الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٨٦ من سورة الكهف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 123 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٦ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( حتى إذا بلغ مغرب الشمس ) أي : فسلك طريقا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب ، وهو مغرب الأرض .
وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر ، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له .
وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب ، واختلاق زنادقتهم وكذبهم وقوله : ( وجدها تغرب في عين حمئة ) أي : رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط ، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله ، يراها كأنها تغرب فيه ، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه .
والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين من " الحمأة " وهو الطين ، كما قال تعالى : ( إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون ) [ الحجر : 28 ] أي طين أملس .
وقد تقدم بيانه .
وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب حدثني نافع بن أبي نعيم ، سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول : كان ابن عباس يقول ( في عين حمئة ) ثم فسرها : ذات حمأة .
قال نافع : وسئل عنها كعب الأحبار فقال : أنتم أعلم بالقرآن مني ، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء .
وكذا روى غير واحد عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد وغير واحد .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا محمد بن دينار ، عن سعد بن أوس ، عن مصدع ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه ( حمئة ) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : " وجدها تغرب في عين حامية " يعني حارة .
وكذا قال الحسن البصري .
وقال ابن جرير : والصواب أنهما قراءتان مشهورتان وأيهما قرأ القارئ فهو مصيب .
قلت : ولا منافاة بين معنييهما ؛ إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها ، وملاقاتها الشعاع بلا حائل و ( حمئة ) في ماء وطين أسود ، كما قال كعب الأحبار وغيره .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام ، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو ، عن عبد الله قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت ، فقال : " في نار الله الحامية [ في نار الله الحامية ] ، لولا ما يزعها من أمر الله ، لأحرقت ما على الأرض " .
قلت : ورواه الإمام أحمد ، عن يزيد بن هارون .
وفي صحة رفع هذا الحديث نظر ، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو ، من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك ، والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا حجاج بن حمزة ، حدثنا محمد - يعني ابن بشر - حدثنا عمرو بن ميمون ، أنبأنا ابن حاضر ، أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف " تغرب في عين حامية " قال ابن عباس لمعاوية ما نقرؤها إلا ( حمئة ) فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها : فقال عبد الله : كما قرأتها .
قال ابن عباس : فقلت لمعاوية : في بيتي نزل القرآن ؟
فأرسل إلى كعب فقال له : أين تجد الشمس تغرب في التوراة ؟
[ فقال له كعب : سل أهل العربية ، فإنهم أعلم بها ، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة ] في ماء وطين .
وأشار بيده إلى المغرب .
قال ابن حاضر : لو أني عندكما أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة .
قال ابن عباس : وإذا ما هو ؟
قلت : فيما يؤثر من قول تبع ، فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه : بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد قال ابن عباس : ما الخلب ؟
قلت : الطين بكلامهم .
[ يعني بكلام حمير ] .
قال : ما الثاط ؟
قلت : الحمأة .
قال : فما الحرمد ؟
قلت : الأسود .
قال : فدعا ابن عباس رجلا أو غلاما فقال : اكتب ما يقول هذا الرجل .
وقال سعيد بن جبير : بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ : ( وجدها تغرب في عين حمئة ) فقال كعب : والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحدا يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس ، فإنا نجدها في التوراة : تغرب في مدرة سوداء .
وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا هشام بن يوسف قال : في تفسير ابن جريج ( ووجد عندها قوما ) قال : مدينة لها اثنا عشر ألف باب ، لولا أصوات أهلها لسمع الناس وجوب الشمس حين تجب .
وقوله : ( ووجد عندها قوما ) أي أمة من الأمم ، ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم .
وقوله : ( قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) معنى هذا : أن الله تعالى مكنه منهم وحكمه فيهم ، وأظفره بهم وخيره : إن شاء قتل وسبى ، وإن شاء من أو فدى .
فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه
القول في تأويل قوله تعالى : حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) * يقول تعالى ذكره: ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ ) ذو القرنين ( مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) ، فاختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء المدينة والبصرة ( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) بمعنى: أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة، وقرأته جماعة من قراء المدينة، وعامَّة قرّاء الكوفة (فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ) يعني أنها تغرب في عين ماء حارّة.
واختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته.
ذكر من قال ( تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ): حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) قال: ذات حمأة.
حدثنا الحسين بن الجنيد، قال: ثنا سعيد بن سلمة، قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن عثمان بن حاضر، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: قرأ معاوية هذه الآية، فقال : ( عَيْنٌ حامِيَةٌ ) فقال ابن عباس: إنها عين حمئة، قال: فجعلا كعبا بينهما، قال: فأرسلا إلى كعب الأحبار، فسألاه، فقال كعب: أما الشمس فإنها تغيب في ثأط، فكانت على ما قال ابن عباس، والثأط: الطين.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني نافع بن أبي نعيم، قال: سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول: كان ابن عباس يقول ( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) ثم فسرها.
ذات حمأة، قال نافع: وسئل عنها كعب، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) قال: هي الحمأة.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) قال : ثأط.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله عزّ ذكره ( تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) قال: ثأطة.
قال: وأخبرني عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قرأت ( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) وقرأ عمرو بن العاص (فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ) فأرسلنا إلى كعب.
فقال: إنها تغرب في حمأة طينة سوداء.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) والحمئة: الحمأة السوداء.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن ورقاء، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس يقرأ هذا الحرف ( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) ويقول: حمأة سوداء تغرب فيها الشمس.
وقال آخرون: بل هي تغيب في عين حارّة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس (وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ ) يقول: في عين حارّة.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول (فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ ) قال: حارّة.
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر ، عن الحسن، في قوله ( فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ ) قال: حارّة، وكذلك قرأها الحسن.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، ولكل واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارّة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ في عين حامية بصفتها التي هي لها، وهي الحرارة، ويكون القارئ في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأة وطين.
وقد رُوي بكلا صيغتيها اللتين إنهما من صفتيها أخبار.
حدثنا محمد بن المثنى ، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا العوّام، قال: ثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال: " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت، فقال: فِي نارِ اللهِ الحامِيَةِ، فِي نَارِ اللهِ الحَامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنْ أمْرِ اللهِ لأحْرَقَتْ ما عَلى الأرْضِ".
حدثني الفضل بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه: (حَمِئةٍ).
وقوله: ( وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ) ذكر أن أولئك القوم يقال لهم: ناسك.
وقوله: ( قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ ) يقول: إما أن تقتلهم إن هم لم يدخلوا في الإقرار بتوحيد الله، ويذعنوا لك بما تدعوهم إليه من طاعة ربهم ( وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ) يقول: وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد.
حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة قرأ ابن عاصم وعامر وحمزة والكسائي " حامية " أي حارة .
الباقون حمئة أي كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء ، تقول : حمأت البئر حمأ ( بالتسكين ) إذا نزعت حمأتها .
وحمئت البئر حمأ ( بالتحريك ) كثرت حمأتها .
ويجوز أن تكون " حامية " من الحمأة فخففت الهمزة وقلبت ياء .
وقد يجمع بين القراءتين فيقال : كانت حارة وذات حمأة .
وقال عبد الله بن عمرو : نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الشمس حين غربت ; فقال : نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض .
وقال ابن عباس : ( أقرأنيها أبي كما أقرأه [ ص: 421 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عين حمئة ; وقال معاوية : هي " حامية " فقال عبد الله بن عمرو بن العاص : فأنا مع أمير المؤمنين ; فجعلوا كعبا بينهم حكما وقالوا : يا كعب كيف تجد هذا في التوراة ؟
فقال : أجدها تغرب في عين سوداء ، فوافق ابن عباس ) وقال الشاعر وهو تبع اليماني :قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ملكا تدين له الملوك وتسجدبلغ المغارب والمشارق يبتغي أسباب أمر من حكيم مرشدفرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمدالخلب : الطين : والثأط : الحمأة .
والحرمد : الأسود .
وقال القفال قال بعض العلماء : ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا وصل إلى جرمها ومسها ; لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض ، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض ، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة ، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق ، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة ، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض ; ولهذا قال : وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم ، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم .
وقال القتبي : ويجوز أن تكون هذه العين من البحر ، ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها ، فيقام حرف الصفة مقام صاحبه والله أعلم .ووجد عندها قوما أي عند العين ، أو عند نهاية العين ، وهم أهل جابرس ، ويقال لها بالسريانية : جرجيسا ; يسكنها قوم من نسل ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح ; ذكره السهيلي .
وقال وهب بن منبه : ( كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه الإسكندر ، فلما بلغ وكان عبدا صالحا قال الله - تعالى - : يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض وهم أمم مختلفة ألسنتهم ، وهم أمم جميع الأرض ، وهم أصناف : أمتان بينهما طول الأرض كله ، وأمتان بينهما عرض الأرض كله ، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج ; فأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك ، [ ص: 422 ] وأما الأخرى فعند مطلعها ويقال لها منسك .
وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل ; وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل .
فقال ذو القرنين : إلهي قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت ; فأخبرني عن هذه الأمم بأي قوة أكاثرهم ؟
وبأي صبر أقاسيهم ؟
وبأي لسان أناطقهم ؟
فكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس عندي قوة ؟
فقال الله - تعالى - : سأظفرك بما حملتك ; أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء ، وأثبت لك فهمك فتفقه كل شيء ، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء ، وأسخر لك النور والظلمة فيكونان جندا من جنودك ، يهديك النور من أمامك ، وتحفظك الظلمة من ورائك ; فلما قيل له ذلك سار بمن اتبعه ، فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس ; لأنها كانت أقرب الأمم منه وهي ناسك ، فوجد جموعا لا يحصيها إلا الله - تعالى - وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله .
وألسنة مختلفة ، وأهواء متشتتة فكاثرهم بالظلمة ; فضرب حولهم ثلاث عساكر من جند الظلمة قدر ما أحاط بهم من كل مكان ، حتى جمعتهم في مكان واحد ، ثم دخل عليهم بالنور فدعاهم إلى الله - تعالى - وإلى عبادته ، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر وصد عنه ، فأدخل على الذين تولوا الظلمة فغشيتهم من كل مكان ، فدخلت إلى أفواههم وأنوفهم وأعينهم وبيوتهم وغشيتهم من كل مكان ، فتحيروا وماجوا وأشفقوا أن يهلكوا ، فعجوا إلى الله - تعالى - بصوت واحد : إنا آمنا ; فكشفها عنهم ، وأخذهم عنوة ، ودخلوا في دعوته ، فجند من أهل المغرب أمما عظيمة فجعلهم جندا واحدا ، ثم انطلق بهم يقودهم ، والظلمة تسوقهم وتحرسه من خلفه ، والنور أمامهم يقوده ويدله ، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن وهي هاويل ، وسخر الله - تعالى - يده وقلبه وعقله ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا ، فإذا أتوا مخاضة أو بحرا بنى سفنا من ألواح صغار مثل النعال فنظمها في ساعة ، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم ، فإذا قطع البحار والأنهار فتقها ودفع إلى كل رجل لوحا فلا يكترث بحمله ، فانتهى إلى هاويل وفعل بهم كفعله بناسك فآمنوا ، ففرغ منهم ، وأخذ جيوشهم وانطلق إلى ناحية الأرض الأخرى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس ، فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأولى ، ثم كر مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى يريد تاويل ، وهي الأمة التي تقابل هاويل بينهما عرض الأرض ، ففعل فيها كفعله فيما قبلها ، ثم عطف إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن الإنس ويأجوج ومأجوج ، فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك من المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس : يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله - تعالى - كثيرا ليس لهم عدد ، وليس فيهم مشابهة من الإنس ، وهم أشباه البهائم ; يأكلون العشب ، ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع ، ويأكلون حشرات الأرض كلها من [ ص: 423 ] الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق الله - تعالى - في الأرض ، وليس لله - تعالى - خلق ينمو نماءهم في العام الواحد ، فإن طالت المدة فسيملئون الأرض ، ويجلون أهلها فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ؟
.
.
.
) وذكر الحديث ; وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوع منهم ما فيه كفاية .قوله تعالى : قلنا ياذا القرنين قال القشيري أبو نصر : إن كان نبيا فهو وحي ، وإن لم يكن نبيا فهو إلهام من الله - تعالى - .إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال إبراهيم بن السري : خيره بين هذين كما خير محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقال : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ونحوه .
وقال أبو إسحاق الزجاج : المعنى أن الله - تعالى - خيره بين هذين الحكمين ; قال النحاس : ورد علي بن سليمان عليه قوله ; لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا ، فكيف يقول لربه - عز وجل - : ثم يرد إلى ربه ؟
وكيف يقول : فسوف نعذبه فيخاطب بالنون ؟
قال : التقدير ; قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين .
قال أبو جعفر النحاس : هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شيء .
أما قوله : قلنا ياذا القرنين فيجوز أن يكون الله - عز وجل - خاطبه على لسان نبي في وقته ، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال لنبيه : فإما منا بعد وإما فداء ، وأما إشكال فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فإن تقديره أن الله - تعالى - لما خيره بين القتل في قوله - تعالى - : إما أن تعذب وبين الاستبقاء في قوله جل وعز : وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال لأولئك القوم : أما من ظلم أي من أقام على الكفر منكم .فسوف نعذبه أي بالقتل .ثم يرد إلى ربه أي يوم القيامة .فيعذبه عذابا نكرا أي شديدا في جهنم .وأما من آمن وعمل صالحا أي تاب من الكفر ..
قال أحمد بن يحيى : أن في موضع نصب في إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال : ولو رفعت كان صوابا بمعنى فإما هو ، كما قال :فسيرا فإما حاجة تقضيانها وإما مقيل صالح وصديق
تفسير الآيات من 86 حتى 88 :ـ وهذه الأسباب التي أعطاه الله إياها، لم يخبرنا الله ولا رسوله بها، ولم تتناقلها الأخبار على وجه يفيد العلم، فلهذا، لا يسعنا غير السكوت عنها، وعدم الالتفات لما يذكره النقلة للإسرائيليات ونحوها، ولكننا نعلم بالجملة أنها أسباب قوية كثيرة، داخلية وخارجية، بها صار له جند عظيم، ذو عدد وعدد ونظام، وبه تمكن من قهر الأعداء، ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها، وأنحائها، فأعطاه الله، ما بلغ به مغرب الشمس، حتى رأى الشمس في مرأى العين، كأنها تغرب في عين حمئة، أي: سوداء، وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء، رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع، ووجد عندها، أي: عند مغربها قوما.
{ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ْ} أي: إما أن تعذبهم بقتل، أو ضرب، أو أسر ونحوه، وإما أن تحسن إليهم، فخير بين الأمرين، لأن الظاهر أنهم كفار أو فساق، أو فيهم شيء من ذلك، لأنهم لو كانوا مؤمنين غير فساق، لم يرخص في تعذيبهم، فكان عند ذي القرنين من السياسة الشرعية ما استحق به المدح والثناء، لتوفيق الله له لذلك، فقال: سأجعلهم قسمين: { أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ْ} بالكفر { فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ْ} أي: تحصل له العقوبتان، عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة.
{ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ْ} أي: فله الجنة والحالة الحسنة عند الله جزاء يوم القيامة، { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ْ} أي: وسنحسن إليه، ونلطف له بالقول، ونيسر له المعاملة، وهذا يدل على كونه من الملوك الصالحين الأولياء، العادلين العالمين، حيث وافق مرضاة الله في معاملة كل أحد، بما يليق بحاله.
( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ) قرأ أبو جعفر وأبو عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر : " حامية " بالألف غير مهموزة ، أي : حارة ، وقرأ الآخرون : ( حمئة ) مهموزا بغير الألف ، أي : ذات حمأة ، وهي الطينة السوداء .
وسأل معاوية كعبا : كيف تجد في التوراة أن تغرب الشمس؟
قال : نجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين .
قال القتيبي : يجوز أن يكون معنى قوله : ( في عين حمئة ) أي : عندها عين حمئة ، أو في رأي العين .
( ووجد عندها قوما ) أي : عند العين أمة ، قال ابن جريج : مدينة لها اثنا عشر ألف باب ، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجب .
( قلنا يا ذا القرنين ) يستدل بهذا من زعم أنه كان نبيا فإن الله تعالى خاطبه والأصح أنه لم يكن نبيا ، والمراد منه : الإلهام .
( إما أن تعذب ) يعني : إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام ( وإما أن تتخذ فيهم حسنا ) يعني : تعفو وتصفح وقيل : تأسرهم فتعلمهم الهدى .
خيره الله بين الأمرين .
«حتى إذا بلغ مغرب الشمس» موضع غروبها «وجدها تغرب في عين حمئة» ذات حمأة وهي الطين الأسود وغروبها في العين في رأي وإلا فهي أعظم من الدنيا «ووجد عندها» أي العين «قوما» كافرين «قلنا يا ذا القرنين» بإلهام «إما أن تُعذّب» القوم بالقتل «وإما أن تتخذ فيهم حُسنا» بالأسر.
حتى إذا وصل ذو القرنين إلى مغرب الشمس وجدها في مرأى العين كأنها تغرب في عين حارة ذات طين أسود، ووجد عند مغربها قومًا.
قلنا: يا ذا القرنين إما أن تعذبهم بالقتل أو غيره، إن لم يقروا بتوحيد الله، وإما أن تحسن إليهم، فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد.
( حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس ) أى حتى إذا وصل إلى منتهى الأرض المعمورة فى زمنه من جهة المغرب .( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) أى : رآها فى نظره عند غروبها ، كأنها تغرب فى عين مظلمة ، وإن لم تكن هى فى الحقيقة كذلك .وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ماء فإنه يراها كأنها تشرق منه وتغرب فيه ، كما أن الذى يكون فى أرض ملساء واسعة ، يراها كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها .وحمئة : أى : ذات حمأة وهى الطين الأسود .
يقال : حمأَتِ البئر تَحمأُ حَمأً ، إذا صارت فيها الحمأَة وهى الطينة السوداء .وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائى : ( وجدها تغرب في عين حامية ) أى : حارة .
اسم فاعل من حَمِى يَحْمَى حَمْياً .( وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ) أى : ووجد عند تلك العين على ساحل البحر قوما .الظاهر أن هؤلاء القوم كانوا من أهل الفترة ، فدعاهم ذو القرنين إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، فيهم من آمن وفيهم من كفر ، فخيره الله - تعالى - فيهم فقال : ( قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) .أى : قال الله - تعالى - له عن طريق الالهام ، أو على لسان ملك أخبره بذلك : يا ذا القرنين إما أن تعذب هؤلاء القوم الكافرين أو الفاسقين بالقتل أو غيره ، وإما أن تتخذ فيهم أمراً ذا حسن ، أو أمرا حسنا ، تقتضيه المصلحة والسياسة الشرعية .
اعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً يوصله إليه حتى بلغه، أما قوله: ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ففيه مباحث: الأول: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في عين حامية بالألف من غير همزة أي حارة، وعن أبي ذر، قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه؟
قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تغرب في عين حامية؛ وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عامر، والباقون حمئة، وهي قراءة ابن عباس واتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامية بألف فقال ابن عباس حمئة، فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرأ؟
قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟
قال: في ماء وطين كذلك نجده في التوراة، والحمئة ما فيه ماء، وحمأة سوداء، واعلم أنه لا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً.
البحث الثاني: أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضاً قال: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: ﴿ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ من وجوه: الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.
الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء فقوله: ﴿ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر وهو موضع شديد السخونة.
الثالث: قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحمأة وهذا في غاية البعد، وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفاً قمرياً فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أول الليل ورأينا المشرقيين قالوا: حصل في أول النهار فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث.
ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار.
وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه ثم قال تعالى: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ الضمير في قوله عندها إلى ماذا يعود؟
فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الشمس ويكون التأنيث للشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان هذا الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.
والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى العين الحامية، وعلى هذا القول فالتأويل ما ذكرناه، ثم قال تعالى: ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ وفيه مباحث: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ يدل على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبياً وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر.
البحث الثاني: قال أهل الأخبار في صفة ذلك الموضع أشياء عجيبة، قال ابن جريج: هناك مدينة لها إثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجبة الشمس حين تغيب.
البحث الثالث: قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ يدل على أن سكان آخر المغرب كانوا كفاراً فخير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم وبين المن عليهم والعفو عنهم وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح الأمرين كما خير نبيه عليه السلام بين المن على المشركين وبين قتلهم، وقال الأكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء، ثم قال ذو القرنين: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أي ظلم نفسه بالإقامة على الكفر.
والدليل على أن هذا هو المراد أنه ذكر في مقابلته: ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ ثم قال: ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ أي بالقتل في الدنيا: ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً ﴾ أي منكراً فظيعاً: ﴿ وَأَمَّا مَنْ امَنَ وَعَمِلَ صالحا فَلَهُ جَزَاء الحسنى ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿ جَزَاء الحسنى ﴾ بالنصب والتنوين والباقون بالرفع والإضافة، فعلى القراءة الأولى يكون التقدير فله الحسنى جزاء كما تقول لك هذا الثوب هبة، وأما على القراءة الثانية ففي التفسير وجهان.
الأول: فله جزاء الفعلة الحسنى والفعلة الحسنى هي الإيمان والعمل الصالح.
والثاني: أن يكون التقدير فله جزاء المثوبة الحسنى ويكون المعنى فله ذا الجزاء الذي هو المثوبة الحسنى والجزاء موصوف بالمثوبة الحسنى وإضافة الموصوف إلى الصفة مشهورة كقوله: ﴿ وَلَدَارُ الأخرة ﴾ و ﴿ حَقُّ اليقين ﴾ ثم قال: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل الميسر من الزكاة والخراج وغيرهما وتقدير هذا يسر كقوله: ﴿ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ وقرئ يسراً بضمتين.
<div class="verse-tafsir"
ذو القرنين: هو الإسكندر الذي ملك الدنيا.
قيل: ملكها مؤمنان: ذو القرنين، وسليمان.
وكافران: نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمرود.
واختلف فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.
وقيل: نبياً.
وقيل: ملكاً من الملائكة.
وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللَّهم غفراً ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علي رضي الله عنه.
سخر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور وسئل عنه فقال: أحبه الله فأحبه.
وسأله ابن الكوّا: ما ذو القرنين أملك أم نبيّ؟
فقال: ليس بملك ولا نبيّ، ولكن كان عبداً صالحاً، ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمي ذو القرنين وفيكم مثله.
قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها» وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان.
وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.
وعن وهب: لأنه ملك الروم وفارس.
وروي: الروم والترك.
وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.
وقيل: كان لتاجه قرنان.
وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.
ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشاً لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره.
والسائلون: هم اليهود سألوه على جهة الامتحان.
وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ لأحد الفريقين ﴿ مِن كُلّ شَيْء ﴾ أي من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه ﴿ سَبَباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سبباً، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سبباً.
وقرئ: ﴿ فأتبع ﴾ قرئ: ﴿ حمئة ﴾ ، من حمئت البئر إذا صار فيها الحمأة.
وحامية بمعنى حارّة.
وعن أبي ذرّ: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجمل، فرأى الشمس حين غابت فقال: (يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه؟) فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال (فإنها تغرب في عين حامية)، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن.
وقرأ ابن عباس: حمئة.
وكان ابن عباس عند معاوية؛ فقرأ معاوية: حامية فقال ابن عباس: حمئة.
فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟
قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار.
كيف تجد الشمس تغرب؟
قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة.
وروي: في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: فَرَأَى مَغِيبَ الشّمْسِ عِنْدَ مَآبِهَا ** فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَاطٍ حَرْمَدِ أي في عين ماء ذي طين وحمإ أسود، ولا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعه للوصفين جميعاً.
كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم فقال: أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك: فذلك هو المعذب في الدارين ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ ﴾ ما يقتضيه الإيمان ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ وقيل: خيّره بين القتل والأسر، وسماه إحساناً في مقابلة القتل ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ فله أن يجازي المثوبة الحسنى.
أو فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة.
وقرئ: ﴿ فله جزاء الحسنى ﴾ أي: فله الفعلة الحسنى جزاء.
وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر.
ومن آمن أعطاه وكساه ﴿ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ أي لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر، كقوله: ﴿ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ [الإسراء: 28] وقرئ: ﴿ يُسُراً ﴾ ، بضمتين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ أيْ فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ فَأتْبَعَ سَبَبًا يُوصِلُهُ إلَيْهِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِقَطْعِ الألِفِ مُخَفَّفَةَ التّاءِ.
﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ذاتَ حَمَأٍ مِن حَمِئَتِ البِئْرُ إذا صارَتْ ذاتَ حَمْأةٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ « حامِيَةً» أيْ حارَّةً، ولا تَنافِيَ بَيْنَهُما لِجَوازِ أنْ تَكُونَ العَيْنُ جامِعَةً لِلْوَصْفَيْنِ أوْ « حِمْيَةً» عَلى أنَّ ياءَها مَقْلُوبَةٌ عَنِ الهَمْزَةِ لِكَسْرِ ما قَبْلَها.
ولَعَلَّهُ بَلَغَ ساحِلَ المُحِيطِ فَرَآها كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ في مَطْمَحِ بَصَرِهِ غَيْرَ الماءِ ولِذَلِكَ قالَ وجَدَها تَغْرُبُ ولَمْ يَقُلْ كانَتْ تَغْرُبُ.
وقِيلَ إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَمِعَ مُعاوِيَةَ يَقْرَأُ « حامِيَةً» فَقالَ « حَمِئَةً» فَبَعَثَ مُعاوِيَةُ إلى كَعْبِ الأحْبارِ كَيْفَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ قالَ في ماءٍ وطِينٍ كَذَلِكَ نَجِدُهُ في التَّوْراةِ ﴿ وَوَجَدَ عِنْدَها ﴾ عِنْدَ تِلْكَ العَيْنِ.
﴿ قَوْمًا ﴾ قِيلَ كانَ لِباسُهم جُلُودَ الوَحْشِ وطَعامُهم ما لَفَظَهُ البَحْرُ، وكانُوا كُفّارًا فَخَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم أوْ يَدْعُوَهم إلى الإيمانِ كَما حَكى بِقَوْلِهِ ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ أيْ بِالقَتْلِ عَلى كُفْرِهِمْ.
﴿ وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ بِالإرْشادِ وتَعْلِيمِ الشَّرائِعِ.
وقِيلَ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ وسَمّاهُ إحْسانًا في مُقابَلَةِ القَتْلِ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ: <div class="verse-tafsir"
{حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس} أي منتهى العمارة نحو المغرب وكذا المطلع قال صلى الله عليه وسلم بدء أمره أنه وجد في الكتب أن أحد أولاد سام يشرب من عين الحياة فيخلد فجعل يسير في طلبها والخضر وزيره وابن خالته فظفر فشرب ولم يظفر ذو القرنين {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ذات حمأة من حمئت البئر إذا صارت فيها الحمأة حامية شامي وكوفي غير حفص بمعنى حارة وعن أبي ذر كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تغرب في عين حمئة وكان ابن عباس رضي الله عنهما عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس حمئة فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرؤها فقال كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين كذلك نجد في التوارة فوافق قول ابن عباس رضي الله عنهما ولا تنافي فجازان تكون العين جامعة للوصفين جميعاً {وَوَجَدَ عِندَهَا} عند تلك العين {قَوْماً} عراة من الثياب لباسهم جلود الصيد وطعامهم ما لفظ البحر وكانوا كفارا {قلنا يا ذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} إن كان نبياً فقد أوحى الله إليه بهذا وإلا فقد أوحي إلى نبي فأمره النبي به أو كان إلهاماً خير بين أن يعذبهم بالقتل إن أصروا على أمرهم وبين أن يتخذ فيهم حسناً بإكرامهم وتعليم
الشرائع إن آمنوا أو التعذيب القتل وإتخاذ الحسن الأسر لأنه بالنظر إلى القتل احسان
﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ أيْ: مُنْتَهى الأرْضِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ أحَدٌ مِن مُجاوَزَتِهِ ووَقَفَ كَما هو الظّاهِرُ عَلى حافَّةِ البَحْرِ المُحِيطِ الغَرْبِيِّ الَّذِي يُقالُ لَهُ أُوقِيانُوسُ وفِيهِ الجَزائِرُ المُسَمّاةُ بِالخالِداتِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الأطْوالِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ (وجَدَها) أيِ: الشَّمْسَ ﴿ تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ أيْ: ذاتِ حَمْأةٍ وهي الطِّينُ الأسْوَدُ مِن حَمِئَتِ البِئْرُ تَحْمَأُ حَمَأً إذا كَثُرَتْ حَمْأتُها.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وعَمْرُو بْنُ العاصِ وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عُمَرَ ومُعاوِيَةُ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حامِيَةٍ ) بِالياءِ أيْ حارَّةٍ، وأنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوَّلَ ما سَمِعَها، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ أبِي حاضِرٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ لَهُ أنَّ مُعاوِيَةَ قَرَأ ( في عَيْنٍ حامِيَةٍ ) فَقالَ لَهُ: ما نَقْرَؤُها إلّا (حَمِئَةٍ) فَسَألَ مُعاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ تَقْرَأُها؟
فَقالَ: كَما قَرَأْتَها فَقُلْتُ: في بَيْتِي نَزَلَ القُرْآنُ فَأرْسَلَ إلى كَعْبٍ فَقالَ لَهُ: أيْنَ تَجِدُ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ فَقالَ كَعْبٌ: سَلْ أهْلَ العَزِيمَةِ فَإنَّهم أعْلَمُ بِها، وأمّا أنا فَإنِّي لَمْ أجِدِ الشَّمْسَ تَغْرُبُ في التَّوْراةِ في ماءٍ وطِينٍ، وأشارَ بِيَدِهِ إلى المَغْرِبِ، قالَ ابْنُ أبِي حاضِرٍ: لَوْ أنِّي عِنْدَكُما أيَّدْتُكَ بِكَلامٍ تُزادُ بِهِ بَصِيرَةً في (حَمِئَةٍ)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما هُوَ؟
قُلْتُ: قَوْلُ تُبَّعٍ فِيما ذُكِرَ بِهِ ذا القَرْنَيْنِ في كَلْفِهِ بِالعِلْمِ واتِّباعِهِ إيّاهُ قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ إلى آخِرِ الأبْياتِ الثَّلاثَةِ السّابِقَةِ، ومَحَلُّ الشّاهِدِ قَوْلُهُ: فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها في عَيْنِ ذِي خَلَبٍ وثَأطٍ حَرْمَدِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الخَلْبُ؟
قالَ ابْنُ أبِي حاضِرٍ الطِّينُ بِكَلامِهِمْ فَقالَ: فَما الثَّأطُ؟
قالَ: الحَمْأةُ فَقالَ: فَما الحَرْمَدُ؟
قالَ: الأسْوَدُ فَدَعا ابْنُ عَبّاسٍ غُلامًا فَقالَ: اكْتُبْ ما يَقُولُ هَذا الرَّجُلُ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مُنافاةً قَطْعِيَّةً لِجَوازِ كَوْنِ العَيْنِ جامِعَةً بَيْنَ الوَصْفَيْنِ بِأنْ تَكُونَ ذاتَ طِينٍ أسْوَدَ وماؤُها حارٌّ ولِجَوازِ كَوْنِ القِراءَةِ بِالياءِ أصْلُها مِنَ المَهْمُوزِ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها وإنْ كانَ ذَلِكَ إنَّما يَطَّرِدُ إذا كانَتِ الهَمْزَةُ ساكِنَةً كَذا قِيلَ: وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ما جَرى بَيْنَ ابْنِ عَبّاسٍ ومُعاوِيَةَ.
وأُجِيبُ بِأنَّهُ إذا سُلِّمَ صِحَّتُهُ فَمَبْناهُ السَّماعُ والتَّحْكِيمُ لِتَرْجِيحِ إحْدى القِراءَتَيْنِ، وظاهِرُ ما سَمِعْتُ تَرْجِيحَ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكَأنَّ رُجُوعَ مُعاوِيَةَ لِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ كانَ لِذَلِكَ.
نَعِمَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ وهو عَلى حِمارٍ فَرَأى الشَّمْسَ حِينَ غَرَبَتْ فَقالَ: أتَدْرِي حَيْثُ تَغْرُبُ؟
قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: فَإنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ»، يُوافِقُ قِراءَةَ مُعاوِيَةَ ويَدُلُّ عَلى أنَّ ﴿ فِي عَيْنٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِتَغْرُبُ كَما هو الظّاهِرُ، وقَوْلُ بَعْضِ المُتَعَسِّفِينَ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (وجَدَها) مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وكَأنَّ الَّذِي دَعاهُ إلى القَوْلِ بِذَلِكَ لُزُومُ إشْكالٍ عَلى الظّاهِرِ فَإنَّ جِرْمَ الشَّمْسِ أكْبَرُ مِن جِسْمِ الأرْضِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ دُخُولُها في عَيْنِ ماءٍ في الأرْضِ، وهو مَدْفُوعٌ بِأنَّ المُرادَ وجَدَها في نَظَرِ العَيْنِ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يُرَ هُناكَ إلّا الماءُ لا أنَّها كَذَلِكَ حَقِيقَةٌ وهَذا كَما أنَّ راكِبَ البَحْرِ يَراها كَأنَّها تَطْلُعُ مِنَ البَحْرِ وتَغِيبُ فِيهِ إذا لَمْ يَرَ الشَّطَّ والَّذِي في أرْضٍ مَلْساءَ واسِعَةٍ يَراها أيْضًا كَأنَّها تَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ وتَغِيبُ فِيها، ولا يَرُدُّ عَلى هَذا أنَّهُ عَبَّرَ بِوُجِدَ والوِجْدانُ يَدُلُّ عَلى الوُجُودِ لِما أنَّ وُجِدَ يَكُونُ بِمَعْنى رَأى كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ فَلْيَكُنْ هُنا بِهَذا المَعْنى، ثُمَّ المُرادُ بِالعَيْنِ الحَمِئَةِ إمّا عَيْنٌ في البَحْرِ أوِ البَحْرُ نَفْسُهُ وتَسْمِيَتُهُ عَيْنًا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ خُصُوصًا وهو بِالنِّسْبَةِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى كَقَطْرَةٍ وإنْ عَظُمَ عِنْدَنا.
وزَعَمَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ أنَّ (فِي) بِمَعْنى عِنْدَ أيْ تَغْرُبُ عِنْدَ عَيْنٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها ولا يَعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، ونَحْنُ نُقِرُّ بِعِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولا نَلْتَفِتُ إلى هَذا القَوْلِ، ومِثْلُهُ ما نَقَلَهُ الطَّرْطُوشِيُّ مِن أنَّها يَبْلُعُها حُوتٌ بَلْ هَذا كَلامٌ لا يَقْبَلُهُ إلّا الصِّبْيانُ ونَحْوُهم فَإنَّها قَدْ تَبْقى طالِعَةً في بَعْضِ الآفاقِ سِتَّةَ أشْهُرٍ وغارِبَةً كَذَلِكَ كَما في أُفُقِ عَرْضِ تِسْعِينَ وقَدْ تَغِيبُ في مِقْدارِ ساعَةٍ ويَظْهَرُ نُورُها مِن قِبَلِ المَشْرِقِ في بَعْضِ العُرُوضِ كَما في بُلْغارْيا في بَعْضِ أيّامِ السَّنَةِ فالشَّمْسُ عَلى ما هو الحَقُّ لَمْ تَزَلْ سائِرَةً طالِعَةً عَلى قَوْمٍ غارِبَةٍ عَلى آخَرِينَ بِحَسَبِ آفاقِهِمْ بَلْ قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: لا خِلافَ في ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّمْسُ بِمَنزِلَةِ السّاقِيَةِ تَجْرِي بِالنَّهارِ في السَّماءِ في فَلَكِها فَإذا غَرَبَتْ جَرَتِ اللَّيْلُ في فَلَكِها تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَطْلُعَ مِن شَرْقِها وكَذَلِكَ القَمَرُ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الزَّهْرِيِّ أنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ سُخُونَةِ الماءِ في الشِّتاءِ وبَرْدِهِ في الصَّيْفِ فَقالَ: إنَّ الشَّمْسَ إذا سَقَطَتْ تَحْتَ الأرْضِ سارَتْ حَتّى تَطَلُعَ مِن مَكانِها، فَإذا طالَ اللَّيْلُ كَثُرَ لَبْثُها في الأرْضِ فَيَسْخُنُ الماءُ لِذَلِكَ فَإذا كانَ الصَّيْفَ مَرَّتْ مُسْرِعَةً لا تَلْبَثُ تَحْتَ الأرْضِ لِقِصَرِ اللَّيْلِ فَثَبَتَ الماءُ عَلى حالِهِ بارِدًا، ولا يَخْفى أنَّ هَذا السَّيْرَ تَحْتَ الأرْضِ تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّمْسُ مِن حَيْثُ المُسامَتَةِ بِحَسَبِ الآفاقِ والأوْقاتِ فَتَسامَتِ الأقْدامُ تارَةً ولا تُسامِتُها أُخْرى فَما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دارَتْ في فَلَكِ السَّماءِ مِمّا يَلِي دُبُرَ القِبْلَةِ حَتّى تَرْجِعَ إلى المَشْرِقِ الَّذِي تَطْلُعُ مِنهُ وتَجْرِي مِنهُ في السَّماءِ مِن شَرْقِها إلى غَرْبِها ثُمَّ تَرْجِعُ إلى الأُفُقِ مِمّا يَلِي دُبُرَ القِبْلَةِ إلى شَرْقِها كَذَلِكَ هي مُسَخَّرَةٌ في فَلَكِها وكَذَلِكَ القَمَرُ لا يَكادُ يَصِحُّ.
ويُشْكِلُ عَلى ما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟
قَلَتُ اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ » .
وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ أنَّها تَذْهَبُ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى تَصِلَ إلى غايَةِ الِانْحِطاطِ وهي عِنْدَ وُصُولِها دائِرَةً نِصْفَ النَّهارِ في سَمْتِ القَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُفُقِ القَوْمِ الَّذِينَ غَرَبَتْ عَنْهُمْ، وذَلِكَ الوُصُولُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالسُّجُودِ بَلْ لا مانِعَ أنْ تَسْجُدَ هُناكَ سُجُودًا حَقِيقِيًّا لائِقًا بِها، فالمُرادُ مِن تَحْتِ العَرْشِ مَكانًا مَخْصُوصًا مُسامِتًا لِبَعْضِ أجْزاءِ العَرْشِ وإلّا فَهي في كُلِّ وقْتٍ تَحْتَ العَرْشِ وفي جَوْفِهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ جُسْمٌ كُرِّيٌّ مُحِيطٌ بِسائِرِ الأفْلاكِ والفَلَكِيّاتِ وبِهِ تُحَدَّدُ الجِهاتُ وهَذا قَوْلُ الفَلاسِفَةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ طه ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وعَلى ما ذُكِرَ فالمُرادُ بِمُسْتَقَرِّها مَحَلُّ انْتِهاءِ انْحِطاطِها فَهي تَجْرِي عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ لِذَلِكَ المَحَلِّ ثُمَّ تَشْرَعُ في الِارْتِفاعِ، وقالَ الخَطّابِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِاسْتِقْرارِها تَحْتَ العَرْشِ أنَّها تَسْتَقِرُّ تَحْتَهُ اسْتِقْرارًا لا نُحِيطُ بِهِ نَحْنُ ولَيْسَ في سُجُودِها كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ ما يُعِيقُ عَنْ دَوَرانِها في سَيْرِها انْتَهى، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في سُورَةِ يس، وبِالجُمْلَةِ لا يَلْزَمُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ خُرُوجُ الشَّمْسِ عَنْ فَلَكِها المُمَثَّلِ، بَلْ ولا عَنْ خارِجِ المَرْكَزِ وإنِ اخْتَلَفَ قُرْبُها وبُعْدُها مِنَ العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَرَكَتِها في ذَلِكَ الخارِجِ.
نَعَمْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى خُرُوجِها عَنْ حَيِّزِها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الشَّمْسَ إذا غَرَبَتْ رُفِعَ بِها إلى السَّماءِ السّابِعَةِ في سُرْعَةِ طَيَرانِ المَلائِكَةِ وتُحْبَسُ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ مِن أيْنَ تُؤْمَرُ بِالطُّلُوعِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ بِها ما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ وبَيْنَ أسْفَلِ دَرَجاتِ الجِنانِ في سُرْعَةِ طَيَرانِ المَلائِكَةِ فَتَنْحَدِرُ حِيالَ المَشْرِقِ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ فَإذا وصَلَتْ إلى هَذِهِ السَّماءِ فَذَلِكَ حِينَ يَنْفَجِرُ الصُّبْحُ، فَإذا وصَلَتْ إلى هَذا الوَجْهِ مِنَ السَّماءِ فَذَلِكَ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وهو وإنْ لَمْ تَأْباهُ قَواعِدُنا مِن شُمُولِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى سائِرَ المُمْكِناتِ وعَدَمُ امْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الفَلَكِ مُطْلَقًا إلّا أنَّهُ لا يَتَسَنّى مَعَ تَحَقُّقِ غُرُوبِها عِنْدَ قَوْمٍ وطُلُوعِها عِنْدَ آخَرِينَ، وبَقائِها طالِعَةً نَحْوَ سِتَّةِ أشْهُرٍ في بَعْضِ العُرُوضِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وقَدْ نَصَّ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلى أنَّ أبا الشَّيْخِ رَواهُ بِسَنَدٍ واهٍ ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ عَلى رِوايَةِ البُخارِيِّ ورِوايَةِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ ومَن مَعَهُ أنَّ أبا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ مَرَّتَيْنِ إلّا أنَّهُ رَدَّ العِلْمَ في الثّانِيَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلَبًا لِزِيادَةِ الفائِدَةِ ومُبالَغَةً في الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ ووَجَدَ عِنْدَها ﴾ أيْ: عِنْدَ تِلْكَ العَيْنِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ (قَوْمًا) لِباسُهم عَلى ما قِيلَ: جُلُودُ السِّباعِ وطَعامُهم ما لَفَظَهُ البَحْرُ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هم قَوْمٌ يُقالُ لَهم: ناسُكَ لا يُحْصِيهِمْ كَثْرَةً إلّا اللَّهُ تَعالى.
وقالَ أبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: هم قَوْمٌ مِن نَسْلِ ثَمُودَ كانُوا يَسْكُنُونَ جابَرْسا وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ لَها اثْنا عَشَرَ بابًا ويُقالُ لَها بِالسُّرْيانِيَّةِ: جَرْجِيسا، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وزَعَمَ ابْنُ السّائِبِ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهم كانُوا كَفّارًا فَخَيَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أنْ يُعَذِّبَهم بِالقَتْلِ وأنْ يَدْعُوَهم إلى الإيمانِ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ بِالقَتْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ﴿ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ أيْ أمْرًا ذا حُسْنٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ بِالدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ والإرْشادِ إلى ما فِيهِ الفَوْزُ بِالدَّرَجاتِ، ومَحَلُّ إنَّ مَعَ صِلَتِهِ إمّا الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ أوْ عَلى الخَبَرِ، وإمّا النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، إمّا تَعْذِيبُكَ واقِعٌ أوْ إمّا أمْرُكَ تَعْذِيبُكَ أوْ إمّا تَفْعَلُ أوْ تُوقِعُ تَعْذِيبَكَ وهَكَذا الحالُ في الِاتِّخاذِ، وقُدِّمَ التَّعْذِيبُ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ في الحالِ لِكُفْرِهِمْ، وفي التَّعْبِيرِ- بِإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا- دُونَ إمّا أنْ تَدْعُوَهم مَثَلًا إيماءً إلى تَرْجِيحِ الشِّقِّ الثّانِي، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِنُبُوَّتِهِ، والقَوْلُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِواسِطَةِ مَلَكٍ وعِنْدَ آخَرِينَ كِفاحًا ومَن لَمْ يَقُلْ بِنُبُوَّتِهِ قالَ: كانَ الخِطابُ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ في ذَلِكَ العَصْرِ أوْ كانَ ذَلِكَ إلْهامًا لا وحْيًا بَعْدَ أنْ كانَ ذَلِكَ التَّخْيِيرُ مُوافِقًا لِشَرِيعَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ.
وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّخْيِيرِ المُتَضَمِّنِ لِإزْهاقِ النُّفُوسِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالإلْهامِ دُونَ الإعْلامِ وإنْ وافَقَ شَرِيعَةً، ونُقِضَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَبْحِ ابْنِهِ بِالرُّؤْيا وهي دُونَ الإلْهامِ، وفِيهِ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإلْهاماتِهِمْ وحَيٌّ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، والكَلامُ هُنا عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ النُّبُوَّةِ وهو ظاهِرٌ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: المَعْنى: قُلْنا يا مُحَمَّدُ قالُوا أيْ جُنْدُهُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ يا ذا القَرْنَيْنِ فَحُذِفَ القَوْلُ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وهو مِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ دَعْوى أنَّ القائِلَ العُلَماءُ الَّذِينَ مَعَهُ قالُوهُ عَنِ اجْتِهادٍ ومُشاوَرَةٍ لَهُ بِذَلِكَ، ونَسَبَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مَجازًا، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ في نُبُوَّتِهِ، ولَعَلَّها أظْهَرُ في ذَلِكَ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ﴾ عَلى نُبُوَّةِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلى صَرْفِها عَنِ الظّاهِرِ الأخْبارُ الدّالَّةُ عَلى خِلافِها، ولَعَلَّ الأُولى في تَأْوِيلِها أنْ يُقالَ: كانَ القَوْلُ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وكان اسمه اسكندر.
وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: لم سمي ذا القرنين؟
فقال: «اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: لأنه ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، وقال بعضهم: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، فسماه الملك الذي عند قاف ذا القرنين، ويقال: رأى في المنام أنه دنا من الشمس وأخذ منها، فقصَّ رؤياه على قومه فسموه ذا القرنين» ، وقال الزجاج: «سمي ذا القرنين لأنه كان له ضفيرتان» .
وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: «ضرب على قرني رأسه، وقيل: لأنه بلغ قطر الأرض» وقال عكرمة: «كان ذو القرنين نبياً، ولقمان نبياً» ، والخضر نبياً، وروى مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «كان ذو القرنين نبياً» ، وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين، فقال: كان رجلا صالحا، وهكذا قال ابن عباس وجمعة من الصحابة: «أن ذا القرنين كان رجلاً صالحاً، ولقمان كان رجلا حكيما» ، وروي عن رسول الله أنه سئل عن ذي القرنين فقال: «هو ملك يسيح في الأرض» وقال مجاهد: ملك الأرض أربعة، اثنان مؤمنان واثنان كافران.
أما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما الكافران فالنمرود بن كنعان وبختنصر.
قال تعالى: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، أي: خبراً وعلماً من الله تعالى.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، أي ملكناه وأعطيناه وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً، أي علماً.
ويقال: أعطيناه علم الوصول إلى كل شيء يحتاج إليه من الحروف وغيرها، ويقال: علماً بالطريق فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي أخذ طريقاً فسار إلى المغرب، حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر حَامِئَةٍ بالألف، وقرأ الباقون حَمِئَةٍ بغير ألف.
فمن قرأ حَامِئَةٍ يعني: جائرة، ومن قرأ بغير ألف يعني: من طينة سوداء منتنة.
وروي أن معاوية قرأ في عين حامة فقال ابن عباس: ما نقرؤها إلا حمئة، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟
فقال: كما قرأتها.
قال ابن عباس: «في بيتي نزل القرآن» ، فبعث معاوية إلى كعب يسأله: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟
قال: «في ماء وطين وقال: في مدرة سوداء» .
قال القتبي حَمِئَةٍ ذات حمات، والحامية حارّة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع فَأَتْبَعَ بتشديد التاء وكذلك ما بعده، وقرأ الباقون فأتبع بنصب الألف وجزم التاء بغير تشديد.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، أي عند العين التي تغرب فيها الشمس مؤمنين وكافرين، فظهر عليهم.
قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قال مقاتل: أوصى الله تعالى إليه، وقال ابن عباس: ألهمه الله تعالى.
إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ، يعني: أن تقتل من كان كافراً وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، يعني: تنعم عليهم وتغفر لمن كان مؤمناً.
وقال بعضهم: كانوا كلهم كفاراً، قيل له: إما أن تعذب من لم يؤمن، وإما أن تتخذ فيهم حسنا لمن آمن.
<div class="verse-tafsir"
معناه، وقال الداوديّ: كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذَهَبٌ وفِضَّة» انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحَدٍ معه، فاللَّه أعلم أيَّ ذلك كَانَ.
وقوله سبحانه: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ظاهر اللفظِ، والسابقُ منه إِلى الذهنِ أنه والدهما دِنْيَةً «١» ، وقيل: هو الأب السابعُ، وقيل: العاشر، فَحُفِظَا فيه، وفي الحديثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ في ذُريتِهِ» ، وقول الخضر: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، يقتضي أنه نَبِيٌّ، وقد اختلف فيه، فقيل: هو نبيٌّ، وقيل: عَبْدٌ صالح، وليس بنبيٍّ وكذلك اختلف في موته وحياته، واللَّه أعلم بجميع ذلك، ومما يقضي بموت الخضر قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن إلى رأس مائة مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ على ظَهْرِ الأَرضِ أحد» «٢» .
قال القرطبيُّ في «تذكرته» : وذكر عن عمرو بن دِينَارٍ: الخَضِرُ وإِلياسُ عليهما السلام حَيَّانِ، فإِذا رفع القرآن ماتا/ قال القرطبيُّ: وهذا هو الصحيحُ انتهى، وحكاياتُ مَنْ رأَى الخَضِرَ من الأولياء لا تحصَى كثرةٍ فلا نطيلُ بَسْردها، وانظر «لطائِفَ المِنَن» لابن عطاء اللَّه.
وقوله: ذلِكَ تَأْوِيلُ: أي مآل، وحكى السُّهَيْليُّ أنه لما حان للخَضِر وموسى أن يفترقا، قال له الخَضر: لو صَبَرْتَ، لأَتَيْتَ عَلَى أَلْفِ عَجَبٍ، كلُّها أعجبُ ممَّا رأَيْتَ، فبكى موسى، وقالَ للخَضِر: أوْصِنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فقال: يا مُوسَى، اجْعَلْ همَّك في معادِكَ، ولا تَخُضْ فيما لا يَعْنِيك، ولا تأمَنْ مِنَ الخوفِ في أمْنِكَ، ولا تَيْئَس من الأمن في خوفك، وتدَّبر الأمورَ في علانيتِكَ، ولا تَذَر الإحسانَ في قُدْرتك، فقال له موسى: زِدْنِي يرحمك اللَّه، فقال له الخَضِر: يا مَوسَى، إِياكَ واللَّجَاجَةُ، ولا تَمْش في غير حَاجَةٍ، ولا تَضْحَكْ من غَيْر عَجَبٍ، ولا تعير أحداً، وابكِ على خطيئتك يا بن عمران.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ...
الآية: «ذو القرنين» ، هو المَلِكُ الإسْكَنْدَرُ اليُونَانِيُّ، واختلف في وَجْه تسميته ب «ذي القَرْنَيْنِ» وأحسنُ ما قيل فيه: أنه كان ذا ظفيرتين، من شَعْرهما قرناه، والتمكينُ له في الأرض: أنه مَلَكَ الدنيا، ودانَتْ له الملوك كلها، وروي أن جميع من مَلَكَ الدنيا كلَّها أربعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وكافران فالمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرَانِ: نُمْرُود، وبُخْتَ نَصَّرَ.
وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً معناه: علْماً في كل أمْرٍ، وأقيسةً يتوصَّل بها إِلى معرفة الأشياء، وقوله: كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ معناه الخصوص في كلِّ ما يمكنه أنْ يعلمه ويحتاجُ إلَيْه، وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي: طريقاً مسلوكةً، وقرأ نافع وابن كثير «١» :
وحفص عن عاصم: «في عَيْنٍ حِمِئَة» ، أي: ذاتِ حَمْأة، وقرأ الباقون: «في عَيْنٍ حَامِيَةٍ» ، أي: حارَّة، وذهب «٢» الطبريُّ إلى الجمع بين الأمرين، فقال: يحتملُ أن تكون العين حارَّة ذاتَ حَمْأة واستدلَّ بعضُ الناس على أن ذا القرنين نبيّ بقوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، ومن قال: إنه ليس بنبيٍّ، قال كانت هذه المقالةُ مِنَ اللَّهِ له بإِلهامِ.
قال ع «٣» : والقول بأنه نبيّ ضعيف، وإِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ معناه: بالقَتْلِ على الكُفْر، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي: إِن آمنوا، وذهب الطبري «٤» إِلى أنَّ اتخاذه الحُسْن هو الأسْرُ مع كُفْرهم، ويحتمل أنْ يكون الاتخاذ ضَرْبَ الجزية، ولكنْ تقسيم ذي القرنين بعد هذا الأمْر إِلى كفر وإيمان يردُّ هذا القول بعض الردّ، وظَلَمَ في هذه الآية:
بمعنى كَفَر، وقوله: عَذاباً نُكْراً، أي: تنكره الأوهام، لعظمه، وتستهوله، والْحُسْنى يراد بها الجَنَّة.
وقوله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطُّرُق المؤدِّية إِلى مَقْصِده، وكان ذو القرنَيْن، على ما وقع في كُتُب التاريخ يَدُوسُ الأرض بالجيوش الثّقال،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ .
واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ.
والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ.
والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ.
والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.
وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ.
والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ.
الخامِسُ: لِأنَّهُ مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ.
والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.
والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ.
والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ.
والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ.
والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.
واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ.
ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.
والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ.
﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ ؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها.
قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ.
وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ.
ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ.
وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ.
قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ.
[ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ.
ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً.
وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ.
ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا ﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ.
ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟
وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] .
وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ.
﴿ قالَ أمّا مَن ظَلَمَ ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ.
وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا ﴾ بِالنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ.
قالَ الفَرّاءُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ : الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ ﴾ ، و ﴿ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ ، ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ ﴾ .
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا ﴾ ؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن سَألَهُ عن هَذِهِ القِصَّةِ، فَقِيلَ: سَألَتْهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَوى في ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ حَدِيثًا ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وقِيلَ: إنَّما سَألَتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ دَلَّتْها اليَهُودُ عَلى سُؤالِهِ عَنِ الرُوحِ والرَجُلِ الطَوّافِ وفَتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ لِيَقَعَ امْتِحانُهُ بِذَلِكَ.
وذُو القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ المَقْدُونِيُّ، وقَدْ تُشَدَّدُ قافُهُ فَيُقالُ: المَقَّدُونِيُّ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ أنَّهُ يُونانِيٌّ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: هو رُومِيٌّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ شابٌّ مِنَ الرُومِ، وهو حَدِيثٌ واهِيُ السَنَدِ، عن شَيْخَيْنِ مَن تَجِيبُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَأحْسَنُ الأقْوالِ أنَّهُ كانَ ذا ضِفِيرَتَيْنِ مَن شَعْرٍ هُما قَرْناهُ، فَسُمِّي بِهِما، ذَكَرَهُ المَهْدَوْيُّ وغَيْرُهُ، والضَفائِرُ قُرُونُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَثَمَتْ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ شُرْبَ النَزِيفِ لِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ ومِنهُ الحَدِيثُ في غَسْلِ بِنْتِ النَبِيِّ ، قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: « "فَضَفَرْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ قُرُونَ"،» وكَثِيرًا تَجِيءُ تَسْمِيَةُ النَواصِي قُرُونًا.
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ مُلْكِهِ يَرى في نَوْمِهِ أنَّهُ يَتَناوَلُ الشَمْسَ ويُمْسِكُ قَرْنَيْنِ لَها بِيَدَيْهِ، فَقَصَّ ذَلِكَ، فَفَسَّرَ أنَّهُ سَيُغْلَبُ عَلى ما ذَرَّتْ عَلَيْهِ وسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ بَلَغَ المَغْرِبَ والمَشْرِقَ، فَكَأنَّهُ حازَ قَرْنَيِ الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّهُ بَلَغَ مَطْلَعَ الشَمْسِ كَشَفَ بِالرُؤْيَةِ قَرْنَيْها فَسَمِّي بِذَلِكَ، أو قَرْنَيِ الشَيْطانِ بِها، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ جَنَبَتَيْ رَأسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ أيْضًا: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بَعِيدٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ فَماتَ، ثُمَّ حَيِيَ، ثُمَّ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ الآخَرِ فَماتَ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ جُرِحَ عَلى قَرْنَيْ رَأْسِهِ جُرْحَيْنِ عَظِيمَيْنِ في يَوْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أيّامِ حَرْبِهِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أُبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَرِيبٌ.
والتَمْكِينُ لَهُ في الأرْضِ أنَّهُ مَلَكَ الدُنْيا ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ كُلُّها، فَرُوِيَ أنَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الدُنْيا أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ، فالمُؤْمِنانِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرانِ نَمْرُوذُ وبَخْتَنْصَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ مَعْناهُ: عَلْمًا في كُلِّ أمْرٍ، وأقْيِسَةً يَتَوَصَّلُ بِها إلى مَعْرِفَةِ الأشْياءِ.
وقَوْلُهُ: " كُلِ شَيْءٍ " عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ ويَحْتاجُ إلَيْهِ، وثَمَّ لا مَحالَةَ أشْياءَ لَمْ يُؤْتَ مِنها سَبَبًا يَعْلَمُها بِهِ.
واخْتُلِفَ في ذِي القَرْنَيْنِ، فَقِيلَ: هو نَبِيٌّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ -بِفَتْحِ اللامِ-، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمَعَ رَجُلًا يَدْعُو آخَرَ: يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ: أما كَفاكم أنْ تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ حَتّى تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ المَلائِكَةِ؟
ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عنهُ فَقالَ: "مَلَكٌ مَسَحَ الأرْضَ مِن تَحْتِها بِالأسْبابِ"،» وقِيلَ: هو عَبْدُ مَلِكٌ -بِكَسْرِ اللامِ- صالِحٌ نَصَحَ لِلَّهِ فَأيَّدَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ: "فِيكُمُ اليَوْمَ مِثْلُهُ"، وعَنى بِذَلِكَ نَفْسَهُ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ الآيَةُ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "فاتَّبَعَ سَبَبا" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَأتْبَعَ سَبَبا" بِسُكُونِ التاءِ، عَلى وزْنٍ أفْعَلُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَذَلِكَ "تَبِعَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أتْبَعُ" بِقَطْعِ الألْفِ عِبارَةٌ عَنِ المُجِدِّ المُسْرِعِ الحَثِيثِ الطَلَبِ، و"اتَّبَعَ" إنَّما يَتَضَمَّنُ مَعْنى الِاقْتِفاءِ دُونَ هَذِهِ القَرائِنِ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَقْرَأ هَذا القائِلُ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ النَقّاشُ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، وإذا تَأمَّلْتَ "اتَّبَعَ" بِشَدِّ التاءِ لِمْ يَرْتَبِطْ لَكَ هَذا المَعْنى ولا بُدَّ.
و"السَبَبُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الطَرِيقُ المَسْلُوكَةُ؛ لِأنَّها سَبَبُ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، أيْ: ذاتُ حُماةٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، والباقُونَ: "فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ"، أيْ حارَةٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ في قِراءَةَ ذَلِكَ مُعاوِيَةُ وابْنُ عَبّاسٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "حَمِئَةٍ"، وقالَ مُعاوِيَةُ: "حامِيَةٍ"، فَبَعَثا إلى كَعْبِ الأحْبارِ لِيُخْبِرَهم بِالأمْرِ كَيْفَ هو في التَوْراةِ، فَقالَ لَهُما: أمّا العَرَبِيَّةُ فَأنْتُما أعْلَمُ بِها مِنِّي، ولَكِنِّي أجِدُ في التَوْراةِ أنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ ثَأْطٍ، والثَأْطُ: الطِينُ، فَلَمّا انْفَصَلا قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوَدِدْتُ أبا العَبّاسِ فَكُنْتُ أُنْجِدُكَ بِشِعْرٍ تُبَّعَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ في ذِكْرِ ذِي القَرْنَيْنِ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ مَلِكًا تَدِينُ لَهُ المُلُوكُ ويُحْشَدُ بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ ∗∗∗ أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ فَرَأى مَغِيبَ الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وثَأْطِ حَرْمَدَ فالخُلُبُ: الطِينُ، والثَأْطُ: الحُمْأةُ، والحَرْمَدُ: الأسْوَدُ، ومَن قَرَأ: "حامِيَةٍ" وجْهُها إلى الحَرارَةِ، ورُوِيَ «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ نَظَرَ إلى الشَمْسِ وهي تَغِيبُ فَقالَ: "فِي نارِ اللهِ الحامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنَ اللهِ لَأحْرَقَتْ ما عَلى الأرْضِ".»«وَرَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللهِ نَظَرَ إلى الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها فَقالَ: "أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ يا أبا ذَرٍّ؟
قُلْتُ: لا، قالَ: إنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ"،» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ هُنالِكَ حارَةٌ، و"حامِيَةٌ" هي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وعَمْرُو بْنِ العاصِ، وابْنِهِ، وابْنِ عُمَرَ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حارَةً ذاتَ حَمْأةٍ، فَكُلُّ قِراءَةٍ وصْفٌ بِصِفَةٍ مِن أحْوالِها، وذَهَبَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ إلى أنْ "فِي" بِمَنزِلَةِ "عِنْدَ"، كَأنَّها مَسامَّتَهُ مِنَ الأرْضِ فِيما يَرى الرائِي لِعَيْنٍ حَمِئَةٍ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: ﴿ فِي عَيْنٍ ﴾ إنَّما المُرادُ أنْ ذا القَرْنَيْنِ كانَ فِيها، أيْ: هي آخِرِ الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ، واللهُ أعْلَمُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ "حامِئَةٍ" مَهْمُوزَةً، بِمَعْنى: ذاتُ حَمْأةٍ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ ﴾ ، ومَن قالَ إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَ: كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ اللهِ بِإلْهامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ، ﴿ وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ بِالحَمْلِ عَلى الإيمانِ واتِّباعِ الهُدى، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ لا تُعْطِها إلّا إحْدى خُطَّتَيْنِ: إمّا أنْ تَكْفُرَ فَتُعَذِّبُها، وإمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُحْسِنُ إلَيْها.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "اتِّخاذَ الحُسْنِ" هو الأسْرُ مَعَ كُفْرِهِمْ، فالمَعْنى -عَلى هَذا- أنَّهم كَفَرُوا ولا بُدَّ، فَخَيَّرَهُ اللهُ تَعالى بَيْنَ قَتْلِهِمْ أو أسْرِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الِاتِّخاذُ" ضَرْبَ الجِزْيَةِ.
ولَكِنَّ تَقْسِيمَ ذِي القَرْنَيْنِ بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلى كُفْرٍ أو إيمانٍ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ بَعْضَ الرَدِّ، فَتَأمَّلْهُ.
<div class="verse-tafsir"
السبب: الوسيلة.
والمراد هنا معنى مجازي وهو الطريق، لأن الطريق وسيلة إلى المكان المقصود، وقرينة المجاز ذكر الاتباع والبلوغ في قوله: ﴿ فأتبع سبباً حتى إذا بلغ مغرب الشمس.
﴾ والدليل على إرادة غير معنى السبب في قوله تعالى: ﴿ وءاتيناه مِن كُلّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ إظهار اسم السبب دون إضماره، لأنه لما أريد به معنى غير ما أُريد بالأول حسن إظهار اسمه تنبيهاً على اختلاف المعنيين، أي فاتبع طريقاً للسير وكان سيره للغزو، كما دلّ عليه قوله: ﴿ حَتَّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ .
ولم يعدّ أهل اللغة معنى الطريق في معاني لفظ السبب لعلهم رأوه لم يكثر وينتشر في الكلام.
ويظهر أن قوله تعالى: ﴿ أسباب السموات ﴾ [فاطر: 37] من هذا المعنى.
وكذلك قول زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه *** أي هاب طرق المنايَا أن يسلكها تنله المنايا، أي تأتيه، فذلك مجاز بالقرينة.
والمراد ب ﴿ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات المعمور من طريق غزوته أو مملكته.
وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحرة، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل.
والأشبه أن يكون ذو القرنين قد بلغ بحر الخزر وهو بحيرة قزوين فإنها غرب بلاد الصين.
والقول في تركيب ﴿ حتى إذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ كالقول في قوله: ﴿ حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ﴾ .
والعين: منبع ماء.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص {في عيننٍ حمئة مهموزاً مشتقاً من الحمأة، وهو الطين الأسود.
والمعنى: عين مختلط ماؤها بالحمأة فهو غير صاف.
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف: في عين حامية بألف بعد الحاء وياء بعد الميم، أي حارة من الحمو وهو الحرارة، أي أن ماءها سخن.
ويظهر أن هذه العين من عيون النفْط الواقعة على ساحل بحر الخزر حيث مدينة (باكو)، وفيها منابع النفط الآن ولم يكن معروفاً يومئذ.
والمؤرخون المسلمون يسمونها البلاد المنتنة.
وتنكير قَوْماً} يؤذن بأنهم أمّة غير معروفة ولا مألوفة حالة عقائدهم وسيرتهم.
فجملة ﴿ قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ ﴾ استئناف بياني لما أشعر به تنكير ﴿ قَوْماً ﴾ من إثارة سؤال عن حالهم وعما لاقاه بهم ذو القرنين.
وقد دل قوله: ﴿ إمَّا أن تُعَذّبَ وإمَّا أن تَتَّخِذَ فِيهمْ حُسْناً ﴾ على أنهم مستحقون للعذاب، فدلّ على أن أحوالهم كانت في فساد من كفر وفساد عمل.
وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام، أي ألقينا في نفسه تردداً بين أن يبادر استيصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل، ويكون قوله ﴿ قَالَ أمَّا مَن ظَلَمَ ﴾ ، أي قال في نفسه معتمداً على حالة وسط بين صورتي التردد.
وقيل: إن ذا القرنين كان نبيئاً يوحى عليه فيكون القول كلاماً موحىً به إليه يخيّره فيه بين الأمرين، مثل التخيير الذي في قوله تعالى: ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ [محمد: 4]، ويكون قوله: ﴿ قَالَ أمَّا مَن ظَلَمَ ﴾ جواباً منه إلى ربّه.
وقد أراد الله إظهار سداد اجتهاده كقوله: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ [الأنبياء: 79].
و ﴿ حُسْناً ﴾ مصدر.
وعدل عن (أن تحسن إليهم) إلى ﴿ أن تَتَّخِذَ فِيهِم حُسناً ﴾ مبالغة في الإحسان إليهم حتى جعل كأنه اتّخذ فيهم نفس الحُسن، مثل قوله تعالى: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ [البقرة: 83].
وفي هذه المبالغة تلقين لاختيار أحد الأمرين المخير بينهما.
والظلم: الشرك، بقرينة قسيمه في قوله ﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً ﴾ .
واجتلاب حرف الاستقبال في قوله: ﴿ فَسَوْفَ نُعَذّبُهُ ﴾ يشير إلى أنه سيدعوه إلى الإيمان فإن أصرّ على الكفر يعذبه.
وقد صرح بهذا المفهوم في قوله ﴿ وأمَّا مَن ءَامَنَ وعَمِلَ صالحا ﴾ أي آمن بعد كفره.
ولا يجوز أن يكون المراد من هو مؤمن الآن، لأن التخيير بين تعذيبهم واتخاذ الإمهال معهم يمنع أن يكون فيهم مؤمنون حين التخيير.
والمعنى: فسوف نعذبه عذاب الدنيا ولذلك أسنده إلى ضميره ثم قال: ﴿ ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ وذلك عذاب الآخرة.
وقرأ الجمهور ﴿ جزاءُ الحسنى بإضافة جزاء إلى الحسنى على الإضافة البيانية.
وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب، وخلف جزاءً الحسنى بنصب جزاءً منوناً على أنه تمييز لنسبة استحقاقه الحسنى، أو مصدر مؤكد لمضمون جملة فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنَى ﴾ ، أو حال مقدمة على صاحبها باعتبار تعريف الجنس كالتنكير.
وتأنيث ﴿ الحُسْنَى ﴾ باعتبار الخصلة أو الفعلة.
ويجوز أن تكون ﴿ الحسنى ﴾ هي الجنة كما في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ [يونس: 26].
والقول اليسر: هو الكلام الحسن، وصف باليسر المعنوي لكونه لا يثقل سماعه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ [الإسراء: 28] أي جميلاً.
فإن كان المراد من ﴿ الحسنى ﴾ الخصال الحسنى، فمعنى عطف ﴿ وسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أمْرِنَا يُسْراً ﴾ أنه يجازَى بالإحسان وبالثناء، وكلاهما من ذي القرنين، وإن كان المراد من ﴿ الحُسْنَى ﴾ ثواب الآخرة فذلك من أمر الله تعالى وإنما ذو القرنين مُخبر به خبراً مستعملاً في فائدة الخبر، على معنى.
إنا نُبشره بذلك، أو مستعملاً في لازم الفائدة تأدباً مع الله تعالى، أي أني أعلم جزاءه عندك الحسنى.
وعطف عليه ﴿ وسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ لبيان حظ الملك من جزائه وأنه البشارة والثناء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَنازِلُ الأرْضِ ومَعالِمُها.
الثّانِي: يَعْنِي طُرُقًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: طَرِيقًا إلى ما أُرِيدَ مِنهُ.
الرّابِعُ: قَفا الأثَرَ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: عَيْنُ ماءٍ ذاتُ حَمْأةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
الثّانِي: يَعْنِي طِينَةٌ سَوْداءُ، قالَهُ كَعْبٌ.
وَقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ: في عَيْنٍ حامِيَةٍ وهي قِراءَةُ الباقِينَ يَعْنِي حارَّةً.
فَصارَ قَوْلًا ثالثًا: ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِلْعَيْنِ أنْ تَكُونَ حَمِئَةً سَوْداءَ حامِيَةً، وقَدْ نُقِلَ مَأْثُورًا في شِعْرِ تُبَّعٍ وقَدْ وصَفَ ذا القَرْنَيْنِ بِما يُوافِقُ هَذا فَقالَ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ قَبْلِيَ مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ المُلُوكُ وتَسْجُدُ ∗∗∗ بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدِ ∗∗∗ فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وثاطٍ حَرْمَدَ الخُلُبُ: الطِّينُ.
والثَّأْطُ: الحَمْأةُ.
والحَرْمَدُ: الأسْوَدُ.
ثُمَّ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَغْرُبُ في نَفْسِ العَيْنِ.
الثّانِي: أنَّهُ وجَدَها تَغْرُبَ وراءَ العَيْنِ حَتّى كَأنَّها تَغِيبُ في نَفْسِ العَيْنِ.
﴿ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَيَّرَهُ في عِقابِهِمْ أوِ العَفْوِ عَنْهم.
الثّانِي: إمّا أنْ تُعَذِّبَ بِالقَتْلِ لِمَقامِهِمْ عَلى الشِّرْكِ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا بِأنْ تُمْسِكَهم بَعْدَ الأسْرِ لِتُعَلِّمَهُمُ الهُدى وتَسْتَنْقِذَهم مِنَ العَمى، فَحَكى مُقاتِلٌ أنَّهُ لَمْ يُؤْمَن مِنهم إلّا رَجُلٌ واحِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر، أن ابن عباس رضي الله عنهما ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية في سورة الكهف ﴿ تغرب في عين حامية ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقلت لمعاوية رضي الله عنه: ما نقرؤها إلا ﴿ حمئة ﴾ فسأل معاوية عبدالله بن عمرو: كيف تقرؤها؟
فقال عبدالله: كما قرأتها.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟
فقال له كعب رضي الله عنه: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين- وأشار بيده إلى المغرب-.
قال ابن أبي حاضر رضي الله عنه: لو أني عندكما أيدتك بكلام وتزداد به بصيرة في ﴿ حمئة ﴾ .
قال ابن عباس: وما هو؟
قلت: فيما نأثر قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم وإتباعه إياه: قد كان ذو القرنين عمرو مسلماً ** ملكاً تدين له الملوك وتحسد فأتى المشارق والمغارب يبتغي ** أسباب ملك من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها ** في عين ذي خلب وثاط حرمد فقال ابن عباس: ما الخلب؟
قلت: الطين بكلامهم.
قال: فما الثاط؟
قلت: الحمأة.
قال: فما الحرمد؟
قلت: الأسود.
فدعا ابن عباس رضي الله عنهما غلاماً فقال له: اكتب ما يقول هذا الرجل.
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ في عين حمئة ﴾ .
وأخرج الحاكم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ﴿ في عين حمئة ﴾ .
وأخرج الحافظ عبد الغني بن سعيد رضي الله عنه في إيضاح الإشكال من طريق مصداع بن يحيى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقرأنيه أبي بن كعب رضي الله عنه كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ تغرب في عين حمئة ﴾ مخففة.
وأخرج ابن جرير من طريق الأعرج قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما يقرؤها ﴿ في عين حمئة ﴾ ثم قرأها ﴿ ذات حمئة ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ في عين حمئة ﴾ قال كعب رضي الله عنه: ما سمعت أحداً يقرؤها كما هي في كتاب الله غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة (تغرب في حمئة سوداء).
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر من طريق عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خالفت عمرو بن العاص عند معاوية في ﴿ حمئة ﴾ وحامية، قرأتها ﴿ في عين حمئة ﴾ فقال عمرو: ﴿ حامية ﴾ فسألنا كعباً فقال: إنها في كتاب الله المنزل ﴿ تغرب في طينة سوداء ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن حاضر، عن ابن عباس قال: كنا عند معاوية فقرأ ﴿ تغرب في عين حامية ﴾ فقلت له: ما نقرؤها إلا ﴿ في عين حمئة ﴾ فأرسل معاوية إلى كعب فقال: أين تجد الشمس في التوراة تغرب؟
قال: أما العربية فلا علم لي بها، وأما أنا فأجد الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين.
وأخرج سعيد بن منصور عن طلحة بن عبيد الله، أنه كان يقرأ ﴿ في عين حامية ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس ﴿ في عين حامية ﴾ يقول: حارة.
وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن منيع وابو يعلى وابن جرير وابن مردويه، عن عبدالله بن عمرو قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: «نار الله الحامية، لو ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه، عن أبي ذر قال: «كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار، فرأى الشمس حين غربت فقال: أتدري أين تغرب؟
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنها تغرب في عين حامية» غير مهموزة.
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي العالية قال: بلغني أن الشمس تغرب في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ قال: مدينة لها اثنا عشر ألفا باب، لولا أصوات أهلها لسمع الناس دوي الشمس حين تجب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي صالح قال: كان يقال: لولا لغط أهل الرومية سمع الناس وجبة الشمس حين تقع.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: لولا أصوات الصنافر لسمع وجبة الشمس حين تقع عند غروبها.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ أي: ذات حمأة وهي: الطين الأسود المنتن (١) (٢) (٤) وقال الأصمعي في الأجناس: (على القلب من هذا) (¬4).
قال الأزهري: (وليس ذلك بمحفوظ، والصواب ما قاله ابن السكيت) (٥) ويقال: حمئت البئر تحمأ حمأ إذا صارت ذات حمأة فهي حمئة، وهذه قراءة ابن عباس، ومجاهد، وفسراها: (حَمَأة سوداء، وطينة سوداء) (٦) (٧) وقرأ ابن الزبير، وابن مسعود: حامِية، من غير همز (¬8).
وهي فاعلة من حَمِيَت تَحْمَى فهي حامية أي: حارة، ويدل على صحة هذه القراءة ما روي: (أن النبي - - نظر إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار الله الحامية، في نار الله الحامية") (٨) (٩) (١٠) (١١) وقال أبو علي: (يجوز أن تكون حامية فاعِلةً من الحَمَأة، فخفف الهمزة بأن قلبت ياء محضة، على قياس قول أبي الحسن، وعلى قول الخليل كانت بَين بَين) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ﴾ أي: عند العين: ﴿ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ ﴾ قال ابن الأنباري: (من قال: إن ذا القرنين كان نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكلم، أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا قال: معنى ﴿ قُلْنَا ﴾ هاهنا: ألهمنا) (١٣) ﴿ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد إما أن [تقتل ﴿ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ قال: وإما أن تسبيهم) (١٤) قال المفسرون: (يريد إما أن] (١٥) (١٦) وقال الكلبي في قوله: ﴿ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ (يريد تعفو أو تنعم) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .
قال ابن الأنباري: (موضع ﴿ أَن ﴾ نصب؛ لأن المعنى: اختر التعذيب أو اتخذا الحسن عندهم، فأفادت ﴿ إِمَّا ﴾ التخيير، قال: ويجوز أن يكون رفعا بتأويل: إما هو التعذيب، وإما هو الاتخاذ) (٢٠) (١) "جامع البيان" 16/ 11، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 49، "فتح القدير" 3/ 444.
(٢) "تهذيب اللغة" (حما) 1/ 909.
(٣) "تهذيب اللغة" (حما) 1/ 909.
(٤) "جامع البيان" 16/ 11، "بحر العلوم" 2/ 311، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113.
(٥) "جامع البيان" 16/ 11، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 411، "معالم التنزيل" 5/ 199، "المحرر الوجيز" 9/ 393، "الدر المنثور" 4/ 445.
(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (حمئه) مهموزة بغير ألف.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (حاميه) بألف من غير همز.
== انظر: "السبعة" ص 398، "الحجة" للقراءة السبعة 5/ 169، "العنوان في القراءات" 124، "المبسوط في القراءات" ص 237.
(٧) أخرج الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 207، وانظر: "المطالب العالية" 3/ 350، و"الكافي الشاف" لابن حجر ص 104، والطبري في "جامع البيان" 16/ 12، وابن عطية 9/ 393، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 113 وقال: رواه الإمام أحمد عن يزيد ابن هارون، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 447، وزاد في نسبته لأبي يعلى، وابن منيع، وابن مردويه.
(٨) "جامع البيان" 16/ 12، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 410، "زاد المسير" 5/ 1850، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 114.
(٩) قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 12: والصواب من القول في ذلك عندي: أن يقال أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ولكل واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ: في عين حامية واصفها بصفتها التي هي لها وهي الحرارة، ويكون القارئ: في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأ وطين، وقد رُوِي -بكلا صفتيهما اللتين قلت: إنهما من صفتها- أخبار.
وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 105: ولا منافاة بين معنييهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار.
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 308.
(١١) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 169.
(١٢) ذكرته كتب التفسير.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 199، "المحرر الوجيز" 9/ 395، "زاد المسير" 5/ 185، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 52.
(١٣) ذكرت كتب بالتفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 11، "معالم التنزيل" 5/ 200، "المحرر الوجيز" 9/ 395، "لباب التأويل" 4/ 229، "أنوار التنزيل" 3/ 235.
(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).
(١٥) "جامع البيان" 16/ 12، "معالم التنزيل" 5/ 200، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 114، "بحر العلوم" 2/ 311.
(١٦) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 200، "النكت والعيون" 3/ 339، "لباب التأويل" 4/ 230، "التفسير الكبير" 21/ 167.
(١٧) قوله: (القول لأنه)، ساقط من نسخة (س).
(١٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.
(١٩) ذى بلا نسبة في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 291، "إملاء ما من به الرحمن" ص 404، "البحر المحيط" 6/ 160، "الدر المصون" 7/ 542.
(٢٠) لم أقف عليه وذكره المؤلف في "تفسيره الوسيط" 3/ 165.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾ هؤلاء القوم هم الزنج وهم أهل الهند ومن وراءهم، ومعنى لم نجعل الآية أنهم ليس لهم بنيان إذ لا تحمل أرضهم البناء وإنما يدخلون من حر الشمس في أسراب تحت الأرض وقال ابن عطية: الظاهر أنها عبارة عن قرب الشمس منهم وقيل: الستر اللباس فكانوا على هذا لا يلبسون الثياب ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيماً لأمره وقيل: إن كذلك راجع لما قبله أي لم نجعل لهم ستراً، كما جعلنا لكم من المباني والثياب، وقيل: المعنى وجد عندها قوماً كذلك، أي مثل القوم الذين وجدوا عند مغرب الشمس وفعل معهم مثل فعله ﴿ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ﴾ أي الجبلين وهما جبلان في طرف الأرض، وقرئ بالفتح والضم وهما بمعنى واحد، وقيل ما كان من خلقة الله فهو مضموم وما كان من فعل الناس فهو مفتوح ﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً ﴾ قيل هم الترك ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ عبارة عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس، فهم لا يفقهون القول إلا بالإشارة أو نحوها ﴿ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴾ قبيلتان من بني آدم في خلقهم تشويه، منهم مفرط الطول ومفرط القصر ﴿ مُفْسِدُونَ فِي الأرض ﴾ لفسادهم بالقتل والظلم وسائر وجوه الشرط، وقيل: كانوا يأكلون بني آدم.
﴿ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾ هذا استفهام في ضمنه عرض ورغبة، والخرج الجباية يقال فيه خراج وقد قرئ بهما، فعرضوا عليه أن يجعلوا له أموالاً ليقيم بها السد ﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ أي ما بسط الله لي من الملك خير من خرجكم، فلا حاجة لي به ولكن أعينوني بقوة الأبدان وعمل الأيدي ﴿ رَدْماً ﴾ أي حاجزاً حصيباً، والردم أعظم من السد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.
﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.
يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.
﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.
الآخرون بضمها.
﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.
﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.
والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.
الآخرون بفتح الصاد والدال.
﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.
﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.
وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.
وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.
التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.
وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.
يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.
قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.
فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.
قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.
والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.
وروي عن النبي أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.
وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.
وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.
وقيل: كان لتاجه قرنان.
وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.
ويروى الروم والترك.
وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.
وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.
وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.
وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.
وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.
وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.
ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.
وعن علي : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.
وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟
فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.
قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.
وقيل: كان نبياً لقوله : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.
وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.
قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله وأنزل فيه وحياً.
والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.
والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.
ثم إنه شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.
"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟
قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .
فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.
وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟
فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.
أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.
قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.
روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.
ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.
وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.
حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.
فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.
وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.
فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.
وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.
الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.
الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.
الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.
ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.
وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.
فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.
وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.
وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.
سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟
وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.
وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.
وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.
وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.
ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.
أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: يأكلون لحومهم.
وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.
وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.
وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.
وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.
قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.
من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.
ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.
﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.
وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.
يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.
وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.
وعن رسول الله أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟
قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
قال: قد والله رأيته.
قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.
﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.
ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.
ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.
ثم شرع في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.
ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.
ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.
وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.
وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.
ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.
ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.
وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.
احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.
وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.
ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟
وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.
والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.
ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.
قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.
وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة ﴾ وروي عنه أن منهم أهل حروراء.
وعن مجاهد: أهل الكتاب.
والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.
وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.
وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.
وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.
والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.
عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.
وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.
وعن النبي : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.
نبه على كمال حال القرآن.
والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".
والمدد والمداد واحد.
يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ فنزلت هذه الآية.
يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.
قالت الأشاعرة: إن كلام الله واحد.
واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله .
وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله .
وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.
وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.
قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.
أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.
ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .
وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.
واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.
"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .
وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.
قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.
والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.
قال في الكشاف: عن رسول الله : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.
ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.
﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.
﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.
﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ .
في الآية دلالة أن الآية نزلت على رسول الله قبل أن يسأل هو عن خبر ذي القرنين؛ لأنه قال ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ ، ولم يقل: "سألوك"، والخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني يدل على ذلك، أيضاً؛ لأنه روى "أن نفراً من أهل الكتاب جاءوا بالصحف والكتب، فقالوا لي: استأذن لنا على رسول الله: لندخلن عليه؛ فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم؛ فقال رسول الله : مَالِي وَلَهُمْ يَسْأَلُونَ عما لا أعلمُ، إنما أنا عبدٌ لا علم لي إلا ما علّمني ربّي، ثم قال: أَبغني وضوءً أتوضأ به، فتوضأ، ثم قام إلى مسجد في بيته، فركع فيه ركعتين، فما انصرف حتى بدا لي السّرور في وجهه، ثم قال لي: اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي، فأدخلهم فلما رآهم النبي قال لهم: إن شئتم أخبرتكم كما تجدونه في كتابكم" ؛ فهذا إن ثبت يدل أنه نزل عليه نبأ ذي القرنين وخبره قبل أن يسأل.
وأما أهل التأويل قالوا جميعاً: إنه سئل قبل أن ينزل عليه خبره، ثم نزل من بعد السؤال، والله أعلم.
ثم اختلف فيه: قال الحسن: كان نبيّاً، دليله: ما قال: ﴿ قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ؛ قال: هذا تحكيم من الله إياه فيما ذكر، ولا يولي الحكم إلا من كان نبيّاً.
وأما علي بن أبي طالب فإنه سئل عن ذلك: كان نبيا أو ملكاً؟
فقال: لا واحد منهما.
وقال غير هؤلاء: إنه كان ملكا؛ يدل على ذلك الخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني: "أن رسول الله سئل عن خبره وبنائه، قال: فقال رسول الله: كان غلاماً من الروم أعطي ملكا فسار حتى بلغ كذا..." ، على ما ذكر في الخبر، والأشبه أن يكون أنه كان ملكا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: ملكنا له الأرض له جملة، ذكر تمكين الأرض له جملة يصنع فيها ما يشاء، لم يخص له ناحية منها دون ناحية، وليس كقوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً...
﴾ الآية [القصص: 57]، وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ : هاهنا خص مكانا لهم دون مكان، وأما في ذي القرنين ذكر التمكين له في الأرض، لم يخص ناحية منها دون ناحية؛ فهو أن ملكه ومكنه الأرض كلها.
وقول الحسن: إنه حكمه وولى له الحكم - فهذا لا يدل أنه كان نبيّاً؛ لأن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو في ذلك الزمان؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : أن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو والقتال في ذلك مع العدو فعلى ذلك هنا.
وقوله: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ ، وأما من آمن كذا: يحتمل هذا منه إلهام من الله - - أو تعليم الملك الذي كان فيه، أو كان معه نبي فأخبر له بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ .
اختلف في ذلك: قال بعضهم: علم المنازل: أي: منازل الأرض ومعالمها وآثارها.
وقال [بعضهم]: العلم والقوة.
وقال بعضهم: أعطاه السبب الذي به صلاح ما مكن له، وملك له مما يقع له الحاجة إليه.
وقال بعضهم: ذلك السَّبب كان أنعاماً: كان عليها يحمل الخشب، فيتخذ منه سفينة إن استقبله بحر، فيعبر بها، ثم ينقضها ويحمل الخشب على الأنعام ويعبر البر على الدواب، فذلك السبب الذي ذكر.
وأصله: أنه ذكر أنه أتاه السبب الذي به صلاح ما مكن له وملك عليه، ولم يبيّن ما ذلك السبب؛ فلا ندري ما أراد بذلك؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ .
كأنه أراد وطلب أن يعرف أنها أين تغرب؟
حيث قال: ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ، وفيه لغتان: ﴿ حَامِيَةً ﴾ و ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ ، قالوا من قرأها: ﴿ حَامِيَةً ﴾ أراد: في عين حارة، ومن قرأ ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ - مهموزة بغير ألف - أراد الحمأة: وهي الطينة السوداء، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ .
قال بعضهم: كانوا كفارا ومؤمنين الفريقان جميعاً، فقال في الكفار: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ ، وهو القتل، [و] قال في المؤمنين: ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : ليس على التخيير؛ ولكن على الحكم في كل فريق على حدة.
وقال بعضهم: كانوا كلهم كفارا؛ فيكون تأويل قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ : إذا لم يجيبوك، ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : إذا أجابوك وآمنوا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
هذا أنه حكم بذلك بتعليم نبي أو ملك كان معه، أو حكم بذلك؛ لما كان عرف أن سنة الله في الكفار القتل والإهلاك، وفي المؤمنين الترك والإحسان، أو ألهم إلهاماً بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ .
قال الحسن: ﴿ يُسْراً ﴾ ، أي: عارفاً.
وقال بعضهم: ﴿ يُسْراً ﴾ : معروفاً.
وقال بعضهم: (اليسر): هو اسم كل خير وبركة، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ ، أي: بلاغا لحاجته.
وقال غيره ما ذكرنا من السبب الذي به ملك طريق المغرب والمشرق وبه بلغ ما بلغ، والله أعلم.
ثم اختلفوا فيم سمي ذا القرنين: قال بعضهم: سميّ ذا القرنين؛ لأنه دعا قومه إلى توحيد الله والإيمان به؛ فضربوه على قرنه الأيمن، ثم غاب ما شاء الله، وفي بعض الأخبار مات، ثم حضر فدعاهم ثانياً فضربوه على قرنه الأيسر؛ فبقي عليه لذلك أثر؛ فسمي لذلك ذا القرنين، لا أن كان له قرن كقرن الثور.
وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه كان له ذؤابتان، أعني: ضفيرتان.
وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مغربها ومطلعها.
وقال بعضهم سمي: ذا القرنين؛ لأنه عاش حياة قرنين، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ ﴾ بالسبب الذي ذكر أنه أعطاه كما بلغ مغرب الشمس، ﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾ .
قال الحسن: إن تلك الأرض تميد وتميع، لا تقر ولا تسكن، لا تحتمل البناء والحجر؛ فإذا طلعت الشمس طلعت عليهم، لما لم يكن لهم بناء ولا ستر تهوروا في البحار فإذا ارتفعت عنهم خرجوا.
وقال ابن عباس: إن الشمس إذا طلعت كانت حرارتها أشد عند طلوعها من غروبها؛ فتحرق كل شيء حتى لا تبقي لهم ثوباً ولا بناء ولا خشباً ولا غيره إلا أحرقته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .
اختلف في قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ، أي: كذلك أخبرنا رسول الله من نبأ ذي القرنين، وخبره على ما كان.
وقال بعضهم: كذلك أعطينا له من السبب حتى بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها بالسبب الذي ذكر.
وقال بعضهم: كذلك قيل له في المطلع من قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ، كما قيل له في المغرب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .
قال بعضهم: [هو] صلة قوله: ﴿ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ ، ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ ، أي: عن علم سأتلو عليكم.
وقال بعضهم: هو على الابتداء، ليس على الربط والصّلة على الأول، أي: قد أحطنا علمنا بما لديه.
﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ .
ما ذكرنا في بلوغه مغربها ومطلعها، أي: أعطينا له من السّبب حتى بلغ بين السدّين في بعض القراءات ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب، فإن كان بين اللغتين فرق؛ فيشبه أن يكون ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالرفع: الجبلين اللذين كانا هنالك، و ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب: هو بناء ذي القرنين، وإن لم يحتمل الفرق - فهو ما بنى هو أو مكان في الخليقة.
ثم اختلف في ذلك السدّ.
قال بعضهم: هو المنفذ الذي كان بين طرفي الجبل الذي كان محيطا بالأرض، يدخل فيه يأجوج ومأجوج إلى هذه الأرض؛ فسد ذو القرنين ذلك المنفذ.
وقال بعضهم: لا؛ ولكن كانا جبلين: أحدهما: ستر بين يأجوج، والثاني: بين مأجوج؛ فسدّ ذلك، والله أعلم كيف كان؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ .
قال الحسن: كانوا يفقهون ما به صلاح معاشهم، وما به بقاؤهم، ولكن كانوا لا يفقهون الهدى من الضلال، والخير من الشرّ، ونحوه.
وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ : من غير كلامهم ولسانهم؛ ولكن يفقهون بلسانهم وكلامهم، وذو القرنين كان يعرف الألسن كلها؛ ففقهوا هم [منه] وفقه هو منهم؛ حيث قالوا ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ ، أي: جعلا أجرا، ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾ .
وقال هو: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ : فهم ذو القرنين منهم، وفهموا منه أيضاً ما ذكرنا؛ فدل ذلك أنهم كانوا يفقهون بلسان غيرهم، وفي الآية دلالة أنهم لا يفقهون شيئاً قليلا من القول، وإن كانوا لا يفقهون كثيراً؛ لأنه يقول: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ ؛ فهو يتكلم على العرف لا على النفي رأساً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ : جعلا وأجرا؛ ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ .
على تأويل الحسن يكون قوله: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ من النبوة ﴿ خَيْرٌ ﴾ ؛ لأنه يقول: إنه كان نبياً؛ حيث قال له: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وعلى قول غيره يكون ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ : من الملك والسبب الذي أعطاني، وأبلغ به مغرب الشمس ومطلعها ﴿ خَيْرٌ ﴾ مما تذكرون.
وقوله: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ ، أي بما أتقوى به، ﴿ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ ، أي: سدّاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ﴾ ، أي: قطع الحديد.
وقال بعضهم: سألهم الحديد؛ لأن المكان مكان الحديد.
وقال بعضهم: إن الحديد كان ألين لهم وأطوع من اللَّبِنِ أو القطر، ولكن لا يعلم ذلك إلا بالسمع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ .
أي: بلغ ذلك السد رأس الصدفين، وهما جبلان، وسوى بهما، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ .
أي: أصب عليه قطرا، قيل: نحاساً، وقيل: رصاصا، ذكر أنه كان يبسط الحديد صدرا، ثم يبسط الحطب فوقه صدراً، ثم حديدا فوق الحطب، حتى بلغ رأس الجبلين، وسوى بهما على هذا السبيل، ثم أذيب القطر، فصب فيه، فجعل القطر يحرق الحطب، ويذيب الحديد؛ حتى دخل القطر مكان الحطب، وصار مكانه؛ فالتزق القطر بالحديد، على هذا ذكر أنه بنى ذلك السدّ.
وقال الحسن: كأنه القطر له كالملاط لنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ .
أي: يعلوه، يعني: على ذلك السد وما استطاعوا له نقباً في أسفله، ولا يزاد على المذكور في الكتاب في هذه الأنباء، والقصص، خوفاً للشهادة على الله، والكذب عليه، ولكن نذكر مقدار ما ذكر في الكتاب، لا نزيد على ذلك، وفي الكتاب القدر الّذي ذكرنا، والله أعلم.
قال القتبي: يقال للجبل: السدّ و ﴿ زُبَرَ ﴾ : قطع، والقطر: النحاس، وقوله: ﴿ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ أي: يعلوه.
يقال: ظهر فلان السطح إذا علاه، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال: ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ : ناحيتي الجبل، والردم: السدّ، و ﴿ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ : هو مثل السدّين، ﴿ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ ، أي: أصب عليه نحاساً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ﴾ يحتمل أنه السدّ الذي بني وحال بينهم وبين يأجوج ومأجوج، فذلك منه رحمة، أي: برحمته كانت تلك الحيلولة، أو كان ذلك نعمة من الله، والرحمة هي النعمة، أي: هذا السدّ بينكم وبينهم نعمة من ربي عليكم.
ثم فيه وجهان: أحدهما: ذكر أن ذلك كان برحمة من الله إذا فرغ منه، وقد كان في الابتداء حين سألوه أن يجعل لهم السدّ أضاف الفعل إلى نفسه حيث قال: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ دلّ ذلك أن ما فعل برحمة منه وفضل، وأن له في ذلك صنعاً.
والثاني: فيه أن له أن يفعل بالخلق ما ليس هو بأصلح لهم في الدين؛ لأنه لا يخلو إما أن كان الأول لهم أصلح في الدين، ثم فعل الثاني، فلا يكون الثاني أصلح لهم في الدين، وإذا كان الأصلح لهم في الدّين الثاني فالأول لم يكن، ثم ذكر أن ذلك رحمة منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي ﴾ ، أي: فإذا جاء الذي به كان وعد ربي وهو الموعود؛ ولأن الوعد لا يجيء فكأنه قال: موعود ربّي، وهو خروج يأجوج ومأجوج، أو فتح ذلك السدّ ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: كسراً أو هدماً على ما ذكرنا، و ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: هدمه وسواه بالأرض.
وقال القتبي: ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ ، أي: ألصقه بالأرض.
﴿ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ أي: يجول بعضهم في بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾ هذا وعد والأول موعود.
<div class="verse-tafsir"
وسار في الأرض حتى إذا وصل إلى نهاية الأرض من جهة مغرب الشمس رآها كأنها تغرب في عين حارة ذات طين أسود، ووجد عند مغرب الشمس قومًا كفارًا، قلنا له على سبيل التخيير: يا صاحب القرنين، إما أن تُعَذِّب هؤلاء.
بالقتل أو بغيره، وإما أن تُحْسِن إليهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.rqde1"