الآية ٥١ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٥١ من سورة الكهف

۞ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا ٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥١ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥١ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم ، لا يملكون شيئا ، ولا أشهدتهم خلقي للسموات والأرض ، ولا كانوا إذ ذاك موجودين ، يقول تعالى : أنا المستقل بخلق الأشياء كلها ، ومدبرها ومقدرها وحدي ، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ، ولا مشير ولا نظير ، كما قال : ( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) الآية [ سبإ : 23 ، 22 ] ؛ ولهذا قال : ( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) قال مالك : أعوانا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) يقول عزّ ذكره: ما أشهدت إبليس وذرّيته ( خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: ما أحضرتهم ذلك فأستعين بهم على خلقها( وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) يقول: ولا أشهدت بعضهم أيضا خلق بعض منهم، فأستعين به على خلقه، بل تفرّدت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير، يقول: فكيف اتخذوا عدوّهم أولياء من دوني، وهم خلق من خلق أمثالهم، وتركوا عبادتي وأنا المنعم عليهم وعلى أسلافهم، وخالقهم وخالق من يوالونه من دوني منفردا بذلك من غير معين ولا ظهير.

وقوله: ( وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) يقول: وما كنت متخذ من لا يهدي إلى الحقّ، ولكنه يضلّ، فمن تبعه يجور به عن قصد السبيل أعوانا وأنصارا ، وهو من قولهم: فلان يعضد فلانا إذا كان يقوّيه ويعينه.

وبنحو ذلك قال بعض أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ) : أي أعوانا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله، وإنما يعني بذلك أن إبليس وذرّيته يضلون بني آدم عن الحقّ، ولا يهدونهم للرشد، وقد يحتمل أن يكون عنى بالمضلين الذين هم أتباع على الضلالة، وأصحاب على غير هدى.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداقوله تعالى : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم قيل : الضمير عائد على إبليس وذريته ; أي لم أشاورهم في خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ، بل خلقتهم على ما أردت .

وقيل : ما أشهدت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم [ ص: 378 ] أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني ؟

.

وقيل : الكناية في قوله : ما أشهدتهم ترجع إلى المشركين ، وإلى الناس بالجملة ، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من ينخرط في هذه الأشياء .

وقال ابن عطية : وسمعت أبي - رضي الله عنه - يقول سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ المهدي بالمهدية يقول : سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا القول ، ويتأول هذا التأويل في هذه الآية ، وأنها رادة على هذه الطوائف .وذكر هذا بعض الأصوليين .

قال ابن عطية وأقول : إن الغرض المقصود أولا بالآية هم إبليس وذريته ; وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة ، وعلى الكهان والعرب والمعظمين للجن ; حين يقولون : أعوذ بعزيز هذا الوادي ; إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته وهم أضلوا الجميع ، فهم المراد الأول بالمضلين ; وتندرج هذه الطوائف في معناهم .قال الثعلبي : وقال بعض أهل العلم ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض رد على المنجمين أن قالوا : إن الأفلاك تحدث في الأرض وفي بعضها في بعض ، وقوله : والأرض رد على أصحاب الهندسة حيث قالوا : إن الأرض كروية والأفلاك تجري تحتها ، والناس ملصقون عليها وتحتها ، وقوله : ولا خلق أنفسهم رد على الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائع هي الفاعلة في النفوس .

وقرأ أبو جعفر " ما أشهدناهم " بالنون والألف على التعظيم .

الباقون بالتاء .بدليل قوله : وما كنت متخذ يعني ما استعنتهم على خلق السماوات والأرض ولا شاورتهم .وما كنت متخذ المضلين عضدا يعني الشياطين .

وقيل : الكفار .عضدا أي أعوانا يقال : اعتضدت بفلان إذا استعنت به وتقويت والأصل فيه عضد اليد ، ثم يوضع موضع العون ; لأن اليد قوامها العضد .

يقال : عضده وعاضده على كذا إذا أعانه وأعزه .

ومنه قوله : سنشد عضدك بأخيك أي سنعينك بأخيك .

ولفظ العضد على جهة المثل ، والله - سبحانه وتعالى - لا يحتاج إلى عون أحد .

وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ .

وقرأ أبو جعفر الجحدري " وما كنت " بفتح التاء أي وما كنت يا محمد متخذ المضلين عضدا .

وفي عضد ثمانية أوجه : " عضدا " بفتح العين وضم الضاد وهي قراءة الجمهور ، وهي أفصحها .

و " عضدا " بفتح العين وإسكان الضاد ، وهي لغة بني تميم .

و " عضدا " بضم العين والضاد ، وهي قراءة أبي عمرو والحسن .

و " عضدا " بضم العين وإسكان الضاد ، وهي قراءة عكرمة .

و " عضدا " بكسر العين وفتح الضاد ، وهي قراءة الضحاك .

و " عضدا " بفتح العين والضاد وهي قراءة عيسى بن عمر .

وحكى هارون القارئ " عضدا " واللغة الثامنة " عضدا " على لغة من قال : كتف وفخذ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: ما أشهدت الشياطين [وهؤلاء المضلين]، خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم أي: ما أحضرتهم ذلك، ولا شاورتهم عليه، فكيف يكونون خالقين لشيء من ذلك؟!

بل المنفرد بالخلق والتدبير، والحكمة والتقدير، هو الله، خالق الأشياء كلها، المتصرف فيها بحكمته، فكيف يجعل له شركاء من الشياطين، يوالون ويطاعون، كما يطاع الله، وهم لم يخلقوا ولم يشهدوا خلقا، ولم يعاونوا الله تعالى؟!

ولهذا قال: { وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } أي: معاونين، مظاهرين لله على شأن من الشئون، أي: ما ينبغي ولا يليق بالله، أن يجعل لهم قسطا من التدبير، لأنهم ساعون في إضلال الخلق والعداوة لربهم، فاللائق أن يقصيهم ولا يدنيهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ما أشهدتهم ) ما أحضرتهم وقرأ أبو جعفر " ما أشهدناهم " بالنون والألف على التعظيم أي : أحضرناهم يعني إبليس وذريته .

وقيل : الكفار .

وقال الكلبي : يعني الملائكة ( خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ) يقول : ما أشهدتهم خلقا فأستعين بهم على خلقها وأشاورهم فيها ، ( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) أي الشياطين الذين يضلون الناس عضدا ، أي : أنصارا وأعوانا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما أشهدتهم» أي إبليس وذريته «خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم» أي لم أحضر بعضهم خلق بعض «وما كنت متخذ المضلين» الشياطين «عضدا» أعوانا في الخلق، فكيف تطيعونهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما أحضرتُ إبليس وذريته -الذين أطعتموهم- خَلْقَ السموات والأرض، فأستعين بهم على خلقهما، ولا أشهدتُ بعضهم على خَلْق بعض، بل تفردتُ بخلق جميع ذلك، بغير معين ولا ظهير، وما كنت متخذ المضلِّين من الشياطين وغيرهم أعوانًا.

فكيف تصرفون إليهم حقي، وتتخذونهم أولياء من دوني، وأنا خالق كل شيء؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال علمه وقدرته ، وعلى عجز وجهالة المعبودين من دونه ، فقال - تعالى - : ( مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) .والضمير فى قوله ( ما أشهدتهم ) يعود إلى إبليس وذريته ، والإِشهاد : بمعنى الإِحضار والإِعلام .أى : ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض ، لأنى خلقتهما دون أن أستعين فى خلقهما بأحد ، أو لأنى خلقتهما قبل خلقهم ، ( وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) أى : ولا أشهدت بعضهم خلق بعض ، لأنى لا أستعين بأحد حين أخلق ما أشاء ، ولا أستشير أحدا حين أقدر ما أشاء .وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم أولياء وشركاء من دونى وأنا الخالق لكل شئ والقاهر فوق كل شئ؟

.فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه - ، ولبيان عدم استحقاق إبليس وذريته للاتخاذ المذكور فى أنفسهم ، بعد بيان المواقع والصوارف التى تمنع وتصرف عن اتخاذهم أولياء ، من خباثة أصلهم ، وفسوقهم عن أمر ربهم .وهذا المعنى الذى صرحت به الآية الكريمة من تفرد الله - تعالى - بالخلق والقدرة .

قد جاء فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - ( هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) وقوله - سبحانه - ( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ) مؤكد لما قبله من تفرده - سبحانه - بالخلق والقدرة والعلم .والعضد - بفتح العين وضم الضاد - فى الأصل ، يطلق على العضد المعروف ما بين المرفق إلى الكتف ، ويستعار للمعين والناصر فيقال : فلان عضدى ، أى : نصيرى .ومنه قوله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) أى : سنقويك ونعينك بأخيك هارون وذلك لأن اليد قوامها العضد ، فإذا فقدته أصابها العجز .أى : وما كنت متخذ المضلين عن سبيلى أعوانا وأنصاراً فى شأن من شئونى ، وخص - سبحانه - المضلين بالذكر ، زيادة فى ذمهم وتوبيخهم ، وتقريعا لأمثالهم ، لأنه - عز وجل - ليس له أعوان ولا أنصار فيما يفعله لا من المضلين ولا من المهتدين .ولم يقل - سبحانه - وما كنت متخذهم .

.

بالإِضمار ، كما قال : ( ما أشهدتهم ) بل أظهر فى مقام الإِضمار ، لتسجيل الضلال عليهم ، حتى ينصرف عنهم كل عاقل ، وللتنبيه على أن الضالين المضلين لا تصح الاستعانة بهم .ولقد حكى الله - تعالى - عن نبيه موسى - عليه السلام - براءته من المجرمين فقال : ( قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ ) والظهير : الناصر والمعين لغيره .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع لها وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا: كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء، فالله تعالى ذكر هذه القصة هاهنا تنبيهاً على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء ﴾ فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر، وذكر القاضي وجهاً آخر فقال: إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر القيامة وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر هاهنا أنه ينادي المشركين ويقول لهم أين شركائي الذي زعمتم وكان قد علم تعالى أن إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء، لا جرم قدم قصته في هذه الآية إتماماً لذلك الغرض ثم قال القاضي: وهذه القصة وإن كان تعالى قد كررها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة مجددة.

المسألة الثانية: أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه: الأول: أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً  ﴾ ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن  ﴾ .

والثاني: أن الجن سموا جناً للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن.

الثالث: أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير أنه كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير.

والقول الثاني: أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم.

والقول الثالث: قول من قال كان من الملائكة فمسخ وغير.

وهذه المسألة قد أحكمناها في سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلاً في هذه الآية وهو قوله: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة.

بقي أن يقال: إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر، وأيضاً لو لم يكن من الملائكة فكيف يصح استثناؤه منهم، وقد أجبنا عن كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ وفي ظاهره إشكال لأن الفاسق لا يفسق عن أمر ربه، فلهذا السبب ذكروا فيه وجوهاً.

الأول: قال الفراء: ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته.

والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها من البابين وقال رؤبة: يهوين في نجد وغور غائرا *** فواسقا عن قصدها جوائرا الثاني: حكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه قال: لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى أنه لولا ذلك الأمر السابق لما حصل الفسق، فلأجل هذا المعنى حسن أن يقال: فسق عن أمر ربه.

الثالث: قال قطرب: فسق عن أمر ربه رده كقوله واسأل القرية واسأل العير قال تعالى: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع عليه لما ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون هو أشرف من آدم، فكأنه تعالى قال لأولئك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم، إنكم في هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم فلما علمتم أن إبليس عدو لكم فكيف تقتدون به في هذه الطريقة المذمومة.

هذا هو تقرير الكلام.

فإن قيل: إن هذا الكلام لا يتم إلا بإثبات مقدمات.

فأولها: إثبات إبليس.

وثانيها: إثبات ذرية إبليس.

وثالثها: إثبات عداوة بين إبليس وذريته وبين أولاد آدم.

ورابعها: أن هذا القول الذي قاله أولئك الكفار اقتدوا فيه بإبليس.

وكل هذه المقدمات الأربعة لا سبيل إلى إثباتها إلا بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فالجاهل بصدق النبي جاهل بها.

إذا عرفت هذا فنقول المخاطبون بهذه الآيات هل عرفوا كون محمد نبياً صادقاً أو ما عرفوا ذلك؟

فإن عرفوا كونه نبياً صادقاً قبلوا قوله في كل ما يقوله فكلما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قول انتهو عنه، وحينئذ فلا حاجة إلى قصة إبليس وإن لم يعرفوا كونه نبياً جهلوا كل هذه المقدمات الأربعة ولم يعرفوا صحتها فحينئذ لا يكون في إيرادها عليهم فائدة والجواب أن المشركين كانوا قد سمعوا قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب واعتقدوا صحتها وعلموا أن إبليس إنما تكبر على آدم بسبب نسبه، فإذا أوردنا عليهم هذه القصة كان ذلك زاجراً لهم عما أظهروه مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع.

المسألة الثانية: قال الجبائي في هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد، إذ لو أراده وخلقه فيه ثم عاقبه عليه لكان ضرر إبليس أقل من ضرر الله عليهما فكيف يوبخهم بقوله: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ !؟

تعالى الله عنه علواً كبيراً.

بل على هذا المذهب لا ضرر البتة من إبليس بل الضرر كله من الله.

والجواب: المعارضة بالداعي والعلم.

المسألة الثالثة: إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على فقراء المسلمين أفتتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله، لأن الداعي لهم إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة وإظهار العجب.

فهذا يدل على أن كل من أقدم على عمل أو قول بناء على هذا الداعي فهو متبع لإبليس حتى أن من كان غرضه في إظهار العلم والمناظرة التفاخر والتكبر والترفع فهو مقتد بإبليس وهو مقام صعب غرق فيه أكثر الخلق فنسأل الله الخلاص منه ثم قال تعالى: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ أي بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله به فأطاعه بدل طاعته، ثم قال: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ إلى من يعود؟

فيه وجوه: أحدها: وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذي اتخذتموهم أولياء خلق السموات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله: ﴿ اقتلوا أَنفُسَكُمْ  ﴾ يعني ما أشهدتهم لأعتضد بهم والدليل عليه قوله: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ﴾ أي وما كنت متخذهم فوضع الظاهر موضع المضمر بياناً لإضلالهم وقوله: ﴿ عَضُداً ﴾ أي أعواناً.

وثانيها: وهو أقرب عندي أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل قوله تعالى: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟

ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة، فلم تقدم عليها والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.

وفي هذه الآية المذكورة الأقرب هو ذكر أولئك الكفار وهو قوله تعالى: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ والمراد بالظالمين أولئك الكفار.

وثالثها: أن يكون المراد من قوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ كون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة.

فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته في الأزل والشقي من حكم الله بشقاوته في الأزل، وأنتم غافلون عن أحوال الأزل كأنه تعالى قال: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل، بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ وما كنت بالفتح، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم.

وقرأ علي رضوان الله عليه: ﴿ مُتَّخِذَ المضلين ﴾ بالتنوين على الأصل.

وقرأ الحسن: ﴿ عَضُداً ﴾ بسكون الضاد ونقل ضمتها إلى العين، وقرئ: ﴿ عَضُداً ﴾ بالفتح وسكون الضاد ﴿ وعضداً ﴾ بضمتين ﴿ وعضداً ﴾ بفتحتين جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد من عضده إذا قواه وأعانه، واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء اقتداء بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأحوال يوم القيامة فقال: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ حمزة: (نقول) بالنون عطفاً على قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ ﴾ و ﴿ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ و ﴿ مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض ﴾ ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ﴾ والباقون قرأوا بالياء.

البحث الثاني: واذكر يوم نقول عطفاً على قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا ﴾ .

البحث الثالث: المعنى واذكر لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله لهم: ﴿ نَادُواْ شُرَكَائِىَ ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم شركاء لي حيث أهلتموهم للعبادة، ادعوهم يشفعوا لكم وينصروكم والمراد بالشركاء الجن فدعوهم ولم يذكر تعالى في هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى بين ذلك في آية أخرى وهو أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا  ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ أي لم يجيبوهم إلى ما دعوهم إليه ولم يدفعوا عنهم ضرراً وما أوصلوا إليهم نفعاً.

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: الموبق المهلك من وبق يبق وبوقاً ووبقاً.

إذا هلك وأوبقه غيره فيجوز أن يكون مصدراً كالمورد والموعد وتقرير هذا الوجه أن يقال: إن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة كالملائكة وعيسى دعوا هؤلاء فلم يستجيبوا لهم ثم حيل بينهم وبينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم وأدخل عيسى الجنة وصار الملائكة إلى حيث أراد الله من دار الكرامة وحصل بين أولئك الكفار وبين الملائكة وعيسى عليه السلام هذا الموبق وهو ذلك الوادي في جهنم.

الوجه الثاني: قال الحسن: (موبقاً) أي عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها هلاك.

ومنه قوله: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً.

الوجه الثالث: قال الفراء البين المواصلة أي جعلنا مواصلتهم في الدنيا هلاكاً في يوم القيامة.

الوجه الرابع: الموبق البرزخ البعيد أي جعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً يهلك فيه الساري لفرط بعده، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان ثم قال تعالى: ﴿ وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ وفي هذا الظن قولان: الأول: أن الظن هاهنا بمعنى العلم واليقين.

والثاني: وهو الأقرب أن المعنى أن هؤلاء الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة، لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها.

كما قال: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً  ﴾ وقوله: ﴿ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ أي مخالطوها فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها مواقعة ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾ أي لم يجدوا عن النار معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة تسوقهم إليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَانَ مِنَ الجن ﴾ كلام مستأنف جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد؟

فقيل: كان من الجن ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ والفاء للتسبيب أيضاً، جعل كونه من الجن سبباً في فسقه؛ لأنه لو كان ملكاً كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس، كما قال: ﴿ اَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 27] وهذا الكلام المعترض تعمد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم.

فما أبعد البون بين ما تعمده الله، وبين قول من ضادّه وزعم أنه كان ملكاً ورئيساً على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطاناً، ثم ورّكه على ابن عباس.

ومعنى ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ خرج عما أمره به ربه من السجود.

قال: فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا أو صار فاسقاً كافراً بسبب أمر ربه الذي هو قوله: ﴿ اسجدوا لآدَمَ ﴾ .

﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ ﴾ الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه تتخذونه ﴿ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ وتستبدلونهم بي، بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ وقرئ: ﴿ ما أشهدناهم ﴾ ، يعني: أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض ﴾ لأعتضد بهم في خلقها ﴿ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ [النساء: 29] .

﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين ﴾ بمعنى وما كنت متخذهم ﴿ عَضُداً ﴾ أي أعواناً، فوضع المضلين موضع الضمير ذمّاً لهم بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة؟

وقرئ: ﴿ وما كُنْتَ ﴾ بالفتح: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: وما صحّ لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم.

وقرأ علي رضي الله عنه: ﴿ وما كنت متخذاً المضلين ﴾ بالتنوين على الأصل.

وقرأ الحسن: ﴿ عضدا ﴾ بسكون الضاد، ونقل ضمتها إلى العين.

وقرئ: ﴿ عُضْداً ﴾ بالفتح وسكون الضاد.

و ﴿ عُضُدا ﴾ بضمتين و ﴿ عَضَداً ﴾ بفتحتين: جمع عاضد، كخادم وخدم، وراصد ورصد، ومن عضده: إذا قواه وأعانه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ﴾ .

نَفْيُ إحْضارِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ وإحْضارُ بَعْضِهِمْ خَلْقَ بَعْضٍ لِيَدُلَّ عَلى نَفْيِ الِاعْتِضادِ بِهِمْ في ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ أيْ أعْوانًا رَدًّا لِاتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ لَهُ في العِبادَةِ، فَإنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ مِن تَوابِعِ الخالِقِيَّةِ والِاشْتِراكُ فِيهِ يَسْتَلْزِمُ الِاشْتِراكَ فِيها، فَوَضَعَ المُضِلِّينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم واسْتِبْعادًا لِلِاعْتِضادِ بِهِمْ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ والمَعْنى: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ ذَلِكَ وما خَصَصْتُهم بِعُلُومٍ لا يَعْرِفُها غَيْرُهم حَتّى لَوْ آمَنُوا تَبِعَهُمُ النّاسُ كَما يَزْعُمُونَ، فَلا تَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ لِلدِّينِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْتَضِدَ بِالمُضِلِّينَ لِدِينِي.

ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (وَما كُنْتَ) عَلى خِطابِ الرَّسُولِ  ، وقُرِئَ « مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ» عَلى الأصْلِ و « عَضُدًا» بِالتَّخْفِيفِ و « عُضُدًا» بِالإتْباعِ و « عَضَدًا» كَخَدَمٍ جَمْعُ عاضِدٍ مِن عَضَدَهُ إذا قَوّاهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَّا أَشْهَدتُّهُمْ} أي إبليس وذريته {خَلَقَ السماوات والأرض} يعني

أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة وإنما يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الالهية فنفي مشاركتهم في الالهية بقوله ما اشهدتهم خلق السموات والأرض لأعتضد بهم في خلقها أو أشاورهم فيه أي تفردت بخلق الأشياء فأفردوني في العبادة {وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله ولا تقتلوا أنفسكم {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين} أي وما كنت متخذهم {عَضُداً} أي أعواناً فوضع المضلين موضع ضمير ذمالهم بالإضلال فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما أشْهَدْتُهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ في أنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ الصَّوارِفِ عَنْ ذَلِكَ مِن خَباثَةِ الأصْلِ والفِسْقِ والعَداوَةِ؛ أيْ: ما أحْضَرْتُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ.

﴿ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ حَيْثُ خَلَقْتُهُما قَبْلَ خَلْقِهِمْ ﴿ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ: ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فَكِلا ضَمِيرَيِ الجَمْعِ المَنصُوبِ والمَجْرُورِ عائِدٌ عَلى إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ وهُمُ المُرادُ بِالمُضِلِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ وإنَّما وُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالإضْلالِ وتَأْكِيدًا لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ، والعَضُدُ في الأصْلِ ما بَيْنَ المِرْفَقِ إلى الكَتِفِ ويُسْتَعارُ لِلْمُعِينِ كاليَدِ وهو المُرادُ هُنا ولِكَوْنِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ عَمَّ، وفُسِّرَ بِالجَمْعِ والإفْرادِ لِرُءُوسِ الآيِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُجْمَعْ لِأنَّ الجَمِيعَ في حُكْمِ الواحِدِ في عَدَمِ الصَّلاحِيَةِ لِلِاعْتِضادِ؛ أيْ: وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم أعْوانًا في شَأْنِ الخَلْقِ أوْ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِي حَتّى يُتَوَهَّمَ شَرِكَتُهم في التَّوَلِّي فَضْلًا عَنِ الِاسْتِبْدالِ الَّذِي لَزِمَ فِعْلَهم بِناءً عَلى الشَّرِكَةِ في بَعْضِ أحْكامِ الرُّبُوبِيَّةِ، وإرْجاعُ ضَمِيرِ ( أنْفُسِهِمْ ) إلى إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ قَدْ قالَ بِهِ كُلُّ مَن ذَهَبَ إلى إرْجاعِ ضَمِيرِ ﴿ أشْهَدْتُهُمْ ﴾ إلَيْهِمْ، وعَلَّلَ ذَلِكَ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ حَذَرًا مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ ومُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ لَفْظِ الأنْفُسِ ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ تُرْجِعَ الضَّمِيرَ الثّانِيَ إلى الظّالِمِينَ، ويُلْتَزَمُ التَّفْكِيكُ بِناءً عَلى عَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ؛ فَإنَّ نَفْيَ إشْهادِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهم هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ إنْكارُ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ بِناءً عَلى أنَّ أدْنى ما يُصَحِّحُ التَّوَلِّيَ حُضُورُ الوَلِيِّ خَلْقَ المُتَوَلِّي وحَيْثُ لا حُصُولَ لا مُصَحِّحَ لِلتَّوَلِّي قَطْعًا، وأمّا إشْهادُ بَعْضِ الشَّياطِينِ خَلْقَ بَعْضٍ مِنهم فَلَيْسَ مِن مَداراتِهِ الإنْكارُ المَذْكُورُ في شَيْءٍ عَلى أنَّ إشْهادَ بَعْضِهِمْ خَلْقَ بَعْضٍ إنْ كانَ مُصَحِّحًا لِتَوَلِّي الشّاهِدِ بِناءً عَلى دَلالَتِهِ عَلى كَمالِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ لَهُ مَدْخَلًا في خَلْقِ المَشْهُودِ في الجُمْلَةِ فَهو مُخِلٌّ بِتَوَلِّي المَشْهُودِ بِناءً عَلى قُصُورِهِ عَمَّنْ شَهِدَ خَلْقَهُ فَلا يَكُونُ نَفْيُ الإشْهادِ المَذْكُورِ مُتَمَحِّضًا في نَفْيِ الكَمالِ المُصَحَّحِ لِلتَّوَلِّي عَنِ الكُلِّ وهو المَناطُ لِلْإنْكارِ المَذْكُورِ.

وفِي الآيَةِ تَهَكُّمٌ بِالكُفّارِ وإيذانٌ بِكَمالِ رَكاكَةِ عُقُولِهِمْ وسَخافَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ لا يَفْهَمُونَ هَذا الأمْرَ الجَلِيَّ الَّذِي لا يَكادُ يُشْتَبَهُ عَلى البُلْهِ والصِّبْيانِ فَيَحْتاجُونَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، وإيثارُ نَفْيِ الإشْهادِ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ ونَفْيِ اتِّخاذِهِمْ أعْوانًا عَلى نَفْيِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ تَعالى تابِعُونَ لِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الشُّهُودِ والمَعُونَةِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ إحْضارٍ واتِّخاذٍ، وإنَّما قُصارى ما يُتَوَهَّمُ فِيهِمْ أنْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ المَبْلَغَ بِأمْرِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ ولَمْ يَكَدْ ذَلِكَ يَكُونُ اه.

وهُوَ كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَشْمَلُ أهْلَها وكَثِيرًا ما يُرادُ مِنهُما ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الكُفّارُ فَتُفِيدُ الآيَةُ نَفْيَ إشْهادِ الشَّياطِينِ خَلْقَهُمُ الَّذِي مِن مَداراتِهِ الإنْكارُ المَذْكُورُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التِزامِ التَّفْكِيكِ الَّذِي هو خِلافُ المُتَبادَرِ، وظاهِرُ كَلامِهِ وكَذا كَلامِ كَثِيرٍ حَمْلُ الإشْهادِ المَنفِيِّ عَلى حَقِيقَتِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المُشاوَرَةُ مَجازًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ ما في البَحْرِ ولا مانِعَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَشْمَلُ أهْلَهُما فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما شاوَرْتُهم في خَلْقِ أحَدٍ لا الكُفّارَ ولا غَيْرَهُمْ، فَما بالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَتَوَلَّوْنَهم وأدْنى ما يُصَحِّحُ التَّوَلِّيَ كَوْنُ الوَلِيِّ مِمَّنْ يُشاوَرُ في أمْرِ المُتَوَلِّي أوْ أمْرِ غَيْرِهِ ويَكُونُ نَفْيُ اتِّخاذِهِمْ أعْوانًا مُطْلَقًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بَعْدَ نَفْيِ مُشاوَرَتِهِمْ في الخَلْقِ لِيُؤَدِّيَ الكَلامُ ظاهِرًا عُمُومَ نَفِي مَدْخَلِيَّتِهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ رَأْيًا وإيجادًا وغَيْرَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولَعَلَّ الآيَةَ حِينَئِذٍ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ مِن وجْهٍ، وقِيلَ: قَدْ يُرادُ مِن نَفْيِ الإشْهادِ في جانِبِ المَعْطُوفِ نَفْيُ المُشاوَرَةِ ومِنهُ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا حَسْبَ مَشِيئَتِهِمْ، ومِنهُ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا خُلِقُوا كامِلِينَ فَإنَّهُ يُقالُ: خُلِقَ كَما شاءَ بِمَعْنى خُلِقَ كامِلًا قالَ الشّاعِرُ: خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيْبٍ كَأنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَما تَشاءُ وعَلى هَذا يَكُونُ في الخَلْقِ مَن أُشْهِدَ خَلْقَ نَفْسِهِ، بِمَعْنى أنَّهُ خُلِقَ كامِلًا، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَدْ يُكْتَفى بِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى أنَّ نَفْيَ الكَمالِ بِأقَلَّ مِن هَذِهِ المَئُونَةِ فافْهَمْ.

وزَعَمَ أنَّ الكامِلِينَ شَهِدُوا حَقِيقَةَ خَلْقِ أنْفُسِهِمْ بِمَعْنى أنَّهم رَأوْا وهم أعْيانٌ ثابِتَةٌ خَلْقَهُمْ؛ أيْ: إفاضَةَ الوُجُودِ الخارِجِيِّ الَّذِي لا يَتَّصِفُ بِهِ المَعْدُومُ عَلَيْهِمْ لا أرى أنَّ كامِلًا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أوْ يُصْغِي إلَيْهِ، وقالَ الإمامُ بَعْدَ حِكايَةِ القَوْلِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرَيْنِ إلى الشَّياطِينِ: الأقْرَبُ عِنْدِي عَوْدُهُما عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا لِلرَّسُولِ  : إنْ لَمْ تَطْرُدْ عَنْ مَجْلِسِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ لَمْ نُؤْمِن بِكَ؛ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ ما كانُوا شُرَكائِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّمَواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ولا اعْتَضَدْتُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، فَلِمَ أقْدَمُوا عَلى هَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ؟

ونَظِيرُهُ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ عَلَيْكَ اقْتِراحاتٍ عَظِيمَةً فَإنَّكَ تَقُولُ لَهُ: لَسْتَ بِسُلْطانِ البَلَدِ حَتّى نَقْبَلَ مِنكَ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الهائِلَةَ فَلِمَ تُقْدِمُ عَلَيْها، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ عَلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو في الآيَةِ - أُولَئِكَ الكُفّارُ - لِأنَّهُمُ المُرادُ بِالظّالِمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ انْتَهى.

وقِيلَ: المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرَيْنِ عَلى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ إنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ مِن أحْوالِ السَّعادَةِ وضِدِّها لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا شاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِشَرَفِهِمْ ورَفْعَتِهِمْ عِنْدَ الخَلْقِ وبِأضْدادِ هَذِهِ الأحْوالِ لِلْفُقَراءِ، وقِيلَ: المَعْنى عَلَيْهِ: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ ذَلِكَ وما أطْلَعْتُهم عَلى أسْرارِ التَّكْوِينِ وما خَصَصْتُهم بِخَصائِصَ لا يَحْوِيها غَيْرُهم حَتّى يَكُونُوا قُدْوَةً لِلنّاسِ فَيُؤْمِنُوا بِإيمانِهِمْ كَما يَزْعُمُونَ فَلا تَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِمْ طَمَعًا في نُصْرَتِهِمْ لِلدِّينِ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْتَضِدَ لِدِينِي بِالمُضِلِّينَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيِّ والحَسَنِ وشَيْبَةَ: «وما كُنْتَ» بِفَتْحِ التّاءِ خِطابًا لَهُ  ، والمَعْنى: ما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، ولَعَلَّ وصْفَ أُولَئِكَ الظّالِمِينَ بِالإضْلالِ لِما أنَّ قَصْدَهم بِطَرْدِ الفُقَراءِ تَنْفِيرُ النّاسِ عَنْهُ  وهو إضْلالٌ ظاهِرٌ وقِيلَ: كُلُّ ضالٍّ مُضِلٍّ لِأنَّ الإضْلالَ إمّا بِلِسانِ القالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ، والثّانِي لا يَخْلُو عَنْهُ ضالٌّ، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلْمَلائِكَةِ، والمَعْنى: ما أشْهَدْتُهم ذَلِكَ ولا اسْتَعَنْتُ بِهِمْ في شَيْءٍ بَلْ خَلَقْتُهم لِيَعْبُدُونِي فَكَيْفَ يُعْبَدُونَ، ويَرُدُّهُ: ﴿ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ إلّا أنْ يُقالَ: هو نَفْيٌ لِاتِّخاذِ الشَّياطِينِ أعْوانًا فَيُسْتَفادُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ نَفْيُ صِحَّةِ عِبادَةِ الفَرِيقَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرانِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ وعَلى النّاسِ بِالجُمْلَةِ فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ الرَّدَّ عَلى طَوائِفَ مِنَ المُنَجِّمِينَ وأهْلِ الطَّبائِعِ والأطِبّاءِ ومَن سِواهم مِمَّنْ يَخُوضُ خَوْضَهُمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ عَبْدُ الحَقِّ الصَّقَلِّيُّ وذَكَرَهُ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ انْتَهى.

ويُقالُ عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ نَحْوُ ما قِيلَ فِيها آنِفًا.

واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاسْتِعانَةُ بِالكافِرِ وهو في أُمُورِ الدِّينِ كَجِهادِ الكُفّارِ وقِتالِ أهْلِ البَغْيِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الأئِمَّةِ ولِبَعْضِهِمْ في ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِهِمْ في أُمُورِ الدُّنْيا فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِها سَواءٌ كانَتْ في أمْرٍ مُمْتَهَنٍ كَنَزْحِ الكَنائِفِ أوْ في غَيْرِهِ كَعَمَلِ المَنابِرِ والمَحارِيبِ والخِياطَةِ ونَحْوِها، ولَعَلَّ أفْرَضَ اليَهُودِيَّ أوِ الكَلْبَ قَدْ ماتَ في كَلامِ الفارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِعَدِّ ما اسْتُخْدِمَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أوْ هو مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِيارِ تَفْصِيلٍ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ أيْضًا.

وقَدْ حَكى الشِّيعَةُ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ حِينَ صَمَّمَ عَلى عَزْلِ مُعاوِيَةَ وأشارَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِإبْقائِهِ عَلى عَمَلِهِ إلى أنْ يَسْتَفْحِلَ أمْرُ الخِلافَةِ: يَمْنَعُنِي مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ فَلا أتَّخِذُ مُعاوِيَةَ عَضُدًا أبَدًا، وهو كَذِبٌ لا يَعْتَقِدُهُ إلّا ضالٌّ مُضِلٌّ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والسِّخْتِيانِيُّ وعَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ: «ما أشْهَدْناهُمْ» بِنُونِ العَظَمَةِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ» عَلى إعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ: «عُضْدًا» بِسُكُونِ الضّادِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ، وقَرَأ عِيسى «عَضْدًا» بِسُكُونِ الضّادِ لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا في رَجُلٍ وسَبُعٍ رَجْلٌ وسَبْعٌ بِالسُّكُونِ وهي لُغَةٌ عَنْ تَمِيمٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ.

وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ والخِفافِ وأبِي زَيْدٍ: «عُضُدًا» بِضَمَّتَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا، وكَذا رُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو عَلى هَذا إمّا لُغَةٌ في العَضُدِ كَما في البَحْرِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في القامُوسِ وإمّا جَمْعُ عاضِدٍ كَخَدَمٍ جَمْعِ خادِمٍ مِن عَضَّدَهُ بِمَعْنى قَوّاهُ وأعانَهُ فَحِينَئِذٍ لا اسْتِعارَةَ.

وقَرَأ الضَّحّاكُ: «عِضَدًا» بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ مِن لُغاتِهِ، نَعَمْ في القامُوسِ عَدَّ عَضِدٌ كَكَتِفٍ مِنها وهو عَكْسُ هَذِهِ القِراءَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: مَّا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي ما استعنت بهم على خلق السموات والأرض، يعني: إبليس وذريته وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ، أي ولا استعنت بهم على خلق أنفسهم.

وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ، أي ما كنت أتخذ الذين يضلون الناس عونا يعني: الشياطين، عَضُداً وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ، أي لعبده الأوثان وهو يوم القيامة نادُوا شُرَكائِيَ أي: ادعوا آلهتكم، الَّذِينَ زَعَمْتُمْ في الدنيا أنهم لي شركاء، ليمنعوكم مني من عذابي فَدَعَوْهُمْ، يعني: الآلهة، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ أي لم يجيبوهم.

وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال مجاهد: وادٍ في جهنم، وهكذا قال مقاتل، وقال القتبي: أي مهلكاً بينهم وبين آلهتهم في جهنم، ومنه يقال: أَوبقته ذنوبه ويقال: موعداً، وقال الزجاج: وجعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم، أي وجعلنا بينهم وبين شركائهم الذين أضلوهم مَوْبِقاً أي مهلكاً.

قرأ حمزة ويوم نَّقُولُ بالنون وقرأ الباقون بالياء.

ثمّ قال: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ، أي رآها المشركون من مكان بعيد، فَظَنُّوا أي علموا واستيقنوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، أي داخلوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً أي معدلاً ولا ملجأً ولا مفراً يرجعون إليه.

قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا، أي بيّنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ، أي من كل وجه ونوع ليتعظوا فلم يتعظوا، ويقال: بينا من كل وجه يحتاجون إليه.

وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا من أمر الباطل، يعني: من أمر البعث مثل أبيّ بن خلف وأصحابه.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا يحيى بن محمد الصاعد قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا الحجاج بن دينار قال، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله  : «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ» .

والدليل على أن الإنسان أراد به الكافر، ما قال في سياق الآية وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ ...

الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الْكِتابُ اسم جنس يراد به كُتُب النَّاس التي أحصتها الحَفَظة لواحدٍ واحدٍ، ويحتمل أن يكون الموضوع كتاباً واحداً حاضراً، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ قالت فرقة: إبليسُ لم يكُنْ من الملائكَةِ، بل هو من الجِنِّ، وهم الشياطينُ المخلوقون من مَارِجٍ من نارٍ، وجميعُ الملائكة إنما خلقوا من نورٍ، واختلَفَتْ هذه الفرقةُ، فقال بعضهم: إِبليس من الجنِّ، وهو أولهم وبَدْأَتُهم، كآدمَ من الإِنس، وقالت فرقة: بل كان إِبليس وقبيلُهْ جِنًّا، لكن جميع الشياطين اليَوْمَ من ذريته، فهو كُنوح في الإنس، واحتجُّوا بهذه الآية.

وقوله: فَفَسَقَ معناه فخرج عن أمر ربِّه وطاعته.

وقوله عزَّ وجلَّ: أَفَتَتَّخِذُونَهُ يريد: أَفتَتَّخِذُونَ إِبليس.

وقوله: وَذُرِّيَّتَهُ: ظاهر اللفظ يقتضي المُوَسْوِسين من الشياطين، الذين يأمْرُون بالمنْكَر، ويحملون على الأباطيل.

وقوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا أي: بدل ولايةِ اللَّه عزَّ وجلَّ بولاية إِبليس وذريته، وذلك هو التعوُّض من الحقّ بالباطل.

ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣)

وقوله سبحانه: ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية: الضمير في أَشْهَدْتُهُمْ عائدٌ على الكُفَّار، وعلى النَّاس بالجملة/ فتتضمَّن الآية الرَّدَّ على طوائف من المنجِّمِين وأهْل الطبائعِ والمتحكِّمين من الأطبَّاء، وسواهم مِنْ كل من يتخرَّص في هذه الأشياء، وقيل: عائدٌ على ذرية إِبليس، فالآية على هذا تتضمَّن تحقيرَهُم، والقولُ الأول أعظم فائدةً، وأقول: إنَّ الغرض أولاً بالآية هُمْ إِبليس وذريته، وبهذا الوجْه يتَّجه الردُّ على الطوائف المذكورة، وعلى الكُهَّان والعربِ المصدِّقين لهم، والمعظِّمين للجنِّ، حين يقولون: أعُوذُ بِعَزِيز هذا الوَادِي، إِذ الجميع من هذه الفِرَقِ متعلِّقون بإِبليس وذريته، وهم أضلُّ الجميع، فهم المرادُ الأول ب الْمُضِلِّينَ، وتندرج هذه الطوائفُ في معناهم، وقرأ الجمهور «١» : «ومَا كُنْتُ» ، وقرأ أبو جعفر «٢» والجحْدَرِيُّ والحسن، بخلافٍ «وَمَا كُنْت» ، «والعَضُد» : استعارة للمعين والمؤازر، وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ أي: على جهة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( ويَوْمَ تُسَيَّرُ ) بِالتّاءِ ( الجِبالُ ) رَفَعًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ ( الجِبالَ ) نَصْبًا.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ويَوْمَ تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ السِّينِ وتَسْكِينِ الياءِ ( الجِبالُ ) بِالرَّفْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ وَيَوْمَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرُ يَوْمٍ تَسِيرُ الجِبالُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسِيرُ الجِبالُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، كَما يَسِيرُ السَّحابُ في الدُّنْيا، ثُمَّ تُكْسَرُ فَتَكُونُ في الأرْضِ كَما خَرَجَتْ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً ﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: ( وتُرى الأرْضُ بارِزَةً ) بِرَفْعِ التّاءِ والضّادِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ ضادَ ( الأرْضِ ) .

وَفِي مَعْنى ﴿ بارِزَةً ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [ ظاهِرَةٌ ] فَلَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن جَبَلٍ، أوْ شَجَرٍ، أوْ بِناءٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: بارِزًا أهْلُها مِن بَطْنِها، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَشَرْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ﴿ فَلَمْ نُغادِرْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: فَلَمْ نَخْلُفْ، يُقالُ: غادَرْتُ كَذا: إذا خَلَّفْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ماءٌ تُخَلِّفُهُ السُّيُولُ.

ورَوى أبانُ: ( فَلَمْ تُغادِرْ ) بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ﴾ إنْ قِيلَ: هَذا أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَكَيْفَ عَبَّرَ [ عَنْهُ ] بِالماضِي ؟

فالجَوابُ: أنَّ ما قَدْ عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ يَجْرِي مَجْرى المُعايِنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ  ﴾ .

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ صَفًّا ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا  ﴾ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ مَصْفُوفِينَ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صُفُوفًا، فَنابَ الواحِدُ عَنِ الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ .

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِ اللَّهِ مِنهم أحَدٌ، فَكانُوا كالصَّفِّ الَّذِي تَسْهُلُ الإحاطَةُ بِجُمْلَتِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ ( فَيُقالُ لَهم ) .

وَفِي المُخاطَبِينَ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُلُّ.

والثّانِي: الكُفّارُ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عامًّا والمَعْنى خاصًّا.

وقَوْلُهُ: ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ مُفَسَّرٌ في ( الأنْعامِ: ٩٤ ) .

وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ ﴾ خِطابُ الكُفّارِ خاصَّةً، والمَعْنى: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا ﴿ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ﴾ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي سُطِرَ فِيهِ ما تَعْمَلُ الخَلائِقُ قَبْلَ وُجُودِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الحِسابُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وضَعَ كِتابَ أعْمالِ العِبادِ في أيْدِيهِمْ، فَعَلى هَذا الكِتابِ اسْمٌ جِنْسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: [ هُمُ ] الكافِرُونَ.

وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ذُكِرَ في القُرْآَنِ، فالمُرادُ بِهِ: الكافِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ ؛ أيْ: خائِفِينَ ﴿ مِمّا فِيهِ ﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، ﴿ وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا ﴾ هَذا قَوْلُ كُلِّ واقِعٍ في هَلَكَةٍ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ يا حَسْرَتَنا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ هَذا عَلى ظاهِرِهِ في صَغِيرِ الأُمُورِ وكَبِيرِها، وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الصَّغِيرَةُ: التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ: القَهْقَهَةُ.

وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ صَغائِرُ الذُّنُوبِ وكَبائِرُها، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ الضَّحِكُ والتَّبَسُّمُ مُجْرَّدَهُما مِنَ الذُّنُوبِ، وإنَّما المُرادُ أنَّ التَّبَسُّمَ مِن صِغارِ الأفْعالِ، والضَّحِكَ فِعْلٌ كَبِيرٌ، وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الصَّغِيرَةُ: التَّبَسُّمُ والِاسْتِهْزاءُ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ: القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَنْبًا مِنَ الذُّنُوبِ لِمَقْصُودِ فاعِلِهِ، لا لِنَفْسِهِ.

ومَعْنى ﴿ أحْصاها ﴾ : عَدَّها وأثْبَتَها، والمَعْنى: وُجِدَتْ مُحْصاةً.

﴿ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ﴾ ؛ أيْ: مَكْتُوبًا مُثْبَتًا في الكِتابِ.

وقِيلَ: رَأوْا جَزاءَهُ حاضِرًا.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: الصَّحِيحُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أنَّ صَغائِرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وُعِدُوا العَفْوَ عَنْها إذا اجْتَنَبُوا الكَبائِرَ، إنَّما يُعْفى عَنْها في الآَخِرَةِ بَعْدَ أنْ يَراها صاحِبُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: لا تَنْقُصُ حَسَناتُ المُؤْمِنِ ولا يُزادُ في سَيِّئاتِ الكافِرِ.

وقِيلَ: إنْ كانَ لِلْكافِرِ فِعْلُ خَيْرٍ، كَعِتْقِ رَقَبَةٍ وصَدَقَةٍ، خُفِّفَ عَنْهُ بِهِ مِن عَذابِهِ، وإنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ أخَذَ اللَّهُ مِنَ المُسْلِمِ فَصارَ الحَقُّ لِلَّهِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمْرَ نَبِيَّهُ  أنْ يَذْكُرَ هَؤُلاءِ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ قِصَّةَ إبْلِيسَ وما أُورِثَهُ الكِبْرُ، فَقالَ: ﴿ وَإذْ قُلْنا ﴾ ؛ أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ حَقِيقَةً لِهَذا النَّصِّ، واحْتَجَّ قائِلُوا هَذا بِأنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً - ولَيْسَ لِلْمَلائِكَةِ ذُرِّيَّةٌ - وأنَّهُ كَفَرَ، والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ، فَهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكُفْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿ مِنَ الجِنِّ ﴾ ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن قَبِيلٍ مِنَ المَلائِكَةِ، يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٤ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، تَقُولُ العَرَبُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها: إذا خَرَجَتْ مِنهُ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ فِسْقِهِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو الحَقُّ عِنْدَنا.

والثّالِثُ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّ أمْرِ رَبِّهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قُطْرُبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي ﴾ ؛ [ أيْ ]: تُوالُونَهم بِالِاسْتِجابَةِ لَهم.

قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: ذُرِّيَّتُهُ: أوْلادُهُ، وهم يَتَوالَدُونَ كَما يَتَوالَدُ بَنُو آَدَمَ.

قالَ مُجاهِدٌ: ذُرِّيَّتُهُ: الشَّياطِينُ، ومِن ذُرِّيَّتِهِ زَلَنْبُورُ صاحِبُ رايَةِ إبْلِيسَ بِكُلِّ سُوقٍ وثَبْرٍ، وهو صاحِبُ المَصائِبِ، والأعْوَرُ صاحِبُ الرِّياءِ، ومِسْوَطٌ صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيَطْرَحُها عَلى أفْواهِ النّاسِ فَلا يُوجَدُ لَها أصْلٌ، وداسِمٌ صاحِبُ الإنْسانِ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ ولَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَهو يَأْكُلُ مَعَهُ إذا أكَلَ.

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ الإنْسانِ في كِبْرٍ فَلا تَرْجُهُ، وإنْ كانَتْ في شَهْوَةٍ فارْجُهُ، فَإنَّ مَعْصِيَةَ إبْلِيسَ كانَتْ بِالكِبْرِ، ومَعْصِيَةُ آَدَمَ بِالشَّهْوَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِئْسَ الِاتِّخاذُ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا.

والثّانِي: بِئْسَ الشَّيْطانُ.

والثّالِثُ: بِئْسَ الشَّيْطانُ والذُّرِّيَّةُ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: ( ما أشْهَدْناهم ) بِالنُّونِ والألِفِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ.

والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.

والرّابِعُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، والمَعْنى: إنِّي لَمْ أُشاوِرْهم في خَلْقِهِنَّ، وفي هَذا بَيانٌ لِلْغَناءِ عَنِ الأعْوانِ وإظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: ما أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، ولا اسْتَعَنْتُ بِبَعْضِهِمْ عَلى إيجادِ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ ﴾ \[ يَعْنِي: الشَّياطِينَ \]، ﴿ عَضُدًا ﴾ ؛ أيْ: أنْصارًا وأعْوانًا.

والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في مَعْنى العَوْنِ؛ لِأنَّهُ قِوامُ [ اليَدِ ] .

قالَ الزَّجّاجُ: والِاعْتِضادُ: التَّقَوِّي وطَلَبُ المَعُونَةِ، يُقالُ: اعْتَضَدْتُ بِفُلانٍ؛ أيِ: اسْتَعَنْتُ بِهِ.

وَفِي ما نَفى اتِّخاذُهم عَضُدًا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوِلاياتِ، والمَعْنى: ما كُنْتُ لِأُولِيَ المُضِلِّينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: ( وما كُنْتُ ) بِفَتْحِ التّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا ﴾ ﴿ وَرَأى المُجْرِمُونَ النارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عنها مَصْرِفًا ﴾ ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ الضَمِيرُ في "أشْهَدْتُهُمْ" عائِدٌ عَلى الكَفّارِ، وعَلى الناسِ بِالجُمْلَةِ، فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ الرَدَّ عَلى طَوائِفَ مِنَ المُنَجِّمِينَ وأهَّلِ الطَبائِعِ والمُتَحَكِّمِينَ مِنَ الأطِبّاءِ وسِواهم مِن كُلِّ مُتَخَرِّصٍ في هَذِهِ الأشْياءِ.

وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتَ الفَقِيهَ أبا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعاذِ المَهْدَوِيِّ بِالمَهْدِيَّةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الحَقِّ الصَقَلِّيِّ يَقُولُ هَذا القَوْلَ، ويَتَأوَّلُ هَذا التَأْوِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها رادَّةٌ عَلى هَذِهِ الطَوائِفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ هَذا بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ.

وقِيلَ: الضَمِيرُ في "أشْهَدْتُهُمْ" عائِدٌ عَلى ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ، فَهَذِهِ الآيَةُ -عَلى هَذا- تَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَهم.

والقَوْلُ الأوَّلُ أعْظَمُ فائِدَةً، وأقُولُ: إنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ أوَّلًا بِالآيَةِ هم إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وبِهَذا الوَجْهِ يَتَّجِهُ الرَدُّ عَلى الطَوائِفِ المَذْكُورَةِ، وعَلى الكُهّانِ والعَرَبِ المُصَدِّقِينَ لَهم والمُعَظِّمِينَ لِلْجِنِّ حِينَ يَقُولُونَ: أعُوذِ بِعَزِيزِ هَذا الوادِي، إذِ الجَمِيعُ مِن هَذِهِ الفِرَقِ مُتَعَلِّقُونَ بِإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وهم أضَلُّوا الجَمِيعَ، فَهُمُ المُرادُ الأوَّلُ بِالمُضِلِّينَ، وتَنْدَرِجُ هَذِهِ الطَوائِفُ في مَعْناهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أشَهَدْتُهُمْ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعَوْفُ العَقِيلِيِّ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيِّ: "أشْهَدْناهُمْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَما كُنْتُ" وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ-: "وَما كُنْتَ"، والصِفَةُ بِـ "المُضِلِّينَ" تَتَرَتَّبُ في الطَوائِفِ المَذْكُورَةِ، وفي ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ.

و"العَضُدُ" اسْتِعارَةٌ لِلْمُعِينِ والمُؤازِرِ، وهو تَشْبِيهٌ بِعَضُدِ الإنْسانِ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَضُدًا" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الضادِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، والحَسَنُ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الضَحاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "عُضْدًا" بِضَمِّ العَيْنِ وسُكُونِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَضَدًا" بِفَتْحِ العَيْنِ والضادِ، وفِيهِ لُغاتٌ غَيْرُ هَذا لَمْ يُقْرَأْ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ ﴾ ، الآيَةُ وعِيدٌ، والمَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وقَرَأ طَلْحَةُ، ويَحْيى، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ: "نَقُولُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالياءِ، أيْ: "يَقُولُ" اللهُ تَعالى لِلْكُفّارِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ مِنَ الدُنْيا سِواهُ: ﴿ نادُوا شُرَكائِيَ ﴾ عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ بِهِمْ، وقَوْلُهُ: "شُرَكائِيَ"، أيْ: عَلى دَعْواكم أيُّها المُشْرِكُونَ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: "شُرَكائِيَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "شُرَكائِي" بِهَمْزَةٍ، فَمِنهم مَن حَقَّقَها، ومِنهم مَن خَفَّفَها، و"الزَعْمُ" إنَّما هو مُسْتَعْمَلٌ أبَدًا في غَيْرِ اليَقِينِ، بَلْ أغْلَبُهُ في الكَذِبِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ، وأرْفَعُ مَواضِعِهِ أنْ تُسْتَعْمَلَ "زَعَمَ" بِمَعْنى "أخْبَرَ" حَيْثُ تُلْقِي عُهْدَةَ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ، كَما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: "زَعَمَ الخَلِيلُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً، كَأنَّ فَكْرَةَ الكُفّارِ ونَظَرَهم في أنَّ تِلْكَ الجَماداتِ لا تُغْنِي شَيْئًا ولا تَنْفَعُ هي بِمَنزِلَةِ الدُعاءِ وتَرَكِ الإجابَةِ، والأوَّلُ أبْيَنُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "مَوْبِقًا" قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ يَجْرِي بِدَمٍ وصَدِيدٍ، قالَ أنَسُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَحْجِزُ بَيْنَ أهْلِ النارِ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: "بَيْنَهُمْ" ظَرْفٌ.

وقالَ الحَسَنٌ: "مَوْبِقًا": عَداوَةً، و"بَيْنَهُمْ" -عَلى هَذا- ظَرْفٌ.

وبَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ يَرى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَهُمْ" يَعُودُ عَلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المُشْرِكِينَ ومَعْبُوداتِهِمْ في الدُنْيا، وأمّا التَأْوِيلُ الأوَّلُ فالضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ ومَعْبُوداتِهِمْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "مَوْبِقًا" مَعْناهُ: مُهْلِكًا، بِمَنزِلَةِ: مَوْضِعٍ، وهو مِن قَوْلِكَ: وبَقَ الرَجُلُ وأوبَقَهُ غَيْرُهُ إذا أهْلَكَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "بَيْنَهُمْ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا، والأظْهَرُ فِيهِ أنْ يَكُونَ اسْمًا بِمَعْنى: وجَعَلَنا تَواصَهم أمْرًا مُهْلِكًا لَهُمْ، ويَكُونُ "بَيْنَهُمْ" مَفْعُولًا أوَّلًا لِـ "جَعَلْنا".

وعَبَّرَ بَعْضُهم عَنِ "المَوْبِقِ" بِالوَعِيدِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ عن رُؤْيَةِ المُجْرِمِينَ النارَ، ومُعايَنَتِهِمْ لَها، ووُقُوعِ العِلْمِ لَهم بِأنَّهم مُباشِرُوها، وأطْلَقُ الناسِ أنَّ "الظَنَّ" هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ قالَ تَعالى بَدَّلَ "ظَنُّوا": "أيْقَنُوا" لَكانَ الكَلامُ مُتَّسِقًا عَلى مُبالَغَةِ فِيهِ، ولَكِنَّ العِبارَةَ بِالظَنِّ لا تَجِيءُ أبَدًا في مَوْضِعِ يَقِينٍ تامٍّ قَدْ نالَهُ الحِسُّ، بَلْ أعْظَمُ دَرَجاتِهِ أنْ يَجِيءَ في مَوْضِعِ عِلْمٍ مُتَحَقِّقٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ المَظْنُونُ، وإلّا فَما يَقَعُ ويُحَسُّ لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ العِبارَةُ عنهُ بِالظَنِّ، وتَأمَّلْ هَذِهِ الآيَةَ، وتَأمَّلْ قَوْلَ دُرَيْدٍ: فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ.

وَقَرَأ الأعْمَشُ: "فَظَنُّوا أنَّهم مُلاقُوها"، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحَكى أبُو عَمْرُو الدانِي عن عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "مُلافُّوها" بِالفاءِ مُشَدَّدَةً، مَن لَفَّفْتُ.

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: "إنَّ الكافِرَ لِيَرى جَهَنَّمَ ويَظُنَّ أنَّها مُواقِعَتُهُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً".

و"المَصْرِفُ": المَعْدِلُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: أزُهَيْرُ هَلْ عن شَيْبَةَ مِن مَصْرِفِ ∗∗∗ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ وهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِانْصِرافِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنا ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: ولَقَدْ خَوَّفْنا ورَجَّيْنا وبالَغْنا في البَيانِ، وهَذا كُلُّهُ بِتَمْثِيلٍ وتَقْرِيبٍ لِلْأذْهانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ لَهُ نَفْعٌ في الغَرَضِ المَقْصُودِ بِهِمْ وهو الهِدايَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ خَبَرٌ مُقْتَضَبٌ في ضِمْنِهِ: فَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ تَصْرِيفُ الأمْثالِ، بَلْ هم قَوْمٌ مُنْحَرِفُونَ يُجادِلُونَ بِالباطِلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "الإنْسانُ" يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو النَضْرُ بْنُ الحارِثِ، وقِيلَ: ابْنُ الزِبَعْرٍيِّ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  دَخَلَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَدْ نامَ عن صَلاةِ اللَيْلِ فَأيْقَظَهُ وعاتَبَهُ، فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: إنَّما نَفْسِي بِيَدِ اللهِ، ونَحْوَ هَذا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  وهو يَضْرِبُ خَدَّهُ بِيَدِهِ ويَقُولُ: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ .» فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الآيَةَ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ الناسِ، و"الجَدَلُ": الخِصامُ والمُدافَعَةُ بِالقَوْلِ، فالإنْسانُ أكْثَرُ جَدَلًا مِن كُلِّ ما يُجادِلُ مِن مَلائِكَةٍ وجِنٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ إنْ فُرِضَ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ﴾ تَعْلِيمُ تَفَجُّعٍ مّا عَلى الناسِ، ويَتَبَيَّنُ فِيما بَعْدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تتنزل هذه الجملة منزلة التعليل للجملتين اللتين قبلها وهما ﴿ أفتتخذونه وذريته ﴾ إلى قوله: ﴿ بدلاً ﴾ [الكهف: 50]، فإنهم لما لم يشهدوا خلق السماوات والأرض لم يكونوا شركاء لله في الخلق بطريق الأولى فلم يكونوا أحقاء بأن يعبدوا.

وهذا احتجاج على المشركين بما يعترفون به فإنهم يعترفون بأن الله هو المتفرد بخلق السماوات والأرض وخلق الموجودات.

والإشهاد: جعل الغير شاهداً، أي حاضراً، وهو هنا كناية عن إحضار خاص، وهو إحضار المشاركة في العمل أو الإعانة عليه.

ونفي هذا الشهود يستلزم نفي المشاركة في الخلق والإلهية بالفحوى أي، بالأولى، فإن خلق السماوات كان قبل وجود إبليس وذريته، فهو استدلال على انتفاء إلهيتهم بسبق العدم على وجودهم.

وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القِدم، والقدم من لوازم الإلهية.

وضمائر الغيبة في قوله: أشهدتهم } وقوله: ﴿ أنفسهم ﴾ عائدة إلى المتحدث عنه، أي إبليس وذريته كما عاد إليهم الضمير في قوله: ﴿ وهم لكم عدوّ ﴾ .

ومعنى ﴿ أنفسهم ﴾ ، أنفس بعضهم بقرينة استحالة مشاهدة المخلوق خلق نفسه، فإطلاق الأنفس هنا نظير إطلاقه في قوله تعالى: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] وفي قوله: ﴿ ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ﴾ [البقرة: 84]، أي أنفس بعضكم.

فعلى هذا الوجه تتناسق الضمائر ويتقوم المعنى المقصود.

واعلم أن الله تعالى خلق السماوات والأرض قبل أن يخلق لهما سكانهما كما دل عليه قوله: ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ [فصّلت: 9 12].

وكان أهل الجاهلية يعتقدون في الأرض جنّا متصرفين فكانوا إذا نزلوا وادياً مخوفاً قالوا: أعوذ بعزيز هذا الوادي، ليكونوا في أمن من ضره.

وقرأ أبو جعفر ما أشهدناهم } بنون العظمة، وقرأ ﴿ وما كنتَ ﴾ بفتح التاء على الخطاب، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في النهي.

والمراد ب ﴿ المضلّين ﴾ الشياطين، لأنهم أضلوا الناس بإلقاء خواطر الضلالة والفساد في النفوس، كما قال تعالى: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ [الأنعام: 121].

وجملة وما كنت متخذ المضلين عضداً } تذييل لجملة ﴿ ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ﴾ .

والعدول عن الإضمار بأن يقال: وما كنت متخذهم إلى ﴿ المضلين ﴾ لإفادة الذم، ولأن التذييل ينبغي أن يكون كلاماً مستقلاً.

والعضد بفتح العين وضم الضاد المعجمة في الأفصح، وبالفتح وسكون الضاد في لغة تميم.

وفيه لغات أخرى أضعف.

ونسب ابن عطية أن أبا عمرو قرأه بضم العين وضم الضاد على أنها لغة في عَضد وهي رواية هارون عن أبي عمرو وليست مشهورة.

وهو: العظم الذي بين المرفق والكتف، وهو يطلق مجازاً على المعين على العمل، يقال: فلان عَضدي واعتضدت به.

والمعنى: لا يليق بالكمال الإلهي أن أتخذ أهل الإضلال أعواناً فأشركهم في تصرفي في الإنشاء، فإن الله مفيض الهداية وواهب الدراية فكيف يكون أعوانه مصَادر الضلالة، أي لا يعين المُعين إلا على عمل أمثاله، ولا يكون إلا قريناً لأشكاله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما أشْهَدْتُ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ.

الثّانِي: ما أشْهَدْتُ جَمِيعَ الخَلْقِ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما أشْهَدْتُهم إيّاها اسْتِعانَةً بِهِمْ في خَلْقِها.

الثّانِي: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَها فَيَعْلَمُوا مِن قُدْرَتِي ما لا يَكْفُرُونَ مَعَهُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ما أشْهَدْتُهم خَلْقَها فَيُحِيطُونَ عِلْمًا بِغَيْبِها لِاخْتِصاصِ اللَّهِ بِعِلْمِ الغَيْبِ دُونَهُ خَلَقَهُ.

﴿ وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما اسْتَعَنْتُ بِبَعْضِهِمْ عَلى خَلْقِ بَعْضٍ.

الثّانِي: ما أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ما أعْلَمْتُهم خَلْقَ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ يَعْلَمُونَ خَلْقَ غَيْرِهِمْ.

﴿ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أوْلِياءً.

الثّانِي: أعْوانًا، ووَجَدْتُهُ مَنقُولًا عَنِ الكَلْبِيِّ.

وَفِيما أرادَ أنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْهم فِيهِ أعْوانًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أعْوانًا في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.

الثّانِي: أعْوانًا لِعَبَدَةِ الأوْثانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَفِي هَؤُلاءِ المُضِلِّينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.

الثّانِي: كُلُّ مُضِلٍّ مِنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ.

قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذا كانَ ذَنْبُ المَرْءِ مِن قِبَلِ الشَّهْوَةِ فارْجُهُ، وإذا كانَ مِن قِبَلِ الكِبْرِ فَلا تَرْجُهُ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ كانَ ذَنْبَهُ مِن قِبَلِ الكِبْرِ فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وكانَ ذَنْبُ آدَمَ مِن قِبَلِ الشَّهْوَةِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَقَدْ أشارَ بَعْضُ الشُّعَراءِ إلى هَذا المَعْنى فَقالَ: ؎ إذا ما الفَتى طاحَ في غَيِّهِ فَرَجِّ الفَتى لِلتُّقى رَجِّهْ ∗∗∗ فَقَدْ يَغْلَطُ الرَّكْبُ نَهْجَ الطَّ ∗∗∗ رِيقِ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَهْجِهِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ﴾ قال: يقول ما أشهدت الشياطين الذين اتخذتم معي هذا ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ قال: الشياطين ﴿ عضداً ﴾ قال: ولا اتخذتهم عضداً على شيء عضدوني عليه فأعانوني.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين عضداً ﴾ قال: أعواناً.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين عضداً ﴾ قال: أعواناً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ يقول: مهلكاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ موبقاً ﴾ يقول: مهلكاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ موبقاً ﴾ قال: واد في جهنم.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن أنس في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عمر في قوله: ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ قال: هو واد عميق في النار، فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عمرو البكالي قال: الموبق الذي ذكر الله، واد في النار بعيد القعر يفرق به يوم القيامة بين أهل الإسلام، وبين من سواهم من الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله: ﴿ موبقاً ﴾ قال: هو نهر في النار يسيل ناراً، على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالإقتحام في النار منها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب قال: إن في النار أربعة أودية يعذب الله بها أهلها: غليظ، وموبق، وأثام، وغي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي: ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته (١) قال صاحب النظم: (أومأ بقوله: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ ﴾ إلى أنه لم يشاورهم في خلق السموات والأرض ولا في خلق أنفسهم) (٢) ﴿ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ أي: الشياطين الذين يضلون الناس.

وقال أهل المعاني: هذه الآية تأكيد في زجرهم عن اتخاذ إبليس وذريته أولياء.

يقول: ليس عندهم علم ما تحتاجون إليه فتقبلوا أنتم على إتباعهم، فإني لم أشهدهم خلق السموات والأرض.

وقيل: (إن هذه الآية إخبار عن كمال قدرة الله تعالى، واستغنائه عن الأنصار والأعوان) (٣) قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ قال قتادة: (أعوانا) (٤) ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ  ﴾ أي: سنعينك ونقويك، وكل معين فهو عضد، وعاضدني فلان أي: عاونني، وفي العضد لغات: عَضُد، وعَضْد، وعُضُد، وعُضْد (٥) وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: لم يعضدوا لي وليًا، ولم ينصروا لي عبدًا، ولم يقوموا لأحد من أوليائي بحق) (٦) (١) "جامع البيان" 15/ 263، "معالم التنزيل" 5/ 180، "المحرر الوجيز" 9/ 333، "النكت والعيون" 3/ 315.

(٢) ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 180 بدون نسبة، والسمرقندي في "النكت والعيون" 3/ 315.

(٣) "الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "بحر العلوم" 2/ 303.

(٤) "جامع البيان" 15/ 263، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 341، "الدر المنثور" 4/ 412.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (عضد) 3/ 2471، "مقاييس اللغة" (عضد) 4/ 348، "القاموس المحيط" (العضد) 1/ 299، "الصحاح" (عضد) ص 509.

(٦) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ الضمير للشياطين على وجه التحقير لهم أو للكفار أو لجميع الخلق، فيكون فيه ردّ على المنجمين وأهل الطبائع وسائر الطوائف المتخرصة ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ﴾ أي معيناً ومعنى المضلين: الذين يضلون العباد وذلك يقوّي أن المراد الشياطين ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ﴾ يقول هذا للكفار على وجه التوبيخ لهم، وأضاف تعالى الشركاء إلى نفسه على زعمهم، وقد بين هذا بقوله: الذين زعمتم ﴿ مَّوْبِقاً ﴾ أي مهلكاً، وهو اسم موضع أو مصدر من: وبق الرجل إذا هلك، وقد قيل: إنه واد من أودية جهنم، والضمير في بينهم للمشركين وشركائهم ﴿ فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ الظن هنا بمعنى اليقين ﴿ مَصْرِفاً ﴾ أي معدلاً ينصرفون إليه ﴿ جَدَلاً ﴾ أي مخاصمة ومدافعة بالقول ويقتضي سياق الكلام ذم الجدل، وسببها فيما قيل مجالة النضر بن الحارث، على أن الإنسان هنا يراد به الجنس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسير الجبال ﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.

الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال.

ما أشهدناهم يزيد.

الآخرون ﴿ ما أشهدتهم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد.

الباقون على التكلم ﴿ ويوم نقول ﴾ بالنون: حمزة الباقون على الغيبة ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي.

الباقون بكسر القاف وفتح الباء.

﴿ لمهلكهم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام: حفص ﴿ لمهلكهم ﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل.

الباقون بضم الميم وفتح اللام.

الوقوف: ﴿ بارزة ﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿ أحداً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ صفاً ﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿ أول مرة ﴾ ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿ موعداً ﴾ ه ﴿ أحصاها ﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" ﴿ حاضراً ﴾ ه ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أمر ربه ﴾ ط ﴿ عدواً ﴾ ط ﴿ بدلاً ﴾ ه أنفسهم ص ﴿ عضداً ﴾ ه ﴿ موبقاً ﴾ ه ﴿ مصرفاً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ه ﴿ قبلاً ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ يداه ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ موئلاً ﴾ ه ﴿ موعداً ﴾ .

التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب.

ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ وفاعل التسيير هو الله  إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ ، ﴿ وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً  ﴾ وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت  ﴾ فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ﴿ وحشرناهم ﴾ الضمير للخلائق المعلوم حكماً ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ من الأوّلين والآخرين.

يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء.

والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله.

ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته.

قالت المشبهة: في قوله: ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ دليل على أنه  في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ وأجيب بأنه  شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان.

وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً.

والصف إما واحد وإما جمع كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أي أطفالاً.

وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف  ﴾ .

وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول.

وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله ﴿ خلقناكم ﴾ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً.

أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك.

﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي جنسه وهو صحف الأعمال.

والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار.

﴿ فترى المجرمين مشفقين ﴾ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح.

ومعنى النداء في ﴿ يا ويلتنا ﴾ قد مر في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ وقوله: ﴿ صغيرة ولا كبيرة ﴾ صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل.

وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر.

قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر.

وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة.

وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا.

وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر.

وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ فتذكر ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم.

والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة.

وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية.

عن رسول الله  : "يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟

فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار.

ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار" ثم إنه  عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه.

قال جار الله: قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة.

وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن.

ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة.

ومعنى ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ خرج عن طاعته.

وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ .

وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.

ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر.

والمعاصي وخالق أمر الله فقال: ﴿ أفتتخذونه ﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿ وذريته أولياء من دوني ﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد  نبياً ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ أي بئس البدل من الله.

إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته.

قال الجبائي.

في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد  هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه.

فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.

ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ أي متخذهم ﴿ عضداً ﴾ أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال.

وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك.

وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء.

ومن قرأ ﴿ وما كنت ﴾ بفتح التاء فالخطاب للرسول  والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ﴿ يقول ﴾ الله لهم ﴿ نادوا ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم ﴿ شركائي ﴾ فأهلتموهم للعبادة.

قال المفسرون: أراد الجن ﴿ فدعوهم ﴾ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ﴿ إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا  ﴾ ﴿ فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يدفعوا عنهم ضرراً ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ عن الحسن ﴿ موبقاً ﴾ عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا".

وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.

وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً.

وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم.

وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.

قوله: ﴿ فظنوا ﴾ قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً  ﴾ ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر.

ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة.

وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: ﴿ أكثر شيء ﴾ كقوله ﴿ أول مرة ﴾ وقد مر في "الأنعام".

وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم.

قال أهل البرهان: قوله  في سورة "بني إسرائيل": ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى  ﴾ وقال في هذه السورة بزيادة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد  إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس.

ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك.

وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً  ﴾ وكذا قوم هود ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه  ﴾ وقوم صالح ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب  ﴾ وقوم شعيب ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود  ﴾ فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم.

والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً.

ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً.

وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة.

ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال ﴿ يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ﴾ ويزيلوا ويبطلوا ﴿ به الحق ﴾ من إدحاض القدم وهو إزلاقها ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا ﴾ أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ﴿ هزواً ﴾ موضع استهزاء.

قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا  ﴾ ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ \[المؤمنون: 24\] وما أشبه ذلك.

قال أهل العرفان: قوله: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ﴾ أي بالقرآن بدليل قوله: ﴿ أن يفقهوه ﴾ وبتذكير الضمير.

﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ﴾ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية.

وإنما قال في السجدة ﴿ ثم أعرض عنها  ﴾ لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك.

وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم  ﴾ أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم.

وقوله ﴿ إنا جعلنا ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: ﴿ فلن يهتدوا إذا أبداً ﴾ متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته.

ورحمته على عباده كما قال: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ قال المفسرون الضمير في قوله: ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله  .

والموعد يوم بدر.

وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله  تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال.

أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين.

وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك.

ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: ﴿ وتلك القرى ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ﴿ أهلكناهم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ تلك القرى ﴾ منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.

﴿ وجعلنا ﴾ لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك.

التأويل: ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها.

﴿ ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿ لا يغادر صغيرة ﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات.

﴿ ولا كبيرة ﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ ما أشهدتهم ﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ﴾ أسباب الهداية ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ إن كانوا مذنبين ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي  "والله لولا الله ما اهتدينا" ﴿ أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ كقوله: "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" .

والله أعلم.

(م).

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ ﴾ .

ذكر الله - عز وجل -: قصة آدم وإبليس في غير موضع من القرآن على الزيادة والنقصان؛ وإنما ذكر كذلك وكرّر لما كذلك كان في الكتب المتقدمة مكرراً معاداً؛ فذكر في القرآن على ما كان في تلك الكتب؛ ليكون ذلك آية لرسالة محمد حيث علموا أنه كان لا يعرف الكتب المتقدمة.

أو أن ما كرره لحاجات كانت لهم ولفوائد تكون في التكرار؛ ليكون لهم عظة وتنبيهاً في كل وقت وكل حال، وقد يكرّر الشيء ويعاد على التذكير والتنبيه، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: سمي من الجن؛ لأنه كان من الجان الذين يعملون في الجنان؛ فنسب إليهم.

وقال بعضهم: إن من الملائكة قبيلة يقال لها: الجن، فكان إبليس منها؛ فنسب إليها.

وقال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة قط طرفة عين؛ ولكنه من الجنّ، كما قال الله فهو أصل الجن، وهو أول من عصى ربه من الجن، [و] إن آدم هو أصل الإنس، وهو أبوهم؛ فعلى ذلك إبليس أبو الجنّ.

وقال بعضهم: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ، أي: صار من الجنّ، وكذلك قالوا: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ  ﴾ أي: صار من الكافرين.

وقال بعضهم: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ، أي: كان في علم الله في الأزل أنه يكون من الجنّ، وكان في علم الله في الأزل أنه يكون من الكافرين وقت عصيانه ربه وإبائه السجود لآدم.

وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ .

قيل: عتا وعصى، وأصل الفسق: الخروج، أي: خرج عن أمر ربّه، وكذلك قال القتبي: ففسق، أي: خرج عن طاعته، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد بقوله: ﴿ مِن دُونِي ﴾ نفسه؛ فكأنه قال: أفتتخذونه وذريته أربابا وآلهة من دوني وهم لكم [عدو]، وليسوا بآلهة ولا أرباب؛ فكيف يجوز أن يتخذ العدو ربا وإلها؟!

والثاني: أنه أراد بقوله: ﴿ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي ﴾ ، أي: من دون أوليائي؛ فكأنه قال: أفتتخذونه وذريته أولياء من دون أوليائي، وهم لكم عدو، أي: كيف تتخذون الأعداء أولياء، وتتركون من هم لكم أولياء ولا تتخذونهم أولياء؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾ ، أي: بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم أن عبدوا إبليس وأطاعوه؛ فبئس ذلك لهم بدلا.

أو أن يكون قوله: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾ ، أي: ما اتخذوا أعداءهم أولياء بدلا عن أوليائه أو بدلا عن ألوهيته وربوبيته.

وقوله: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: قال هذا لمشركي العرب: حيث قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام التي عبدوها: إنها آلهة وإنها شركاؤه، فيقول: ما أشهدتهم خلق الملائكة وخلق الأرض ولا خلق أنفسهم، ولا كان لهم كتاب، ولا آمنوا برسول؛ فكيف عرفوا ما قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة وشركاؤه؟!

وأسباب العلم والمعارف هذا: إما المشاهدة وإما الرسل، فإذا لم يكن لهم واحد مما ذكرنا؛ فكيف عرفوا ربهم؟!

وبم علموا ما قالوا في الله من الولد والشركاء؟!

وإلى هذا يذهب الحسن.

ومنهم من قال: لاتخاذهم إبليس وذريته أولياء وأربابا، وهو صلة ما قال: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ...

﴾ الآية، وفيه وجوه من التأويل: يقول: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: ما استحضرتهم خلق أنفسهم؛ لأنهم لم يكونوا في ذلك الوقت، ولا خلق السماوات والأرض؛ لأنه خلقهما ولم يكونوا - أيضاً - شيئاً.

أو ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ ما أعلمتهم تدبير خلق السماوات والأرض، ولا تدبير خلق أنفسهم؛ فكيف قالوا ما قالوا في الله من الدعاوى؟!

والثالث: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ أي: ما استعنت بهم في خلق السماوات والأرض، ولا في خلق أنفسهم؛ فكيف أشركوا في ألوهيتي وربوبيتي، وما استعنت بهم في ذلك.

والله أعلم.

وقد استدل كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن خلق الشيء هو غير ذلك الشيء لأنه قال: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، وقد شهدوا السماوات والأرض، وشهدوا أنفسهم حتى قال لهم: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ ثم أخبر أنه لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم؛ دل أن خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم - غير السماوات والأرض وغير أنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ : عن الإيمان والهدى أعوانا لديني.

والثاني: وما كنت متخذ المضلين عبادي بنصر ديني، أو بعون أوليائي.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ الذين أضلوا بني آدم عونا فيما خلقت من خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم، وهو إبليس وذريته.

أو ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ : أولياء، إنما اتخذتهم أعداء، وما كنت لأولي المضلين عضدا على أوليائي؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ونحوه، وكله قريب بعضه من بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ .

قال ﴿ شُرَكَآئِيَ ﴾ ؛ على زعمهم، وإلا: لم يكن لله شركاء.

﴿ فَدَعَوْهُمْ ﴾ .

يعني: دعوا الأصنام التي عبدوها.

﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: لم يجيبوهم في وقت، وقد أجابوهم في وقت آخر، وهو ما قالوا: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ، ولكن قوله: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ ؛ لما كانوا يعبدونها في الدنيا، وإنما كانوا يعبدونها طمعا أن يكونوا لهم شفعاء وأنصارا؛ كقولهم ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  كَلاَّ  ﴾ فيكون قوله: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ : ما طمعوا هم بعبادتهم الأصنام: من الشفاعة، والنصرة، ودفع ما حل بهم عنهم، والمنع عن عذاب الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً ﴾ .

أي: بين أولئك وبين الأصنام، ﴿ مَّوْبِقاً ﴾ ، قال بعضهم: مهلكا.

وقال بعضهم: الموبق: الذي يفرق بينهم وبين آلهتهم في جهنم.

وقال بعضهم: نهر فيها.

وقال بعضهم: جعلنا وصلهم في الدنيا الذي كان بين المشركين وبين الأصنام موبقاً، أي: مهلكا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ .

أي: علموا وأيقنوا أنهم داخلوها.

﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً ﴾ .

أي: لم تقدر الأصنام التي عبدوها أن تصرف النار عنهم: قال أبو عبيدة: ﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً ﴾ ، أي: معدلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ .

﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ قد ذكرناه وبيّناه في غير موضع، وقوله: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: من كل صفة؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ  ﴾ ، أي: الصفات العليا.

والثاني: المثل: هو الشبيه؛ كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

فإن كان التأويل: الشبيه؛ فكأنه يقول - والله أعلم - ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ ، أي: بينا ﴿ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ من كل ما بهم حاجة إلى معرفة ما غاب عنهم؛ جعل لهم شبيها مما شاهدوا أو عرفوا ليعرفوا به ما غاب عنهم.

وإن كان تأويل المثل: الصفة، فكأنه يقول - والله أعلم -: ولقد بيّنا في هذا القرآن من كل ما يؤتى وما يتقى صفة: يعرفون بها ما لهم وما عليهم، [و] ما يأتون وما يتقون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ ﴾ يعني: الكافر ﴿ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ ، أي: جدالا؛ كقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ ، أي: وكان جوهر الإنسان أكثر جدلا من غيرهم من الجواهر؛ لأن الجن لما عرض عليهم القرآن والآيات قبلوها على غير مجادلة ذكرت؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً...

﴾ الآية [الجن: 1]، وكذلك الملائكة لم يذكر منهم الجدال ولا المحاجة في ذلك.

وقد ظهر [في] جوهر الإنسان المجادلات والمحاجات في الآيات والحجج، من ذلك قوله: ﴿ هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ...

﴾ الآية [آل عمران: 66]، وقوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ ، وأمثال هذا؛ لذا احتيج إلى إنزال كثرة الآيات والحجج؛ لكثرة ما ظهرت منهم المجادلة.

وفيه الإذن بالمجادلة والمحاجة في الدين على الوصف الذي ذكر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني هم عبيد أمثالكم، ما أشهدتهم خلق السماوات ولا خلق الأرض حين خلقتهما، بل لم يكونوا موجودين، وما أشهدت بعضهم خلق بعض، فأنا المنفرد بالخلق والتدبير، وما كنت متخذ المضلين من شياطين الإنس والجن أعوانًا، فأنا غني عن الأعوان.

<div class="verse-tafsir" id="91.jD13q"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله