الراء- النقْصُ، وقيل:
التبعة، ولفظ ابن حِبَّان: «إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنْ دَخَلَوا الجَنَّةَ» انتهى من «السلاح» .
وقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ...
الآية: توعُّد وتهديد، أي: فليختر كلّ امرئ لنفسه ما يجدُه غداً عند اللَّه عزَّ وجلّ، وقال الداوديّ، عن ابن عباس: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ يقول: من شاء اللَّه له الإِيمان، آمن، ومن شاء له الكفر، كفر، هو كقوله:
وَما تَشاؤُنَ/ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير: ٢٩] «١» وقال غيره: هو كقوله:
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠] بمعنى الوعيد، والقولان معاً صحيحان.
انتهى وأَعْتَدْنا مأخوذٌ من العَتَاد، وهو الشيءُ المُعَدُّ الحاضر، «والسُّرادق» هو الجدار المحيطُ كالحُجْرة التي تدورُ وتحيطُ بالفسْطَاط، قد تكون من نَوْع الفُسْطَاط أديماً أو ثوباً أو نحوه، وقال الزَّجَّاج «٢» : «السُّرَادِق» : كل ما أحاط بشيء، واختلف في سُرَادِقِ النار، فقال ابن عباس: سرادقها حائطٌ من نارٍ «٣» ، وقالت فرقة: سرادقها دُخَانٌ يحيطُ بالكُفَّار، وهو قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠] وقيل غير هذا، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق أبي سعيد الخدريِّ أنه قَالَ سُرَادِقُ النَّارِ أربَعَةُ جُدُر كِثَفُ عَرْض كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعيِنَ سَنَةً «٤» و «المهل» قال أبو سعيد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: هو درديُّ الزيتِ، إِذا انتهى حَرُّه «٥» ، وقال أبو سعيد وغيره: هو كلُّ ما أذيَب من ذهبٍ أو فضة، وقالت فرقةٌ:
«المُهْل» هو الصديدُ والدمُ إِذا اختلطا، ومنه قول أبي بكر رضي اللَّه عنه في الكَفَن: إِنما هو للمهلة «٦» ، يريدُ لما يسيلُ من المَيِّت في قبره، ويقوى هذا بقوله سبحانه: وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ [إبراهيم: ١٦] والمرتفق: الشيء الذي يطلب رفقه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ ﴾ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هُما ابْنا مَلِكٍ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ تُوُفِّيَ وتَرَكَهُما، فاتَّخَذَ أحَدُهُما الجِنانَ والقُصُورَ، وكانَ الآَخَرُ زاهِدًا في الدُّنْيا، فَكانَ إذا عَمِلَ أخُوهُ شَيْئًا مِن زِينَةِ الدُّنْيا، أخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَدَّمَهُ لِآَخِرَتِهِ، حَتّى نَفِدَ مالُهُ، فَضَرَبَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ الَّذِي أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ.
ورَوى أبُو صالحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُسْلِمَ لَمّا احْتاجَ تَعَرَّضَ لِأخِيهِ الكافِرِ، فَقالَ الكافِرُ: أيْنَ ما ورِثْتَ عَنْ أبِيكَ، فَقالَ: أنْفَقْتُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ الكافِرُ: لَكِنِّي ابْتَعْتُ بِهِ جِنانًا وغَنَمًا وبَقَرًا، واللَّهِ لا أعْطَيْتُكَ شَيْئًا أبَدًا حَتّى تَتَّبِعَ دِينِي، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ المُسْلِمِ فَأدْخَلَهُ جِنانَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرَغِّبُهُ في دِينِهِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ المُؤْمِنِ: يَمْلِيخا، واسْمُ الكافِرِ: قَرْطَسُ، وقِيلَ: قُطْرُسُ، وقِيلَ: هَذا المَثَلُ [ ضُرِبَ ] لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأصْحابِهِ، ولِسَلْمانَ وأصْحابِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ ﴾ الحَفُّ: الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ ﴾ ، والمَعْنى: جَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِها.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا ﴾ إعْلامٌ أنَّ عِمارَتَهُما كامِلَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ: آَتَتا؛ لِأنَّ " كِلْتا " ثِنْتانِ لا تُفْرَدُ واحِدَتُهُما، وأصْلُهُ: ( كُلُّ )، كَما تَقُولُ لِلثَّلاثَةِ: ( كُلُّ )، فَكانَ القَضاءُ أنْ يَكُونَ لِلثِّنْتَيْنِ ما كانَ لِلْجَمْعِ، وجازَ تَوْحِيدُهُ عَلى مَذْهَبٍ ( كُلٌّ )، وتَأْنِيثُهُ جائِزٌ لِلتَّأْنِيثِ الَّذِي ظَهَرَ في ( كِلْتا )، وكَذَلِكَ فافْعَلْ بِـ( كُلًّا، وكِلْتا، وكُلِّ )، إذا أضَفْتَهُنَّ إلى مَعْرِفَةٍ وجاءَ الفِعْلُ بَعْدَهُنَّ، فَوَحِّدْ واجْمَعْ، فَمِنَ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا ﴾ ، ومِنَ الجَمْعِ: ﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ ، والعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ أيْضًا في ( أيْ ) فَيُؤَنِّثُونَ ويُذَكِّرُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ﴾ ، ويَجُوزُ في الكَلامِ: ( بِأيْتِ أرْضٍ )، وكَذَلِكَ: ﴿ فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ، ويَجُوزُ في الكَلامِ ( في أيَّتْ )، قالَ الشّاعِرُ: بِأيِّ بَلاءٍ أمْ بِأيَّةِ نِعْمَةٍ تَقَدَّمَ قَبْلِي مُسْلِمٌ والمُهَلَّبُ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " كِلْتا " وإنْ كانَ واقِعًا في المَعْنى عَلى اثْنَتَيْنِ، فَإنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ واحِدَةٍ مُؤَنَّثَةٍ، فَغَلَبَ اللَّفْظُ، ولَمْ يُسْتَعْمَلِ المَعْنى ثِقَةً بِمَعْرِفَةِ المُخاطَبِ بِهِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُؤْثِرُ المَعْنى عَلى اللَّفْظِ، فَيَقُولُ: ( كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آَتَتا أُكُلَها )، ويَقُولُ آَخَرُونَ: ( كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آَتى أُكُلَهُ )؛ لِأنَّ " كِلْتا " تُفِيدُ مَعْنى ( كُلِّ )، قالَ الشّاعِرُ: وكِلْتاهُما قَدْ خُطَّ لِي في صَحِيفَتِي ∗∗∗ فَلا المَوْتُ أهْواهُ ولا العَيْشُ أرُوحُ يَعْنِي: وكُلَّهُما قَدْ خُطَّ لِي، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: كُلُّكم ذاهِبٌ، وكُلُّكم ذاهِبُونَ، فَوَحَّدُوا لِلَّفْظِ ( كَلٌّ ) وجَمَعُوا لِتَأْوِيلِها.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ: ( آَتَتا )؛ لِأنَّ لَفْظَ " كِلْتا " لَفْظُ واحِدَةٍ، والمَعْنى: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما آَتَتْ أُكُلَها.
﴿ وَلَمْ تَظْلِمْ ﴾ ؛ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ، ﴿ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا ﴾ فَأعْلَمَنا أنَّ شُرْبَهُما كانَ مِن ماءِ نَهْرٍ، وهو مِن أغْزَرِ الشُّرْبِ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وهو نَهْرٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ، فَكانَ التَّفَجُّرُ فِيهِ كُلُّهُ.
قَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( وفَجَّرْنا ) بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( خِلَلَهُما ) .
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وأبُو عِمْرانَ: ( نَهْرًا ) بِسُكُونِ الهاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ لَهُ ﴾ يَعْنِي: لِلْأخِ الكافِرِ، ﴿ ثَمَرٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ )، ( وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ ) بِضَمَّتَيْنِ.
وقَرَأ عاصِمٌ: ( وكانَ لَهم ثَمَرٌ )، ( وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ فِيهِما.
وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( ثَمَرٌ ) و( بِثَمَرِهِ ) بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ المِيمِ.
قالَ الفَرّاءُ: ( الثَّمَرُ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ: المَأْكُولُ، وبِضَمِّها: المالُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( الثَّمَرُ ) بِالفَتْحِ: الجَمْعُ الأوَّلُ، و( الثَّمَرُ ) بِالضَّمِّ: جَمْعُ الثَّمَرِ، يُقالُ: ثَمَرٌ وثُمُرٌ، كَما يُقالُ: أسَدٌ وأُسْدٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الثَّمَرُ جَمْعَ الثِّمارِ، كَما يُقالُ: حِمارٌ وحُمُرٌ، وكِتابٌ وكُتُبٌ، فَمَن ضَمَّ قالَ: الثَّمَرُ أعَمُّ؛ لِأنَّها تَحْتَمِلُ الثِّمارَ المَأْكُولَةَ والأمْوالَ المَجْمُوعَةَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو: ( ثَمَرٌ ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ ثِمارٍ، كَكِتابٍ وكُتُبٍ، فَتُخُفِّفَ، فَيُقالُ: كَتْبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ثَمَرٌ ) جَمْعُ ثَمَرَةٍ، كَبَدَنَةٍ وبُدْنٍ، وخَشَبَةٍ وخُشْبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ثُمُرٌ ) واحِدًا، كَعُنُقٍ وطُنُبٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في قِراءَةِ مَن ضَمَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ثَمَرَةٌ، وثِمارٌ، وثَمَرٌ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الثَّمَرِ بَعْدَ ذِكْرِ الجَنَّتَيْنِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ لا يَخْلُو مِن ثَمَرٍ ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أصْلُ الأرْضِ مِلْكًا لَهُ، وإنَّما كانَتْ لَهُ الثِّمارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ ذِكْرَ الثَّمَرِ دَلِيلٌ عَلى كَثْرَةِ ما يَمْلِكَ مِنَ الثِّمارِ في الجَنَّتَيْنِ وغَيْرِهِما، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّالِثُ: إنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ بِالثَّمَرِ: الأمْوالُ مِنَ الأنْواعِ، وذَكَرْنا أنَّها الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وذَلِكَ يُخالِفُ الثَّمَرَ المَأْكُولَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ: هو الذَّهَبُ والوَرِقُ، فَإنَّما قِيلَ لِذَلِكَ: ( ثَمَرٌ ) عَلى التَّفاؤُلِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ نَماءٌ في ذِي الثَّمَرِ، وكَوْنُهُ هاهُنا بِالجَنى أشْبَهَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
ويُقَوِّي ذَلِكَ: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ﴾ ، والإنْفاقُ مِنَ الوَرِقِ لا مِنَ الشَّجَرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ، ﴿ لِصاحِبِهِ ﴾ المُؤْمِنِ، ﴿ وَهُوَ يُحاوِرُهُ ﴾ ؛ أيْ: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ.
وَفِيما تَحاوَرا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإيمانُ والكُفْرُ.
والثّانِي: طَلَبُ الدُّنْيا وطَلَبُ الآَخِرَةِ.
فَأمّا ( النَّفَرُ ) فَهُمُ الجَماعَةُ، ومِثْلُهُمُ: القَوْمُ والرَّهْطُ، [ ولا واحِدَ لِهَذِهِ الألْفاظِ مِن لَفْظِها.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ ]: النَّفَرُ: عِدَّةُ رِجالٍ مِن ثَلاثَةٍ إلى العَشْرَةِ.
وَفِيمَن أرادَ بِنَفْرِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: عُبَيْدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: عَشِيرَتُهُ ورَهْطُهُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ، ﴿ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ بِالكُفْرِ، وكانَ قَدْ أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ﴿ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا ﴾ أنْكَرَ فَناءَ الدُّنْيا وفَناءَ جَنَّتِهِ، وأنْكَرَ البَعْثَ والجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ﴾ ، وهَذا شَكٌّ [ مِنهُ ] في البَعْثِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي ﴾ ؛ أيْ: كَما تَزْعُمُ أنْتَ.
قالَ [ ابْنُ عَبّاسٍ ]: يَقُولُ: إنْ كانَ البَعْثُ حَقًّا، ﴿ لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( خَيْرًا مِنها )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( خَيْرًا مِنهُما ) بِزِيادَةِ مِيمٍ عَلى التَّثْنِيَةِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإفْرادُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الجَنَّةِ المُفْرَدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ﴾ ، والتَّثْنِيَةُ لا تَمْتَنِعُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الجَنَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُنْقَلَبًا ﴾ ؛ أيْ: كَما أعْطانِي هَذا في الدُّنْيا، سَيُعْطِينِي في الآَخِرَةِ أفْضَلَ مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا ﴾ ﴿ كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا ﴾ ﴿ وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا ﴾ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ المُتَحَيِّرَةِ الَّتِي أرادَتْ مِنَ النَبِيِّ أنْ يَطْرُدَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ، وعَلى أُولَئِكَ الداعِينَ أيْضًا، فالمَثَلُ مَضْرُوبٌ لِلطّائِفَتَيْنِ؛ إذِ الرَجُلُ الكافِرُ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ هو بِإزاءِ مُتَجَبِّرِي قُرَيْشٍ، أو بَنِي تَمِيمٍ، عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ أوَّلًا، والرَجُلُ المُؤْمِنُ المُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ هو بِإزاءِ بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وأقْرانِهِمْ.
وَ"حَفَفْناهُما" بِمَعْنى: جَعَلْنا ذَلِكَ لَها مِن كُلِّ جِهَةٍ، تَقُولُ: حَفَّكَ اللهُ بِخَيْرٍ، أيْ: عَمَّكَ بِهِ مِن جِهاتِكَ، والحِفافُ: الجانِبُ مِنَ السَرِيرِ ونَحْوَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذا المَثَلِ أنَّهُ بِأمْرٍ وقَعَ وكانَ مَوْجُودًا، وعَلى هَذا فَسَّرَهُ أكْثَرُ أهْلِ هَذا التَأْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ مَضْرُوبًا بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ في وُجُودٍ قَطُّ.
والأوَّلُ أظْهَرُ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّهُما كانا أخَوَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورِثا أرْبَعَةَ آلافِ دِينارٍ، فَصَنَعَ أحَدُهُما بِمالِهِ ما ذَكَرَ، واشْتَرى عَبِيدًا وتَزَوَّجَ وأثْرى، وأنْفَقَ الآخَرُ مالَهُ في طاعَةِ اللهِ تَعالى حَتّى افْتَقَرَ، والتَقَيا فَفَخَرَ الغَنِيُّ ووَبَّخَ المُؤْمِنَ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، ورُوِيَ أنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ حَدّادَيْنِ كَسَبا مالًا كَثِيرًا وصَنَعا نَحْوَ ما رُوِيَ في أمْرِ الأخَوَيْنِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما ما قَصَّ اللهُ في كِتابِهِ.
وذَكَرَ إبْراهِيمُ بْنُ القاسِمِ الكاتِبِ في كِتابِهِ (فِي عَجائِبِ البِلادِ) أنَّ بُحَيْرَةَ تِنِّيسٍ كانَتْ ما بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وكانَتْ لِلْأخَوَيْنِ، فَباعَ أحَدُهُما نَصِيبَهُ مِنَ الآخَرِ، وأنْفَقَ في طاعَةِ اللهِ حَتّى عِيَّرَهُ الآخَرُ، فَجَرَتْ بَيْنَهُما هَذِهِ المُحاوَرَةُ، قالَ: فَغَرَّقَها اللهُ في لَيْلَةٍ، وإيّاها عَنّى بِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي بَسْطِ قِصَصِهِما طُولٌ فاخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرَتْ عَلى مَعْناهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، ولِأنَّ في هَذا ما يَفِي بِفَهْمِ الآيَةِ.
وتَأمَّلْ هَذِهِ الهَيْئَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى، فَإنَّ المَرْءَ لا يَكادُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ الناسِ: جَنَّتا عِنَبٍ أحاطَ بِهِما نَخْلٌ بَيْنَهُما فُسْحَةٌ هي مُزْدَرَعٌ لِجَمِيعِ الحُبُوبِ، والماءُ الغَيْلُ يُسْقِي جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ النَهْرِ الَّذِي قَدْ جَمَّلَ هَذا المَنظَرَ، وعَظَّمَ النَفْعَ، وقَرَّبَ الكَدَّ، وأغْنى عَنِ النَواضِحِ وغَيْرِها.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "كِلْتا"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "كِلا"، والتاءُ في "كِلْتا" مُنْقَلِبَةٌ عن واوٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو بِالتاءِ أو بِغَيْرِ التاءِ اسْمٌ مُفْرَدٌ واقِعٌ عَلى الشَيْءِ المُثَنّى، ولَيْسَ باسِمٍ مُثَنّى، ومَعْناهُ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما، و"الأُكُلُ": ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ مِنها، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "كُلُّ الجَنَّتَيْنِ أتى أُكُلَهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا ﴾ ، أيْ: لَمْ تَنْقُصْ عَنِ العُرْفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَظَلَّمَنِي مالِي كَذا ولَوى يَدِي ∗∗∗ لَوى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هو غالِبُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَفَجَّرْنا" بِشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ سَلّامٌ، ويَعْقُوبٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَفَجَرْنا" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ شَدٍّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَهْرًا" بِفَتْحِ الهاءِ.
وقَرَأ أبُو السَمّالِ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نَهْرًا" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ قُرّاءِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ: "ثُمُرٌ" "وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، جَمْعُ ثِمارٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ بِسُكُونِ المِيمِ فِيهِما تَخْفِيفًا، وهي في المَعْنى كالأُولى، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ جَمَعُ ثَمَرَةٍ كَبَدَنَةٍ وبُدْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ "ثَمَرٌ" "وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ" بِفَتْحِ المِيمِ والثاءِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، والحَجّاجِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في "الثُمُرِ" بِضَمِّ الثاءِ والمِيمِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: "الثُمُرُ": جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَشْهِدُونَ لِهَذا القَوْلِ بِبَيْتِ النابِغَةِ: وما أُثَمِّرُ مَن مالٍ ومِن ولَدِ وقالَ مُجاهِدٌ: يُرادُ بِها الذَهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الثُمُرُ" هي الأُصُولُ الَّتِي فِيها الثَمَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّها ثِمارٌ وثُمُرٌ، كَكُتّابٍ وكُتُبٍ.
وأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الثاءِ والمِيمِ فَلا إشْكالٍ في أنَّ المَعْنى ما في رُؤُوسِ الشَجَرِ مِنَ الأكْلِ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ الكَلامِ تَقْتَضِي أنْ يُعَبِّرَ إيجازًا عن هَلاكِ الثَمَرِ والأُصُولُ بِهَلاكِ الثَمَرِ فَقَطْ، خَصَّها بِالذِكْرِ إذْ هي مَقْصَدُ المُسْتَغِلِّ، وإذْ هَلاكُ الأُصُولِ إنَّما يَسُوءُ مِنهُ هَلاكُ الثَمَرِ الَّذِي كانَ يُرْجى في المُسْتَقْبَلِ، وكَما يَقْتَضِي قَوْلُهُ "إنَّ لَهُ ثَمَرًا"، أنَّ لَهُ أُصُولًا، كَذَلِكَ تَقْتَضِي الإحاطَةُ المُطْلَقَةُ بِالثَمَراتِ والأُصُولُ قَدْ هَلَكَتْ.
وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ: "وَآتَيْناهُ ثَمَرًا كَثِيرًا".
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ" بِفَتْحِ الثاءِ وسُكُونِ المِيمِ.
و"المُحاوَرَةُ": مُراجَعَةُ القَوْلِ، وهو مِن: حارَ يَحُورُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأعَزُّ نَفَرًا ﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخاهُ.
وقالَ المُناقِضُ: أرادَ بِالنَفَرِ العَبِيدَ والخَوَلَ؛ إذْ هُمُ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ في رَغائِبِهِ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ الكِبْرِ والزَهْوِ والِاغْتِرارِ ما بَيانُهُ يُغْنِي عَنِ القَوْلِ فِيهِ.
وهَذِهِ المَقالَةُ بِإزاءِ قَوْلِ عُيَيْنَةَ والأقْرَعِ لِلنَّبِيِّ : نَحْنُ ساداتُ العَرَبِ، وأهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ، فَنَحِّ عَنّا سَلْمانَ وقُرَناءَهُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ الآيات؛ فإنه بعد أن بين لهم ما أعد لأهل الشرك وذكر ما يقابله مما أعده للذين آمنوا ضرب مثلاً لحال الفريقين بمثل قصة أظهر الله فيها تأييده للمؤمن وإهانته للكافر، فكان لذلك المَثل شَبَه بمَثل قصة أصحاب الكهف من عصر أقرب لعلم المخاطبين مِن عصر أهل الكهف، فضرب مثلاً للفريقين للمشركين وللمؤمنين بمَثل رجلين كان حالُ أحدهما معجباً مؤنِقاً وحال الآخر بخلاف ذلك؛ فكانت عاقبة صاحب الحال المونقة تَبَاباً وخسارة، وكانت عاقبة الآخر نجاحاً، ليظهر للفريقين ما يجره الغرور والإعجاب والجبروت إلى صاحبه من الأرزاء، وما يلقاه المؤمن المتواضع العارف بسُنن الله في العالم من التذكير والتدبر في العواقب فيكون معرضاً للصلاح والنجاح.
واللام في قوله: ﴿ لهم ﴾ يجوز أن يتعلق بفعل ﴿ واضرب ﴾ كقوله تعالى: ﴿ ضرب لكم مثلاً من أنفسكم ﴾ [الروم: 28].
ويجوز أن يتعلق بقوله: مثلاً } تعلق الحال بصاحبها، أي شبها لهم، أي للفريقين كما في قوله تعالى: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ [النحل: 74]، والوجهُ أن يكون متنازعاً فيه بين ضَرب، ومثَلاً.
والضمير في قوله: لهم} يعود إلى المشركين من أهل مكة على الوجه الأول ولم يتقدم لهم ذكر، ويعود إلى جماعة الكافرين والمؤمنين على الوجه الثاني.
ثم إن كان حال هذين الرجلين الممثل به حالاً معروفاً فالكلام تمثيل حال محسوس بحال محسوس.
فقال الكلبي: المعنيُّ بالرجلين رجلان من بني مخزوم من أهل مكة أخوان أحدهما كافر وهو الأسود بن عبد الأشد بشين معجمة وقيل بسين مهملة بن عبد يالِيل، والآخر مسلم وهو أخوه: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد بن عبد ياليل.
ووقع في «الإصابة»: بن هلال، وكان زوجَ أم سلمة قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر المفسرون أين كانت الجنتان، ولعلهما كانتا بالطائف فإن فيه جنات أهل مكة.
وعن ابن عباس: هما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما وترك لهما مالاً فاشترى أحدهما أرضاً وجعل فيها جنتين، وتصدق الآخر بماله فكان من أمرهما في الدنيا ما قصه الله تعالى في هذه السورة، وحكى مصيرهما في الآخرة بما حكاه الله في سورة الصافات (50 52) في قوله: ﴿ فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول إنك لمن المصدقين ﴾ الآيات..
فتكون قصتهما معلومة بما نزل فيها من القرآن في سورة الصافات قبل سورة الكهف.
وإن كان حال الرجلين حالاً مفروضاً كما جَوّزه بعض المفسرين فيما نقله عنه ابن عطية فالكلام على كل حال تمثيل محسوس بمحسوس لأن تلك الحالة متصورة متخيلة.
قال ابن عطية: فهذه الهيئة التي ذكرها الله تعالى لا يكاد المرء يتخيل أجملَ منها في مكاسب الناس، وعلى هذا الوجه يكون هذا التمثيل كالذي في قوله تعالى: ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة ﴾ [البقرة: 265] الآيات.
والأظهر من سياق الكلام وصنع التراكيب مثل قوله: ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ﴾ [الكهف: 37] الخ فقد جاء (قال) غير مقترن بفاء وذلك من شأن حكاية المحاورات الواقعة، ومثل قوله: ﴿ ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا ﴾ [الكهف: 43] أن يكون هذا المثل قصة معلومة ولأن ذلك أوقع في العبرة والموعظة مثل المواعظ بمصير الأمم الخالية.
ومعنى جعلنا لأحدهما} قدرنا له أسباب ذلك.
وذِكر الجنة والأعناب والنخل تقدم في قوله تعالى: ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ﴾ في سورة البقرة (266).
ومعنى حففناهما } أحطناهما، يقال: حفّه بكذا، إذا جعله حافاً به، أي محيطاً، قال تعالى: ﴿ وترى الملائكة حافين من حول العرش ﴾ [الزمر: 75]، لأن (حف) يتعدى إلى مفعول واحد فإذا أريد تعديته إلى ثاننٍ عدي إليه بالباء، مثل: غشيه وغشاه بكذا.
ومن محاسن الجنات أن تكون محاطة بالأشجار المثمرة.
ومعنى وجعلنا بينهما زرعاً} ألهمناه أن يجعل بينهما.
وظاهر الكلام أن هذا الزرع كان فاصلاً بين الجنتين: كانت الجنتان تَكْتنِفان حَقْل الزرع فكان المجموع ضيعة واحدة.
وتقدم ذكر الزرع في سورة الرعد.
و ﴿ كلتا ﴾ اسم دال على الإحاطة بالمثنى يفسره المضاف هو إليه، فهو اسم مفرد دال على شيئين نظير زَوج، ومذكره (كلا).
قال سيبويه: أصل كلا كِلَو وأصل كلتا كِلْوا فحذفت لام الفعل من كلتا وعُوضت التاء عن اللام المحذوفة لتدل التاء على التأنيث.
ويجوز في خبر كلا وكلتا الإفراد اعتباراً للفظه وهو أفصح كما في هذه الآية.
ويجوز تثنيته اعتباراً لمعناه كما في قول الفرزدق: كِلاهما حين جدّ الجري بينهما *** قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي و ﴿ أكْلها ﴾ قرأه الجمهور بضم الهمزة وسكون الكاف.
وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف بضم الهمزة وضم الكاف وهو الثمر، وتقدم.
وجملة ﴿ كلتا الجنتين آتت أكلها ﴾ معترضة بين الجمل المتعاطفة.
والمعنى: أثمرت الجنتان إثماراً كثيراً حتى أشبهت المعطي من عنده.
ومعنى ﴿ ولم تظلم منه شيئاً ﴾ لم تَنقُصْ منه، أي من أكُلها شَيئاً، أي لم تنقصه عن مقدار ما تُعطيه الأشجار في حال الخِصب.
ففي الكلام إيجاز بحذف مضاف.
والتقدير: ولم تظلم من مقدار أمثاله.
واستعير الظلم للنقص على طريقة التمثيلية بتشبيه هيئة صاحب الجنتين في إتقان خَبْرِهما وترقب إثمارهما بهيئة من صار له حق في وفرة غلتها بحيث إذا لم تَأت الجنتان بما هو مترقب منهما أشبَهتا من حَرم ذَا حق حقه فظَلمه، فاستعير الظلم لإقلال الإغلال، واستعير نفيه للوفاء بحق الإثمار.
والتفجير تقدم عند قوله تعالى: ﴿ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ في سورة الإسراء (90).
والنهَر بتحريك الهاء لغة في النَهْر بسكونها.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال إن الله مبتليكم بنهر ﴾ في سورة البقرة (249).
وجملة وكان له ثمر } في موضع الحال من ﴿ لأحدهما ﴾ .
والثمر بضم الثاء والميم: المال الكثير المختلف من النقدين والأنعَام والجنات والمزارع.
وهو مأخوذ من ثُمر ماله بتشديد الميم بالبناء للنائب، يقال: ثَمّر الله ماله إذا كَثُر.
قال النابغة: فلما رأى أن ثَمّر الله ماله *** وأثّل مَوْجُوداً وسَدَّ مفاقِرَه مشتقاً من اسم الثمرة على سبيل المجاز أو الاستعارة لأن الأرباح وعفو المال يُشبهان ثمر الشجر.
وشَاع هذا المجاز حتى صار حقيقة.
قال النابغة: مَهلا فداءٌ لك الأقوامُ كلّهُمُ *** ومَا أُثَمّر من مال ومِنْ وَلَد وقرأ الجمهور ﴿ ثُمُر ﴾ بضم المثلثة وضم الميم.
وقرأه أبو عمرو ويعقوب بضم المثلثة وسكون الميم.
وقرأه عاصم بفتح المثلثة وفتح الميم.
فقالوا: إنه جمع ثِمار الذي هو جمع ثَمر، مثل كُتب جمع كِتاب فيكون دالاً على أنواع كثيرة مما تنتجه المكاسب، كما تقدم آنفاً في جمع أساور من قوله: ﴿ أساور من ذهب ﴾ [الكهف: 31].
وعن النحاس بسنده إلى ثعلب عن الأعمش: أن الحجاح قال: لو سمعت أحداً يقرأ وكان له ثمر } (أي بضم الثاء) لقطعت لسانه.
قال ثعلب: فقلت للأعمش: أنأخذ بذلك.
قال: لا ولا نعمة عَين، وكان يقرأ: ثُمُر، أي بضمتين.
والمعنى: وكان لصاحب الجنتين مالٌ، أي غير الجنتين.
والفاء لتفريع جملة ﴿ قال ﴾ على الجُمل السابقة، لأن ما تضمنته الجمل السابقة من شأنه أن ينشأ عنه غرور بالنفس يَنطق ربه عن مثل ذلك القول.
و (الصاحب) هنا بمعنى المقارن في الذكر حيث انتظمهما خبر المثَل، أو أريد به الملابس المخاصم، كما في قول الحجاج يخاطب الخوارج «ألستم أصحابي بالأهواز».
والمراد بالصاحب هنا الرجل الآخر من الرجلين، أي فقال: مَن ليس له جناتٌ في حوار بينهما.
ولم يتعَلق الغرض بذكر مكان هذا القول ولا سببه لعدم الاحتياج إليه في الموعظة.
وجملة ﴿ وهو يحاوره ﴾ حال من ضمير ﴿ قال ﴾ .
والمحاورة: مراجعة الكلام بين متكلميْن.
وضمير الغيبة المنفصل عائد على ذي الجنتين.
والضمير المنصوب في ﴿ يحاوره ﴾ عائد على صاحب ذي الجنتين، وربُّ الجنتين يحاور صاحبَه.
ودل فعل المحاورة على أن صاحبه قد وعظه في الإيمان والعمل الصالح، فراجعه الكلام بالفخر عليه والتطاول شأن أهل الغَطْرسة والنقائص أن يعدلوا عن المجادلة بالتي هي أحسن إلى إظهار العظمة والكبرياء.
و ﴿ أعز ﴾ أشد عزة.
والعزة: ضد الذل.
وهي كثرة عدد عشيرة الرجل وشجاعته.
والنفَر: عَشيرة الرجل الذين ينفرون معه.
وأراد بهم هنا ولده، كما دل عليه مقابلته في جواب صاحبه بقوله: ﴿ إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً ﴾ [الكهف: 40].
وانتصب نفراً} على تمييز نسبة {أعز إلى ضمير المتكلم.
وجملة ودخل جنته } في موضع الحال من ضمير ﴿ قال ﴾ ، أي قال ذلك وقد دخل جنته مرافقاً لصاحبه، أي دخل جنته بصاحبه، كما يدل عليه قوله: ﴿ قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً ﴾ ، لأن القول لا يكون إلا خطاباً لآخر، أي قال له، ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره ﴾ [الكهف: 37].
ووقوع جواب قوله: ﴿ أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ﴾ في خلال الحوار الجاري بينهما في تلك الجنة.
ومعنى ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ وهو مشرك مكذب بالبعث بطر بنعمة الله عليه.
وإنما أفرد الجنة هنا وهما جنتان لأن الدخول إنما يكون لإحداها لأنه أول ما يدخل إنما يدخل إحداهما قبل أن ينتقل منها إلى الأخرى، فما دخل إلا إحدى الجنتين.
والظن بمعنى: الاعتقاد، وإذا انتفى الظن بذلك ثبت الظن بضده.
وتبيد: تهلك وتفنى.
والإشارة بهذا إلى الجنة التي هما فيها، أي لا أعتقد أنها تنتقض وتضمحل.
والأبَد: مراد منه طول المدة، أي هي باقية بقاء أمثالها لا يعتريها ما يبيدها.
وهذا اغترار منه بغناه واغترار بما لتلك الجنة من وثوق الشجر وقوته وثبوته واجتماع أسباب نمائه ودوامه حولَه، من مياه وظلال.
وانتقل من الإخبار عن اعتقاده دوامَ تلك الجنة إلى الإخبار عن اعتقاده بنفي قيام الساعة.
ولا تلازم بين المعتقَدَيْن.
ولكنه أراد التورك على صاحبه المؤمن تخطئة إياه، ولذلك عقب ذلك بقوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً ﴾ تهكماً بصاحبه.
وقرينة التهكم قوله: ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ .
وهذا كقول العاصي بن وائل السهمي لخباب بن الأرت «ليكونن لي مال هنالك فأقضيكَ دينك منه».
وأكد كلامه بلام القسم ونون التوكيد مبالغة في التهكم.
وانتصب ﴿ منقلباً ﴾ على تمييز نسبة الخبر.
والمنقلب: المكان الذي يُنقلب إليه، أي يُرجع.
وضمير ﴿ منهما ﴾ للجنتين عوداً إلى أول الكلام تفننا في حكاية كلامه على قراءة الجمهور ﴿ منهما بالتثنية، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف منها ﴾ بالإفراد جرياً على قوله: ﴿ ودخل جنته ﴾ وقولهِ: ﴿ أن تبيد هذه ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ ﴾ الجَنَّةُ: البُسْتانُ، فَإذا جَمَعَ العِنَبَ والنَّخْلَ وكانَ تَحْتَها زَرْعٌ فَهي أجْمَلُ الجِنانِ وأجْداها نَفْعًا، لِثَمَرِ أعالِيها وزَرْعِ أسافِلِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا ﴾ ﴿ كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ﴾ أيْ ثَمَرَها وزَرْعَها، وسَمّاهُ أُكُلًا لِأنَّهُ مَأْكُولٌ.
﴿ وَلَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا ﴾ أيِ اسْتَكْمَلَ جَمِيعَ ثِمارِها وزَرْعِها.
﴿ وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا ﴾ يَعْنِي أنَّ فِيهِما أنْهارًا مِنَ الماءِ، فَيَكُونُ ثَمَرُها وزَرْعُها بِدَوامِ الماءِ فِيهِما أوْفى وأرْوى، وهَذِهِ غايَةُ الصِّفاتِ فِيما يُجْدِي ويَغِلُ.
وَفي ضَرْبِ المَثَلِ في هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما حَكاهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ إخْبارُ اللَّهِ تَعالى عَنْ أخَوَيْنِ كانا فِي بَنِي إسْرائِيلَ ورِثا عَنْ أبِيهِما مالًا جَزِيلًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ.
فَأخَذَ أحَدُهُما حَقَّهُ وهو مُؤْمِنٌ فَتَقَرَّبَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وأخَذَ الآخَرُ حَقَّهُ مِنهُ وهو كافِرٌ فَتَمَلَّكَ بِهِ ضِياعًا مِنها هاتانِ الجَنَّتانِ، ولَمْ يَتَقَرَّبْ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَيْءٍ مِنهُ، فَكانَ مِن حالِهِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِن بَعْدُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مَثَلًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَيْسَ بِخَبَرٍ عَنْ حالٍ مُتَقَدِّمَةٍ، لِيُزَهِّدَ في الدُّنْيا ويُرَغِّبَ في الآخِرَةِ، وجَعَلَهُ زَجْرًا وإنْذارًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ ثُمُرٌ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ.
وَفي اخْتِلافِ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ بِالضَّمِّ والفَتْحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُما واحِدٌ، فَعَلى هَذا فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ؛ لِأنَّها أمْوالٌ مُثْمِرَةٌ.
الثّانِي: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لِأنَّ تَثْمِيرَهُ أكْثَرُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الأصْلُ الَّذِي لَهُ نَماءٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، لِأنَّ في النَّماءِ تَثْمِيرًا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما بِالضَّمِّ وبِالفَتْحِ مُخْتَلِفٌ، فَعَلى هَذا في الفَرْقِ بَيْنَهُما أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِالفَتْحِ جَمْعُ ثَمَرَةٍ، وبِالضَّمِّ جَمْعُ ثِمارٍ.
الثّانِي: أنَّهُ بِالفَتْحِ ثِمارُ النَّخِيلِ خاصَّةً، وبِالضَّمِّ جَمِيعُ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ ما كانَ ثِمارُهُ مِن أصْلِهِ، وبِالضَّمِّ ما كانَ ثِمارُهُ مِن غَيْرِهِ.
الرّابِعُ: أنَّ الثَّمَرَ بِالضَّمِّ الأصْلُ، وبِالفَتْحِ الفَرْعُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفي هَذا الثَّمَرِ المَذْكُورِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ثَمَرُ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُما، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: أنَّهُ ثَمَرٌ مَلَكَهُ مِن غَيْرِ جَنَّتَيْهِ، وأصْلُهُ كانَ لِغَيْرِهِ كَما يَمْلِكُ النّاسُ ثِمارًا لا يَمْلِكُونَ أُصُولَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِيَجْتَمِعَ في مِلْكِهِ ثِمارُ أمْوالِهِ وثِمارُ غَيْرِ أمْوالِهِ فَيَكُونُ أعَمَّ مِلْكًا.
﴿ فَقالَ لِصاحِبِهِ ﴾ يَعْنِي لِأخِيهِ المُسْلِمِ الَّذِي صَرَفَ مالَهُ في القُرْبِ طَلَبًا لِلثَّوابِ فِي الآخِرَةِ، وصَرَفَ هَذا الكافِرُ مالَهُ فِيما اسْتَبْقاهُ لِلدُّنْيا والمُكاثَرَةِ.
﴿ وَهُوَ يُحاوِرُهُ ﴾ أيْ يُناظِرُهُ، وفِيما يُحاوِرُهُ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الإيمانِ والكُفْرِ.
الثّانِي: في طَلَبِ الدُّنْيا وطَلَبِ الآخِرَةِ، فَجَرى بَيْنَهُما ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِما.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ﴾ قال: إن الجنة هي البستان، فكان له بستان واحد وجدار واحد، وكان بينهما نهر ولذلك كان جنتين، فلذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي يليها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: نهر أبي فرطس نهر الجنتين.
قال ابن أبي حاتم: وهو نهر مشهور بالرملة.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً ﴾ قال: لم تنقص، كل شجر الجنة أطعم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ يقول: وسطهما.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وكان له ثمر ﴾ يقول: مال.
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال: قرأها ابن عباس ﴿ وكان له ثمر ﴾ بالضم، يعني أنواع المال.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال: ذهب وفضة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن بشير بن عبيد، أنه كان قرأ ﴿ وكان له ثمر ﴾ برفع الثاء، وقال: الثمر، المال والولدان والرقيق.
والثمر: الفاكهة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي يزيد المدني، أنه كان يقرؤها ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال: الأصل والثمر، الثمرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ودخل جنته وهو ظالم لنفسه ﴾ يقول كفور لنعمة ربه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً ﴾ يقول: تهلك ﴿ وما أظن الساعة قائمة ولئن ﴾ كانت قائمة ثم ﴿ رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ابني ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ابنين، فاتخذ أحدهما القصور والأجنة، والآخر كان زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، فكان إذا عمل أخوه شيئًا من زينة الدنيا أخذ مثل ذلك فقدم لآخرته، واتخذ به عند الله الأجنة والقصور، حتى نفذ ماله.
فضربهما مثلاً للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة) (١) وقال الكلبي: (هما أخوان من بني مخزوم (٢) (٣) (٤) قال أبو إسحاق: (كان المشركون سألوا النبي - - بمشورة اليهود عن قصة أصحاب الكهف، وعن الروح، وعن هذين الرجلين فأعلمه الله الجواب؛ لأنه مثل له - - وللكفار، ومثل لجميع من آمن بالله، وجميع من عَنَدَ عنه وكفر به) (٥) ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ﴾ منصوب (٦) وقوله تعالي: ﴿ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾ الحفُّ: الإطافة بالشيء، يقال: حفَّ القوم بسيدهم يَحُفُّون بضم الحاء إذا أطافوا به وعكفوا (٧) ﴿ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ﴾ .
والمعنى: جعلنا النخل مطبقًا بها ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا ﴾ أي: بين الجنتين ﴿ زَرْعًا ﴾ ثم أخبر أنهما كاملتان في مادة حملهما وأعنابهما، والزرع الذي بينهما.
(١) "معالم التنزيل" 5/ 169 - 170، "المحرر الوجيز" 9/ 305 - 306، "النكت والعيون" 3/ 306، "زاد المسير" 5/ 138 - 139.
(٢) بني مخزوم: هذه النسبة ترجع إلى قبيلتين: إحداهما تنسب إلى بني مخزوم بن عمرو، ومخزوم قريش هو: مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وقد نسب إلى هذه القبيلة خلق كثير، وأما مخزوم بن المغيرة فقد نسب إليه عدد كبير.
انظر: "الأنساب" 5/ 225، "اللباب" 4/ 179، "نهاية الأرَب" (281)، "الاشتقاق" 2/ 269.
(٣) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أبو سلمة المكي، أمه برة بنت عبد المطلب، وكان أخًا للنبي - - من الرضاعة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا مع النبي - -، توفي - - بالمدينة في حياة النبي - - في السنة الرابعة من الهجرة، فتزوج النبي - - بزوجته أم سلمة - -.
انظر: "أسد الغابة" 3/ 190، "الإصابة في تمييز الصحابة"، "سيرة ابن هشام" 1/ 252، "تهذيب التهذيب" 5/ 251.
(٤) "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "بحر العلوم" 2/ 298، "معالم التنزيل" 5/ 169 - 170، "الكشاف" 2/ 389، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 399.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 284.
(٦) في (ص): (رجلين منصوب).
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (حف) 1/ 869، "الصحاح" (حف) 4/ 1344، "القاموس المحيط" (حف) ص 801، "لسان العرب" (حفف) 2/ 930.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واضرب لهُمْ ﴾ الضمير للكفار الذين قالوا: أطرد فقراء المسلمين، وللفقراء الذين أرادوا طردهم: أي مثل هؤلاء وهؤلاء كمثل هذين الرجلين، وهما أخوان من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر كافر: ورثا مالاً عن أبيهما، فاشترى الكافر بماله جنتين، وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله حتى افتقر، فعيره الكافر بفقره فأهلك الله مال الكافر، وروي أن اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر فطروس، وقيل: كانا شريكين اقتسما المال، فاشترى أحدهما بماله جنتين وتصدق الآخر بماله ﴿ أُكُلَهَا ﴾ بضم الهمزة اسم لما يؤكل، ويجوز ضم الكاف وإسكانها ﴿ وَلَمْ تَظْلِم ﴾ أي لم تنقص ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ بضم الثاء والميم، أصناف المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، قاله ابن عباس وقتادة، وقيل: هو الذهب والفضة خاصة، وهو من ثمّر ماله إذا أكثره ويجوز إسكان الميم تخفيفاً، وأما بفتح الثاء والميم، فهو المأكول من الشجر، ويحتمل المعنى الآخر ﴿ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴾ أي يراجعه في الكلام ﴿ وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ يعني الأنصار والخدم ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ﴾ أفرد الجنة هنا، لأنه إنما دخل الجنة الواحدة من الجنتين، إذ لا يمكن دخول الجنتين دفعة واحدة ﴿ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ إما بكفره وإما بمقابلته لأخيه، فإنها تتضمن الفخر والكبر والاحتقار لأخيه ﴿ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة إلى السموات والأرض وسائر المخلوقات، فيكون قائلاً ببقاء هذا الوجود؛ كافراً بالآخرة أو تكون الإشارة إلى جنته، فيكون قوله إفراطاً في الاغترار وقلة التحصيل ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّى ﴾ إن كان هذا على سبيل الفرض والتقدير كما يزعم أخي: لأجدن في الآخرة خيراً من جنتي في الدنيا، وقرئ خيراً منهما.
بضمير الاثنين للجنتين، وبضمير الواحد للجنة ﴿ مُنْقَلَباً ﴾ أي مرجعاً ﴿ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ﴾ أي خلق منه أباك آدم، وإنما جعله كافراً لشكه في البعث ﴿ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ كما تقول سوّاك إنساناً، ويحتمل أن يقصد الرجولية على وجه تعديد النعمة في أن لم يكن أنثى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس ﴿ له ثمر ﴾ وكذا ﴿ بثمره ﴾ بفتح الثاء والميم: يزيد.
وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم.
الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ﴿ منها ﴾ على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون على التثنية ﴿ لكن ﴾ بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل.
الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ﴿ بربي أحد ﴾ مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ أن ترني ﴾ فتح الياء: السرانديبي عن قنبل ﴿ غوراً ﴾ بضم الغين وكذلك في ﴿ الملك ﴾ البرجمي الباقون بفتحها.
﴿ ولم يكن له ﴾ بياء الغيبة ﴿ الولاية ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ﴿ لله الحق ﴾ بالرفع: أبو عمرو وعلي.
الآخرون بالجر ﴿ عقباً ﴾ بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف.
الباقون بضمها ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
الوقوف: ﴿ من كتاب ربك ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ عنهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب.
﴿ فرطاً ﴾ ه ﴿ فليكفر ﴾ لا لأن الأمر للتهديد بدليل ﴿ إنا أعتدنا ﴾ فلو فصل صار مطلقاً ﴿ ناراً ﴾ ، لأن ما بعده صفة ﴿ سرادقها ﴾ ط ﴿ الوجوه ﴾ ط ﴿ الشراب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ أولئك ﴾ مع ما بعده خبر ﴿ إن الذين ﴾ وقوله: ﴿ إنا لا نضيف ﴾ جملة معترضة ﴿ الأرائك ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ زرعاً ﴾ ه، ط ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ نهراً ﴾ ه ط ﴿ ثمر ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ نفراً ﴾ ، ج ﴿ لنفسه ﴾ ج لاتحاد العامل بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ه ط ﴿ قائمة ﴾ لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ﴿ منقلباً ﴾ ه ﴿ رجلاً ﴾ ، ه ط لتمام الاستفهام ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ لا لاتمام المقول ﴿ إلا بالله ﴾ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ﴿ وولداً ﴾ ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ﴿ زلقاً ﴾ ه ﴿ طلباً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ منتصرا ﴾ ، ط وقيل: يوقف على ﴿ هنالك ﴾ والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿ هنالك ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ﴿ الحق ﴾ ط على القراءتين ﴿ عقباً ﴾ ه ﴿ الرياح ﴾ ط ﴿ مقتدراً ﴾ ه ﴿ زينة الحياة الدنيا ﴾ ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ﴿ أملاً ﴾ .
التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون ﴿ اتل ﴾ أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: ﴿ من كتاب ربك ﴾ بيان للذي أوحي إليه.
ثم بين سبب اللزوم فقال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: ﴿ يلحدون في أسمائه ﴾ نهى رسول الله في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين ﴾ الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: ﴿ ولا تعد عيناك ﴾ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.
ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين.
وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ﴿ واتبع هواه ﴾ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء.
ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره.
وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى.
وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه.
ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء.
وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره.
وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه.
فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين.
ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: ﴿ إنا أعتدنا ﴾ أي أعددنا وهيأنا ﴿ للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج.
وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم.
وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ﴾ وقوله: ﴿ يغاثوا بماء ﴾ وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف".
والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش.
وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت.
وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران.
وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ﴿ أفيضوا علينا من الماء ﴾ ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ عن النبي " "هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه" وهذا معنى قوله: ﴿ يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ﴿ وساءت ﴾ أي النار ﴿ مرتفقاً ﴾ متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه.
قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ﴿ وحسنت مرتفقاً ﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين.
وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء.
ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية فإن جعلت ﴿ إنا لا نضيّع ﴾ اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ﴿ أولئك ﴾ خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ﴿ من أحسن ﴾ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير ﴿ من أحسن عملاً ﴾ منهم.
وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد".
ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر.
ولم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن.
و"من" في ﴿ من أساور ﴾ للابتداء وفي ﴿ من ذهب ﴾ للتبيين.
وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة ﴾ وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ﴿ ولؤلؤاً ﴾ وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره.
قيل: إنما لم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم.
والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة.
ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات.
والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به.
ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به.
ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله.
وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد.
أما قوله: ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن.
﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ فهما جامعتان للأقوات والفواكه.
وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل.
﴿ وآتت ﴾ محمول على لفظ ﴿ كلتا ﴾ لأن لفظه مفرد.
ولو قيل: "آتتا".
على المعنى لجاز.
والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا.
﴿ وفجرنا ﴾ من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون.
وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر.
وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء.
والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع.
والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه.
وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث.
ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله ﴿ ودخل جنته ﴾ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.
قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنةواحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ وإنما وصفه بقوله: ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ﴾ عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ﴿ ما أظن أن تبيد ﴾ أي تهلك ﴿ هذه ﴾ الجنة ﴿ أبداً ﴾ وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة.
﴿ منقلباً ﴾ نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم.
قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: ﴿ ولئن رددت ﴾ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي ﴾ ، قوله: ﴿ أكفرت ﴾ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث.
وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: ﴿ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ﴾ ولقول أخيه معرضاً به ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ وليس في قوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه.
وقوله: ﴿ خلقك من تراب ﴾ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة.
وقوله: ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى مادته القريبة.
ومعنى ﴿ سوّاك رجلاً ﴾ عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ﴿ رجلاً ﴾ تمييزاً.
ولعل السر في تخصيص الله في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله ﴿ أكفرت ﴾ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد.
وأصل ﴿ لكنا ﴾ "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي.
قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ﴿ ولولا ﴾ للتخفيض وفعله.
قلت: ﴿ وإذ دخلت ﴾ ظرف وقع في البين توسعاً.
وقوله: ﴿ ما شاء الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان.
استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته.
وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد.
والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا".
وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.
عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج.
ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إن ترن أنا أقل ﴾ فـ"أنا" فصل و ﴿ أقل ﴾ مفعول ثان ﴿ مالاً وولداً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فعسى ربي أن يؤتيني ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جنة ﴿ خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ﴾ هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها.
وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك.
وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق.
﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها.
وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم".
ثم أخبر عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ ، ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ أي يندم ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله.
﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير.
وقوله: ﴿ يا ليتني لم أشرك ﴾ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك.
وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: ﴿ ولم يكن له فئة ﴾ طائفة ﴿ ينصرونه من دون الله ﴾ لأنه وحده قادر على نصرة العباد.
﴿ وما كان منتصراً ﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقام الله.
ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ﴿ هنالك ﴾ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ﴿ الولاية لله الحق ﴾ والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ﴿ يا ليتني ﴾ إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.
وقيل: ﴿ هنالك ﴾ إِشارة إلى الآخرة كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله ﴾ ﴿ عقباً ﴾ بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط.
ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ﴿ واضرب لهم ﴾ الآية.
وقد مر مثله في أوائل "يونس" ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ ومعنى ﴿ فاختلط به ﴾ التف بسببه.
وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين.
والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب.
تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً.
﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً.
ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به.
وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ﴾ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول.
وقيل: هن الصلوات الخمس.
وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم.
وقيل: الطيب من القول.
والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة.
التأويل: ﴿ واتل ﴾ على نفسك ﴿ وما أوحي إليك من كتاب ﴾ كتبه ﴿ ربك ﴾ في الأزل ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ إلى الأبد مع الذين ﴿ يدعون ربهم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا.
﴿ ولا تعد ﴾ عينا همتك ﴿ عنهم ﴾ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ﴿ ولا تطع من أغفلنا ﴾ يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ يعني سرادق العزة ﴿ بماء كالمهل ﴾ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ﴿ يحلون فيها من أساور ﴾ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: ﴿ من ذهب ﴾ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ﴿ يلبسون ثياباً ﴾ فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم.
وقوله: ﴿ خضراً ﴾ إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ﴿ من سندس ﴾ إشارة إلى ما لطف من الرياضات ﴿ واستبرق ﴾ إلى ما شق منها ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ﴿ مثلاً رجلين ﴾ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن.
﴿ جعلنا لأحدهما ﴾ وهو النفس ﴿ جنتين ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿ من أعناب ﴾ الشهوات ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ حب الرياسة ﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ من التمتعات البهيمية ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ من القوى البشرية والحواس.
﴿ وكان له ثمر ﴾ من أنواع الشهوات ﴿ وهو يحاوره ﴾ يجاذب النفس والقلب ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ أي ميلاً ﴿ وأعز نفراً ﴾ من أوصاف المذمومات ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ﴿ ما شاء الله ﴾ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ من العمر وحسن الاستعداد ﴿ كما أنزلناه ﴾ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ﴿ فاختلط ﴾ الروح بالأخلاق الذميمة ﴿ فأصبح هشيماً ﴾ تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ﴿ تذروه ﴾ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة.
﴿ والباقيات الصالحات ﴾ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
جائز أن يكون هذا المثل كان في الأمم المتقدمة وكتبهم، سئل رسول الله عن ذلك ليعلم وليتبين لهم صدقه بأنه رسول الله على ما يدعي على ما سئل هو عن قصة ذي القرنين وبنائه ونبأ أصحاب الكهف وأخبارهم؛ ليتبين لهم صدقه؛ إذ علموا أن تلك الأنباء والقصص لا يعلم ولا يعرفها إلا من علم كتاب الله؛ إذ كان ذلك في كتب الله، وهو لم يعرف تلك الكتب؛ لأنها كانت بغير لسانه، ولم يروه اختلف إلى من يعرفها ليتعلم منه، ثم أنبأهم على ما كان في كتبهم، فدل أن ذلك إنما عرف بالله وأنه صادق فيما يدعي من الرسالة، على هذا يجوز أن يقال - والله أعلم - فيكون في ذلك آية لرسالته ونبوته.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ...
﴾ إلى آخره، أي: اضرب لهم مثلك ومثلهم مثل رجلين، فيكون مثلك ومثلهم مثل ما ذكر من رجلين ...
إلى آخره.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ...
﴾ أي: اضرب للمعتبرين والمتوسمين مثل رجلين، كل رجلين هذا سبيلهما، يرغب أحدهما في الدنيا وزينتها ويطلبها لا يرى غيرها، والآخر يرغب في الزهد فيها وترك الطلب لها والرغبة في الآخرة، فإن كان على هذا أو ما ذكرنا من ضرب مثله ومثل أولئك، فهو على الابتداء، فيخرج على الاعتبار والتفكر فيما ذكر تنبيها وإيقاظاً، وإن كان على السؤال عما كان فهو ليس على الاعتبار، ولكن على الإنباء أنه رسول، ففيه آية لرسالته ونبوته.
ثم قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً ﴾ ، أي: بين الجنتين، ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا ﴾ ، أي: حملها، ولم يقل: (آتتا أكلهما)، خرج على اسم واحد وإن كان في المعنى على التثنية، وذلك جائز في اللغة؛ كقولك: كلتا المرأتين صالحة، وكلانا صالح، وفيه قول الشاعر: كلانا شاعر من حي صدق *** ولكن الرحى نقلوا الثفالي وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ أي: لم تنقص من ثمرها شيئاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً ﴾ أي: أجرينا بينهما مياها جارية.
وقوله: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ قال بعضهم: من قرأ: ﴿ ثَمَرٌ ﴾ بالرفع فهو كل ما كان يملك من الجنان وغيرها، ومن قرأ بالنصب فهو على الثمر.
وقال بعضهم: الثمر بالنصب فهو الثمر، والثمر بالرفع فهو جميع الثمار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴾ يكلمه أو يجيبه أو ينازعه ويناظره: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا الخطاب منه على الابتداء؛ لأنه لا يصلح على الابتداء؛ فيشبه أن يكون كان من صاحبه له وعيد وتخويف، فعند ذلك قال له ما ذكر.
أو أن يكون قال: يعطيني ربي في الآخرة مثل ذلك أو خيراً منها، فقال له عند ذلك: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ ، أي: قد تفضل علي في الدنيا وفضلني عليك فيفضلني أيضاً في الآخرة عليك، حيث قال: ﴿ لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ إن كان ما تزعم صدقا أنا نبعث ونرد إلى الله وإلا على الابتداء لا يصلح.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ .
يحتمل: أي: ظالم نفسه، ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ لِّنَفْسِهِ ﴾ : بدنه، وهو ظالم المعنى الذي يكون في النفس به يستعملها فيما تستعمل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ مَآ أَظُنُّ ﴾ ، أي: ما أثق وما أعلم.
وقال بعضهم: هو الظن؛ لأن صاحبه كان يناظره فيه، فاضطرب في فنائها وقيام الساعة فشك فيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً ﴾ ما دامت نفسه، أو كأنه لم يشاهد الهلاك، ولم ينظر إليه؛ فقال ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ ، أي: لو رددت إلى ربي - على ما تزعم - [لأجدن] خيرا منها منقلبا إن كنت صادقاً.
وقوله: ﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .
أي: خلق أصلك من تراب، وخلقك من نطفة، ثم سواك رجلا، أي: صححك وقومك رجلا.
جائز أن يكون محاجته إياه في هذه، لإنكاره البعث، أي: كفرت وأنكرت قدرة الله على البعث والإعادة، وهو خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، فأنت إذا مت وهلكت تصير تراباً أو ماء، فإذا قدر على خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من ماء [فإنه] لقادر على إعادتك وبعثك بعد ما صرت تراباً أو ماء.
أو يكون محاجته في إنكاره حكمة الله؛ فيقول: خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، ثم سواك رجلا وصححك؛ فإن لم يبعثك ويعدك كان خلقك وخلق أصلك بما ذكر عبثاً غير حكمة؛ إذ من بنى بناء ثم نقضه على غير قصد الانتفاع به كان في بنائه عابثاً في الابتداء تائها سفيها غير حكيم؛ فعلى ذلك: خلقك وخلق أصلك من غير إعادة من بعد يكون سفهاً على غير حكمة، وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...
﴾ الآية [المؤمنون: 115]: صير خلقهم على غير رجوع إليه عبثاً.
أو يكون محاجته في تسفيهه إياه في عبادته غير الله، يقول: أكفرت نعمة الذي خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، ثم سواك صحيحاً، فصرفت شكر نعمه إلى غيره، وعبدت غيره على هذه الوجوه الثلاثة.
ويحتمل محاجته إياه إما في إنكار قدرته في بعثه وإعادته، أو إنكاره الحكمة في البعث، أو في إنكاره نعمه وصرفه الشكر إلى غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ .
كأنه قال: لكن الذي خلق أصلك من تراب، وخلق أصلك من نطفة هو ربي، ولا أشرك بربي أحداً.
وقال الخليل: ﴿ لَّٰكِنَّاْ ﴾ إنما هو على تأويل: لكني أنا أقول هو الله ربي؛ كقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ ﴾ إنهم حين ألقوا الألف من (أنا) أثبتوها بعد النون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ﴾ ، نظرت إلى ما أنعم الله عليك وقمت بشكره دون أن اشتغلت بازدرائي، ونظرت إلى قلة ذات حالي ويدي، واشتغلت بالافتخار علي، وكذلك قال: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً ﴾ .
ثم ذكر طعمه ورجاءه على ربه وخوفه؛ حيث قال: ﴿ فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
ويرسل على جنتك حسبانا من السماء.
قال أهل التأويل: الحسبان: العذاب، إلا أن أبا بكر الأصم قال: عذابا على حساب ما عملوا، وذلك جزاؤه في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين أهلكهما؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ...
﴾ إلى قوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ...
﴾ الآية [سبأ: 17].
وقال أبو عوسجة: ﴿ حُسْبَاناً ﴾ أي: عذاباً زاده على حساب ما عملوا، وذلك جزاؤه في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين له، والحسبان: الصغار من النبل، والحسبانة واحدة، والحسبان جمع، والأول عذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ .
قال أبو عوسجة: ﴿ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ : الذي ليس عليه نبت، و ﴿ زَلَقاً ﴾ ، أي: تسوية.
وقال القتبي: الصعيد: الأملس المستوي، والزلق: الذي يزول عنه الأقدام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً ﴾ من السماء، أي عذاباً، فتصير ﴿ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ أملس لا نبات عليها، أو يذهب بمائها؛ فتهلك بذهاب الماء؛ إذ هلاك البساتين يكون بذهاب الماء مرة، وبالعذاب النازل عليها ثانيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن تستطيع له طلبا، أي: تصير بحال لا تستطيع له طلبا، أو لن تستطيع له وجوداً.
وقال في قوله: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ ﴾ ، بالنصب؛ لأن الكلام مبني على قوله: ﴿ إِن تَرَنِ ﴾ ، وجعل ﴿ أَنَاْ ﴾ صلة، وأمّا قوله: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ ﴾ فوصف ﴿ أَنَاْ ﴾ بـ ﴿ أَكْثَرُ ﴾ ؛ فارتفع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ .
أي: أهلك بثمره.
﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ .
هكذا عادة الناس: أنهم إذا أصابهم خسران أو مصيبة، يقلبون كفهم بعضهم على بعض؛ على الندم والحسرة على ما فات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ .
قيل: ساقطة على عروشها.
ويحتمل ﴿ خَاوِيَةٌ ﴾ : ذاهبة البركة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ﴾ .
إن كان هذا القول في الدنيا؛ فذلك منه توبة؛ لأن التوبة هي الندامة على ما كان منه.
وقال بعضهم: هذا القول منه في الآخرة، فإن كان في الآخرة فإنه لا ينفعه ذلك، والله أعلم، وهكذا كل كافر يؤمن في الآخرة، لكن لا ينفعه.
وقوله: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ﴾ .
هذا - والله أعلم - مقابل ما قال: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ ، أي: لم يغنه عن عذاب الله ما ذكر من النصر، ولا قدر أن يقوم بنفسه منتصراً بالمال الذي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ .
قال بعضهم: عند ذلك.
وقال بعضهم: هنالك، أي: هكذا ولاية الله، ثم اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم ﴿ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ﴾ بالفتح، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (هنالك الوَلاية لله الغفور وهو الحقُّ): بالرفع، وفي حرف حفصة: (وهنالك الملك والولاية لله الغفور ذي الرحمة).
وقرأ بعضهم: ﴿ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: الولاية الحق لله، و ﴿ ٱلْوَلاَيَةُ ﴾ بالنصب من الموالاة.
قال ابن عباس - -: لا يبقى أحد إلا تولى الله وآمن به وعلم أنه حق، والولاية بالكسر من الإمارة والملك على ما ذكر في حرف حفصة.
وفي حرف أبيّ (هنالك الولايةُ لله الحق لله) يقرأ: الولايةُ لله وهو الحقُّ، ويقرأ: هَنَالِكَ الولايةُ للهِ الْحَقِّ، بالخفض، ويقرأ: هنالك الولايةُ الحقُّ لله.
وذكر هذا المثل لرسول الله - والله أعلم - لأن فيه دلالة رسالته، وحجة توحيد الله وقدرته وسلطانه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ﴾ ، أي: ثواب هذا المؤمن منها أفضل ثواباً في الآخرة وأفضل عاقبة من عقبى ذلك الكافر.
قال ابن عباس - - قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ ﴾ : يعني: لأهل مكة ﴿ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ﴾ : أخوين من بني مخزوم: أحدهما مسلم والآخر كافر، وهما الرجلان اللذان ذكرهما الله في سورة الصافات: ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : تصدق المسلم منهما بماله وطلب الآخرة، وطلب الآخر به الدنيا.
وعن ابن مسعود قال: كانا أخوين ورثا من أبيهما مالا فاقتسماه، فأما أحدهما التمس بماله الدنيا وزينتها، وأمّا الآخر تصدَّق به وطلب الآخرة حتى لم يبق له شيء إلى هذا يذهب هؤلاء، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
واضرب -أيها الرسول- مثلًا لرجلين: كافر ومؤمن، جعلنا للكافر منهما حديقتين، وأحطنا الحديقتين بنخل، وأنبتنا في الفارغ من مساحتهما: زروعًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.LL7qz"