الآية ٤٣ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٤٣ من سورة الكهف

وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : عشيرة أو ولد ، كما افتخر بهم واستعز ( ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق ) اختلف القراء هاهنا ، فمنهم من يقف على قوله : ( وما كان منتصرا)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) يقول تعالى ذكره: ولم يكن لصاحب هاتين الجنتين فئة، وهم الجماعة ، كما قال عَجَّاح: كَمَا يَحُوزُ الفِئَةُ الكَمِيّ (4) وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل، وإن خالف بعضهم في العبارة عنه عبارتنا، فإن معناهم نظير معنانا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عز وجل: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال: عشيرته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) : أي جند ينصرونه ، وقوله: (يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يقول: يمنعونه من عقاب الله وعذاب الله إذا عاقبه وعذّبه.

وقوله (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا) يقول: ولم يكن ممتنعا من عذاب الله إذا عذّبه.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا) : أي ممتنعا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا قوله تعالى : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله فئة اسم تكن وله الخبر .

ينصرونه في موضع الصفة ، أي فئة ناصرة .

ويجوز أن يكون ينصرونه الخبر .

والوجه الأول عند سيبويه أولى لأنه قد تقدم له .

وأبو العباس يخالفه ، ويحتج بقول الله - عز وجل - ولم يكن له كفوا أحد .

وقد أجاز سيبويه الآخر .

وينصرونه على معنى فئة ; لأن معناها أقوام ، ولو كان على اللفظ لقال ولم تكن له فئة تنصره ; أي فرقة وجماعة يلتجئ إليهم .وما كان منتصرا أي ممتنعا ; قاله قتادة .

وقيل : مستردا بدل ما ذهب منه .

وقد تقدم اشتقاق الفئة في " آل عمران " .

والهاء عوض من الياء التي نقصت من وسطه ، أصله [ ص: 367 ] فيء مثل فيع ; لأنه من فاء ، ويجمع على فئون وفئات ، مثل شيات ولدات ومئات .

أي لم تكن له عشيرة يمنعونه من عذاب الله ، وضل عنه من افتخر بهم من الخدم والولد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } أي: لما نزل العذاب بجنته، ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه: { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا } فلم يدفعوا عنه من العذاب شيئا، أشد ما كان إليهم حاجة، وما كان بنفس منتصرا، وكيف ينتصر، أي: يكون له أنصارا على قضاء الله وقدره الذي إذا أمضاه وقدره، لو اجتمع أهل السماء والأرض على إزالة شيء منه، لم يقدروا؟\" ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه، أن صاحب هذه الجنة، التي أحيط بها، تحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب تمرده وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ما يطغيه، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا.

وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم جهول.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قال الله تعالى ( ولم تكن له فئة ) جماعة ( ينصرونه من دون الله ) يمنعونه من عذاب الله ( وما كان منتصرا ) ممتنعا منتقما أي : لا يقدر على الانتصار لنفسه وقيل : لا يقدر على رد ما ذهب عنه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولم تكن» بالتاء والياء «له فئة» جماعة «ينصرونه من دون الله» عند هلاكها «وما كان منتصرا» عن هلاكها بنفسه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولم تكن له جماعة ممن افتخر بهم يمنعونه مِن عقاب الله النازل به، وما كان ممتنعًا بنفسه وقوته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان عظيم قدرته ونفاذ إرادته فقال .( وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ) .أى : ولم تكن لهذا الجاحد المغرور بعد أن خوت جنته على عروشها ، عشيرة ، أو أعوان ينصرونه ، أو يدفعون عنه ما حل به ، وإنما القادر على ذلك هو الله - تعالى - وحده ، وما كان هذا الرجل الذى جحد نعم ربه منتصرا لأنه - سبحانه - قد حجب عنه كل وسيلة تؤدى إلى نصره وعونه ، بسبب إيثاره الغى على الرشد ، والكفر على الإِيمان .فالآية الكريمة تبين بجلاء ووضوح ، عجز كل قوة عن نصرة ذلك الرجل المخذول سوى قوة الله - عز وجل - ، وعجز ذلك الرجل فى نفسه عن رد انتقام الله - تعالى - منه .وقوله - سبحانه - : ( هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق .

.

) تقرير وتأكيد للآية السابقة .

ولفظ هنالك ظرف مكان .وكلمة ( الولاية ) قرأها الجمهور بفتح الواو ، بمعنى الموالاة والصلة والنصرة كما قرأ الجمهور كلمة ( الحق ) بالجر على أنها نعت للفظ الجلالة .فيكون المعنى : فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية - أى الموالاة والصلة - من كل الناس ، لله - تعالى - وحده إذ الكافر عندما يرى العذاب يعترف بوحدانية الله - تعالى - كما قال - سبحانه - ( فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ) ويجوز أن يكون المعنى : فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى الموالاة لله - تعالى - وحده .

فيوالى المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم على أعدائهم .

كما قال - سبحانه - ( ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمَنُواْ وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ ) وقرأ حمزة والكسائى : ( الولاية ) بكسر الواو ، بمعنى الملك والسلطان كما قرأ أبو عمرو والكسائى لفظ ( الحق ) بالرفع على أنه نعت للولاية .فيكون المعنى : فى ذلك المقام تكون الولاية الحق ، والسلطان الحق ، لله رب العالمين ، كما قال - سبحانه - : ( الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً ) قال بعض العلماء : وقوله ( هنالك ) يرى بعضهم أنه متعلق بما بعده ، والوقف تام على قوله ( وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ) .ويرى آخرون أنه متعلق بما قبله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين فبين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنياً والغني فقيراً، أما الذي يجب حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية فقال: ﴿ واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ﴾ أي مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين كانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه براطوس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وقيل هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ  ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فأخذ كل واحد منهما النصف فاشترى الكافر أرضاً فقال المؤمن اللهم إني أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه داراً بألف فقال المؤمن: اللهم إني اشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال المؤمن اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين ثم اشترى أخوه خدماً وضياعاً بألف فقال المؤمن: اللهم إني اشتريت منك الولدان بألف فتصدق به ثم أصابه حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقوله تعالى: ﴿ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ﴾ ، فاعلم أن الله تعالى وصف تلك الجنة بصفات: الصفة الأولى: كونها جنة وسمى البستان جنة لاستتار ما يستتر فيها بظل الأشجار وأصل الكلمة من الستر والتغطية، والصفة الثانية: قوله: ﴿ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾ أي وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين نظيره قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش  ﴾ أي واقفين حول العرش محيطين به، والحفاف جانب الشيء والأحفة جمع فمعنى قول القائل حف به القوم أي صاروا في أحفته وهي جوانبه قال الشاعر: له لحظات في حفافي سريره *** إذا كرها فيها عقاب ونائل قال صاحب الكشاف: حفوه إذا طافوا به، وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً كقوله: غشيته وغشيته به، قال: وهذه الصفة مما يؤثرها الدهاقين في كرومهم وهي أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسن في المنظر.

الصفة الثالثة: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴾ والمقصود منه أمور.

أحدها: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.

وثانيها: أن تكون تلك الأرض متسعة الأطراف متباعدة الأكناف ومع ذلك فإنها لم يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض.

وثالثها: أن مثل هذه الأرض تأتي في كل وقت بمنفعة أخرى وهي ثمرة أخرى فكانت منافعها دارة متواصلة.

الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ كِلْتَا الجنتين أَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا ﴾ كلا اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان، وكلتا اسم مفرد يؤكد به مؤنثان معرفتان.

وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك.

وجاءني كلتا أختيك، ورأيت كلتا أختيك، ومررت بكلتا أختيك، وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف، وفي الجر والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.

وقوله: ﴿ أَتَتْ أُكُلَهَا ﴾ حمل على اللفظ لأن كلتا لفظه لفظ مفرد ولو قيل أتتا على المعنى لجاز، وقوله: ﴿ وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا ﴾ أي لم تنقص والظلم النقصان، يقول الرجل: ظلمني حقي أي نقصني.

الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً ﴾ أي كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين.

وفي قراءة يعقوب وفجرنا مخففة وفي قراءة الباقين وفجرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و ﴿ خلالهما ﴾ أي وسطهما وبينهما.

ومنه قوله تعالى: ﴿ ولأَوْضَعُواْ خلالكم  ﴾ .

ومنه يقال خللت القوم أي دخلت بين القوم.

الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ قرأ عاصم بفتح الثاء والميم في الموضعين وهو جمع ثمار أو ثمرة، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم في الحرفين والباقون بضم الثاء والميم في الحرفين ذكر أهل اللغة: أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد، وأنشد للحارث بن كلدة: ولقد رأيت معاشرا *** قد أثمروا مالاً وولدا وقال النابغه: مهلاً فداء لك الأقوام كلهم *** ما أثمروه أمن مال ومن ولد وقوله: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر.

وعن مجاهد الذهب والفضة: أي كان مع الجنتين أشياء من النقود، ولما ذكر الله تعالى هذه الصفات قال بعده: ﴿ فَقَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم: حار إذا رجع، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ  بَلَىٰٓ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرًا  ﴾ ، فذكر تعالى أن عند هذه المحاورة قال الكافر: ﴿ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ والنفر عشيرة الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه، وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ﴾ وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال، فإن قيل: لم أفرد الجنة بعد التثنية؟

قلنا: المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحداً منهما، ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ ﴾ وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعاً تلك النعم في غير موضعها، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ فجمع بين هذين، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبداً مع أنها متغيرة متبدلة.

فإن قيل: هب أنه شك في القيامة فكيف قال: ما أظن أن تبيد هذه أبداً مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية؟

قلنا: المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده، ثم قال: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ وقوله: ﴿ لأَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً  ﴾ والسبب في وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقاً له، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء.

والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر للاستدراج والتملية، قرأ نافع وابن كثير خيراً منهما، والمقصود عود الكناية إلى الجنتين، والباقون منها، والمقصود عود الكناية إلى الجنة التي دخلها، ثم ذكر تعالى جواب المؤمن فقال جل جلاله: ﴿ قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن الإنسان الأول قال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً ﴾ وهذا الثاني كفره حيث قال: ﴿ أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ﴾ وهذا يدل على أن الشاك في حصول البعث كافر.

البحث الثاني: هذا الاستدلال يحتمل وجهين: الأول: يرجع إلى الطريقة المذكورة في القرآن وهو أنه تعالى لما قدر على الابتداء وجب أن يقدر على الإعادة فقوله: ﴿ خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ إشارة إلى خلق الإنسان في الابتداء.

الوجه الثاني: أنه لما خلقك هكذا فلم يخلقك عبثاً، وإنما خلقك للعبودية وإذا خلقك لهذا المعنى وجب أن يحصل للمطيع ثواب وللمذنب عقاب وتقريره ما ذكرناه في سورة يس، ويدل على هذا الوجه قوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾ أي هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة إهماله أمرك ثم قال المؤمن: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّي ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال أهل اللغة لكنا أصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فاجتمعت النونان فادغمت نون لكن في النون التي بعدها ومثله: وتقلينني لكن إياك لا أقلى *** أي لكن أنا لا أقليك وهو في قوله: ﴿ هُوَ الله رَبّى ﴾ ضمير الشأن وقوله: ﴿ الله رَبّى ﴾ جملة من المبتدأ والخبر واقعة في معرض الخبر لقوله: هو فإن قيل قوله: ﴿ لَكُنَّا ﴾ استدراك لماذا؟

قلنا لقوله: ﴿ أَكَفَرْتَ ﴾ كأنه قال لأخيه: أكفرت بالله لكني مؤمن موحد كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر.

والبحث الثاني: قرأ ابن عامر ويعقوب الحضرمي ونافع في رواية: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّى ﴾ في الوصل بالألف.

وفي قراءة الباقين: ﴿ لَّكِنَّ هُوَ الله رَبّى ﴾ بغير ألف والمعنى واحد ثم قال المؤمن: ﴿ وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ ذكر القفال فيه وجوهاً: أحدها: إني لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى وأصبر إذا ابتلي ولا أتكبر عندما ينعم علي ولا أرى كثرة المال والأعوان من نفسي وذلك لأن الكافر لما اعتز بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى.

وثانيها: لعل ذلك الكافر مع كونه منكراً للبعث كان عابد صنم فبين هذا المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء.

وثالثها: أن هذا الكافر لما عجز الله عن البعث والحشر فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر: ﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ﴾ فأمره أن يقول هذين الكلامين الأول قوله: ﴿ مَا شَاء الله ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن تكون (ما) شرطية ويكون الجزاء محذوفاً والتقدير أي شيء شاء الله كان.

والثاني: أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف وتقديره الأمر ما شاء الله، واحتج أصحابنا بهذا على أن كل ما أراده الله وقع وكل ما لم يرده لم يقع وهذا يدل على أنه ما أراد الله الإيمان من الكافر وهو صريح في إبطال قول المعتزلة أجاب الكعبي عنه بأن تأويل قولهم: ما شاء مما تولى فعله لا مما هو فعل العباد كما قالوا: لا مرد لأمر الله لم يرد ما أمر به العباد ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريده كما يحصل فيه ما نهى عنه، واعلم أن الذي ذكر الكعبي ليس جواباً عن الاستدلال بل هو التزام المخالفة لظاهر النص وقياس الإرادة على الأمر، باطل لأن هذا النص دال على أنه لا يوجد إلا ما أراده الله وليس في النصوص ما يدل على أنه لا يدخل في الوجود إلا ما أمر به فظهر الفرق وأجاب القفال عنه بأن قال: هلا إذا دخلت بستانك قلت ما شاء الله كقول الإنسان هذه الأشياء الموجودة في هذا البستان ما شاء الله، ومثله قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ  ﴾ وهم ثلاثة وقوله: ﴿ وَقُولُواْ حِطَّةٌ  ﴾ أي قولوا هذه حطة وإذا كان كذلك كان المراد من هذا الشيء الموجود في البستان شيء شاء الله تكوينه وعلى هذا التقدير لم يلزم أن يقال كل ما شاء الله وقع لأن هذا الحكم غير عام في الكل بل مختص بالأشياء المشاهدة في البستان وهذا التأويل الذي ذكره القفال أحسن بكثير مما ذكره الجبائي والكعبي، وأقول: إنه على جوابه لا يدفع الإشكال على المعتزلة لأن عمارة ذلك البستان ربما حصلت بالغصوب والظلم الشديد فلا يصح أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقع بمشيئة الله.

اللهم إلا أن نقول المراد أن هذه الثمار حصلت بمشيئة الله تعالى إلا أن هذا تخصيص لظاهر النص من غير دليل.

والكلام الثاني: الذي أمر المؤمن الكافر بأن يقوله هو قوله: ﴿ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله ﴾ أي لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.

والمقصود إنه قال المؤمن للكافر: هلا قلت عند دخول جنتك الأمر ما شاء الله والكائن ما قدره الله اعترافاً بأنها وكل خير فيها بمشيئة الله وفضله فإن أمرها بيده إن شاء تركها وإن شاء خربها، وهلا قلت لا قوة إلا بالله إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فهو بمعونة الله وتأييده لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله ثم إن المؤمن لما علم الكافر الإيمان أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا ﴾ من قرأ أقل بالنصب فقد جعل أنا فصلاً وأقل مفعولاً ثانياً ومن قرأ بالرفع جعل قوله: ﴿ أَنَاْ ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ أَقُلْ ﴾ خبر والجملة مفعولاً ثانياً لترن واعلم أن ذكر الولد هاهنا يدل على أن المراد بالنفر المذكور في قوله: ﴿ وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ الأعوان والأولاد كأنه يقول له: إن كنت تراني: ﴿ أَقُلْ مَالاً وَوَلَدًا ﴾ وأنصاراً في الدنيا الفانية: ﴿ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ ﴾ إما في الدنيا، وإما في الآخرة.

ويرسل على جنتك: ﴿ حُسْبَانًا مِّنَ السماء ﴾ أي عذاباً وتخريباً والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب أي مقداراً قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها.

قال الزجاج: عذاب حسبان وذلك الحسبان حسبان ما كسبت يداك وقيل حسباناً أي مرامي الواحد منها حسبانة وهي الصواعق: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ أي فتصبح جنتك أرضاً ملساء لا نبات فيها والصعيد وجه الأرض، زلقاً أي تصير بحيث تزلق الرجل عليها زلقاً ثم قال: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ أي يغوص ويسفل في الأرض: ﴿ فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ أي فيصير بحيث لا تقدر على رده إلى موضعه.

قال أهل اللغة في قوله: ﴿ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ أي غائراً وهو نعت على لفظ المصدر كما يقال: فلان زور وصوم للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ويقال نساء نوح أي نوائح ثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية وأصله من إحاطة العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  ﴾ ومثله قولهم: أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعلياً عليهم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ ﴾ وهو كناية عن الندم والحسرة فإن من عظمت حسرته يصفق إحدى يديه على الأخرى، وقد يمسح إحداهما على الأخرى، وإنما يفعل هذا ندامة على ما أنفق في الجنة التي وعظه أخوه فيها وعذله: ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ أي ساقطة على عروشها فيمكن أن يكون المراد بالعروش عروش الكرم فهذه العروش سقطت ثم سقطت الجدران عليها ويمكن أن يراد من العروش السقوف وهي سقطت على الجدران.

وحاصل الكلام أن هذه اللفظة كناية عن بطلانها وهلاكها، ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ ياليتنى لَمْ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ والمعنى أن المؤمن لما قال: ﴿ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فهذا الكافر تذكر كلامه وقال: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فإن قيل هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه وليس الأمر كذلك لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ  ﴾ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» وأيضاً فلما قال: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ فقد ندم على الشرك ورغب في التوحيد فوجب أن يصير مؤمناً فلم قال بعده: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ﴾ والجواب عن السؤال الأول: أنه لما عظمت حسرته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضاً في كل عمره عن طلب الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقي الحرمان عن الدنيا والدين عليه.

فلهذا السبب عظمت حسرته والجواب عن السؤال الثاني: أنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحداً غير مشرك لبقيت عليه جنته فهو إنما رغب في التوحيد والرد عن الشرك لأجل طلب الدنيا فلهذا السبب ما صار توحيده مقبولاً عند الله ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: (ولم يكن له فئة) بالياء لأن قوله: ﴿ فِئَةٌ ﴾ جمع فإذا تقدم على الكناية جاز التذكير، ولأنه رعاية للمعنى.

والباقون بالتاء المنقوطة باثنتين من فوق لأن الكناية عائدة إلى اللفظة وهي الفئة.

البحث الثاني: المراد من قوله: ﴿ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ هو أنه ما حصلت له فئة يقدرون على نصرته من دون الله أي هو الله تعالى وحده القادر على نصرته ولا يقدر أحد غيره أن ينصره ثم قال تعالى: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عقبى ﴾ .

المسألة الأولى: اختلف القراء في ثلاثة مواضع من هذه الآية.

أولها: في لفظ الولاية ففي قراءة حمزة والكسائي بكسر الواو وفي قراءة الباقين بالفتح وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: كسر الواو لحن قال صاحب الكشاف: الولاية بالفتح النصرة والتولي وبالكسر السلطان والملك.

وثانيها: قرأ أبو عمرو والكسائي قوله: الحق بالرفع والتقدير هنالك الولاية الحق لله وقرأ الباقون بالجر صفة لله.

وثالثها: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر عقباً بضم القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبى بتسكين القاف.

المسألة الثانية: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ ﴾ فيه وجوه: الأول: أنه تعالى لما ذكر من قصة الرجلين ما ذكر علمنا أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقال: ﴿ هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق ﴾ أي في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام تكون الولاية لله يوالي أولياءه فيغلبهم على أعدائه ويفوض أمر الكفار إليهم فقوله هنالك إشارة إلى الموضع والوقت الذي يريد الله إظهار كرامة أوليائه وإذلال أعدائه (فيهما).

والوجه الثاني: في التأويل أن يكون المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله ويلتجيء إليه كل محتاج مضطر يعني أن قوله: ﴿ ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا ﴾ كلمة ألجيء إليها ذلك الكافر فقالها جزعاً مما ساقه إليه شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.

والوجه الثالث: المعنى هنالك الولاية لله ينصر بها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفي صدورهم من أعدائهم يعني أنه تعالى نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله في قوله: ﴿ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السماء ﴾ ويعضده قوله: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عقبى ﴾ أي لأوليائه.

والوجه الرابع: أن قوله هنالك إشارة إلى الدار الآخرة أي في تلك الدار الآخرة الولاية لله كقوله لمن الملك اليوم لله ثم قال تعالى: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا ﴾ أي في الآخرة لمن آمن به والتجأ إليه: ﴿ وَخَيْرٌ عقبى ﴾ أي هو خير عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه وقد ذكرنا أنه قرئ عقبى بضم القاف وسكونها وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأُحِيطَ ﴾ به عبارة عن إهلاكه.

وأصله من أحاط به العدوّ؛ لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك.

ومنه قوله تعالى ﴿ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ [يوسف: 66] ومثله قولهم: أتى عليه، إذا أهلكه، من أتى عليهم العدوّ: إذا جاءهم مستعلياً عليهم.

وتقليب الكفين: كناية عن الندم والتحسر، لأنّ النادم يقلب كفيه ظهراً لبطن، كنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد، ولأنه في معنى الندم عدّى تعديته بعلى، كأنه قيل: فأصبح يندم ﴿ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ أي أنفق في عمارتها ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ يعني أنّ كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت فوقها الكروم.

قيل: أرسل الله عليها ناراً فأكلتها ﴿ ياويلتا لَيْتَنِى ﴾ تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركاً حتى لا يهلك الله بستانه.

ويجوز أن يكون توبة من الشرك، وندماً على ما كان منه، ودخولاً في الإيمان.

وقرئ: ﴿ ولم يكن ﴾ بالياء والتاء، وحمل ﴿ يَنصُرُونَهُ ﴾ على المعنى دون اللفظ، كقوله ﴿ فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ ﴾ [آل عمران: 13] .

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله ﴾ ؟

قلت: معناه يقدرون على نصرته من دون الله، أي: هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل ﴿ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ﴾ وما كان ممتنعاً بقوّته عن انتقام الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ وأُهْلِكَ أمْوالُهُ حَسْبَما تَوَقَّعَهُ صاحِبُهُ وأنْذَرَهُ مِنهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَإنَّهُ إذا أحاطَ بِهِ غَلَبَهُ وإذا غَلَبَهُ أهْلَكَهُ، ونَظِيرُهُ أتى عَلَيْهِ إذا أهْلَكَهُ مِن أتى عَلَيْهِمُ العَدُوُّ إذا جاءَهم مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ.

﴿ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴾ ظَهْرًا لِبَطْنٍ تَلَهُّفًا وتَحَسُّرًا.

﴿ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ﴾ في عِمارَتِها وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ يُقَلِّبُ ﴾ لِأنَّ تَقْلِيبَ الكَفَّيْنِ كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ، أوْ حالٌ أيْ مُتَحَسِّرًا عَلى ما أنْفَقَ فِيها.

﴿ وَهِيَ خاوِيَةٌ ﴾ ساقِطَةٌ.

﴿ عَلى عُرُوشِها ﴾ بِأنْ سَقَطَتْ عُرُوشُها عَلى الأرْضِ وسَقَطَتِ الكُرُومُ فَوْقَها عَلَيْها.

﴿ وَيَقُولُ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ يُقَلِّبُ ﴾ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ.

﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا ﴾ كَأنَّهُ تَذَكَّرَ مَوْعِظَةَ أخِيهِ وعَلِمَ أنَّهُ أُتِيَ مِن قِبَلِ شِرْكِهِ فَتَمَنّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا فَلَمْ يُهْلِكِ اللَّهُ بُسْتانَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَوْبَةً مِنَ الشِّرْكِ ونَدَمًا عَلى ما سَبَقَ مِنهُ.

﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ لِتَقَدُّمِهِ.

﴿ يَنْصُرُونَهُ ﴾ يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِ بِدَفْعِ الإهْلاكِ أوْ رَدِّ المُهْلِكِ أوِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.

﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ وحْدَهُ.

﴿ وَما كانَ مُنْتَصِرًا ﴾ وما كانَ مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِ اللَّهِ مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ} يقدرون على نصرته {مِن دُونِ الله} أي هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لحكمة {وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً} وما كان ممتنعاً بقوته عن انتقام الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمْ تَكُنْ لَهُ ﴾ وقَرَأ الأخَوانِ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وأيُّوبُ وخَلَفٌ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ: «يَكُنْ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ المَرْفُوعَ بِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فِئَةٌ ﴾ غَيْرُ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، والفِعْلُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِالمَنصُوبِ، وقَدْ رُوعِيَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَنْصُرُونَهُ ﴾ المَعْنى فَأُتِيَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ تَنْصُرُهُ» مُراعاةً لِلَّفْظِ فَقَطْ، والمُرادُ مِنَ النُّصْرَةِ لازِمُها وهو القُدْرَةُ عَلَيْها؛ أيْ: لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ تَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِ إمّا بِدَفْعِ الهَلاكِ قَبْلَ وُقُوعِهِ أوْ بِرَدِّ المُهْلَكِ بِعَيْنِهِ عَلى القَوْلِ بِجَوازِ إعادَةِ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ أوْ بِرَدِّ مِثْلِهِ عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ جَوازِ ذَلِكَ.

﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى القادِرُ عَلى نَصْرِهِ وحْدَهُ، وارْتَكَبَ المَجازَ لِأنَّهُ لَوْ أبْقى ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ لاقْتَضى نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ: لا يَنْصُرُ زَيْدًا أحَدٌ دُونَ بَكْرٍ.

فُهِمْ مِنهُ نُصْرَةُ بَكْرٍ لَهُ في العُرْفِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ بَلِ المُرادُ ما سَمِعْتَ، وحاصِلُهُ: لا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى القَدِيرُ ﴿ وما كانَ ﴾ في نَفْسِهِ ﴿ مُنْتَصِرًا ﴾ مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انْتِقامِ اللَّهِ تَعالى مِنهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي جنداً وقوماً وأعواناً يمنعونه من عذاب الله.

وَما كانَ مُنْتَصِراً، أي ممتنعاً هو بنفسه.

قرأ حمزة والكسائي وَلَمْ يَكُن بالياء بلفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث وقال الزجاج: لو قال نصره، لجاز وإنما ينصره على المعنى، أي أقواماً ينصرونه.

هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ، أي عند ذلك وهو يوم القيامة، يعني: السلطان والحكم لله الحق لا ينازعه أحد في ملكه يومئذٍ، وهذا كقوله: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: 19] .

فمن قرأ الْحَقِّ بكسر القاف جعله نعتاً لله ومن قرأ بالضم جعله نعتاً للولاية.

قرأ حمزة هُنالِكَ الْوَلايَةُ بكسر الواو وضم القاف، وقرأ الباقون الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ الْوَلايَةُ بنصب الواو وكسر القاف، وقال بعضهم: الْوَلايَةُ بالكسر والنصب لغتان، وقيل: بالكسر مصدر الوالي، يقال: والي بين الولاية، وبالنصب مصدر الولي بين الولاية.

هُوَ خَيْرٌ ثَواباً، أي خير من أثاب العبد وَخَيْرٌ عُقْباً، أي خير من أعقب.

قرأ حمزة وعاصم عُقْباً بجزم القاف، وقرأ الباقون بضم القاف، ومعناهما واحد وهو العاقبة.

فبيّن الله تعالى حال الأخوين في الدنيا وبيّن حالهما في الآخرة في سورة الصافات في قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: 51] إلى قوله: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات: 55] .

ثم قال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا، أي للمشركين، شبه ما في الدنيا من الزينة والزهرة.

كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، وهو المطر.

فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، أي اختلط الماء بالنبات، لأن الماء إذا دخل في الأرض ينبت به النبات، فكأنه اختلط به، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ.

وفي الآية مضمر، ومعناه: فاختلط الماء بنبات الأرض فنبت وحسن، حتى إذا بلغ أرسل الله آفة فأيبسته فصار هشيماً، أي صار يابساً متكسراً بعد حسنه.

قال القتبي: وأَصْلُهُ من هشمت الشيء إذا كسرته، ومنه سمي الرجل هاشماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ، أَي ذرته الرياح كالرماد ولم يبق منه شيء، فكذلك الدنيا في فنائها وزوالها تهلك إذا جاءت الآخرة وما فيها من الزهرة.

وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً، أي قادراً من البعث وغيره.

قرأ حمزة والكسائي: الريح بلفظ الوحدان، وقرأ الباقون الرِّياحُ بلفظ الجماعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فليرغَبْ إِليه في المَعُونَةِ مِنْ عِنْدِه على أداء حقوقه، ورعايتها، وناجاه بقَلْب راغِبٍ راهبٍ أني أَنْسَى إِن لم تذكِّرني، وأعْجِزُ أُنْ لم تُقَوِّني، وأجْزَعُ إِنْ لم تصِّبرني، وعَزَم وتوكَّل، واستغاث واستعان، وتبرَّأ من الحَوْل والقوَّة إِلا بربِّه، وقطع رجاءه مِنْ نفسه، ووَجَّه رجاءه كلَّه إِلى خالقه، فإِنه سيجدُ اللَّه عزَّ وجلَّ قريباً مجيباً متفضِّلاً متحِّنناً.

انتهى.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١» قال مالكٌ: ينبغي لكلِّ مَنْ دَخَل منزله أنْ يقول كما قال اللَّه تعالى: مَا شاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ انتهى.

وقوله: فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ هذا الترجِّي ب «عَسَى» يحتملُ أن يريد به في الدنيا، ويحتمل أن يريد به في الآخِرَةِ، وتمنِّي ذلك في الآخرة أشرَفُ وأذهَبُ مع الخير والصلاح، وأنْ يكونَ ذلك يرادُ به الدنيا- أذْهَبُ في نِكَاية هذا المخاطَب، و «الحُسْبان» العذاب كالبردِ والصِّرِّ ونحوه، و «الصَّعيد» وجه الأرض، «والزَّلَق» : الذي لا تثبت فيه قَدَم، يعني: تذهب منافعها حتى منفعةُ المشْيِ فهي وَحَلٌ لا تثبُتُ فيه قَدَمٌ.

وقوله سبحانه: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ...

الآية: هذا خبر من اللَّه عزَّ وجل عن إِحاطة العذابِ بحال هذا الممثّل به، ويُقَلِّبُ كَفَّيْهِ: يريد يضَعُ بطْن إِحداهما على ظهر الأخرى، وذلك فعل المتلهِّف المتأسِّف.

وقوله: خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يريد أن السقوف وَقَعَتْ، وهي العروش، ثم تهدَّمت الحيطانُ عليها فهي خاوية والحيطان على العُرُوشِ.

ت: فسرَّ ع «٢» رحمه اللَّه لفظ خاوِيَةٌ في «سورة الحَجِّ والنَّمْل» ب «خالية» ، والأحسن أن تفسَّر هنا وفي الحجِّ ب «ساقطة» ، وأما التي في «النْمل» ، فيتَّجه أن تفسَّر ب «خالية» وب «ساقطة» قال الزبيدِيُّ في «مختصر العَيْن» خَوَتِ الدَّارُ: باد أهلها، وخَوتْ: تهدَّمت انتهى، وقال الْجَوْهَرِيُّ في كتابه المسمَّى ب «تاج اللُّغِة وصِحَاحِ العَرَبِيَّةِ» :

خَوَتِ النجومُ خَيًّا: أمحَلَتْ، وذلك إِذا سقطَتْ ولم تُمْطِرْ في نَوْئِهَا، وأَخْوَتْ مثله، وخوت

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ ؛ أيْ: أحاطَ اللَّهُ العَذابَ بِثَمَرِهِ، وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الثَّمَرَ.

﴿ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴾ ؛ أيْ: يَضْرِبُ يَدًا عَلى يَدٍ، وهَذا فِعْلُ النّادِمِ.

﴿ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ﴾ ؛ أيْ: في جَنَّتِهِ، و " في " هاهُنا بِمَعْنى ( عَلى ) .

﴿ وَهِيَ خاوِيَةٌ ﴾ ؛ أيْ: خالِيَةٌ ساقِطَةٌ، ﴿ عَلى عُرُوشِها ﴾ والعُرُوشُ: السُّقُوفُ، والمَعْنى: أنَّ حِيطانَها قائِمَةٌ والسُّقُوفُ قَدْ تَهَدَّمَتْ فَصارَتْ في قَرارِها، فَصارَتِ الحِيطانُ كَأنَّها عَلى السُّقُوفِ.

﴿ وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا ﴾ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَمّا سَلَبَهُ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وحَقَّقَ ما أنْذَرَهُ [ بِهِ ] أخُوهُ في الدُّنْيا، نَدِمَ عَلى شِرْكِهِ حِينَ لا تَنْفَعُهُ النَّدامَةُ.

وقِيلَ: إنَّما يَقُولُ هَذا في القِيامَةِ.

" ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( ولَمْ تَكُنْ ) بِالتّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ( ولَمْ يَكُنْ ) بِالياءِ.

والفِئَةُ: الجَماعَةُ، ﴿ يَنْصُرُونَهُ ﴾ ؛ أيْ: يَمْنَعُونَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ الوَلايَةُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ( الوَلايَةُ ) بِفَتْحِ الواوِ، و( لِلَّهِ الحَقِّ ) خَفْضًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ: ( الوَلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، و( لِلَّهِ الحَقِّ ) بِكَسْرِ القافِ أيْضًا.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الواوِ ورَفْعِ ( الحَقِّ )، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في رَفْعِ القافِ، لَكِنَّهُ كَسَرَ ( الوِلايَةَ ) .

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الوِلايَةِ في [ مِثْلِ ] تِلْكَ الحالِ: تَبْيِينُ نُصْرَةِ ولِيِّ اللَّهِ.

وقالَ غَيْرُهُ: هَذا الكَلامُ عائِدٌ إلى ما قَبْلَ قِصَّةِ الرَّجُلَيْنِ، فَأمّا مَن فَتْحَ واوَ ( الوِلايَةِ ) فَإنَّهُ أرادَ: المُوالاةَ والنُّصْرَةَ، ومَن كَسَرَ أرادَ: السُّلْطانَ والمُلْكَ، عَلى ما شَرَحْنا في آَخِرِ ( الأنْفالِ: ٧٢ ) .

فَعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ اللَّهَ تَعالى في القِيامَةِ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَتَبَرَّؤُونَ مِمّا كانُوا يَعْبُدُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: هُنالِكَ يَتَوَلّى اللَّهُ أمْرَ الخَلائِقِ، فَيَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ ويَخْذُلُ الكافِرِينَ.

وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ يَكُونُ المَعْنى: هُنالِكَ السُّلْطانُ لِلَّهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ قافَ ( الحَقِّ ) جَعَلَهُ مِن وصْفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَن رَفَعَهُ جَعَلَهُ صِفَةً لِلْوِلايَةِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ نُعِتَتِ الوِلايَةُ وهي مُؤَنَّثَةٌ بِالحَقِّ وهو مَصْدَرٌ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُهُما: أنَّ تَأْنِيثَها لَيْسَ حَقِيقِيًّا، فَحُمِلَتْ عَلى مَعْنى النَّصْرِ، والتَّقْدِيرِ: هُنالِكَ النَّصْرُ لِلَّهِ الحَقِّ، كَما حُمِلَتِ الصَّيْحَةُ عَلى مَعْنى الصِّياحِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّ الحَقَّ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي في لَفْظِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والِاثْنانِ والجَمْعِ، فَيُقالُ: قَوْلُكَ حَقٌّ، وكَلِمَتُكَ حَقٌّ، وأقْوالُكم حَقٌّ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُ الحَقِّ عَلى المَدْحِ لِلْوِلايَةِ، وعَلى المَدْحِ لِلَّهِ تَعالى بِإضْمارِ ( هو ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا ﴾ ؛ أيْ: هو أفْضَلُ ثَوابًا مِمَّنْ يُرْجى ثَوابُهُ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَوْ كانَ غَيْرُهُ يُثِيبُ لَكانَ ثَوابُهُ أفْضَلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: ( عُقْبًا ) مَضْمُومَةَ القافِ.

وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: ( عُقْبًا ) ساكِنَةَ القافِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ما كانَ [ عَلى ] ( فِعْلٍ ) جازَ تَخْفِيفُهُ، كالعُنُقِ والطُّنُبِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العُقُبُ، والعُقْبُ، والعُقْبى، والعاقِبَةُ، بِمَعْنًى، وهي الآَخِرَةُ، والمَعْنى: عاقِبَةُ طاعَةِ اللَّهِ خَيْرٌ مِن عاقِبَةِ طاعَةِ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِن السَماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ ﴿ أو يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا ﴾ ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا ﴾ ﴿ هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا ﴾ هَذا التَرَجِّي بِـ "عَسى" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في الآخِرَةِ، وتَمَنِّي ذَلِكَ في الآخِرَةِ أشْرَفُ مَقْطَعًا، وأذْهَبُ مَعَ الخَيْرِ والصَلاحِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الدُنْيا أذْهَبُ في نِكايَةِ هَذا المُخاطَبِ، وأشَدُّ إيلامًا لِنَفْسِهِ.

و"الحُسْبانُ": العَذابُ كالبَرْدِ والصَرِّ ونَحْوَهُ، واحِدُ الحُسْبانِ: حُسْبانَةٌ، وهي المَرامِي مِن هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وهي سِهامٌ تُرْمى دَفْعَةً بِآلَةٍ لِذَلِكَ.

و"الصَعِيدُ": وجْهُ الأرْضِ، و"الزَلَقُ": الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، يَعْنِي أنَّهُ تَذْهَبُ أشْجارُهُ ونَباتُهُ، ويَبْقى أرْضًا قَدْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها حَتّى مَنفَعَةَ المَشْيِ، فَهي وحْلٌ لا تُنْبِتُ ولا تَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ.

وَ "الغَوْرُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الماءُ المُفْرَدُ والمِياهُ الكَثِيرَةُ، كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ وامْرَأةُ عَدْلٌ ونَحْوَهُ، ومَعْناهُ: ذاهِبًا في الأرْضِ لا يُسْتَطاعُ تَناوُلُهُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُورًا" بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "غُؤُرًا" بِضَمِّ الغَيْنِ وهَمْزِ الواوِ، و"غَوْرٌ" مِثْلُ "نَوْحٍ" يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَظَلُّ جِيادُها نَوْحًا عَلَيْهِ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا وهَذا كَثِيرٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ الآيَةُ.

هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن إحاطَةِ العَذابِ بِحالِ هَذا المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الثَمَرِ، غَيْرَ أنَّ الإحاطَةَ كِنايَةٌ عن عُمُومِ العَذابِ والفَسادِ.

و ﴿ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴾ يُرِيدُ: يَضَعُ بَطْنَ إحْداهُما عَلى ظَهْرِ الأُخْرى، وذَلِكَ فِعْلُ المُتَلَهِّفِ المُتَأسِّفِ عَلى فائِتٍ أو خَسارَةٍ أو نَحْوَها، ومَن عَبَّرَ بِـ "يُصَفِّقُ" فَلَمْ يُتْقِنْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ يُرِيدُ أنَّ السُقُوفَ وقَعَتْ، وهي العُرُوشُ، ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الحَيِّطانُ عَلَيْها، فَهي خاوِيَةٌ والحَيِّطانُ عَلى العُرُوشِ.

﴿ وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا ﴾ ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي حِكايَةٌ عن قَوْلِ الكافِرِ هَذِهِ المَقالَةَ في الآخِرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ قالَها في الدُنْيا عَلى جِهَةِ التَوْبَةِ بَعْدَ حُلُولِ المُصِيبَةِ، ويَكُونُ فِيها زَجْرٌ لِلْكَفَرَةِ مِن قُرَيْشٍ أو غَيْرِهِمْ؛ لِئَلّا تَجِيءَ لَهم حالٌ يُؤْمِنُونَ فِيها بَعْدَ نِقَمٍ تَحُلُّ بِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "وَلَمْ تَكُنْ" بِالتاءِ عَلى لَفْظِ الفِئَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ: "وَلَمْ يَكُنْ" بِالياءِ عَلى المَعْنى.

و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ الَّتِي يَلْجَأُ إلى نَصْرِها، قالَ مُجاهِدٌ: هي العَشِيرَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهِيَ عِنْدِي مِن: فاءَ يَفِيءُ، وزْنُها فِعْلَةٌ "فِيئَةٌ" حُذِفَتِ العَيْنَ تَخْفِيفًا، وقَدْ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: هي مِن فَأوتُ ولَيْسَتْ مِن فاءَ، وهَذا الَّذِي قالُوهُ أدْخَلَ في التَصْرِيفِ، والأوَّلُ أحْكَمٌ في المَعْنى.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةٌ تَنْصُرُهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "هُنالِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ: "مُنْتَصِرًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الوَلايَةُ" مُبْتَدَأً و"هُنالِكَ" خَبُرُهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الوِلايَةُ" بِكَسْرِ الواوِ، وهي بِمَعْنى الرِياسَةِ والزَعامَةِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ: "الوَلايَةُ" بِفَتْحِ الواوِ، وهي بِمَعْنى المُوالاةِ والصِلَةِ ونَحْوَهُ، ويُحْكى عن أبِي عَمْرُو، والأصْمَعِيُّ أنَّ كَسْرَ الواوِ هُنا لَحْنٌ؛ لِأنَّ (فِعالَةَ) إنَّما تَجِيءُ فِيما كانَ صَنْعَةً أو مَعْنًى مُتَقَلَّدًا، ولَيْسَ هُنا تَوَلِّي أمْرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والكِسائِيُّ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى جِهَةِ النَعْتِ لِ "الوَلايَةُ"، وقَرَأ الباقُونَ: "الحَقِّ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "لِلَّهِ الحَقَّ" بِالنَصْبِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عُقُبًا" بِضَمِّ العَيْنِ والقافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والحَسَنُ: "عُقْبًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ القافِ وتَنْوِينِ الباءِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا: "عُقْبى" بِياءِ التَأْنِيثِ.

والعُقْبُ والعُقُبُ بِمَعْنى المُعاقَبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان صاحبه المؤمن رجلاً صالحاً فحقق الله رجاءه، أو كان رجلاً محدّثاً من محدّثي هذه الأمة، أو من محدّثي الأمم الماضية على الخلاف في المعنيّ بالرجلين في الآية، ألهمهُ الله معرفة ما قدره في الغيب من عقاب في الدنيا للرجل الكافر المتجبر.

وإنما لم تعطف جملة ﴿ وأحيط ﴾ بفاء التفريع على رجاء صاحبه المؤمن إذ لم يتعلق الغرض في هذا المقام بالإشارة إلى الرجل المؤمن، وإنما المهم التنبيه على أن ذلك حادث حل بالكافر عقاباً له على كفره ليعلم السامعون أن ذلك جزاء أمثاله وأن ليس بخصوصية لدعوة الرجل المؤمن.

والإحاطة: الأخذ من كل جانب، مأخوذة من إحاطة العدو بالقوم إذا غزاهم.

وقد تقدمت في قوله تعالى: ﴿ إلا أن يحاط بكم ﴾ في سورة يوسف (66) وقوله: ﴿ إن ربك أحاط بالناس ﴾ في سورة الإسراء (60).

والمعنى: أُتلف ماله كله بأن أُرسل على الجنة والزرع حُسبانٌ من السماء فأصبحت صعيداً زلقاً وهلكت أنعامه وسُلبت أمواله، أو خسف بها بزلزال أو نحوه.

وتقدم اختلاف القراء في لفظ ثُمر } آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وكان له ثمر ﴾ [الكهف: 34].

وتقليب الكفين: حركة يفعلها المتحسر، وذلك أن يقلبهما إلى أعلى ثم إلى قبالته تحسراً على ما صرفه من المال في إحداث تلك الجنة.

فهو كناية عن التحسر، ومثله قولهم: قرَع السن من نَدم، وقوله تعالى: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ [آل عمران: 119].

والخاوية: الخالية، أي وهي خالية من الشجر والزرع، والعُروش: السُقُف.

و(على) للاستعلاء.

وجملة على عروشها } في موضع الحال من ضمير ﴿ خاوية ﴾ .

وهذا التركيب أرسله القرآن مثلاً للخرَاب التام الذي هو سقوط سقوف البناء وجدرانه.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ﴾ في سورة البقرة (259)، على أن الضمير مراد به جدران القرية بقرينة مقابلته بعروشها، إذ القرية هي المنازل المركبة من جدران وسُقف، ثم جعل ذلك مثلاً لكل هلاك تام لا تبقى معه بقية من الشيء الهالك.

وجملة ويقول} حكاية لتندمه على ما فرط منه حين لا ينفعه الندم بعد حلول العذاب.

والمضارع للدلالة على تكرر ذلك القول منه.

وحرف النداء مستعمل في التلهف.

و(ليتني) تمننٍ مراد به التندم.

وأصل قولهم (يا ليْتنِي) أنه تنزيل للكلمة منزلة من يعقل، كأنه يخاطب كلمة (ليت) يقول: احضُري فهذا أوانك، ومثله قوله تعالى: ﴿ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ﴾ سورة الزمر (56).

وهذا ندم على الإشراك فيما مضى وهو يؤذن بأنه آمن بالله وحده حينئذٍ.

وقوله: ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } موعظة وتنبيه على جزاء قوله: ﴿ وأعز نفراً ﴾ [الكهف: 34].

والفئة: الجماعة.

وجملة ﴿ ينصرونه ﴾ صفة، أي لم تكن له فئة هذه صفتها، فإن فئته لم تغن عنه من عذاب الله.

وقوله: ﴿ وما كان منتصراً ﴾ أي ولا يكون له انتصار وتخلص من العذاب.

وقرأه الجمهور ﴿ ولم تكن ﴾ بمثناة فوقية اعتداداً بتأنيث ﴿ فئة ﴾ في اللفظ.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف «يكن» بالياء التحتية.

والوجهان جائزان في الفعل إذا رفَع ما ليس بتحقيقي التأنيث.

وأحاط به هذا العقاب لا لمجرد الكفر، لأن الله قد يمتع كافرين كثيرين طول حياتهم ويملي لهم ويسْتدرجهم.

وإنما أحاط به هذا العقاب جزاء على طغيانه وجعله ثروته وماله وسيلة إلى احتقار المؤمن الفقير، فإنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى التكذيب بوعد الله استحق عقاب الله بسلب تلك النعم عنه كما سلبت النعمة عن قارون حين قال: ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ [القصص: 78].

وبهذا كان هذا المثل موضع العبرة للمشركين الذين جعلوا النعمة وسيلة للترفع عن مجالس الدعوة لأنها تجمع قوماً يرونهم أحط منهم وطلبوا من النبي طردهم عن مجلسه كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ أيْ أُهْلِكَ مالُهُ، وهَذا أوَّلُ ما حَقَّقَ اللَّهُ بِهِ إنْذارَ أخِيهِ.

﴿ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ نَدَمًا عَلى ما أنْفَقَ فِيها وأسَفًا عَلى ما تَلِفَ.

الثّانِي: يُقَلِّبُ مِلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ وهَلَكَ؛ لِأنَّ المِلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ، مِن قَوْلِهِمْ في يَدِهِ مالٌ، أيْ في مِلْكِهِ.

﴿ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ أيْ مُنْقَلِبَةٌ عَلى عالِيها، فَجَمَعَ عَلَيْهِ بَيْنَ هَلاكِ الأصْلِ والثَّمَرِ، وهَذا مِن أعْظَمِ الجَوائِحِ مُقابَلَةً عَلى بَغْيِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِئَةَ الجُنْدُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: العَشِيرَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَما كانَ مُنْتَصِرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما كانَ مُمْتَنِعًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: وما كانَ مُسْتَرِدًّا بَدَلَ ما ذَهَبَ مِنهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُما الرَّجُلانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الصّافّاتِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ وهَذا مَثَلٌ قِيلَ إنَّهُ ضُرِبَ لِسَلْمانَ وخَبّابٍ وصُهَيْبٍ مَعَ أشْرافِ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ ﴾ يَعْنِي القِيامَةُ.

وَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ اللَّهَ تَعالى في القِيامَةِ فَلا يَبْقى مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ إلّا تَوَلّاهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّى جَزاءَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الوَلايَةَ مَصْدَرُ الوَلاءِ فَكَأنَّهم جَمِيعًا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو الوَلِيُّ قالَهُ الأخْفَشُ.

الرّابِعُ: أنَّ الوَلايَةَ النَّصْرُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَ الوَلايَةِ بِفَتْحِ الواوِ وبَيْنَ الوِلايَةِ بِكَسْرِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِفَتْحِ الواوِ: لِلْخالِقِ، وبِكَسْرِها: لِلْمَخْلُوقِينَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّها بِالفَتْحِ في الدِّينِ، وبِكَسْرِها في السُّلْطانِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الحسبان العذاب.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ حسباناً من السماء ﴾ قال: ناراً.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول: بقية معشر صبت عليهم ** شآبيب من الحسبان شهب وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ حسباناً من السماء ﴾ قال: ناراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ قال: مثل الجزر.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ حسباناً من السماء ﴾ قال: عذاباً ﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أي قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء ﴿ أو يصبح ماؤها غوراً ﴾ أي ذاهباً قد غار في الأرض ﴿ وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه ﴾ قال يصفق ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ متلهفاً على ما فاته.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ صعيداً زلقاً ﴾ قال: الصعيد الأملس، والزلق التي ليس فيها نبات ﴿ وأحيط بثمره ﴾ قال: بثمر الجنتين فأهلكت ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ يقول: ندامة عليها ﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ قال: قلب أسفلها أعلاها.

وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك في قوله: ﴿ أحيط بثمره ﴾ قال: أحاط به أمر الله فهلك.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولم تكن له فئة ﴾ قال: عشيرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم تكن له فئة ﴾ قال: عشيرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم تكن له فئة ﴾ أي جند يعينونه ﴿ من دون الله وما كان منتصراً ﴾ أي ممتنعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن مبشر بن عبيد قال: ﴿ الولاية ﴾ الدين والولاية ما أتولى.

وأخرج الحاكم وصححه، عن صهيب أن- النبي صلى الله عليه وسلم- لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: (لم ينصره النفر الذين افتخر بهم في قوله: ﴿ وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ ) (١) قال الفراء والزجاج: ( ﴿ يَنْصُرُونَهُ ﴾ محمول على معنى الفئة، ولو حمل على لفظها لقيل: تنصره، كما قال: ﴿ فِئَةٌ تُقَاتِلُ  ﴾ ) (٢) ﴿ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴾ بأن يسترد بدل ما ذهب منه.

قال الزجاج: (وما كان هو أيضًا قادر على نصرة نفسه) (٣) وقال قتادة: (وما كان ممتنعًا) (٤) ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا  ﴾ إلى آخر الآية، وما أعد للمؤمنين في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  ﴾ الآيتان.

(١) ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة.

انظر: "جامع البيان" 15/ 250 - 251، "بحر العلوم" 2/ 300، "الجامع لأحكلام القرآن" 10/ 410، "إرشاد العقل السليم" 5/ 224، "روح المعاني" 15/ 284.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 145، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 289.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 289.

(٤) "جامع البيان" 15/ 251، "النكت والعيون" 3/ 308، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 410، "الدر المنثور" 4/ 407.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لكنا هُوَ الله رَبِّي ﴾ قرأ الجمهور بإثبات الألف في الوقف وحذفها في الوصل، والأصل على هذا لكن أنا، ثم ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها، وحذفت ثم أدغمت النون في النون، وقرأ ابن عامر بإثبات الألف في الوصل والوقف، ويتوجه ذلك بأن تكون لحقتها نون الجماعة التي في خرجنا وضربنا، ثم أدغمت النون في النون ﴿ ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ﴾ الآية: وصية من المؤمن للكافر، ولولا تحضيض ﴿ فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ﴾ يحتمل أن يريد في الدنيا أو الآخرة ﴿ حُسْبَاناً ﴾ أي أمراً مهلكاً كالحر والبرد ونحو ذلك ﴿ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ الصعيد: وجه الأرض، والزلق الذي لا يثبت فيه قدم يعني أنه تذهب أشجاره ونباته.

﴿ غَوْراً ﴾ أي غائراً ذاهباً وهو مصدر وصف به ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ عبارة عن هلاكها ﴿ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴾ عبارة عن تلهفه وتأسفه وندمه ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ يريد أن السقف وقعت وهي العروش، ثم تهدمت الحيطان عليها، والحيطان على العروش وقيل: إن كرومها المعروشة سقطت على عروشها، ثم سقطت الكروم عليها ﴿ وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ ﴾ قال ذلك على وجه التمني لما هلك بستانه، أو على وجه التوبة من الشرك ﴿ هُنَالِكَ ﴾ ظرف يحتمل أن يكون العامل فيه منتصراً، أو يكون في موضع خبر ﴿ الولاية لِلَّهِ ﴾ بكسر الواو بمعنى الرياسة والملك، وبفتحها من الموالاة والمودة ﴿ وَخَيْرٌ عُقْباً ﴾ أي عاقبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وفجرنا ﴾ بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس ﴿ له ثمر ﴾ وكذا ﴿ بثمره ﴾ بفتح الثاء والميم: يزيد.

وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم.

الباقون بضم الثاء والميم جميعاً ﴿ منها ﴾ على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون على التثنية ﴿ لكن ﴾ بالتشديد من غير ألف في الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل.

الباقون بغير الألف واتفقوا على الألف في الوقف ﴿ بربي أحد ﴾ مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ أن ترني ﴾ فتح الياء: السرانديبي عن قنبل ﴿ غوراً ﴾ بضم الغين وكذلك في ﴿ الملك ﴾ البرجمي الباقون بفتحها.

﴿ ولم يكن له ﴾ بياء الغيبة ﴿ الولاية ﴾ بكسر الواو: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو ﴿ لله الحق ﴾ بالرفع: أبو عمرو وعلي.

الآخرون بالجر ﴿ عقباً ﴾ بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف.

الباقون بضمها ﴿ الريح ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.

الوقوف: ﴿ من كتاب ربك ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ ملتحداً ﴾ ه ﴿ عنهم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً محذوف الألف لدلالة حال العتاب.

﴿ فرطاً ﴾ ه ﴿ فليكفر ﴾ لا لأن الأمر للتهديد بدليل ﴿ إنا أعتدنا ﴾ فلو فصل صار مطلقاً ﴿ ناراً ﴾ ، لأن ما بعده صفة ﴿ سرادقها ﴾ ط ﴿ الوجوه ﴾ ط ﴿ الشراب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ عملاً ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ أولئك ﴾ مع ما بعده خبر ﴿ إن الذين ﴾ وقوله: ﴿ إنا لا نضيف ﴾ جملة معترضة ﴿ الأرائك ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ط ﴿ مرتفقاً ﴾ ه ﴿ زرعاً ﴾ ه، ط ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ نهراً ﴾ ه ط ﴿ ثمر ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ نفراً ﴾ ، ج ﴿ لنفسه ﴾ ج لاتحاد العامل بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ه ط ﴿ قائمة ﴾ لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ﴿ منقلباً ﴾ ه ﴿ رجلاً ﴾ ، ه ط لتمام الاستفهام ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ لا لاتمام المقول ﴿ إلا بالله ﴾ ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له ﴿ وولداً ﴾ ه، ج لاحتمال كون ما بعده جواباً للشرط ﴿ زلقاً ﴾ ه ﴿ طلباً ﴾ ه ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ منتصرا ﴾ ، ط وقيل: يوقف على ﴿ هنالك ﴾ والأوجه أن يبتدأ بـ ﴿ هنالك ﴾ أي عند ذلك يظهر لكل شاك سلطان الله ونفاد أمره ﴿ الحق ﴾ ط على القراءتين ﴿ عقباً ﴾ ه ﴿ الرياح ﴾ ط ﴿ مقتدراً ﴾ ه ﴿ زينة الحياة الدنيا ﴾ ج مفصلاً بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي مع اتفاق الجملتين ﴿ أملاً ﴾ .

التفسير: لما أجب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه  أن يواظب على تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل عليه، واحتمل أن يكون ﴿ اتل ﴾ أمراً من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: ﴿ من كتاب ربك ﴾ بيان للذي أوحي إليه.

ثم بين سبب اللزوم فقال: ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ﴿ ولن تجد من دونه ملتحداً ﴾ أي ملجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضاً: وأصل اللحد الميل كما مر في قوله: ﴿ يلحدون في أسمائه  ﴾ نهى رسول الله  في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ﴿ ولا تطرد الذين  ﴾ الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم بقوله: ﴿ ولا تعد عيناك ﴾ قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعاً كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم.

ثم نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: ﴿ ولا تطع من أغفلنا قلبه ﴾ قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشي لا يتصور إلا مع الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين.

وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه غافلاً بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ﴿ واتبع هواه ﴾ بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في القلب لقيل" فاتبع" بالفاء.

ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير كلية، فقد يكون الإنسان غافلاً عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى متوقفاً متحيراً ﴿ وكان أمره فرطاً ﴾ أي متجاوزاً عن حد الاعتدال من قولهم "فرس فرط" إذا كان متقدماً للخيل، ويلزم منه أن يكون نابذاً للحق وراء ظهره.

وأنت إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلباً لمرضاته فأقبلوا على الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى.

وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازاً من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه.

ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلاً ﴿ وقل الحق من ربكم ﴾ أي الدين الحق حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء.

وقال في الكشاف: الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره.

وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه الله فيه.

فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه  لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين.

ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: ﴿ إنا أعتدنا ﴾ أي أعددنا وهيأنا ﴿ للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ﴾ وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت  للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج.

وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم.

وقيل: هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله ﴿ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب  ﴾ وقوله: ﴿ يغاثوا بماء ﴾ وارد على سبيل التهكم كقولهم "عتابك السيف".

والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش.

وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت.

وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران.

وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: ﴿ تسقى من عين آنية  ﴾ وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم ﴿ أفيضوا علينا من الماء  ﴾ ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ عن النبي  " "هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه" وهذا معنى قوله: ﴿ يشوي الوجوه بئس الشراب ﴾ ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها ﴿ وساءت ﴾ أي النار ﴿ مرتفقاً ﴾ متكئاً لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه.

قال جار الله: هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة ﴿ وحسنت مرتفقاً ﴾ وإلا فلا ارتفاق لأهل النار إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين.

وقال قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعاً لأولئك الرفقاء.

ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية فإن جعلت ﴿ إنا لا نضيّع ﴾ اعتراضاً فظاهر وإن جعلته خبراً و ﴿ أولئك ﴾ خبراً آخر أو كلاماً مستأنفاً للأجر أو بياناً لمبهم فمعنى العموم في ﴿ من أحسن ﴾ يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير ﴿ من أحسن عملاً ﴾ منهم.

وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي "التوبة" و "الرعد".

ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي والباس الستر.

ولم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ للتعظيم وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن.

و"من" في ﴿ من أساور ﴾ للابتداء وفي ﴿ من ذهب ﴾ للتبيين.

وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: ﴿ وحلوا أساور من فضة  ﴾ وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ﴿ ولؤلؤاً  ﴾ وجمع في لباس الستر بين السندس - وهو مارق من الديباج - وبين الاستبرق - وهو الغليظ منه - جمعاً بين النوعين والاستبرق عند بعضهم معرب استبره.

قيل: إنما لم يسم فاعل ﴿ يحلون ﴾ إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرماً وجوداً ونسب اللبس إليهم تنبيهاً على أنهم استوجبوه بعملهم، ثم وصفهم بهيئة المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم.

والأرائك جمع أريكة وهو السرير المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة.

ثم إن الكفار كانوا يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب الله مثلاً للطائفتين تنبيهاً على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الغني فقيراً والفقير غنياً إنما الفخر بالأعمال الصالحات.

والمراد مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما كافر- اسمه فطروس - والآخر مؤمن - اسمه يهوذا - وقيل: هما المذكوران في سورة "والصافات" في قوله: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين  ﴾ ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللَّهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللَّهم إن أخي بنى داراً بألف وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به.

ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللَّهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور.

ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللَّهم إني إشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به.

ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه على التصدق بماله.

وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله  ، وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد.

أما قوله: ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء ومعناه جعلنا النخيل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا أمكن.

﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ فهما جامعتان للأقوات والفواكه.

وفيه أنهما مع سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل وقت بمنعفة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام الأكل.

﴿ وآتت ﴾ محمول على لفظ ﴿ كلتا ﴾ لأن لفظه مفرد.

ولو قيل: "آتتا".

على المعنى لجاز.

والظلم أصله النقصان وهو المراد ههنا.

﴿ وفجرنا ﴾ من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار ﴿ وكان له ثمر ﴾ قال الكسائي: الثمرة اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون.

وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، والثمر بالفتح حمل الشجر.

وقال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكناً من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء.

والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع.

والنفر الأنصار والحشم الذين يقومون بالذب عنه.

وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الإناث.

ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله  ﴿ ودخل جنته ﴾ فقال جار الله: معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما.

قلت: لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنةواحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ وإنما وصفه بقوله: ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان واضعاً للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج  ﴾ عكس الكافر القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلاً ﴿ ما أظن أن تبيد ﴾ أي تهلك ﴿ هذه ﴾ الجنة ﴿ أبداً ﴾ وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل العقلية والحسية على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلاً ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ثم أقسم على أنه إن رد إلى ره فرضاً وتقديراً وكما يزعم صاحبه أن له رباً وأنه سيرد إليه وجد خيراً من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلاً وإنما تكون استحقاقاً وكرامة.

﴿ منقلباً ﴾ نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من هذه لكونها فانية حساً أو في اعتقادكم.

قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة المردود إليه فلهذا قال: ﴿ ولئن رددت ﴾ أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد أبداً إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في "حم" قال هناك: ﴿ ولئن رجعت إلى ربي  ﴾ ، قوله: ﴿ أكفرت ﴾ زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه أنكر البعث.

وأقول: يحتمل أن يكون كافراً بالله أيضاً بل مشركاً لقوله بعد ذلك: ﴿ يا ليتني لم أشرك بربي أحداً ﴾ ولقول أخيه معرضاً به ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾ وليس في قوله: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ دلالة على أنه كان عارفاً بربه لاحتمال أن يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه.

وقوله: ﴿ خلقك من تراب ﴾ أي خلق أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة.

وقوله: ﴿ من نطفة ﴾ إشارة إلى مادته القريبة.

ومعنى ﴿ سوّاك رجلاً ﴾ عدلك وكلك حال كونك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون ﴿ رجلاً ﴾ تمييزاً.

ولعل السر في تخصيص الله  في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون دليلاً على وجود الصانع أولاً، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان أقرب الاستدلالات، وفيه أيضاً إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيراً لا غنياً علم منه أنه خلقه للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار، ثم استدرك لقوله ﴿ أكفرت ﴾ كأنه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد.

وأصل ﴿ لكنا ﴾ "لكن أنا" حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم استثقل اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية وضمير الغائب للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر "أنا" والراجع ياء الضمير وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي.

قال أهل العربية: إثبات ألف "أنا" في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف الهمزة ﴿ ولولا ﴾ للتخفيض وفعله.

قلت: ﴿ وإذ دخلت ﴾ ظرف وقع في البين توسعاً.

وقوله: ﴿ ما شاء الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان.

استدل أهل السنة بالآية في أنه لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته.

وأجاب الكعبي بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد.

والجواب أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل "السماء فوقنا".

وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده قوله ﴿ لا قوة إلا بالله ﴾ أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره.

عن عروه بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج.

ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: ﴿ إن ترن أنا أقل ﴾ فـ"أنا" فصل و ﴿ أقل ﴾ مفعول ثان ﴿ مالاً وولداً ﴾ نصب على التمييز ﴿ فعسى ربي أن يؤتيني ﴾ في الدنيا أو في الآخرة جنة ﴿ خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً ﴾ هو مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقداراً وقع في حساب الله وهو الحكم بتخريبها.

وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك.

وقيل: هو جمع حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق.

﴿ فتصبح صعيداً زلقاً ﴾ أرضاً بيضاء يزلق عليها زلقاً لملاستها.

وزلقاً وغوراً كلاهما بالمصدر كقولهم "فلان زور وصوم".

ثم أخبر  عن تحقيق ما قدر المؤمن فقال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ وهو عبارة عن إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدوّ بالشخص كقوله: ﴿ إلا أن يحاط بكم  ﴾ ، ﴿ فأصبح يقلب كفيه ﴾ أي يندم ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ لأن النادم يفعل كذلك غالباً كما قد يعض أنامله.

﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ أي سقطت عروشها على الأرض وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير.

وقوله: ﴿ يا ليتني لم أشرك ﴾ تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافراً لإنكاره البعث فسره بأن الكافر لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساوياً لخلقه في هذا الباب وهو نوع من الإشراك.

وليس هذا الكلام منه ندماً على الشرك ورغبة في التوحيد المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعاً في دوام ذلك عليه، فلهذا لم يصر ندمه مقبولاً ووصفه بعد ذلك بقوله: ﴿ ولم يكن له فئة ﴾ طائفة ﴿ ينصرونه من دون الله ﴾ لأنه وحده قادر على نصرة العباد.

﴿ وما كان منتصراً ﴾ ممتنعاً بقوته عن انتقام الله.

ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل ﴿ هنالك ﴾ أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو ﴿ الولاية لله الحق ﴾ والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول الكافر ﴿ يا ليتني ﴾ إنما صدر عنه إلجاءً واضطراراً وجزعاً ومما دهاه من شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها.

وقيل: ﴿ هنالك ﴾ إِشارة إلى الآخرة كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله  ﴾ ﴿ عقباً ﴾ بضم القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط.

ثم ضرب مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال ﴿ واضرب لهم ﴾ الآية.

وقد مر مثله في أوائل "يونس" ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء ﴾ ومعنى ﴿ فاختلط به ﴾ التف بسببه.

وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من الجانبين.

والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب.

تقول: ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً.

﴿ وكان الله على كل شيء مقتدراً ﴾ من تكونيه أوّلاً وتنميته وسطاً وإذهابه آخراً.

ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به.

وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: ﴿ المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات ﴾ هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ﴿ خير عند ربك ثواباً ﴾ أي تعلق ثواب وخير أملاً لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم مأمول.

وقيل: هن الصلوات الخمس.

وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

ففي التسبيح تنزيه له عن كل مالاً ينبغي، وفي الحمد إقرار له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في الإمكان متصفاً بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجلّ من أن يعظم.

وقيل: الطيب من القول.

والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قاله قتادة.

التأويل: ﴿ واتل ﴾ على نفسك ﴿ وما أوحي إليك من كتاب ﴾ كتبه ﴿ ربك ﴾ في الأزل ﴿ لا مبدل لكلماته ﴾ إلى الأبد مع الذين ﴿ يدعون ربهم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفى في غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت على طاعة الهوى وطلب الدنيا.

﴿ ولا تعد ﴾ عينا همتك ﴿ عنهم ﴾ فإنك إن لم تراقب أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ﴿ ولا تطع من أغفلنا ﴾ يعني: النفس ناراً هي نار القهر والغضب ﴿ أحاط بهم سرادقها ﴾ يعني سرادق العزة ﴿ بماء كالمهل ﴾ كل ما هو لأهل اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه  جعل لأهل القهر سبباً لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم الأرواح، وفسدت استعداداتهم فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة ﴿ يحلون فيها من أساور ﴾ والتحلية بالأساور إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: ﴿ من ذهب ﴾ رمز إلى أنها ملكات مستحسنة معتدلة راسخة ﴿ يلبسون ثياباً ﴾ فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم وتشتمل بهم.

وقوله: ﴿ خضراً ﴾ إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة و ﴿ من سندس ﴾ إشارة إلى ما لطف من الرياضات ﴿ واستبرق ﴾ إلى ما شق منها ﴿ متكئين فيها على الأرائك ﴾ لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من المشاهدات ﴿ مثلاً رجلين ﴾ هما النفس الكافرة والقلب المؤمن.

﴿ جعلنا لأحدهما ﴾ وهو النفس ﴿ جنتين ﴾ هما الهوى والدنيا ﴿ من أعناب ﴾ الشهوات ﴿ وحففناهما بنخل ﴾ حب الرياسة ﴿ وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ من التمتعات البهيمية ﴿ وفجرنا خلالهما نهراً ﴾ من القوى البشرية والحواس.

﴿ وكان له ثمر ﴾ من أنواع الشهوات ﴿ وهو يحاوره ﴾ يجاذب النفس والقلب ﴿ أنا أكثر منك مالاً ﴾ أي ميلاً ﴿ وأعز نفراً ﴾ من أوصاف المذمومات ﴿ وهو ظالم لنفسه ﴾ في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى ﴿ لأجدن خيراً منها ﴾ لأنه غر بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ﴿ ما شاء الله ﴾ أي أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله ﴿ على ما أنفق فيها ﴾ من العمر وحسن الاستعداد ﴿ كما أنزلناه ﴾ هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد ﴿ فاختلط ﴾ الروح بالأخلاق الذميمة ﴿ فأصبح هشيماً ﴾ تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ﴿ تذروه ﴾ رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة طيبة.

﴿ والباقيات الصالحات ﴾ أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

جائز أن يكون هذا المثل كان في الأمم المتقدمة وكتبهم، سئل رسول الله عن ذلك ليعلم وليتبين لهم صدقه بأنه رسول الله  على ما يدعي على ما سئل هو عن قصة ذي القرنين وبنائه ونبأ أصحاب الكهف وأخبارهم؛ ليتبين لهم صدقه؛ إذ علموا أن تلك الأنباء والقصص لا يعلم ولا يعرفها إلا من علم كتاب الله؛ إذ كان ذلك في كتب الله، وهو لم يعرف تلك الكتب؛ لأنها كانت بغير لسانه، ولم يروه اختلف إلى من يعرفها ليتعلم منه، ثم أنبأهم على ما كان في كتبهم، فدل أن ذلك إنما عرف بالله وأنه صادق فيما يدعي من الرسالة، على هذا يجوز أن يقال - والله أعلم - فيكون في ذلك آية لرسالته ونبوته.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ...

﴾ إلى آخره، أي: اضرب لهم مثلك ومثلهم مثل رجلين، فيكون مثلك ومثلهم مثل ما ذكر من رجلين ...

إلى آخره.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ...

﴾ أي: اضرب للمعتبرين والمتوسمين مثل رجلين، كل رجلين هذا سبيلهما، يرغب أحدهما في الدنيا وزينتها ويطلبها لا يرى غيرها، والآخر يرغب في الزهد فيها وترك الطلب لها والرغبة في الآخرة، فإن كان على هذا أو ما ذكرنا من ضرب مثله ومثل أولئك، فهو على الابتداء، فيخرج على الاعتبار والتفكر فيما ذكر تنبيها وإيقاظاً، وإن كان على السؤال عما كان فهو ليس على الاعتبار، ولكن على الإنباء أنه رسول، ففيه آية لرسالته ونبوته.

ثم قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً ﴾ ، أي: بين الجنتين، ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا ﴾ ، أي: حملها، ولم يقل: (آتتا أكلهما)، خرج على اسم واحد وإن كان في المعنى على التثنية، وذلك جائز في اللغة؛ كقولك: كلتا المرأتين صالحة، وكلانا صالح، وفيه قول الشاعر: كلانا شاعر من حي صدق *** ولكن الرحى نقلوا الثفالي وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ أي: لم تنقص من ثمرها شيئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً ﴾ أي: أجرينا بينهما مياها جارية.

وقوله: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ قال بعضهم: من قرأ: ﴿ ثَمَرٌ ﴾ بالرفع فهو كل ما كان يملك من الجنان وغيرها، ومن قرأ بالنصب فهو على الثمر.

وقال بعضهم: الثمر بالنصب فهو الثمر، والثمر بالرفع فهو جميع الثمار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ﴾ يكلمه أو يجيبه أو ينازعه ويناظره: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا الخطاب منه على الابتداء؛ لأنه لا يصلح على الابتداء؛ فيشبه أن يكون كان من صاحبه له وعيد وتخويف، فعند ذلك قال له ما ذكر.

أو أن يكون قال: يعطيني ربي في الآخرة مثل ذلك أو خيراً منها، فقال له عند ذلك: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ ، أي: قد تفضل علي في الدنيا وفضلني عليك فيفضلني أيضاً في الآخرة عليك، حيث قال: ﴿ لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ إن كان ما تزعم صدقا أنا نبعث ونرد إلى الله وإلا على الابتداء لا يصلح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ .

يحتمل: أي: ظالم نفسه، ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ لِّنَفْسِهِ ﴾ : بدنه، وهو ظالم المعنى الذي يكون في النفس به يستعملها فيما تستعمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ مَآ أَظُنُّ ﴾ ، أي: ما أثق وما أعلم.

وقال بعضهم: هو الظن؛ لأن صاحبه كان يناظره فيه، فاضطرب في فنائها وقيام الساعة فشك فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً ﴾ ما دامت نفسه، أو كأنه لم يشاهد الهلاك، ولم ينظر إليه؛ فقال ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ ، أي: لو رددت إلى ربي - على ما تزعم - [لأجدن] خيرا منها منقلبا إن كنت صادقاً.

وقوله: ﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ .

أي: خلق أصلك من تراب، وخلقك من نطفة، ثم سواك رجلا، أي: صححك وقومك رجلا.

جائز أن يكون محاجته إياه في هذه، لإنكاره البعث، أي: كفرت وأنكرت قدرة الله على البعث والإعادة، وهو خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، فأنت إذا مت وهلكت تصير تراباً أو ماء، فإذا قدر على خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من ماء [فإنه] لقادر على إعادتك وبعثك بعد ما صرت تراباً أو ماء.

أو يكون محاجته في إنكاره حكمة الله؛ فيقول: خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، ثم سواك رجلا وصححك؛ فإن لم يبعثك ويعدك كان خلقك وخلق أصلك بما ذكر عبثاً غير حكمة؛ إذ من بنى بناء ثم نقضه على غير قصد الانتفاع به كان في بنائه عابثاً في الابتداء تائها سفيها غير حكيم؛ فعلى ذلك: خلقك وخلق أصلك من غير إعادة من بعد يكون سفهاً على غير حكمة، وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ الآية [المؤمنون: 115]: صير خلقهم على غير رجوع إليه عبثاً.

أو يكون محاجته في تسفيهه إياه في عبادته غير الله، يقول: أكفرت نعمة الذي خلق أصلك من تراب، وخلق نفسك من نطفة، ثم سواك صحيحاً، فصرفت شكر نعمه إلى غيره، وعبدت غيره على هذه الوجوه الثلاثة.

ويحتمل محاجته إياه إما في إنكار قدرته في بعثه وإعادته، أو إنكاره الحكمة في البعث، أو في إنكاره نعمه وصرفه الشكر إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ .

كأنه قال: لكن الذي خلق أصلك من تراب، وخلق أصلك من نطفة هو ربي، ولا أشرك بربي أحداً.

وقال الخليل: ﴿ لَّٰكِنَّاْ ﴾ إنما هو على تأويل: لكني أنا أقول هو الله ربي؛ كقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ  ﴾ إنهم حين ألقوا الألف من (أنا) أثبتوها بعد النون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ﴾ ، نظرت إلى ما أنعم الله عليك وقمت بشكره دون أن اشتغلت بازدرائي، ونظرت إلى قلة ذات حالي ويدي، واشتغلت بالافتخار علي، وكذلك قال: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً ﴾ .

ثم ذكر طعمه ورجاءه على ربه وخوفه؛ حيث قال: ﴿ فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

ويرسل على جنتك حسبانا من السماء.

قال أهل التأويل: الحسبان: العذاب، إلا أن أبا بكر الأصم قال: عذابا على حساب ما عملوا، وذلك جزاؤه في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين أهلكهما؛ حيث قال: ﴿ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ...

﴾ الآية [سبأ: 17].

وقال أبو عوسجة: ﴿ حُسْبَاناً ﴾ أي: عذاباً زاده على حساب ما عملوا، وذلك جزاؤه في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين له، والحسبان: الصغار من النبل، والحسبانة واحدة، والحسبان جمع، والأول عذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ : الذي ليس عليه نبت، و ﴿ زَلَقاً ﴾ ، أي: تسوية.

وقال القتبي: الصعيد: الأملس المستوي، والزلق: الذي يزول عنه الأقدام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً ﴾ من السماء، أي عذاباً، فتصير ﴿ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ أملس لا نبات عليها، أو يذهب بمائها؛ فتهلك بذهاب الماء؛ إذ هلاك البساتين يكون بذهاب الماء مرة، وبالعذاب النازل عليها ثانيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن تستطيع له طلبا، أي: تصير بحال لا تستطيع له طلبا، أو لن تستطيع له وجوداً.

وقال في قوله: ﴿ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ ﴾ ، بالنصب؛ لأن الكلام مبني على قوله: ﴿ إِن تَرَنِ ﴾ ، وجعل ﴿ أَنَاْ ﴾ صلة، وأمّا قوله: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ ﴾ فوصف ﴿ أَنَاْ ﴾ بـ ﴿ أَكْثَرُ ﴾ ؛ فارتفع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ .

أي: أهلك بثمره.

﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ .

هكذا عادة الناس: أنهم إذا أصابهم خسران أو مصيبة، يقلبون كفهم بعضهم على بعض؛ على الندم والحسرة على ما فات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ .

قيل: ساقطة على عروشها.

ويحتمل ﴿ خَاوِيَةٌ ﴾ : ذاهبة البركة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً ﴾ .

إن كان هذا القول في الدنيا؛ فذلك منه توبة؛ لأن التوبة هي الندامة على ما كان منه.

وقال بعضهم: هذا القول منه في الآخرة، فإن كان في الآخرة فإنه لا ينفعه ذلك، والله أعلم، وهكذا كل كافر يؤمن في الآخرة، لكن لا ينفعه.

وقوله: ﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً ﴾ .

هذا - والله أعلم - مقابل ما قال: ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ﴾ ، أي: لم يغنه عن عذاب الله ما ذكر من النصر، ولا قدر أن يقوم بنفسه منتصراً بالمال الذي ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ .

قال بعضهم: عند ذلك.

وقال بعضهم: هنالك، أي: هكذا ولاية الله، ثم اختلف في تلاوته وتأويله: قرأ بعضهم ﴿ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ﴾ بالفتح، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (هنالك الوَلاية لله الغفور وهو الحقُّ): بالرفع، وفي حرف حفصة: (وهنالك الملك والولاية لله الغفور ذي الرحمة).

وقرأ بعضهم: ﴿ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: الولاية الحق لله، و ﴿ ٱلْوَلاَيَةُ ﴾ بالنصب من الموالاة.

قال ابن عباس -  -: لا يبقى أحد إلا تولى الله وآمن به وعلم أنه حق، والولاية بالكسر من الإمارة والملك على ما ذكر في حرف حفصة.

وفي حرف أبيّ (هنالك الولايةُ لله الحق لله) يقرأ: الولايةُ لله وهو الحقُّ، ويقرأ: هَنَالِكَ الولايةُ للهِ الْحَقِّ، بالخفض، ويقرأ: هنالك الولايةُ الحقُّ لله.

وذكر هذا المثل لرسول الله - والله أعلم - لأن فيه دلالة رسالته، وحجة توحيد الله وقدرته وسلطانه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ﴾ ، أي: ثواب هذا المؤمن منها أفضل ثواباً في الآخرة وأفضل عاقبة من عقبى ذلك الكافر.

قال ابن عباس -  - قوله: ﴿ وَٱضْرِبْ لهُمْ ﴾ : يعني: لأهل مكة ﴿ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ﴾ : أخوين من بني مخزوم: أحدهما مسلم والآخر كافر، وهما الرجلان اللذان ذكرهما الله في سورة الصافات: ﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ : تصدق المسلم منهما بماله وطلب الآخرة، وطلب الآخر به الدنيا.

وعن ابن مسعود قال: كانا أخوين ورثا من أبيهما مالا فاقتسماه، فأما أحدهما التمس بماله الدنيا وزينتها، وأمّا الآخر تصدَّق به وطلب الآخرة حتى لم يبق له شيء إلى هذا يذهب هؤلاء، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولم تكن لهذا الكافر جماعة يمنعونه مما حل به من عقاب، وهو الذي كان يفتخر بجماعته، وما كان هو ممتنعًا من إهلاك الله لحديقته.

<div class="verse-tafsir" id="91.gpzkX"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله