الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٤٩ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 90 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٩ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ووضع الكتاب ) أي : كتاب الأعمال ، الذي فيه الجليل والحقير ، والفتيل والقطمير ، والصغير والكبير ( فترى المجرمين مشفقين مما فيه ) أي : من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ، ( ويقولون ياويلتنا ) أي : يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ( مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) أي : لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر ( إلا أحصاها ) أي : ضبطها ، وحفظها .
وروى الطبراني ، بإسناده المتقدم في الآية قبلها ، إلى سعد بن جنادة قال : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين ، نزلنا قفرا من الأرض ، ليس فيه شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اجمعوا ، من وجد عودا فليأت به ، ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به .
قال : فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أترون هذا ؟
فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا .
فليتق الله رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة ، فإنها محصاة عليه " وقوله : ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ) أي : من خير أوشر كما قال تعالى : ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) [ آل عمران : 30 ] ، وقال تعالى : ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) [ القيامة : 13 ] وقال تعالى : ( يوم تبلى السرائر ) [ الطارق : 9 ] أي : تظهر المخبآت والضمائر .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، عن ثابت ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لكل غادر لواء يوم القيامة [ يعرف به " .
أخرجاه في الصحيحين ، وفي لفظ : " يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة ] عند استه بقدر غدرته ، يقال : هذه غدرة فلان بن فلان " وقوله : ( ولا يظلم ربك أحدا ) أي : فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعا ، ولا يظلم أحدا من خلقه ، بل يعفر ويصفح ويرحم ويعذب من يشاء ، بقدرته وحكمته وعدله ، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي ، [ ثم ينجي أصحاب المعاصي ] ويخلد فيها الكافرون وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم ، قال تعالى : ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] وقال : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) [ الأنبياء : 47 ] والآيات في هذا كثيرة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا همام بن يحيى ، عن القاسم بن عبد الواحد المكي ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلي ، فسرت عليه شهرا ، حتى قدمت عليه الشام ، فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب : قل له : جابر على الباب .
فقال : ابن عبد الله ؟
فقلت : نعم .
فخرج يطأ ثوبه ، فاعتنقني واعتنقته ، فقلت : حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص ، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة - أو قال : العباد - عراة غرلا بهما " قلت : وما بهما ؟
قال : " ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد ، كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ، وله عند أحد من أهل الجنة حق ، حتى أقصه منه ، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، وله عند رجل من أهل النار حق ، حتى أقصه منه حتى اللطمة " .
قال : قلنا : كيف ، وإنما نأتي الله - عز وجل - حفاة عراة غرلا بهما ؟
قال : بالحسنات والسيئات " .
وعن شعبة ، عن العوام بن مزاحم ، عن أبي عثمان ، عن عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة " رواه عبد الله بن الإمام أحمد وله شواهد من وجوه أخر ، وقد ذكرناها عند قوله : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ) [ الأنبياء : 47 ] وعند قوله تعالى : ( إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) [ الأنعام : 38 ]
القول في تأويل قوله تعالى : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) يقول عزّ ذكره: ووضع الله يومئذ كتاب أعمال عباده في أيديهم، فأخذ واحد بيمينه وأخذ واحد بشماله ( فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ) يقول عزّ ذكره: فترى المجرمين المشركين بالله مشفقين، يقول: خائفين وجلين مما فيه مكتوب من أعمالهم السيئة التي عملوها في الدنيا أن يؤاخذوا بها( وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا ) يعني أنهم يقولون إذا قرءوا كتابهم، ورأوا ما قد كُتب عليهم فيه من صغائر ذنوبهم وكبائرها، نادوا بالويل حين أيقنوا بعذاب الله، وضجوا مما قد عرفوا من أفعالهم الخبيثة التي قد أحصاها كتابهم، ولم يقدروا أن ينكروا صحتها .
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا ) اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء، ولم يشتك أحد ظلما، فإياكم والمحقَّرات من الذنوب، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه ، ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب لها مثلا يقول كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتى نـزلوا بفلاة من الأرض، وحضر صنيع القوم، فانطلق كلّ رجل يحتطب، فجعل الرجل يجيء بالعود، ويجيء الآخر بالعود، حتى جمعوا سوادا كثيرا وأجَّجوا نارا، فإن الذنب الصغير ، يجتمع على صاحبه حتى يهلكه ، وقيل: إنه عنى بالصغيرة في هذا الموضوع: الضحك.
* ذكر من قال ذلك: حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا عبد الله بن داود، قال: ثنا محمد بن موسى، عن الزيال بن عمرو، عن ابن عباس ( لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً ) قال: الضحك.
حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبي، قال: حدثتني أمي حمادة ابنة محمد، قالت: سمعت أبي محمد بن عبد الرحمن يقول في هذه الآية في قول الله عزّ وجلّ: ( مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا ) قال: الصغيرة: الضحك.
ويعني بقوله: ( مَالِ هَذَا الْكِتَابِ ) : ما شأن هذا الكتاب ( لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً ) يقول: لا يبقي صغيرة من ذنوبنا وأعمالنا ولا كبيرة منها( إِلا أَحْصَاهَا ) يقول: إلا حفظها( وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا ) في الدنيا من عمل (حَاضِرًا) في كتابهم ذلك مكتوبا مثبتا، فجوزوا بالسيئة مثلها، والحسنة ما الله جازيهم بها( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) يقول: ولا يجازي ربك أحدا يا محمد بغير ما هو أهله، لا يجازي بالإحسان إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئة إلا أهل السيئة، وذلك هو العدل.
قوله تعالى : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا قوله تعالى : ووضع الكتاب الكتاب اسم جنس ، وفيه وجهان : أحدهما : أنها كتب الأعمال في أيدي العباد ; قاله مقاتل .
الثاني : أنه وضع الحساب ; قاله الكلبي ، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة .
والقول الأول أظهر ; ذكره ابن المبارك قال : أخبرنا الحكم أو أبو الحكم - شك نعيم - عن إسماعيل بن عبد الرحمن عن رجل من بني أسد قال : قال عمر لكعب : ويحك يا كعب حدثنا من حديث الآخرة ; قال : نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ فلم يبق أحد من الخلائق إلا وهو ينظر إلى عمله - قال - ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنثر حول العرش ، وذلك قوله - تعالى - : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها قال الأسدي : الصغيرة ما دون الشرك ; والكبيرة الشرك ، إلا أحصاها - قال كعب ; ثم يدعى المؤمن فيعطى كتابه بيمينه فينظر فيه فإذا حسناته باديات للناس [ ص: 374 ] وهو يقرأ سيئاته لكيلا يقول كانت لي حسنات فلم تذكر فأحب الله أن يريه عمله كله حتى إذا استنقص ما في الكتاب وجد في آخر ذلك كله أنه مغفور وأنك من أهل الجنة ; فعند ذلك يقبل إلى أصحابه ثم يقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه ثم يدعى بالكافر فيعطى كتابه بشماله ثم يلف فيجعل من وراء ظهره ويلوى عنقه ; فذلك قوله وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فينظر في كتابه فإذا سيئاته باديات للناس وينظر في حسناته لكيلا يقول أفأثاب على السيئات .
وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول : يا ويلتاه ضجوا إلى الله - تعالى - من الصغائر قبل الكبائر .
قال ابن عباس : الصغيرة التبسم ، والكبيرة الضحك ; يعني ما كان من ذلك في معصية الله - عز وجل - ; ذكره الثعلبي .
وحكى الماوردي عن ابن عباس أن الصغيرة الضحك .قلت : فيحتمل أن يكون صغيرة إذا لم يكن في معصية ، فإن الضحك من المعصية رضا بها والرضا بالمعصية معصية ، وعلى هذا تكون كبيرة ، فيكون وجه الجمع هذا والله أعلم .
أو يحمل الضحك فيما ذكر الماوردي على التبسم ، وقد قال - تعالى - : فتبسم ضاحكا من قولها .
وقال سعيد بن جبير : إن الصغائر اللمم كالمسيس والقبل ، والكبيرة المواقعة والزنا .
وقد مضى في " النساء " بيان هذا .
قال قتادة : اشتكى القوم الإحصاء وما اشتكى أحد ظلما ، فإياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه .
وقد مضى .
ومعنى أحصاها عدها وأحاط بها ; وأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعا .أحصاها ووجدوا ما عملوا أي وجدوا إحصاء ما عملوا حاضرا وقيل : وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا .حاضرا ولا يظلم ربك أي لا يأخذ أحدا بجرم أحد ، ولا يأخذه بما لم يعمله ; قاله الضحاك .
وقيل : لا ينقص طائعا من ثوابه ولا يزيد عاصيا في عقابه .
فحينئذ تحضر كتب الأعمال التي كتبتها الملائكة الكرام فتطير لها القلوب، وتعظم من وقعها الكروب، وتكاد لها الصم الصلاب تذوب، ويشفق منها المجرمون، فإذا رأوها مسطرة عليهم أعمالهم، محصى عليهم أقوالهم وأفعالهم، قالوا: { يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا } أي: لا يترك خطيئة صغيرة ولا كبيرة، إلا وهي مكتوبة فيه، محفوظة لم ينس منها عمل سر ولا علانية، ولا ليل ولا نهار، { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا } لا يقدرون على إنكاره { وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } فحينئذ يجازون بها، ويقررون بها، ويخزون، ويحق عليهم العذاب، ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد، بل هم غير خارجين عن عدله وفضله.
قوله عز وجل : ( ووضع الكتاب ) يعني : كتب [ أعمال العباد ] توضع في أيدي الناس في أيمانهم وشمائلهم وقيل : معناه توضع بين يدي الله تعالى ( فترى المجرمين مشفقين ) خائفين ( مما فيه ) من الأعمال السيئة ( ويقولون ) إذا رأوها ( يا ويلتنا ) يا هلاكنا و " الويل " و " الويلة " : الهلكة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ومعنى النداء تنبيه المخاطبين ( ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ) من ذنوبنا .
قال ابن عباس : " الصغيرة " : التبسم و " الكبيرة " : القهقهة وقال سعيد بن جبير : " الصغيرة " : اللمم واللمس والقبلة و " الكبيرة " : الزنا .
( إلا أحصاها ) عدها قال السدي : كتبها وأثبتها قال مقاتل بن حيان حفظها .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنبأنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام أنبأنا أبو الحسن أحمد بن يسار القرشي حدثنا يوسف بن عدي المصري حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض عن أبي حازم قال : لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن واد فجاء هذا بعود وجاء هذا بعود فأنضجوا خبزهم وإن محقرات الذنوب لموبقات .
قوله تعالى : ( ووجدوا ما عملوا حاضرا ) مكتوبا مثبتا في كتابهم ( ولا يظلم ربك أحدا ) أي لا ينقص ثواب أحد عمل خيرا .
وقال الضحاك : لا يؤاخذ أحدا بجرم لم يعمله .
وقال عبد الله بن قيس : " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما العرضتان : فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة : فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " ورفعه بعضهم عن أبي موسى .
«ووضع الكتاب» كتاب كل امرئ في يمينه من المؤمنين وفي شماله من الكافرين «فترى المجرمين» الكافرين «مشفقين» خائفين «مما فيه ويقولن» عند معاينتهم ما فيه من السيئات «يا» للتنبيه «ويلتنا» هلكتنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة» من ذنوبنا «إلا أحصاها» عدها وأثبتها تعجبوا منه في ذلك «ووجدوا ما عملوا حاضرا» مثبتا في كتابهم «ولا يظلم ربك أحدا» لا يعاقبه بغير جرم ولا ينقص من ثواب مؤمن.
ووُضِع كتاب أعمال كل واحد في يمينه أو في شماله، فتبصر العصاة خائفين مما فيه بسبب ما قدموه من جرائمهم، ويقولون حين يعاينونه: يا هلاكنا!
ما لهذا الكتاب لم يترك صغيرة مِن أفعالنا ولا كبيرة إلا أثبتها؟!
ووجدوا كل ما عملوه في الدنيا حاضرًا مثبتًا.
ولا يظلم ربك أحدًا مثقال ذرة، فلا يُنقَص طائع من ثوابه، ولا يُزاد عاص في عقابه.
ثم صور - سبحانه - أحوال المجرمين عندما يرون مصيرهم السيئ فقال - تعالى - : ( وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ) .والمراد بالكتاب : جنسه ، فيشمل جميع الصحف التى كتبت فيها أعمال المكلفين فى دار الدنيا .أى : وأحضرت صحائف أعمال العباد ، ووضعت فى ميزانهم ( فترى ) - أيها المخاطب - ( المجرمين ) كافة ، مشفقين ، خائفين ، مما فيه من جرائم وذنوب ( ويقولون ) على سبيل التفجع والتحسر عند معاينتهم لثقل ميزان سيئاتهم ، وخفة ميزان حسناتهم .( يا ويلتنا ) .
والويلة : الهلاك وحلول الشر والقبح والحسرة ، وهو - أى لفظ الويلة - : مصدر لا فعل له من لفظه .وهذا النداء على التشبيه بشخص يطلب إقباله .أى : ويقولون بأسف وندامة وحسرة : يا هلاكنا أقبل فهذا أوان إقبالك .ثم يقولون على سبيل التعجب والدهشة من دقة ما اشتمل عليه هذا الكتاب : ( مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ) ؟أى : أى شئ ثبت لهذا الكتاب ، حيث نراه لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها علينا ، وسجلها فى صحف أعمالنا .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه .
ونفاذ قدرته وكمال عدله ، فقال : ( وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) .أى : ووجدوا ما عملوه فى الدنيا حاضرا ومسطورا فى صحائف أعمالهم ، ولا يظلم ربك أحدا من العباد ، وإنما يجازى كل إنسان على حسب ما يستحقه من ثواب أو عقاب كما قال - سبحانه - : ( وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) وكما قال - عز وجل - : ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) قال الإِمام ابن كثير وقوله : ( وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) أى : فيحكم بين عباده فى أعمالهم جميعها ، ولا يظلم أحدا من خلقه ، بل يغفر ويصفح ويرحم ، ويعذب من يشاء ، بقدرته وحكمته وعدله .
اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ والمقصود منه الرد على المشركين الذي افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا في الناصب لقوله: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ على وجوه: أحدها: أنه يكون التقدير واذكر لهم: ﴿ يَوْمٍ نُسَيّرُ الجبال ﴾ عطفاً على قوله: ﴿ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا ﴾ .
الثاني: أنه يكون التقدير: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ حصل كذا وكذا يقال لهم: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ لأن القول مضمر في هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم: هذا في هذا الموضع.
الثالث: أن يكون التقدير ﴿ خَيْرٌ أَمَلاً ﴾ في ﴿ يَوْمٍ نُسَيّرُ الجبال ﴾ والأول أظهر.
إذا عرفت هذا فنقول: إنه ذكر في الآية من أحوال القيامة أنواعاً.
النوع الأول: قوله: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم فاعله الجبال بالرفع بإسناد تسير إليه اعتباراً بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الجبال سُيّرَتْ ﴾ والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه (تعالى و) الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتباراً بقوله: ﴿ وحشرناهم فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾ والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله سبحانه.
ونقل صاحب الكشاف قراءة أخرى وهي تسير الجبال بإسناد تسير إلى الجبال.
البحث الثاني: قوله: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال ﴾ ليس في لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى: ﴿ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَآ أَمْتًا ﴾ ولقوله: ﴿ وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنۢبَثًّا ﴾ والنوع الثاني: من أحوال القيامة قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الأرض بَارِزَةً ﴾ وفي تفسيره وجوه: أحدها: أنه لم يبق على وجهها شيء من العمارات، ولا شيء من الجبال، ولا شيء من الأشجار، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها، وهو المراد من قوله: ﴿ لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً ﴾ .
وثانيها: أن المراد من كونها بارزة أنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ وقوله: ﴿ وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا ﴾ وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ .
وثالثها: أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال والبحار، فلما أفنى الله تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع بعد أن كانت مستورة.
والنوع الثالث: من أحوال القيامة قوله: ﴿ وحشرناهم فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾ والمعنى جمعناهم للحساب فلم نغادر منهم أحداً، أي لم نترك من الأولين والآخرين أحداً إلا وجمعناهم لذلك اليوم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ومعنى لم نغادر لم نترك، يقال: غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر ترك الوفاء، ومنه الغدير لأنه ما تركته السيول، ومنه سميت ضفيرة المرأة بالغديرة لأنها تجعلها خلفها.
ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم، فقال: ﴿ وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الصف وجوه: أحدها: أنه تعرض الخلق كلهم على الله صفاً واحداً ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضاً، قال القفال: ويشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز، ومنه اشتق الصفصف للصحراء.
وثانيها: لا يبعد أن يكون الخلق صفوفاً يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفاً صفوفاً كقوله: ﴿ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ أي أطفالاً.
وثالثها: صفاً أي قياماً، كما قال تعالى: ﴿ فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَافَّ ﴾ قالوا قياماً.
المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: ﴿ وَجَاء رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً ﴾ يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفاً، وكذلك قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضاً عليه، لا على أنه تعالى يحضر في مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم، ثم قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه، لأنهم خلقوا صغاراً ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ عراة حفاة بغير أموال ولا أعوان ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا * فرادى كَمَا خلقناكم أول مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بئاياتنا وَقَالَ لأَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ - إلى قوله- ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا ﴾ أي كنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار تنكرون البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن البعث والقيامة حق، ثم قال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ والمراد أنه يوضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، والمراد الجنس وهو صحف الأعمال: ﴿ فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ أي خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة وخائفين من ظهور ذلك لأهل الموقف فيفتضحون، وبالجملة يحصل لهم خوف العقاب من الحق وخوف الفضيحة عند الخلق ويقولون يا ويلتنا ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات: ﴿ مَّالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ وهي عبارة عن الإحطاة بمعنى لا يترك شيئاً من المعاصي سواء كانت أو كبيرة إلا وهي مذكورة في هذا الكتاب ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ كِرَامًا كَٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة: ﴿ إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ إلا ضبطها وحصرها، قال بعض العلماء: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر.
لأن تلك الصغائر هي التي جرتهم إلى الكبائر فاحترزوا من الصغائر جداً: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا ﴾ في الصحف عتيداً أو جزاء ما عملوا: ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ معناه أنه لا يكتب عليه ما لم يفعل، ولا يزيد في عقابه المستحق، ولا يعذب أحداً بجرم غيره، بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الجبائي: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في مسائل: أحدها: أنه لو عذب عباده من غير فعل صدر منهم لكان ظالماً.
وثانيها: أنه لا يعذب الأطفال بغير ذنب.
وثالثها: بطلان قولهم لله أن يفعل ما يشاء ويعذب من غير جرم لأن الخلق خلقه إذ لو كان كذلك لما كان لنفي الظلم عنه معنى لأن بتقدير أنه إذا فعل أي شيء أراد لم يكن ظلماً منه لم يكن لقوله إنه لا يظلم فائدة فيقال له.
أما الجواب عن الأولين فهو المعارضة بالعلم والداعي، وأما الجواب عن هذا الثالث فهو أنه تعالى قال: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ﴾ ولم يدل هذا على أن اتخاذ الولد صحيح عليه فكذا هاهنا.
المسألة الثانية: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة يوسف، وأيوب، وسليمان.
فيدعو بالمملوك ويقول له: ما شغلك عني فيقول جعلتني عبداً للآدمي فلم تفرغني، فيدعو يوسف عليه السلام، ويقول: كان هذا عبداً مثلك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى النار، ثم يدعو بالمبتلي فإذا قال شغلتني بالبلاء دعا بأيوب عليه السلام فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع ما آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان عليه السلام فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر ما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك ويؤمر به إلى النار».
وعن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن جسده فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه كيف عمل به».
المسألة الثالثة: دلت الآية على إثبات صغائر وكبائر في الذنوب، وهذا متفق عليه بين المسلمين إلا أنهم اختلفوا في تفسيره فقالت المعتزلة: الكبيرة ما يزيد عقابه على ثواب فاعله، والصغيرة ما ينقص عقابه عن ثواب فاعله، واعلم أن هذا الحد إنما يصح لو ثبت أن الفعل يوجب ثواباً وعقاباً وذلك عندنا باطل لوجوه كثيرة ذكرناها في سورة البقرة، في إبطال القول بالإحباط والتكفير بل الحق عندنا أن الطاعات محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكل ما كان أقوى في كونه جهلاً بالله كان أعظم في كونه كبيرة، وكل ما كان أقوى في كونه إضراراً بالغير كان أكثر في كونه ذنباً أو معصية فهذا هو الضبط.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الكتاب ﴾ للجنس وهو صحف الأعمال ﴿ ياويلتنا ﴾ ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات ﴿ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ هنة صغيرة ولا كبيرة، وهي عبارة عن الإحاطة، يعني: لا يترك شيئاً من المعاصي إلاّ أحصاه، أي: أحصاها كلها كما تقول: ما أعطاني قليلاً ولا كثيراً؛ لأن الأشياء إمّا صغار وإمّا كبار.
ويجوز أن يريد: وإمّا كان عندهم صغائر وكبائر.
وقيل: لم يجتنبوا الكبائر فكتبت عليهم الصغائر وهي المناقشة.
وعن ابن عباس: الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة.
وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس، والكبيرة الزنا.
وعن الفضيل: كان إذا قرأها قال: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر ﴿ إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ إلاّ ضبطها وحصرها ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا ﴾ في الصحف عتيداً.
أو جزاء ما عملوا ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ فيكتب عليه ما لم يعمل.
أو يزيد في عقاب المستحق، أو يعذبه بغير جرم، كما يزعم من ظُلْم الله في تعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ ﴾ شَبَّهَ حالَهم بِحالِ الجُنْدِ المَعْرُوضِينَ عَلى السُّلْطانِ لا لِيَعْرِفَهم بَلْ لِيَأْمُرَ فِيهِمْ.
﴿ صَفًّا ﴾ مُصْطَفِّينَ لا يَحْجُبُ أحَدٌ أحَدًا.
﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ حالًا أوْ عامِلًا في يَوْمَ نُسَيِّرُ.
﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ عُراةً لا شَيْءَ مَعَكم مِنَ المالِ والوَلَدِ كَقَوْلِهِ ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ﴾ أوْ أحْياءً كَخِلْقَتِكُمُ الأُولى لِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ﴾ وقْتًا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ وأنَّ الأنْبِياءَ كَذَبُوكم بِهِ، وبَلْ لِلْخُرُوجِ مِن قِصَّةٍ إلى أُخْرى.
﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ صَحائِفُ الأعْمالِ في الأيْمانِ والشَّمائِلِ أوْ في المِيزانِ وقِيلَ هو كِنايَةٌ عَنْ وضْعِ الحِسابِ.
﴿ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ﴾ خائِفِينَ.
﴿ مِمّا فِيهِ ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.
﴿ وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا ﴾ يُنادُونَ هَلَكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ.
﴿ مالِ هَذا الكِتابِ ﴾ تَعَجُّبًا مِن شَأْنِهِ.
﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ﴾ هِنَةً صَغِيرَةً.
﴿ وَلا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ إلّا عَدَّدَها وأحاطَ بِها.
﴿ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ﴾ مَكْتُوبًا في الصُّحُفِ.
﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ فَيَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ أوْ يَزِيدُ في عِقابِهِ المُلائِمِ لِعَمَلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)
{وَوُضِعَ الكتاب} أي صحف الأعمال {فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ} خائفين {مِمَّا فِيهِ} من الذنوب {وَيَقُولُونَ يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} أي لا يترك شيئاً من المعاصي {إِلاَّ أَحْصَاهَا} حصرها وضبطها {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا} في الصحف عتيداً أو جزاء ما عملوا {وَلاَ يظلم ربك أحدا} فيكتب عليه مالم يعمل أو يزيد في عقابه أو يعذبه بغير جرم
﴿ ووُضِعَ الكِتابُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ وعُرِضُوا ﴾ داخِلٌ تَحْتَ الأُمُورِ الهائِلَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِذِكْرِ وقْتِها تَحْذِيرُ المُشْرِكِينَ كَما مَرَّ، وإيرادُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقَرُّرِ والمُرادُ مِنَ الكِتابِ كُتُبُ الأعْمالِ فَ «ألْ» فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ، ومِن وضْعِهِ إمّا جَعْلُ كُلِّ كِتابٍ في يَدِ صاحِبِهِ اليَمِينِ أوِ الشَّمالِ، وإمّا جَعْلُ كُلٍّ في المِيزانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَعْلَ المَلائِكَةِ تِلْكَ الكُتُبَ في البَيْنِ لِيُحاسِبُوا المُكَلَّفِينَ بِما فِيها، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ كِتابًا واحِدًا بِأنْ تَجْمَعَ المَلائِكَةُ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- صَحائِفَ الأعْمالِ كُلَّها في كِتابٍ وتَضَعُهُ في البَيْنِ لِلْمُحاسَبَةِ ولَكِنْ لَمْ أجِدْ في ذَلِكَ أثَرًا، نَعَمْ قالَ اللَّقّانِيُّ في شَرْحِ قَوْلِهِ في جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ: وواجِبٌ أخْذُ العِبادِ الصُّحُفا كَما مِنَ القُرْآنِ نَصًّا عُرِفا جَزَمَ الغَزالِيُّ بِما قِيلَ: إنَّ صُحُفَ العِبادِ يُنْسَخُ ما في جَمِيعِها في صَحِيفَةٍ واحِدَةٍ انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ جَزْمَ الغَزالِيِّ وأضْرابِهِ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ أثَرٍ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: وضْعُ الكِتابِ كِنايَةٌ عَنْ إبْرازِ مُحاسَبَةِ الخَلْقِ وسُؤالِهِمْ فَإنَّهُ إذْ أُرِيدَ مُحاسَبَةُ العُمّالِ جِيءَ بِالدَّفاتِرِ ووُضِعَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ ثُمَّ حُوسِبُوا فَأُطْلِقَ المَلْزُومُ وأُرِيدَ لازِمُهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا داعِيَ إلى ذَلِكَ عِنْدَنا، ورُبَّما يَدْعُو إلَيْهِ إنْكارُ وزْنِ الأعْمالِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «ووَضَعَ الكِتابَ» بِبِناءِ وضَعَ لِلْفاعِلِ وإسْنادِهِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ ونَصْبِ الكِتابِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أيْ: ووَضَعَ اللَّهُ الكِتابَ.
﴿ فَتَرى المُجْرِمِينَ ﴾ قاطِبَةً فَيَدْخُلُ فِيهِمُ الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والخِطابُ نَظِيرُ ما مَرَّ ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ خائِفِينَ ﴿ مِمّا فِيهِ ﴾ أيِ الكِتابِ مِنَ الجَرائِمِ والذُّنُوبِ لِتَحَقُّقِهِمْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ العَذابِ ﴿ ويَقُولُونَ ﴾ عِنْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا ﴿ يا ويْلَتَنا ﴾ نِداءٌ لِهَلَكَتِهِمُ الَّتِي هُلِكُوها مِن بَيْنِ الهَلَكاتِ فَإنَّ الوَيْلَةَ كالوَيْلِ الهَلاكُ ونِداؤُها عَلى تَشْبِيهِها بِشَخْصٍ يَطْلُبُ إقْبالَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا هَلاكُ أقْبِلْ فَهَذا أوانُكَ فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ وفِيهِ تَقْرِيعٌ لَهم وإشارَةٌ إلى أنَّهُ لا صاحِبَ لَهم غَيْرُ الهَلاكِ، وقَدْ طَلَبُوهُ لِيَهْلَكُوا ولا يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ.
وقِيلَ: المُرادُ نِداءُ مَن بِحَضْرَتِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن بِحَضْرَتِنا انْظُرُوا هَلَكَتَنا، وفِيهِ تَقْدِيرٌ يَفُوتُ بِهِ تِلْكَ النُّكْتَةُ.
﴿ مالِ هَذا الكِتابِ ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهُ؟
والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ التَّعَجُّبِ مِن شَأْنِ الكِتابِ، ولامُ الجَرِّ رُسِمَتْ في الإمامِ مَفْصُولَةً، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ لا وجْهَ لِذَلِكَ، وقالَ البِقاعِيُّ: إنَّ في رَسْمِها كَذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ المُجْرِمِينَ لِشِدَّةِ الكَرْبِ يَقِفُونَ عَلى بَعْضِ الكَلِمَةِ، وفي لَطائِفِ الإشاراتِ وقَفَ عَلى «ما» أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ والباقُونَ عَلى اللّامِ والأصَحُّ الوَقْفُ عَلى «ما» لِأنَّها كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وأكْثَرُهم لَمْ يَذْكُرْ فِيها شَيْئًا اه.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الرَّسْمَ العُثْمانِيَّ مُتَّبَعٌ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ ولا يَكادُ يُعْرَفُ وجْهُهُ وفي حُسْنِ الوَقْفِ عَلى ما أوِ اللّامِ تَوَقُّفٌ عِنْدِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ ﴾ أيْ: لا يَتْرُكُ ﴿ صَغِيرَةً ﴾ أيْ: هَنَةً صَغِيرَةً ﴿ ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ أيْ: إلّا عَدَّها وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ مِنَ التَّعَجُّبِ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما شَأْنُ هَذا الكِتابِ حَتّى يُتَعَجَّبَ مِنهُ؟
فَقِيلَ: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ﴾ إلَخْ.
وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ تَفْسِيرُ الصَّغِيرَةِ بِالمَسِيسِ والكَبِيرَةِ بِالزِّنا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغِيبَةِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ إطْلاقُ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ في الرِّوايَةِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرُ الصَّغِيرَةِ بِالتَّبَسُّمِ والكَبِيرَةِ بِالضَّحِكِ ويَنْدَفِعُ اسْتِشْكالُ بَعْضِ الفُضَلاءِ ذَلِكَ ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الضَّحِكَ عَلى النّاسِ مِنَ الذُّنُوبِ.
«وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يَخْطُبُ ويَعِظُهم في ضَحِكِهِمْ مِنَ الرِّيحِ الخارِجِ بِصَوْتٍ وقالَ: عَلامَ يَضْحَكُ أحَدُكم مِمّا يَفْعَلُ؟» بَلْ ذَكَرَ بَعْضُ عُلَمائِنا أنَّ مِنَ الضَّحِكِ ما يَكْفُرُ بِهِ الضّاحِكُ كالضَّحِكِ عَلى كَلِمَةِ كُفْرٍ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِما إذا قَدَرَ عَلى أنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ وإلّا فَلا يَكْفُرُ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في مَحَلِّهِ، وكانَ الظّاهِرُ: لا يُغادِرُ كَبِيرَةً ولا صَغِيرَةً بِناءً عَلى ما قالُوا مِن أنَّ التَّرَقِّيَ في الإثْباتِ يَكُونُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى وفي النَّفْيِ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ؛ إذْ لا يَلْزَمُ مِن فِعْلِ الأدْنى فِعْلُ الأعْلى بِخِلافِ النَّفْيِ لَكِنْ قالَ المُحَقِّقُونَ: هَذا إذا كانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَإنْ كانَ كِنايَةً عَنِ العُمُومِ كَما هُنا وقَوْلِكَ: ما أعْطانِي قَلِيلًا ولا كَثِيرًا جازَ تَقْدِيمُ الأدْنى عَلى الأعْلى في النَّفْيِ كَما فَصَّلَهُ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ، وفي البَحْرِ قُدِّمَتِ الصَّغِيرَةُ اهْتِمامًا بِها، ورُوِيَ عَنِ الفَضِيلِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ الآيَةَ قالَ: ضَجُّوا واللَّهِ مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: اشْتَكى القَوْمُ كَما تَسْمَعُونَ الإحْصاءَ ولَمْ يَشْتَكِ أحَدٌ ظُلْمًا فَإيّاكم والمُحَقَّراتِ مِنَ الذُّنُوبِ؛ فَإنَّها تُجْمَعُ عَلى صاحِبِها حَتّى تُهْلِكَهُ.
﴿ ووَجَدُوا ما عَمِلُوا ﴾ في الدُّنْيا مِنَ السَّيِّئاتِ أوْ جَزاءَ ذَلِكَ ﴿ حاضِرًا ﴾ مَسْطُورًا في كِتابِ كُلٍّ مِنهم أوْ عَتِيدًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ نَقْدًا غَيْرَ مُؤَجَّلٍ، واخْتِيرَ المَعْنى الأخِيرُ وإنْ كانَ فِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ تَأْسِيسٌ مَحْضٌ ﴿ ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ بِما لَمْ يَعْمَلْهُ؛ أيْ: مِنهم أوْ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَتَجاوَزُ الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ في الثَّوابِ والعِقابِ وإنْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَعالى عَقْلًا، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ تَعالى وعَدَ بِإثابَةِ المُطِيعِ والزِّيادَةِ في ثَوابِهِ وبِتَعْذِيبِ العاصِي بِمِقْدارِ جُرْمِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ وأنَّهُ قَدْ يَغْفِرُ لَهُ ما سِوى الكُفْرِ، وأنَّهُ لا يُعَذِّبُ بِغَيْرِ جِنايَةٍ فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى لا يُجاوِزُ الحَدَّ الَّذِي حَدَّهُ ولا يُخالِفُ ما جَرَتْ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ الإلَهِيَّةُ فَلا يُعَذِّبُ أحَدًا بِما لَمْ يَعْمَلْهُ ولا يُنْقِصُ ثَوابَ ما عَمِلَهُ مِمّا أُمِرَ بِهِ وارْتَضاهُ ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ المُلائِمِ لِعَمَلِهِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ ولَمْ يَرْتَضِهِ، وهَذا مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ وإنِ اخْتَلَفُوا في أنَّ امْتِناعَ وُقُوعِ ما نُفِيَ هَلْ هو سَمْعِيٌّ أوْ عَقْلِيٌّ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ أهْلُ السُّنَّةِ وإلى الثّانِي المُعْتَزِلَةُ، وهَلْ تَسْمِيَةُ تِلْكَ المُجاوَزَةِ ظُلْمًا حَقِيقَةٌ أمْ لا؟
قالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّها حَقِيقَةٌ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَفْعَلُ بِأحَدٍ ما يَكُونُ ظُلْمًا لَوْ صَدَرَ مِنَ العِبادِ كالتَّعْذِيبِ بِلا ذَنْبٍ فَإنَّهُ لَوْ صَدَرَ مِنَ العِبادِ يَكُونُ ظُلْمًا ولَوْ صَدَرَ مِنهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ؛ لَأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مالِكُ المُلْكِ مُتَصَرِّفٌ في مُلْكِهِ كَيْفَ يَشاءُ فَلا يُتَصَوَّرُ في شَأْنِهِ -تَعالى شَأْنُهُ- ظُلْمٌ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا هو المَشْهُورُ لَدى الجُمْهُورِ لا ما اقْتَضاهُ التَّحْقِيقُ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ.
واسْتُدِلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ لا يُعَذَّبُونَ وهو القَوْلُ المَنصُورُ، وقَدْ أسْلَفْنا -ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ- ما يُؤَيِّدُهُ مِنَ الأخْبارِ <div class="verse-tafsir"
وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ، أي وضع كتاب كل امرئ منهم بيمينه أو بشماله، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ أي المشركين والمنافقين والعاصين.
مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، أي خائفين مما في الكتاب من الإحصاء.
وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا، يا ندامتنا مالِ هذَا الْكِتابِ لاَ يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً؟
يعني: الزلل والكبائر، ويقال: تبسماً وضحكاً، إِلَّا أَحْصاها يقول: حفظها عليهم، وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا في الكتاب حاضِراً من خير أو شر مكتوباً.
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، أي لا ينقص من ثواب أعمالهم ولا يزيد في سيّئاتهم.
قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الذين كانوا في الأرض مع إبليس: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ، قال بعضهم: كان أصله من الجن فلحق بالملائكة وجعل يتعبد معهم، وقال مقاتل: كان من الجن وهو جنس من الملائكة يقال لهم: الجن.
روي عن ابن عباس: «أنه كان من الملائكة الذين هم خزان الجنان» ، ويقال: كانَ مِنَ الْجِنِّ أي: صار من الجن، كقوله: فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود: 43] .
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أي تعظم من طاعة ربه وخرج عن طريق ربه.
يقال: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها.
أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي؟
أفتطيعونه وتتركون أمر الله، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟
أي أعداء، كقوله: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: 4] بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا، أي بئس ما استبدلوا عبادة الشيطان بعبادة الله تعالى، ويقال: بئس ما استبدلوا بولاية الله تعالى ولاية الشيطان.
<div class="verse-tafsir"
ولاَ قوَّة إِلا باللَّه» «١» وروي عن ابْنِ عباس وغيره أن الباقياتِ الصَّالحات الصَّلواتُ الخَمْس «٢» .
انتهى.
ت: وما تقدَّم أولى، ومن كلام الشيْخِ الوليِّ العارف أبي الحَسن الشَّاذِليِّ رضي اللَّه عنه قال: عليك بالمطهرِّات الخمس في الأقوال والمطهِّرات الخمس في الأفعال، والتبرِّي من الحول والقَّوة في جميع الأحوال، وغُصْ بعقلك إِلى المعاني القائمة بالقَلْب، واخرج عنها وعنه إِلى الرَّبّ واحفظِ اللَّه يحفظْك، واحفظ اللَّه تجدْهُ أمامك واعبد اللَّه بها، وكُنْ من الشاكرين، فالمطهِّراتُ الخمس في الأقوالِ: سُبْحَانَ اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلا بالله، والمطهِّراتُ الخَمْسُ في الأفعال: الصلواتُ الخمْسُ، والتبرِّي من الحول والقوة: هو قولُكَ: لا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً: يحتمل أن الأرض لِذَهَابِ الجبال، والضِّرابِ والشَّجَرِ- بَرَزَتْ، وانكشفَتْ ويحتملُ أن يريد بُرُوزَ أهلها من بطنها للحِشَرْ، و «المغادرة» : الترك، عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
، أي: صفوفاً وفي الحديث الصحيح:
«يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ صُفُوفاً يُسْمِعُهُمُ الدَّاعي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ ...
» الحديث «٣» بطوله، وفي حديثٍ آخَرَ: «أَهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا، أنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صفّا» «٤» .
وقوله سبحانه: قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
: يفسِّره قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنكُمْ تُحْشَرُونَ إِلى اللَّه حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ «٥» نُعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤] » .
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠)
وقوله سبحانه: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ...
الآية:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( ويَوْمَ تُسَيَّرُ ) بِالتّاءِ ( الجِبالُ ) رَفَعًا.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ ( الجِبالَ ) نَصْبًا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ويَوْمَ تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ السِّينِ وتَسْكِينِ الياءِ ( الجِبالُ ) بِالرَّفْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ وَيَوْمَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرُ يَوْمٍ تَسِيرُ الجِبالُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسِيرُ الجِبالُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، كَما يَسِيرُ السَّحابُ في الدُّنْيا، ثُمَّ تُكْسَرُ فَتَكُونُ في الأرْضِ كَما خَرَجَتْ مِنها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً ﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: ( وتُرى الأرْضُ بارِزَةً ) بِرَفْعِ التّاءِ والضّادِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ ضادَ ( الأرْضِ ) .
وَفِي مَعْنى ﴿ بارِزَةً ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [ ظاهِرَةٌ ] فَلَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن جَبَلٍ، أوْ شَجَرٍ، أوْ بِناءٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: بارِزًا أهْلُها مِن بَطْنِها، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَشَرْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ﴿ فَلَمْ نُغادِرْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: فَلَمْ نَخْلُفْ، يُقالُ: غادَرْتُ كَذا: إذا خَلَّفْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ماءٌ تُخَلِّفُهُ السُّيُولُ.
ورَوى أبانُ: ( فَلَمْ تُغادِرْ ) بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ﴾ إنْ قِيلَ: هَذا أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَكَيْفَ عَبَّرَ [ عَنْهُ ] بِالماضِي ؟
فالجَوابُ: أنَّ ما قَدْ عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ يَجْرِي مَجْرى المُعايِنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ .
وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ صَفًّا ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ﴾ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ مَصْفُوفِينَ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صُفُوفًا، فَنابَ الواحِدُ عَنِ الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا ﴾ .
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِ اللَّهِ مِنهم أحَدٌ، فَكانُوا كالصَّفِّ الَّذِي تَسْهُلُ الإحاطَةُ بِجُمْلَتِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ ( فَيُقالُ لَهم ) .
وَفِي المُخاطَبِينَ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُلُّ.
والثّانِي: الكُفّارُ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عامًّا والمَعْنى خاصًّا.
وقَوْلُهُ: ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ مُفَسَّرٌ في ( الأنْعامِ: ٩٤ ) .
وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ ﴾ خِطابُ الكُفّارِ خاصَّةً، والمَعْنى: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا ﴿ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ﴾ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي سُطِرَ فِيهِ ما تَعْمَلُ الخَلائِقُ قَبْلَ وُجُودِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الحِسابُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وضَعَ كِتابَ أعْمالِ العِبادِ في أيْدِيهِمْ، فَعَلى هَذا الكِتابِ اسْمٌ جِنْسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: [ هُمُ ] الكافِرُونَ.
وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ذُكِرَ في القُرْآَنِ، فالمُرادُ بِهِ: الكافِرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ ؛ أيْ: خائِفِينَ ﴿ مِمّا فِيهِ ﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، ﴿ وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا ﴾ هَذا قَوْلُ كُلِّ واقِعٍ في هَلَكَةٍ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ يا حَسْرَتَنا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ هَذا عَلى ظاهِرِهِ في صَغِيرِ الأُمُورِ وكَبِيرِها، وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الصَّغِيرَةُ: التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ: القَهْقَهَةُ.
وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ صَغائِرُ الذُّنُوبِ وكَبائِرُها، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ الضَّحِكُ والتَّبَسُّمُ مُجْرَّدَهُما مِنَ الذُّنُوبِ، وإنَّما المُرادُ أنَّ التَّبَسُّمَ مِن صِغارِ الأفْعالِ، والضَّحِكَ فِعْلٌ كَبِيرٌ، وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الصَّغِيرَةُ: التَّبَسُّمُ والِاسْتِهْزاءُ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ: القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَنْبًا مِنَ الذُّنُوبِ لِمَقْصُودِ فاعِلِهِ، لا لِنَفْسِهِ.
ومَعْنى ﴿ أحْصاها ﴾ : عَدَّها وأثْبَتَها، والمَعْنى: وُجِدَتْ مُحْصاةً.
﴿ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ﴾ ؛ أيْ: مَكْتُوبًا مُثْبَتًا في الكِتابِ.
وقِيلَ: رَأوْا جَزاءَهُ حاضِرًا.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: الصَّحِيحُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أنَّ صَغائِرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وُعِدُوا العَفْوَ عَنْها إذا اجْتَنَبُوا الكَبائِرَ، إنَّما يُعْفى عَنْها في الآَخِرَةِ بَعْدَ أنْ يَراها صاحِبُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: لا تَنْقُصُ حَسَناتُ المُؤْمِنِ ولا يُزادُ في سَيِّئاتِ الكافِرِ.
وقِيلَ: إنْ كانَ لِلْكافِرِ فِعْلُ خَيْرٍ، كَعِتْقِ رَقَبَةٍ وصَدَقَةٍ، خُفِّفَ عَنْهُ بِهِ مِن عَذابِهِ، وإنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ أخَذَ اللَّهُ مِنَ المُسْلِمِ فَصارَ الحَقُّ لِلَّهِ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمْرَ نَبِيَّهُ أنْ يَذْكُرَ هَؤُلاءِ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ قِصَّةَ إبْلِيسَ وما أُورِثَهُ الكِبْرُ، فَقالَ: ﴿ وَإذْ قُلْنا ﴾ ؛ أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ حَقِيقَةً لِهَذا النَّصِّ، واحْتَجَّ قائِلُوا هَذا بِأنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً - ولَيْسَ لِلْمَلائِكَةِ ذُرِّيَّةٌ - وأنَّهُ كَفَرَ، والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ، فَهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكُفْرِ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿ مِنَ الجِنِّ ﴾ ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن قَبِيلٍ مِنَ المَلائِكَةِ، يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٤ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، تَقُولُ العَرَبُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها: إذا خَرَجَتْ مِنهُ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ فِسْقِهِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو الحَقُّ عِنْدَنا.
والثّالِثُ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّ أمْرِ رَبِّهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قُطْرُبٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي ﴾ ؛ [ أيْ ]: تُوالُونَهم بِالِاسْتِجابَةِ لَهم.
قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: ذُرِّيَّتُهُ: أوْلادُهُ، وهم يَتَوالَدُونَ كَما يَتَوالَدُ بَنُو آَدَمَ.
قالَ مُجاهِدٌ: ذُرِّيَّتُهُ: الشَّياطِينُ، ومِن ذُرِّيَّتِهِ زَلَنْبُورُ صاحِبُ رايَةِ إبْلِيسَ بِكُلِّ سُوقٍ وثَبْرٍ، وهو صاحِبُ المَصائِبِ، والأعْوَرُ صاحِبُ الرِّياءِ، ومِسْوَطٌ صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيَطْرَحُها عَلى أفْواهِ النّاسِ فَلا يُوجَدُ لَها أصْلٌ، وداسِمٌ صاحِبُ الإنْسانِ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ ولَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَهو يَأْكُلُ مَعَهُ إذا أكَلَ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ الإنْسانِ في كِبْرٍ فَلا تَرْجُهُ، وإنْ كانَتْ في شَهْوَةٍ فارْجُهُ، فَإنَّ مَعْصِيَةَ إبْلِيسَ كانَتْ بِالكِبْرِ، ومَعْصِيَةُ آَدَمَ بِالشَّهْوَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِئْسَ الِاتِّخاذُ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا.
والثّانِي: بِئْسَ الشَّيْطانُ.
والثّالِثُ: بِئْسَ الشَّيْطانُ والذُّرِّيَّةُ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: ( ما أشْهَدْناهم ) بِالنُّونِ والألِفِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.
والثّانِي: المَلائِكَةُ.
والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.
والرّابِعُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، والمَعْنى: إنِّي لَمْ أُشاوِرْهم في خَلْقِهِنَّ، وفي هَذا بَيانٌ لِلْغَناءِ عَنِ الأعْوانِ وإظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: ما أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، ولا اسْتَعَنْتُ بِبَعْضِهِمْ عَلى إيجادِ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ ﴾ \[ يَعْنِي: الشَّياطِينَ \]، ﴿ عَضُدًا ﴾ ؛ أيْ: أنْصارًا وأعْوانًا.
والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في مَعْنى العَوْنِ؛ لِأنَّهُ قِوامُ [ اليَدِ ] .
قالَ الزَّجّاجُ: والِاعْتِضادُ: التَّقَوِّي وطَلَبُ المَعُونَةِ، يُقالُ: اعْتَضَدْتُ بِفُلانٍ؛ أيِ: اسْتَعَنْتُ بِهِ.
وَفِي ما نَفى اتِّخاذُهم عَضُدًا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوِلاياتِ، والمَعْنى: ما كُنْتُ لِأُولِيَ المُضِلِّينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: ( وما كُنْتُ ) بِفَتْحِ التّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابُ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عن أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أولِياءَ مِنَ دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ "الكِتابُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ كُتُبُ الناسِ الَّتِي أحْصَتْها الحَفَظَةُ لِواحِدٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ كِتابًا واحِدًا حاضِرًا، و"إشْفاقُ المُجْرِمِينَ": فَزَعُهم مَن كَشْفِهِ لَهم وفَضْحِهِ، فَشِكايَةُ المُجْرِمِينَ إنَّما هي مِنَ الإحْصاءِ، لا مَن ظُلْمٍ ولا حِيفٍ.
وَقَدَّمَ "الصَغِيرَةَ" اهْتِمامًا بِها لِيُنَبِّهُ مِنها ويَدُلُّ أنَّ الصَغِيرَةَ إذا أُحْصِيَتْ فالكَبِيرَةُ أحْرى بِذَلِكَ، والعَرَبُ أبَدًا تُقَدِّمُ في الذِكْرِ الأقَلَّ مِن كُلِّ مُقْتَرَنَيْنِ، ونَحْوَ هَذا قَوْلُهُمُ: القَمَرانِ والعُمْرانِ، سَمُّوا بِاسْمِ الأقَلِّ تَنْبِيهًا مِنهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الصَغِيرَةُ": الضَحِكُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُضَمَّنُها تَقْرِيعُ الكَفَرَةِ وتَوْقِيفُهم عَلى خِطابِهِمْ في وِلايَتِهِمُ العَدُوَّ دُونَ الَّذِي أُنْعِمَ بِكُلِّ نِعَمِهِ عَلى العُمُومِ، صَغِيرُها وكَبِيرُها، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: واذَّكَّرْ إذْ قُلْنا وتَكَرَّرَتْ هَذِهِ العِبارَةُ حَيْثُ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ إذْ هي تَوْطِئَةُ النازِلَةِ، فَأمّا ذِكْرُ النازِلَةِ هُنا فَمُقَدَّمَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، وذَكَرَها في البَقَرَةِ إعْلامٌ بِمَبادِئِ الأُمُورِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السُجُودِ لِآدَمَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السُجُودُ المَعْرُوفُ ووَضْعُ الوَجْهِ بِالأرْضِ، جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عِبادَةً لَهُ وتَكْرِمَةً لِآدَمَ، فَهَذا كالصَلاةِ لِلْكَعْبَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إيماءٌ مِنهم نَحْوَ الأرْضِ، وذَلِكَ يُسَمّى سُجُودًا؛ لِأنَّ السُجُودَ في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عن غايَةِ التَواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا جائِزٌ أنْ يُكَلِّفَهُ الخالِقُ لِلْفاضِلِ، وجائِزٌ أنْ يَتَكَلَّفَهُ الفاضِلُ لِلْفاضِلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"،» ومِنهُ تَقْبِيلُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَد عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَلَقّاهُ في سَفَرٍ إلى الشامِ، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في مُصَنَّفِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ هو مِنَ الجِنِّ وهُمُ الشَياطِينُ المَخْلُوقُونَ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وجَمِيعُ المَلائِكَةِ إنَّما خُلِقُوا مِن نُورٍ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ -فَقالَ بَعْضُها: إبْلِيسُ مِنَ الجِنِّ، وهو أوَّلُهم وبَدَأتُهُمْ، كَآدَمَ مِنَ الإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إبْلِيسُ وقَبِيلُهُ جِنًّا، لَكِنَّ جَمِيعَ الشَياطِينِ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَهو كَنُوحٍ في الإنْسِ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَعْنِيفُ إبْلِيسَ عَلى عِصْيانِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ أُمِرَ مَعَ المَلائِكَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وإبْلِيسُ مِن قَبِيلِ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارٍ، فَإبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنِّ مِن حَيْثُ هم مُسْتَتِرُونَ، فَهي صِفَةٌ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والشَياطِينَ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: كانَ في المَلائِكَةِ صِنْفٌ يُسَمّى الجِنُّ، وكانُوا في السَماءِ الدُنْيا وفي الأرْضِ، وكانَ إبْلِيسُ مُدَبِّرَ أمْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا خِلافَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ في المَعْنى؛ إذْ كانَ مُتَصَرِّفًا بِالأمْرِ والنَهْيِ مُرْسَلًا، والمَلَكُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَأْلُكَةِ وهي الرِسالَةُ، فَهو في عِدادِ المَلائِكَةِ يَتَناوَلُهُ قَوْلُهُ: "اسْجُدُوا"، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ اسْتِيعابُ هَذِهِ الأُمُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَفَسَقَ" مَعْناهُ: فَخَرَجَ وانْتَزَحَ، وقالَ رُؤْبَةُ: يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا ∗∗∗ ∗∗∗ فَواسِقًا عن قَصْدِها جَوائِرا وَمِنهُ يُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطْبَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرَتِها، و"فَسَقَتِ الفَأْرَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن جُحْرِها، وجَمِيعُ هَذا الخُرُوجِ المُسْتَعْمَلِ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ إنَّما هو في فَسادٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ : « "خَمْسُ فَواسَقَ يَقْتُلْنَ في الحَلِّ والحُرُمِ"» إنَّما هُنَّ مُفْسِداتٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن أمْرِ رَبِّهِ ﴾ ، يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَرَجَ عن أمْرِ رَبِّهِ إيّاهُ، أيْ فارَقَهُ، كَما يَفْعَلُ الخارِجُ عن طَرِيقٍ واحِدٍ، أيْ: مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ عَنِ الطاعَةِ بَعْدَ أمْرِ رَبِّهِ بِها، و"عن" قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعُدَ" في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِكَ: "أطْعَمْتُهُ عن جُوعٍ"، ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَسَقَ بِسَبَبِ أمْرِ رَبِّهِ بِأنْ يُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ بِأمْرِ رَبِّهِ، أيْ بِمَشِيئَتِهِ ذَلِكَ لَهُ، ويُعَبِّرُ عَنِ المَشِيئَةِ بِالأمْرِ؛ إذْ هي أحَدُ الأُمُورِ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عن أمْرِكَ، أيْ بِجَدِّكَ وبِحَسَبِ مُرادِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: كانَ إبْلِيسُ مِن أشْرَفِ صِنْفٍ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَماءِ وسُلْطانُ الأرْضِ، فَلَمّا عَصى صارَتْ حالُهُ إلى ما تَسْمَعُونَ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ المَرْءِ مِنَ الخَطَإ فَلْتَرْجُهُ كَآدَمَ، وإذا كانَتْ مِنَ الكُفْرِ فَلا تَرْجُهُ كَإبْلِيسَ.
ثُمَّ وقَّفَ عَزَّ وجَلَّ الكَفَرَةَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - بِقَوْلِهِ: "أفَتَتَّخِذُونَهُ"، يُرِيدُ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "وَذُرِّيَّتَهُ" ظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي المُوَسْوَسِينَ مِنَ الشَياطِينِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ ويَحْمِلُونَ عَلى الباطِلِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُجاهِدًا قالَ: ذُرِّيَّةُ إبْلِيسٍ الشَياطِينُ، وكانَ يَعُدُّهُمْ: "زَلَنْبُورُ" صاحِبَ الأسْواقِ، يَضَعُ رايَتَهُ في كُلِّ سُوقٍ، وَ"تُبُنُ" صاحِبُ المَصائِبِ، و"الأعْوَرُ" صاحِبُ الرِياءِ، و"مِسْوَطٌ" صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيُلْقِيها في أفْواهِ الناسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، و"داسِمٌ" الَّذِي إذا دَخَلَ الرَجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ بَصَّرَهُ مِنَ المَتاعِ ما لَمْ يَرْفَعْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وما جانَسَهُ مِمّا لَمْ يَأْتِ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُهُ.
وقَدْ طَوَّلَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وجَلَبَ حِكاياتٍ تَبْعُدُ مِنَ الصِحَّةِ، فَتَرَكْتُها إيجازًا، ولَمْ يَمُرُّ بِي في هَذا صَحِيحٌ إلّا ما في كِتابِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ لِلْوُضُوءِ والوَسْوَسَةِ شَيْطانًا يُسَمّى "خِنْزَبُ"، وذَكَرَ التِرْمِذِيُّ أنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطانًا يُسَمّى "الوَلْهانُ"، واللهُ أعْلَمُ بِتَفاصِيلِ هَذِهِ الأُمُورِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لَكم عَدُوٌّ ﴾ أيْ: أعْداءٌ، فَهو اسْمُ الجِنْسِ.
وقَوُلُهُ: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ ، أيْ: بَدَّلَ وِلايَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِوِلايَةِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وذَلِكَ هو التَعَوُّضُ مِنَ الجِنِّ بِالباطِلِ، وهَذا هو نَفْسُ الظُلْمِ لِأنَّهُ وضَعَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ ووضع الكتاب ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ [الكهف: 48]، فهي في موضع الحال، أي وقد وضع الكتاب.
والكتاب مراد به الجنس، أي وضعت كتب أعمال البشر، لأن لكل أحد كتاباً، كما دلت عليه آيات أخرى منها قوله تعالى: ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك ﴾ [الإسراء: 13 14] الآية.
وإفراد الضمير في قوله: مما فيه } لمراعاة إفراد لفظ (الكتاب).
وعن الغزالي: أنه قال: يكون كتاب جامع لجميع ما هو متفرق في الكتب الخاصة بكل أحد.
ولعله انتزعه من هذه الآية.
وتفرع على وضع الكتاب بيان حال المجرمين عند وضعه.
والخطاب بقوله: ﴿ فترى ﴾ لغير معين.
وليس للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يومئذٍ في مقامات عالية عن ذلك الموضع.
والإشفاق: الخوف من أمر يحصل في المستقبل.
والتعبير بالمضارع في ﴿ يقولون ﴾ لاستحضار الحالة الفظيعة، أو لإفادة تكرر قولهم ذلك وإعادته شأن الفزعين الخائفين.
ونداء الويل: نُدبة للتوجع من الويل.
وأصله نداء استعمل مجازاً بتنزيل ما لا ينادى منزلة ما ينادى لقصد حضوره، كأنه يقول: هذا وقتك فاحضري، ثم شاع ذلك فصار لمجرد الغرض من النداء وهو التوجع ونحوه.
والويلة: تأنيث الويل للمبالغة، وهو سوء الحال والهلاكُ.
كما أُنثت الدارُ على دَارة، للدلالة على سعة المكان، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال يا وليتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ﴾ في سورة العقود المائدة (31).
والاستفهام في قولهم: مال هذا الكتاب } مستعمل في التعجب.
(فما) اسم استفهام، ومعناها: أي شيء، و ﴿ هذا الكتاب ﴾ صفة ل (ما) الاستفهامية لما فيها من التنكير، أي ما ثبت لهذا الكتاب.
واللام للاختصاص مثل قوله: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف ﴾ [يوسف: 11].
وجملة لا يغادر } في موضع الحال، هي مثار التعجب، وقد جرى الاستعمال بملازمة الحال لنحو ﴿ ما لك ﴾ فيقولون: ما لك لا تفعل وما لك فاعلاً.
والمغادرة: الترك، وتقدم آنفاً في قوله: ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ [الكهف: 47].
والصغيرة والكبيرة: وصفان لموصوف محذوف لدلالة المقام، أي فعلة أو هَنَة.
والمراد بالصِغر والكبر هنا الأفعال العظيمة والأفعال الحقيرة.
والعظم والحقارة يكونان بحسب الوضوح والخفاء ويكونان بحسب القوة والضعف.
وتقديم ذكر الصغيرة لأنها أهم من حيث يتعلق التعجب من إحصائها.
وعطفت عليها الكبيرة لإرادة التعميم في الإحصاء لأن التعميم أيضاً مما يثير التعجب، فقد عجبوا من إحاطة كاتب الكتاب بجميع الأعمال.
والاستثناء من عموم أحوال الصغيرة والكبيرة، أي لا يبقي صغيرة ولا كبيرة في جميع أحوالهما إلا في حال إحصائه إياها، أي لا يغادره غير محصي.
فالاستثناء هنا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده لأنه إذا أحصاه فهو لم يغادره، فآل إلى معنى أنه لا يغادر شيئاً، وانتفت حقيقة الاستثناء.
فجملة أحصاها} في موضع الحال.
والرابط بينها وبين ذي الحال حرف الاستثناء.
والإحصاء: العد، أي كانت أفعالهم معدودة مفصلة.
وجملة ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ يقولون ﴾ .
أي إنما قالوا ذلك حين عرضت عليهم أعمالهم كلها عند وضع ذلك الكتاب عرضاً سريعاً حصل به علم كلَ بما في كتابه على وجهٍ خارق للعادة.
وجملة ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ عطف على جملة ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ لما أفهمته الصلة من أنهم لم يجدوا غير ما عملوا، أي لم يحمل عليهم شيء لم يعملوه، لأن الله لا يظلم أحداً فيؤاخذه بما لم يقترفه، وقد حدد لهم من قبل ذلك ما ليس لهم أن يفعلوه وما أمروا بفعله، وتوعدهم ووعدهم، فلم يكن في مؤاخذتهم بما عملوه من المنهيات بعد ذلك ظلم لهم.
والمقصود: إفادة هذا الشأن من شؤون الله تعالى، فلذلك عطفت الجملة لتكون مقصودة أصالة.
وهي مع ذلك مفيدة معنى التذييل لما فيها من الاستدلال على مضمون الجملة قبلها، ومن العموم الشامل لمضمون الجملة قبلها وغيره، فكانت من هذا الوجه صالحة للفصل بدون عطف لتكون تذييلاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُسَيِّرُها مِنَ السَّيْرِ حَتّى تَنْتَقِلَ عَنْ مَكانِها لِما فِيهِ مِن ظُهُورِ الآيَةِ وعِظَمِ الِاعْتِبارِ.
الثّانِي: يُسَيِّرُها أيْ يُقَلِّلُها حَتّى يَصِيرَ كَثِيرُها قَلِيلًا يَسِيرًا.
الثّالِثُ: بِأنْ يَجْعَلَها هَباءً مَنثُورًا.
﴿ وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بُرُوزُ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْواتِ بِخُرُوجِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ.
الثّانِي: أنَّها فَضاءٌ لا يَسْتُرُها جَبَلٌ ولا نَباتٌ.
﴿ وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ.
أحَدُها: يَعْنِي فَلَمْ نُخَلِّفْ مِنهم أحَدًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ ومِنهُ سُمِّيَ الغَدِيرُ لِأنَّهُ ما تُخَلِّفُهُ السُّيُولُ.
الثّانِي: فَلَمْ نَسْتَخْلِفْ مِنهم أحَدًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، حَكاهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ﴾ قِيلَ إنَّهم يُعْرَضُونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ كالصُّفُوفِ في الصَّلاةِ، وقِيلَ إنَّهم يُحْشَرُونَ عُراةً حُفاةً غُرْلًا، فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: فَما يَحْتَشِمُونَ يَوْمَئِذٍ؟
فَقالَ النَّبِيُّ : « ( ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ )» [عَبَسَ: ٣٧] .
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها كُتُبُ الأعْمالِ في أيْدِي العِبادِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ وُضِعَ الحِسابُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، فَعَبَّرَ عَنِ الحِسابِ بِالكِتابِ لِأنَّهم يُحاسَبُونَ عَلى أعْمالِهِمُ المَكْتُوبَةِ.
﴿ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ﴾ لِأنَّهُ أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ.
﴿ وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ وفي الصَّغِيرَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الضَّحِكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها صَغائِرُ الذُّنُوبِ الَّتِي تُغْفَرُ بِاجْتِنابِ كَبائِرِها.
وَأمّا الكَبِيرَةُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما جاءَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ.
الثّانِي: ما قُرِنَ بِالوَعِيدِ والحَدِّ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلًا ثالِثًا: أنَّ الصَّغِيرَةَ الشَّهْوَةُ، والكَبِيرَةَ العَمَلُ.
قالَ قَتادَةُ: اشْتَكى القَوْمُ الإحْصاءَ وما اشْتَكى أحَدٌ ظُلْمًا، وإيّاكم والمُحَقَّراتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإنَّها تَجْتَمِعُ عَلى صاحِبِها حَتّى تُهْلِكَهُ.
﴿ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: ووَجَدُوا إحْصاءَ ما عَمِلُوا حاضِرًا في الكِتابِ.
الثّانِي: ووَجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا عاجِلًا في القِيامَةِ.
﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ يَعْنِي مِن طائِعٍ في نُقْصانِ ثَوابِهِ، أوْ عاصٍ في زِيادَةِ عِقابِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البزار، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه» .
وأخرج الطبراني، عن سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا من وجد عوداً فليأت، ومن وجد عظماً أو شيئاً فليأت به» قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاماً.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذا؟
فكذلك تجتمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل لا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه» .
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ﴾ قال: الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في الآية قال: الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمنين، والكبيرة القهقهة بذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويقولون يا ويلتنا ﴾ الآية.
قال: يشتكي القوم كما تسمعون.
الإحصاء، ولم يشتك أحد ظلماً، فإياكم والمحقرات من الذنوب، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في الآية.
قال: سئلوا حتى عن التبسم، فقيل فيم تبسمت يوم كذا وكذا؟!.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾ قال المفسرون: (يعني كتب أعمال الخلق) (١) ﴿ الْكِتَابُ ﴾ اسم الجنس، فيعمُّ عند الإطلاق.
قال أبو إسحاق: (معناه ووضع كتاب كل امرئ بيمينه أو شماله) (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد المشركين.
﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ قال: خائفين) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ مِمَّا فِيهِ ﴾ أي: من الأعمال السيئة.
﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا ﴾ لوقوعهم في الهلكة يدعون بالويل على أنفسم: ﴿ مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ﴾ أي: لا تاركًا صغيرة، فقوله: ﴿ لَا يُغَادِرُ ﴾ في موضع الحال، قال ابن عباس في رواية عكرمة: (الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك) (٥) ونحو هذا روى عنه الذبال بن عمرو الأوزاعي فيما كان يعظ به المنصور (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً ﴾ يريد: من أعمالنا ﴿ وَلَا كَبِيرَةً ﴾ يريد: الشرك) (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ أي: عدَّها، وأثبتها، وكتبها، وحفظها، كل هذه ألفاظ المفسرين (١٢) قال قتادة في هذا: (اشتكى القوم -كما تسمعون- الإحصاء، فإياكم والمحقرات من الذنوب، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ﴾ أي: في الكتاب مكتوبًا مثبتًا ذكره.
﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ قال الزجاج: (أي: يعاقبهم، فيضع العقوبة موضعها في مجازاة الذنوب، قال: وأجمع أهل اللغة: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه) (١٤) وتأويل هذا: أنه لا يعاقب أحدًا بغير جرم، وهو معنى قول الضحاك: (لا نأخذ أحدًا بجرم لم يعمله) (١٥) (١) "جامع البيان" 15/ 258، "معالم التنزيل" 5/ 177، "النكت والعيون" 3/ 312، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 96.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 293.
(٣) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.
انظر: "جامع البيان" 258/ 15، "البغوي" 3/ 177 بدون نسبة، "القرطبي" 10/ 418، "الرازي" 11/ 134، "أضواء البيان" 4/ 249.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (شفق) 2/ 1900، "القاموس المحيط" (شفق) 3/ 897، "لسان العرب" (شفق) 4/ 2292.
(٥) "معالم التنزيل" 5/ 177، "الكشاف" 2/ 393، "القرطبي" 10/ 419، "الدر المنثور" 4/ 411.
(٦) عبد الله بن محمد بن علي بن العباس، أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، وأول من عني بالعلوم من ملوك العرب، وكان عارفًا بالفقه والأدب محبًا للعلم والعلماء، ولي الخلافة بعد وفاه أخيه السفاح سنة 136 هـ، وعرف بالشجاعة والحزم، توفي ببئر ميمون من أرض الحجاز محرمًا بالحج، ودفن في الحجون بمكة سنة 158 هـ، ودامت خلافته 22 عامًا.
انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 53، "الجرح والتعديل" 5/ 159، "تاريخ الطبري" 9/ 292، "الأعلام" 4/ 117.
(٧) "جامع البيان" 15/ 258.
(٨) عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، تابعي ثقة، قرأ القرآن على أبيه، وقرأ عليه أخوه محمد بن عبد الرحمن، وأبوهما ممن قرأ على علي بن أبي طالب - - وله رواية قليلة في "السنن".
انظر: "التاريخ الكبير" 6/ 390، "الكاشف" 2/ 368، "غاية النهاية" 1/ 609 ، "تهذيب التهذيب" 8/ 219، "معرفة القراء الكبار" 1/ 66.
(٩) "المحرر الوجيز" 9/ 326، "النكت والعيون" 3/ 312، "القرطبي" 10/ 419.
(١٠) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 418 بلا نسبة.
(١١) "معالم التنزيل" 5/ 177، "الكشاف" 2/ 393، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 419، "البحر المحيط" 6/ 135.
(١٢) "جامع البيان" 15/ 258، "معالم التنزيل" 5/ 177، "الكشاف" 2/ 393، "أضواء البيان" 4/ 116.
(١٣) "جامع البيان" 15/ 258، "النكت والعيون" 3/ 313، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 419، "الدر المنثور" 4/ 411.
(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 293.
(١٥) "معالم التنزيل" 5/ 178، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 419.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ يعني صحائف الأعمال، فالكتاب اسم جنس ﴿ كَانَ مِنَ الجن ﴾ كلام مستأنف جرى مجرى التعليل لإباية إبليس عن السجود، وظاهر هذا الموضع يقتضي أن إبليس لم يكن من الملائكة، وأن استثناءه منهم اسنثناء منقطع، فإن الجن صنف غير الملائكة، وقد يجيب عن ذلك من قال: إنه كان من الملائكة بأن كان هنا بمعنى صار: أي خرج من صنف الملائكة إلى صنف الجن، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن وهم الذين خلقوا من نار ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ : أي خرج عن ما أمر به، والفسق في اللغة: الخروج ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ ﴾ هذا توبيخ ووعظ، وذرية إبليس هم الشياطين واتخاذهم أولياء بطاعتهم في عصيان الله والكفر به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تسير الجبال ﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.
الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال.
ما أشهدناهم يزيد.
الآخرون ﴿ ما أشهدتهم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد.
الباقون على التكلم ﴿ ويوم نقول ﴾ بالنون: حمزة الباقون على الغيبة ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي.
الباقون بكسر القاف وفتح الباء.
﴿ لمهلكهم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام: حفص ﴿ لمهلكهم ﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل.
الباقون بضم الميم وفتح اللام.
الوقوف: ﴿ بارزة ﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿ أحداً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ صفاً ﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿ أول مرة ﴾ ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿ موعداً ﴾ ه ﴿ أحصاها ﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" ﴿ حاضراً ﴾ ه ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أمر ربه ﴾ ط ﴿ عدواً ﴾ ط ﴿ بدلاً ﴾ ه أنفسهم ص ﴿ عضداً ﴾ ه ﴿ موبقاً ﴾ ه ﴿ مصرفاً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ه ﴿ قبلاً ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ يداه ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ موئلاً ﴾ ه ﴿ موعداً ﴾ .
التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب.
ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ وفاعل التسيير هو الله إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ ، ﴿ وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً ﴾ وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ﴿ وحشرناهم ﴾ الضمير للخلائق المعلوم حكماً ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ من الأوّلين والآخرين.
يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء.
والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله.
ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته.
قالت المشبهة: في قوله: ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ دليل على أنه في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ وأجيب بأنه شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان.
وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً.
والصف إما واحد وإما جمع كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أي أطفالاً.
وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ .
وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول.
وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله ﴿ خلقناكم ﴾ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً.
أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك.
﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي جنسه وهو صحف الأعمال.
والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار.
﴿ فترى المجرمين مشفقين ﴾ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح.
ومعنى النداء في ﴿ يا ويلتنا ﴾ قد مر في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت ﴾ وقوله: ﴿ صغيرة ولا كبيرة ﴾ صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل.
وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر.
قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر.
وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة.
وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا.
وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر.
وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ فتذكر ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم.
والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة.
وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية.
عن رسول الله : "يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟
فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار.
ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار" ثم إنه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه.
قال جار الله: قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة.
وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن.
ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة.
ومعنى ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ خرج عن طاعته.
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ .
وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.
ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر.
والمعاصي وخالق أمر الله فقال: ﴿ أفتتخذونه ﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿ وذريته أولياء من دوني ﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد نبياً ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ أي بئس البدل من الله.
إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته.
قال الجبائي.
في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه.
فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.
ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ أي متخذهم ﴿ عضداً ﴾ أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال.
وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك.
وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء.
ومن قرأ ﴿ وما كنت ﴾ بفتح التاء فالخطاب للرسول والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ﴿ يقول ﴾ الله لهم ﴿ نادوا ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم ﴿ شركائي ﴾ فأهلتموهم للعبادة.
قال المفسرون: أراد الجن ﴿ فدعوهم ﴾ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ﴿ إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا ﴾ ﴿ فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يدفعوا عنهم ضرراً ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ عن الحسن ﴿ موبقاً ﴾ عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا".
وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.
وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً.
وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم.
وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.
قوله: ﴿ فظنوا ﴾ قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً ﴾ ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر.
ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة.
وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: ﴿ أكثر شيء ﴾ كقوله ﴿ أول مرة ﴾ وقد مر في "الأنعام".
وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم.
قال أهل البرهان: قوله في سورة "بني إسرائيل": ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ﴾ وقال في هذه السورة بزيادة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس.
ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك.
وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ وكذا قوم هود ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ﴾ وقوم صالح ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ﴾ وقوم شعيب ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ﴾ فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم.
والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً.
ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً.
وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة.
ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال ﴿ يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ﴾ ويزيلوا ويبطلوا ﴿ به الحق ﴾ من إدحاض القدم وهو إزلاقها ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا ﴾ أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ﴿ هزواً ﴾ موضع استهزاء.
قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ \[المؤمنون: 24\] وما أشبه ذلك.
قال أهل العرفان: قوله: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ﴾ أي بالقرآن بدليل قوله: ﴿ أن يفقهوه ﴾ وبتذكير الضمير.
﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ﴾ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية.
وإنما قال في السجدة ﴿ ثم أعرض عنها ﴾ لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك.
وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ﴾ أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم.
وقوله ﴿ إنا جعلنا ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: ﴿ فلن يهتدوا إذا أبداً ﴾ متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته.
ورحمته على عباده كما قال: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ قال المفسرون الضمير في قوله: ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله .
والموعد يوم بدر.
وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.
قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال.
أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين.
وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك.
ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: ﴿ وتلك القرى ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ﴿ أهلكناهم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ تلك القرى ﴾ منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.
﴿ وجعلنا ﴾ لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك.
التأويل: ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها.
﴿ ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿ لا يغادر صغيرة ﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات.
﴿ ولا كبيرة ﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ ما أشهدتهم ﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ﴾ أسباب الهداية ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ إن كانوا مذنبين ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي "والله لولا الله ما اهتدينا" ﴿ أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ كقوله: "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" .
والله أعلم.
(م).
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ .
يذكرهم - عز وجل - عن شدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه حيث سار أثبت شيء رأوا في الدنيا، وتكسر أصلب شيء رأوا في الدنيا، وهو الجبال؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه.
وقال في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ ، وأمثاله يذكرهم عن شدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه؛ حيث صار أثبت شيء في الدنيا وأشده - على الوصف الذي ذكره، وبدون هذه الأهوال والأفزاع التي ذكر - لا تقوم أنفس البشر في الدنيا؛ فقيامها لمثل هذه الأهوال التي ذكر أحرى ألا تقوم؛ ألا ترى أن موسى - - كان أشد الناس وأقوى البشر، ثم لم تقم نفسه؛ لاندكاك الجبل حتى صعق إلا أن الله حكم أن لا هلاك يومئذ بعدما أحياهم، وإلا كانت أنفسهم لا تقوم بدون ما ذكر من الأهوال.
ثم ما ذكر من أحوال الجبال يكون ذلك في اختلاف الأحوال والأوقات: يكون في ابتداء ذلك اليوم ما ذكر أنها تسير وأنهم يرونها جامدة، وهي ليست بجامدة، ثم تصير كثيباً مهيلا، ثم تصير كالعهن المنقوش في وقت، ثم تصير هباء منثوراً تكون على الأحوال التي ذكر، على اختلاف الأحوال والأوقات، على قدر الشدة والهول، والله أعلم.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ ، لشدة ذلك اليوم تتراءى كأنها جامدة، وهي تمر مرّ السحاب، وقد يتراءى في الشاهد مثله؛ للهول والفزع.
والثاني: تتراءى، أي: لازدحام الجبل واجتماعها، وقد يتراءى في الشاهد: السائر كالجامد والساكن؛ للكثرة والازدحام؛ نحو عسكر عظيم يسير يراه الناظر إليه كأنه ساكن لا يسير؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم يحتمل أن يكون هذه الأهوال التي ذكر لأهل الكفر والعصاة منهم، وأما أهل الإيمان والإحسان يكونون في أمن وعاقبة من تلك الأهوال؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ...
﴾ الآية [فصلت: 30].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ .
أي: ظاهرة ليس عليها بناء ولا شجر ولا جبال ولا حجر ولا شيء تصير مستوية - على ما ذكرنا - ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ ، أي: يكون أهلها بارزين له؛ كقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾ .
أي: نجمعهم جميعاً؛ كقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ وقوله - عز وجل - ﴿ وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً ﴾ .
قال بعضهم: عرضوا على ربك جميعاً.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ ﴾ للحساب.
وقال بعضهم: يعرضون على مقامهم، أي: يعرض كل فريق على مقامه، أي: يبعث؛ كقوله: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ﴾ .
ويحتمل معنى العرض عليه في ذلك اليوم، وإن كانوا في جميع الأحوال والأوقات في الدنيا والآخرة معروضين عليه عالم بأحوالهم؛ لما يقرون له جميعاً يومئذ منكرهم ومقرهم - بالعرض والقيامة، كقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ ، ﴿ وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ ، والأمر في جميع الأوقات لله، وكذلك هم بارزون له في جميع الأحوال، لكنّه خصّ ذلك اليوم بالإضافة إليه بما يقرون له جميعاً في ذلك اليوم بالألوهية له والملك، ويعرفون حقيقته؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً: [الأول] يحتمل لقد جئتمونا بالإجابة والإقرار لنا كما أجاب خلقتكم في أول خلقنا إياها في الدنيا.
والثاني: لقد جئتمونا كما قلنا في الدنيا: إنكم تبعثون، وتحشرون، وتقوم لكم الساعة.
والثالث: ما قاله أهل التأويل: لقد جئتمونا فرادى بلا أنصار ينصرونكم، ولا أعوان يعينونكم على ما كنتم في الابتداء.
وقال بعضهم: كما خرجتم من بطون أمهاتكم عراة وحفاة ليس معكم مال يمانعكم ولا أنصار تناصركم، وهو ما قال: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ...
﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً ﴾ .
هذا يدل أن تلك الأهوال التي ذكر إنما تكون للعصاة، ومن أنكر البعث؛ حيث قال: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً ﴾ يعني: القيامة.
وهذا يدل أن الأهوال والأفزاع التي ذكر في الآية الأولى تكون للعصاة والفسقة من خلقه دون المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .
قيل: الحساب، ويحتمل: الكتاب الذي كتبته الملائكة، وضع ذلك الكتاب في أيديهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ﴾ .
أي: خائفين وجلين وقال بعضهم: لما نظروا في الكتاب فرأوا من أعمالهم الخبيثة فيه عند ذلك خافوا مما فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ .
من الأعمال السيئة.
﴿ إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ ، أي: حفظها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الحسنات والسيئات إلا أحصاها.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً ﴾ ، أي: لا يترك شيئاً ممّا يجزى به الإنسان وما لا يجزى به ﴿ إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ ، أي: حفظها.
﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ ﴾ ، في الدنيا، ﴿ حَاضِراً ﴾ ، في الآخرة، محفوظاً غير فائت عنه شيء ولا غائب عنه.
وقال بعضهم: إنما هو قول الملك يقول لهم ذلك، كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، أي: حفيظ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾ .
أي: يجزى كلا على قدر عمله، لا يزيد على قدر عمله ولا ينقص عنه، أي: لا ينقص المؤمن من حسناته، والكافر لا يترك له سيئة، الظلم: هو في الشاهد وضع الشيء غير موضعه.
يقول: لا يظلم ربّك أحداً، أي: لا يكون بما يجزى كلا على علمه ظالماً واضعاً شيئاً غير موضعه.
<div class="verse-tafsir"
وَوُضِع كتاب الأعمال، فمِنْ آخِذٍ كتابهِ بيمينه، ومن آخِذٍ إياه بشماله، وترى -أيها الإنسان- الكافرين خائفين مما فيه؛ لأنهم يعلمون ما قدموا فيه من الكفر والمعاصي، ويقولون: يا هلاكنا ومصيبتنا!
ما لهذا الكتاب لا يترك صغيرة ولا كبيرة من أعمالنا إلا حفظها وعدّها, جدوا ما عملوا في حياتهم الدنيا من المعاصي مكتوبًا مثبتًا, ولا يظلم ربك -أيها الرسول- أحدًا، فلا يعاقب أحدًا من غير ذنب، ولا ينقص المطيع من أجر طاعته شيئًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.jyz5A"