الآية ٦٢ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٦٢ من سورة الكهف

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبًۭا ٦٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 164 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٢ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٢ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فلما جاوزا ) أي المكان الذي نسيا الحوت فيه ، ونسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه ، كقوله تعالى : ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) [ الرحمن : 22 ] ، وإنما يخرج من المالح في أحد القولين .

فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه مرحلة ) قال ) موسى ( لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) أي : الذي جاوزا فيه المكان ( نصبا ) يعني : تعبا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) يقول تعالى ذكره: ( فَلَمَّا جَاوَزَا ) موسى وفتاه مجمع البحرين، (قال) موسى (لفتاه) يوشع ( آتِنَا غَدَاءَنَا ) يقول: جئنا بغدائنا وأعطناه، وقال: آتنا غداءنا، كما يقال: أتى الغداء وأتيته، مثل ذهب وأذهبته، ( لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ) يقول: لقد لقينا من سفرنا هذا عناء وتعبا ، وقال ذلك موسى، فيما ذُكر، بعد ما جاوز الصخرة، حين ألقي عليه الجوع ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فلما جاوزا يعني الحوت هناك منسيا - أي متروكا - فلما سأل موسى الغداء نسب الفتى النسيان إلى نفسه عند المخاطبة ، وإنما ذكر الله نسيانهما عند بلوغ مجمع البحرين وهو الصخرة ، فقد كان موسى شريكا في النسيان ; لأن النسيان التأخير ; من ذلك قولهم في الدعاء : أنسأ الله في أجلك .

فلما مضيا من الصخرة أخرا حوتهما عن حمله فلم يحمله واحد منهما فجاز أن ينسب إليهما لأنهما مضيا وتركا الحوت .قوله تعالى : آتنا غداءنا فيه مسألة واحدة :وهو اتخاذ الزاد في الأسفار ، وهو رد على الصوفية الجهلة الأغمار ، الذين يقتحمون المهامة والقفار ، زعما منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار ; هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه ، وتوكله على رب العباد .

وفي صحيح البخاري : ( إن ناسا من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ، ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا سألوا الناس ، فأنزل الله - تعالى - وتزودوا ) وقد مضى هذا في " البقرة " .

واختلف في زاد موسى ; فقال ابن عباس : كان حوتا مملوحا في زنبيل ، وكانا يصيبان منه غداء وعشاء ، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر ، وضع فتاه المكتل ، فأصاب الحوت جري البحر فتحرك الحوت في المكتل ، فقلب المكتل وانسرب الحوت ، ونسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى .

وقيل : إنما كان الحوت دليلا على موضع الخضر لقوله في الحديث : احمل معك حوتا في مكتل فحيث فقدت الحوت فهو [ ص: 389 ] ثم على هذا فيكون تزودا شيئا آخر غير الحوت ، وهذا ذكره شيخنا الإمام أبو العباس واختاره .

وقال ابن عطية : قال أبي - رضي الله عنه - ، سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه : مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوما لم يحتج إلى طعام ، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم .نصبا أي تعبا ، والنصب التعب والمشقة .

وقيل : عنى به هنا الجوع ، وفي هذا دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض ، وأن ذلك لا يقدح في الرضا ، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين، قال موسى لفتاه: { آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ْ} أي: لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط، وإلا فالسفر الطويل الذي وصلا به إلى مجمع البحرين لم يجدا مس التعب فيه، وهذا من الآيات والعلامات الدالة لموسى، على وجود مطلبه، وأيضا فإن الشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان، سهل لهما الطريق، فلما تجاوزا غايتهما وجدا مس التعب

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فلما جاوزا ) يعني ذلك الموضع وهو مجمع البحرين ( قال ) موسى ( لفتاه آتنا غداءنا ) أي طعامنا والغداء ما يعد للأكل غدوة والعشاء ما يعد للأكل عشية ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) أي : تعبا وشدة وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد مجاوزة الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع إلى مطلبه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما جاوزا» ذلك المكان بالسير إلى وقت الغداء من ثاني يوم «قال» موسى «لفتاهُ آتينا غداءنا» هو ما يؤكل أول النهار «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا» تعبا وحصوله بعد المجاوزة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما فارقا المكان الذي نسيا فيه الحوت وشعر موسى بالجوع، قال لخادمه: أحضر إلينا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا تعبًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما كان منهما بعد ذلك فقال : ( فلما جاوزا ) أى : المكان الذى فيه مجمع البحرين .( قال ) موسى - عليه السلام - لفتاه يوشع بن نون ( آتنا غداءنا ) أى : أحضر لنا ما نأكله من هذا الحوت المشوى الذى معنا : ثم علل موسى - عليه السلام - هذا الطلب بقوله : ( لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً ) أى : تعبا وإعياء .واسم الإِشارة " هذا " مشار به إلى سفرهما المتلبسين به .قالوا : ولكن باعتبار بعض أجزائه ، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لم يجد موسى شيئا من التعب حتى جاوز المكان الذى أمر به " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي أن موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه العلم، وهذا وإن كان كلاماً مستقلاً في نفسه إلا أنه يعين على ما هو المقصود في القصتين السابقتين.

أما نفع هذه القصة في الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له وذلك يدل على أن التواضع خير من التكبر، وأما نفع هذه القصة في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا لكفار مكة: إن أخبركم محمد عن هذه القصة فهو نبي وإلا فلا، وهذا ليس بشيء لأنه لا يلزم من كونه نبياً من عند الله تعالى أن يكون عالماً بجميع القصص والوقائع، كما أن كون موسى عليه السلام نبياً صادقاً من عند الله لم يمنع من أمر الله إياه بأن يذهب إلى الخضر ليتعلم منه فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة قصة مستقلة بنفسها، ومع ذلك فهي نافعة في تقرير المقصود في القصتين المتقدمتين.

المسألة الثانية: أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة.

وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس صاحب موسى بن عمران، وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، وقيل هو كان نبياً قبل موسى بن عمران فقال ابن عباس كذب عدو الله، واعلم أنه كان ليوسف عليه السلام ولدان أفرائيم وميشا فولد افرائيم نون وولد نون يوشع بن نون وهو صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته، وأما ولد ميشا فقيل إنه جاءته النبوة قبل موسى بن عمران، ويزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب هذا العلم ليتعلم والخضر هو الذي خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، وموسى بن ميشا معه، هذا هو قول جمهور اليهود، واحتج القفال على صحة قولنا إن موسى هذا هو صاحب التوراة، قال إن الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلا وأراد به صاحب التوراة فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المراد شخصاً آخر مسمى بموسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة، كما أنه لما كان المشهور في العرف من أبي حنيفة رحمه الله هو الرجل المعين فلو ذكرنا هذا الاسم وأردنا به رجلاً سواء لقيدناه مثل أن نقول قال أبو حنيفة الدينوري، وحجة الذين قالوا: موسى هذا غير صاحب التوراة أنه تعالى بعد أن أنزل التوراة عليه وكلمه بلا واسطة وحج خصمه بالمعجزات القاهرة العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك لتعلم الاستفادة، وأجيب عنه بأنه لا يبعد أن العالم الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء فيحتاج في تعلمها إلى من دونه وهذا أمر متعارف معلوم.

المسألة الثالثة: اختلفوا في فتى موسى فالأكثرون على أنه يوشع بن نون، وروى القفال عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي هريرة عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فتاه يوشع بن نون.

والقول الثاني: أن فتى موسى أخو يوشع وكان صاحباً لموسى عليه السلام في هذا السفر.

والقول الثالث: روى عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ موسى لفتاه لا أَبْرَحُ ﴾ قال يعني عبده، قال القفال واللغة تحتمل ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي».

وهذا يدل على أنهم كانوا يسمون العبد فتى والأمة فتاة.

المسألة الرابعة: قيل إن موسى عليه السلام لما أعطي الألواح وكلمه الله تعالى قال: من الذي أفضل مني وأعلم؟

فقيل عبد لله يسكن جزائر البحر وهو الخضر، وفي رواية أخرى أن موسى عليه السلام لما أوتي من العلم ما أوتي ظن أنه لا أحد مثله فأتاه جبريل عليه السلام وهو بساحل البحر قال: يا موسى انظر إلى هذا الطير الصغير يهوي إلى البحر يضرب بمنقاره فيه ثم يرتفع فأنت فيما أوتيت من العلم دون قدر ما يحمل هذا الطير بمنقاره من البحر، قال الأصوليون: هذه الرواية ضعيفة لأن الأنبياء يجب أن يعلموا أن معلومات الله لا نهاية لها وأن يعلموا أن معلومات الخلق يجب كونها متناهية وكل قدر متناه فإن الزائد عليه ممكن فلا مرتبة من مراتب العلم إلا وفوقها مرتبة ولهذا قال تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ وإذا كانت هذه المقدمات معلومة فمن المستبعد جداً أن يقطع العاقل بأنه لا أحد أعلم مني لا سيما موسى عليه السلام مع علمه الوافر بحقائق الأشياء وشدة براءته عن الأخلاق الذميمة كالعجب والتيه والصلف.

والرواية الثالثة: قيل إن موسى عليه السلام سأل ربه: أي عبادك أحب إليك؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال فأي عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: فأي عبادك أعلم؟

قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردي، فقال موسى عليه السلام: إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه، فقال: اعلم منك الخضر، قال فأين أطلبه؟

قال: على الساحل عند الصخرة.

قال يا رب: كيف لي به؟

قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك.

فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان ورقد موسى واضطرب الحوت وطفر إلى البحر فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فرجع من ذلك الموضع إلى الموضع الذي طفر الحوت فيه إلى البحر فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال: وأني بأرضك السلام!

فعرفه نفسه، فقال: يا موسى أنا على علم علمني الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمك الله لا أعلمه أنا، فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر أقول نسبة ذلك القدر القليل الذي أخذه ذلك العصفور من ذلك الماء إلى كلية ماء البحر نسبة متناه إلى متناه ونسبة معلومات جميع المخلوقات إلى معلومات الله تعالى نسبة متناه إلى غير متناه، فأين إحدى النسبتين من الأخرى والله العالم بحقائق الأمور، ونرجع إلى التفسير، أما قوله تعالى: ﴿ لا أَبْرَحُ ﴾ قال الزجاج قوله: ﴿ لا أَبْرَحُ ﴾ ليس معناه لا أزول، لأنه لو كان كذلك لم يقطع أرضاً، أقول يمكن أن يجاب عنه بأن الزوال عن الشيء عبارة عن تركه والإعراض عنه، يقال: زال فلان عن طريقته في الجود أي تركها، فقوله: لا أبرح بمعنى لا أزول عن السير والذهاب بمعنى لا أترك هذا العمل وهذا الفعل وأقول المشهور عند الجمهور أن قوله لا أبرح معناه لا أزول، والعرب تقول: لا أبرح ولا أزال ولا انفك ولا افتأ بمعنى واحد.

قال القفال: وقالوا أصل قولهم لا أبرح من البراح كما أن أصل لا أزال من الزوال.

يقال: زال يزال ويزول كما يقال دام يدام ويدوم ومات يمات ويموت إلا أن المستعمل في هذه اللفظة يزال فقوله: لا أبرح أي أقيم لأن البراح هو العدم فقوله لا أبرح يكون عدماً للعدم فيكون ثبوتاً، فقوله: لا أزال ولا أبرح يفيد الدوام والثبات على العمل فإن قيل: إذا كان قوله لا أبرح بمعنى لا أزال فلابد من الخبر، قلنا: حذف الخبر لأن الحال والكلام يدلان عليه، أما الحال فلأنها كانت حال سفر، وأما الكلام فلأن قوله: ﴿ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين ﴾ غاية مضروبة تستدعي شيئاً هي غاية له فيكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين ويحتمل أن يكون المعنى لا أبرح مما أنا عليه يعني ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ كما تقول لا أبرح المكان.

وأما مجمع البحرين فهو المكان الذي وعد فيه موسى بلقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وقيل غيره وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح بالخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه، ومن الناس من قال: البحران موسى والخضر لأنهما كانا بحري العلم وقرئ مجمع بكسر الميم ثم قال أو أمضى حقباً أي أسير زماناً طويلاً وقيل الحقب: ثمانون سنة وقد تكلمنا في هذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿ لابثين فِيهَا أَحْقَاباً  ﴾ وحاصل الكلام أن الله عز وجل كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه موضعه بعينه، فقال موسى عليه السلام: لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحراً واحداً أو أمضي دهراً طويلاً حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبار من موسى بأنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر لأجل طلب العلم وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا ﴾ والمعنى فانطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما والضمير في قوله بينهما إلى ماذا يعود؟

فيه قولان، الأول: مجمع بينهما أي مجمع البحرين وهو كأنه إشارة إلى (قول) موسى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أي فحقق (الله) ما قاله.

والقول الثاني: أن المعنى فلما بلغ الموضع الذي يجتمع (فيه) موسى وصاحبه الذي كان يقصده لأن ذلك الموضع الذي وقع فيه نسيان الحوت هو الموضع الذي كان يسكنه الخضر أو يسكن بقربه ولأجل هذا المعنى لما رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت صار إليه وهو معنى حسن، والمفسرون على القول الأول، ثم قال تعالى: ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: الروايات تدل على أنه تعالى بين لموسى عليه السلام أن هذا العالم موضعه مجمع البحرين إلا أنه تعالى جعل انقلاب الحوت حياً علامة على مسكنه المعين كمن يطلب إنساناً فيقال له: إن موضعه محلة كذا من الري فإذا انتهيت إلى المحلة فسل فلاناً عن داره وأين ما ذهب بك فاتبعه فإنك تصل إليه فكذا هاهنا قيل له إن موضعه مجمع البحرين فإذا وصلت إليه رأيت الحوت انقلب حياً وطفر إلى البحر، فيحتمل أنه قيل له فهنالك موضعه ويحتمل أنه قيل له فاذهب على موافقة ذهاب ذلك الحوت فإنك تجده.

إذا عرفت هذا فنقول: إن موسى وفتاه لما بلغا مجمع بينهما طفرت السمكة إلى البحر وسارت وفي كيفية طفرها روايات أيضاً قيل إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملحة فطفرت وسارت وقيل إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب في الماء وقيل انفجر (ت) هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر فهذا هو الكلام في صفة الحوت.

البحث الثاني: المراد من قوله: ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ أنهما نسيا كيفية الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فإن قيل انقلاب السمكة المالحة حية حالة عجيبة فلما جعل الله حصول هذه الحالة العجيبة دليلاً على الوصول إلى المطلوب فكيف يعقل حصول النسيان في هذا المعنى؟

أجاب العلماء عنه بأن يوشع كان قد شاهد المعجزات القاهرة من موسى عليه السلام كثيراً فلم يبق لهذه المعجزة عنده وقع عظيم فجاز حصول النسيان.

وعندي فيه جواب آخر وهو أن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروري تنبيهاً لموسى عليه السلام على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على القلب والخاطر، أما قوله: ﴿ فاتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر سَرَباً ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن يكون التقدير سرب في البحر سرباً إلا أنه أقيم قوله فاتخذ مقام قوله سرب والسرب هو الذهاب ومنه قوله: ﴿ وَسَارِبٌ بالنهار  ﴾ .

الثاني: أن الله تعالى أمسك إجراء الماء على البحر وجعله كالطاق والكوة حتى سرى الحوت فيه فلما جاوز أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النسيان المذكور وذهبا كثيراً وتعبا وجاعا: ﴿ قَالَ لفتاه ءاتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً قَالَ ﴾ الفتى: ﴿ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصخرة ﴾ الهمزة في أرأيت همزة الاستفهام ورأيت على معناه الأصلي وقد جاء هذا الكلام على ما هو المتعارف بين الناس فإنه إذا حدث لأحدهم أمر عجيب قال لصاحبه أرأيت ما حدث لي؟

كذلك هاهنا كأنه قال: أرأيت ما وقع لي منه إذ أوينا إلى الصخرة، فحذف مفعول أرأيت لأن قوله: ﴿ فَإِنّى نَسِيتُ الحوت ﴾ يدل عليه ثم قال: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: أنه اعتراض وقع بين المعطوف والمعطوف عليه والتقدير فإني نسيت الحوت واتخذ سبيله في البحر عجباً، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى العذر والعلة لوقوع ذلك النسيان.

البحث الثاني: قال الكعبي: ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ يدل على أنه تعالى ما خلق ذلك النسيان وما أراده وإلا كانت إضافته إلى الله تعالى أوجب من إضافته إلى الشيطان لأنه تعالى إذا خلقه فيه لم يكن لسعي الشيطان في وجوده ولا في عدمه، أثر قال القاضي: والمراد بالنسيان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر لأن ذلك لا يصح أن يكون إلا من قبل الله تعالى.

البحث الثالث: قوله: ﴿ أن اذكره ﴾ بدل من الهاء في ﴿ أنسانيه ﴾ أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان ثم قال: ﴿ واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَبًا ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن قوله عجباً صفة لمصدر محذوف كأنه قيل واتخذ سبيله في البحر اتخاذاً عجباً ووجه كونه عجباً انقلابه من المكتل وصيرورته حياً وإلقاء نفسه في البحر على غفلة منهما.

والثاني: أن يكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطاق وكالسرب.

الثالث: قيل إنه تم الكلام عند قوله: ﴿ واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر ﴾ ثم قال بعده: عجباً والمقصود منه تعجبه من تلك العجيبة التي رآها ومن نسيانه لها وقيل إن قوله عجباً حكاية لتعجب موسى وهو ليس بقوله، ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ ذلك مَا كُنَّا نَبْغِ ﴾ أي قال موسى ذلك الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب وهو لقاء الخضر وقوله نبغ أصله نبغي فحذفت الياء طلباً للتخفيف لدلالة الكسرة عليه، وكان القياس أن لا يحذف لأنهم إنما يحذفون الياء في الأسماء وهذا فعل إلا أنه قد يجوز على ضعف القياس حذفها لأنها تحذف مع الساكن الذي يكون بعدها كقولك ما نبغي اليوم؟

فلما حذفت مع الساكن حذفت أيضاً مع غير الساكن ثم قال فارتدا على آثارهما أي فرجعا وقوله: ﴿ قَصَصًا ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال أي رجعا على آثارهما مقتصين آثارهما.

والثاني: أن يكون مصدراً لقوله فارتدا على آثارهما، لأن معناه فاقتصا على آثارهما.

وحاصل الكلام أنهما لما عرفا أنهما تجاوزا عن الموضع الذي يسكن فيه ذلك العالم رجعا وعادا إليه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لفتاه ﴾ لعبده.

وفي الحديث: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي» ، ولا يقل: عبدي وأمتي.

وقيل: هو يوشع بن نون.

وإنما قيل: فتاه؛ لأنه كان يخدمه ويتبعه.

وقيل: كان يأخذ منه العلم.

فإن قلت: ﴿ لا أَبْرَحُ ﴾ إن كان بمعنى لا أزول- من برح المكان- فقد دلّ على الإقامة لا على السفر.

وإن كان بمعنى: لا أزال، فلا بدّ من الخبر، قلت: هو بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر؛ لأنّ الحال والكلام معاً يدلان عليه.

أمّا الحال فلأنها كانت حال سفر.

وأمّا الكلام فلأن قوله: ﴿ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين ﴾ غاية مضروبة وتستدعي ما هي غاية له، فلا بدّ أن يكون المعنى: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين.

ووجه آخر: وهو أن يكون المعنى: لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، وهو وجه لطيف.

ويجوز أن يكون.

المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول: لا أبرح المكان.

ومجمع البحرين: المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السلام، وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق.

وقيل: طنجة.

وقيل: أفريقية.

ومن بدع التفاسير: أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم.

وقرئ: ﴿ مجمع ﴾ بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق والمطلع من يفعل ﴿ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً ﴾ أو أسير زماناً طويلاً.

والحقب ثمانون سنة.

وروي أنه لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل واستقرّوا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله وقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه.

فقالوا له: قد علمنا هذا، فأي الناس أعلم؟

قال: أنا.

فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى إليه: بل أعلم منك عبدٌ لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل موسى عليه السلام، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام موسى.

وقيل: إنّ موسى سأل ربه: أيّ عبادك أحبّ إليك؟

قال الذي يذكرني ولا ينساني.

قال: فأيّ عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: فأيّ عبادك أعلم؟

قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى، أو تردّه عن ردى.

فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه.

قال: أعلم منك الخضر.

قال: أين أطلبه؟

قال: على الساحل عند الصخرة.

قال: يا ربِ، كيف لي به؟

قال: تأخذ حوتاً في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك.

فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فقال: وأني بأرضنا السلام، فعرّفه نفسه، فقال: يا موسى، أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا.

فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلا مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر بالطلبة.

وقيل: نسي يوشع أن يقدّمه، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء.

وقيل: كان الحوت سمكة مملوحة.

وقيل: إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل، فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة، ونام موسى، فلما أصاب السمكة برد الماء وروحه عاشت.

وروي: أنهما أكلا منها.

وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء ﴿ سَرَباً ﴾ أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب معجزة لموسى أو للخضر ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا ﴾ الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت وما كان منه.

ونسيان يوشع أن يذكر لموسى ما رأى من حياته ووقوعه في البحر.

وقيل: سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر، وألقي على موسى النصب والجوع حين جاوز الموعد، ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك، فتذكر الحوت وطلبه.

وقوله: ﴿ مِن سَفَرِنَا هذا ﴾ إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة.

فإن قلت: كيف نسي يوشع ذلك، ومثله لا ينسى لكونه أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها لكونه معجزتين ثنتين: وهما حياة السمكة المملوحة المأكول منها- وقيل: ما كانت إلاّ شق سمكة- وقياء الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه؟

ثم كيف استمرّ به النسيان حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد، وحتى طلب موسى عليه السلام الحوت؟

قلت: قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل مذهب حتى اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضري بمشاهدة أمثاله عند موسى عليه السلام من العجائب، واستأنس بإخوانه فأعان الإلف على قلة الاهتمام ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ بمعنى أخبرني.

فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام، فإن كل واحد من ﴿ أَرَأَيْتَ ﴾ و ﴿ إِذْ أَوَيْنَا ﴾ و ﴿ فَإِنّى نَسِيتُ الحوت ﴾ لا متعلق له؟

قلت: لما طلب موسى عليه السلام الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؟

فإني نسيت الحوت، فحذف ذلك.

وقيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت.

و ﴿ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ بدل من الهاء في ﴿ أَنْسَانِيهُ ﴾ أي: وما أنساني ذكره إلاّ الشيطان.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ أن اذكركه ﴾ و ﴿ عَجَبًا ﴾ ثاني مفعولي اتخذ، مثل ﴿ سَرَباً ﴾ يعني: واتخذ سبيله سبيلاً عجباً، وهو كونه شبيه السرب.

أو قال: عجباً في آخر كلامه، تعجباً من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها أو مما رأى من المعجزتين، وقوله: ﴿ أنسانيه إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وقيل: إن ﴿ عَجَبًا ﴾ حكاية لتعجب موسى عليه السلام، وليس بذاك ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى اتخاذه سبيلاً، أي: ذلك الذي كنا نطلب، لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء الخضر عليه السلام.

وقرئ: ﴿ نبغ ﴾ لغير ياء في الوصل، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو، وأمّا الوقف، فالأكثر فيه طرح الياء اتباعاً لخط المصحف ﴿ فارتدا ﴾ فرجعا في أدراجهما ﴿ قَصَصًا ﴾ يقصان قصصاً، أي: يتبعان آثارهما اتباعاً.

أو فارتدّا مقتصين ﴿ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا ﴾ هي الوحي والنبوة ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ مما يختص بنا من العلم، وهو الإخبار عن الغيوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما ﴾ أيْ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ و ﴿ بَيْنِهِما ﴾ ظَرْفٌ أُضِيفَ إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ أوْ بِمَعْنى الوَصْلِ.

﴿ نَسِيا حُوتَهُما ﴾ نَسِيَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَطْلُبَهُ ويَتَعَرَّفَ حالَهُ، ويُوشَعُ أنْ يُذْكَرَ لَهُ ما رَأى مِن حَياتِهِ ووُقُوعِهِ في البَحْرِ.

رُوِيَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَقَدَ فاضْطَرَبَ الحُوتُ المَشْوِيُّ ووَثَبَ في البَحْرِ مُعْجِزَةً لِمُوسى أوِ الخَضِرِ.

وَقِيلَ تَوَضَّأ يُوشَعُ مِن عَيْنِ الحَياةِ فانْتَضَحَ الماءُ عَلَيْهِ فَعاشَ ووَثَبَ في الماءِ.

وقِيلَ نَسِيا تَفَقُّدَ أمْرِهِ وما يَكُونُ مِنهُ أمارَةً عَلى الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ ﴿ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا ﴾ فاتَّخَذَ الحُوتُ طَرِيقَهُ في البَحْرِ مَسْلَكًا مِن قَوْلِهِ ﴿ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ .

وقِيلَ أمْسَكَ اللَّهُ جَرْيَةَ الماءِ عَلى الحُوتِ فَصارَ كالطّاقِ عَلَيْهِ، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي وفي البَحْرِ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ السَّبِيلِ ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِاتَّخَذَ.

﴿ فَلَمّا جاوَزا ﴾ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ.

﴿ قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا ﴾ ما نَتَغَدّى بِهِ.

﴿ لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ قِيلَ لَمْ يَنْصَبْ حَتّى جاوَزَ المَوْعِدَ فَلَمّا جاوَزَهُ وسارَ اللَّيْلَةَ والغَدَ إلى الظُّهْرِ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الجُوعُ والنَّصَبُ.

وقِيلَ لَمْ يَعْيَ مُوسى في سَفَرٍ غَيْرِهِ ويُؤَيِّدُهُ التَّقْيِيدُ بِاسْمِ الإشارَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)

{فَلَمَّا جَاوَزَا} مجمع البحرين ثم نزلا وقد سارا ما شاء الله {قَالَ} موسى {لفتاه آتنا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً} تعبا ولم يتعب ولا جاع قبل ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا جاوَزا ﴾ أيْ: ما فِيهِ المَقْصِدُ مِن مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، صَحَّ أنَّهُما انْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما حَتّى إذا كانَ الغَدُ وارْتَفِعِ النَّهارُ أحَسَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجُوعِ فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿ قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا ﴾ وهو الطَّعامُ الَّذِي يُؤْكَلُ أوَّلَ النَّهارِ، والمُرادُ بِهِ الحُوتُ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ظاهِرُ الجَوابِ، وقِيلَ سارا لَيْلَتَهُما إلى الغَدِ فَقالَ ذَلِكَ.

﴿ لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، وهَذا إشارَةٌ إلى سَفَرِهِمُ الَّذِي هم مُلْتَبِسُونَ بِهِ، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أجْزائِهِ.

فَقَدْ صَحَّ أنَّهُ  قالَ: ««لَمْ يَجِدْ مُوسى شَيْئًا مِنَ النَّصَبِ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ»».

وذُكِرَ أنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ الفَحْوى، والتَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ أنَّهُ لَمْ يُنْصَبْ في سائِرِ أسْفارِهِ، والحِكْمَةُ في حُصُولِ الجُوعِ والتَّعَبِ لَهُ حِينَ جاوَزَ أنْ يَطْلُبَ الغَداءَ فَيَذْكُرَ الحُوتَ فَيَرْجِعَ إلى حَيْثُ يَجْتَمِعُ بِمُرادِهِ، وعَنْ أبِي بَكْرٍ غالِبِ بْنِ عَطِيَّةَ والِدِ أبِي عَبْدِ الحَقِّ المُفَسِّرِ قالَ: سَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ يَقُولُ في وعْظِهِ: مَشى مُوسى إلى المُناجاةِ فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَحْتَجْ إلى طَعامٍ، ولَمّا مَشى إلى بَشَرٍ لَحِقَهُ الجُوعُ في بَعْضِ يَوْمٍ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإيتاءِ الغَداءِ، إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ النَّصْبَ إنَّما يَعْتَرِي بِسَبَبِ الضَّعْفِ النّاشِئِ عَنِ الجُوعِ، وإمّا بِاعْتِبارِ ما في أثْناءِ التَّغَدِّي مِنَ اسْتِراحَةٍ ما، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: «نُصُبًا» بِضَمَّتَيْنِ، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهي إحْدى اللُّغاتِ الأرْبَعِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ﴿ قالَ ﴾ أيْ فَتاهُ، والِاسْتِئْنافُ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما صَنَعَ الفَتى حِينَ قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ؟

فَقِيلَ: قالَ: ﴿ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ ﴾ أيِ التَجَأْنا إلَيْها وأقَمْنا عِنْدَها.

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لِفَتاهُ: ﴿ لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ قالَ: قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ.

وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ قالَ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ، أي لتلميذه وهو يوشع بن نون.

وقال أَهل الكتاب: إنما هو موسى بن إفراتيم بن يوسف بن يعقوب، وذكر عن القتبي أنه قال: زعم أهل التوراة أنه موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، وقال عامة المفسرين: هو موسى بن عمران الذي هو أخو هارون.

قال الفقيه  : حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيد الله بن منبه: أن ابن عباس تمارى هو وجبر بن قيس الفزاري في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إليه، قال ابن عباس: «هو الخضر» ، إذ مر أبي بن كعب، فناداه ابن عباس فقال: تماريت أنا وهذا في صاحب موسى، فقال: سمعت رسول الله  «بَيْنَا مُوسَى فِي مَلإِ بَنِي إسْرَائِيلَ، إذْ قَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أحَداً أعْلَمَ مِنْكَ؟

فَقَالَ: لا، فَأَوْحَى الله إلَيْهِ بَلْ عَبْدِي الخَضِرُ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إلَى لِقَائِهِ، فَجَعَلَ الله لَهُ الحُوتَ آيةً.

فَقَالَ: إذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا ما قَصَّ الله تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ» .

وروى سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوف البكالي زعم أن موسى نبي بني إسرائيل، ليس هو موسى صاحب الخضر، فقال ابن عباس: «كذب عدو الله، أخبرنا أبي بن كعب أن رسول الله  قال: «قَامَ مُوسَى خَطِيباً في بَنِي إسْرَائِيلَ» ، وذكر نحو الحديث الأول» (١) وروى أسباط، عن السدي قال: بلغنا أن موسى بن عمران نبي الله خطب خطبة فأبلغ فيها، فدخله بعض العجب، وتعجبت بنو إسرائيل لبلاغته، فقالوا: يا نبي الله هل تعلم أحداً أبلغ منك؟

فأوحى الله تعالى إليه أن لي عبداً في الأرض هو أعلم منك فاطلبه قال: وما علامته؟

قال: تنطلق معك بزاد، فإذا تعبت في سفرك أي أعييت وفقدت زادك، فعند ذلك تلقاه.

فانطلق موسى وفتاه يوشع بن نون وحملا معهما خبزاً وحوتاً، فذلك قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ.

قال الكلبي: وإنما سماه موسى فتًى لأنه كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه، وكان يوشع من أشراف بني إسرائيل، وهو الذي استخلفه موسى على بني إسرائيل.

وقال مقاتل: كان فتاه يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى من سبط يوسف.

قوله: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، أي بحر الملح، وهو بحر فارس وبحر الروم والبحر العذب وقد قيل: معناه آتي الموضع الذي يجتمع فيه بين العالمين يعني: موسى والخضر، وهما بحران في العلم.

والتفسير الأول أصح، لأنه ذكر بعد هذا حديث البحر.

أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً، أي زمانا ودهرا.

وقال الكلبي: الحقب الواحد ثمانون سنة.

فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما، أي موسى ويوشع بن نون مجمع البحرين، جلسا على شاطئ البحر فأصابا من طعامهما ونام موسى، وجعل يوشع يتوضأ من عين على شاطئ البحر، فانتضح من ذلك الماء على الحوت، الملح فحيي فعاش الحوت، وكانت تلك العين عين الحياة لا تصيب شيئا إلا عاش، فوثب الحوت في الماء، فجعل الحوت يضرب بذنبه في الماء، فلا يضرب في ذنبه في الماء إلا يبس.

فأراد يوشع أن يخبر موسى بذلك، فلما استيقظ موسى نسي يوشع أن يخبر موسى، فذلك قوله: نَسِيا حُوتَهُما يعني: أن يوشع نسي أن يخبر موسى عن خبر الحوت.

فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً قال الفراء: أي أخذ طريقه يبسا، وقال القتبي: اتخذ طريقه في البحر مذهبا ومسلكا، فذهبا عن ذلك الموضع في غدوتهما، حتى أصابهما التعب ولم ينصب موسى في سفره حتى كان يومئذ، فنصب فقال لفتاه يوشع.

قوله: فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ يوشع: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي مشقة وتعبا.

قالَ يوشع لموسى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ، أي حين نزلنا عند الصخرة، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ يقول: نسيت أن أذكر لك أمر الحوت.

وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ لك وأمره.

وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، أي طريقه عَجَباً، قال بعضهم: عَجَباً هو من كلام موسى، وقال بعضهم: من كلام يوشع قال: عَجَباً وذلك أن يوشع لما أخبره، فقال موسى عجبا فكأنه قال: أعجب عجبا.

وقال بعضهم: هو كلام يوشع قال اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً أي يبسا وذلك حين يبس له الماء وأثره في الماء.

ف قالَ موسى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ، أي نطلب من حاجتنا.

فَارْتَدَّا، أي رجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً، يقتصان أثر طريقهما الذي جاء فيه.

وإنما سمي قاصا، لأنه يقص أثر الأمم، ومعناه: أنهما رجعا في الطريق الذي سلكاه، فلما انتهيا إلى الصخرة حيث قام الحوت، أراه يوشع مكان الحوت وأثره في الماء، فعجب موسى من أثره، فأبصر رجلا عند الصخرة قائما يصلي وعليه مدرعة صوف وكساء صوف.

فلما فرغ من صلاته، قال موسى: السلام عليك.

فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل.

قال: ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟

قال: أخبرني الذي أخبرك بمكاني، فذلك قوله: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا، أي أعطيناه النبوة، وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً أي علم بعض الكوائن.

روي عن رسول الله  في قصة الخضر، في بعض الأخبار فقال: «كان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر، فطلبه أبوه فلم يقدر عليه» .

(١) عزاه السيوطي: 5/ 409 إلى البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

واختلف الناس في «مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ» ، فقال مجاهد وقتادة هو مَجْمَعُ بَحْر فارس وبَحْر الروم «١» ، وقالت فرقة مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ: هو عند طَنْجَة، وقيل غير هذا، واختلف في «الحُقُب» ، فقال ابن عباس وغيره: الحُقُب: أزمانٌ غير محدودة «٢» ، وقال عبد اللَّه بن عمرو ثمانون «٣» سنة، وقال مجاهد: سبعون «٤» ، وقيل: سنة.

فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣) قالَ ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥)

وقوله سبحانه: فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما الضمير في بَيْنِهِما: للبحرين، قاله

مجاهد «١» ، وفي الحديث الصحيح: «ثُمَّ انْطَلَقَ، وانْطَلَقَ مَعَهُ/ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى أَتيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُؤُوَسَهُما، فَنَامَا، واضْطَربَ الحُوتُ في المكتلِ، فَخَرجَ مِنْهُ فَسَقَط في البَحْرِ، واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَباً، أي: مسلكاً في جوفِ الماءِ، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخبَرَهُ بالحُوتِ، فانْطَلَقَا بَقَّيِة يَوْمِهَما، ولَيْلَتِهِما حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ قال موسى لِفَتَاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ويعني ب «النصب» تعب الطريق، قال: ولم يجدْ موسى النَّصَبَ حتَّى جاوَزَ المَكَان الذي أمره اللَّه به، قال له فتاه: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، يريد: ذكر ما جرى فيه، وَما أَنْسانِيهُ، أي أن أذكره إِلَّا الشَّيْطانُ، واتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً قال: فكان للحوتِ سَرَباً ولموسى وفتاه عَجَباً، فقال موسَى: ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً، قال: فرجعا يَقُصَّان آثارهما حَتَّى انتهيا إلى الصخرة، فإِذا رجُلٌ مُسَجَّى بثوبٍ، فسَلَّم عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأَنَّى بأرضِكَ السَّلاَمَ قال: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسُرَائِيلَ؟

قَالَ: نَعْم، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمْتَ رُشْداً، قالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً يعني: لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي لأن الظواهر التي هي عِلْمُكَ لا تعطيه، وكيف تُصْبِرُ على ما تراه خطأً، ولم تُخْبَرْ بوجه الحكمة فيه؟

يا موسى، إني على علْمٍ من علْمِ اللَّه، علَّمنيه لا تَعْلَمُه، يريد: علْم الباطنِ، وأنْتَ على علْمٍ من علمِ اللَّه علَّمكه اللَّه، لا أعلمه، يريد: علْمَ الظاهرِ، فقال له موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً، فقال له الخضر: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً، أي: حتى أشرح لك ما ينبغي شرْحُه، فانطلقا يمشيَانِ على ساحل البَحْرِ، فمرت بهم سفينةٌ، فكلَّموهم أنْ يحملوهم، فعرفوا الخَضِرَ، فحملوهم بغَيْر نَوْلٍ، يقول: بغير أجْر، فلما ركبا في السفينة، لم يُفْجَأْ موسى إِلاَّ والخَضِرُ قد قلع لَوْحاً من ألواح السفينة بالقَدُومِ، فقال له موسى قومٌ حملونا بغير نَوْلٍ، عَمِدْتَّ إلى سفينتهم، فخرقْتَها لتغرق أهلها، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، أي شنيعاً من الأمور، وقال مجاهد: الإِمْرُ المُنْكَر «٢» ، قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قالَ لاَ تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً قال أَبَيُّ بْنُ كعب، قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: فكانَتِ الأُولى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً، قال: وَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ على حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ في البَحْرِ نُقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعلْمُكَ مِنْ عِلْم اللَّهِ إِلاَّ مِثْلُ مَا نقص هذا العصفور من هذا البحر» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ.

.

.

﴾ الآَيَةُ، سَبَبُ خُرُوجِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا السَّفَرِ، ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ  ، قالَ: " «إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟

فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ؛ قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟

قالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ.

فانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، حَتّى إذا أتَيا الصَّخْرَةَ وضَعا رُؤُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ، فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطّاقِ.

فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ، قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آَتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا، قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصْبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ فَتاهَ: "أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ.

.

.

" إلى قَوْلِهِ: "عَجَبًا،" قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سِرْبًا، ولِمُوسى ولِفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِي، "فارْتَدّا عَلى آَثارِهِما قَصَصًا" .

قالَ: رَجَعا يَقُصّانِ آَثارَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا هو مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ !

مَن أنْتَ ؟

قالَ: أنا مُوسى.

قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟

قالَ: نَعَمْ، أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا.

قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا يا مُوسى، إنِّي عَلى عِلْمٍ مَن عِلْمِ اللَّهِ لا تَعْلَمُهُ عَلَّمَنِيهِ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ لا أعْلَمُهُ، فَقالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا؛ فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنَ ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقُدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ قَدْ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها.

.

.

إلى قَوْلِهِ: عُسْرًا ؟

!

قالَ: وقالَ رَسُولُ اللهِ  : كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ تَعالى إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ، ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ؛ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ فاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً إلى قَوْلِهِ: يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ [ هَكَذا ]، فَأقامَهُ.

فَقالَ مُوسى: قَوْمٌ أتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولَمْ يُضَيِّفُونا، لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا.

قالَ: هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنَكَ.

.

.

الآَيَةُ "» .

هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ "، وقَدْ ذَكَرْنا إسْنادَهُ في كِتابِ " الحَدائِقِ "، فَآَثَرْنا الِاخْتِصارَ هاهُنا.

فَأمّا التَّفْسِيرُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ ذَلِكَ.

وفي مُوسى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى بْنُ عِمْرانَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا البَكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ لَيْسَ هو مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ، قالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

.

.

.

فَذَكَرَ الحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمْناهُ آَنِفًا.

والثّانِي: أنَّهُ مُوسى بْنُ مَيْشًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.

فَأمّا فَتاهُ فَهو يُوشَعُ بْنُ نُونَ مِن غَيْرِ خِلافٍ، وإنَّما سُمِّيَ فَتاهَ؛ لِأنَّهُ كانَ يُلازِمُهُ ويَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدُمُهُ.

وَمَعْنى ﴿ لا أبْرَحُ ﴾ : لا أزالُ.

ولَيْسَ المُرادُ بِهِ: لا أزُولُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَزَلْ لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، فَهو مِثْلُ قَوْلِكَ: ما بَرِحْتُ أُناظِرُ عَبْدَ اللَّهِ؛ أيْ: ما زِلْتُ، قالَ الشّاعِرُ: إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً وتَحْمِلُ أُخْرى أفْرَحَتْكَ الوَدائِعُ أيْ: أثْقَلَتْكَ، والمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ؛ أيْ: مُلْتَقاهُما، وهو المَوْضِعُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ بِلِقاءِ الخَضِرِ فِيهِ.

قالَ قَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ، وبَحْرُ الرُّومِ، فَبَحْرُ الرُّومِ نَحْوُ المَغْرِبِ، وبَحْرُ فارِسٍ نَحْوُ المَشْرِقِ.

وَفِي اسْمِ البَلَدِ الَّذِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إفْرِيقِيَّةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

والثّانِي: طَنْجَةُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: ( حُقْبًا ) بِإسْكانِ القافِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحُقْبُ: الدَّهْرُ، والحِقْبُ: السُّنُونَ، واحِدَتُها حِقْبَةٌ، ويُقالُ: حُقْبٌ وحُقُبٌ، كَما يُقالُ: قُفْلٌ وقُفُلٌ، وهُزْؤٌ وهُزُؤٌ، وكُفْؤٌ وكُفُؤٌ، وأكْلٌ وَأُكُلٌ، وسُحْتٌ وسُحُتٌ، ورُعْبٌ ورُعُبٌ، ونُكْرٌ ونُكُرٌ، وأُذْنٌ وأُذُنٌ، وسُحْقٌ وسُحُقٌ، وبُعْدٌ وبُعُدٌ، وشُغْلٌ وشُغُلٌ، وثُلْثٌ وثُلُثٌ، وعُذْرٌ وعُذُرٌ، ونَذْرٌ ونُذُرٌ، وعُمْرٌ وعُمُرٌ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالحُقُبِ هاهُنا ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وأبُو هُرَيْرَةَ.

والثّالِثُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والسّادِسُ: أنَّهُ ثَمانُونَ ألْفَ سَنَةٍ، كُلُّ يَوْمٍ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدَدِ الدُّنْيا.

والسّابِعُ: أنَّهُ سَنَةٌ بِلُغَةِ قَيْسٍ، ذَكَرَهُما الفَرّاءُ.

والثّامِنُ: الحُقُبُ عِنْدَ العَرَبِ وقْتٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

ومَعْنى الكَلامِ: لا أزالُ أسِيرُ، ولَوِ احْتَجْتُ أنْ أسِيرَ حُقُبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا بَلَغا ﴾ يَعْنِي: مُوسى وفَتاهُ، ﴿ مَجْمَعَ بَيْنِهِما ﴾ يَعْنِي: البَحْرَيْنِ، ﴿ نَسِيا حُوتَهُما ﴾ وكانا قَدْ تَزَوَّدا حُوتًا مالِحًا في زَبِيلٍ، فَكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ الغَداءِ والعَشاءِ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وضْعَ فَتاهُ المِكْتَلَ، فَأصابَ الحُوتَ بَلَلُ البَحْرِ.

وقِيلَ: تَوَضَّأ يُوشِعُ مِن عَيْنِ الحَياةِ فانْتَضَخَ عَلى الحُوتِ الماءُ فَعاشَ، فَتَحَرَّكَ في المِكْتَلِ، فانْسَرَبَ في البَحْرِ، وقَدْ كانَ قِيلَ لِمُوسى: تَزَوَّدَ حُوتًا مالِحًا، فَإذا فَقَدْتَهُ وجَدْتَ الرَّجُلَ.

وكانَ مُوسى حِينَ ذَهَبَ الحُوتُ في البَحْرِ قَدْ مَضى لِحاجَةٍ، فَعَزَمَ فَتاهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِما جَرى فَنَسِيَ.

وإنَّما قِيلَ: ﴿ نَسِيا حُوتَهُما ﴾ تَوَسُّعًا في الكَلامِ؛ لِأنَّهُما جَمِيعًا تُزَوِّداهُ، كَما يُقالُ: نَسِيَ القَوْمُ زادَهُمْ، وإنَّما نَسِيَهُ أحَدُهم.

قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ  ﴾ ، وإنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ المِلْحِ لا مِنَ العَذْبِ.

وقِيلَ: نَسِيَ يُوشَعُ أنْ يَحْمِلَ الحُوتَ، ونَسِيَ مُوسى أنْ يَأْمُرَهُ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ فَلِذَلِكَ أُضِيفَ النِّسْيانُ إلَيْهِما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا ﴾ ؛ أيْ: مَسْلَكًا ومَذْهَبًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ الحُوتَ لا يَمَسُّ شَيْئًا مِنَ البَحْرِ إلّا يَبِسَ حَتّى يَكُونَ صَخْرَةً.

وقالَ قَتادَةُ: جَعَلَ لا يَسْلُكَ طَرِيقًا إلّا صارَ الماءُ جامِدًا.

وقَدْ ذَكَرْنا في حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الماءَ صارَ مِثْلَ الطّاقِ عَلى الحُوتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاوَزا ﴾ ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ الحُوتُ، أصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرُ مِنَ النَّصَبِ، فَدَعا مُوسى بِالطَّعامِ، فَقالَ: ﴿ آتِنا غَداءَنا ﴾ ، وهو الطَّعامُ الَّذِي يُؤْكَلُ بِالغَداةِ.

والنَّصَبُ: الإعْياءُ.

وهَذا يَدُلُّ عَلى إباحَةِ إظْهارِ مِثْلَ هَذا القَوْلِ عِنْدَما يَلْحَقُ الإنْسانُ مِنَ الأذى والتَّعَبِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ شَكْوى.

﴿ قالَ ﴾ يُوشَعُ لِمُوسى: ﴿ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ ﴾ ؛ أيْ: حِينَ نَزَلْنا هُناكَ، ﴿ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: نَسِيتُ أنْ أُخْبِرَكَ خَبَرَ الحُوتِ.

والثّانِي: نَسِيتُ حَمْلَ الحُوتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْسانِيهُ ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ: ( أنْسانِيهِ ) بِإمالَةِ السِّينِ [ مَعَ كَسْرِ الهاءِ ] .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( أنْسانِيهِي ) بِإثْباتِ ياءٍ في الوَصْلِ بَعْدَ الهاءِ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( أنْسانِيهُ إلّا ) بِضَمِّ الهاءِ [ في الوَصْلِ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا ﴾ الهاءُ في السَّبِيلِ تَرْجِعُ إلى الحُوتِ.

وفي المُتَّخَذِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحُوتُ، ثُمَّ في المُخْبِرِ عَنْهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ يُرى عَجَبًا ويُحْدِثُ عَجَبًا.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ ﴾ ، قالَ: اعْجَبُوا لِذَلِكَ عَجَبًا، وتَنَبَّهُوا لِهَذِهِ الآَيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ إخْبارَ اللَّهِ تَعالى انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ فِي البَحْرِ ﴾ ، فَقالَ مُوسى: عَجَبًا، لِما شُوهِدَ مِنَ الحُوتِ.

ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: [ أنَّ ] المُخْبِرَ عَنِ الحُوتِ يُوشَعُ، وصَفَ لِمُوسى ما فَعَلَ الحُوتُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُتَّخِذَ مُوسى، اتَّخَذَ سَبِيلَ الحُوتِ في البَحْرِ عَجَبًا، فَدَخَلَ في المَكانِ الَّذِي مَرَّ فِيهِ الحُوتُ فَرَأى الخَضِرَ.

ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَجَعَ مُوسى إلى الصَّخْرَةِ فَوَجَدَ الحُوتَ، فَجَعَلَ الحُوتُ يَضْرِبُ في البَحْرِ ويَتْبَعُهُ مُوسى، حَتّى انْتَهى بِهِ إلى جَزِيرَةٍ مِن جَزائِرِ البَحْرِ، فَلَقِيَ الخَضِرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ﴾ يَعْنِي: مُوسى، ﴿ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ ﴾ ؛ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي نَطْلُبُ مِنَ العَلامَةِ الدّالَّةِ عَلى مَطْلُوبِنا.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ( نَبْغِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِياءٍ في الوَصْلِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: رَجَعا في الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكاهُ يَقُصّانِ الأثَرَ.

والقَصَصُ: اتِّباعُ الأثَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا ﴾ يَعْنِي: الخَضِرَ.

وَفِي اسْمِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: اليَسَعُ، قالَهُ وهَبٌ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الخَضِرُ بْنُ عامِيا.

والثّالِثُ: أرَمَيا بْنُ حَلْفِيا، ذَكَرَهُما ابْنُ المُنادِي.

والرّابِعُ: بَلِيا بْنُ مَلِكانَ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

فَأمّا تَسْمِيَتُهُ بِالخَضِرِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَلَسَ في فَرْوَةٍ بَيْضاءَ فاخْضَرَّتْ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ  .

والفَرْوَةُ: الأرْضُ اليابِسَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ إذا جَلَسَ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.

وهَلْ كانَ الخَضِرُ نَبِيًّا أمْ لا ؟

فِيهِ قَوْلانِ ذَكَرَهُما أبُو بَكْرٍ بْنُ الأنْبارِيِّ، وقالَ: كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وبَعْضُهم يَقُولُ: كانَ عَبْدًا صالِحًا.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هو باقٍ إلى يَوْمِنا هَذا عَلى قَوْلَيْنِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ، وكانَ الحَسَنُ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ ماتَ، وكَذَلِكَ كانَ ابْنُ المُنادِي مِن أصْحابِنا يَقُولُ، ويَقْبُحُ قَوْلُ مَن يَرى بَقاءَهُ ويَقُولُ: لا يَثْبُتُ حَدِيثٌ في بَقائِهِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ البُخارِيَّ سُئِلَ عَنِ الخَضِرِ وإلْياسَ: هَلْ هُما في الأحْياءِ ؟

فَقالَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ  : " «لا يَبْقى عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا ﴾ في هَذِهِ الرَّحْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: الرِّقَّةُ والحُنُوُّ عَلى مَن يَسْتَحِقُّهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: النِّعْمَةُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا ﴾ ؛ أيْ: مِن عِنْدِنا، " عِلْمًا " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْطاهُ عِلْمًا مِن عِلْمِ الغَيْبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا ﴾ ﴿ فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ ﴿ قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا ﴾ ﴿ قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا ﴾ ﴿ فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَيْنِهِما" لِلْبَحْرَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: هو لِمُوسى والخِضْرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَرَأ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ: "مَجْمِعَ" بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ: وقالَ: "نَسِيا" وإنَّما كانَ النِسْيانُ مِنَ الفَتى وحْدَهُ، نَسِيَ أنْ يُعْلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِما رَأى مِن حالِهِ مِن حَيْثُ كانَ لَهُما زادًا، وكانَ بِسَبَبٍ مِنهُ، فَنَسَبَ فِعْلَ الواحِدِ فِيهِ إلَيْهِما، وهَذا كَما يُقالُ: فَعَلَ بَنُو فُلانٍ الأمْرَ، إنَّما فَعَلَهُ مِنهم بَعْضٌ.

ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنْ يُوشِعَ رَأى الحُوتَ قَدْ حُشِرَ مِنَ المَكْتَلِ إلى البَحْرِ، فَرَآهُ قَدِ اتَّخَذَ السِرْبَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نائِمًا، فَأشْفَقَ أنْ يُوقِظَهُ، وقالَ: أُؤَخِّرُ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ يُوشِعُ أنْ يُعْلِمَهُ، ورَحَلا حَتّى جاوَزا، و"السَبِيلُ": المَسْلَكُ، و"السَرْبُ": المَسْلَكُ في جَوْفِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ بِهِ مَسْلَكَ الحُوتِ في الماءِ حِينَ لَمْ يَنْطَبِقُ الماءُ بَعْدَهُ كالطاقِ وهَذا الَّذِي ورَدَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ  ، وقالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، إنَّ الحُوتَ بَقِيَ مَوْضِعَ سُلُوكِهِ ماءً جامِدًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صارَ مَوْضِعُ سُلُوكِهِ حَجَرًا صَلْدًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما اتَّخَذَ سَبِيلَهُ سَرَبًا في البَرِّ حَتّى وصَلَ إلى البَحْرِ ثُمَّ عامَ عَلى العادَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَؤُلاءِ يَتَأوَّلُونَ "سَرَبًا" بِمَعْنى: تَصَرُّفًا وجَوَلانًا، مِن قَوْلِهِمْ: فَحْلٌ سارِبٌ أيْ مُهْمَلٌ يَرْعى حَيْثُ يَشاءُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسارِبٌ بِالنَهارِ  ﴾ ، أيْ مُتَصَرِّفٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: اتَّخَذَ سَرَبًا في التُرابِ مِنَ المَكْتَلِ إلى البَحْرِ، وصادَفَ في طَرِيقِهِ حَجَرًا فَنَقَبَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ السَرَبَ إنَّما كانَ في الماءِ، ومِن غَرِيبٍ ما رُوِيَ في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الحُوتَ إنَّما حَيِيَ لِأنَّهُ مَسَّهُ ماءُ عَيْنٍ هُناكَ تُدْعى عَيْنُ الحَياةِ، ما مَسَّتْ قَطُّ شَيْئًا إلّا حَيِيَ.

ومِن غَرِيبِهِ أيْضًا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَ أنَّ مَوْضِعَ سُلُوكِ الحُوتِ عادَ حَجَرًا طَرِيقًا، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَشى عَلَيْهِ مُتَّبِعًا لِلْحُوتِ حَتّى أفْضى ذَلِكَ الطَرِيقَ إلى الجَزِيرَةِ في البَحْرِ، وفِيها وجَدَ الخِضْرَ عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ: وظاهِرُ الكِتابِ والرِواياتِ أنَّهُ إنَّما وجَدَ الخِضْرَ في ضَفَّةِ البَحْرِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا ﴾ ، ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاوَزا ﴾ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَ عِنْدَ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ في ضَفَّةِ البَحْرِ فَنَسِيَ يُوشَعُ الحُوتَ هُنالِكَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مُوسى، ورَحَلا مَرْحَلَةَ بَقِيَّةِ اللَيْلِ وصَدْرِ يَوْمِهِما، فَجاعَ مُوسى ولَحِقَهُ تَعَبُ الطَرِيقِ فاسْتَدْعى الغَداءَ.

قالَ لِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وسَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ يَقُولُ في وعْظِهِ: مَشى مُوسى إلى المُناجاةِ فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَحْتَجْ إلى طَعامٍ، ولِمّا مَشى إلى بَشَرٍ لِحِقَهُ الجُوعُ في بَعْضِ يَوْمٍ.

و"النَصْبُ": التَعَبُ والمَشَقَّةُ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: "نَصْبًا" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "نَصْبٍ"، وهو تَخْفِيفُ "نَصَبٍ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا ﴾ الآيَةُ.

حَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتِ: الصَخْرَةُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في مَوْضِعِ هَذِهِ القِصَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَسِيتُ الحُوتَ ﴾ ، يُرِيدُ: نَسِيتُ ذِكْرَ ما جَرى فِيهِ لَكَ، وأمّا الكِسائِيُّ وحْدَهُ "أنْسانِيهُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَصْلِ: "أنْسانِيهِي" بِياءٍ بَعْدَ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَما أنْسانِيهُ أنْ أذْكُرَ لَهُ إلّا الشَيْطانُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ أذْكُرَهُ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الحُوتَ بَدَلُ اشْتِمالٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلٍ يُوشِعُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أيِ: اتَّخَذَ الحُوتُ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ ﴾ تَمامُ الخَبَرِ، فاسْتَأْنَفَ التَعَجُّبَ فَقالَ -مِن قِبَلِ نَفْسِهِ-: "عَجَبًا" لِهَذا الأمْرِ، ومَوْضِعُ العَجَبِ أنْ يَكُونَ الحُوتُ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقَّهُ الأيْسَرُ، ثُمَّ حَيِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ أبُو شُجاعٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: رَأيْتُهُ، أُوتِيتُ بِهِ فَإذا هو شِقُّهُ حُوتٌ وعَيْنٌ واحِدَةُ، وشَقٌّ آخَرُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأنا رَأيْتُهُ، والشِقُّ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ يَشُفُّ تَحْتَها شَوْكَهُ وشِقَّهُ الآخَرَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُخْبِرَ عن مُوسى أنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَ الحُوتِ مِنَ البَحْرِ عَجَبًا، أيْ: تَعَجَّبَ مِنهُ، وإمّا أنْ يُخْبِرَ عَنِ الحُوتِ أنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "واتِّخاذِ سَبِيلِهِ"، فَهَذا مَصْدَرٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في "أنْ أذْكُرَهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ ﴾ الآيَةُ.

المَعْنى: قالَ مُوسى لِفَتاهُ: أمْرُ الحُوتِ وفَقْدُهُ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُ، فَإنَّ الرَجُلَ الَّذِي جِئْنا لَهُ ثُمَّ، فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما لِئَلّا يُخْطِئانِ طَرِيقَهُما.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَبْغِي" بِثُبُوتِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمٌ وقَوْمٌ: "نَبَغَ" دُونَ ياءٍ، وكانَ الحَسَنُ يُثْبِتُها إذا وصَلَ ويَحْذِفُها إذا وقَفَ.

و"قَصُّ الأثَرِ": اتِّباعُهُ وتَطَلُّبُهُ في مَوْضِعِ خِفايَةٍ.

وَ "العَبْدُ" هو الخَضْرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِمُقْتَضى الأحادِيثِ، وخالَفَ مَن لا يَعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فَقالَ: لَيْسَ صاحِبُ مُوسى بِالخِضْرِ، بَلْ هو عالَمٌ آخَرُ، والخُضَرُ نَبِيٌّ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو عَبْدٌ صالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ.

والآيَةُ تَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ بَواطِنَ أفْعالِهِ هَلْ كانَتْ إلّا بِوَحْيِ اللهِ؟

ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ مُوسى وجَدَ الخِضْرَ عَلَيْهِما السَلامُ مُسَجّى في ثَوْبِهِ مُسْتَلْقِيًا عَلى الأرْضِ، فَقالَ لَهُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَرَفَعَ الخِضْرُ رَأسَهُ وقالَ: وأنّى بِأرْضِكَ السَلامُ؟

ثُمَّ قالَ لَهُ: مَن أنْتَ؟

قالَ: أنا مُوسى، قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: نَعَمْ، قالَ لَهُ: ألَمْ يَكُنْ لَكَ في بَنِي إسْرائِيلَ ما يَشْغَلُكَ عَنِ السَفَرِ إلى هُنا؟

قالَ: بَلى، ولَكِنِّي أحْبَبْتُ لِقاءَكَ وأنْ أتَعَلَّمَ مِنكَ، قالَ لَهُ: إنِّي عَلى عِلْمٍ مَن عَلْمِ اللهِ عَلِمَنِيهِ ولا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مَن عَلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لا أعْلَمُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ عَلْمُ الخِضْرِ مَعْرِفَةَ بَواطِنٍ قَدْ أُوحِيَتْ إلَيْهِ لا تُعْطِي ظَواهِرُ الأحْكامِ أفْعالَهُ بِحَسْبِها، وكانَ عِلْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمَ الأحْكامِ والفُتْيا بِظاهِرِ أقْوالِ الناسِ وأفْعالِهِمْ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى وجَدَ الخِضْرُ قاعِدًا عَلى ثَيَجِ البَحْرِ، وسُمِّي الخَضْرُ خِضْرًا لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ يابِسَةٍ فاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْراءَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، و"الرَحْمَةُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- النُبُوَّةُ.

وقَدْ ذَكَّرْنا الحَدِيثُ المُضَمَّنُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمُ مِنكَ؟

قالَ: لا.

وحَكى الطَبَرِيُّ حَدِيثًا آخَرَ، مُضَمَّنَهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ: أيْ رَبِّ، أيُّ عِبادُكُ أعْلَمُ؟

قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ الناسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةَ خَيْرٍ تُهْدِيهِ، قالَ: رَبِّ، فَهَلْ في الأرْضِ أحَدٌ؟

قالَ: نَعَمْ، فَسَألِ السَبِيلَ إلى لُقِيِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والحَدِيثُ الأوَّلُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَّدُنّا" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "مِن لُدَنا" بِضَمِّ الدالِّ وتَخْفِيفِ النُونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع والفصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر، أي فسارا حتى بلغا مجمع البحرين.

وضمير ﴿ بينهما ﴾ عائد إلى البحرين، أي محلا يجمع بين البحرين.

وأضيف (مجمع) إلى (بين) على سبيل التوسع، فإن (بين) اسم لمكان متوسط شيئين، وشأنه في اللغة أن يكون ظرفاً للفعل، ولكنه قد يستعمل لمجرد مكان متوسط إما بالإضافةِ كما هنا، ومنه قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ﴾ [المائدة: 106]، وهو بمنزلة إضافة المصدر أو اسم الفاعل إلى معمولة؛ أو بدون إضافة توسعاً كقوله تعالى: ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ [الأنعام: 94] في قراءة من قرأ برفع بينكم.

والحوت هو الذي أمر الله موسى باستصحابه معه ليكون له علامة على المكان الذي فيه الخضر كما تقدم في سياق الحديث.

والنسيان تقدم في قوله تعالى: ﴿ أو ننسها ﴾ في سورة البقرة (106).

ومعنى نسيانهما أنهما نسيا أن يراقبا حاله أباققٍ هو في مِكتله حينئذٍ حتى إذا فقداه في مقامهما ذلك تحققا أن ذلك الموضع الذي فقداه فيه هو الموضع المؤقت لهما بتلك العلامة فلا يزيدا تعباً في المشي، فإسناد النسيان إليهما حقيقة، لأن يوشع وإن كان هو الموكل بحفظ الحوت فكان عليه مراقبته إلا أن موسى هو القاصد لهذا العمل فكان يهمه تعهده ومراقبته.

وهذا يدل على أن صاحب العمل أو الحاجة إذا وَكَله إلى غيره لا ينبغي له ترك تعهده.

ثم إن موسى عليه السلام نام وبقي فتاه يقظان فاضطرب الحوت وجعل لنفسه طريقاً في البحر.

والسرَب: النفق.

والاتخاذ: الجعل.

وقد انتصب سرباً } على الحال من ﴿ سبيله ﴾ مراداً بالحال التشبيه، كقول امرئ القيس: إذا قامتا تضوّع المسك منهما *** نسيمَ الصبا جاءت بِريّا القرَنفل وقد مر تفسير كيف اتخذ البحر سرباً في الحديث السابق عن أبَيّ بن كعب.

وحذف مفعول ﴿ جاوزا ﴾ للعلم، أي جاوزا مجمع البحرين.

والغداء: طعام النهار مشتق من كلمة الغدوة لأنه يُؤكل في وقت الغَدوة، وضده العشاء، وهو طعام العشي.

والنصب: التعب.

والصخرة: صخرة معهودة لهما، إذ كانا قد أويا إليها في سيرهما فجلسا عليها، وكانت في مجمع البحرين.

قيل: إن موضعها دون نهر يقال له: نهر الزيت، لكثرة ما عنده من شجر الزيتون.

وقوله: ﴿ نسيت الحوت ﴾ أي نسيت حفظه وافتقاده، أي فانفلت في البحر.

وقوله: ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ .

هذا نسيان آخر غير النسيان الأول، فهذا نسيان ذكر الإخبار عنه.

وقرأ حفص عن عاصم ﴿ وما أنسانيه ﴾ بضم هاء الضمير على أصل الضمير وهي لغة.

والكسر أشهر لأن حركة الكسرة بعد الياء أخف.

و ﴿ أن أذكره ﴾ بدل اشتمال من ضمير ﴿ أنسانيه ﴾ لا من الحوت، والمعنى: ما أنساني أن أذكره لك إلا الشيطان.

فالذكر هنا ذكر اللسان.

ووجه حصره إسناد هذا الإنساء إلى الشيطان أن ما حصل له من نسيان أن يخبر موسى بتلك الحادثة نسيان ليس من شأنه أن يقع في زمن قريب مع شدة الاهتمام بالأمر المنسي وشدة عنايته بإخبار نبيئه به.

ومع كون المنسي أعجوبة شأنها أن لا تنسى يتعين أن الشيطان ألهاه بأشياء عن أن يتذكر ذلك الحادث العجيب وعلم يوشع أن الشيطان يَسوءه التقاء هذين العبدين الصالحين، وما له من الأثر في بث العلوم الصالحة فهو يصرف عنها ولو بتأخير وقوعها طمعاً في حدوث العوائق.

وجملة ﴿ واتخذ سبيله في البحر ﴾ عطف على جملة ﴿ فإني نسيت الحوت ﴾ وهي بقية كلام فتى موسى، أي وأنه اتخذ سبيله في البحر، أي سبح في البحر بعد أن كان ميتاً زمناً طويلاً.

وقوله: ﴿ عجباً ﴾ جملة مستأنفة، وهي من حكاية قول الفتى، أي أعجبُ له عجباً، فانتصب على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ ﴾ يَعْنِي يُوشَعَ بْنَ نُونَ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى وسُمِّيَ فَتاهُ لِمُلازَمَتِهِ إيّاهُ، قِيلَ في العِلْمِ، وقِيلَ في الخِدْمَةِ، وهو خَلِيفَةُ مُوسى عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ مُوسى الَّذِي طَلَبَ الخَضِرَ هو مُوسى بْنُ مُنَشّى بْنِ يُوسُفَ، وكانَ نَبِيًّا في بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ.

والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُسْلِمِينَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عِمْرانَ.

﴿ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي بَحْرَ الرُّومِ وبَحْرَ فارِسَ، أحَدُهُما قِبَلَ المَشْرِقِ، والآخَرُ قِبَلَ المَغْرِبِ، وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ مَكانٌ أكْثَرَ ماءً مِنهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: هو بَحْرُ أرْمِينِيَّةَ مِمّا يَلِي الأبْوابَ.

الثّالِثُ: الخَضِرُ وإلْياسُ، وهُما بَحْرانِ في العِلْمِ، حَكاهُ السُّدِّيُّ.

﴿ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الحُقُبَ ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.

الثّانِي: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الحُقُبَ الزَّمانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: نَحْنُ المُلُوكُ وأبْناءُ المُلُوكِ، لَنا مُلْكٌ بِهِ عاشَ هَذا النّاسُ أحْقابًا الخامِسُ: أنَّهُ سَنَةٌ بِلُغَةِ قَيْسٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ لا أبْرَحُ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا أُفارِقُكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إذا أنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ وتَحْمِلُ أُخْرى أثْقَلَتْكَ الوَدائِعُ الثّانِي: لا أزالُ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي ∗∗∗ بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدًا أيْ لا أزالُ.

وَقِيلَ إنَّهُ قالَ ﴿ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ﴾ لِأنَّهُ وُعِدَ أنْ يَلْقى عِنْدَهُ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما ﴾ قِيلَ إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مَمْلُوحًا وتَرَكاهُ حِينَ جَلَسا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ضَلَّ عَنْهُما حَتّى اتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، فَسُمِّيَ ضَلالُهُ عَنْهُما نِسْيانًا مِنهُما.

الثّانِي: أنَّهُ مِنَ النِّسْيانِ لَهُ والسَّهْوِ عَنْهُ.

ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النّاسِيَ لَهُ أحَدُهُما وهو يُوشَعُ بْنُ نُونَ وحْدَهُ وإنْ أُضِيفَ النِّسْيانُ إلَيْهِما، كَما يُقالُ نَسِيَ القَوْمُ زادَهم إذا نَسِيَهُ أحَدُهم.

الثّانِي: أنَّ يُوشَعَ نَسِيَ أنْ يَحْمِلَ الحُوتَ ونَسِيَ مُوسى أنْ يَأْمُرَهُ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَصارَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ناسِيًا لِغَيْرِ ما نَسِيَهُ الآخَرُ.

﴿ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَسْلَكًا، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: يَبْسًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: عَجَبًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا جاوَزا ﴾ يَعْنِي مَكانَ الحُوتِ.

﴿ قالَ لِفَتاهُ ﴾ يَعْنِي مُوسى قالَ لِفَتاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونَ.

﴿ آتِنا غَداءَنا ﴾ والغَداءُ الطَّعامُ بِالغَداةِ كَما أنَّ العَشاءَ طَعامُ العَشِيِّ والإنْسانُ إلى الغَداءِ أشَدُّ حاجَةً مِنهُ إلى العَشاءِ.

﴿ لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّعَبُ.

الثّانِي: الوَهْنُ.

﴿ قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ مُقاتِلٌ، إنَّ الصَّخْرَةَ بِأرْضٍ تُسَمّى شَرْوانَ عَلى ساحِلِ بَحْرِ أيْلَةَ، وعِنْدَها عَيْنٌ تُسَمّى عَيْنُ الحَياةِ.

الثّانِي: أنَّها الصَّخْرَةُ الَّتِي دُونَ نَهْرِ الزَّيْتِ عَلى الطَّرِيقِ.

﴿ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَإنِّي نَسِيتُ حَمْلَ الحُوتِ.

الثّانِي: فَإنِّي نَسِيتُ أنْ أُخْبِرَكَ بِأمْرِ الحُوتِ.

﴿ وَما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ ﴾ أيْ أنْسانِيهِ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيَّ وشَغْلِهِ لِقَلْبِي.

﴿ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ لا يَسَلُكُ طَرِيقًا في البَحْرِ إلّا صارَ ماؤُهُ صَخْرًا فَلَمّا رَآهُ مُوسى عَجِبَ مِن مَصِيرِ الماءِ صَخْرًا.

الثّانِي: أنَّ مُوسى لَمّا أخْبَرَهُ يُوشَعُ بِأمْرِ الحُوتِ رَجَعَ إلى مَكانِهِ فَرَأى أثَرَ الحُوتَ في البَحْرِ ودائِرَتَهُ الَّتِي يَجْرِي فِيها فَعَجِبَ مِن عَوْدِ الحُوتِ حَيًّا.

﴿ قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ ﴾ أيْ نَطْلُبُ، وذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ لِمُوسى إنَّكَ تَلْقى الخَضِرَ في مَوْضِعٍ تَنْسى فِيهِ مَتاعَكَ، فَعَلِمَ أنَّ الخَضِرَ بِمَوْضِعِ الحُوتِ.

﴿ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا ﴾ أيْ خَرَجا إلى آثارِهِما يَقُصّانِ أثَرَ الحُوتِ ويَتْبَعانِهِ.

﴿ فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ: الثّانِي: النِّعْمَةُ.

الثّالِثُ: الطّاعَةُ.

الرّابِعُ: طُولُ الحَياةِ.

﴿ وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا اقْتَفى مُوسى أثَرَ الحُوتِ انْتَهى إلى رَجُلٍ راقِدٍ وقَدْ سَجّى عَلَيْهِ ثَوْبَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَكَشَفَ ثَوْبَهَ عَنْ وجْهِهِ ورَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ وقالَ: مَن أنْتَ؟

قالَ: مُوسى.

قالَ صاحِبُ بَنِي إسْرائِيلَ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: وما لَكَ في بَنِي إسْرائِيلَ شُغْلٌ، قالَ: أُمِرْتُ أنْ آتِيَكَ وأصْحَبَكَ.

واخْتَلَفُوا في الخَضِرِ هَلْ كانَ مَلَكًا أوْ بَشَرًا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مَلَكًا أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى أنْ يَأْخُذَ عَنْهُ مِمّا حَمَّلَهُ إيّاهُ مِن عِلْمِ الباطِنِ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ بَشَرًا مِنَ الإنْسِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ هَذا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: كانَ نَبِيًّا لِأنَّ الإنْسانَ لا يَتَعَلَّمُ ولا يَتَّبِعُ إلّا مَن هو فَوْقَهُ; ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَوْقَ النَّبِيِّ مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَ مُقاتِلٌ: هو اليَسَعُ لِأنَّهُ وسِعَ عِلْمُهُ سِتَّ سَماواتٍ وسِتَّ أرْضِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وإنَّما كانَ عَبْدًا صالِحًا أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن عِلْمِ باطِنِ الأُمُورِ ما لَمْ يُودِعْ غَيْرَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ هو الدّاعِي، والخَضِرُ كانَ مَطْلُوبًا ولَمْ يَكُنْ داعِيًا طالِبًا، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ سَبَبَ تَسْمِيَتِهِ بِالخَضِرِ لِأنَّهُ كانَ إذا صَلّى في مَكانٍ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن عساكر من طريق ابن سمعان، عن مجاهد قال: كان ابن عباس يقول في هذه الآية ﴿ وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح ﴾ يقول: لا أنفك ولا أزال ﴿ حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ يقول: ملتقى البحرين ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ يقول: أو أمضي سبعين خريفاً ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ يقول: بين البحرين ﴿ نسيا حوتهما ﴾ يقول: ذهب منهما وأخطأهما، وكان حوتاً مليحاً معهما يحملانه فوثب من المكتل إلى الماء فكان ﴿ سبيله في البحر سرباً ﴾ فأنسى الشيطان فتى موسى أن يذكره، وكان فتى موسى يوشع بن نون ﴿ واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ يقول: موسى عجب من أثر الحوت ودوراته التي غار فيها ﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ قول موسى: فذاك حيث أخبرت أني أجد الخضر حيث يفارقني الحوت ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ يقول: اتبع موسى ويوشع أثر الحوت في البحر وهم راجعان على ساحل البحر ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ يقول: فوجدا خضراً ﴿ آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً ﴾ قال الله تعالى: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم ﴾ [ يوسف: 76] فصحب موسى الخضر وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدوّ الله!...

حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟

فقال: أنا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن لي عبداً بمجمع البحرين وهو أعلم منك.

قال موسى: يا رب، كيف لي به؟

قال: تأخذ معك حوتاً تجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَم.

فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال: فكان للحوت سرباً، ولموسى ولفتاه عجباً.

فقال موسى ﴿ ذلك ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما قصصاً ﴾ قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش.

قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش.

قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟

قال: أنا موسى.

قال: موسى بني إسرائيل؟

قال: نَعَم أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلَمُهُ أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه.

فقال موسى ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ فقال له الخضر ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا ﴾ يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلَهَا؟.

﴿ لقد جئت شيئاً إمْرَا ﴾ فقال: ﴿ ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسياناً، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى: ﴿ أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ قال: وهذه أشد من الأولى ﴿ قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ قال: مائل، فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ فقال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما» .

قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ ﴿ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ وكان يقرأ ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر، عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني.

قلت: أي أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل.

قال: كذب عدوّ الله، حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوماً، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟

قال: لا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى.

قيل: بلى.

قال: أي رب، فأين؟

قال: بمجمع البحرين.

قال: أي رب، اجعل لي علماً أعلم به ذلك.

قال: خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت.

قال: ما كلفت كثيراً.

قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه.

حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره.

وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر.

قال موسى ﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر، مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام...

من أنت؟

قال: أنا موسى.

قال: موسى بني إسرائيل؟

قال: نعم.

قال: فما شأنك؟

قال: جئت لتعلمني مما علمت رشداً.

قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟

إن لي علماً لا ينبغي أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أعلمه.

فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر.

حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، فعرفوه فقالوا: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتداً.

قال موسى ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمْراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ كانت الأولى نسياناً والوسطى والثالثة عمداً ﴿ قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ﴾ ووجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿ أقتلت نفساً زكية ﴾ لم تعمل الحنث.

قال ابن عباس قرأها: ﴿ زكية ﴾ زاكية مسلمة، كقولك: غلاماً زكياً.

﴿ فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه ﴾ قال: بيده هكذا، ورفع يده فاستقام ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ قال: أجراً تأكله ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ قرأها ابن عباس ﴿ وكان أمامهم ملك ﴾ يزعمون مدد بن ندد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور ﴿ ملك يأخذ كل سفينة ﴾ صالحة ﴿ غصباً ﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول سدوها بالقار ﴿ فكان أبواه مؤمنين ﴾ وكان كافراً ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً ﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر.

وزعم غير سعيد أنهما أُبْدِلا جارية» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده، فقال القوم: إن نوفاً الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل، فكان ابن عباس متكئاً فاستوى جالساً فقال: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، لرأى من صاحبه عجباً» .

قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبياً من الأنبياء بدأ بنفسه فقال: «رحمة الله علينا وعلى صالح، ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد، ثم قال: إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم، إذ قال لهم: ما في الأرض أحد أعلم مني.

فأوحى الله إليه: أن في الأرض من هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزوّد حوتاً مالحاً فإذا فقدته فهو حيت تفقده، فتزوّد حوتاً مالحاً فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته.

فأنساه الشيطان، فانطلقا فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به، فقال موسى: ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال فتاه: يا نبي الله ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ﴾ أن أحدثك ﴿ وما أَنْسَانِيهُ إلا الشيطان ﴾ ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ ﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ فرجعا ﴿ على آثارهما قصصاً ﴾ يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه، فرفع رأسه فقال له: من أنت؟

قال: موسى.

قال: من موسى؟

قال: موسى بني إسرائيل.

قال: فما لك؟

قال: أخبرت أن عندك علماً فأردت أن أصحبك ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ ﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ ﴿ قال كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ قال: قد أمرت أن أفعله ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة ﴾ فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها، فقال له موسى: تخرقها ﴿ لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ فانطلقا، حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه، فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال: ﴿ أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ قال: فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى أتيا أهل قرية ﴾ وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما ﴿ فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه ﴾ قال له موسى مما نزل به من الجهد ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً ﴾ فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها.

وأما الغلام، فإنه كان طبع يوم طبع كافراً، وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه شيئاً لأرهقهما طغياناً وكفراً، فأراد ربك أن يبدلهما ﴿ خيراً منه زكاة وأقرب رحماً ﴾ فوقع أبوه على أمه فعلقت خيراً منه زكاة وأقرب رحماً» .

وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس- وعنده نفر من أهل الكتاب- فقال بعضهم: إن نوفاً يزعم عن أبي بن كعب، أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف...

حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني.

قال: نعم، في عبادي من هو أعلم منك، فنعت له مكانه فأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك.

فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، ماء الحياة من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي.

فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ فانطلقا ﴿ فلما جاوزا قال ﴾ موسى ﴿ لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال الفتى وذكر ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها، فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسىعليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك؟

إن كان لك في قومك لشغل؟

قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً.

﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وكان رجلاً يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى.

قال: ﴿ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ أي أن ما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم؟

﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ وإن رأيت ما يخالفني ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها، أخرج منقاراً له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى- ورأى أمراً أفظع به- ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ أي بما تركت من عهدك ﴿ ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية، فإذا غلمان يلعبون...

فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه، فأخذ بيده وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، فرآى موسى عليه السلام أمراً فظيعاً لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له...

﴿ قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس ﴾ أي صغيرة ﴿ لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً ﴾ أي قد عذرت في شأني ﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر، فقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا، واستضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعة؟

ولو شئت لأعطيت عليه أجراً في عملك.

﴿ قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة ﴾ صالحة ﴿ غصباً ﴾ - في قراءة أبي بن كعب ﴿ كل سفينة صالحة ﴾ وإنما عيبها لطرده عنها فَسَلِمَتْ منه حين رأى العيب الذي صنعت بها {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً.

فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً.

وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري} أي ما فعلته عن نفسي ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علماً» .

وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام موسى خطيباً لبني إسرائيل فأبلغ في الخطبة، وعرض في نفسه أن أحداً لم يؤت من العلم ما أوتي، وعَلِمَ الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له: «يا موسى، إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك.

قال: فادللني عليه حتى أتعلم منه.

قال: يدلك عليه بعض زادك» .

فقال لفتاه يوشع ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً ﴾ قال: فكان فيما تزوداه حوت مملوح وكانا يصيبان منه عند العشاء والغداء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل على ساحل البحر فأصاب الحوت ندى الماء فتحرك في المكتل فقلب المكتل وأسرب في البحر، فلما جاوز أحضر الغداء فقال: ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ فذكر الفتى ﴿ قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ فذكر موسى ما كان عهد إليه، إنه يدلك عليه بعض زادك.

﴿ قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ أي هذه حاجتنا ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوت ما فعل، فأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر العرب ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما عُلِّمت رشداً ﴾ فأقر له بالعلم ﴿ قال إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ يقول: حتى أكون أنا أحدث ذلك لك ﴿ فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلَهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً ﴾ على ساحل البحر في غلمان يلعبون، فعهد إلى أجودهم وأصبحهم ﴿ فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ .

قال ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاستحى نبي الله موسى عند ذلك فقال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلَهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ قال: وهي في قراءة أبي بن كعب ﴿ يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ فأردت أن أعيبها حتى لا يأخذها الملك، فإذا جاوزوا الملك رقعوها فانتفعوا بها وبقيت لهم ﴿ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ قال: فجاء طائر هذه الحمرة فبلغ فجعل بغمس منقاره في البحر، فقال له: يا موسى، ما يقول هذا الطائر؟

قال: لا أدري.

قال: هذا يقول: ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا كما أنقص بمنقاري من جميع ما في هذا البحر» .

وأخرج الروياني وابن عساكر من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بينما موسى عليه السلام يذكر بني إسرائيل، إذ حدث نفسه أنه ليس أحد من الناس أعلم منه، فأوحى الله إليه: «إني قد علمت ما حدثت به نفسك، فإن من عبادي رجلاً أعلم منك...

يكون على ساحل البحر فأته فتعلم منه واعلم أن الآية الدالة لك على مكانه زادك الذي تزوّد به، فأينما فقدته فهناك مكانه» .

ثم خرج موسى وفتاه قد حملا حوتاً مالحاً في مكتل وخرجا يمشيان لا يجدان لغوبا ولا عنتاً، حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضر، فمضى موسى وجلس فتاه فشرب منها فوثب الحوت من المكتل حتى وقع في الطين، ثم جرى فيه حتى وقع في البحر.

فذلك قوله تعالى: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ فانطلق حتى لحق موسى، فلما لحقه أدركه العياء فجلس وقال لفتاه ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ قال: ففقد الحوت فقال: ﴿ إني نسيت الحوت ﴾ الآية.

يعني فتى موسى ﴿ اتخذ سبيله في البحر عجباً قال ذلك ما كنا نبغي ﴾ إلى ﴿ قصَصَا ﴾ فانتهيا إلى الصخرة فأطاف بها موسى فلم ير شيئاً، ثم صعد فإذا على ظهرها رجل متلفف بكسائه نائم، فسلم عليه موسى، فرفع رأسه فقال: أنى السلام بهذا المكان...

من أنت؟

قال: موسى بني إسرائيل.

قال: فما كان لك في قومك شغل عني؟

قال: إني أمرت بك.

فقال الخضر: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ ﴿ قال ستجدني إن شاء الله صابراً ﴾ الآية.

﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر، فإذا قوم قد ركبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر ركبوا معهم، فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضر حديدة كانت معه فخرق بها السفينة ﴿ قال أخرقتها لتغرق أَهْلَهَا ﴾ الآية.

﴿ قال ألم أقل ﴾ الآية.

﴿ قال لا تؤاخذني ﴾ الآية.

﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ فوجدا صبياناً يلعبون يريدون القرية، فأخذ الخضر غلاماً منهم وهو أحسنهم وألطفهم فقتله قال له موسى: ﴿ أقتلت نفساً زكية ﴾ الآية.

﴿ قال ألم أقل لَكَ ﴾ الآية.

﴿ قال إن سألتك ﴾ الآية.

فانطلقا حتى انتهيا إلى قرية لئام وبهما جهد فاستطعموهم فلم يطعموهم، فرأى الجدار مائلاً فمسحه الخضر بيده فاستوى، فقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ قال له موسى: قد ترى جهدنا وحاجتنا، لو سألتهم عليه أجراً أعطوك فنتعشى به ﴿ قال هذا فراق بيني وبينك ﴾ قال: فأخذ موسى بثوبه فقال: أنشدك الصحبة، إلا أخبرتني عن تأويل ما رأيت؟

قال: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ﴾ الآية.

خرقتها لأعيبها فلم تؤخذ فأصلحها أهلها فامتنعوا بها، وأما الغلام، فإن الله جعله كافراً وكان أبواه مؤمنين، فلو عاش لأرهقهما ﴿ طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه بمصر، فلما استقرت بهم الدار أنزل الله: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [ إبراهيم: 5] فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعم، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض وقال: كلم الله موسى نبيكم تكليماً واصطفاني لنفسه وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم من كل شيء سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرون اليوم.

فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا عرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: فهل على الأرض أعلم منك يا نبي الله؟

قال: لا.

فبعث الله جبريل إلى موسى فقال: إن الله يقول: «وما يدريك أين أضع علمي؟...

بلى على ساحل البحر رجل أعلم» .

قال ابن عباس: هو الخضر.

فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى الله إليه: أن ائت البحر فإنك تجد على ساحل البحر حوتاً ميتاً فخذه فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وذهب منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب.

فلما طال صعود موسى ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت: ﴿ قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ لك.

قال الفتى.

لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا، فأعجب ذلك فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلّم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام...

وأنى يكون هذا السلام بهذا الأرض...

ومن أنت؟

قال: أنا موسى.

فقال له الخضر: أصاحب بني إسرائيل؟

فرحب به وقال: ما جاء بك؟

قال: جئتك ﴿ على أن تعلمني مما علمت رشداً قال إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ يقول: لا تطيق ذلك.

قال موسى: ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً ﴾ فانطلق به وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه.

فذلك قوله: ﴿ حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب وابن عساكر من طريق هرون بن عنترة، عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه فقال: «رب، أي عبادك أحب إليك؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني.

قال: فأي عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: فأيّ عبادك أعلم؟

قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى.

قال: وقد كان حدث موسى نفسه أنه ليس أحد أعلم منه.

قال: رب، فهل أحد أعلم مني؟

قال: نعم.

قال: فأين هو؟

قيل له: عند الصخرة التي عندها العين» .

فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال له موسى: إني أريد أن تصحبني.

قال: إنك لن تطيق صحبتي.

قال: بلى.

قال: فإن صحبتني ﴿ فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في البحر مكان أكثر ماء منه.

قال: وبعث الله الخطاف فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ بمنقاره من الماء؟

قال: ما أقل ما رزأ...

قال: فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء.

وذكر تمام الحديث في خرق السفينة وقتل الغلام وإصلاح الجدار، فكان قول موسى في الجدار لنفسه شيئاً من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله عز وجل.

وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن عساكر من طريق مقاتل بن سليمان، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال.

وأخرج البخاري وأحمد والترمذي وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما سمي الخضر خضراً؛ لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن مجاهد قال: إنما سمي الخضر، لأنه إذا صلى اخضر ما حوله.

وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: حدثنا أصحابنا أن آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني، إن الله سينزل على أهل الأرض عذاباً، فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوني وادفنوني بأرض الشام.

فكان جسده معهم، فلما بعث الله نوحاً ضم ذلك الجسد وأرسل الله الطوفان على الأرض فغرقت الأرض زماناً، فجاء نوح حتى نزل وأوصى بنيه الثلاثة- وهم سام وحام ويافث- أن يذهبوا بجسده إلى الغار الذي أمرهم أن يدفنوه به.

فقالوا: الأرض وحشية لا أنيس بها ولا نهتدي لطريق، ولكن كفّ حتى يعظم الناس ويكثروا.

فقال لهم نوح: إن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة.

فلم يزل جسد آدم حتى جاء الخضر عليه السلام هو الذي تولى دفنه، فأنجز الله له ما وعده فهو يحيا ما شاء الله أن يحيا.

وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب: «أن الخضر عليه السلام أمه رومية وأبوه فارسي» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما لقي موسى الخضر، جاء طير فألقى منقاره في الماء، فقال الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطائر؟

قال: وما يقول: قال: يقول: ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء» .

وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي والبزار وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم، وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبزار، عن أبي ذر رفعه قال: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مضمن، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل.

لا إله إلا الله...

محمد رسول الله.

وأخرج الشيرازي في الألقاب عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: كان اللوح الذي ذكر الله تعالى في كتابه ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ حجراً منقوراً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعلم أن القدر حق كيف يحزن؟!.

..

وعجباً لمن يعلم أن الموت حق كيف يفرح؟!...

وعجباً لمن يرى الدنيا وغرورها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟!

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وأخرج الخرائطي في قمع الحرص وابن عساكر من طريق أبي حازم، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعرف الموت كيف يفرح...

وعجباً لمن يعرف النار كيف يضحك...

وعجباً لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها...؟!

وعجباً لمن أيقن بالقضاء والقدر كيف ينصب في طلب الرزق...

وعجباً لمن يؤمن بالحساب كيف يعمل الخطايا...

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وأخرج ابن مردويه عن علي، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: شهدت أن لا إله إلا الله، شهدت أن محمداً رسول الله، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن...

عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح...

عجبت لمن تفكر في تقلب الليل والنهار ويأمن فجأتهما حالاً فحالاً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: ما كان ذهباً ولا فضة، كان صحفاً عليها.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن أبي طالب في قول الله عز وجل: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: كان لوح من ذهب مكتوب فيه: لا إله الله إلا الله محمد رسول الله...

عجباً لمن يذكر أن الموت حق كيف يفرح...

!

وعجباً لمن يذكر أن النار حق كيف يضحك...

!

وعجباً لمن يذكر أن القدر حق كيف يحزن...

!

وعجباً لمن يرى الدنيا وتصرفها بأهلها حالاً بعد حال كيف يطمئن إليها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ قال: كان يؤدي الأمانات والودائع إلى أهلها.

وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ قال: حفظ الصلاح لأبيهما وما ذكر عنهما صلاحاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية.

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» .

وأخرجه ابن المبارك وابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر موقوفاً.

وأخرج أحمد في الزهد عن كعب قال: إن الله يخلف العبد المؤمن في ولده ثمانين عاماً.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال: بينما موسى يخاطب الخضر يقول: ألست نبي بني إسرائيل؟

فقد أوتيت من العلم ما تكتفي به، وموسى يقول له: إني قد أمرت باتباعك.

والخضر يقول: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ فبينما هو يخاطبه إذ جاء عصفور فوقع على شاطئ البحر.

فنقر منه نقرة ثم طار فذهب، فقال الخضر لموسى: يا موسى، هل رأيت الطير أصاب من البحر؟

قال: نعم.

قال: ما أصبتُ أنا وأنت من العلم في علم الله، إلا بمنزلة ما أصاب هذا الطير من هذا البحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ قال: حتى إنتهي.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: بحر فارس والروم، هما بحر المشرق والمغرب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: أفريقية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: طنجة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ مجمع البحرين ﴾ قال: الكر والرس، حيث يصبان في البحر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ قال: دهراً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ قال: سبعين خريفاً.

وفي قوله: ﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ قال: بين البحرين ﴿ نسيا حوتهما ﴾ قال: أضلاه في البحر ﴿ فاتخذ سبيله في البحر عجباً ﴾ قال: موسى يعجب من أثر الحوت ودوراته التي غاب فيها ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ قال: اتباع موسى وفتاه أثر الحوت حيث يشق البحر راجعين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نسيا حوتهما ﴾ قال: كان مملوحاً مشقوق البطن.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: أثره يابس في البحر كأنه حجر.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما انجاب ماء منذ كان الناس، غير بيت ماء الحوت دخل منه صار منجاباً كالكرة، حتى رجع إليه موسى فرأى إمساكه قال: ﴿ ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ أي، يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوت» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: جاء فرأى جناحيه في الطين حين وقع في الماء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ فاتخذ سبيله في البحر سرباً ﴾ قال: دخل الحوت في البطحاء بعد موته حين أحياه الله، ثم اتخذ فيها سرباً حتى وصل إلى البحر.

والسرب، طريق حتى وصل إلى الماء وهي بطحاء يابسة في البر، بعدما أكل منه دهراً طويلاً وهو زاده، ثم أحياه الله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أن موسى عليه السلام شق الحوت وملحه وتغدى منه وتعشى، فلما كان من الغد ﴿ قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال في قراءة أُبي ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكر له ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: أتى الحوت على عين في البحر يقال لها عين الحياة، فلما أصاب تلك العين ردّ الله إليه روحه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فارتدا على آثارهما قصصاً ﴾ قال: عودهما على بدئهما.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ قال: لقيا رجلاً عالماً يقال له خضر.

وأخرج ابن عساكر عن أبي بن كعب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «شممت ليلة أسري بي رائحة طيبة فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟

قال: ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها، وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشراف بني إسرائيل، وكان ممره براهب في صومعته فيطلع عليه الراهب فيعلمه الإسلام، وأخذ عليه أن لا يعلمه أحداً.

ثم إن أباه زوجه امرأة فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلمه أحداً، وكان لا يقرب النساء، ثم زوجه أخرى فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلمه أحداً، ثم طلقها فأفشت عليه إحداهما وكتمت الأخرى، فخرج هارباً حتى أتى جزيرة في البحر، فرآه رجلان فأفشى عليه أحدهما وكتم الآخر.

فقيل له: ومن رآه معك؟

قال: فلان.

وكان في دينهم أن من كذب قتل، فسئل فكتم، فقتل الذي أفشى عليه ثم تزوج الكاتم عليه المرأة الماشطة، فبينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس فرعون.

فأخبرت الجارية أباها فأرسل إلى المرأة وابنيها وزوجها فأرادهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا، فقال: إني قاتلكم.

قال: أحببنا منك إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد.

فقتلهم وجعلهم في قبر واحد» .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما شممت رائحة أطيب منها وقد دخلت الجنة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إنما سمي الخضر، لأنه كان إذا جلس في مكان اخْضَرّ ما حوله وكانت ثيابه خضراً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ آتيناه رحمة من عندنا ﴾ قال: أعطيناه الهدى والنبوة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: إنما سمي الخضر، لأنه إذا قام في مكان نبت العشب تحت رجليه حتى يغطي قدميه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ركبا في السفينة ﴾ قال: إنما كانت معبراً في ماء الكر فرسخ في فرسخ.

وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ ليغرق أهلها ﴾ بالياء.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ يقول: منكراً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ يقول: منكراً.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ قال: عجباً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر في قوله: ﴿ شيئاً إمراً ﴾ قال: عظيماً.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ قال: لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية ومن طريق حماد بن زيد، عن شعيب بن الحجاب قالا: كان الخضر عبداً لا تراه الأعين، إلا من أراد الله أن يريه إياه فلم يريه من القوم إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام.

قال حماد: وكانوا يرون أن موت الفجأة من ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله: ﴿ لقيا غلاماً ﴾ قال: كان غلاماً ابن عشرين سنة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: لما قتل الخضر الغلام، ذعر موسى ذعرة منكرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: تائبة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ قتلت نفساً زكية ﴾ قال سعيد: زكية مسلمة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: لم تبلغ الخطايا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية أنه كان يقرأ ﴿ زكية ﴾ يقول: تائبة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ نفساً زكية ﴾ قال: تائبة.

يعني صبياً لم يبلغ.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ لقد جئت شيئاً نكراً ﴾ قال: النكر أنكر من العجب.

وأخرج أحمد عن عطاء قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان، فكتب إليه: إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن جرير قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن قتل الولدان، ويقول في كتابه: إن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد.

قال يزيد: أنا كتبت كتاب ابن عباس بيدي إلى نجدة أنك كتبت تسأل عن قتل الولدان وتقول في كتابك أن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد، ولو كنت تعلم من الولدان ما علم ذلك العالم من ذلك الوليد، قتلته ولكنك لا تعلم...

قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم فاعتزلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن أبي مليكة قال: سئل ابن عباس عن الولدان في الجنة قال: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر.

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن مردويه، عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً، ولو أدرك لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً» .

وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» .

وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها ﴾ مهموزتين.

وأخرج أبو داود والترمذي وعبدالله بن أحمد والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ من لدني عذراً ﴾ مثقلة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن السدي في قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ قال: كانت القرية تسمى باجروان كان أهلها لئاماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: أتيا الإبلة وهي أبعد أرض الله من السماء.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ : قال: هي أبرقة.

قال: وحدثني رجل أنها أنطاكية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى قال: بلغني أن المسألة للمحتاج حسنة، ألا تسمع أن موسى وصاحبه استطعما أهلها؟

وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ مشددة.

وأخرج الديلمي عن أبي بن كعب رفعه في قوله: ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ قال: كانوا أهل قرية لئاماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يريد أن ينقض ﴾ قال: يسقط.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قرأ ﴿ فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض ﴾ فهدمه ثم قعد يبنيه.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فأقامه ﴾ قال: رفع الجدار بيده فاستقام.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون قال: في حرف عبد الله ﴿ لو شئت لتخذت عليه أجراً ﴾ .

وأخرج البغوي في معجمه وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ لو شئت لتخذت عليه أجراً ﴾ مخففة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن كعب القرظي قال: قال عمر بن الخطاب ورسول الله يحدثهم بهذا الحديث حتى فرغ من القصة: «يرحم الله موسى، وددنا أنه لو صبر حتى يقص علينا من حديثهما» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحمة الله علينا وعلى موسى- فبدأ بنفسه- لو كان صبر لقص علينا من خبره، ولكن قال: ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ قال: أخرقها.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: ﴿ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن الأنباري عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه قرأ ﴿ يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كانت تقرأ في الحرف الأول ﴿ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ قال: وكان لا يأخذ إلا خيار السفن.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي الزاهرية قال: كتب عثمان ﴿ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الغلام الذي قتله الخضر جيسور.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال: في حرف أبي ﴿ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فخشينا ﴾ قال: فأشفقنا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: هي في مصحف عبد الله ﴿ فخاف ربك أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ قال: خشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر في الآية قال: لو بقي كان فيه بوارهما واستئصالهما.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن قتادة قال: قال مطرف بن الشخير: إنا لنعلم أنهما قد فرحا به يوم ولد وحزنا عليه يوم قتل، ولو عاش لكان فيه هلاكهما.

فرضي رجل بما قسم الله له، فإن قضاء الله للمؤمن خير من قضائه لنفسه، وقضاء الله لك فيما تكره خير من قضائه لك فيما تحب.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ خيراً منه زكاة ﴾ قال: إسلاماً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية في قوله: ﴿ خيراً منه زكاة ﴾ قال: ديناً ﴿ وأقرب رحماً ﴾ قال: مودة.

فأبدلا جارية ولدت نبياً.

وأخرج ابن المنذر من طريق بسطام بن جميل، عن عمر بن يوسف في الآية قال: أبدلهما جارية مكان الغلام ولدت نبيين.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ قال: كان كنز لمن قبلنا وحرم علينا، وحرمت الغنيمة على ما كان قبلنا وأحلت لنا، فلا تعجبن للرجل يقول: ما شأن الكنز أحل لمن قبلنا وحرم علينا؟

فإن الله يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء، وهي السنن والفرائض...

تحل لأمة وتحرم على أخرى.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم، عن خيثمة قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: طوبى لذرية مؤمن، ثم طوبى لهم كيف يحفظون من بعده.

وتلا خيثمة ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال: إن الله يصلح بالعبد الصالح القبيل من الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق شيبة، عن سليمان بن سليم بن سلمة قال: مكتوب في التوراة «إن الله ليحفظ القرن إلى القرن إلى سبعة قرون، وإن الله يهلك القرن إلى القرن إلى سبعة قرون» .

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: إن الرب تبارك وتعالى قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: «إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت وليس لبركتي ناهية، وإذا عصيت غضبت ولعنتي تبلغ السابع من الولد» .

وأخرج أحمد عن وهب قال: يقول الله: «اتقوا غضبي فإن غضبي يدرك إلى ثلاثة آباء، وأحبوا رضاي فإن رضاي يدرك في الأمة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ قال: كان عبداً مأموراً مضى لأمر الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: قال موسى لفتاه يوشع بن نون ﴿ لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ فاصطادا حوتاً فاتخذاه زاداً وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي أرادها، فهاجت ريح فاشتبه عليه المكان ونسيا عليه الحوت، ثم ذهبا فسارا حتى اشتهيا الطعام فقال لفتاه: ﴿ آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ يعني جهداً في السير.

قال الفتى لموسى: ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ﴾ .

قال: فسمعنا عن ابن عباس أنه حدث عن رجال من علماء أهل الكتاب، أن موسى دعا ربه فسأله ومعه ماء عذب في سقاء، فصب من ذلك الماء في البحر وانصب على أثره فصار حجراً أبيض أجوف، فأخذ فيه حتى انتهى إلى الصخرة التي أراد فصعدها وهو متشوف: هل يرى ذلك الرجل؟

حتى كاد يسيء الظن، ثم رآه فقال: السلام عليك يا خضر.

قال: عليك السلام يا موسى.

قال: من حدثك أني أنا موسى...

قال: حدثني الذي حدثك أني أنا الخضر.

قال: إني أريد أن أصحبك ﴿ على أن تعلمني مما علمت رشداً ﴾ وأنه تقدم إليه فنصحه فقال: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ وذلك بأن أحدهم لو رأى شيئا لم يكن رآه قط ولم يكن شهده ما كان يصبر حتى يسأل ما هذا، فلما أبى عليه موسى إلا أن يصحبه ﴿ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً ﴾ إن عجلت عليّ في ثلاث فذلك حين أفارقك.

فهم قيام ينظرون إذ مرت سفينة ذاهبة إلى أبلة، فناداهم خضر: يا أصحاب السفينة، هلم إلينا فاحملونا في سفينتكم، وإن أصحاب السفينة قالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالاً في مكان مخوف إنما يكون هؤلاء لصوصاً فلا تحملهم.

فقال صاحب السفينة: إني أرى رجالاً على وجوههم النور، لأحملنهم.

فقال الخضر: بكم حملت هؤلاء؟

كل رجل حملت في سفينتك فلك لكل رجل منا الضعف.

فحملهم فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض- وقد أمر صاحب القرية: إن أبصرتم كل سفينة صالحة ليس بها عيب فائتوني بها- وإن الخضر أمر أن يجعل فيها عيباً لكي لا يسخروها فخرقها فنبع فيها الماء، وإن موسى امتلأ غضباً ﴿ قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ وإن موسى عليه السلام شد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر في البحر، فقال: أردت هلاكهم فتعلّم أنك أول هالك: فجعل موسى كلما ازداد غضباً استقر البحر، وكلما سكن كان البحر كالدهر، وإن يوشع بن نون قال لموسى عليه السلام: ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك؟

وإن الخضر أقبل عليه ﴿ قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وإن موسى أدركه عند ذلك الحلم فقال: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً ﴾ فلما انتهوا إلى القرية قال خضر: ما خلصوا إليكم حتى خشوا الغرق، وأن الخضر أقبل على صاحب السفينة فقال: إنما أردت الذي هو خير لك، فحمدوا رأيه في آخر الحديث وأصلحها الله كما كانت.

ثم إنهم خرجوا حتى انتهوا إلى غلام شاب، عهد إلى الخضر أن أقتله فقتله ﴿ قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس ﴾ إلى قوله: ﴿ قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ وإن خضراً أقبل عليه فقال: قد وفيت لك بما جعلت على نفسي ﴿ هذا فراق بيني وبينك ﴾ ﴿ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين ﴾ فكان لا يغضب أحداً إلا دعا عليه وعلى أبويه، فطهر الله أبويه أن يدعو عليهما أحد وأيد لهما مكان الغلام آخر خيراً منه وأبرّ بوالديه ﴿ وأقرب رحماً ﴾ .

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما ﴾ فسمعنا أن ذلك الكنز كان علماً فورثا ذلك العلم.

وأخرج ابن جرير من طريق الحسن بن عمارة عن أبيه قال: قيل لابن عباس: لم نسمع- يعني موسى- يذكر من حديث فتاه وقد كان معه.

فقال ابن عباس: فيما يذكر من حديث الفتى قال: شرب الفتى من الماء فخلد فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة.

وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه.

قال ابن كثير الحسن متروك وأبوه غير معروف.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن يوسف بن أسباط قال: بلغني أن الخضر قال لموسى لما أراد أن يفارقه: يا موسى، تعلم العلم لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به.

وبلغني أن موسى قال للخضر: ادع لي.

فقال الخضر: يسر الله عليك طاعته.

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: قال الخضر لموسى حين لقيه: يا موسى، انزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، والزم بيتك وابك على خطيئتك.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر، عن أبي عبد الله- أظنه الملطي- قال: أراد موسى أن يفارق الخضر، فقال له موسى: أوصني.

قال: كن نفّاعاً ولا تكن ضراراً، كن بشاشاً ولا تكن غضباناً، ارجع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تُعَيِّرُ امرأً بخطيئته وابك على خطيئتك يا ابن عمران.

وأخرج ابن عساكر عن وهب، أن الخضر قال لموسى: يا موسى، إن الناس يعذبون في الدنيا على قدر همومهم.

وأخرج العقيلي عن كعب قال: الخضر على منبر بين البحر الأعلى والبحر الأسفل، وقد أمرت دواب البحر أن تسمع له وتطيع وتعرض عليه الأرواح غدوة وعشية.

وأخرج ابن شاهين عن خصيف قال: أربعة من الأنبياء أحياء: اثنان في السماء عيسى وإدريس.

وإثنان في الأرض، الخضر وإلياس.

فأما الخضر، فإنه في البحر.

وأما صاحبه فإنه في البر.

وأخرج الخطيب وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: بينا أنا أطوف، إذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا مَنْ لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك، قلت: يا عبد الله، أعد الكلام.

قال: وسمعته؟

قلت: نعم.

قال: والذي نفس الخضر بيده:- وكان هو الخضر- لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة، إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج وعدد المطر وورق الشجر.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية، عن كعب الأحبار قال: إن الخضر بن عاميل ركب في نفر من أصحابه حتى بلغ الهند- وهو بحر الصين- فقال لأصحابه: يا أصحابي، أدلوني.

فدلوه في البحر أياماً وليالي ثم صعد، فقالوا له: يا خضر، ما رأيت؟

فلقد أكرمك الله وحفظ لك نفسك في لجة هذا البحر.

فقال: استقبلني ملك من الملائكة فقال لي: أيها الآدمي الخطاء إلى أين؟

ومن أين؟

فقلت: إني أردت أن أنظر عمق هذا البحر.

فقال لي: كيف وقد أهوى رجل من زمان داود عليه السلام لم يبلغ ثلث قعره حتى الساعة، وذلك منذ ثلثمائة سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن بقية قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت أن آخر كلمة أوصى بها الخضر موسى حين فارقه: إياك أن تعير مسيئاً بإساءته فتبتلى.

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أسامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «ألا أحدثكم عن الخضر؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل، أبصره رجل مكاتب فقال: تصدق عليّ بارك الله فيك.

فقال الخضر: آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكه.

فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدقت علي، فإني نظرت السماحة في وجهك ووجدت البركة عندك.

فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني.

فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟!

قال: نعم.

الحق أقول، لقد سألتني بأمر عظيم: أما أني لا أخيبك بوجه ربي تعالى.

فقدّمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء.

فقال له: إنك إنما ابتعتني التماس خير عندي، فأوصني أعمل بعمل.

قال: أكره أن أشق عليك إنك شيخ كبير ضعيف.

قال: ليس يشق عليّ قال: فقم فانقل هذه الحجارة.

وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فخرج الرجل لبعض حاجته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة، فقال: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه، ثم عرض للرجل سفرة فقال: إني احتسبتك أميناً فاخلفني في أهلي خلافة حسنة.

قال: فأوصني بعمل.

قال: إني أكره أن أشق عليك.

قال: ليس يشق عليّ قال: فاضرب من اللبن لنبني حتى أقدم عليك، فمر الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناؤه، فقال: أسألك بوجه الله، ما سبيلك وما أمرك؟

فقال: سألتني بوجه الله ووجه الله أوقعني في العبودية، أنا الخضر الذي سمعت به...

سألني مسكين صدقة ولم يكن عندي شيء أعطيه، فسألني بوجه الله فأمكنته من نفسي فباعني.

فأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر، وقف يوم القيامة جلدة ولا لحم له ولا عظم ليتقصع.

فقال الرجل: آمنت بالله!...

شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم.

فقال: لا بأس، أحسنت وأتقنت.

فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أخيّرك فأخلي سبيلك.

فقال: أحب أن تخلي سبيلي أعبد ربي.

فخلّى سبيله فقال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني منها» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن الحجاج بن فرافصة، أن رجلين كانا يتبايعان عند عبد الله بن عمر، فكان أحدهما يكثر الحلف، فبينما هو كذلك إذ مرّ عليهما رجل فقام عليهما فقال للذي يكثر الحلف: مه يا عبد الله، اتق الله ولا تكثر الحلف فإنه لا يزيد في رزقك ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف.

قال: امض لما يعنيك.

قال: ذا مما يعنيني- قالها ثلاث مرات وردّ عليه قوله- فلما أراد أن ينصرف قال: اعلم أن من آية الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، ولا يكن في قولك فضل على فضلك.

ثم انصرف فقال عبد الله بن عمر: الحقه فاستكتبه هذه الكلمات.

فقال: يا عبد الله، اكتبني هذه الكلمات يرحمك الله.

فقال الرجل: ما يقدر الله من أمر يكن فأعادهن عليه حتى حفظهن ثم شهده حتى وضع إحدى رجليه في المسجد، فما أدري أرض لفظته أو سماء اقتلعته، قال: كأنهم يرونه الخضر أو إلياس عليه السلام.

وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده بسندٍ واهٍ، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الخضر في البحر واليسع في البر، يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ويحجان ويعتمران كل عام ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل» .

وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي رواد قال: إلياس والخضر يصومان شهر رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل.

وأخرج العقيلي والدارقطني في الأفراد وابن عساكر، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله» .

قال ابن عباس: من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات، أمنه الله من الغرق والحرق والسرق ومن الشياطين والسلطان والحية والعقرب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا ﴾ أي: ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة وذهب الحوت.

قال رسول الله -  -: "انطلقا وأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال" (١) ﴿ قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا ﴾ الآية.

ونحو هذا قال ابن عباس وجميع المفسرين: (إنه لم ينْصَب حتى جاوز الموضع الذي يريده، فلما خرج من حد الموضع نصب فدعا بالطعام ليأكل) (٢) (٣) قال الليث: (النَّصب الإعياء من العناء، والفعل نَصِبَ يَنْصَب، وأنْصَبَنِي هذا الأمر) (٤) (١) سبق تخريج الحديث في أول القصة.

(٢) "جامع البيان" 15/ 278، "معالم التنزيل" 5/ 186، "الكشاف" 2/ 396، "لجامع لأحكام القرآن" 11/ 13.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (نصب) 4/ 3581، "مقاييس اللغة" (نصب) 5/ 434، "القاموس المحيط" (نصب) 1/ 138.

(٤) "تهذيب اللغة" (نصب) 4/ 3581.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا ﴾ أي جاوزا الموضع الذي وصف له، وهو الصخرة التي نام عندها فسار الحوت في البحر، بينما كان موسى نائماً وكان ذهاب الحوت أمارة لقائه للخضر، فلما استيقظ موسى أصابه الجوع، فقال لفتاه: آتنا غداءنا ﴿ نَصَباً ﴾ أي تعباً ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة ﴾ قال الزمخشري: أرأيت هنا بمعنى أخبرني ثم قال، فإن قلت ما وجه التئام هذا الكلام، فإن كل واحد من أرأيت وإذ أوينا بمعنى أخبرني ثم قال، فإن قلت ما وجه التئام هذا الكلام، فإن كل واحد من أرأيت وإذ أوينا وفإني نسيت الحوت لا متعلق له؟

فالجواب أنه لما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه ومن نسيانه، فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك فكأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت فحذف بعض الكلام ﴿ نَسِيتُ الحوت ﴾ أي نسيت أن أذكر لك ما رأيت من ذهابه في البحر وتقديره: نسيت ذكر الحوت ﴿ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ بدل من الهاء في أنسانيه وهو بدل اشتمال.

﴿ واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً ﴾ يحتمل أن يكون هذا من كلام يوشع، أي اتخذ الحوت سبيله في البحر عجباً للناس أو اتخذ موسى سبيل الحوت عجباً أي تعجب هو منه وإعراب عجباً مفعول ثان لاتخذ مثل سرباً وقيل: إن الكلام تم عند قوله في البحر ثم ابتدأ التعجب فقال عجباً وذلك بعيد ﴿ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ﴾ أي فقد الحوت هو ما كنا نطلب؛ لأنه أمارة على وجدان الرجل ﴿ فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً ﴾ أي رجعا في طريقهما يقصان أثرهما الأول لئلا يخرجا عن الطريق ﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ ﴾ هو الخضر ﴿ آتيناه رَحْمَةً ﴾ يعني النبوة على قول من قال: إن الخضر نبيّ.

وقيل: إنه ليس بنبّي ولكنه وليّّ، وتظهر نبوته من هذه القصة أنه فعل أشياء لا يعملها إلا بوحي، واختلف أيضاً هل مات أو هو حيّ إلى الآن؟

ويذكر كثير من الصلحاء أنهم يرونه ويكلمهم ﴿ وعلمناه مِن لَّدُنَّا عِلْماً ﴾ في الحديث أن موسى وجد الخضر مسجّى بثوبه فقال له: السلام عليك فرفع رأسه وقال: وأنى بأرضك السلام قال له: من أنت؟

قال: أنا موسى قال قال: بلى.

ولكني أحببت لقاءك وأن أتعلم منك.

قال: إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه أنا ﴿ قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ ﴾ الآية: مخاطبة فيها ملاطفة وتواضع وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه ﴿ رُشْداً ﴾ قرئ بضم الراء وإسكان الشين وبفتحها والمعنى واحد، وانتصب على أنه مفعول ثانٍ بتعلمني أو حال من الضمير في أتبعك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنسانيه ﴾ بضم الهاء حفص والمفضل، وقرأ عليّ بالإمالة مع كسر الهاء: ﴿ نبغي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب، وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل.

الباقون بحذف الياء في الحالين اتباعاً لخط المصحف.

﴿ رشداً ﴾ بفتحتين: أبو عمرو ويعقوب.

بضمتين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الباقون ﴿ رشداً ﴾ بضم الراء وسكون الشين.

﴿ معي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ ستجدني إن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ﴿ فلا تسألني ﴾ بنون التأكيد الثقيلة وإثبات الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

بحذف الياء: ابن مجاهد عن ابن ذكوان والأحسن إثباتها لأنه شاذ عن أهل الشام.

الآخرون بنون الوقاية وحذف الياء.

﴿ ليغرق أهلها ﴾ بياء الغيبة وفتحها مع فتح الراء ورفع الأهل: حمزة وعلي وخلق.

الباقون بتاء الخطاب مضمومة وكسر الراء من الإغراق وبنصب الأهل ﴿ زاكية ﴾ على "فاعله": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب.

الآخرون ﴿ زكية ﴾ على "فعيلة" ﴿ نكراً ﴾ بضمتين حيث كان: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وبان ذكوان وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ فلا تصحبني ﴾ من الصحبة: روح وزيد.

الآخرون من المصاحبة.

﴿ من لدني ﴾ خفيفاً: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد والمفضل.

﴿ يضيفوهما ﴾ من الإضافة: المفضل ﴿ لتخذت ﴾ من التخذ مدغماً: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ ابن كثير بالإظهار.

الباقون: ﴿ لاتخذت ﴾ من الاتخاذ.

وقرأ حفص والمفضل والأعشى والبرجمي مظهراً ﴿ يبدلهما ﴾ من التبديل وكذلك في سورة التحريم ونون والقلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الآخرون من الإبدال ﴿ رحماً ﴾ بضمتين: ابن عامر ويزيد وعباس وسهل ويعقوب.

الباقون بسكون الحاء.

الوقوف: ﴿ حقباً ﴾ ه ﴿ سرباً ﴾ ه ﴿ غداءنا ﴾ ز لانقطاع النظم مع صدق اتصال المعنى ﴿ نصباً ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ ز لتمام استفهام التعجب مع اتحاد الكلام وكون الواو حالاً ﴿ أن أذكره ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال في البحر وقفة.

قيل: عليه تم كلام يوشع ثم ابتدأ موسى فقال عجباً أي أعجب لذلك عجباً والوصل أجوز أي سبيلاً عجباً أو اتخاذاً ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ نبغ ﴾ قف قد قيل: لتمام قول أحدهما وابتداء فعلهما والوجه الوصل لعطف اللفظ وسرعة الرجوع على الفور ﴿ قصصاً ﴾ ه لا لاتصال النظم واتحاد الحال ﴿ علماً ﴾ ه ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة لأن حتى إذا للابتداء ﴿ حرقها ﴾ ط ﴿ أهلها ﴾ ج لانقطاع النظم واتحاد القائل ﴿ إمراً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ عسراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة لما مر ﴿ فقتله ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ لغير نفس ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ فلا تصاحبني ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ عذراً ﴾ ه ﴿ فانطلقا ﴾ وقفة ﴿ فأقامه ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ وبينك ﴾ ج ﴿ صبراً ﴾ ه ﴿ غصباً ﴾ ه ﴿ وكفراً ﴾ ، ج للعطف مع الآية ﴿ رحماً ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ج لما قلنا ﴿ من ربك ﴾ ج ﴿ عن أمري ﴾ ط ﴿ صبراً ﴾ ، لانقطاع القصة.

التفسير: هذه قصة أوردها الله  لتعين على المقاصد السابقة مع كونها مستقلة في الإفادة، أما نفعها في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا: إن أخبركم محمد عنها فهو نبي وإلا فلا، فذكر الله  قصة موسى والخضر تنبيهاً على أن النبي لا يلزم أن يكون عالماً بجميع القصص والأخبار.

وأما نفعها في الرد على كفار قريش حين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو أن موسى  مع كثرة علمه وعلو منصبه واستجمام موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر وتواضع له لأجل طلب العلم فدل ذلك على أن التواضع خير من التكبر.

وأكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية هو موسى بن عمران صاحب التوارة والمعجزات.

وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يعقوب وهو قد كان نبياً قبل موسى بن عمران.

فقال ابن عباس: كذب عدو الله.

واحتج الأكثرون على صحة قولهم بأن موسى حيث أطلق في القرآن أريد به موسى بن عمران، فلو كان المراد ههنا شخصاً آخر لوجب تعريفه بحيث يتميز عن المشهور.

حجة الأقلين - وإليه ذهب جمهور اليهود - أن موسى بن عمران بعد أن خصه الله  بالمعجزات الظاهرة التي لم يتفق لمن قبله مثلها، يبعد أن يؤمر بالتعلم والاستفادة.

وأجيب بأن العالم الكامل في أكثر العلوم قد يجهل بعض المسائل فيحتاج في تعلمها إلى من يختص بعلمها.

أما فتى موسى فالأكثر على أنه يوشع بن نون، ويروى هذا القول عن سعد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي  .

وقيل: هو أخو يوشع وكان مصاحباً لموسى في السفر.

وعن الحسن: إنه أراد عبده ويؤيده ما روي أنه  قال: "ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي" .

قال أهل السير: إن موسى لما ظهر على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله فقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له: قد علمنا هذا فأيّ الناس أعلم؟

قال: أنا.

فعتب الله حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبد لي بمجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر  في أيام أفريدون قبل موسى  وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر.

وبقي إلى أيام موسى.

ويروى أن موسى سأل ربه أيّ عبادك أحب إليك؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني.

قال: فأيّ عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: فأي عبادك أعلم؟

الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على الهوى أو تردّه عن ردى.

فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادلني عليه.

قال: أعلم منك الخضر.

قال: فأين أطلبه؟

قال: على الساحل عند الصخرة.

قال: يا رب كيف لي به؟

قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك.

فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان فرقد موسى  فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى  فقال: وأنى بأرضنا السلام فعرفه نفسه فقال: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا.

فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع في حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر.

قلت: وهذا صحيح لأن علم الإنسان متناه وعلم الله غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً.

ولنرجع إلى التفسير قال الزجاج وتبعه جار الله: ﴿ لا أبرح ﴾ بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه ولأن قوله: ﴿ حتى أبلغ ﴾ غاية مضروبة فلا بد لها من ذي غاية.

فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ، وجوز أن يكون المعنى لا أبرح سيري حتى أبلغ على أن ﴿ حتى أبلغ ﴾ هو الخبر، وحذف المضاف وهو السير وأقيم المضاف إليه - وهو ياء المتكلم - مقامه فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وجوز أيضاً أن يكون لا أبرح، بمعنى لا أزول من برح المكان، والمعنى لا أبرح ما أنا عليه أي لا أترك المسير والطلب حتى أبلغ ﴿ مجمع البحرين ﴾ يعني ملتقى بحري فارس والروم وقد شرحنا وضع البحار في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس  ﴾ .

وقيل: أراد طنجة، وقيل أفريقية.

ومن غرائب التفسير أن البحرين موسى والخضر لأنهما بحر العلم، وهذا مع غرابته مستبشع جداً لأن البحرين إذا كان هو موسى  فكيف يصح أن يقول: ﴿ حتى أبلغ مجمع البحرين ﴾ إذ يؤل حاصل المعنى إلى قولنا حتى أبلغ مكاناً يجتمع فيه بحران من العلم أحدهما أنا ﴿ أو أمضي حقباً ﴾ أسير زماناً طويلاً.

قال جار الله: الحقب بالضم ثمانون سنة.

ويقال: أكثر من ذلك.

وقيل: إنه  أعلم موسى حال هذا العالم وما أعلمه بعينه فقال موسى: لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحراً واحداً أو أمضي دهراً طويلاً حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبار من موسى  بأنه وطن تحمل التعب الشديد إلى أن يلقاه، وفيه تنبيه على شرف العلم وأن طلب العلم يحق له أن يسافر، ويتحمل المتاعب في الطلب من غير ملال وكلال.

﴿ فلما بلغا مجمع بينهما ﴾ قال جمهور المفسرين: الضمير للبحرين أي تحقق ما موسى وبلغ المكان الذي وعد فيه لقاء الخضر.

ولا بد للبين من فائدة، ولعل المراد حيث يكاد يلتقي وسط ما امتد من البحرين طولاً.

والإضافة بمعنى "في" أي مجمعاً في وسط البحرين فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين، والبيان والإيضاح بكلام علام الغيوب  أولى منه بكلام موسى، أو البين بمعنى الافتراق أي البحران المفترقان يجتمعان هناك.

ويحتمل على هذا أن يعود الضمير إلى موسى والخضر أي وصلا إلى الموضع الذي وعد اجتماع شملهما هناك، أو البين بمعنى الوصل لأنه من الأضداد فيفيد مزيد التأكيد كقولهم "جد جده".

وهذه الوجوه مما لم أجدها في التفاسير، فإن كان صواباً فمن الله وإلا فمني ومن الشيطان ﴿ نسيا حوتهما ﴾ لأنه  جعل انقلاب الحوت حياً علامة على مسكن الخضر قيل: إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملوحة فطفرت وسارت.

وقيل: إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب إلى الماء.

وقيل: انفجرت هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر.

ونسيان الحوت للذهول عن الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، والسبب في هذا الذهول مع أن هذه الحالة كانت أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها، هو أن يوشع كان قد تعود مشاهدة المعجزات الباهرة فلم يبق لحياة السمكة ولقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه وقع عنده.

وقيل: إن موسى  لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الذي يشبه الضروري تنبيهاً لموسى  ، على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على قلوب عباده.

وانتصاب قوله: ﴿ سرباً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لاتخذ أي اتخذ سبيله سبيلاً سرباً وهو بيت في الأرض، وذلك أن الله  أمسك إجراء الماء عن الحوت وجعله كالكوة حتى سرى الحوت فيه معجزة لموسى  وللخضر.

وقيل: السرب هو الذهاب والتقدير سرب في البحر سرباً إلا أنه أقيم قوله: ﴿ واتخذ سبيله ﴾ مقام "سرب" ﴿ فلما جاوزا ﴾ أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الصخرة ﴿ قال موسى لفتاه آتنا غداءنا ﴾ وهو ما يؤكل بالغداة ﴿ لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً ﴾ تعباً وجوعاً.

قال المفسرون: قوله ﴿ من سفرنا هذا ﴾ إشارة إلى سيرهما وراء الصخرة ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك.

قال الفتى متعجباً ﴿ أرأيت ﴾ ومفعوله محذوف لدلالة قوله: ﴿ فإني نسيت الحوت ﴾ عليه كأنه قال: أرأيت ما دهاني ووقع لي.

﴿ إذ أوينا إلى الصخرة ﴾ قيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت ﴿ فإني نسيت الحوت ﴾ عليها ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال: ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان ﴾ و ﴿ أن أذكره ﴾ بدل الاشتمال من الهاء ﴿ في أنسانيه ﴾ أي وما أنساني ذكره قال الكعبي: لو كان النسيان بخلق الله وإرادته لكان إسناد ذلك إلى الله  أولى من إسناده إلى الشيطان إذ ليس له في وجوده سعي ولا أثر.

قال القاضي: المراد بإنساء الشيطان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر، لأن ذلك لا يصلح أن يكون إلا من قبل الله  .

قال أهل البرهان: لما كان اتخاذ الحوت سبيله في البحر عقيب النسيان ذكر أوّلاً فاتخذ بالفاء، ولما حيل بينهما ثانياً بجملة معترضة هي قوله: ﴿ وما أنسانيه ﴾ زال معنى التعقيب وبقي العطف المجرد فقال: ﴿ واتخذ سبيله ﴾ بالواو.

وانتصاب ﴿ عجباً ﴾ كما مر في ﴿ سرباً ﴾ .

قال  : "كان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً" ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ ذلك ﴾ يعني اتخاذ الحوت السبيل في البحر ﴿ ما كان ينبغي ﴾ أي إنه الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب ﴿ فارتدا على آثارهما ﴾ فرجعا على طريقهما المسلوك ﴿ قصصاً ﴾ مصدر لأنه بمعنى الارتداد على الأثر يتبعان آثارهما اتباعاً، أو هو مصدر في موضع الحال أي رجعا على الطريق الذي جاءا منه مقتصين ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ الأكثرون على أن ذك العبد كان نبياً لأنه  وصفه بقوله: ﴿ آتيناه رحمة من عندنا ﴾ والرحمة هي الوحي والنبوّة بدليل قوله: ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك  ﴾ وقوله: ﴿ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك  ﴾ ومنع أن كل رحمة نبوة قالوا: وصفه بقوله: ﴿ وعلمناه من لدنا علماً ﴾ والعلم المختص به  هو الوحي والإخبار بالغيوب.

وأيضاً آخر القصة ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ أي عرفته وفعلته بأمر الله وذلك مستلزم للوحي.

وروي أن موسى  لما وصل إليه قال: السلام عليك.

فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل.

فقال: من عرّفك هذا؟

قال: الذي بعثك إلي.

والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية.

والتحقيق فيه إذا ضعفت القوى الحسية والخيالية بواسطة الرياضة قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية على جواهر العقل، ويفيض عليه من عالم الأرواح أنوار يستعد بسببها لملاحظة أسرار الملكوت ومطالعة عالم اللاهوت.

والأكثرون أيضاً على أن ذلك العبد هو الخضر سمي بذلك لأنه كان لا يقف موقفاً إلا اخضر ذلك الموقف.

وقال الجبائي: روي أن الخضر إنما بعث بعد موسى  من بني إسرائيل.

فإن صحت الرواية لم يكن ذلك العبد هو الخضر لأنه بعث بعده، وبتقدير كونه معاصراً له فإنه أظهر الترفع على موسى حين قال: ﴿ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً ﴾ وأن موسى أظهر التواضع له حين قال ﴿ ولا أعصي لك أمراً ﴾ مع أنه كان مبعوثاً إلى كافة بني إسرائيل، والأمة لا تكون أعلى حالا من النبي.

وإن لم تكن الرواية صحيحة بأن الخضر لا يكون من بني إسرائيل لم يجز أن يكون الخضر أفضل من موسى  لأنه  قال لبني إسرائيل ﴿ وأني فضلتكم على العالمين  ﴾ وأجيب بأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها.

قال العلماء: إن موسى راعى مع الخضر في قوله: ﴿ هل أتبعك ﴾ أنواعاً من الأدب منها: أنه جعل نفسه تبعاً له مطلقاً، وفيه أن المتعلم يجب عليه الخدمة وتسليم النفس والإتيان بمثل أفعال الأستاذ وأقواله على جهة التبعية لا الاستقلال، فإن المتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلاً لذلك الغير، ولهذا لسنا متبعين لليهود في قولنا "لا إله إلا الله" لأنا نقول كلمة التوحيد لأجل أنهم قالوها بل لقيام الدليل على قولها، ولكنا متابعون في الصلوات الخمس للنبي  لأنا نأتي بها لأجل أنه أتى بها.

ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية.

ومنها أنه قال: ﴿ على أن تعلمني مما علمت ﴾ وفيه إقرار على أستاذه بالعلم، وفيه أنه لم يطلب منه إلا بعض علمه ولم يطلب.

منه أن يجعله مساوياً له في العلم كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءاً من أجزاء ماله لأكله، وفيه اعتراف بأن ذلك العلم علمه الله  وإلا سمي فاعله، وفيه إشعار بأن إنعامه عليه في هذا التعليم شبيه بإنعام الله عليه فيه ومن هنا قيل: أن عبد من علمني حرفاً.

ومنها أن الخضر عرف أنه نبي صاحب المعجزات المشهورة، ثم إنه مع هذه المناصب العلية والمراتب السنية لم يطلب منه المال والجاه وإنما طلب التعليم فقال: ﴿ على أن تعلمني ﴾ فدل ذلك على أنه لا كمال فوق كمال العلم، وأنه لا يحسن صرف الهمة إلا إلى تحصيله.

وفيه أن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان حرصه على زيادتها أوفر.

ومنها أنه قال ﴿ رشداً ﴾ وهو يصلح أن يكون مفعولاً لـ ﴿ تعلمني ﴾ و ﴿ علمت ﴾ أي علماً ذا رشد أرشد به في ديني، وفيه تعظيم لما سيعلمه فإن الإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل حصل الضلال.

ثم إنه  حكى عن الخضر أنه قال: ﴿ لن تستطيع معي صبراً ﴾ نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد لعلمه بأنه يتولى أموراً هي في الظاهر منكرة، والرجل الصالح لا سيما النبي الذي يحكم بظواهر الأمور شرعاً قلما يتمالك أن يصبر عليها.

و ﴿ خبراً ﴾ تمييز أي لم يحط به.

خبرك، أو هو مصدر لكونه في معنى الإحاطة.

استدلت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة لا تحصل فيه الفعل وإلا لكانت الاستطاعة عل الصبر حاصلة قبل الصبر، فيكون قول الخضر بنفي الاستطاعة كذباً.

وكذا قوله: ﴿ وكيف تصبر ﴾ لأنه استفهام في معنى الإنكار أي لا تصبر ألبتة.

أجاب الجبائي بأنه أراد بنفي الاستطاعة أن يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه.

يقال في العرف: إن فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً وأن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ولهذا ﴿ قال ﴾ له موسى ﴿ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى ﴾ أي ستجدني غير عاص ﴿ لك أمراً ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ولا أعصي ﴾ جملة مستأنفة معطوفة على مثلها أي ستجدني ولا أعصي.

قال أهل السنة.

في قوله: ﴿ إن شاء الله ﴾ بطريق الشك والصبر مأمور به دليل على أنه  قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه.

قالت المعتزلة.

إنما ذكره بطريق الأدب.

وأجيب بأن هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب، وإن فسد فأيّ أدب في ذكر الكلام الباطل.

قالت الأصوليون: في قوله: ﴿ ولا أعصي لك أمراً ﴾ دليل على أن ظاهر الأمر للوجوب، لأن تارك الأمر عاص.

بهذه الآية، والعاصي يستحق العقاب لقوله: ﴿ ومن يعصى الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ قال المحققون: في قوله الخضر تغليظ وتجهيل، وفي قول موسى تحمل وتواضع، فدل ذلك على أن المعلم إن رأى التغليظ على المتعلم فيما يعتقده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره وعلى المتعلم أن يتلقاه بالبشر والطلاقة.

ثم قال: ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني ﴾ شرط على موسى  في اتباعه أن لا يسأل عما خفي عليه وجه صحته حتى يكون الخضر هو المبتدىء بتعليمه إياه بإخباره عن وجه الحكمة فيه ﴿ فانطلقا ﴾ على ساحل البحر يطلبان السفينة، فما ركباها يروى أن أهلها قالوا: هما من اللصوص وأمروهما بالخروج فمنعهم صاحب السفينة وقال: أرى وجوه الأنبياء.

وقيل: عرفوا الخضر فحملوهم بلا أجرة، فلما حصلوا في اللجة أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء.

وقيل: خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ويقول: ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً ﴾ أتيت شيئاً عظيماً.

يقال: أمر الأمر إذا عظم.

ويقال في الشيء العجيب الذي يعرف له شبيه إنه أمر إمر.

احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى  اعترض على الخضر بعد توكيد العهود والمواثيق وذلك ذنب.

وأجيب بأنه لم يقل ذلك اعتراضاً وتوبيخاً ولكنه أحب أن يقف على حكمة ذلك الأمر الخارج عن العبادة، أو أنه خالف الشرط بناء على النسيان ولهذا ﴿ قال لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ ولا مؤاخذة على الناسي.

و"ما" موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي بالذي نسيت وبشيء نسيته وبنسياني.

وجوز في الكشاف أن لا يكون ناسياً في الحقيقة ولكنه أوهم بقوله: ﴿ لا تؤاخذني بما نسيت ﴾ أنه قد نسي لبسط عذره في الاعتراض على المعلم وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض.

وجوز أيضاً أن يكون النسيان بمعنى الترك أي بما تركت من وصيتك أول مرة ﴿ ولا ترهقني ﴾ ولا تغشني ﴿ من أمري عسراً ﴾ وأراد بأمره أمر المتابعة أي يسر عليّ متابعتك بالإغضاء وترك المناقشة.

وإنما قال في هذه القصة ﴿ خرقها ﴾ بغير "فاء" لأنه جعله جزاء للشرط، وفي قصة الغلام جعل ﴿ فقتله ﴾ من جملة الشرط معطوفاً عليه بفاء التعقيب، لأن القتل يعقب لقاء الغلام ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير ومنه قولهم "رأي الشيخ خير من مشهد الغلام" وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق.

وليس في القرآن أنهما كيف لقياه، وهل كان يلعب مع جمع من الغلمان، أو كان منفرداً، وهل كان مسلماً أو كان كافراً، وهل كان بالغاً أو كان صغيراً واسم الغلام بالصغير أليق، إلا أن ﴿ بغير نفس ﴾ بالبالغ لأن الصبي لا يقتل قصاصاً.

وعن ابن عباس أن نجدة الحروري الخارجي كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله  عن قتل الولدان؟

فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل.

قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة.

وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت.

ويجوز أن يكون وصفها بالزكاء لأنه لم يرها أذنبت فهي طاهرة عنده.

قيل: النكر أقل من الأمر لأن قتل نفس واحدة أهو من إغراق أهل السفينة.

وقيل: النكر أشد لأن ذلك كان خرقاً تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه.

وأيضاً الأمر العجيب والعجب يستعمل في الخير والشر.

والنكر ما تنكره العقول فهو شر، وظاهر الآية يدل على أن موسى استبعد أن تقتل النفس إلا بالنفس وليس كذلك لأنه قد يحل القتل بسائر الأسباب، ولعله اعتبر السبب الأغلب والأقوى واختلفوا في كيفية قتله فقيل: فتل عنقه.

وقيل: ضرب برأسه الحائط.

وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين.

ثم إنه  حكى عن الخضر أنه ما زاد على أن أذكره ما عاهد عليه فقال: ﴿ ألم أقل لك ﴾ وإنما زاد ههنا لك لأن الإنكار أكثر وموجب العتاب أقوى.

وقيل: أكد التقرير الثاني بقوله ﴿ لك ﴾ كما تقول لمن توبخه لك أقول وإياك أعني.

وقيل: بين في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول فعند هذا ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها ﴾ بعد هذه الكرة أو المسألة ﴿ لا تصاحبني ﴾ نهاه عن المصاحبة حينئذ مع حرصه على التعلم لظهور عذره كما قال: ﴿ قد بلغت من لدني عذراً ﴾ وهذا كلام نادم شديد الندامة جره المقال، واضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف.

عن رسول الله  : " رحم الله أخي كموسى استحيا فقال ذلك" ﴿ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ هي أنطاكية: وقيل: الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء.

﴿ استطعما أهلها ﴾ وكان حق الإيجاز أن يقال: "استطعماهم" فوضع الظاهر موضع المضمر للتأكيد كقوله: ليت الغراب غداة ينعب بيننا *** كان الغراب مقطع الأوداج وأيضاً لعله كره اجتماع الضميرين المتصلين في مثل هذا اللفظ لما فيه من الكلفة والبشاعة والاستطالة ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ يقال: أضافه وضيفه إذا أنزله وجعله ضيفه، والتركيب يدور على الميل من ضاف السهم عن الغرض والضيف يميل إلى المضيف.

عن النبي  : "كانوا أهل قرية لئاماً." قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدما عليه.

وأيضاً الضيافة من المندوبات وترك المندوب غير منكر، فكيف جاز لموسى أن يغضب عليهم حتى ترك عهد صاحبه.

وقال: ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ وأجيب بأن الرجل إذا جاع بحيث ضعف عن الطاعة أو أشرف على الهلاك لزمه الاستطعام ووجبت إجابته.

ولقائل أن يقول: لو كان قد بلغ الجوع إلى حدّ الهلاك لم يقو على إصلاح الجدار.

ولمجيب أن يقول: إنه أقام الجدار معجزة فقد يروى أنه مسحه بيده فقام واستوى.

وقيل: أقامه بعمود عمده به.

وقيل: نقضه وبناه.

وروي أنه كان ارتفاع الجدار مائة ذراع.

قال أهل الاعتبار: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حق.

ويحكى أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤا إلى رسول الله  بحمل الذهب فقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاء أي "فأتوا أن يضيفوهما" فامتنع رسول الله  عن ذلك.

قوله: ﴿ يريد أن ينقض ﴾ معناه يسرع سقوطه من انقض الطائر إذا هوى في طيرانه.

يقال: قضضته فانقض، ويحتمل أن يكون "افعل" من النقض كاحمرّ من الحمرة، فالنون تكون أصلية وإحدى الضادين مكررة زائدة عكس الأول.

واستعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة تشبيهاً للجماد بالأحياء نظيره ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب  ﴾ ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ .

ولما أقام الخضر الجدار ورأى موسى من الحرمان ومسيس الحاجة ﴿ قال ﴾ لصاحبه ﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ لطلبت على عملك جعلاً حتى نستدفع به الضرورة.

واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ على الأصح ﴿ قال ﴾ الخضر مشيراً إلى الفراق المتصور في قوله: ﴿ فلا تصاحبني ﴾ أو مشيراً إلى السؤال والاعتراض ﴿ هذا فراق بيني ﴾ الإضافة بمعنى في أي فراق أو سبب فراق في بيني ﴿ وبينك ﴾ وحكى القفال أن البين ههنا بمعنى الوصل.

ثم شرع في تقرير الحكم التي تضمنتها أفعاله وتلك الحكم تشترك في أصل واحد هو أنه أذا تعارض الضرر إن وجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى فقال: ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ قيل: كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة ﴿ يعملون في البحر ﴾ وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ وهو مسمى بجلندي والوراء ههنا بمعنى الأمام وقد مر في قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ  ﴾ وقيل: أراد خلفهم وكان طريقهم في الرجوع وما كان عندهم خبرة ﴿ يأخذ كل سفينة ﴾ أي غير معيبة ﴿ غصباً ﴾ ولا يخفى أن الضرر الحاصل من التخريق أهون من فوات السفينة بالكلية والتخريق، وإن كان تصرفاً في ملك الغير إلا أنه إذا تضمن نفعاً زائداً لم يكن به بأس.

ولعل مثل هذا التصرف كان جائزاً في تلك الشريعة، أو لعله كان من مخصوصات النبي  .

قال جار الله.

قوله: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ مسبب عن خوف الغصب عليها وكان حقه أن يتأخر عن السبب ولكنه قدم للعناية أي تتعجب من هذا وهو مرادي وأنا مأمور به.

وأيضاً خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كون السفينة للمساكين فتوسط إرادة العيب بين المسكنة والغصب كتوسط الظن بين المبتدأ والخبر في قولك "زيد ظني مقيم" في أنه يتعلق بالطرفين ﴿ وأما الغلام ﴾ فقد قيل: إنه كان بالغاً قاطع الطريق يقدم على الأفعال المنكرة وكان أبواه مضطرين إلى التعصب له والذب عنه فكانا يقعان في الفسق لذلك واحتمل أن يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد كما قال: ﴿ فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً ﴾ .

يقال: رهقة أي غشيه وأرهقه إياه.

وقيل: إنه كان صبياً إلا أنه  علم من حاله أنه لو صار بالغاً صدرت عنه هذه المفاسد، فأعلم الخضر بحاله وأمره بقتله لئلا يرتد الأبوان بسببه ومثل هذا لا يجوز إلا إذا تأكد الظن بالوحي.

وقيل: أراد فخفنا أن يغشى الوالدين طغياناً عليهما وكفراً بنعمتهما بعقوقه، أو خفنا أن يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر.

وجوزوا أن يكون قوله: ﴿ فخشينا ﴾ من كلام الله  أي كرهنا كراهة من خاف سوء عاقبة أمر فغيره.

والزكاة الطهارة والنقاء من الذنوب وكأنه بإزاء قول موسى نفساً زاكية.

والرحم الرحمة والعطف بمعنى الإشفاق على الأبوين.

يروى أنهما ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة من الأمم.

ويروى أنها ولدت سبعين نبياً.

وقيل: أبدلهما ابناً مؤمناً.

وقيل: اسم الغلام المقتول الحيسون وفي نسخة الحسين.

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين ﴾ .

قيل: اسمهما أصرم وصريم.

وقوله: ﴿ في المدينة ﴾ بعد قوله: ﴿ أتيا أهل قرية ﴾ فيه دلالة على أن القرية لا تنافي المدينة ومعنى الاجتماع والإقامة مراعى فيهما.

أما الكنز فقيل: هو المال لقوله: ﴿ ويستخرجا ﴾ ولأن المفهوم منه عند إطلاقه هو المال.

وقيل: صحف فيها علم لقوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ ودفن المال لا يليق بأهل الصلاح.

وعورض بقول قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا.

وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا.

وجمع بعضهم بين الأمرين فقال: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وفي قوله: ﴿ وكان أبوهما صالحاً ﴾ دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء.

عن جعفر بن محمد  : كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء، وذكر من صلاح أبيهما ان الناس كانوا يضعون الودائع عنده فيردها إليهم سالمة.

قالت العلماء: الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين بحال الكنز ووصيهما كان عالماً به إلا أنه غائب وقد أشرف الجدار على السقوط و ﴿ رحمة من ربك ﴾ مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله.

سؤال: لم قال في الأول: ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ وفي الثاني: ﴿ فأردنا ﴾ وفي الثالث ﴿ فأراد ربك ﴾ ؟

الجواب: لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه، وفي الثالث إنعام محض فأسنده إلى الله  ، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام من حيث التدبيل فجمع بين الأمرين.

ويمكن أن يقال: إن القتل كان منه ولكن إزهاق الروح كان من الله، ويحتمل أن يقال: الوحدة في الأول على الأصل، والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء بالمؤيدين بالعلوم الدينية، والإسناد إلى الله بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة الله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع ﴿ تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا، وأصل تسطع تستطيع كما في قوله: ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ﴾ إلا أن التاء حذفت لأجل التخفيف.

وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال.

عن رسول الله  : "رحم الله أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب" التأويل: ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق، وفيه أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميراً والآخر مأموراً، وأن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر بمقصوده، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب الحق.

ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة الحقيقية، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر الولاية سربا.

﴿ فلما جاوزا ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة أصاب قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن صحبة الشيخ ظاناً أن مقصوده يحصل من غير وساطة الشيخ.

هيهات فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد إلا إن أدركته العناية الأزلية ورد إليه صدق الإرادة فيقول: الرفيق التوفيق.

﴿ آتنا غداءنا ﴾ وهو همة الشيخ وبركة صحبته ﴿ لقد لقينا في سفرنا هذا ﴾ الذي جاوزنا صحبة الشيخ ﴿ نصباً ﴾ فقال رفيقه ﴿ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة ﴾ صخرة النفس وتسويلها ﴿ فإني نسيت ﴾ حوت القلب {قال ذلك ما كنا نبغي من حوت القلب الميت المملح بملح حب الدنيا وزينتها أن يتخذ سبيله في بحر ولاية شيخ كامل ﴿ فوجدا عبداً من عبادنا ﴾ حراً من رق غيرنا.

وفي قوله: ﴿ وعلمناه من لدنّا علماً ﴾ إشارة إلى أنه  أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه وإنما يحصل بتصفية النفس وتجريد القلب عن العلائق الجسمانية، وقد ذهب موسى إلى تعلم العلم فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علماً يمكن تعلمه، فبين علم الخضر وبين مقصد موسى تباين وتنافٍ فلهذا قال الخضر: ﴿ إنك لن تستطيع معي صبراً ﴾ وفي إظهار المسائل الثلاثة إشارة إلى ما قلنا من أن العلم الظاهر يباين العلم اللدني وليس من التعليم والتعلم في شيء، وإذا تأمل العاقل السالك في قول موسى: ﴿ هل أتبعك ﴾ الخ في قول الخضر.

﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني ﴾ الخ.

وجد أصول الشرائط التي شرطها الصوفية للمريد وللشيخ مودعة فيها، وفي تفصيلها طول وقد أشرنا في التفسير إلى طرف منها، ومن أراد الكل فعليه بمطالعة كتاب "آداب المريدين" للشيخ المحقق أبي النجيب السهروردي تغمده الله بغفرانه ﴿ حتى إذا ركبا في السفينة ﴾ هي سفينة الشريعة ﴿ خرقها ﴾ بهدم الناموس في الظاهر مع صلاح الحال في الباطن وفيما بينه وبين علام الغيوب، ومثل هذا قد يفعله كثير من المحققين طرداً للعوام وحذراً من التباهي والعجب ﴿ أخرقتها لتغرق أهلها ﴾ في أودية الضلال إذا اقتدوا بك ﴿ حتى إذا لقيا غلاماً ﴾ هو النفس الأمارة ﴿ فقتله ﴾ بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ حتى إذا أتيا أهل قرية ﴾ هي الجسد وهم القوى الإنسانية من الحواس وغيرها ﴿ استطعما أهلها ﴾ بطلب أفاعليها التي تختص بها ﴿ فأبوا أن يضيفوهما ﴾ بإعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها ﴿ فوجدا فيها جداراً ﴾ هو التعلق الحائل بين النفس الناطقة وبين عالم المجردات ﴿ يريد أن ينقض ﴾ بقطع العلاقة ﴿ فأقامه ﴾ بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس كما قيل: نفسك مطيتك فارفق بها.

﴿ لو شئت لاتخذت عليه أجراً ﴾ ثواباً جزيلاً أي لو شئت لصبرت على شدة الرياضة إلى إفاضة الأنوار ونيل الكشوف.

﴿ أما السفينة فكانت لمساكين ﴾ هم العوام الذين ﴿ يعملون في ﴾ بحر الدنيا وليس لهم في بر عالم الربوبية سير وسلوك حتى يصلوا إلى ملوك تحت أطمار ﴿ فأردت أن أعيبها ﴾ في الظاهر لتسلطهم بالإخلاص في البواطن ﴿ وكان وراءهم ملك ﴾ هو الشيطان ﴿ يأخذ كل سفينة ﴾ عبادة ﴿ غصباً ﴾ لأن كل عبادة تخلو عن الانكسار والذل والخشوع فإنها للشيطان لا للرحمن ﴿ وأما الغلام فكان أبواه ﴾ وهما القلب والروح ﴿ مؤمنين فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة ﴾ هو النفس المطمئنة ﴿ وأقرب رحماً ﴾ أي نسبة إلى الأبوين.

﴿ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين ﴾ هما النفس المطمئنة والملهمة ﴿ وكان تحته كنز لهما ﴾ هو حصول الكمالات النظرية والعملية ﴿ وكان أبوهما ﴾ وهو العقل المفارق ﴿ صالحاً ﴾ كاملاً بالفعل فلهذا ادخر لأجلهما ما ادخر ﴿ فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما ﴾ بتربية الشيخ وإرشاده على سبيل الرفق والمداراة ﴿ ويستخرجا ﴾ ما كان كامناً فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ...

﴾ الآية.

قال أهل التأويل: ﴿ لاۤ أَبْرَحُ ﴾ ، أي: لا أزال حتى أبلغ كذا، فإن كان على هذا فهو ظاهر، وإلا: حرف البراح، يعرف البراح عن المكان، أي: لا أبرح المكان حتى أبلغ مجمع البحرين، وهو كأنه على الإضمار، أي: لا أبرح أسير معك حتى أبلغ كذا، كأنه سبق من فتاه: أنه يسير إلى ذلك المكان دونه؛ على ما يقول الخادم لمولاه إذا أراد أن يسير لحاجة: أنا أسير، وأنا أذهب - فعند ذلك قال له موسى: ﴿ لاۤ أَبْرَحُ ﴾ ، أي: لا أفارقك، وأسير معك.

﴿ حَتَّىٰ أَبْلُغَ ﴾ .

ما ذكر، أي: أمرت بذلك.

وقال بعضهم: سماه: فتى؛ لأنه كان خادمه يخدمه.

وقال بعضهم: سمّاه: فتى؛ لأنه كان يتبعه ويصحبه؛ ليتعلم منه العلم.

وقوله: ﴿ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ .

أي: ملتقى البحرين.

وقوله: ﴿ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾ .

قيل: زمانا ودهراً، وقيل: الحقب: ثمانون سنة.

وقال بعضهم: هو بلغة قوم: سنة.

وقال بعضهم: هو على التمثيل: على ما يبعد.

وقيل: سبعون سنة، ونحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ .

أضاف النسيان إليهما، وإن كان الذي نسيه هو فتاه.

وقال بعضهم: أضاف النسيان إليهما على الترك؛ لأنهما فارقا ذلك المكان وتركا الحوت فيه، وإنما أضاف النسيان إليهما، لما تركاه جميعاً فيه وفارقاه، وإن كان الفتى هو الذي نسيه دون موسى [فقد نسي موسى] أن يستخبره عنه؛ فقد كان منهما جميعاً النسيان: من الفتى الإخبار والتذكير، ومن موسى: الاستخبار عن حاله.

وقال بعضهم: أضاف ذلك إليهما؛ لما نسيا مكان الرجل الذي أمر موسى أن يأتيه ويقتبس منه العلم، فهو على الجهل يخرج على هذا التأويل، أي: جهلا مكانه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً ﴾ .

قال أبو عوسجة: سرباً، أي: دخل في البحر كما يدخل في السرب، والسرب: هو داخل الأرض يقال بالفارسية: سمج.

وقال القتبي: سرباً، أي: مذهباً ومسلكاً.

وقول أهل التأويل: إن الحوت كان مشويّاً فأحياه الله.

وقال بعضهم: كان طريا.

ولكن ليس لنا إلى معرفة الحوت أنه كان مشويّاً أو طريّاً حاجة، وهو قادر على أن يحييه مشويّاً أو طريّاً في أي حال كان، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا ﴾ .

يعني: مكانه.

﴿ قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً ﴾ .

فيه دلالة: أن لا بأس للرجل إذا أصابته مشقة وجهد أن يذكر أصابني كذا، وللمريض يقول: بي من المرض كذا، ولا يخرج ذلك مخرج الشكوى والجزع عن الله؛ حيث قال موسى: ﴿ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً ﴾ : تعباً وجهداً.

وقوله: ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود: (أن أذكر له).

قال الحسن: لم يكن نسيه؛ ولكن تركه متعمداً مضيعاً، وإنما أضاف إلى الشيطان؛ يقول: إن الشيطان حملني حتى تركت ذكره لك، وكذلك يقول في قوله في قصة آدم: ﴿ فَنَسِيَ  ﴾ ، أي: ضيع أمره وتركه، ونحوه من المحال، ولكن لا يحتمل أن يترك أن يذكر له عمداً، والشيطان مما يسعى بالحيلولة في مثل هذا: في أمر الدّين، وفي النعم إذا كثرت واتسعت على إنسان؛ فيسعى بالإنساء في مثله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً ﴾ .

قال بعضهم: عجب موسى من الفتى أن كيف نسي أن يذكره، وقد احتاج إلى أن يتحمل مؤنة عظيمة في حمله؟!

وقال بعضهم: عجب موسى منه حين يبس له الماء وأثره فيه، والله أعلم.

ثم ذكر موسى بخبر الحوت، وما صنع فقال.

﴿ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ﴾ .

أي: نطلب من حاجتنا من الظفر بذلك الرجل، يقول ذلك لفتاه.

ثم في الآية وجوه من الفوائد: أحدها: أن يلزم الإنسان طلب العلم واقتباسه؛ إذ كان به وبالناس حاجة إليه، وإن بعدت الشقة ونأى الموضع؛ حيث قال موسى: ﴿ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾ .

وفيه: أن لا بأس لاثنين أن يسافرا ولا كل واحد واثنين يكونان شيطانين، على ما ذكر في بعض الأخبار: "إِنَّ الوَاحِدَ شَيْطَان، والاثْنَيْنِ شَيْطَانَانِ" ، ولكن واحداً دون واحد، واثنين دون اثنين.

وفي: أنه لا يسافر إلا بالزاد؛ حيث تزود موسى والفتى الحوت الذي ذكر حين خرجا إلى حيث أمر موسى أن يخرج في مجمع البحرين: فأمَّا أهل التأويل فإنهم قالوا جميعاً: إنه أمر موسى أن يأتي الخضر؛ ليتعلم منه العلم، ولكن ليس في القرآن ذكر الخضر؛ إنما فيه ذكر عبد من عباده؛ حيث قال: ﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ ﴾ .

وفيه: أن الثنيا إنما تلزم في كل فعل مستقبل مما يشك فيه ويرتاب، فأما ما كان سبيل معرفته الوحي واليقين - فإنه لا يستثنى فيه حيث قال موسى لفتاه ﴿ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾ : قال ذلك من غير ثنيا؛ لأنه - عز وجل - أمره أن يأتيه، ولا يحتمل أن يؤمر بالإتيان في مكان، ثم هو يشك أنه لعله لا يأتيه؛ لذلك قطع القول فيه، وكذلك قول ذلك العبد الصالح لموسى: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ : قطع القول فيه من غير ثنيا؛ لأنه علم بالوحي أنه لا يصبر على ما يرى منه، وأمَّا موسى فإنه قد استثنى فيما وعد أنه يصبر؛ لأنه أضاف إلى حادث من الأوقات على الشك منه أنه يصبر أو لا يصبر، وعلى الارتياب ليس على اليقين، فقال: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً ﴾ مما ذكرنا.

وفيه: أن الرجل إذا اختلف إلى عالم يقتبس منه العلم ويتعلم منه، فرأى منه مناكير ومظالم - يلزمه أن يفارقه، ولا يتعلم منه العلم؛ كصنيع موسى بصاحبه؛ لما رأى؛ من خرق السفينة، وقتل الغلام، وغيره مما كان منكرا وظلما في الظاهر، وإن كان ما فعل هو فعل الأمر كره موسى صحبته، وندم على ذلك أشدّ الندامة حتى جعله على علم من ذلك كله، فهكذا الواجب على الرجل إذا رأى مناكير من الذي يأخذ منه العلم ومظالم أن يفارقه ولا يأخذ من علمه، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً ﴾ دلالة أن الاختيار والمستحب في الثنيا أن يكون في ابتداء الكلام؛ لأن موسى ابتدأ به، وكذلك قوله: ﴿ وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ  ﴾ ، فإذا تركه في أول كلامه أو نسي يستثنى في آخره؛ فيعمل عمله في دفع الخلف في الوعد والكذب، وعلى هذا تأوّل بعض النّاس قوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ  ﴾ ، أي: استثن في آخره إذا نسيت في أوّل كلامك، والله أعلم.

ثم هذه القصص والأنباء التي ذكرت لرسول الله على أثر سؤال كان منهم، على ما ذكرنا في قصة أصحاب الكهف وغيرها من القصص، أو على غير سؤال، ولكن كانت في كتبهم؛ فذكرها له ليعلم أنه إنما عرف بالله  .

ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي أمر موسى على طلب العلم من عند ذلك الرجل وبعثه عليه.

قال بعضهم: وذلك أن موسى قام خطيباً في قومه، فخطب خطبة لم يخطب قط مثلها؛ فأعجبه ذلك، فوقع عنده أن ليس أحد أعلم منه؛ فأخبر أن في مجمع البحرين رجلا أعلم منك؛ فأمر بالمصير إليه والتعلم منه.

وقال بعضهم: لا، ولكن موسى قد أعطي التوراة، وفيها علوم كثيرة؛ فظن أنه ليس أحد أعلم منه؛ فأخبر: أن في مجمع البحرين عبداً من عبادنا أعلم منك؛ فأمر بالمصير إليه.

والتعلم منه؛ فإن كان على ما ذكر أهل التأويل من السبب فيخرج الأمر له بالمصير إليه والتعلم منه مخرج العقوبة له والعتاب لما خطر بباله ووقع في وهمه ما وقع.

وجائز أن يكون الأمر له بالمصير إليه والتعلم منه ابتداء؛ محنة من الله -  - إياه بتعلم العلم من غير سبب كان [من] موسى على ما يؤمر المرء بتعلم العلم ابتداء من غير سبب؛ محنة من الله يمتحنه بها؛ نحو ما أمر موسى بالمصير إلى طور سيناء، وأعطي هنالك التوراة في الألواح على غير سبب كان منه، ولكن ابتداء محنة يمتحنه بها؛ فعلى ذلك يحتمل أمره له بالمصير إلى ما أمر والتعلم منه ابتداء محنة يمتحنه بها.

وقول أهل التأويل: إن صاحب موسى الذي أمر موسى بالمصير إليه والتعلم منه - الخضر، وفتاه الذي كان يصحبه ويتبعه يوشع بن نون، فذلك لا يعلم إلا بالسمع والخبر عمن يوحى إليه؛ فيعلمه بالوحي، وأمَّا من أخبر بذلك وقاله لا عن وحي - فلا يعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ إنما الحاجة إلى معرفة ما أودع فيه من أنواع الحكمة والعلوم، وأما ما ذكروا أنه فلان، وأنه كان في موضع كذا في البحر، وأن موسى قال له كذا، وهو قال لموسى كذا - فإن سبيل معرفة ذلك السمع، فإن ثبت السمع فيه، وإلا: لم يجب أن يذكر فيه أكثر مما ذكر في الكتاب؛ لأن هذه الأنباء والقصص التي ذكرت في القرآن إنما ذكرت؛ لتكون آية لرسالة نبينا محمد  فلو قيل فيها ما لم يذكر في كتبهم من الزيادة والنقصان - لكان ذلك سبباً لإكذابه لا تصديقه على ما يدعي من الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ﴾ .

أي: فقد الحوت هو ما كنا نبغي أنه كان ذلك علما لوجود مكان ذلك الرَّجل.

وقوله: ﴿ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً ﴾ .

قال بعضهم، أي: رجعا عودهما على بدئهما.

[و]قال بعضهم: أي: رجعا يقصان طريقهما وآثارهما الذي مشيا فيه يطلبان المكان الذي فقد الحوت فيه؛ إذ ذلك المكان هو مكان علم وجود ذلك الرجل الذي أمر موسى بالمصير إليه.

وقال بعضهم: اقتفيا أثر الحوت في الماء، لكن الأول أشبه؛ لأن في الآية ذكر آثارهما لا ذكر أثر الحوت.

وقوله: ﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ النبوة؛ حيث قال لموسى: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ : لا يحتمل أن يقول له هذا إلا على علم وحي، وحيث قال: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ : أخبر أنه لم يفعل ما فعل عن أمر نفسه، ولكن أمر الله، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ كل خير وبركة أعطاها الله إياه.

أو أن يكون رحمة القلب والشفقة التي كانت منه على أهل السفينة؛ بخرقها، وقتل ذلك الغلام الذي قتله؛ إشفاقاً منه على والديه أو على الناس، وإقامة الجدار الذي كاد أن ينقض فأقامه، وأمثاله.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ﴾ : هو ظاهر.

وقوله: ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ ﴾ .

في قوله: ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ ﴾ دلالة أنه كان على سفر، ولم يكن مقيماً في ذلك المكان، ومن يتعلم من آخر علماً فإنه يتبعه حث يذهب هو في حوائجه لا يؤمر بالمقام حيث يقيم المتعلم؛ لأنه قال: ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ ﴾ .

وقوله: ﴿ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾ .

يحتمل: أي: أرشدني إلى ما علمت، أو تعلمني مما علمت من الرشد والصواب.

وقوله -  -: ﴿ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ .

بما ترى مني من الأمور ما يخرج في الظاهر مخرج المناكير.

أو يقول: إنك نبي ورسول، والرسول إذا رأى منكرا في الظاهر لا يسع له ترك الإنكار عليه والتغيير، وأنت لا تصبر على ما ترى مني؛ لما لم تعرف سببه؛ ألا ترى أنه وسع له الإنكار عليه والتغيير؛ حيث قال له: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾ .

أي: ما لم تعلم علماً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً ﴾ .

يحتمل أن الثنيا منه على الأمرين جميعاً على الصبر الذي وعد، وعلى قوله: ﴿ وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً ﴾ ، ويشبه أن يكون على وعد الصبر خاصة دون قوله: ﴿ وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ وَلاَ أَعْصِي لَكَ ﴾ عهد منه، والثنيا لا يستعمل في العهود، وأما قوله: ﴿ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً ﴾ إنما هو فعل أضافه إلى نفسه، فلا بد من أن يستثني فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ ﴾ ، ما تنكره نفسك وتكرهه، ﴿ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ﴾ أني لماذا فعلت ما فعلت؟.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما تعديا ذلك المكان، قال موسى  لخادمه: آتنا طعام الغُدوة، لقد لقينا من سفرنا هذا تعبًا شديدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.Xj6q5"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده