الآية ٨٤ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٨٤ من سورة الكهف

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ سَبَبًۭا ٨٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٤ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٤ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( إنا مكنا له في الأرض ) أي : أعطيناه ملكا عظيما متمكنا ، فيه له من جميع ما يؤتى الملوك ، من التمكين والجنود ، وآلات الحرب والحصارات ؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض ، ودانت له البلاد ، وخضعت له ملوك العباد ، وخدمته الأمم ، من العرب والعجم ؛ ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين ؛ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها .

وقوله : ( وآتيناه من كل شيء سببا ) : قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، والسدي ، وقتادة ، والضحاك ، وغيرهم : يعني علما .

وقال قتادة أيضا في قوله : ( وآتيناه من كل شيء سببا ) قال : منازل الأرض وأعلامها .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله : ( وآتيناه من كل شيء سببا ) قال : تعليم الألسنة ، كان لا يغزو قوما إلا كلمهم بلسانهم .

وقال ابن لهيعة : حدثني سالم بن غيلان ، عن سعيد بن أبي هلال ؛ أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار : أنت تقول : إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا ؟

فقال له كعب : إن كنت قلت ذلك ، فإن الله تعالى قال : ( وآتيناه من كل شيء سببا ) .

وهذا الذي أنكره معاوية ، رضي الله عنه ، على كعب الأحبار هو الصواب ، والحق مع معاوية في الإنكار ؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب : " إن كنا لنبلو عليه الكذب " يعني : فيما ينقله ، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحيفته ، ولكن الشأن في صحيفته ، أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق ولا حاجة لنا مع خبر الله ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى شيء منها بالكلية ، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض .

وتأويل كعب قول الله : ( وآتيناه من كل شيء سببا ) واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحيفته من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق ؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك ، ولا إلى الترقي في أسباب السماوات .

وقد قال الله في حق بلقيس : ( وأوتيت من كل شيء ) [ النمل : 23 ] أي : مما يؤتى مثلها من الملوك ، وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب ، أي : الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي وكسر الأعداء ، وكبت ملوك الأرض ، وإذلال أهل الشرك .

قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببا ، والله أعلم .

وفي " المختارة " للحافظ الضياء المقدسي ، من طريق قتيبة ، عن أبي عوانة عن سماك بن حرب ، عن حبيب بن حماز قال : كنت عند علي ، رضي الله عنه ، وسأله رجل عن ذي القرنين : كيف بلغ المشارق والمغارب ؟

فقال سبحان الله سخر له السحاب ، وقدر له الأسباب ، وبسط له اليد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُل ّشَيْء سَبَبًا (84) وقوله: ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) يقول: إنا وطأنا له في الأرض، ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) يقول وآتيناه من كل شيء، يعني ما يتسبب إليه وهو العلم به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) يقول: علما.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) أي علما.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال : قال ابن زيد ، في قوله ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) قال: من كلّ شيء علما..

- حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) قال: علم كلّ شيء.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) علما.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) يقول: علما.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا مكنا له في الأرض قال علي - رضي الله عنه - : ( سخر له السحاب ، ومدت له الأسباب ، وبسط له في النور ، فكان الليل والنهار عليه سواء ) وفي حديث عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجال من أهل الكتاب سألوه عن ذي القرنين فقال : إن أول أمره كان غلاما من الروم فأعطي ملكا فسار حتى أتى أرض مصر فابتنى بها مدينة يقال لها الإسكندرية فلما فرغ أتاه ملك فعرج به فقال له انظر ما تحتك قال أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها فقال له الملك تلك الأرض كلها وهذا السواد الذي تراه محيطا بها هو البحر وإنما أراد الله - تعالى - أن [ ص: 420 ] يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا فيها فسر في الأرض فعلم الجاهل وثبت العالم الحديث .قوله تعالى : وآتيناه من كل شيء سببا قال ابن عباس : ( من كل شيء علما يتسبب به إلى ما يريد ) وقال الحسن : بلاغا إلى حيث أراد .

وقيل : من كل شيء يحتاج إليه الخلق .

وقيل : من كل شيء يستعين به الملوك من فتح المدائن وقهر الأعداء .

وأصل السبب الحبل فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 84 و 85 :ـ{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ْ} أي: ملكه الله تعالى، ومكنه من النفوذ في أقطار الأرض، وانقيادهم له.

{ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا ْ} أي: أعطاه الله من الأسباب الموصلة له لما وصل إليه، ما به يستعين على قهر البلدان، وسهولة الوصول إلى أقاصي العمران، وعمل بتلك الأسباب التي أعطاه الله إياها، أي: استعملها على وجهها، فليس كل من عنده شيء من الأسباب يسلكه، ولا كل أحد يكون قادرا على السبب، فإذا اجتمع القدرة على السبب الحقيقي والعمل به، حصل المقصود، وإن عدما أو أحدهما لم يحصل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( إنا مكنا له في الأرض ) أوطأنا ، والتمكين : تمهيد الأسباب .

قال علي : سخر له السحاب فحمله عليها ، ومد له في الأسباب ، وبسط له النور ، فكان الليل والنهار عليه سواء ، فهذا معنى تمكينه في الأرض وهو أنه سهل عليه السير فيها وذلل له طرقها .

( وآتيناه من كل شيء ) أي : أعطيناه من كل شيء يحتاج إليه الخلق .

وقيل : من كل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء .

( سببا ) أي : علما يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض ، والسبب : ما يوصل الشيء إلى الشيء .

وقال الحسن : بلاغا إلى حيث أراد .

وقيل : قربنا إليه أقطار الأرض .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا مكنا له في الأرض» بتسهيل السير فيها «وآتيناه من كل شيء» يحتاج إليه «سببا» طريقا يوصله إلى مراده.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا مكَّنَّا له في الأرض، وآتيناه من كل شيء أسبابًا وطرقًا، يتوصل بها إلى ما يريد مِن فَتْح المدائن وقهر الأعداء وغير ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما أعطاه الله لذى القرنين من نعم فقال : ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً ) .وقوله : ( مكنا ) من التمكين بمعنى إعطائه الوسائل التى جعلته صاحب نفوذ وسلطان فى أقطار الأرض المختلفة .

والمفعول محذوف ، أى : إنا مكنا له أمره من التصرف فيها كيف يشاء .

بأن أعطيناه سلطانا وطيد الدعائم ، وآتيناه من كل شئ أراده فى دنياه لتقوية ملكه ( سببا ) أى سبيلا وطريقا يوصله إلى مقصوده ، كآلات السير ، وكثرة الجند ، ووسائل البناء والعمران .وهذه الأسباب التى أعطاها الله إياه ، لم يرد حديث صحيح بتفصيلها ، فعلينا أن نؤمن بأن الله - تعالى - قد أعطاه وسائل عظيمة لتدعيم ، ملكه ، دون أن نلتفت إلى ما ذكره هنا بعض المفسرين من إسرائيليات لا قيمة لها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وفيها مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذي القرنين وعن الروح فالمراد من قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين ﴾ هو ذلك السؤال.

المسألة الثانية: اختلف الناس في أن ذا القرنين من هو وذكروا فيه أقوالاً: الأول: أنه هو الاسكندر بن فيلبوس اليوناني قالوا والدليل عليه أن القرآن دل على أن الرجل المسمى بذي القرنين بلغ ملكه إلى أقصى المغرب بدليل قوله: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  ﴾ وأيضاً بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس  ﴾ وأيضاً بلغ ملكه أقصى الشمال بدليل أن يأجوج ومأجوج قوم من الترك يسكنون في أقصى الشمال، وبدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في كتب التواريخ إنه مبني في أقصى الشمال فهذا الإنسان المسمى بذي القرنين في القرآن قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق وهذا هو تمام القدر المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط لا شك أنه على خلاف العادات وما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلداً على وجه الدهر وأن لا يبقى مخفياً مستتراً، والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملوك الروم بعد أن كانوا طوائف ثم جمع ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون والقبط والبربر.

ثم توجه نحو دارا بن دارا وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه فاستولى الإسكندر على ممالك الفرس ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.

فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية، أو ما يقرب منها، وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني ثم ذكروا في سبب تسميته بهذا الاسم وجوهاً: الأول: أنه لقب بهذا اللقب لأجل بلوغه قرني الشمس أي مطلعها ومغربها كما لقب أردشير بن بهمن بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد.

والثاني: أن الفرس قالوا: إن دارا الأكبر كان قد تزوج بابنة فيلبوس فلما قرب منها وجد منها رائحة منكرة فردها على أبيها فيلبوس وكانت قد حملت منه بالإسكندر فولدت الإسكندر بعد عودها إلى أبيها فبقي الإسكندر عند فيلبوس وأظهر فيلبوس أنه ابنه وهو في الحقيقة ابن دارا الأكبر قالوا والدليل عليه أن الإسكندر لما أدرك دارا بن دارا وبه رمق وضع رأسه في حجره وقال لدارا: يا أبي أخبرني عمن فعل هذا لأنتقم لك منه!

فهذا ما قاله الفرس قالوا وعلى هذا التقدير فالإسكندر أبوه دارا الأكبر وأمه بنت فيلبوس فهو إنما تولد من أصلين مختلفين الفرس والروم وهذا الذي قاله الفرس إنما ذكروه لأنهم أرادوا أن يجعلوه من نسل ملوك العجم حتى لا يكون ملك مثله من نسب غير نسب ملوك العجم وهو في الحقيقة كذب، وإنما قال الإسكندر لدارا يا أبي على سبيل التواضع وأكرم دارا بذلك الخطاب.

والقول الثاني: قال أبو الريحان الهروي المنجم في كتابه الذي سماه بالآثار الباقية عن القرون الخالية، قيل: إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر بن عبير بن أفريقش الحميري فإنه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال: قد كان ذو القرنين قبلي مسلما *** ملكاً علا في الأرض غير مفندي بلغ المشارق والمغارب يبتغي *** أسباب ملك من كريم سيد ثم قال أبو الريحان ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن وهم الذين لا تخلو أساميهم من ذي كذا كذي النادي وذي نواس وذي النون وغير ذلك.

والقول الثالث: أنه كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة، وإن كنا لا نعرف أنه من هو ثم ذكروا في تسميته بذي القرنين وجوهاً: الأول: سأل ابن الكوا علياً رضي الله عنه عن ذي القرنين وقال أملك هو أم نبي فقال: لا ملك ولا نبي كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي بذي القرنين وملك ملكه.

الثاني: سمي بذي القرنين لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس.

الثالث: قيل كان صفحتا رأسه من نحاس.

الرابع: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

الخامس: (كان) لتاجه قرنان.

السادس: عن النبي صلى الله عليه وسلم سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني شرقها وغربها.

السابع: كان له قرنان أي ضفيرتان.

الثامن: أن الله تعالى سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتمده الظلمة من ورائه.

التاسع: يجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.

العاشر: رأى في المنام كأنه صعد الفلك فتعلق بطرفي الشمس وقرنيها وجانبيها فسمي لهذا السبب بذي القرنين.

الحادي عشر: سمي بذلك لأنه دخل النور والظلمة.

والقول الرابع: أن ذا القرنين ملك من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين فقال: اللهم اغفر.

أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسموا بأسماء الملائكة!

فهذا جملة ما قيل في هذا الباب، والقول الأول أظهر لأجل الدليل الذي ذكرناه وهو أن مثل هذا الملك العظيم يجب أن يكون معلوم الحال عند أهل الدنيا والذي هو معلوم الحال بهذا الملك العظيم هو الإسكندر فوجب أن يكون المراد بذي القرنين هو هو إلا أن فيه إشكالاً قوياً وهو أنه كان تلميذ أرسططاليس الحكيم وكان على مذهبه فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسططاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل إليه، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اختلفوا في ذي القرنين هل كان من الأنبياء أم لا؟

منهم من قال: إنه كان نبياً واحتجوا عليه بوجوه: الأول: قوله: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض ﴾ والأولى حمله على التمكين في الدين والتمكين الكامل في الدين هو النبوة.

والثاني: قوله: ﴿ وآتيناه مِن كُلّ شَيء سَبَباً ﴾ ومن جملة الأشياء النبوة فمقتضى العموم في قوله: ﴿ وآتيناه مِن كُلّ شَيء سَبَباً ﴾ هو أنه تعالى آتاه في النبوة سبباً.

الثالث: قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ والذي يتكلم الله معه لابد وأن يكون نبياً ومنهم من قال إنه كان عبداً صالحاً وما كان نبياً.

المسألة الرابعة: في دخول السين في قوله: ﴿ سَأَتْلُواْ ﴾ معناه إني سأفعل هذا إن وفقني الله تعالى عليه وأنزل فيه وحياً وأخبرني عن كيفية تلك الحال، وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض ﴾ فهذا التمكين يحتمل أن يكون المراد منه التمكين بسبب النبوة ويحتمل أن يكون المراد منه التمكين بسبب الملك من حيث إنه ملك مشارق الأرض ومغاربها والأول أولى لأن التمكين بسبب النبوة أعلى من التمكين بسبب الملك وحمل كلام الله على الوجه الأكمل الأفضل أولى ثم قال: ﴿ وآتيناه مِن كُلّ شَيء سَبَباً ﴾ قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود وهو يتناول العلم والقدرة والآلة فقوله: ﴿ وآتيناه مِن كُلّ شَيء سَبَباً ﴾ معناه: أعطيناه من كل شيء من الأمور التي يتوصل بها إلى تحصيل ذلك الشيء ثم إن الذين قالوا: إنه كان نبياً قالوا: من جملة الأشياء النبوة فهذه الآية تدل على أنه تعالى أعطاه الطريق الذي به يتوصل إلى تحصيل النبوة، والذين أنكروا كونه نبياً قالوا: المراد به وآتيناه من كل شيء يحتاج إليه في إصلاح ملكه سبباً، إلا أن لقائل أن يقول: إن تخصيص العموم خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا بدليل، ثم قال: ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ ومعناه أنه تعالى لما أعطاه من كل شيء سببه فإذا أراد شيئاً أتبع سبباً يوصله إليه ويقربه منه قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو فاتبع بتشديد التاء، وكذلك ثم اتبع أي سلك وسار والباقون فأتبع بقطع الألف وسكون التاء مخففة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ذو القرنين: هو الإسكندر الذي ملك الدنيا.

قيل: ملكها مؤمنان: ذو القرنين، وسليمان.

وكافران: نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمرود.

واختلف فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وقيل: نبياً.

وقيل: ملكاً من الملائكة.

وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللَّهم غفراً ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علي رضي الله عنه.

سخر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور وسئل عنه فقال: أحبه الله فأحبه.

وسأله ابن الكوّا: ما ذو القرنين أملك أم نبيّ؟

فقال: ليس بملك ولا نبيّ، ولكن كان عبداً صالحاً، ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمي ذو القرنين وفيكم مثله.

قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها» وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وعن وهب: لأنه ملك الروم وفارس.

وروي: الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشاً لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره.

والسائلون: هم اليهود سألوه على جهة الامتحان.

وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ لأحد الفريقين ﴿ مِن كُلّ شَيْء ﴾ أي من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه ﴿ سَبَباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سبباً، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سبباً.

وقرئ: ﴿ فأتبع ﴾ قرئ: ﴿ حمئة ﴾ ، من حمئت البئر إذا صار فيها الحمأة.

وحامية بمعنى حارّة.

وعن أبي ذرّ: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجمل، فرأى الشمس حين غابت فقال: (يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه؟) فقلت: الله ورسوله أعلم.

قال (فإنها تغرب في عين حامية)، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن.

وقرأ ابن عباس: حمئة.

وكان ابن عباس عند معاوية؛ فقرأ معاوية: حامية فقال ابن عباس: حمئة.

فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟

قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار.

كيف تجد الشمس تغرب؟

قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة.

وروي: في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: فَرَأَى مَغِيبَ الشّمْسِ عِنْدَ مَآبِهَا ** فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَاطٍ حَرْمَدِ أي في عين ماء ذي طين وحمإ أسود، ولا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعه للوصفين جميعاً.

كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم فقال: أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك: فذلك هو المعذب في الدارين ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ ﴾ ما يقتضيه الإيمان ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ وقيل: خيّره بين القتل والأسر، وسماه إحساناً في مقابلة القتل ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ فله أن يجازي المثوبة الحسنى.

أو فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة.

وقرئ: ﴿ فله جزاء الحسنى ﴾ أي: فله الفعلة الحسنى جزاء.

وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر.

ومن آمن أعطاه وكساه ﴿ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ أي لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر، كقوله: ﴿ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ [الإسراء: 28] وقرئ: ﴿ يُسُراً ﴾ ، بضمتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ أيْ مَكَّنا لَهُ أمْرَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها كَيْفَ شاءَ فَحُذِفَ المَفْعُولُ.

﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أرادَهُ وتَوَجَّهَ إلَيْهِ.

﴿ سَبَبًا ﴾ وصِلَةً تُوَصِّلُهُ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والآلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض} جعلنا له فيها مكان واعتلاء {وآتيناه مِن كُلّ شَىْء} أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه {سَبَباً} طريقاً موصلاً إليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ شُرُوعٌ في تِلاوَةِ الذِّكْرِ المَعْهُودِ حَسْبَما هو المَوْعُودُ، والتَّمْكِينُ هاهُنا الإقْدارُ وتَمْهِيدُ الأسْبابِ، يُقالُ مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ كَنَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ وفَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ مَعْنى الأوَّلِ جَعَلَهُ قادِرًا ومَعْنى الثّانِي جَعَلَ لَهُ قُدْرَةً وقُوَّةً، ولِتَلازُمِهِما في الوُجُودِ وتَقارُبِهِما في المَعْنى يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَحَلِّ الآخَرِ، وهَكَذا إذا كانَ التَّمْكِينُ مَأْخُوذًا مِنَ المَكانِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ مِيمِهِ أصْلِيَّةً، والمَعْنى: إنّا جَعْلْنا لَهُ مُكْنَةً وقُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ في الأرْضِ مِن حَيْثُ التَّدْبِيرُ والرَّأْيُ وكَثْرَةُ الجُنُودِ والهَيْبَةُ والوَقارُ، وقِيلَ: تَمْكِينُهُ في الأرْضِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَخَّرَ لَهُ السَّحابَ ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ وبَسَطَ لَهُ النُّورَ فَكانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءً وفي ذَلِكَ أثَرٌ ولا أراهُ يَصِحُّ، وقِيلَ: تَمْكِينُهُ بِالنُّبُوَّةِ وإجْراءِ المُعْجِزاتِ، ورَوى القَوْلَ بِنُبُوَّتِهِ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي الوَرْقاءِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُقاتِلٌ ووافَقَهُ الضَّحّاكُ ويُعارِضُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ أبِي عاصِمٍ في السُّنَّةِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الفَضْلِ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيًّا كانَ أمْ مَلِكًا؟

قالَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا ولَكِنْ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ تَعالى فَأحَبَّهُ ونَصَحَ اللَّهَ تَعالى فَنَصَحَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: ذُو القَرْنَيْنِ بَلَغَ السَّدَّيْنِ وكانَ نَذِيرًا ولَمْ أسْمَعْ بِحَقٍّ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، وإلى أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وتَوَقَّفَ بَعْضُهم لِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ( قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ما أدْرِي أتُبَّعٌ كانَ لَعِينًا أمْ لا، وما أدْرِي أذُو القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيًّا أمْ لا؟

وما أدْرِي الحُدُودُ كَفّاراتٌ لِأهْلِها أمْ لا» ؟

) وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا النَّفْيَ لَمْ يَكُنْ لِيَسْتَمِرَّ لِرَسُولِ اللَّهِ  فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ دَرى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما بَعْدُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا عَنْ سَماعٍ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: «سُئِلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ أنَبِيٌّ هُوَ؟

فَقالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم  يَقُولُ هو عَبْدٌ ناصِحٌ اللَّهَ تَعالى فَنَصَحَهُ» ﴿ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أرادَهُ مِن مُهِمّاتِ مُلْكِهِ ومَقاصِدِهِ المُعَلَّقَةِ بِسُلْطانِهِ (سَبَبًا) أيْ طَرِيقًا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ وهو كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ مِن عِلْمٍ أوْ قُدْرَةٍ أوْ آلَةٍ لا العِلْمِ فَقَطْ وإنْ وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ في بَعْضِ الآثارِ، ومِن بَيانِيَّةٌ والمُبَيَّنُ سَبَبًا، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ مِن أسْبابِ كُلِّ شَيْءٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأسْبابُ العادِيَّةُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى التَّقْدِيرِ المَذْكُورِ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ أسْبابٌ لا سَبَبٌ وسَبَبانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَعْلِيلِيَّةً فَلا تَقْدِيرَ، واخْتارَهُ بَعْضُهم فَتَأمَّلْ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وكان اسمه اسكندر.

وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: لم سمي ذا القرنين؟

فقال: «اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: لأنه ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، وقال بعضهم: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، فسماه الملك الذي عند قاف ذا القرنين، ويقال: رأى في المنام أنه دنا من الشمس وأخذ منها، فقصَّ رؤياه على قومه فسموه ذا القرنين» ، وقال الزجاج: «سمي ذا القرنين لأنه كان له ضفيرتان» .

وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: «ضرب على قرني رأسه، وقيل: لأنه بلغ قطر الأرض» وقال عكرمة: «كان ذو القرنين نبياً، ولقمان نبياً» ، والخضر نبياً، وروى مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «كان ذو القرنين نبياً» ، وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين، فقال: كان رجلا صالحا، وهكذا قال ابن عباس وجمعة من الصحابة: «أن ذا القرنين كان رجلاً صالحاً، ولقمان كان رجلا حكيما» ، وروي عن رسول الله  أنه سئل عن ذي القرنين فقال: «هو ملك يسيح في الأرض» وقال مجاهد: ملك الأرض أربعة، اثنان مؤمنان واثنان كافران.

أما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما الكافران فالنمرود بن كنعان وبختنصر.

قال تعالى: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، أي: خبراً وعلماً من الله تعالى.

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، أي ملكناه وأعطيناه وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً، أي علماً.

ويقال: أعطيناه علم الوصول إلى كل شيء يحتاج إليه من الحروف وغيرها، ويقال: علماً بالطريق فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي أخذ طريقاً فسار إلى المغرب، حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر حَامِئَةٍ بالألف، وقرأ الباقون حَمِئَةٍ بغير ألف.

فمن قرأ حَامِئَةٍ يعني: جائرة، ومن قرأ بغير ألف يعني: من طينة سوداء منتنة.

وروي أن معاوية قرأ في عين حامة فقال ابن عباس: ما نقرؤها إلا حمئة، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟

فقال: كما قرأتها.

قال ابن عباس: «في بيتي نزل القرآن» ، فبعث معاوية إلى كعب يسأله: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟

قال: «في ماء وطين وقال: في مدرة سوداء» .

قال القتبي حَمِئَةٍ ذات حمات، والحامية حارّة.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع فَأَتْبَعَ بتشديد التاء وكذلك ما بعده، وقرأ الباقون فأتبع بنصب الألف وجزم التاء بغير تشديد.

وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، أي عند العين التي تغرب فيها الشمس مؤمنين وكافرين، فظهر عليهم.

قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قال مقاتل: أوصى الله تعالى إليه، وقال ابن عباس: ألهمه الله تعالى.

إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ، يعني: أن تقتل من كان كافراً وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، يعني: تنعم عليهم وتغفر لمن كان مؤمناً.

وقال بعضهم: كانوا كلهم كفاراً، قيل له: إما أن تعذب من لم يؤمن، وإما أن تتخذ فيهم حسنا لمن آمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معناه، وقال الداوديّ: كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذَهَبٌ وفِضَّة» انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحَدٍ معه، فاللَّه أعلم أيَّ ذلك كَانَ.

وقوله سبحانه: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ظاهر اللفظِ، والسابقُ منه إِلى الذهنِ أنه والدهما دِنْيَةً «١» ، وقيل: هو الأب السابعُ، وقيل: العاشر، فَحُفِظَا فيه، وفي الحديثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ في ذُريتِهِ» ، وقول الخضر: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، يقتضي أنه نَبِيٌّ، وقد اختلف فيه، فقيل: هو نبيٌّ، وقيل: عَبْدٌ صالح، وليس بنبيٍّ وكذلك اختلف في موته وحياته، واللَّه أعلم بجميع ذلك، ومما يقضي بموت الخضر قوله صلّى الله عليه وسلّم:

«أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن إلى رأس مائة مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ على ظَهْرِ الأَرضِ أحد» «٢» .

قال القرطبيُّ في «تذكرته» : وذكر عن عمرو بن دِينَارٍ: الخَضِرُ وإِلياسُ عليهما السلام حَيَّانِ، فإِذا رفع القرآن ماتا/ قال القرطبيُّ: وهذا هو الصحيحُ انتهى، وحكاياتُ مَنْ رأَى الخَضِرَ من الأولياء لا تحصَى كثرةٍ فلا نطيلُ بَسْردها، وانظر «لطائِفَ المِنَن» لابن عطاء اللَّه.

وقوله: ذلِكَ تَأْوِيلُ: أي مآل، وحكى السُّهَيْليُّ أنه لما حان للخَضِر وموسى أن يفترقا، قال له الخَضر: لو صَبَرْتَ، لأَتَيْتَ عَلَى أَلْفِ عَجَبٍ، كلُّها أعجبُ ممَّا رأَيْتَ، فبكى موسى، وقالَ للخَضِر: أوْصِنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فقال: يا مُوسَى، اجْعَلْ همَّك في معادِكَ، ولا تَخُضْ فيما لا يَعْنِيك، ولا تأمَنْ مِنَ الخوفِ في أمْنِكَ، ولا تَيْئَس من الأمن في خوفك، وتدَّبر الأمورَ في علانيتِكَ، ولا تَذَر الإحسانَ في قُدْرتك، فقال له موسى: زِدْنِي يرحمك اللَّه، فقال له الخَضِر: يا مَوسَى، إِياكَ واللَّجَاجَةُ، ولا تَمْش في غير حَاجَةٍ، ولا تَضْحَكْ من غَيْر عَجَبٍ، ولا تعير أحداً، وابكِ على خطيئتك يا بن عمران.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ...

الآية: «ذو القرنين» ، هو المَلِكُ الإسْكَنْدَرُ اليُونَانِيُّ، واختلف في وَجْه تسميته ب «ذي القَرْنَيْنِ» وأحسنُ ما قيل فيه: أنه كان ذا ظفيرتين، من شَعْرهما قرناه، والتمكينُ له في الأرض: أنه مَلَكَ الدنيا، ودانَتْ له الملوك كلها، وروي أن جميع من مَلَكَ الدنيا كلَّها أربعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وكافران فالمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرَانِ: نُمْرُود، وبُخْتَ نَصَّرَ.

وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً معناه: علْماً في كل أمْرٍ، وأقيسةً يتوصَّل بها إِلى معرفة الأشياء، وقوله: كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ معناه الخصوص في كلِّ ما يمكنه أنْ يعلمه ويحتاجُ إلَيْه، وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي: طريقاً مسلوكةً، وقرأ نافع وابن كثير «١» :

وحفص عن عاصم: «في عَيْنٍ حِمِئَة» ، أي: ذاتِ حَمْأة، وقرأ الباقون: «في عَيْنٍ حَامِيَةٍ» ، أي: حارَّة، وذهب «٢» الطبريُّ إلى الجمع بين الأمرين، فقال: يحتملُ أن تكون العين حارَّة ذاتَ حَمْأة واستدلَّ بعضُ الناس على أن ذا القرنين نبيّ بقوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، ومن قال: إنه ليس بنبيٍّ، قال كانت هذه المقالةُ مِنَ اللَّهِ له بإِلهامِ.

قال ع «٣» : والقول بأنه نبيّ ضعيف، وإِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ معناه: بالقَتْلِ على الكُفْر، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي: إِن آمنوا، وذهب الطبري «٤» إِلى أنَّ اتخاذه الحُسْن هو الأسْرُ مع كُفْرهم، ويحتمل أنْ يكون الاتخاذ ضَرْبَ الجزية، ولكنْ تقسيم ذي القرنين بعد هذا الأمْر إِلى كفر وإيمان يردُّ هذا القول بعض الردّ، وظَلَمَ في هذه الآية:

بمعنى كَفَر، وقوله: عَذاباً نُكْراً، أي: تنكره الأوهام، لعظمه، وتستهوله، والْحُسْنى يراد بها الجَنَّة.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطُّرُق المؤدِّية إِلى مَقْصِده، وكان ذو القرنَيْن، على ما وقع في كُتُب التاريخ يَدُوسُ الأرض بالجيوش الثّقال،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  ﴾ .

واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ.

والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ.

والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ.

والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.

وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ.

الخامِسُ: لِأنَّهُ مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ.

والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ.

والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ.

والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ.

والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.

واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.

وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ.

ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.

والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ.

﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ ؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها.

قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ.

وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ.

ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ.

وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ.

[ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ.

ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً.

وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ.

ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا ﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ.

ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟

وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] .

وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ.

﴿ قالَ أمّا مَن ظَلَمَ ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا ﴾ بِالنّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ.

قالَ الفَرّاءُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ : الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ  ﴾ ، و ﴿ دِينُ القَيِّمَةِ  ﴾ ، ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا ﴾ ؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن سَألَهُ عن هَذِهِ القِصَّةِ، فَقِيلَ: سَألَتْهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَوى في ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ حَدِيثًا ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وقِيلَ: إنَّما سَألَتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ دَلَّتْها اليَهُودُ عَلى سُؤالِهِ عَنِ الرُوحِ والرَجُلِ الطَوّافِ وفَتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ لِيَقَعَ امْتِحانُهُ بِذَلِكَ.

وذُو القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ المَقْدُونِيُّ، وقَدْ تُشَدَّدُ قافُهُ فَيُقالُ: المَقَّدُونِيُّ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ أنَّهُ يُونانِيٌّ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: هو رُومِيٌّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  أنَّ ذا القَرْنَيْنِ شابٌّ مِنَ الرُومِ، وهو حَدِيثٌ واهِيُ السَنَدِ، عن شَيْخَيْنِ مَن تَجِيبُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَأحْسَنُ الأقْوالِ أنَّهُ كانَ ذا ضِفِيرَتَيْنِ مَن شَعْرٍ هُما قَرْناهُ، فَسُمِّي بِهِما، ذَكَرَهُ المَهْدَوْيُّ وغَيْرُهُ، والضَفائِرُ قُرُونُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَثَمَتْ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ شُرْبَ النَزِيفِ لِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ ومِنهُ الحَدِيثُ في غَسْلِ بِنْتِ النَبِيِّ  ، قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: « "فَضَفَرْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ قُرُونَ"،» وكَثِيرًا تَجِيءُ تَسْمِيَةُ النَواصِي قُرُونًا.

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ مُلْكِهِ يَرى في نَوْمِهِ أنَّهُ يَتَناوَلُ الشَمْسَ ويُمْسِكُ قَرْنَيْنِ لَها بِيَدَيْهِ، فَقَصَّ ذَلِكَ، فَفَسَّرَ أنَّهُ سَيُغْلَبُ عَلى ما ذَرَّتْ عَلَيْهِ وسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ بَلَغَ المَغْرِبَ والمَشْرِقَ، فَكَأنَّهُ حازَ قَرْنَيِ الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّهُ بَلَغَ مَطْلَعَ الشَمْسِ كَشَفَ بِالرُؤْيَةِ قَرْنَيْها فَسَمِّي بِذَلِكَ، أو قَرْنَيِ الشَيْطانِ بِها، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ جَنَبَتَيْ رَأسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ أيْضًا: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بَعِيدٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ فَماتَ، ثُمَّ حَيِيَ، ثُمَّ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ الآخَرِ فَماتَ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ جُرِحَ عَلى قَرْنَيْ رَأْسِهِ جُرْحَيْنِ عَظِيمَيْنِ في يَوْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أيّامِ حَرْبِهِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أُبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَرِيبٌ.

والتَمْكِينُ لَهُ في الأرْضِ أنَّهُ مَلَكَ الدُنْيا ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ كُلُّها، فَرُوِيَ أنَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الدُنْيا أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ، فالمُؤْمِنانِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرانِ نَمْرُوذُ وبَخْتَنْصَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ مَعْناهُ: عَلْمًا في كُلِّ أمْرٍ، وأقْيِسَةً يَتَوَصَّلُ بِها إلى مَعْرِفَةِ الأشْياءِ.

وقَوْلُهُ: " كُلِ شَيْءٍ " عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ ويَحْتاجُ إلَيْهِ، وثَمَّ لا مَحالَةَ أشْياءَ لَمْ يُؤْتَ مِنها سَبَبًا يَعْلَمُها بِهِ.

واخْتُلِفَ في ذِي القَرْنَيْنِ، فَقِيلَ: هو نَبِيٌّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ -بِفَتْحِ اللامِ-، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمَعَ رَجُلًا يَدْعُو آخَرَ: يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ: أما كَفاكم أنْ تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ حَتّى تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ المَلائِكَةِ؟

ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ عنهُ فَقالَ: "مَلَكٌ مَسَحَ الأرْضَ مِن تَحْتِها بِالأسْبابِ"،» وقِيلَ: هو عَبْدُ مَلِكٌ -بِكَسْرِ اللامِ- صالِحٌ نَصَحَ لِلَّهِ فَأيَّدَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ: "فِيكُمُ اليَوْمَ مِثْلُهُ"، وعَنى بِذَلِكَ نَفْسَهُ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "فاتَّبَعَ سَبَبا" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَأتْبَعَ سَبَبا" بِسُكُونِ التاءِ، عَلى وزْنٍ أفْعَلُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَذَلِكَ "تَبِعَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أتْبَعُ" بِقَطْعِ الألْفِ عِبارَةٌ عَنِ المُجِدِّ المُسْرِعِ الحَثِيثِ الطَلَبِ، و"اتَّبَعَ" إنَّما يَتَضَمَّنُ مَعْنى الِاقْتِفاءِ دُونَ هَذِهِ القَرائِنِ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَقْرَأ هَذا القائِلُ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ النَقّاشُ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، وإذا تَأمَّلْتَ "اتَّبَعَ" بِشَدِّ التاءِ لِمْ يَرْتَبِطْ لَكَ هَذا المَعْنى ولا بُدَّ.

و"السَبَبُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الطَرِيقُ المَسْلُوكَةُ؛ لِأنَّها سَبَبُ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، أيْ: ذاتُ حُماةٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، والباقُونَ: "فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ"، أيْ حارَةٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ في قِراءَةَ ذَلِكَ مُعاوِيَةُ وابْنُ عَبّاسٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "حَمِئَةٍ"، وقالَ مُعاوِيَةُ: "حامِيَةٍ"، فَبَعَثا إلى كَعْبِ الأحْبارِ لِيُخْبِرَهم بِالأمْرِ كَيْفَ هو في التَوْراةِ، فَقالَ لَهُما: أمّا العَرَبِيَّةُ فَأنْتُما أعْلَمُ بِها مِنِّي، ولَكِنِّي أجِدُ في التَوْراةِ أنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ ثَأْطٍ، والثَأْطُ: الطِينُ، فَلَمّا انْفَصَلا قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوَدِدْتُ أبا العَبّاسِ فَكُنْتُ أُنْجِدُكَ بِشِعْرٍ تُبَّعَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ في ذِكْرِ ذِي القَرْنَيْنِ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ مَلِكًا تَدِينُ لَهُ المُلُوكُ ويُحْشَدُ بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ ∗∗∗ أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ فَرَأى مَغِيبَ الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وثَأْطِ حَرْمَدَ فالخُلُبُ: الطِينُ، والثَأْطُ: الحُمْأةُ، والحَرْمَدُ: الأسْوَدُ، ومَن قَرَأ: "حامِيَةٍ" وجْهُها إلى الحَرارَةِ، ورُوِيَ «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  نَظَرَ إلى الشَمْسِ وهي تَغِيبُ فَقالَ: "فِي نارِ اللهِ الحامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنَ اللهِ لَأحْرَقَتْ ما عَلى الأرْضِ".»«وَرَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللهِ  نَظَرَ إلى الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها فَقالَ: "أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ يا أبا ذَرٍّ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: إنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ"،» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ هُنالِكَ حارَةٌ، و"حامِيَةٌ" هي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وعَمْرُو بْنِ العاصِ، وابْنِهِ، وابْنِ عُمَرَ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حارَةً ذاتَ حَمْأةٍ، فَكُلُّ قِراءَةٍ وصْفٌ بِصِفَةٍ مِن أحْوالِها، وذَهَبَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ إلى أنْ "فِي" بِمَنزِلَةِ "عِنْدَ"، كَأنَّها مَسامَّتَهُ مِنَ الأرْضِ فِيما يَرى الرائِي لِعَيْنٍ حَمِئَةٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: ﴿ فِي عَيْنٍ ﴾ إنَّما المُرادُ أنْ ذا القَرْنَيْنِ كانَ فِيها، أيْ: هي آخِرِ الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ، واللهُ أعْلَمُ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ "حامِئَةٍ" مَهْمُوزَةً، بِمَعْنى: ذاتُ حَمْأةٍ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ ﴾ ، ومَن قالَ إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَ: كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ اللهِ بِإلْهامٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ، ﴿ وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ بِالحَمْلِ عَلى الإيمانِ واتِّباعِ الهُدى، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ لا تُعْطِها إلّا إحْدى خُطَّتَيْنِ: إمّا أنْ تَكْفُرَ فَتُعَذِّبُها، وإمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُحْسِنُ إلَيْها.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "اتِّخاذَ الحُسْنِ" هو الأسْرُ مَعَ كُفْرِهِمْ، فالمَعْنى -عَلى هَذا- أنَّهم كَفَرُوا ولا بُدَّ، فَخَيَّرَهُ اللهُ تَعالى بَيْنَ قَتْلِهِمْ أو أسْرِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الِاتِّخاذُ" ضَرْبَ الجِزْيَةِ.

ولَكِنَّ تَقْسِيمَ ذِي القَرْنَيْنِ بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلى كُفْرٍ أو إيمانٍ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ بَعْضَ الرَدِّ، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح هذه القصة ب ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ ﴾ يدلّ عل أنها مما نزلت السورة للجواب عنه كما كان الابتداء بقصة أصحاب الكهف اقتضاباً تنبيهاً على مثل ذلك.

وقد ذكرنا عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي ﴾ في سورة الإسراء (85) عن ابن عباس: أن المشركين بمكة سألوا النبي ثلاثة أسئلة بإغراء من أحبار اليهود في يثرب.

فقالوا: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها كلها فليس بنبيء.

وإن أجاب عن بعضها وأمسك عن بعض فهو نبيء؟.

وبيّنا هنالك وجه التعجيل في سورة الإسراء النازلة قبل سورة الكهف بالجواب عن سؤالهم عن الروح وتأخير الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين إلى سورة الكهف.

وأعقبنا ذلك بما رأيناه في تحقيق الحق من سَوق هذه الأسئلة الثلاثة في مواقع مختلفة.

فالسائلون: قريش لا محالة، والمسؤول عنه: خبر رجل من عظماء العالم عرف بلقب ذي القرنين، كانت أخبار سيرته خفيّة مُجملة مغلقة، فسألوا النبي عن تحقيقها وتفصيلها، وأذن له الله أن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في شؤون الصلاح والعدل، وفي عجيب صنع الله تعالى في اختلاف أحوال الخلق، فكان أحْبار اليهود منفردين بمعرفة إجمالية عن هذه المسائل الثلاث وكانت من أسرارهم فلذلك جَرّبوا بها نبوءة محمد.

ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة عبرة حِكميةً أو خُلقيةً فلذلك قال الله: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِنهُ ذِكراً}.

والمراد بالسؤال عن ذي القرنين السؤال عن خبره، فحذف المضاف إيجازاً لدلالة المقام، وكذلك حذف المضاف في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ أي من خبره و(مِن) تبعيضية.

والذكر: التذكر والتفكر، أي سأتلو عليكم ما به التذكر، فجعل المتلو نفسه ذكراً مبالغة بالوصف بالمصدر، ولكن القرآن جاء بالحق الذي لا تخليط فيه من حال الرجل الذي يوصف بذي القرنين بما فيه إبطال لما خلط به الناس بين أحوال رجال عظماء كانوا في عصور متقاربة أو كانت قصصهم تُساق مساق من جاسوا خلال بلاد متقاربة متماثلة وشوهوا تخليطهم بالأكاذيب، وأكثرهم في ذلك صاحب الشاهنامة الفردوسي وهو معروف بالأكاذيب والأوهام الخرافية.

اختلف المفسرون في تعيين المسمى بذي القرنين اختلافاً كثيراً تفرقت بهم فيه أخبار قصصية وأخبار تاريخية واسترواح من الاشتقاقات اللفظية، ولعل اختلافهم له مزيد اتصال باختلاف القصّاصين الذين عُنوا بأحوال الفاتحين عناية تخليط لا عناية تحقيق فراموا تطبيق هذه القصة عليها.

والذي يجب الانفصال فيه بادئ ذي بدء أن وصفه بذي القرنين يتعين أن يكون وصفاً ذاتياً له وهو وصف عربي يظهر أن يكون عرف بمدلوله بين المثيرين للسؤال عنه فترجموه بهذا اللفظ.

ويتعين أن لا يحمل القرنان على الحقيقة، بل هما على التشبيه أو على الصورة.

فالأظهر أن يكونا ذُؤابتين من شعر الرأس متدليتين، وإطلاق القرن على الضفيرة من الشعر شائع في العربية، قال عُمر بن أبي ربيعة: فلثمت فاها آخذاً بقُرونها *** شُرب النزيف ببرَد ماء الحشرج وفي حديث أم عطية في صفة غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم قالت أم عطية: «فجعلنا رأسها ثلاثة قرون»، فيكون هذا الملك قد أطال شعر رأسه وضفره ضفيرتين فسمي ذا القرنين، كما سمّي خِربَاق ذا اليدين.

وقيل: هما شبه قرني الكبش من نحاس كانا في خوذة هذا الملك فنُعت بهما.

وقيل: هما ضربتان على موضعين من رأس الإنسان يشبهان منبتي القرنين من ذوات القرون.

ومن هنا تأتي الأقوال في تعيين ذي القرنين، فأحد الأقوال: إنه الإسكندر بن فيليبوس المقدوني.

وذكروا في وجه تلقيبه بذي القرنين أنه ضفر شعره قرنين.

وقيل: كان يلبس خوذة في الحرب بها قرنان، وقيل: رسم ذاته على بعض نقوده بقرنين في رأسه تمثيلاً لنفسه بالمعبود (آمون) معبود المصريين وذلك حين ملَك مصر.

والقول الثاني: إنه ملك من ملوك حمير هو تُبّع أبو كرب.

والقول الثالث: أنه ملك من ملوك الفرس وأنه (أفريدون بن أثفيان بن جمشيد).

هذه أوضح الأقوال، وما دونها لا ينبغي التعويل عليه ولا تصحيح روايته.

ونحن تجاه هذا الاختلاف يحق علينا أن نستخلص من قصته في هذه الآية أحوالاً تقرّب تعيينه وتزييف ما عداه من الأقوال، وليس يجب الاقتصار على تعيينه من بين أصحاب هذه الأقوال بل الأمر في ذلك أوسع.

وهذه القصة القرآنية تعطي صفات لا محيد عنها: إحداها: أنه كان ملكاً صالحاً عادلاً.

الثانية: أنه كان ملهَماً من الله.

الثالثة: أن مُلكه شمل أقطاراً شاسعة.

الرابعة: أنه بلغ في فتوحه من جهة المغرب مكاناً كان مجهولاً وهو عين حَمئة.

الخامسة: أنه بلغ بلاد يأجوج ومأجوج، وأنها كانت في جهة مما شمله ملكه غير الجهتين الشرقية والغربية فكانت وسطاً بينهما كما يقتضيه استقراء مبلغ أسبابه.

السادسة: أنه أقام سدّاً يحول بين ياجوج وماجوج وبين قوم آخرين.

السابعة: أن ياجوج وماجوج هؤلاء كانوا عائثين في الأرض فساداً وأنهم كانوا يفسدون بلاد قوم موالين لهذا الملك.

الثامنة: أنه كان معه قوم أهل صناعة متقنة في الحديد والبناء.

التاسعة: أن خبره خفيّ دقيق لا يعلمه إلاّ الأحبار علماً إجمالياً كما دل عليه سبب النزول.

وأنت إذا تدبرت جميع هذه الأحوال نفيت أن يكون ذو القرنين إسكندر المقدوني لأنه لم يكن ملكاً صالحاً بل كان وثنياً فلم يكن أهلاً لتلقي الوحي من الله وإن كانت له كمالات على الجملة، وأيضاً فلا يعرف في تاريخه أنه أقام سُدّاً بين بلدَين.

وأما نسبة السد الفاصل بين الصين وبين بلاد ياجوج وماجوج إليه في كلام بعض المؤرخين فهو ناشئ عن شهرة الإسكندر، فتوهم القصاصون أن ذلك السد لا يكون إلاّ من بنائه، كما توهم العرب أن مدينة تَدمر بناها سليمان عليه السلام.

وأيضاً فإن هيرودوتس اليوناني المؤرخ ذكر أن الإسكندر حارب أمة (سكيثوس).

وهذا الاسم هو اسم ماجوج كما سيأتي قريباً.

وأحسب أن لتركيب القصة المذكورة في هذه السورة على اسم اسكندر المقدوني أثراً في اشتهار نسبة السد إليه.

وذلك من أوهام المؤرخين في الإسلام.

ولا يعرف أن مملكة إسكندر كانت تبلغ في الغرب إلى عين حمئة، وفي الشرق إلى قوم مجهولين عُراة أو عديمي المساكِن، ولا أن أمته كانت تلقبه بذي القرنين.

وإنما انتحل هذا اللقب له لما توهموا أنه المعْنيّ بذي القرنين في هذه الآية، فمنحه هذا اللقب من مخترعات مؤرخي المسلمين، وليس رسم وجهه على النقود بقرنين مما شأنه أن يلقب به.

وأيضاً فالإسكندر كانت أخباره مشهورة لأنه حارب الفرس والقبط وهما أمّتان مجاورتان للأمة العربية.

ومثل هذه المبطلات التي ذكرناها تتأتى لإبطال أن يكون الملكُ المتحدث عنه هو أفريدون، فإما أن يكون من تبابعة حمير فقد يجوز أن يكون في عصر متوغل في القدم.

وقد توهم بعض المفسرين أنه كان معاصراً إبراهيم عليه السلام وكانت بلاده التي فتحها مجهولة المواقع.

ولكن يبعد أن يكون هو المراد لأن العرب لا يعرفون من خبره مثل هذا، وقد ظهر من أقوالهم أنّ سبب هذا التوهم هو وجود كلمة (ذو) التي اشتهر وجود مثلها في ألقاب ملوك اليمن وتبابعته.

فالذي يظهر لي أن ذا القرنين كان ملكاً من ملوك الصين لوجوه: أحدها: أن بلاد الصين اشتهر أهلها منذ القدم بأنهم أهل تدبير وصنائع.

الثاني: أن معظم ملوكهم كانوا أهل عدل وتدبير للمملكة.

الثالث: أن من سماتهم تطويل شعر رؤوسهم وجعلها في ضفيرتين فيظهر وجه تعريفه بذي القرنين.

الرابع: أن سُداً ورَدْماً عظيماً لا يعرف له نظير في العالم هو موجود بين بلاد الصين وبلاد المَغُول، وهو المشهور في كتب الجغرافيا والتاريخ بالسور الأعظم، وسيرد وصفه.

الخامس: ما روت أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة فقال: «ويل للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من رَدم ياجوج وماجوج هكذا» وأشار بعقد تسعين (أعني بوضع طرف السبابة على طرف الإبهام).

وقد كان زوال عظمة سلطان العرب على يد المغول في بغداد فتعين أن ياجوج وماجوج هم المغول وأن الردم المذكور في القرآن هو الردم الفاصل بين بلاد المغول وبلاد الصين وبانيه ملك من ملوكهم، وأن وصفه في القرآن بذي القرنين توصيف لا تلقيب فهو مثل التعبير عن شَاول ملك إسرائيل باسم طالوت.

وهذا الملك هو الذي بنى السدّ الفاصل بين الصين ومنغوليا.

واسم هذا الملك (تْسِينْشِي هْوَانْفتي) أو (تْسِينْ شِي هْوَانْقْ تِي).

وكان موجوداً في حدود سنة سبع وأربعين ومائتين قبل ميلاد المسيح فهو متأخر عن إسكندر المقدوني بنحو قرن.

وبلاد الصين في ذلك العصر كانت متدينة بدين (كنفيشيوس) المشرع المصلح، فلا جرم أن يكون أهل شريعته صالحين.

وهذا الملك يؤخذ من كتب التاريخ أنه ساءت حالته في آخر عمره وأفسد كثيراً وقتل علماء وأحرق كتباً، والله أعلم بالحقيقة وبأسبابها.

ولما ظن كثير من الناس أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو إسكندر بن فيليبوس نحلوه بناء السدّ.

وزعموه من صنعه كما نحلوه لقب ذي القرنين.

وكل ذلك بناء أوهام على أوهام ولا أساس لواحِد منهما ولا علاقة لإسكندر المقدوني بقصة ذي القرنين المذكورة في هذه السورة.

والأمر في قوله ﴿ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم ﴾ إذن من الله لرسوله بأن يَعد بالجواب عن سؤالهم عملاً بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ على أحد تأويلين في معناه.

والسين في قول ﴿ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم ﴾ لتحقيق الوعد كما في قوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربّي ﴾ في سورة يوسف (98).

وجعل خبر ذي القرنين تلاوة وذكراً للإشارة إلى أن المهم من أخباره ما فيه تذكير وما يصلح لأن يكون تلاوةً حسب شأن القرآن فإنّه يُتلى لأجل الذكر ولا يُساق مساق القصص.

وقوله مِنْهُ ذِكْراً} تنبيه على أن أحواله وأخباره كثيرة وأنهم إنما يهمهم بعض أحواله المفيدة ذكراً وعظة.

ولذلك لم يقل في قصة أهل الكهف: نحن نقصّ عليك من نبئهم، لأن قصتهم منحصرة فيما ذكر، وأحوال ذي القرنين غير منحصرة فيما ذكر هنا.

وحرف (من) في قوله ﴿ مِنْهُ ذِكْراً ﴾ للتبعيض باعتبار مضاف محذوف، أي من خبره.

والتمكين: جعل الشيء متمكناً، أي راسخاً، وهو تمثيل لقوّة التصرف بحيث لا يزعزع قوته أحد.

وحق فعل (مكنّا) التعدية بنفسه، فيقال: مكّناه في الأرض كقوله ﴿ مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ﴾ [الأنعام: 6].

فاللام في قوله: مَكَّنَّا لَهُ في الأَرْضِ } للتوكيد كاللام في قولهم: شكرت له، ونصحت له، والجمْع بينهما تفنن.

وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿ مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ﴾ [الأنعام: 6].

فمعنى التمكين في الأرض إعطاء المقدرة على التصرف.

والمراد بالأرض أهل الأرض، والمراد بالأرض أرض معينة وهي أرض مُلكه.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ﴾ [يوسف: 56].

والسبب: حقيقته الحبل، وأطلق هنا على ما يتوسل به إلى الشيء من علم أو مقدرة أو آلات التسخير على وجه الاستعارة كقوله تعالى: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ في سورة البقرة (166).

و كُلّ شَيْءٍ } مستعمل هنا في الأشياء الكثيرة كما تقدم في نظائره غير مرة منها قوله تعالى: ﴿ ولو جاءتهم كل آية ﴾ [يونس: 97] أي آتيناه وسائل أشياء عظيمة كثيرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ﴾ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ كانَ نَبِيًّا؟

فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ فَتَحَ اللَّهُ عَلى يَدِهِ الأرْضَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلَكًا، ولَكِنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ وأحَبَّهُ اللَّهُ، وناصِحٌ لِلَّهِ فَناصَحَهُ اللَّهُ، وضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَمَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ دَعاهم إلى الهُدى فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَرْنانِ كَقَرْنَيِ الثَّوْرِ.

واخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِقَرْنَيْنِ في جانِبَيْ رَأْسِهِ عَلى ما حَكى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ ضَفِيرَتانِ فَسُمِّيَ بِهِما ذُو القَرْنَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ بَلَغَ طَرَفَيِ الأرْضِ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَسُمِّيَ لِاسْتِيلائِهِ.

عَلى قَرْنَيِ الأرْضِ ذُو القَرْنَيْنِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ دَنا مِنَ الشَّمْسِ حَتّى أخَذَ بِقَرْنَيْها في شَرْقِها وغَرْبِها، فَقَصَّ رُؤْياهُ عَلى قَوْمِهِ فَسُمِّيَ ذُو القَرْنَيْنِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

وَحَكى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ بْنِ مَعَدٍّ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مَرْدُبَةَ اليُونانِيُّ ولَدُ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ.

وَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: كانَ رُومِيًّا اسْمُهُ الإسْكَنْدَرُوسُ.

قالَ ابْنُ هِشامٍ: هو الإسْكَنْدَرُ وهو الَّذِي بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِاسْتِيلائِهِ عَلى مُلْكِها.

الثّانِي: بِقِيامِهِ بِمَصالِحِها.

﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَنْتَسِبُ بِهِ إلى إرادَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: ما يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى لِقاءِ المُلُوكِ وقَتْلِ الأعْداءِ وفَتْحِ البِلادِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: وجَعَلْنا لَهُ مِن كُلِّ أرْضٍ ولِيَها سُلْطانًا وهَيْبَةً.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ قال: علماً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأتبع سبباً ﴾ قال: المنزل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ قال: علماً.

من ذلك تعليم الألسنة، كان لا يعرف قوماً إلا كلمهم بلسانهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه، أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: تقول أن ذا القرنين كان يربط خيله بالثنايا؟

قال له كعب رضي الله عنه: إن كنت قلت ذاك فإن الله قال: ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ قال: منازل الأرض وأعلامها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأتبع سبباً ﴾ قال: منزلاً وطرفاً من المشرق إلى المغرب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأتبع سبباً ﴾ قال: هذه لأن الطريق كما قال فرعون لهامان ﴿ ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب ﴾ [ غافر: 36] أسباب السموات، طريق السموات.

قال: والشيء يكون اسمه واحداً وهو متفرق في المعنى.

وقرأ ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ [ البقرة: 166] قال: أسباب الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال على -  -: (سخر الله له السحاب فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط له النور وكان الليل والنهار (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ قال علي عن أبي طلحة عن ابن عباس: (علما) (٤) (٥) وقال أبو إسحاق: (أي آتيناه من كل شيء يبلغ به في التمكن أقطار الأرض) (٦) ﴿ سَبَبًا ﴾ أي: علما يوصله إلى حيث يريد.

قال المبرد: (وكل ما وصل شيئًا بشيء فهو سبب) (٧) ﴿ سَبَبًا ﴾ أي: علما ومعونة) (٨) (١) قوله: (والنهار)، ساقط من نسخة: (س).

(٢) "معالم التنزيل" 5/ 198، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113، "روح المعاني" 16/ 30.

(٣) في (ص): (أين شاء).

(٤) "جامع البيان" 16/ 8، "زاد المسير" 5/ 185، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 48، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 104.

(٥) "جامع البيان" 16/ 8، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113، "الدر المنثور" 4/ 445.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 308.

(٧) ذكره بلا نسبة الأزهري في "تهذيب اللغة" (سب) 3/ 1605، "لسان العرب" (سبب) 4/ 1909.

(٨) ذكرت كتب التفسير نحوه.

انظر: "بحر العلوم" 2/ 310، "معالم التنزيل" 5/ 198، "لباب التأويل" 4/ 229، "القرطبي" 11/ 48، "التفسير الكبير" 21/ 165.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين ﴾ السائلون اليهود، أو قريش بإشارة اليهود، وذو القرنين هو الإسكندر الملك، وهو يوناني وقيل رومي وكان رجلاً صالحاً، وقيل كان نبياً، وقيل كان ملكاً بفتح اللام والصحيح أنه ملك بكسر اللام واختلف لم سمي ذو القرنين فقيل: كان له ضفيرتان من شعرهما قرناه، فسمي بذلك وقيل: لأنه بلغ المشرق والمغرب وكأنه حاز قرني الدنيا ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض ﴾ التمكين له أنه ملك الدنيا ودانت له الملوك كلهم ﴿ وآتيناه مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ أي علماً وفهما، يتوصل به إلى معرفة الأشياء والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو غير ذلك ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ أي طريقاً يوصله ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ قرئ بالهمز على وزن فعلة أي ذات حمأة وقرئ بالياء على وزن فاعله وقد اختلف في ذلك معاوية وابن عباس فقال ابن عباس: حمئة وقال معاوية حامية فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهما بالأمر فقال: أما العربية فأنتما أعلما بها مني، ولكني أجد في التوارة أنها تغرب في ماء وطين فوافق ذلك قراءة ابن عباس ومعنى ﴿ حَامِيَةٌ ﴾ [الغاشية: 4] حارة، ويحتمل أن يكون بمعنى حمية ولكن سهلت همزته ويتفق معنى القراءتين.

وقد قيل: يمكن أن يكون فيها حمئة ويكون حارة لحرارة الشمس فتكون جامعة للموضعين، ويجتمع معنى القراءتين ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين ﴾ استدل بهذا من قال إن ذا القرنين نبي لأن هذا القول وحي ويحتمل أن يكون بإلهام فلا يكون فيه دليل على نبوته ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ كانوا كفاراً فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإسلام، فيحسن إليهم وقيل: الحسن هنا هو الأسر، وجعله حسناً بالنظر إلى القتل ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ اختار أن يدعوهم إلى الإسلام، فمن تمادى على الكفر قتله ومن أسلم أحسن إليه، والظلم هنا الكفر والعذاب القتل وأراد بقوله: عذاباً نكرا عذاب الآخرة ﴿ فَلَهُ جَزَآءً الحسنى ﴾ المراد بالحسنى الجنة أو الأعمال الحسنة ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ وعدهم بأن ييسر عليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.

﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.

يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.

﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.

الآخرون بضمها.

﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.

﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.

والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.

الآخرون بفتح الصاد والدال.

﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.

وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.

وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.

وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.

يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.

قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.

فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.

قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.

والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.

وروي عن النبي  أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.

وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.

ويروى الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.

وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.

وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.

وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.

ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وعن علي  : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.

وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟

فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.

قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.

وقيل: كان نبياً لقوله  : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.

وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.

قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله  وأنزل فيه وحياً.

والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.

والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.

ثم إنه  شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.

"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله  على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .

فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.

وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟

فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.

أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.

روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.

ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.

وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.

حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.

فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.

وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.

فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.

وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.

الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.

الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.

الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.

ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.

وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.

فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.

وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.

وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.

سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟

وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.

وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.

وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.

وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.

ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.

أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.

وقيل: يأكلون لحومهم.

وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.

وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.

وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم  ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.

وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.

قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.

من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.

ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.

﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.

وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.

يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.

وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.

وعن رسول الله  أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟

قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.

قال: قد والله رأيته.

قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه  صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.

﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.

ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.

ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.

ثم شرع  في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.

ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.

ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.

وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.

وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.

ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.

ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.

وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.

وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.

ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟

وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.

والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.

ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.

قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.

وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي  أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة  ﴾ وروي عنه  أن منهم أهل حروراء.

وعن مجاهد: أهل الكتاب.

والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.

وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.

وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.

وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.

والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.

عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.

وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.

وعن النبي  : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.

نبه على كمال حال القرآن.

والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".

والمدد والمداد واحد.

يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً  ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً  ﴾ فنزلت هذه الآية.

يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.

قالت الأشاعرة: إن كلام الله  واحد.

واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله  .

وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله  .

وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.

وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.

قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.

أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه  أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.

ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .

وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.

واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.

"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله  : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .

وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.

قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.

والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.

قال في الكشاف: عن رسول الله  : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.

ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه  : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.

﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله  فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.

﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.

﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ .

في الآية دلالة أن الآية نزلت على رسول الله  قبل أن يسأل هو عن خبر ذي القرنين؛ لأنه قال ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ ، ولم يقل: "سألوك"، والخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني يدل على ذلك، أيضاً؛ لأنه روى "أن نفراً من أهل الكتاب جاءوا بالصحف والكتب، فقالوا لي: استأذن لنا على رسول الله: لندخلن عليه؛ فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم؛ فقال رسول الله  : مَالِي وَلَهُمْ يَسْأَلُونَ عما لا أعلمُ، إنما أنا عبدٌ لا علم لي إلا ما علّمني ربّي، ثم قال: أَبغني وضوءً أتوضأ به، فتوضأ، ثم قام إلى مسجد في بيته، فركع فيه ركعتين، فما انصرف حتى بدا لي السّرور في وجهه، ثم قال لي: اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي، فأدخلهم فلما رآهم النبي قال لهم: إن شئتم أخبرتكم كما تجدونه في كتابكم" ؛ فهذا إن ثبت يدل أنه نزل عليه نبأ ذي القرنين وخبره قبل أن يسأل.

وأما أهل التأويل قالوا جميعاً: إنه سئل قبل أن ينزل عليه خبره، ثم نزل من بعد السؤال، والله أعلم.

ثم اختلف فيه: قال الحسن: كان نبيّاً، دليله: ما قال: ﴿ قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ؛ قال: هذا تحكيم من الله إياه فيما ذكر، ولا يولي الحكم إلا من كان نبيّاً.

وأما علي بن أبي طالب فإنه سئل عن ذلك: كان نبيا أو ملكاً؟

فقال: لا واحد منهما.

وقال غير هؤلاء: إنه كان ملكا؛ يدل على ذلك الخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني: "أن رسول الله  سئل عن خبره وبنائه، قال: فقال رسول الله: كان غلاماً من الروم أعطي ملكا فسار حتى بلغ كذا..." ، على ما ذكر في الخبر، والأشبه أن يكون أنه كان ملكا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: ملكنا له الأرض له جملة، ذكر تمكين الأرض له جملة يصنع فيها ما يشاء، لم يخص له ناحية منها دون ناحية، وليس كقوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً...

﴾ الآية [القصص: 57]، وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ  ﴾ : هاهنا خص مكانا لهم دون مكان، وأما في ذي القرنين ذكر التمكين له في الأرض، لم يخص ناحية منها دون ناحية؛ فهو أن ملكه ومكنه الأرض كلها.

وقول الحسن: إنه حكمه وولى له الحكم - فهذا لا يدل أنه كان نبيّاً؛ لأن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو في ذلك الزمان؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ : أن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو والقتال في ذلك مع العدو فعلى ذلك هنا.

وقوله: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ ، وأما من آمن كذا: يحتمل هذا منه إلهام من الله -  - أو تعليم الملك الذي كان فيه، أو كان معه نبي فأخبر له بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ .

اختلف في ذلك: قال بعضهم: علم المنازل: أي: منازل الأرض ومعالمها وآثارها.

وقال [بعضهم]: العلم والقوة.

وقال بعضهم: أعطاه السبب الذي به صلاح ما مكن له، وملك له مما يقع له الحاجة إليه.

وقال بعضهم: ذلك السَّبب كان أنعاماً: كان عليها يحمل الخشب، فيتخذ منه سفينة إن استقبله بحر، فيعبر بها، ثم ينقضها ويحمل الخشب على الأنعام ويعبر البر على الدواب، فذلك السبب الذي ذكر.

وأصله: أنه ذكر أنه أتاه السبب الذي به صلاح ما مكن له وملك عليه، ولم يبيّن ما ذلك السبب؛ فلا ندري ما أراد بذلك؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ .

كأنه أراد وطلب أن يعرف أنها أين تغرب؟

حيث قال: ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ، وفيه لغتان: ﴿ حَامِيَةً ﴾ و ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ ، قالوا من قرأها: ﴿ حَامِيَةً ﴾ أراد: في عين حارة، ومن قرأ ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ - مهموزة بغير ألف - أراد الحمأة: وهي الطينة السوداء، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ .

قال بعضهم: كانوا كفارا ومؤمنين الفريقان جميعاً، فقال في الكفار: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ ، وهو القتل، [و] قال في المؤمنين: ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : ليس على التخيير؛ ولكن على الحكم في كل فريق على حدة.

وقال بعضهم: كانوا كلهم كفارا؛ فيكون تأويل قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ : إذا لم يجيبوك، ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : إذا أجابوك وآمنوا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

هذا أنه حكم بذلك بتعليم نبي أو ملك كان معه، أو حكم بذلك؛ لما كان عرف أن سنة الله في الكفار القتل والإهلاك، وفي المؤمنين الترك والإحسان، أو ألهم إلهاماً بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ .

قال الحسن: ﴿ يُسْراً ﴾ ، أي: عارفاً.

وقال بعضهم: ﴿ يُسْراً ﴾ : معروفاً.

وقال بعضهم: (اليسر): هو اسم كل خير وبركة، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ ، أي: بلاغا لحاجته.

وقال غيره ما ذكرنا من السبب الذي به ملك طريق المغرب والمشرق وبه بلغ ما بلغ، والله أعلم.

ثم اختلفوا فيم سمي ذا القرنين: قال بعضهم: سميّ ذا القرنين؛ لأنه دعا قومه إلى توحيد الله والإيمان به؛ فضربوه على قرنه الأيمن، ثم غاب ما شاء الله، وفي بعض الأخبار مات، ثم حضر فدعاهم ثانياً فضربوه على قرنه الأيسر؛ فبقي عليه لذلك أثر؛ فسمي لذلك ذا القرنين، لا أن كان له قرن كقرن الثور.

وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه كان له ذؤابتان، أعني: ضفيرتان.

وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مغربها ومطلعها.

وقال بعضهم سمي: ذا القرنين؛ لأنه عاش حياة قرنين، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ ﴾ بالسبب الذي ذكر أنه أعطاه كما بلغ مغرب الشمس، ﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾ .

قال الحسن: إن تلك الأرض تميد وتميع، لا تقر ولا تسكن، لا تحتمل البناء والحجر؛ فإذا طلعت الشمس طلعت عليهم، لما لم يكن لهم بناء ولا ستر تهوروا في البحار فإذا ارتفعت عنهم خرجوا.

وقال ابن عباس: إن الشمس إذا طلعت كانت حرارتها أشد عند طلوعها من غروبها؛ فتحرق كل شيء حتى لا تبقي لهم ثوباً ولا بناء ولا خشباً ولا غيره إلا أحرقته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ، أي: كذلك أخبرنا رسول الله من نبأ ذي القرنين، وخبره على ما كان.

وقال بعضهم: كذلك أعطينا له من السبب حتى بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها بالسبب الذي ذكر.

وقال بعضهم: كذلك قيل له في المطلع من قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ، كما قيل له في المغرب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .

قال بعضهم: [هو] صلة قوله: ﴿ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ ، ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ ، أي: عن علم سأتلو عليكم.

وقال بعضهم: هو على الابتداء، ليس على الربط والصّلة على الأول، أي: قد أحطنا علمنا بما لديه.

﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ .

ما ذكرنا في بلوغه مغربها ومطلعها، أي: أعطينا له من السّبب حتى بلغ بين السدّين في بعض القراءات ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب، فإن كان بين اللغتين فرق؛ فيشبه أن يكون ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالرفع: الجبلين اللذين كانا هنالك، و ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب: هو بناء ذي القرنين، وإن لم يحتمل الفرق - فهو ما بنى هو أو مكان في الخليقة.

ثم اختلف في ذلك السدّ.

قال بعضهم: هو المنفذ الذي كان بين طرفي الجبل الذي كان محيطا بالأرض، يدخل فيه يأجوج ومأجوج إلى هذه الأرض؛ فسد ذو القرنين ذلك المنفذ.

وقال بعضهم: لا؛ ولكن كانا جبلين: أحدهما: ستر بين يأجوج، والثاني: بين مأجوج؛ فسدّ ذلك، والله أعلم كيف كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ .

قال الحسن: كانوا يفقهون ما به صلاح معاشهم، وما به بقاؤهم، ولكن كانوا لا يفقهون الهدى من الضلال، والخير من الشرّ، ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ : من غير كلامهم ولسانهم؛ ولكن يفقهون بلسانهم وكلامهم، وذو القرنين كان يعرف الألسن كلها؛ ففقهوا هم [منه] وفقه هو منهم؛ حيث قالوا ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ ، أي: جعلا أجرا، ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾ .

وقال هو: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ : فهم ذو القرنين منهم، وفهموا منه أيضاً ما ذكرنا؛ فدل ذلك أنهم كانوا يفقهون بلسان غيرهم، وفي الآية دلالة أنهم لا يفقهون شيئاً قليلا من القول، وإن كانوا لا يفقهون كثيراً؛ لأنه يقول: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ ؛ فهو يتكلم على العرف لا على النفي رأساً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ : جعلا وأجرا؛ ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ .

على تأويل الحسن يكون قوله: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ من النبوة ﴿ خَيْرٌ ﴾ ؛ لأنه يقول: إنه كان نبياً؛ حيث قال له: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وعلى قول غيره يكون ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ : من الملك والسبب الذي أعطاني، وأبلغ به مغرب الشمس ومطلعها ﴿ خَيْرٌ ﴾ مما تذكرون.

وقوله: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ ، أي بما أتقوى به، ﴿ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ ، أي: سدّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ﴾ ، أي: قطع الحديد.

وقال بعضهم: سألهم الحديد؛ لأن المكان مكان الحديد.

وقال بعضهم: إن الحديد كان ألين لهم وأطوع من اللَّبِنِ أو القطر، ولكن لا يعلم ذلك إلا بالسمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ .

أي: بلغ ذلك السد رأس الصدفين، وهما جبلان، وسوى بهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ .

أي: أصب عليه قطرا، قيل: نحاساً، وقيل: رصاصا، ذكر أنه كان يبسط الحديد صدرا، ثم يبسط الحطب فوقه صدراً، ثم حديدا فوق الحطب، حتى بلغ رأس الجبلين، وسوى بهما على هذا السبيل، ثم أذيب القطر، فصب فيه، فجعل القطر يحرق الحطب، ويذيب الحديد؛ حتى دخل القطر مكان الحطب، وصار مكانه؛ فالتزق القطر بالحديد، على هذا ذكر أنه بنى ذلك السدّ.

وقال الحسن: كأنه القطر له كالملاط لنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ .

أي: يعلوه، يعني: على ذلك السد وما استطاعوا له نقباً في أسفله، ولا يزاد على المذكور في الكتاب في هذه الأنباء، والقصص، خوفاً للشهادة على الله، والكذب عليه، ولكن نذكر مقدار ما ذكر في الكتاب، لا نزيد على ذلك، وفي الكتاب القدر الّذي ذكرنا، والله أعلم.

قال القتبي: يقال للجبل: السدّ و ﴿ زُبَرَ ﴾ : قطع، والقطر: النحاس، وقوله: ﴿ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ أي: يعلوه.

يقال: ظهر فلان السطح إذا علاه، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال: ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ : ناحيتي الجبل، والردم: السدّ، و ﴿ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ : هو مثل السدّين، ﴿ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ ، أي: أصب عليه نحاساً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ﴾ يحتمل أنه السدّ الذي بني وحال بينهم وبين يأجوج ومأجوج، فذلك منه رحمة، أي: برحمته كانت تلك الحيلولة، أو كان ذلك نعمة من الله، والرحمة هي النعمة، أي: هذا السدّ بينكم وبينهم نعمة من ربي عليكم.

ثم فيه وجهان: أحدهما: ذكر أن ذلك كان برحمة من الله إذا فرغ منه، وقد كان في الابتداء حين سألوه أن يجعل لهم السدّ أضاف الفعل إلى نفسه حيث قال: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ دلّ ذلك أن ما فعل برحمة منه وفضل، وأن له في ذلك صنعاً.

والثاني: فيه أن له أن يفعل بالخلق ما ليس هو بأصلح لهم في الدين؛ لأنه لا يخلو إما أن كان الأول لهم أصلح في الدين، ثم فعل الثاني، فلا يكون الثاني أصلح لهم في الدين، وإذا كان الأصلح لهم في الدّين الثاني فالأول لم يكن، ثم ذكر أن ذلك رحمة منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي ﴾ ، أي: فإذا جاء الذي به كان وعد ربي وهو الموعود؛ ولأن الوعد لا يجيء فكأنه قال: موعود ربّي، وهو خروج يأجوج ومأجوج، أو فتح ذلك السدّ ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: كسراً أو هدماً على ما ذكرنا، و ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: هدمه وسواه بالأرض.

وقال القتبي: ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ ، أي: ألصقه بالأرض.

﴿ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ أي: يجول بعضهم في بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾ هذا وعد والأول موعود.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا مَكَّنا له في الأرض، وأعطيناه من كل شيء يتعلق به مطلوبُه طريقًا يتوصل به إلى مراده.

<div class="verse-tafsir" id="91.1aYD4"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل