الآية ٥٨ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٥٨ من سورة الكهف

وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا۟ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌۭ لَّن يَجِدُوا۟ مِن دُونِهِۦ مَوْئِلًۭا ٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 66 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٨ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٨ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وربك الغفور ذو الرحمة ) أي : ربك - يا محمد - غفور ذو رحمة واسعة ، ( لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ) ، كما قال : ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) [ فاطر : 45 ] ، وقال : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) [ الرعد : 6 ] .

والآيات في هذا كثيرة .

ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر ، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد ، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد ، وتضع كل ذات حمل حملها ؛ ولهذا قال : ( بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ) أي : ليس لهم عنه محيد ولا محيص ولا معدل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا (58) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وربك الساتر يا محمد على ذنوب عباده بعفوه عنهم إذا تابوا منها( ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا ) هؤلاء المعرضين عن آياته إذا ذكروا بها بما كسبوا من الذنوب والآثام، ( لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ) ولكنه لرحمته بخلقه غير فاعل ذلك بهم إلى ميقاتهم وآجالهم، ( بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ ) يقول: لكن لهم موعد، وذلك ميقات محلّ عذابهم، وهو يوم بدر ( لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا ) يقول تعالى ذكره: لن يجد هؤلاء المشركون، وإن لم يعجل لهم العذاب في الدنيا من دون الموعد الذي جعلته ميقاتا لعذابهم، ملجأ يلجئون إليه، ومنجى ينجون معه، يعني أنهم لا يجدون معقلا يعتقلون به من عذاب الله ، يقال منه: وألت من كذا إلى كذا، أئل وءولا مثل وعولا ومنه قول الشاعر: لا وَاءَلَـــتْ نَفْسُـــكَ خَلَّيْتَهـــا للعــــامِريينَ وَلــــمْ تُكْـــلَمِ (2) يقول: لا نجت ، وقول الأعشى: وَقَــدْ أُخــالس رَبَّ البَيْـتِ غَفْلَتَـهُ وقَــدْ يحـاذِر مِنِّـي ثَـمَّ مـا يَئِـلُ (3) وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال : ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (مَوْئِلا) قال: محرزا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثني عليّ ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا ) : يقول: ملْجأً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا ) : أي لن يجدوا من دونه وليا ولا ملْجأً.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا ) قال: ليس من دونه ملجأ يلجئون إليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وربك الغفور ذو الرحمة أي للذنوب .

وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة بدليل قوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به .ذو الرحمة فيه أربع تأويلات :[ أحدها ] ذو العفو .

[ الثاني ] ذو الثواب ; وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفر .

[ الثالث ] ذو النعمة .

[ الرابع ] ذو الهدى ; وهو على هذين الوجهين يعم أهل الإيمان والكفر ، لأنه ينعم في الدنيا على الكافر ، كإنعامه على المؤمن .

وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر .ومعنى قوله : لو يؤاخذهم بما كسبوا أي من الكفر والمعاصي .لعجل لهم العذاب ولكنه يمهل .بل لهم موعد أي أجل مقدر يؤخرون إليه ، نظيره لكل نبإ مستقر ، لكل أجل كتاب أي إذا حل لم يتأخر عنهم إما في الدنيا وإما في الآخرة .لن يجدوا من دونه موئلا أي ملجأ ; قاله ابن عباس وابن زيد ، وحكاه الجوهري في الصحاح .

وقد وأل يئل وألا ووءولا على فعول أي لجأ ; وواءل منه على فاعل أي طلب النجاة .

وقال مجاهد : محرزا .

قتادة : وليا .

وأبو عبيدة : منجى .

وقيل : محيصا ; والمعنى واحد والعرب تقول : لا وألت نفسه أي لا نجت ; ومنه قول الشاعر :لا وألت نفسك خليتها للعامريين ولم تكلم[ ص: 384 ] وقال الأعشى :وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئلأي ما ينجو .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب، ويتوب الله على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة، ولهذا قال:{ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا } أي: لهم موعد، يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم منه، ولا مندوحة لهم عنه، ولا ملجأ، ولا محيد عنه، وهذه سنته في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا، فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم، أنزل بهم بأسه

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وربك الغفور ذو الرحمة ) ذو النعمة ( لو يؤاخذهم ) يعاقب الكفار ( بما كسبوا ) من الذنوب ( لعجل لهم العذاب ) في الدنيا ( بل لهم موعد ) يعني البعث والحساب ( لن يجدوا من دونه موئلا ) ملجأ .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم» في الدنيا «بما كسبوا لعجل لهم العذاب» فيها «بل لهم موعد» وهو يوم القيامة «لن يجدوا من دونه موئلاً» ملجأ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وربك الغفور لذنوب عباده إذا تابوا، ذو الرحمة بهم، لو يعاقب هؤلاء المعرضين عن آياته بما كسبوا من الذنوب والآثام لعجَّل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل لهم موعد يجازون فيه بأعمالهم، لا مندوحة لهم عنه ولا محيد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة رحمته ، وعظيم فضله فقال : ( وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ) .أى : وربك - أيها الرسول الكريم - هو صاحب المغفرة الكثيرة ، وصاحب الرحمة التى وسعت كل شئ .

لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب والمعاصى ، لعجل لهم العذاب بسبب ما يرتكبونه من كفر وآثام .

ولكنه - سبحانه - لم يعجل لهم العذاب رحمة منه وحلما .وجملة ( بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ .

.

) معطوفة على مقدر ، فكأنه - سبحانه - قال : لكنه - سبحانه - لم يؤاخذهم ، بل جعل وقتا معينا لعذابهم ، لن يجدوا من دون هذا العذاب موئلا .أى ملجأ يلتجئون إليه ، أو مكانا يعتصمون به .فالموئل : اسم مكان .

يقال : وَأَلَ فلان إلى مكان كذا يَئِل وَأْلاً .

.

إذا لجأ إليه ليعتصم به من ضر متوقع .فالآية الكريمة تبين أن الله - تعالى - بفضله وكرمه لا يعاجل الناس .

بالعقاب ، ولكنه - عز وجل - ليس غافلا عن أعمالهم ، بل يؤخرهم إلى الوقت الذى تقتضيه حكمته ، لكى يعاقبهم على ما ارتكبوه من ذنوب وآثام .وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ) وقوله - تعالى - : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار جدالهم بالباطل وصفهم بعده بالصفات الموجبة للخزي والخذلان.

الصفة الأولى: قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ﴾ أي لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه الآيات والبينات فيعرض عنها وينسى ما قدمت يداه أي مع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات يتناسى ما قدمت يداه من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم.

الصفة الثانية: (قوله): ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يفقهوه ﴾ وقد مر تفسير هذه الآية على الاستقصاء في سورة الأنعام، والعجب أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ متمسك القدرية، وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ إلى آخر الآية متمسك الجبرية وقلما نجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق قولنا.

وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين ثم قال تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة ﴾ الغفور البليغ المغفرة وهو إشارة إلى دفع المضار ذو الرحمة الموصوف بالرحمة، وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة لا في الرحمة، لأن المغفرة ترك الإضرار وهو تعالى قد ترك مضار لا نهاية لها مع كونه قادراً عليها، أما فعل الرحمة فهو متناه لأن ترك ما لا نهاية له ممكن، أما فعل ما لا نهاية له فمحال ويمكن أن يقال: المراد أنه يغفر كثيراً لأنه ذو الرحمة ولا حاجة به إليها فيهبها من المحتاجين كثيراً ثم استشهد بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ ﴾ وهو إما يوم القيامة، وإما في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح (وقوله): ﴿ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ﴾ (أي) منجى ولا ملجأ، يقال وأل إذا لجأ، ووأل إليه إذا لجأ إليه، ثم قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ القرى ﴾ يريد قرى الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم أشار إليها ليعتبروا، وتلك مبتدأ، والقرى صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأصناف الأجناس وأهلكناهم خبر والمعنى، وتلك أصحاب القرى أهلكناهم لما ظلموا مثل ظلم أهل مكة: ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا ﴾ أي وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمهلك الإهلاك أو وقته، وقرئ لمهلكهم بفتح الميم واللام مفتوحة أو مكسورة، أي لهلاكهم أو وقت هلاكهم، والموعد وقت أو مصدر، والمراد إنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً ليكونوا إلى التوبة أقرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الغفور ﴾ البليغ المغفرة ﴿ ذُو الرحمة ﴾ الموصوف بالرحمة، ثم استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ ﴾ وهو يوم بدر ﴿ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ﴾ منجى ولا ملجأ.

يقال: (وأل) إذا نجا، و (وأل إليه) إذا لجأ إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ﴾ بِالقُرْآنِ.

﴿ فَأعْرَضَ عَنْها ﴾ فَلَمْ يَتَدَبَّرْها ولَمْ يَتَذَكَّرْ بِها.

﴿ وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ولَمْ يَتَفَكَّرْ في عاقِبَتِهِما.

﴿ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ.

﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ وإفْرادُهُ لِلْمَعْنى.

﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ يَمْنَعُهم أنْ يَسْتَمِعُوهُ حَقَّ اسْتِماعِهِ.

﴿ وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا ﴾ تَحْقِيقًا ولا تَقْلِيدًا لِأنَّهم لا يَفْقَهُونَ ولا يَسْمَعُونَ و ﴿ إذًا ﴾ كَما عَرَفْتَ جَزاءٌ وجَوابٌ لِلرَّسُولِ  عَلى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ ما لِي لا أدْعُوهم، فَإنَّ حِرْصَهُ  عَلى إسْلامِهِمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ﴾ البَلِيغُ المَغْفِرَةِ.

﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ.

﴿ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى ذَلِكَ بِإمْهالِ قُرَيْشٍ مَعَ إفْراطِهِمْ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ ﴾ وهو يَوْمُ بَدْرٍ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ.

﴿ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ مَنجًا ولا مَلْجَأً، يُقالُ وألَ إذا نَجا ووَألَ إلَيْهِ إذا لَجَأ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَرَبُّكَ الغفور} البليغ المغفرة {ذُو الرحمة} الموصوف بالرحمة {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب} أي ومن رحمته ترك مؤاخذته أهل مكة عاجلا مع فرط عدواتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم {بل لهم موعد} وهو يوم بدر {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} منجي ولا ملجأ يقال وآل إذا نجاوو أل إليه إذا لجأ إليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ورَبُّكَ الغَفُورُ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ أيْ: صاحِبُها والمَوْصُوفُ بِها خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، قالَ الإمامُ: وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ دُونَ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَرْكُ الإضْرارِ، والرَّحْمَةَ إيصالُ النَّفْعِ، وقُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى تَتَعَلَّقُ بِالأوَّلِ؛ لِأنَّهُ تَرْكُ مَضارَّ لا نِهايَةَ لَها، ولا تَتَعَلَّقُ بِالثّانِي؛ لِأنَّ فِعْلَ ما لا نِهايَةَ لَهُ مُحالٌ.

وتَعَقَّبَهُ النَّيْسابُورِيُّ بِأنَّهُ فَرْقٌ دَقِيقٌ لَوْ ساعَدَهُ النَّقْلُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ لا يَخْلُو عَنْ مُبالَغَةٍ وفي القُرْآنِ: ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) بِالمُبالَغَةِ في الجانِبَيْنِ كَثِيرًا، وفي تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِتَرْكِ غَيْرِ المُتَناهِي نَظَرٌ؛ لِأنَّ مُقَدَّراتِهِ تَعالى مُتَناهِيَةٌ لا فَرْقَ بَيْنَ المَتْرُوكِ وغَيْرَهُ اه، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهم فَسَّرُوا الغَفّارَ بِمُرِيدِ إزالَةِ العُقُوبَةِ عَنْ مُسْتَحِقِّها والرَّحِيمَ بِمُرِيدِ الإنْعامِ عَلى الخَلْقِ، وقَصْدُ المُبالَغَةِ مِن جِهَةٍ في مَقامٍ لا يُنافِي تَرْكَها في آخَرَ لِعَدَمِ اقْتِضائِهِ لَها، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ وما دَخَلَ مِنها في الوُجُودِ مُتَناهٍ بِبُرْهانِ التَّطْبِيقِ اه، وهو كَلامٌ حَسَنٌ انْدَفَعَ بِهِ ما أُورِدَ عَلى الإمامِ.

وزَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّ ما دَخَلَ في الوُجُودِ مِنَ المَقْدُوراتِ غَيْرُ مُتَناهٍ أيْضًا ولا يَجْرِي فِيهِ بِرِهانُ التَّطْبِيقِ عِنْدَهم لِاشْتِراطِهِمُ الِاجْتِماعَ والتَّرَتُّبَ، ولَعَمْرِي لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِن ظاهِرِ قَوْلِ النَّيْسابُورِيِّ إنَّ مَقْدُوراتِهِ تَعالى مُتَناهِيَةٌ؛ فَإنَّ ظاهِرَهُ التَّعْجِيزُ تَعالى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَكِنْ يَدْفَعُ بِالعِنايَةِ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ إنَّ تَحْرِيرَ نُكْتَةِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ هاهُنا عَلى ما قالَهُ الخَفاجِيُّ إنَّ المَذْكُورَ بَعْدَ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما كَسَبُوا مِنَ الجُرْمِ العَظِيمِ وهو مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ وتَرْكُ التَّعْجِيلِ رَحْمَةٌ مِنهُ تَعالى سابِقَةٌ عَلى غَضَبِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ سُبْحانَهُ إتْمامَ رَحْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وبُلُوغَها الغايَةَ؛ إذْ لَوْ أرادَ جَلَّ شَأْنُهُ ذَلِكَ لَهَداهم وسَلَّمَهم مِنَ العَذابِ رَأْسًا، وهَذِهِ النُّكْتَةُ لا تَتَوَقَّفُ عَلى حَدِيثِ التَّناهِي وعَدَمِ التَّناهِي الَّذِي ذَكَرَهُ الإمامُ وإنْ كانَ صَحِيحًا في نَفْسِهِ كَما قِيلَ، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَناهِي المُتَعَلِّقاتِ في كُلِّ ما نُسِبَ إلَيْهِ تَعالى بِصِيَغِ المُبالَغَةِ ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ إذْ يُمْكِنُ أنْ تُعْتَبَرَ المُبالَغَةُ في المُتَناهِي بِزِيادَةِ الكَمِّيَّةِ وقُوَّةِ الكَيْفِيَّةِ، ولَوْ سُلِّمَ ما ذُكِرَ لَزِمَ عَدَمُ صِحَّةِ صِيَغِ المُبالَغَةِ فِي الأُمُورِ الثُّبُوتِيَّةِ كَرَحِيمٍ ورَحْمَنٍ ولا وجْهَ لَهُ مَدْفُوعٌ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ نُكْتَةٌ لِوُقُوعِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ هُنا بِأنَّهُ اعْتُبِرَتِ المُبالَغَةُ في جانِبِ التَّرْكِ دُونَ مُقابِلِهِ لِأنَّ التَّرْكَ عَدَمِيٌّ يَجُوزُ فِيهِ عَدَمُ التَّناهِي بِخِلافِ الآخَرِ، ألا تَرى أنَّ تَرْكَ عَذابِهِمْ دالٌّ عَلى تَرْكِ جَمِيعِ أنْواعِ العُقُوباتِ في العاجِلِ وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، كَذا قِيلَ وفِيهِ نَظَرٌ.

ورُبَّما يُقالُ في تَوْجِيهِ ما قالَهُ النَّيْسابُورِيُّ مِن أنَّ «ذُو الرَّحْمَةِ» لا يَخْلُو عَنِ المُبالَغَةِ: إنَّ ذَلِكَ إمّا لِاقْتِرانِ الرَّحْمَةِ بِألْ فَتُقَيَّدُ الرَّحْمَةُ الكامِلَةُ أوِ الرَّحْمَةُ المَعْهُودَةُ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.

وإمّا لِذُو فَإنَّ دَلالَتَهُ عَلى الِاتِّصافِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ فَوْقَ دَلالَةِ المُشْتَقّاتِ عَلَيْهِ ولا يَكادُ يَدُلُّ سُبْحانَهُ عَلى اتِّصافِهِ تَعالى بِصِفَةٍ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا وتِلْكَ الصِّفَةُ مُرادَةٌ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ، وإلّا فَما الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنِ المُشْتَقِّ الأخْصَرِ الدّالِّ عَلى أصْلِ الِاتِّصافِ كالرّاحِمِ مَثَلًا إلى ذَلِكَ، ولا يُعَكِّرُ عَلى هَذا أنَّ المُبالَغَةَ لَوْ كانَتْ مُرادَةً فَلِمَ عُدِلَ عَنِ الأخْصَرِ أيْضًا المُفِيدِ لَها كالرَّحِيمِ أوِ الرَّحْمَنِ إلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ أُرِيدَ أنْ لا تُقَيَّدَ الرَّحْمَةُ المُبالَغُ فِيها بِكَوْنِها في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وهَذانِ الِاسْمانِ يُفِيدانِ التَّقْيِيدَ عَلى المَشْهُورِ؛ ولِذا عُدِلَ عَنْهُما إلى «ذُو الرَّحْمَةِ»، وإذا قُلْتَ: هُما مِثْلُهُ في عَدَمِ التَّقْيِيدِ قِيلَ: إنَّ دَلالَتَهُ عَلى المُبالَغَةِ أقْوى مِن دَلالَتِهِما عَلَيْها بِأنْ يُدَّعى أنَّ تِلْكَ الدَّلالَةَ بِواسِطَةِ أمْرَيْنِ لا يَعْدِلُهُما في قُوَّةِ الدَّلالَةِ ما يَتَوَسَّطُ في دَلالَةِ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ عَلَيْها، وعَلى هَذا يَكُونُ ذُو الرَّحْمَةِ أبْلَغَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّحْمَنِ والرَّحِيمِ وإنْ كانا مَعًا أبْلَغَ مِنهُ ولِذا جِيءَ بِهِما في البَسْمَلَةِ دُونَهُ، ومَن أنْصَفَ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ قَوْلَكَ: فُلانٌ ذُو العِلْمِ، أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ العَلِيمُ، مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ يُفِيدُ أنَّهُ صاحِبُ ماهِيَّةِ العِلْمِ ومالِكُها ولا كَذَلِكَ الأخِيرانِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ في الآيَةِ بِأبْلَغِيَّةِ الثّانِي، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ؛ فَإنَّ الرَّحْمَةَ أوْسَعُ دائِرَةً مِنَ المَغْفِرَةِ كَما لا يَخْفى، والنُّكْتَةُ فِيهِ هاهُنا مَزِيدُ إيناسِهِ  بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ سُبْحانَهُ بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ بَعْضِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وآيَسَهُ مِنَ اهْتِدائِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِمَزِيدِ حِرْصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ذَلِكَ، وهو السِّرُّ في إيثارِ عُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ  .

انْتَهى.

وهُوَ كَلامٌ واقِفٌ في أعْرافِ الرَّدِّ والقَبُولِ في النَّظَرِ الجَلِيلِ، ومَن دَقَّقَ عَلِمَ ما فِيهِ مِنَ الأمْرَيْنِ، وإنَّما قَدَّمَ الوَصْفَ الأوَّلَ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ أوْ لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ والمَقامِ؛ إذِ المَقامُ عَلى ما قالَهُ المُحَقِّقُونَ مَقامُ بَيانِ تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ عَنْهم بَعْدَ اسْتِيجابِهِمْ لَها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ ﴾ أيْ: لَوْ يُرِيدُ مُؤاخَذَتَهم ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ أيْ: فَعَلُوا، وكَسْبُ الأشْعَرِيِّ لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ، وما إمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِكَسْبِهِمْ وإمّا مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: بِالَّذِي كَسَبُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِن مُجادَلَتِهِمْ بِالباطِلِ وإعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ رَبِّهِمْ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما اجْتَرَحُوا مِنَ المُوبِقاتِ ﴿ لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ ﴾ لِاسْتِيجابِ أعْمالِهِمْ لِذَلِكَ، قِيلَ: وإيثارُ المُؤاخَذَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ شِدَّةِ الأخْذِ بِسُرْعَةٍ عَلى التَّعْذِيبِ والعُقُوبَةِ ونَحْوِهِما لِلْإيذانِ بِأنَّ النَّفْيَ المُسْتَفادَ مِن مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِوَصْفِ السُّرْعَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تالِيها، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ أنَّ انْتِفاءَ تَعْجِيلِ العَذابِ لَهم بِسَبَبِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ إرادَةِ المُؤاخَذَةِ؛ فَإنَّ المُضارِعَ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي يُفِيدُ اسْتِمْرارَ الفِعْلِ فِيما مَضى ﴿ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ ﴾ وهو يَوْمُ بَدْرٍ أوْ يَوْمُ القِيامَةِ عَلى أنَّ المَوْعِدَ اسْمُ زَمانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ والمُرادُ مِنهُ جَهَنَّمُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنَّهم لَيْسُوا مُؤاخَذِينَ بَغْتَةً بَلْ لَهم مَوْعِدٌ ﴿ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: مَنجًى، يُقالُ: وألَتْ نَفْسُ فُلانٍ: نَحَتْ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الأعْشى: وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ الدّارِ غَفْلَتَهُ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ ما يَئِلُ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو المَلْجَأُ، يُقالُ: وألَ فُلانٌ إلى كَذا يَئِلُ وأْلًا ووُءُولًا: إذا لَجَأ والمَعْنى واحِدٌ، والفَرْقُ إنَّما هو بِالتَّعَدِّي بِإلى وعَدَمِهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالمَلْجَأِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفَسَّرَهُ مُجاهِدٌ بِالمُحْرَزِ، والضَّحّاكُ بِالمُخَلِّصِ والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ، وهو عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ زَمانٍ وأنْ يَكُونَ اسْمَ مَكانٍ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى المَوْعِدِ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: عَلى العَذابِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهم لا خَلاصَ لَهم أصْلًا فَإنَّ مَن يَكُونُ مَلْجَأهُ العَذابُ كَيْفَ يَرى وجْهَ الخَلاصِ والنَّجاةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أمْرَ المُبالَغَةِ مَوْجُودٌ في الظّاهِرِ أيْضًا وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ مَعَ الخُلُوِّ عَنِ المُبالَغَةِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: «مَوَلًّا» بِتَشْدِيدِ الواوِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ياءٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ الحَلْوانِيِّ عَنْهُ: «مَوِلًّا» بِكَسْرِ الواوِ خَفِيفَةً مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ياءٍ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ، أي فلا أحد أظلم، ويقال: أشد في كفره مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، أي وعظ بالقرآن، فَأَعْرَضَ عَنْها.

يقول: فكذب بها ولم يؤمن بها، وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ أي نسي ذنوبه التي أسلفها.

إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، أي جعلنا أعمالهم على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، أي لكيلا يعرفوه ولا يفهموه.

وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً، أي صمماً وثقلاً مجازاة لكفرهم.

وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى، أي إِلى الإسلام، فَلَنْ يَهْتَدُوا أي لن يؤمنوا.

إِذاً أَبَداً وَرَبُّكَ الْغَفُورُ، أي المتجاوز إن رجعوا.

ذُو الرَّحْمَةِ، أي بتأخير العذاب عنهم، لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا أي لو يعاقبهم بكفرهم، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ في الدنيا، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ، أي أجلاً.

لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا، أي ملجأً يلجئون إليه ولا منجى منه.

قوله عز وجل: وَتِلْكَ الْقُرى، أي أهلها يعني: أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا، يعني: القرون الماضية حين أقاموا وثبتوا على كفرهم.

وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً، أي لهلاكهم أَجلاً يهلكون فيه.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر لِمَهْلِكِهِمْ بنصب الميم واللام، وقرأ عاصم في رواية حفص: بنصب الميم وكسر اللام، وقرأ الباقون: بضم الميم ونصب اللام، ومعنى ذلك كله واحد.

قال الزجاج: يكون للمصدر، ويجوز للوقت.

وإن كان مصدراً، فمعناه: جعلنا لوقت هلاكهم أجلا.

وإن كان للوقت فمعناه: جعلنا لوقت هلاكهم أجلا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الاستغاثة بهم، واختلف في قوله: مَوْبِقاً، فقال ابن عباس: معناه مهلكاً «١» ، وقال عبد اللَّه بن عمر وأنس بن مالك ومجاهد: مَوْبِقاً هو وادٍ في جهنَّم يجري بدَمٍ وصديدٍ «٢» .

قال أنس: يحجز بين أهل النار وبَيْن المؤمنين «٣» .

وقوله سبحانه: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها، أي: مباشروها، وأطلق الناس أنَّ الظنَّ هنا بمعنى اليقين.

قال ع «٤» : والعبارة بالظَّنِّ لا تجيء أبداً في موضع يقينٍ تامِّ قد قَالَهُ الحَسَن «٥» بل أعظم درجاته أن يجيء، في موضع متحقِّق، لكنه لم يقع ذلك المظْنُونُ، والاَّ فمذْ يقع ويُحَسُّ لا يكادُ توجَدُ في كلامِ العربِ العبارةُ عنه بالظَّنِّ، وتأمَّل هذه الآية، وتأمَّل كلام العرب، وروي أبو سعيد الخدريّ، أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ الكَافِرَ لَيَرى جَهَنَّمَ، ويَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً» «٦» ، و «المَصْرِف» : المَعْدِل والمَرَاغ، وهو مأخوذ من الانصرافِ من شيء إلى شيء.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: المُسْتَهْزِئِينَ والمُقْتَسِمِينَ وأتْباعَهُمْ، وجِدالُهم بِالباطِلِ أنَّهم ألْزَمُوهُ أنْ يَأْتِيَ بِالآَياتِ عَلى أهْوائِهِمْ؛ ﴿ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ ﴾ ؛ أيْ: لِيُبْطِلُوا ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  .

وقِيلَ: جِدالُهُمْ: قَوْلُهُمْ: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا  ﴾ ، ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ  ﴾ ، ونَحْوُ ذَلِكَ لِيُبْطِلُوا بِهِ ما جاءَ في القُرْآَنِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى ﴿ لِيُدْحِضُوا ﴾ : لِيُزِيلُوا ويَذْهَبُوا، يُقالُ: مَكانٌ دَحْضٌ؛ أيْ: مَزَلٌّ لا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ ولا حافِرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذُوا آياتِي ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ.

﴿ وَما أُنْذِرُوا ﴾ ؛ أيْ: خُوِّفُوا بِهِ مِنَ النّارِ والقِيامَةِ، ﴿ هُزُوًا ﴾ ؛ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الكَلِمَةَ في ( البَقَرَةِ: ١١٤ ) .

و ﴿ ذُكِّرَ ﴾ بِمَعْنى: وُعِظَ.

وآَياتُ رَبِّهِ: القُرْآَنُ، وإعْراضُهُ عَنْها: تَهاوُنُهُ بِها.

﴿ وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ ؛ أيْ: ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِ، وقَدْ شَرَحْنا ما بَعْدَ هَذا في ( الأنْعامِ: ٢١ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى ﴾ وهو الإيمانُ والقُرْآَنُ، ﴿ فَلَنْ يَهْتَدُوا ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ عِلْمِهِ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ إذْ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ.

﴿ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ ﴾ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ، ﴿ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَوْئِلُ: المَنجى، وهو المَلْجَأُ في المَعْنى؛ لِأنَّ المَنجى مَلْجَأٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّهُ لَيُوائِلُ إلى مَوْضِعِهِ؛ أيْ: يَذْهَبُ إلى مَوْضِعِهِ، قالَ الشّاعِرُ: لا واءَلَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ يُرِيدُ: لا نَجَتْ نَفْسُكَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلْأعْشى: وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثُمَّ ما يَئِلُ أيْ: ما يَنْجُو.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَوْئِلُ: المَلْجَأُ، يُقالُ: وآَلَ فُلانٌ إلى كَذا: إذا لَجَأ.

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذِهِ الآَيَةِ يَقْتَضِي أنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنِ الكُفّارِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم في رَحْمَتِهِ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: [ أنَّ ] الرَّحْمَةَ هاهُنا بِمَعْنى النِّعْمَةِ، ونِعْمَةُ اللَّهِ لا يَخْلُو مِنها مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ.

فَأمّا الرَّحْمَةُ الَّتِي هي الغُفْرانُ والرِّضى، فَلَيْسَ لِلْكافِرِ فِيها نَصِيبٌ.

والثّانِي: أنَّ رَحْمَةَ اللهِ مَحْظُورَةٌ عَلى الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَإنَّهم يَنالُونَ مِنها العافِيَةَ والرِّزْقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ القُرى ﴾ يُرِيدُ: الَّتِي قَصَصْنا عَلَيْكَ ذِكْرَها، والمُرادُ: أهْلُها؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ والمُرادُ: قَوْمُ هُودٍ وصالِحٍ، ولُوطٍ وشُعَيْبٍ.

قالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ: ﴿ لَمّا ظَلَمُوا ﴾ مَعْناهُ: بَعْدَما ظُلِمُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، فَيَكُونُ المَعْنى: وجَعَلْنا لِإهْلاكِهِمْ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ وقْتًا، فالمَعْنى: لِوَقْتِ هَلاكِهِمْ.

وَقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وهو مَصْدَرٌ مِثْلُ الهَلاكَ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ، ومَعْناهُ: لِوَقْتِ إهْلاكِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهُمُ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ ﴿ وَتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أو أمْضِيَ حُقُبًا ﴾ لَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ حَتَّمَ بِكُفْرِهِمْ أنَّهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الغَفُورُ ذُو الرَحْمَةِ، ويَتَحَصَّلُ لِلْكَفّارِ مِن صِفَتِهِ تَبارَكَ تَعالى بِالغُفْرانِ والرَحْمَةِ تَرْكُ المُعاجَلَةِ، ولَوْ أخَذُوا بِحَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ لَبادَرَهم بِالعَذابِ المُيَسَّرِ لَهُمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أخَّرَهم إلى مَوْعِدٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ مَنجى، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو أجَلُ المَوْتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هو يَوْمُ بَدْرٍ والحَشْرِ، و"المَوْئِلُ": المَنجى، يُقالُ: وألِ الرَجُلُ يَئِلُ إذا نَجا.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لا وألَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: فَقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثُمَّ ما يَئِلُ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى تَوَعُّدَهم بِذِكْرِ الأمْثِلَةِ مِنَ القُرى الَّتِي نَزَلَ بِها ما تَوَعَّدَ هَؤُلاءِ بِمِثْلِهِ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ القُرى ﴾ حُذِفَ مُضافٌ، تَقْدِيرُهُ: وتِلْكَ أهْلُ القُرى، و"القُرى": المُدُنُ، وهَذِهِ الإشارَةُ إلى عادٍ وثَمُودٍ ومَدِينَ وغَيْرِهِمْ، و"تِلْكَ" ابْتِداءٌ، وَ"القُرى" صِفَةٌ، و"أهْلَكْناهُمْ" خَبَرٌ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "تِلْكَ" مَنصُوبًا بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أهْلَكْناهُمْ".

وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "لِمُهْلَكِهِمْ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللامِ، وهو مِن: "أهْلَكَ"، ومُفْعِلٌ في مِثْلِ هَذا يَكُونُ لِزَمَنِ الشَيْءِ، ومَكانِهِ، ويَكُونُ مَصْدَرًا، فالمَصْدَرُ - عَلى هَذا- مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.

وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "لِمَهْلَكِهِمْ" بِفَتْحِ المِيمِ واللامِ، وقَرَأ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "لِمَهْلِكِهِمْ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ، وهو مَصْدَرٌ مِن: "هَلَكَ"، وهو في مَشْهُورِ اللُغَةِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فالمَصْدَرُ -عَلى هَذا- مُضافٌ إلى الفاعِلِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى: وجَعَلْنا لِأنَّ هُلِكُوا مَوْعِدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ "هَلَكَ" يَتَعَدّى، تَقُولُ: أهْلَكْتُ الرَجُلَ وهَلَكْتُهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في ذَلِكَ: ومَهْمَهِ هالَكٍ مَن تَعَرَّجا فَعَلى هَذا يَكُونُ المَصْدَرُ في كُلِّ وجْهٍ مُضافًا إلى المَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ...

ابْتِداءُ قِصَّةٍ لَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، والمَعْنى: اذْكُرْ أوِ اتْلُ، و" مُوسى " هو مُوسى بْنُ عُمْرانَ بِمُقْتَضى الأحادِيثِ والتَوارِيخِ، وبِظاهِرِ القُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ في القُرْآنِ مُوسى غَيْرَ واحِدٍ، وهو ابْنُ عِمْرانَ،وَلَوْ كانَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُهُ لِبَيَّنَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها نُوفُ البَكالِي: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وهو مُوسى بْنُ مَثْنى، ويُقالُ: مُوسى ابْنُ مَنشى، وأمّا فَتاهُ فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ مُوسى بْنُ عُمْرانَ فَهو يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ إفْرايِيلَ بْنِ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، وأمّا مَن قالَ هو مُوسى بْنُ مَثْنى فَلَيْسَ الفَتى بِيُوشَعِ بْنِ نُونِ، ولَكِنَّهُ قَوْلًا غَيْرَ صَحِيحٍ رَدَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ.

و"الفَتى" في كَلامِ العَرَبِ: الشابُّ، ولَمّا كانَ الخِدْمَةَ -أكْثَرُ ما يَكُونُ- فِتْيانًا قِيلَ لِلْخادِمِ: فَتى عَلى جِهَةِ حُسْنِ الأدَبِ، وإنْ أسَنَّ، ونَدَبَتِ الشَرِيعَةُ إلى ذَلِكَ في قَوْلِ النَبِيِّ  : « "لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي ولا أُمَّتِي، ولَيَقُلْ فَتايَ وَفَتاتِي"،» فَهَذا نَدْبٌ إلى التَواضُعِ، و"الفَتى" في الآيَةِ هو الخادِمُ، ويُوشِعُ بْنُ نُونٍ يُقالُ: هو ابْنُ أُخْتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وسَبَبُ هَذِهِ القِصَّةِ فِيما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ مُوسى جَلَسَ يَوْمًا في مَجْلِسٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ وخَطْبٍ فَأبْلُغُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ مِنكَ؟

قالَ: لا، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ: بَلى، عَبَدْنا خِضْرٌ، فَقالَ: يا رَبِّ، دُلَّنِي عَلى السَبِيلِ إلى لُقِيِّهِ، فَأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَسِيرَ بِطُولِ سَيْفِ البَحْرِ حَتّى يَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَإذا فَقَدْتَ الحُوتَ فَإنَّهُ هُنالِكَ، وأمَرَ أنْ يَتَزَوَّدَ ويَرْتَقِبَ زَوالَهُ عنهُ، فَفَعَلَ مُوسى ذَلِكَ، وقالَ لِفَتاهُ عَلى جِهَةِ إمْضاءِ العَزِيمَةِ: لا أبْرَحُ السَيْرَ، أيْ: لا أزالُ، وإنَّما قالَ هَذِهِ المَقالَةَ وهو سائِرٌ،» ومِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: فَما بَرِحُوا حَتّى تَهادَتْ نِسَؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ بِبَطْحاءَ ذِي قارٍ عِيابَ اللَطائِمِ وذَكَرَ الطَبَرِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمُهُ عَلى مِصْرَ أنَزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ، فَلَمّا اسْتَقَرَّ الحالُ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَّرَ بِآلاءِ اللهِ وأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما مَرَّ بِي قَطُّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْزَلَ قَوْمَهُ بِمِصْرَ إلّا في هَذا الكَلامِ، وما أراهُ يَصِحُّ، بَلِ المُتَظاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ماتَ بِفَحْصِ التِيهِ قَبْلَ فَتْحِ دِيارِ الجَبّارِينَ، وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الفِقْهِ الرِحْلَةُ في طَلَبِ العِلْمِ، والتَواضُعُ لِلْعالَمِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَجْمَعُ" بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، وقَرَأ الضَحاكُ: "مَجْمِعِ" بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ"، أيْنَ هُوَ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هو مَجْمَعُ بَحْرِ فارِسٍ وبَحْرِ الرُومِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ ذِراعٌ يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ مِن شَمالٍ إلى جَنُوبٍ في أرْضِ فارِسٍ مِن وراءِ أذْرَبِيجانَ، فالرُكْنُ الَّذِي لِاجْتِماعِ البَحْرِينِ مِمّا يَلِي بِرَّ الشامِ، هو "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ" عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ هو عِنْدَ طَنْجَةَ، وهو حَيْثُ يَجْتَمِعُ البَحْرُ المُحِيطُ والبَحْرُ الخارِجُ مِنهُ السائِرُ مِن دَبُّورٍ إلى صِبا، ورُوِيَ عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ" بِإفْرِيقِيَّةَ، وهَذا يَقْرُبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هو بَحْرُ الأنْدَلُسِ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ واحِدٌ، حَكاهُ النَقاشُ، وهَذا مِمّا يُذْكَرُ كَثِيرًا.

ويُذْكَرُ أنَّ القَرْيَةَ الَّتِي أبَتْ أنْ تُضَيِّفَهُما هي الجَزِيرَةُ الخَضْراءُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ"، يُرِيدُ بَحْرًا مِلْحًا وبَحْرًا عَذْبًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا إنَّما كانَ الخِضْرُ عِنْدَ مَوْقِعِ نَهْرٍ عَظِيمٍ في البَحْرِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: البَحْرانِ إنَّما هُما كِنايَةٌ عن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ والخِضْرُ ؛ لِأنَّهُما بَحْرا عِلْمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، والأمْرُ بَيِّنٌ مَنِ الأحادِيثِ أنَّهُ إنَّما رُسِمَ لَهُ بَحْرٌ ما.

وقَوْلُهُ: ﴿ أو أمْضِيَ حُقُبًا ﴾ مَعْناهُ: أو أمْضِي عَلى وجْهِي زَمانًا، واخْتَلَفَ القُرّاءُ -فَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "حُقْبًا" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حُقُبًا" بِضَمِّهِ، وهو تَثْقِيلُ "حُقْبٍ"، وجَمْعُ الحُقْبِ أحْقابٌ.

واخْتُلِفَ في الحُقْبِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو: ثَمانُونَ سَنَةً، وقالَ مُجاهِدٌ: سَبْعُونَ سَنَةً، وقالَ الفَرّاءُ: "الحُقْبُ": سَنَةٌ واحِدَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: الحُقْبُ أزْمانٌ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحُقْبُ" جَمْعُ حِقْبَةٍ وهي السَنَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جرى القرآن على عادته في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكسسِ، فلما رماهم بقوارع التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريضَ بالتذكير بالمغفرة لعلهم يتفكرون في مرضاته، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق برحمته في حين الوعيد فيؤخر ما توعدهم به إلى حد معلوم إمهالاً للناس لعلهم يرجعون عن ضلالهم ويتدبرون فيما هم فيه من نعم الله تعالى فلعلهم يشكرون، موجهاً الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفتتحاً باستحضار الجلالة بعنوان الربوبية للنبيء صلى الله عليه وسلم إيماءً إلى أن مضمون الخبر تكريم له، كقوله: ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ [الأنفال: 33].

والوجه في نظم الآية أن يكون الغفور } نعتاً للمبتدأ ويكون ﴿ ذو الرحمة ﴾ هو الخبر لأنه المناسب للمقام ولما بعده من جملة ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ ، فيكون ذكر ﴿ الغفور ﴾ إدماجاً في خلال المقصود.

فخُص بالذكر من أسماء الله تعالى اسم ﴿ الغفور ﴾ تعريضاً بالترغيب في الاستغفار.

والغفور: اسم يتضمن مبالغة الغفران لأنه تعالى واسع المغفرة إذ يغفر لمن لا يُحصَون ويغفر ذنوباً لا تُحصى إن جاءه عبده تائباً مقلعاً منكسراً، على أن إمهاله الكفارَ والعصاةَ هو أيضاً من أثر المغفرة إذ هو مغفرة مؤقتة.

وأما قوله: ﴿ ذو الرحمة ﴾ فهو المقصود تمهيداً لجملة ﴿ لو يؤاخذهم بما كسبوا ﴾ ، فلذلك كانت تلك الجملة بياناً لجملة ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ باعتبار الغفور الخبر وهو الوصف الثاني.

والمعنى: أنهم فيما كسبوه من الشرك والعناد أحرياء بتعجيل العقوبة لكن الله يمهلهم إلى أمد معلوم مقدر.

وفي ذلك التأجيل رحمة بالناس بتمكين بعضهم من مهلة التدارك وإعادة النظر، وفيه استبْقاؤهم على حالهم زمناً.

فوصف ﴿ ذو الرحمة ﴾ يساوي وصف (الرحيم) لأن (ذو) تقتضي رسوخ النسبة بين موصوفها وما تضاف إليه.

وإنما عدل عن وصف (الرحيم) إلى ﴿ ذو الرحمة ﴾ للتنبيه على أنه خبر لا نعت تنبيهاً بطريقة تغيير الأسلوب، فإن اسم (الرحيم) صار شبيهاً بالأسماء الجامدة، لأنه صيغ بصيغة الصفة المشبهة فبعُد عن ملاحظة الاشتقاق فيه واقترب من صنف الصفة الذاتية.

و (بل) للإضراب الإبطالي عن مضمون جواب (لو)، أي لم يعجل لهم العذاب إذْ لهم موعد للعذاب متأخرٌ، وهذا تهديد بما يحصل لهم يوم بدر.

والموْئل: مَفْعل من وَأَلَ بمعنى لَجَأ، فهو اسم مكان بمعنى الملْجأ.

وأكد النفي ب (لن) رداً على إنكارهم، إذ هم يحسبون أنهم مفلتون من العذاب حين يرون أنه تأخر مدةً طويلة، أي لأن لا ملجأ لهم من العذاب دون وقت وَعده أو مكان وَعده، فهو مَلجؤهم.

وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده، أي هم غير مُفلَتِين منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَرَبُّكَ الغَفُورُ ﴾ يَعْنِي لِلذُّنُوبِ وهَذا يَخْتَصُّ بِهِ أهْلُ الإيمانِ دُونَ الكَفَرَةِ.

﴿ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذُو العَفْوِ.

الثّانِي: ذُو الثَّوابِ، وهو عَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الإيمانِ دُونَ الكَفَرَةِ.

الثّالِثُ: ذُو النِّعْمَةِ.

الرّابِعُ: ذُو الهُدى، وهو عَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَعُمُّ أهْلَ الإيمانِ وأهْلَ الكُفْرِ لِأنَّهُ يُنْعِمُ في الدُّنْيا عَلى الكافِرِ كَإنْعامِهِ عَلى المُؤْمِنِ، وقَدْ أوْضَحَ هُداهُ لِلْكافِرِ كَما أوْضَحَهُ لِلْمُؤْمِنِ، وإنِ اهْتَدى بِهِ المُؤْمِنُ دُونَ الكافِرِ.

﴿ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أجَلٌ مُقَدَّرٌ يُؤَخَّرُونَ إلَيْهِ.

الثّانِي: جَزاءٌ واجِبٌ يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ.

﴿ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَلْجَأً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مُحْرِزًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: ولِيًّا، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: مَنجى، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: لا وألَتْ نَفْسُهُ، أيْ لا نَجَتْ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لا وألَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَها لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ لَمّا ظَلَمُوا بِالكُفْرِ.

الثّانِي: أهْلَكْناهم بِأنْ وكَّلْناهم إلى سُوءِ تَدْبِيرِهِمْ لَمّا ظَلَمُوا بِتَرْكِ الشُّكْرِ.

﴿ وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أجَلًا يُؤَخَّرُونَ إلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: وقْتًا يَهْلِكُونَ فِيهِ.

وَقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، فَهي بِالضَّمِّ مِن أهْلَكَ وبِالفَتْحِ مِن هَلَكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأوّلين ﴾ قال: عقوبة الأولين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد أنه قرأ ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: قبائل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: فجأة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة أنه قرأ ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ أي عياناً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش في قوله: ﴿ قبلاً ﴾ قال: جهاراً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ أو يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ قال: مقابلهم فينظرون إليه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ونسي ما قدمت يداه ﴾ أي نسي ما سلف من الذنوب الكثيرة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بما كسبوا ﴾ يقول: بما علموا.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ بل لهم موعد ﴾ قال: الموعد يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لن يجدوا من دونه موئلاً ﴾ قال: ملجأ.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لن يجدوا من دونه موئلاً ﴾ قال: مجوزاً.

وفي قوله: ﴿ وجعلنا لمهلكهم موعداً ﴾ قال: أجلاً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن العباس بن عزوان أسنده في قوله: ﴿ وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً ﴾ قال: قضى الله العقوبة حين عصي، ثم أخرها حتى جاء أجلها، ثم أرسلها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ ﴾ قال المفسرون: (يعني البعث والحساب) (١) ﴿ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ﴾ قال الأخفش، وأبو عبيد: (منجا، من وأل يئل وألاً على فعول) (٢) (٣) وقد أخالس ربَّ البيت غفلته ...

وقد يحاذر مني ثم ما يئل وقال الفراء: ( ﴿ مَوْئِلًا ﴾ : منجا وهو: الملجأ) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (١) "معالم التنزيل" 5/ 183، "الكشاف" 2/ 394، "الدر المنثور" 4/ 416.

(٢) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 619.

(٣) البيت للأعشى.

أخالس: خلس الشئ أي سرقه.

ثم ما يئل: ما ينجو.

انظر: "ديوانه" ص 59، "مجاز القرآن" 1/ 408، "جامع البيان" 15/ 269، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 8، "البحر المحيط" 6/ 132، "الدر المصون" 7/ 513.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 148.

(٥) "جامع البيان" 15/ 269، "النكت والعيون" 3/ 320، "القرطبي" 11/ 8.

(٦) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 15/ 269، "معالم التنزيل" 5/ 183، "النكت والعيون" 3/ 320، "الكشاف" 2/ 489، "القرطبي" 10/ 112.

(٧) "جامع البيان" 15/ 269، "النكت والعيون" 3/ 320، "البحر المحيط" 6/ 140.

(٨) "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 341، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 390 أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 304.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِيُدْحِضُواْ ﴾ أي ليبطلوا ﴿ وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً ﴾ يعني العذاب وما موصلة، والضمير محذوف تقديره: أنذروه أو مصدرية ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ هذه عقوبة على الإعراض المحكي عنهم، أو تعليل لهم والأكنة جمع كنان وهو الغطاء، والوقر الصمم وهما على وجه الاستعارة، في قلة فهمهم للقرآن وعدم استجابتهم للإيمان ﴿ فَلَنْ يهتدوا إِذاً أَبَداً ﴾ يريد به من قضى الله أنه لا يؤمن ﴿ لَوْ يُؤَاخِذُهُم ﴾ الضمير لكفار قريش أو لسائر الناس لقوله: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس ﴾ [النحل: 61] والجملة خبر المبتدأ والغفور ذو الرحمة صفتان اعترضتا بين المبتدأ والخبر توطئة لما ذكر بعد من ترك المؤاخذة، ويحتمل أن يكون الغفور هو الخبر، ويؤاخذهم بيان لمغفرته ورحمته، والأول أظهر ﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ ﴾ قيل: هو الموت وقيل: عذاب الآخرة وقيل: يوم بدر ﴿ مَوْئِلاً ﴾ أي ملجأ يقال: وئل الرجل إذا لجأ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسير الجبال ﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.

الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال.

ما أشهدناهم يزيد.

الآخرون ﴿ ما أشهدتهم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد.

الباقون على التكلم ﴿ ويوم نقول ﴾ بالنون: حمزة الباقون على الغيبة ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي.

الباقون بكسر القاف وفتح الباء.

﴿ لمهلكهم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام: حفص ﴿ لمهلكهم ﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل.

الباقون بضم الميم وفتح اللام.

الوقوف: ﴿ بارزة ﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿ أحداً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ صفاً ﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿ أول مرة ﴾ ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿ موعداً ﴾ ه ﴿ أحصاها ﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" ﴿ حاضراً ﴾ ه ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أمر ربه ﴾ ط ﴿ عدواً ﴾ ط ﴿ بدلاً ﴾ ه أنفسهم ص ﴿ عضداً ﴾ ه ﴿ موبقاً ﴾ ه ﴿ مصرفاً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ه ﴿ قبلاً ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ يداه ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ موئلاً ﴾ ه ﴿ موعداً ﴾ .

التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب.

ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ وفاعل التسيير هو الله  إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ ، ﴿ وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً  ﴾ وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت  ﴾ فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ﴿ وحشرناهم ﴾ الضمير للخلائق المعلوم حكماً ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ من الأوّلين والآخرين.

يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء.

والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله.

ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته.

قالت المشبهة: في قوله: ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ دليل على أنه  في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ وأجيب بأنه  شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان.

وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً.

والصف إما واحد وإما جمع كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أي أطفالاً.

وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف  ﴾ .

وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول.

وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله ﴿ خلقناكم ﴾ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً.

أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك.

﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي جنسه وهو صحف الأعمال.

والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار.

﴿ فترى المجرمين مشفقين ﴾ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح.

ومعنى النداء في ﴿ يا ويلتنا ﴾ قد مر في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ وقوله: ﴿ صغيرة ولا كبيرة ﴾ صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل.

وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر.

قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر.

وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة.

وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا.

وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر.

وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ فتذكر ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم.

والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة.

وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية.

عن رسول الله  : "يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟

فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار.

ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار" ثم إنه  عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه.

قال جار الله: قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة.

وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن.

ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة.

ومعنى ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ خرج عن طاعته.

وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ .

وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.

ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر.

والمعاصي وخالق أمر الله فقال: ﴿ أفتتخذونه ﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿ وذريته أولياء من دوني ﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد  نبياً ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ أي بئس البدل من الله.

إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته.

قال الجبائي.

في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد  هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه.

فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.

ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ أي متخذهم ﴿ عضداً ﴾ أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال.

وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك.

وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء.

ومن قرأ ﴿ وما كنت ﴾ بفتح التاء فالخطاب للرسول  والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ﴿ يقول ﴾ الله لهم ﴿ نادوا ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم ﴿ شركائي ﴾ فأهلتموهم للعبادة.

قال المفسرون: أراد الجن ﴿ فدعوهم ﴾ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ﴿ إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا  ﴾ ﴿ فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يدفعوا عنهم ضرراً ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ عن الحسن ﴿ موبقاً ﴾ عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا".

وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.

وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً.

وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم.

وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.

قوله: ﴿ فظنوا ﴾ قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً  ﴾ ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر.

ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة.

وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: ﴿ أكثر شيء ﴾ كقوله ﴿ أول مرة ﴾ وقد مر في "الأنعام".

وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم.

قال أهل البرهان: قوله  في سورة "بني إسرائيل": ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى  ﴾ وقال في هذه السورة بزيادة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد  إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس.

ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك.

وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً  ﴾ وكذا قوم هود ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه  ﴾ وقوم صالح ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب  ﴾ وقوم شعيب ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود  ﴾ فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم.

والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً.

ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً.

وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة.

ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال ﴿ يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ﴾ ويزيلوا ويبطلوا ﴿ به الحق ﴾ من إدحاض القدم وهو إزلاقها ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا ﴾ أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ﴿ هزواً ﴾ موضع استهزاء.

قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا  ﴾ ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ \[المؤمنون: 24\] وما أشبه ذلك.

قال أهل العرفان: قوله: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ﴾ أي بالقرآن بدليل قوله: ﴿ أن يفقهوه ﴾ وبتذكير الضمير.

﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ﴾ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية.

وإنما قال في السجدة ﴿ ثم أعرض عنها  ﴾ لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك.

وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم  ﴾ أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم.

وقوله ﴿ إنا جعلنا ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: ﴿ فلن يهتدوا إذا أبداً ﴾ متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته.

ورحمته على عباده كما قال: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ قال المفسرون الضمير في قوله: ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله  .

والموعد يوم بدر.

وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله  تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال.

أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين.

وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك.

ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: ﴿ وتلك القرى ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ﴿ أهلكناهم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ تلك القرى ﴾ منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.

﴿ وجعلنا ﴾ لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك.

التأويل: ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها.

﴿ ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿ لا يغادر صغيرة ﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات.

﴿ ولا كبيرة ﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ ما أشهدتهم ﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ﴾ أسباب الهداية ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ إن كانوا مذنبين ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي  "والله لولا الله ما اهتدينا" ﴿ أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ كقوله: "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" .

والله أعلم.

(م).

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

أي: لم يمنع الناس أن يؤمنوا إلا التعنت والعناد؛ لأنه قد أكثر عليهم من الحجج والآيات ما لم يعاندوا ولا كابروا؛ لالتزامهم الإيمان بها والتصديق، لكن الذي منعهم عن الإيمان ما ذكرنا من عنادهم وتعنتهم.

﴿ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .

وسنة الأولين: الاستئصال والإهلاك؛ فيقول: لا يؤمنون إلا في ذلك، والإيمان لا ينفعهم في ذلك الوقت؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً ﴾ .

أي: عياناً وجهراً.

قال أبو عبيدة: ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً ﴾ ، أي: مقابلة، وقبلا: استئنافا.

وقال مجاهد: ﴿ قُبُلاً ﴾ : فجأة، وقال: قبيلا.

قال أبو عوسجة: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: مواجهة، وكذلك قبيلا.

وقال القتبي: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: مقابلة وعيانا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ .

أي: لم نرسلهم إلا بما يوجب لهم البشارة والنذارة إنما أرسلوا للأمر والنهي ليأمروا الناس بالطاعة - طاعة الله - وينهوهم عن معاصيه؛ لهذا أرسلوا، فالبشارة لمن اتبع أمرهم وانتهى ما نهوا عنه، والنذارة لمن ارتكب ما نهوا عنه؛ فيكون البشارة للمتبعين لهم في أمرهم والنذارة للمرتكبين المنهي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ : ما نسبوه إلى السحر والكهانة والإفك وغيره، به يجادلونه؛ وهو باطل.

أو أن يكونوا عرفوا أن ما يجادلونهم به ويحاجونهم باطل، وأن ما يدعوهم [إليه] الرسول حق وصدق ونور، لكن يعاندونه ويجادلونه، وعندهم [أنهم] على باطل، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ...

 ﴾ الآية: عرفوا أنه نور لكنهم عاندوه في المجادلة والمحاجة بالباطل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ .

أي: ليبطلوا به الحق.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً ﴾ .

قال بعضهم: آياته: الشمس والقمر وغيره، ﴿ وَمَآ أُنْذِرُواْ ﴾ : ما أنذر به الرسل، هو القرآن.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً ﴾ : القرآن والحجج التي أقامها وما أمروا به غير القرآن، هي المواعيد - هزوا.

وقال [أصحاب] هذا التأويل: تأويل الأول باطل لا يصح؛ لأنه قال على أثره: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ ، يقول: هذا يدل أنه أراد بالآيات ما ذكرنا من الحجج والبراهين، لا ما ذكر.

وجائز أنهم إذا لم يعملوا بآياته ولم يستعملوها نسبهم إلى الهزء بها والسخرية، وإن لم يهزءوا بها، وهو ما سماهم: عميا وبكما وصما؛ لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، ولم يستعملوها فيما جعلت له، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك؛ فإذا كان فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم يحتمل مجادلتهم إياهم: ما قالوا: هذا سحر، وكهانة، وإنه إفك، وشعر، ونحوه.

أو أن يكون مجادلتهم قولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً  ﴾ ، وقولهم: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ ، وأشباه ذلك من المجادلات التي كانت بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ ﴾ ، أي: وعظ بالآيات التي نزلت بمكة بمكذبي الرسل من الأمم الماضية؛ فيكون تأويله، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممن وعظ بآيات ربّه فأعرض عنها ما لو اتعظ بما وعظ كان به نجاته.

أو أن يكون تذكيره بآيات ربه، وهو ما أقام من حججه وبراهينه على توحيده ورسالة الرسول، فلم يقبلها ولم يصدقها، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممن لم يتعظ بما ذكر من الآيات والحجج ولم يقبلها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ : يحتمل الإعراض في الآية، أي: لم يقبلها، ولم يكترث إليها، ولم ينظر فيها، أو أعرض عنها بعد ما عرفها أنها آيات وحجج؛ تعنتاً وعناداً.

وقوله: ﴿ وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ .

يحتمل؛ أي: نسي من الخيانة والشرك.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ موصولا بالأول، أي: لا أحد أظلم على نفسه ممّن وعظ، وجعل له سبيل للتخلص والنجاة مما قدمت يداه، فلم يتعظ به؛ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ .

إن الكفر مظلم إذا أتى به إنسان يستر على نور القلب وعلى نور كل جارحة منه، والإيمان منير ينير القلب، وينير كل جارحة منه وعضو، وهو ما ذكرنا في غير موضع: أن الإنسان إنما يبصر بنورين ظاهرين: بنور نفسه، وبنور ذلك الشيء، فإذا ذهب أحدهما، ذهب الانتفاع بالآخر، والإيمان ما ذكرنا: أنه منير، وفي القلب نور، فإذا اجتمع النوران معاً - فعند ذلك انتفع به، فجعل يفقه ويعقل الشيء بنور القلب وبنور الإيمان، وكذلك كل جارحة منه، الأذن والبصر واللسان، جعل يبصر الحق به، ويعتبر به، ويستمع الحق والصواب.

والكفر مظلم يمنع ويستر على نور الجوارح؛ فجعل لا يبصر، ولا يعتبر، ولا يستمع، ولا يتكلم بالحق، وهو ما ذكرنا: أن الإنسان إنما يبصر الشيء بنور العين وبنور الهواء؛ فإذا ذهب أحدهما صار لا يبصر شيئاً؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.

وفي الآية دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه لا يخلو الكفر من أن يكون مظلماً قبيحاً ذميماً بنفسه أو بالله  .

فإن قيل: صار كذلك.

قيل: لئن جاز ذا جاز حدوث الأشياء بنفسها؛ إذ لا فرق بين أن يكون الشيء مظلماً قبيحاً ذميماً بنفسه وبين أن تكون الأشياء بأنفسها على ما كانت، فإن بطل [كونه] بنفسه مظلماً قبيحاً ثبت أن الله هو الذي جعله مظلماً قبيحاً، وهو ما نقول نحن: إن الله خلق فعل الكفر من الكافر مظلماً قبيحاً، وخلق فعل الإيمان من المؤمن منيراً حسناً، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ .

هذا في قوم مخصوصين علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، وإلا لا يحتمل في جميع الكفار؛ إذ من الكفار من قد آمن.

وقال الحسن: هو في القوم الذين جعل على قلوبهم الغطاء والطبع، إذ من قوله: إن للكفر حدا إذا بلغ الكافر ذلك الحد طبع على قلبه؛ فلا يؤمن أبداً.

وقال بعضهم: هو في قوم عادتهم العناد والمكابرة وتكذيب الآيات والحجج؛ فأخبر أنهم لا يؤمنون أبداً؛ لعنادهم، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ .

يحتمل على وجهين: أحدهما: ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ حيث ستر عليهم ولم يعاقبهم وقت عصيانهم، و ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ يقبل توبتهم إذا تابوا.

والثاني: ﴿ ٱلْغَفُورُ ﴾ إذا استغفروا أو تابوا، و ﴿ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ﴾ يرحمهم ويتجاوز عنهم ما سبق لهم من الذنوب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ ﴾ في الدنيا.

﴿ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ ﴾ : قال الحسن: جعل الله لكل أمة يهلكون - لهلاكهم - موعداً وأجلا [كقوله]: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ  ﴾ ، وجعل موعد هذه الأمة الساعة؛ وهو قوله: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ  ﴾ .

قال بعض أهل العلم: أهلك الله كل أمة كذبت رسولها؛ لتتعظ الأمة التي تأتي بعدها، وجعل هلاك أمة محمد بالساعة؛ لأنه ليس بعدها أمة تتعظ به.

وقوله: ﴿ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً ﴾ .

قيل: ملجأ.

وقال القتبي: لا وئلت نفسك، أي: لا نجت، ويقال: وأل فلان إلى كذا، أي: لجأ.

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً ﴾ .

فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يجعلون المهلك هالكاً قبل أجله، وقد أخبر لمهلكهم موعداً لا يتقدم ولا يتأخر طرفة عين.

وفي قوله: ﴿ قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ : ذكر تقديم اليد، وإن لم يكن لليد صنع في ذلك؛ لما في العرف الظاهر: أنه إنما يقدم ويؤخر باليد، وكذلك ما ذكر من الكسب: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ؛ لأنه في الشاهد إنما يكتسب باليد ونحوه، فهو يرد على أصحاب الظواهر: أن الخطاب على مخرج الظاهر؛ حيث لم يفهم من ذكر اليد هاهنا اليد نفسها؛ ولكن فهم غير اليد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولئلا يَتَشَوَّف النبي  إلى معاجلة المكذبين به بالعذاب قال الله له: وربك -أيها الرسول- الغفور لذنوب عباده التائبين، ذو الرحمة التي وسعت كل شيء، ومن رحمته أنه يمهل العصاة لعلهم يتوبون إليه، فلو أنه تعالى يعاقب هؤلاء المعرضين لعجّل لهم العذاب في الحياة الدنيا، لكنه حليم رحيم، أخر عنهم العذاب ليتوبوا، بل لهم مكان وزمان محددان يجازون فيه على كفرهم وإعراضهم إن لم يتوبوا، لن يجدوا من دونه ملجأ يلجئون إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.4pPNd"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد