الآية ٨٨ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٨٨ من سورة الكهف

وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًۭا ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وأما من آمن ) أي : تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ( فله جزاء الحسنى ) أي : في الدار الآخرة عند الله - عز وجل - ( وسنقول له من أمرنا يسرا ) قال مجاهد : معروفا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) يقول: وأما من صدق الله منهم ووحَّده، وعمل بطاعته ، فله عند الله الحسنى، وهي الجنة، جزاء يعني ثوابا على إيمانه، وطاعته ربه.

وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة (فَلَهُ جَزَاءُ الحُسْنَى) برفع الجزاء وإضافته إلى الحسنى.

وإذا قرئ ذلك كذلك، فله وجهان من التأويل: أحدهما: أن يجعل الحسنى مرادا بها إيمانه وأعماله الصالحة، فيكون معنى الكلام إذا أريد بها ذلك: وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاؤها، يعني جزاء هذه الأفعال الحسنة.

والوجه الثاني: أن يكون معنيا بالحسنى: الجنة، وأضيف الجزاء إليها، كما قيل وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ والدار: هي الآخرة، وكما قال: وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ والدين: هو القيم.

وقرأ آخرون: ( فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ) بمعنى: فله الجنة جزاء فيكون الجزاء منصوبا على المصدر.

بمعنى: يجازيهم جزاء الجنة.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأه: ( فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ) بنصب الجزاء وتنوينه على المعنى الذي وصفت، من أن لهم الجنة جزاء.

فيكون الجزاء نصبا على التفسير.

وقوله: ( وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ) يقول: وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر لنا تعليمه ما يقرّبه إلى الله ويلين له من القول.

وكان مجاهد يقول نحوا مما قلنا في ذلك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " ، وحدثتي الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ( مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ) قال معروفا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فله جزاء الحسنى قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم فله جزاء الحسنى بالرفع على الابتداء أو بالاستقرار .

و الحسنى في موضع خفض بالإضافة ويحذف التنوين للإضافة ; أي له جزاء الحسنى عند الله - تعالى - في الآخرة وهي الجنة ، فأضاف الجزاء إلى الجنة ، كقوله : حق اليقين ، ولدار الآخرة ; قاله الفراء .

ويحتمل أن يريد ب الحسنى الأعمال الصالحة ويمكن أن يكون الجزاء من ذي القرنين ; أي أعطيه وأتفضل [ ص: 424 ] عليه ويجوز أن يحذف التنوين لالتقاء الساكنين ويكون الحسنى في موضع رفع على البدل عند البصريين ، وعلى الترجمة عند الكوفيين ، وعلى هذا قراءة ابن أبي إسحاق فله جزاء الحسنى إلا أنك لم تحذف التنوين ، وهو أجود .

وقرأ سائر الكوفيين فله جزاء الحسنى منصوبا منونا ; أي فله الحسنى جزاء قال الفراء : جزاء منصوب على التمييز وقيل : على المصدر ; وقال الزجاج : هو مصدر في موضع الحال ; أي مجزيا بها جزاء وقرأ ابن عباس ومسروق فله جزاء الحسنى منصوبا غير منون وهي عند أبي حاتم على حذف التنوين لالتقاء الساكنين مثل فله جزاء الحسنى في أحد الوجهين .

النحاس : وهذا عند غيره خطأ لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين ويكون تقديره : فله الثواب جزاء الحسنى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيات من 86 حتى 88 :ـ وهذه الأسباب التي أعطاه الله إياها، لم يخبرنا الله ولا رسوله بها، ولم تتناقلها الأخبار على وجه يفيد العلم، فلهذا، لا يسعنا غير السكوت عنها، وعدم الالتفات لما يذكره النقلة للإسرائيليات ونحوها، ولكننا نعلم بالجملة أنها أسباب قوية كثيرة، داخلية وخارجية، بها صار له جند عظيم، ذو عدد وعدد ونظام، وبه تمكن من قهر الأعداء، ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها، وأنحائها، فأعطاه الله، ما بلغ به مغرب الشمس، حتى رأى الشمس في مرأى العين، كأنها تغرب في عين حمئة، أي: سوداء، وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء، رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع، ووجد عندها، أي: عند مغربها قوما.

{ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ْ} أي: إما أن تعذبهم بقتل، أو ضرب، أو أسر ونحوه، وإما أن تحسن إليهم، فخير بين الأمرين، لأن الظاهر أنهم كفار أو فساق، أو فيهم شيء من ذلك، لأنهم لو كانوا مؤمنين غير فساق، لم يرخص في تعذيبهم، فكان عند ذي القرنين من السياسة الشرعية ما استحق به المدح والثناء، لتوفيق الله له لذلك، فقال: سأجعلهم قسمين: { أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ْ} بالكفر { فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ْ} أي: تحصل له العقوبتان، عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة.

{ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ْ} أي: فله الجنة والحالة الحسنة عند الله جزاء يوم القيامة، { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ْ} أي: وسنحسن إليه، ونلطف له بالقول، ونيسر له المعاملة، وهذا يدل على كونه من الملوك الصالحين الأولياء، العادلين العالمين، حيث وافق مرضاة الله في معاملة كل أحد، بما يليق بحاله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى ) قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب : ( جزاء ) منصوبا منونا أي : فله الحسنى " جزاء " نصب على المصدر [ وهو مصدر وقع موقع الحال ، أي : فله الحسنى مجزيا بها ] .

وقرأ الآخرون : بالرفع على الإضافة ، فالحسنى : الجنة أضاف الجزاء إليها كما قال : " ولدار الآخرة خير " ( يوسف - 9 ) والدار هي الآخرة .

وقيل : المراد ب " الحسنى " على هذه القراءة : الأعمال الصالحة .

أي له جزاء الأعمال الصالحة .

( وسنقول له من أمرنا يسرا ) أي : نلين له القول ونعامله باليسر من أمرنا .

وقال مجاهد : " يسرا " أي : معروفا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى» أي الجنة والإضافة للبيان وفي قراءة بنصب جزاء وتنوينه قال الفراء: ونصبه على التفسير أي لجهة النسبة «وسنقول له من أمرنا يُسرا» أي نأمره بما سهل عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأما مَن آمن منهم بربه فصدَّق به ووحَّده وعمل بطاعته فله الجنة ثوابًا من الله، وسنحسن إليه، ونلين له في القول ونيسِّر له المعاملة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ) يقتضيه إيمانه ( فله ) فى الدارين ( جزاء الحسنى ) أى : فله المثوبة الحسنى ، أو الفعلة الحسنى وهى الجنة .( وسنقول له ) أى لمن آمن وعمل صالحا ( من أمرنا ) أى مما نأمره به قولا ( يسرا ) لا صعوبة فيه ولا مشقة ولا عسر .فأنت ترى أن ذا القرنين قد رد بما يدل على أنه قد اتبع فى حكمه الطريق القويم ، والأسلوب الحكيم ، الذى يدل على قوة الإِيمان ، وصدق اليقين ، وطهارة النفس .إنه بالنسبة للظالمين ، يعذب ، ويقتص ، ويرهب النفوس المنحرفة ، حتى تعود إلى رشدها ، وتقف عند حدودها .وبالنسبة للمؤمنين الصالحين ، يقابل إحسانهم بإحسان وصلاحهم بصلاح واستقامتهم بالتكريم والقول الطيب ، والجزاء الحسن .وهكذا الحاكم الصالح فى كل زمان ومكان : الظالمون والمعتدون .

.

يجدون منه كل شدة تردعهم وتزجرهم وتوقفهم عند حدودهم .والمؤمنون والمصلحون يجدون منه كل تكريم وإحسان واحترام وقول طيب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً يوصله إليه حتى بلغه، أما قوله: ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ففيه مباحث: الأول: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في عين حامية بالألف من غير همزة أي حارة، وعن أبي ذر، قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تغرب في عين حامية؛ وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عامر، والباقون حمئة، وهي قراءة ابن عباس واتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامية بألف فقال ابن عباس حمئة، فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرأ؟

قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟

قال: في ماء وطين كذلك نجده في التوراة، والحمئة ما فيه ماء، وحمأة سوداء، واعلم أنه لا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً.

البحث الثاني: أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضاً قال: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: ﴿ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ من وجوه: الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.

الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء فقوله: ﴿ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر وهو موضع شديد السخونة.

الثالث: قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحمأة وهذا في غاية البعد، وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفاً قمرياً فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أول الليل ورأينا المشرقيين قالوا: حصل في أول النهار فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث.

ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار.

وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه ثم قال تعالى: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ الضمير في قوله عندها إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الشمس ويكون التأنيث للشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان هذا الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى العين الحامية، وعلى هذا القول فالتأويل ما ذكرناه، ثم قال تعالى: ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ وفيه مباحث: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ يدل على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبياً وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر.

البحث الثاني: قال أهل الأخبار في صفة ذلك الموضع أشياء عجيبة، قال ابن جريج: هناك مدينة لها إثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجبة الشمس حين تغيب.

البحث الثالث: قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ يدل على أن سكان آخر المغرب كانوا كفاراً فخير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم وبين المن عليهم والعفو عنهم وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح الأمرين كما خير نبيه عليه السلام بين المن على المشركين وبين قتلهم، وقال الأكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء، ثم قال ذو القرنين: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أي ظلم نفسه بالإقامة على الكفر.

والدليل على أن هذا هو المراد أنه ذكر في مقابلته: ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ ثم قال: ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ أي بالقتل في الدنيا: ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً ﴾ أي منكراً فظيعاً: ﴿ وَأَمَّا مَنْ امَنَ وَعَمِلَ صالحا فَلَهُ جَزَاء الحسنى ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿ جَزَاء الحسنى ﴾ بالنصب والتنوين والباقون بالرفع والإضافة، فعلى القراءة الأولى يكون التقدير فله الحسنى جزاء كما تقول لك هذا الثوب هبة، وأما على القراءة الثانية ففي التفسير وجهان.

الأول: فله جزاء الفعلة الحسنى والفعلة الحسنى هي الإيمان والعمل الصالح.

والثاني: أن يكون التقدير فله جزاء المثوبة الحسنى ويكون المعنى فله ذا الجزاء الذي هو المثوبة الحسنى والجزاء موصوف بالمثوبة الحسنى وإضافة الموصوف إلى الصفة مشهورة كقوله: ﴿ وَلَدَارُ الأخرة  ﴾ و ﴿ حَقُّ اليقين  ﴾ ثم قال: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل الميسر من الزكاة والخراج وغيرهما وتقدير هذا يسر كقوله: ﴿ قَوْلاً مَّيْسُورًا  ﴾ وقرئ يسراً بضمتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ذو القرنين: هو الإسكندر الذي ملك الدنيا.

قيل: ملكها مؤمنان: ذو القرنين، وسليمان.

وكافران: نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمرود.

واختلف فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وقيل: نبياً.

وقيل: ملكاً من الملائكة.

وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللَّهم غفراً ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علي رضي الله عنه.

سخر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور وسئل عنه فقال: أحبه الله فأحبه.

وسأله ابن الكوّا: ما ذو القرنين أملك أم نبيّ؟

فقال: ليس بملك ولا نبيّ، ولكن كان عبداً صالحاً، ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمي ذو القرنين وفيكم مثله.

قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها» وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وعن وهب: لأنه ملك الروم وفارس.

وروي: الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشاً لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره.

والسائلون: هم اليهود سألوه على جهة الامتحان.

وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ لأحد الفريقين ﴿ مِن كُلّ شَيْء ﴾ أي من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه ﴿ سَبَباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سبباً، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سبباً.

وقرئ: ﴿ فأتبع ﴾ قرئ: ﴿ حمئة ﴾ ، من حمئت البئر إذا صار فيها الحمأة.

وحامية بمعنى حارّة.

وعن أبي ذرّ: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجمل، فرأى الشمس حين غابت فقال: (يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه؟) فقلت: الله ورسوله أعلم.

قال (فإنها تغرب في عين حامية)، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن.

وقرأ ابن عباس: حمئة.

وكان ابن عباس عند معاوية؛ فقرأ معاوية: حامية فقال ابن عباس: حمئة.

فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟

قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار.

كيف تجد الشمس تغرب؟

قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة.

وروي: في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: فَرَأَى مَغِيبَ الشّمْسِ عِنْدَ مَآبِهَا ** فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَاطٍ حَرْمَدِ أي في عين ماء ذي طين وحمإ أسود، ولا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعه للوصفين جميعاً.

كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم فقال: أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك: فذلك هو المعذب في الدارين ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ ﴾ ما يقتضيه الإيمان ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ وقيل: خيّره بين القتل والأسر، وسماه إحساناً في مقابلة القتل ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ فله أن يجازي المثوبة الحسنى.

أو فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة.

وقرئ: ﴿ فله جزاء الحسنى ﴾ أي: فله الفعلة الحسنى جزاء.

وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر.

ومن آمن أعطاه وكساه ﴿ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ أي لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر، كقوله: ﴿ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ [الإسراء: 28] وقرئ: ﴿ يُسُراً ﴾ ، بضمتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا ﴾ أيْ فاخْتارَ الدَّعْوَةَ وقالَ: أمّا مَن دَعْوَتُهُ فَظَلَمَ نَفْسَهُ بِالإصْرارِ عَلى كُفْرِهِ أوِ اسْتَمَرَّ عَلى ظُلْمِهِ الَّذِي هو الشِّرْكُ فَنُعَذِّبُهُ أنا ومَن مَعِيَ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ، ثُمَّ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عَذابًا مُنْكَرًا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ.

﴿ وَأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴾ وهو ما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ.

﴿ فَلَهُ ﴾ في الدّارَيْنِ.

﴿ جَزاءً الحُسْنى ﴾ فِعْلَتُهُ الحُسْنى.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ جَزاءً مُنَوَّنًا مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ فَلَهُ المَثُوبَةُ الحُسْنى مَجْزِيًّا بِها، أوْ عَلى المَصْدَرِ لِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ حالًا أيْ يَجْزِي بِها جَزاءً أوِ التَّمْيِيزِ، وقُرِئَ مَنصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ عَلى أنَّ تَنْوِينَهُ حُذِفَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ومُنَوَّنًا مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ المُبْتَدَأُ و ﴿ الحُسْنى ﴾ بَدَلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أمّا ) و ( أمّا ) لِلتَّقْسِيمِ دُونَ التَّخْيِيرِ أيْ لِيَكُنْ شَأْنُكَ مَعَهم إمّا التَّعْذِيبَ وإمّا الإحْسانَ، فالأوَّلُ لِمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ والثّانِي لِمَن تابَ عَنْهُ، ونِداءُ اللَّهِ إيّاهُ إنْ كانَ نَبِيًّا فَبِوَحْيٍ وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَبِإلْهامٍ أوْ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ.

﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا ﴾ بِما نَأْمُرُ بِهِ.

﴿ يُسْرًا ﴾ سَهْلًا مُيَسَّرًا غَيْرَ شاقٍّ وتَقْدِيرُهُ ذا يُسْرٍ، وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحا} أي عمل ما يقتضيه الإيمان {فَلَهُ جَزَاء الحسنى} فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة جزاءً الحسنى كوفي غير أبي بكر أي فله الفعلة الحسنى جزاء {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أمرنا يسرا}

أي ذا يسر أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأمّا مَن آمَنَ ﴾ بِمُوجِبِ دَعْوَتِي (وعَمِلَ) عَمَلًا (صالِحًا) حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ (فَلَهُ) في الدّارَيْنِ ﴿ جَزاءً الحُسْنى ﴾ أيْ فَلَهُ المَثُوبَةُ الحُسْنى أوِ الفِعْلَةُ الحُسْنى أوِ الجَنَّةُ جَزاءٌ عَلى أنَّ جَزاءً مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَأِ اعْتِناءً بِهِ أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ: يُجْزى بِها جَزاءً، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ أوْ هو حالٌ أيْ مَجْزِيًّا بِها، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ بِأنَّهُ لا تَكادُ العَرَبُ تَتَكَلَّمُ بِالحالِ مُقَدَّمًا إلّا في الشِّعْرِ، وقالَ الفَرّاءُ: هو نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ ( جَزاءً ) مَنصُوبًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ، وخَرَّجَ ذَلِكَ المَهْدَوِيُّ عَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وخَرَّجَهُ غَيْرُهُ عَلى أنَّهُ حُذِفَ لِلْإضافَةِ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ: فَلَهُ الجَزاءُ جَزاءً الحُسْنى.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ عَلى أنَّهُ المُبْتَدَأُ (والحُسْنى) بَدَلُهُ والخَبَرُ الجارُّ والمَجْرُورُ.

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ بِالرَّفْعِ بِلا تَنْوِينٍ، وخَرَّجَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمُرادُ عَلى الإضافَةِ: جَزاءَ الخِلالِ الحَسَنَةِ الَّتِي أتاها وعَمِلَها، أوِ المُرادُ بِالحُسْنى الجَنَّةُ والإضافَةُ كَما في دارِ الآخِرَةِ.

﴿ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا ﴾ أيْ: مِمّا نَأْمُرُ بِهِ (يُسْرًا) أيْ: سَهْلًا مُيَسَّرًا غَيْرَ شاقٍّ، وتَقْدِيرُهُ ذا يُسْرٍ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ المَصْدَرُ مُبالَغَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( يُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ حَيْثُ وقَعَ هَذا، وقالَ الطَّبَرِيُّ: المُرادُ مِنِ اتِّخاذِ الحُسْنِ الأسْرُ فَيَكُونُ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ القَتْلِ والأسْرِ، والمَعْنى إمّا أنْ تَعَذِّبَ بِالقَتْلِ وإمّا أنَّ تُحْسِنَ إلَيْهِمْ بِإبْقاءِ الرُّوحِ والأسْرِ، وما حُكِيَ مِنَ الجَوابِ عَلى هَذا الوَجْهِ قِيلَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ في قَتْلِهِمْ وأسْرِهِمْ وهم كُفّارٌ فَقالَ: أمّا الكافِرُ فَيُراعى فِيهِ قُوَّةُ الإسْلامِ وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يَتَعَرَّضُ لَهُ إلّا بِما يَجِبُ.

وفِي الكَشْفِ أنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ نُكْتَةٌ بِتَقْدِيمِ ما مِنَ اللَّهِ تَعالى في جانِبِ الرَّحْمَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ ما مِنهُ تابِعٌ وتَتْمِيمٌ وما مِنهُ في جانِبِ العَذابِ رِعايَةً لِتَرْتِيبِ الوُجُودِ مَعَ التَّرَقِّي لِيَكُونَ أغْيَظَ، وكَأنَّهُ حَمَلَ (فَلَهُ) إلَخْ عَلى مَعْنى فَلَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلَخْ وهو الظّاهِرُ، وجَوَّزَ حَمْلَ ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ ﴾ عَلى التَّوْزِيعِ دُونَ التَّخْيِيرِ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: لِيَكُنْ شَأْنُكَ مَعَهم إمّا التَّعْذِيبُ، وإمّا الإحْسانُ، فالأوَّلُ لِمَن بَقِيَ عَلى حالِهِ، والثّانِي لِمَن تابَ.

فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالَ ذو القرنين: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر بالله، فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ أي: نقتله إن لم يتب.

ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة، فَيُعَذِّبُهُ في النار عَذاباً نُكْراً يقول شديداً.

وَأَمَّا مَنْ آمَنَ يقول: صدق بالله، وَعَمِلَ صالِحاً فيما بينه وبين الله تعالى، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص جَزاءً بنصب الألف والتنوين، وقرأ الباقون بضم الألف بغير تنوين.

فمن قرأ بالنصب فمعناه: أن له الحسنى جزاء، صار الجزاء نصباً للحال.

ومن قرأ بالضم جزاءً للإضافة، بغير جزاء إحسانه.

وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً، أي سنعد له في الدنيا معروفاً عدة حسنة معروفة، ويقال: وسنقول له قولاً جميلا.

ثمّ قال: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي أخذ طريقاً.

وقال القتبي: السبب أصله الحبل، ثمّ كل شيء توصلت به إلى موضع أو حاجة فهو سبب.

تقول: فلان سببي إليك، أي وصلتي، وتسمى الطريق سبباً، لأنه يصل إلى الموضع الذي يريده.

حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، أي لم يكن لهم من دون الشمس شيء يظلهم، لا شجر ولا جبل ولا ثوب، إلا عراة عماة عن الحق وكانوا في مكان لا يستقر عليه البناء وقال قتادة: يقال إنهم الزنج، وكانوا في مكان لا ينبت فيه نبات، وكانوا يدخلون سرباً إذا طلعت الشمس، حتى تزول عنهم ويخرجون في معايشهم.

كَذلِكَ يعني: هكذا بلغ مطلع الشمس أيضاً، كما بلغ مغربها.

ثم استأنف فقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً، أي بما عنده علماً.

وهذا قول مقاتل كَذلِكَ أي: كما أخبرتك بهذا الخبر، كذلك كان علمنا محيطاً به قبل ذلك.

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي أخذ طريقا.

ثم قال: حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، أي بين الجبلين، قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: السَّدَّيْنِ بضم السين وكذلك الثاني، والذي في سورة يس، وروى حفص عن عاصم: أنه نصب كله، وابن كثير وأبو عمرو نصبا هاهنا ورفعا في يس، وحمزة والكسائي رفعا بين السدين ونصبا ما سوى ذلك.

وقال بعض أهل اللغة: ما كان مسدوداً خلقة فهو سَد بالنصب، وما كان بعمل الناس فهو سد بالضم، وروي عن ابن عباس ومجاهد.

وقيل: إن المراد هاهنا طرفا الجبل.

وَجَدَ مِنْ دُونِهِما، أي من قبل الجبلين قَوْماً لاَّ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، أي كلاماً غير كلامهم ولساناً غير لسانهم.

قرأ حمزة والكسائي يَفْقَهُونَ بضم الياء وكسر القاف، يعني: أن كلامهم لا يفهمه أحد غيرهم.

وقرأ الباقون يَفْقَهُونَ بالنصب، يعني: أنهم لا يفقهون قول غيرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معناه، وقال الداوديّ: كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذَهَبٌ وفِضَّة» انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحَدٍ معه، فاللَّه أعلم أيَّ ذلك كَانَ.

وقوله سبحانه: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ظاهر اللفظِ، والسابقُ منه إِلى الذهنِ أنه والدهما دِنْيَةً «١» ، وقيل: هو الأب السابعُ، وقيل: العاشر، فَحُفِظَا فيه، وفي الحديثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ في ذُريتِهِ» ، وقول الخضر: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، يقتضي أنه نَبِيٌّ، وقد اختلف فيه، فقيل: هو نبيٌّ، وقيل: عَبْدٌ صالح، وليس بنبيٍّ وكذلك اختلف في موته وحياته، واللَّه أعلم بجميع ذلك، ومما يقضي بموت الخضر قوله صلّى الله عليه وسلّم:

«أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن إلى رأس مائة مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ على ظَهْرِ الأَرضِ أحد» «٢» .

قال القرطبيُّ في «تذكرته» : وذكر عن عمرو بن دِينَارٍ: الخَضِرُ وإِلياسُ عليهما السلام حَيَّانِ، فإِذا رفع القرآن ماتا/ قال القرطبيُّ: وهذا هو الصحيحُ انتهى، وحكاياتُ مَنْ رأَى الخَضِرَ من الأولياء لا تحصَى كثرةٍ فلا نطيلُ بَسْردها، وانظر «لطائِفَ المِنَن» لابن عطاء اللَّه.

وقوله: ذلِكَ تَأْوِيلُ: أي مآل، وحكى السُّهَيْليُّ أنه لما حان للخَضِر وموسى أن يفترقا، قال له الخَضر: لو صَبَرْتَ، لأَتَيْتَ عَلَى أَلْفِ عَجَبٍ، كلُّها أعجبُ ممَّا رأَيْتَ، فبكى موسى، وقالَ للخَضِر: أوْصِنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فقال: يا مُوسَى، اجْعَلْ همَّك في معادِكَ، ولا تَخُضْ فيما لا يَعْنِيك، ولا تأمَنْ مِنَ الخوفِ في أمْنِكَ، ولا تَيْئَس من الأمن في خوفك، وتدَّبر الأمورَ في علانيتِكَ، ولا تَذَر الإحسانَ في قُدْرتك، فقال له موسى: زِدْنِي يرحمك اللَّه، فقال له الخَضِر: يا مَوسَى، إِياكَ واللَّجَاجَةُ، ولا تَمْش في غير حَاجَةٍ، ولا تَضْحَكْ من غَيْر عَجَبٍ، ولا تعير أحداً، وابكِ على خطيئتك يا بن عمران.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ...

الآية: «ذو القرنين» ، هو المَلِكُ الإسْكَنْدَرُ اليُونَانِيُّ، واختلف في وَجْه تسميته ب «ذي القَرْنَيْنِ» وأحسنُ ما قيل فيه: أنه كان ذا ظفيرتين، من شَعْرهما قرناه، والتمكينُ له في الأرض: أنه مَلَكَ الدنيا، ودانَتْ له الملوك كلها، وروي أن جميع من مَلَكَ الدنيا كلَّها أربعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وكافران فالمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرَانِ: نُمْرُود، وبُخْتَ نَصَّرَ.

وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً معناه: علْماً في كل أمْرٍ، وأقيسةً يتوصَّل بها إِلى معرفة الأشياء، وقوله: كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ معناه الخصوص في كلِّ ما يمكنه أنْ يعلمه ويحتاجُ إلَيْه، وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي: طريقاً مسلوكةً، وقرأ نافع وابن كثير «١» :

وحفص عن عاصم: «في عَيْنٍ حِمِئَة» ، أي: ذاتِ حَمْأة، وقرأ الباقون: «في عَيْنٍ حَامِيَةٍ» ، أي: حارَّة، وذهب «٢» الطبريُّ إلى الجمع بين الأمرين، فقال: يحتملُ أن تكون العين حارَّة ذاتَ حَمْأة واستدلَّ بعضُ الناس على أن ذا القرنين نبيّ بقوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، ومن قال: إنه ليس بنبيٍّ، قال كانت هذه المقالةُ مِنَ اللَّهِ له بإِلهامِ.

قال ع «٣» : والقول بأنه نبيّ ضعيف، وإِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ معناه: بالقَتْلِ على الكُفْر، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي: إِن آمنوا، وذهب الطبري «٤» إِلى أنَّ اتخاذه الحُسْن هو الأسْرُ مع كُفْرهم، ويحتمل أنْ يكون الاتخاذ ضَرْبَ الجزية، ولكنْ تقسيم ذي القرنين بعد هذا الأمْر إِلى كفر وإيمان يردُّ هذا القول بعض الردّ، وظَلَمَ في هذه الآية:

بمعنى كَفَر، وقوله: عَذاباً نُكْراً، أي: تنكره الأوهام، لعظمه، وتستهوله، والْحُسْنى يراد بها الجَنَّة.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطُّرُق المؤدِّية إِلى مَقْصِده، وكان ذو القرنَيْن، على ما وقع في كُتُب التاريخ يَدُوسُ الأرض بالجيوش الثّقال،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  ﴾ .

واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ.

والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ.

والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ.

والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.

وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ.

الخامِسُ: لِأنَّهُ مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ.

والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ.

والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ.

والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ.

والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.

واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.

وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ.

ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.

والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ.

﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ ؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها.

قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ.

وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ.

ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ.

وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ.

[ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ.

ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً.

وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ.

ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا ﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ.

ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟

وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] .

وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ.

﴿ قالَ أمّا مَن ظَلَمَ ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا ﴾ بِالنّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ.

قالَ الفَرّاءُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ : الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ  ﴾ ، و ﴿ دِينُ القَيِّمَةِ  ﴾ ، ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا ﴾ ؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا ﴾ ﴿ وَأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مَن أمْرِنا يُسْرًا ﴾ ﴿ ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا ﴾ ﴿ كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا ﴾ "ظَلَمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: كَفَرَ، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِتَعْذِيبِهِ إيّاهم قَبْلَ عَذابِ اللهِ، وعَقَّبَ لَهم بِذِكْرِ عَذابِ اللهِ لِأنَّ تَعْذِيبَ ذِي القَرْنَيْنِ هو اللاحِقُ عِنْدَهُمُ، المَحْبُوسُ لَهُمُ، الأقْرَبُ نِكايَةً.

فَلَمّا جاءَ وعْدُ المُؤْمِنِينَ قَدَّمَ تَنْعِيمَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو الأحَقُّ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والآخَرُ بِإزائِهِ حَقِيرٌ، ثُمَّ عَقَّبَ أخِيرًا بِذِكْرِ إحْسانِهِ في قَوْلِ اليُسْرِ، وجَعْلَهُ قَوْلًا إذِ الأفْعالُ كُلُّها خَلْقُ اللهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ سَلَّمَها ولَمْ يُراعِ تَكَسُّبِهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُكُرًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُكْرًا" بِسُكُونِ الكافِ، ومَعْناهُ: المُنْكَرُ الَّذِي تُنْكِرُهُ الأوهامُ لِعَظْمِهِ وتَسْتَهْوِيِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "جَزاءً الحُسْنى" بِإضافَةِ الجَزاءِ إلى الحُسْنى، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ بِـ "الحُسْنى" الجَنَّةَ، والجَنَّةُ هي الجَزاءُ، فَأضافَ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ والآخِرَةُ هي الدارُ، والثانِي أنْ يُرِيدَ بِـ "الحُسْنى" أعْمالَهُمُ الصالِحَةَ في إيمانِهِمْ، فَوَعَدَهم بِجَزاءِ الأعْمالِ الصالِحَةِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، الكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "جَزاءُ الحُسْنى" بِنَصْبِ "الجَزاءِ" عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ.

و"الحُسْنى" ابْتِداءٌ، وخَبُرُهُ في المَجْرُورِ، ويُرادُ بِها الجَنَّةُ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي إسْحاقٍ: "جَزاءٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "الحُسْنى"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومَسْرُوقٌ: "جَزاءَ" بِالنَصْبِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ "الحُسْنى" بِالإضافَةِ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ حَذْفُ النُونِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، ووَعْدِهِمْ بِذَلِكَ بِأنَّهُ يُيَسِّرُ عَلَيْهِمْ أُمُورَ دُنْياهم.

وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ: "يُسُرًا" بِضَمِّ السِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ، المَعْنى: ثُمَّ سَلَكَ ذُو القَرْنَيْنِ الطُرُقَ المُؤَدِّيَةَ إلى مَقْصِدِهِ، فَهي سَبَبُ الوُصُولِ، فَكانَ ذُو القَرْنَيْنِ -عَلى ما وقَعَ في كُتُبِ التارِيخِ- يَدُوسُ الأرْضَ بِالجُيُوشِ الثِقالِ، والسِيرَةِ الحَمِيدَةِ، والإعْدادِ المُوَفّى، والحَزْمِ المُسْتَيْقِظِ المُتَّقِدِ، والتَأْيِيدِ المُتَواصِلِ، وتَقْوى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَما لَقِيَ أُمَّةً ولا مُرَّ بِمَدِينَةٍ إلّا دانَتْ لَهُ ودَخَلَتْ في طاعَتِهِ، وكُلُّ مَن عارَضَهُ وتَوَقَّفَ عن أمْرِهِ جَعَلَهُ عِظَةً وآيَةً لِغَيْرِهِ، ولَهُ في هَذا المَعْنى أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وغَرائِبٌ كَرَهْتُ التَطْوِيلَ بِها لِأنَّها عِلْمُ تارِيخٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ-، وابْنُ كَثِيرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ.

و"القَوْمُ": الزِنْجُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهُمُ الهُنُودُ وما وراءَهم.

وقالَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا ﴾ مَعْناهُ: إنَّهم لَيْسَ لَهم بُنْيانٌ، إذْ لا تَحْمِلُ أرْضُهُمُ البِناءَ، وإنَّما يَدْخُلُونَ مِن حَرِّ الشَمْسِ في أسْرابٍ، وقِيلَ: يَدْخُلُونَ في ماءِ البَحْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

وكَثَّرَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ في هَذا المَعْنى، والظاهِرُ مِنَ الألْفاظِ أنَّها عِبارَةٌ بَلِيغَةٌ عن قُرْبِ الشَمْسِ مِنهُمْ، وفِعْلِها بِقُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِمْ، ونَيْلِها مِنهُمْ، ولَوْ كانَ لَهم أسْرابٌ تُغْنِي لَكانَ سَتْرًا كَثِيفًا، وإنَّما هم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ سَواءٌ كانَ لَهم أسْرابٌ أو دُورٌ أو لَمْ يَكُنْ، ألّا تَرى أنَّ السَتْرَ عِنْدَنا بِحَقٍّ إنَّما هو مِنَ السَحابِ والغَمامِ وبَرْدِ الهَواءِ، ولَوْ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْنا الشَمْسَ لَأحْرَقَتْنا، فَسُبْحانَ المُنْفَرِدِ بِالقُدْرَةِ التامَّةِ.

وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" مَعْناهُ: فَعَلَ مَعَهم كَفِعْلِهِ مَعَ الأوَّلِينَ أهْلِ المَغْرِبِ، فَأوجَزَ بِقَوْلِهِ: "كَذَلِكَ".

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن إحاطَتِهِ بِجَمِيعِ ما لَدى ذِي القَرْنَيْنِ، وما تَصَرَّفَ مِن أفْعالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "كَذَلِكَ" اسْتِئْنافُ قَوْلٍ، ولا يَكُونُ راجِعًا عَلى الطائِفَةِ الأُولى، فَتَأمَّلْهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

السبب: الوسيلة.

والمراد هنا معنى مجازي وهو الطريق، لأن الطريق وسيلة إلى المكان المقصود، وقرينة المجاز ذكر الاتباع والبلوغ في قوله: ﴿ فأتبع سبباً حتى إذا بلغ مغرب الشمس.

﴾ والدليل على إرادة غير معنى السبب في قوله تعالى: ﴿ وءاتيناه مِن كُلّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ إظهار اسم السبب دون إضماره، لأنه لما أريد به معنى غير ما أُريد بالأول حسن إظهار اسمه تنبيهاً على اختلاف المعنيين، أي فاتبع طريقاً للسير وكان سيره للغزو، كما دلّ عليه قوله: ﴿ حَتَّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ .

ولم يعدّ أهل اللغة معنى الطريق في معاني لفظ السبب لعلهم رأوه لم يكثر وينتشر في الكلام.

ويظهر أن قوله تعالى: ﴿ أسباب السموات ﴾ [فاطر: 37] من هذا المعنى.

وكذلك قول زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه *** أي هاب طرق المنايَا أن يسلكها تنله المنايا، أي تأتيه، فذلك مجاز بالقرينة.

والمراد ب ﴿ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ مكان مغرب الشمس من حيث يلوح الغروب من جهات المعمور من طريق غزوته أو مملكته.

وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحرة، إذ ليس للشمس مغرب حقيقي إلا فيما يلوح للتخيل.

والأشبه أن يكون ذو القرنين قد بلغ بحر الخزر وهو بحيرة قزوين فإنها غرب بلاد الصين.

والقول في تركيب ﴿ حتى إذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ﴾ كالقول في قوله: ﴿ حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ﴾ .

والعين: منبع ماء.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص {في عيننٍ حمئة مهموزاً مشتقاً من الحمأة، وهو الطين الأسود.

والمعنى: عين مختلط ماؤها بالحمأة فهو غير صاف.

وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف: في عين حامية بألف بعد الحاء وياء بعد الميم، أي حارة من الحمو وهو الحرارة، أي أن ماءها سخن.

ويظهر أن هذه العين من عيون النفْط الواقعة على ساحل بحر الخزر حيث مدينة (باكو)، وفيها منابع النفط الآن ولم يكن معروفاً يومئذ.

والمؤرخون المسلمون يسمونها البلاد المنتنة.

وتنكير قَوْماً} يؤذن بأنهم أمّة غير معروفة ولا مألوفة حالة عقائدهم وسيرتهم.

فجملة ﴿ قُلْنا ياذا القَرْنَيْنِ ﴾ استئناف بياني لما أشعر به تنكير ﴿ قَوْماً ﴾ من إثارة سؤال عن حالهم وعما لاقاه بهم ذو القرنين.

وقد دل قوله: ﴿ إمَّا أن تُعَذّبَ وإمَّا أن تَتَّخِذَ فِيهمْ حُسْناً ﴾ على أنهم مستحقون للعذاب، فدلّ على أن أحوالهم كانت في فساد من كفر وفساد عمل.

وإسناد القول إلى ضمير الجلالة يحتمل أنه قول إلهام، أي ألقينا في نفسه تردداً بين أن يبادر استيصالهم وأن يمهلهم ويدعوهم إلى الإيمان وحسن العمل، ويكون قوله ﴿ قَالَ أمَّا مَن ظَلَمَ ﴾ ، أي قال في نفسه معتمداً على حالة وسط بين صورتي التردد.

وقيل: إن ذا القرنين كان نبيئاً يوحى عليه فيكون القول كلاماً موحىً به إليه يخيّره فيه بين الأمرين، مثل التخيير الذي في قوله تعالى: ﴿ فإما منا بعد وإما فداء ﴾ [محمد: 4]، ويكون قوله: ﴿ قَالَ أمَّا مَن ظَلَمَ ﴾ جواباً منه إلى ربّه.

وقد أراد الله إظهار سداد اجتهاده كقوله: ﴿ ففهمناها سليمان ﴾ [الأنبياء: 79].

و ﴿ حُسْناً ﴾ مصدر.

وعدل عن (أن تحسن إليهم) إلى ﴿ أن تَتَّخِذَ فِيهِم حُسناً ﴾ مبالغة في الإحسان إليهم حتى جعل كأنه اتّخذ فيهم نفس الحُسن، مثل قوله تعالى: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ [البقرة: 83].

وفي هذه المبالغة تلقين لاختيار أحد الأمرين المخير بينهما.

والظلم: الشرك، بقرينة قسيمه في قوله ﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً ﴾ .

واجتلاب حرف الاستقبال في قوله: ﴿ فَسَوْفَ نُعَذّبُهُ ﴾ يشير إلى أنه سيدعوه إلى الإيمان فإن أصرّ على الكفر يعذبه.

وقد صرح بهذا المفهوم في قوله ﴿ وأمَّا مَن ءَامَنَ وعَمِلَ صالحا ﴾ أي آمن بعد كفره.

ولا يجوز أن يكون المراد من هو مؤمن الآن، لأن التخيير بين تعذيبهم واتخاذ الإمهال معهم يمنع أن يكون فيهم مؤمنون حين التخيير.

والمعنى: فسوف نعذبه عذاب الدنيا ولذلك أسنده إلى ضميره ثم قال: ﴿ ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ وذلك عذاب الآخرة.

وقرأ الجمهور ﴿ جزاءُ الحسنى بإضافة جزاء إلى الحسنى على الإضافة البيانية.

وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، ويعقوب، وخلف جزاءً الحسنى بنصب جزاءً منوناً على أنه تمييز لنسبة استحقاقه الحسنى، أو مصدر مؤكد لمضمون جملة فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنَى ﴾ ، أو حال مقدمة على صاحبها باعتبار تعريف الجنس كالتنكير.

وتأنيث ﴿ الحُسْنَى ﴾ باعتبار الخصلة أو الفعلة.

ويجوز أن تكون ﴿ الحسنى ﴾ هي الجنة كما في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ [يونس: 26].

والقول اليسر: هو الكلام الحسن، وصف باليسر المعنوي لكونه لا يثقل سماعه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ فقل لهم قولاً ميسوراً ﴾ [الإسراء: 28] أي جميلاً.

فإن كان المراد من ﴿ الحسنى ﴾ الخصال الحسنى، فمعنى عطف ﴿ وسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أمْرِنَا يُسْراً ﴾ أنه يجازَى بالإحسان وبالثناء، وكلاهما من ذي القرنين، وإن كان المراد من ﴿ الحُسْنَى ﴾ ثواب الآخرة فذلك من أمر الله تعالى وإنما ذو القرنين مُخبر به خبراً مستعملاً في فائدة الخبر، على معنى.

إنا نُبشره بذلك، أو مستعملاً في لازم الفائدة تأدباً مع الله تعالى، أي أني أعلم جزاءه عندك الحسنى.

وعطف عليه ﴿ وسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ لبيان حظ الملك من جزائه وأنه البشارة والثناء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَنازِلُ الأرْضِ ومَعالِمُها.

الثّانِي: يَعْنِي طُرُقًا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: طَرِيقًا إلى ما أُرِيدَ مِنهُ.

الرّابِعُ: قَفا الأثَرَ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: عَيْنُ ماءٍ ذاتُ حَمْأةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي طِينَةٌ سَوْداءُ، قالَهُ كَعْبٌ.

وَقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ: في عَيْنٍ حامِيَةٍ وهي قِراءَةُ الباقِينَ يَعْنِي حارَّةً.

فَصارَ قَوْلًا ثالثًا: ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِلْعَيْنِ أنْ تَكُونَ حَمِئَةً سَوْداءَ حامِيَةً، وقَدْ نُقِلَ مَأْثُورًا في شِعْرِ تُبَّعٍ وقَدْ وصَفَ ذا القَرْنَيْنِ بِما يُوافِقُ هَذا فَقالَ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ قَبْلِيَ مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ المُلُوكُ وتَسْجُدُ ∗∗∗ بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدِ ∗∗∗ فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وثاطٍ حَرْمَدَ الخُلُبُ: الطِّينُ.

والثَّأْطُ: الحَمْأةُ.

والحَرْمَدُ: الأسْوَدُ.

ثُمَّ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَغْرُبُ في نَفْسِ العَيْنِ.

الثّانِي: أنَّهُ وجَدَها تَغْرُبَ وراءَ العَيْنِ حَتّى كَأنَّها تَغِيبُ في نَفْسِ العَيْنِ.

﴿ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَيَّرَهُ في عِقابِهِمْ أوِ العَفْوِ عَنْهم.

الثّانِي: إمّا أنْ تُعَذِّبَ بِالقَتْلِ لِمَقامِهِمْ عَلى الشِّرْكِ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا بِأنْ تُمْسِكَهم بَعْدَ الأسْرِ لِتُعَلِّمَهُمُ الهُدى وتَسْتَنْقِذَهم مِنَ العَمى، فَحَكى مُقاتِلٌ أنَّهُ لَمْ يُؤْمَن مِنهم إلّا رَجُلٌ واحِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ قال أما من ظلم ﴾ قال: من أشرك.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فسوف نعذبه ﴾ قال: القتل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان عذابه أن يجعلهم في بقر من صفر، ثم توقد تحتهم النار حتى يتقطعوا فيها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر، عن مسروق رضي الله عنه في قوله: ﴿ فله جزاء الحسنى ﴾ قال: الحسنى له جزاء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ قال: معروفاً.

والله تعالى أعلم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن جريج في قوله: ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ الآية.

قال: حدثت عن الحسن عن سمرة بن جندب...

قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ﴿ لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ أنها لم يبن فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس» .

وأخرج الطيالسي والبزار في أماليه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ قال: أرضهم لا تحتمل البناء، فإذا طلعت الشمس تغور في المياه، فإذا غابت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم.

ثم قال الحسن: هذا حديث سمرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أنهم بأرض لا يثبت لهم فيها شيء، فهم إذا طلعت دخلوا في أسراب حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل في الآية قال: ليست لهم أكناف، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، ولأحدهم أذنان يفترش واحدة ويلبس الأخرى.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وجدها تطلع على قوم ﴾ الآية.

قال: يقال لهم الزنج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: تطلع على قوم حمر قصار، مساكنهم الغيران، فيلقى لهم سمك أكثر معيشتهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بما لديه خبراً ﴾ قال: علماً.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قال: الجبلين، أرمينية وأذربيجان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ قال: الترك.

وأخرج سعيد بن منصور عن تميم بن جذيم، أنه كان يقرأ ﴿ لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن مسعود قال: «أتينا نبي الله صلى الله عليه وسلم يوماً وهو في قبة آدم له، فخرج إلينا فحمد الله ثم قال: أبشركم أنكم ربع أهل الجنة.

فقلنا: نعم يا رسول الله؟

فقال: أبشركم أنكم ثلث أهل الجنة.

فقلنا: نعم يا نبي الله؟

قال: والذي نفسي بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، إن مثلكم في سائر الأمم كمثل شعرة بيضاء في جنب ثور أسود، أو شعرة سوداء في جنب ثور أبيض، إن بعدكم يأجوج ومأجوج، إن الرجل منهم ليترك بعده من الذرية ألفاً فما زاد، وأن وراءهم ثلاث أمم: منسك وتاويل وتاريس لا يعلم عدتهم إلا الله» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق البكالي، عن عبدالله بن عمر قال: إن الله جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الملائكة، وجزء واحد الجن والإنس.

وجزأ الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذي يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وجزء واحد لرسالاته ولخزائنه وما يشاء من أمره.

وجزأ الإنس والجن عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، والإنس جزء واحد فلا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة.

وجزأ الإنس عشرة أجزاء، تسعة منهم يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس والسماء ذات الحبك.

قال: السماء السابعة والحرم بحيالة العرش.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية، أن يأجوج ومأجوج يزيدون على الإنس الضعفين، وأن الجن يزيدون على الإنس الضعفين، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.

وأخرج عبد الرزاق ابن أبي حاتم عن قتادة قال: إن الله جزأ الإنس عشرة أجزاء، تسعة منهم يأجوج ومأجوج، وجزء سائر الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: صوّرت الدنيا على خمس صور، على صورة الطير برأسه والصدر والجناحين والذنب، فالمدينة ومكة واليمن الرأس، والصدر مصر والشام، والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمة يقال لها واق، وخلف واق أمة يقال وقواق، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

والجناح الأيسر السند وخلف السند الهند، وخلف الهند أمة يقال لها ناسك، وخلف ذلك أمة يقال لها منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

والذنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشر ما في الطير الذنب.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عبدة بن أبي لبابة، أن الدنيا سبعة أقاليم: فيأجوج ومأجوج في ستة أقاليم، وسائر الناس في إقليم واحد.

وأخرج ابن جرير عن وهب بن جابر الحيواني قال: سألت عبدالله بن عمرو عن يأجوج ومأجوج: أمن آدم هم؟

قال: نعم، ومن بعدهم ثلاث أمم لا يعلم عددهم إلا الله، تاويل وتاريس ومنسك.

وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن عمرو قال: يأجوج ومأجوج لهم أنهار يلقون ما شاؤوا، ونساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ، عن حسان بن عطية قال: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألف أمة لا تشبه واحدة منهم الأخرى، ولا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن كعب قال: خلق يأجوج ومأجوج ثلاث أصناف، صنف أجسامهم كالأرز، وصنف أربعة أذرع طول وأربعة أذرع عرض، وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى يأكلون مشائم نسائهم.

وأخرج ابن المنذر عن خالد الأشج قال: إن بني آدم وبني إبليس ثلاثة أثلاث: فثلثان بنو إبليس وثلث بنو آدم، وبنو آدم ثلاثة أثلاث: ثلثان يأجوج ومأجوج، وثلث سائر الناس.

والناس بعد ثلاث أثلاث، ثلث الأندلس وثلث الحبشة وثلث سائر الناس العرب والعجم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلة، فسد ذو القرنين على إحدى وعشرين قبيلة وترك قبيلة، وهم الأتراك.

وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب، أنه سئل عن الترك فقال: هم سيارة ليس لهم أصل، هم من يأجوج ومأجوج، لكنهم خرجوا يغيرون على الناس فجاء ذو القرنين فسدّ بينهم وبين قومهم، فذهبوا سيارة في الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن حسان بن عطية قال: إن يأجوج ومأجوج خمس وعشرون أمة، ليس منها أمة تشبه الأخرى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي المثنى الأملوكي قال: إن الله ذرأ لجهنم يأجوج ومأجوج، لم يكن فيهم صديق قط ولا يكون أبداً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة عن عبدالله بن سلام قال: ما مات رجل من يأجوج ومأجوج إلا ترك ألف ذرية لصلبه فصاعداً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن يأجوج ومأجوج شبر وشبران، وأطوالهم ثلاثة أشبار وهم من ولد آدم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث وابن مردويه وابن عساكر، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل وتاريس ومنسك» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر قال: الجن والإنس عشرة أجزاء، فتسعة أجزاء يأجوج ومأجوج، وجزء واحد سائر الناس.

وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق عمرو بن أوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عدي وابن عساكر وابن النجار، عن حذيفة قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج فقال: يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة بأربعمائة أمة...

لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه، كل قد حمل السلاح.

قلت: يا رسول الله، صفهم لنا.

قال: هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز.

قلت: وما الأرز؟

قال: شجر بالشام، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء الذين لا يقوم لهم ولا حديد، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية» .

وأخرج نعيم بن حماد في الفتن وابن مردويه بسند واه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثني الله ليلة أسري بي إلى يأجوج ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار مع من عصى من ولد آدم وولد إبليس» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي بكر النسفي، «أن رجلاً قال: يا رسول الله، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج.

قال: انعته لي.

قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة سوداء.

قال: قد رأيته» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه غداً ولا يستثني.

فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد الله بخروجهم على الناس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه إن شاء الله- ويستثني- فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسوة وعلواً.

فيبعث الله عليهم نغفاً في أعناقهم فيهلكون» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالذي نفس محمد بيده، إن دواب الأرض لتَسْمَن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم» .

وأخرج البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله...

ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وحلق- قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: نعم، إذا كثر الخبث» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وعقد بيده تسعين» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب الأرجاني في قوله: ﴿ إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ﴾ قال: كان فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ قال: أجراً عظيماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: ما صنع الله فهو السد، وما صنع السد الناس فهو السد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ما مكني فيه ربي خير ﴾ قال: الذي أعطاني ربي هو خير من الذي تبذلون لي من الخراج.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أجعل بينكم وبينهم ردماً ﴾ قال: هو كأشد الحجاب.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ زبر الحديد ﴾ قال: قطع الحديد.

وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نافع بن الأزرق قال: أخبرني عن قوله: ﴿ زبر الحديد ﴾ قال: قطع الحديد.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه وهو يقول: تلظى عليهم حين شد حميمها ** بزبر الحديد والحجارة شاجر وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بين الصدفين ﴾ قال: الجبلين.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي، أنه كان يقرأ ﴿ بين الصدفين ﴾ بفتحتين، قال: يعني بين الجبلين.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن، أنه كان يقرأ ﴿ بين الصدفين ﴾ بضمتين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ بين الصدفين ﴾ قال: رأس الجبلين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قطراً ﴾ قال: النحاس.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ قطراً ﴾ قال: نحاساً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ قال: نحاسا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ قال: نحاسا ليلزم بعضه بعضاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ قال: ما استطاعوا أن يرتقوه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ يقول: أن يعلوه ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ قال: من أسفله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ قال: جعله طريقاً كما كان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ قال: لا أدري الجبلين يعني به أم ما بينهما.

وأخرج سعيد بن منصور عن الربيع بن خيثم، أنه كان يقرأ ﴿ جعله دكاء ﴾ ممدوداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قال علي بن أبي طالب، إن يأجوج ومأجوج خلف السد، لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف لصلبه، وهم يغدون كل يوم على السد فيلحسونه وقد جعلوه مثل قشر البيض، فيقولون: نرجع غداً ونفتحه، فيصبحون وقد عاد إلى ما كان عليه قبل أن يلحس، فلا يزالون كذلك حتى يولد فيهم مولود مسلم، فإذا غدوا يلحسون قال لهم: قولوا بسم الله، فإذا قالوا بسم الله فأرادوا أن يرجعوا حين يمسون، فيقولون: نرجع غداً فنفتحه.

فيصبحون وقد عاد إلى ما كان عليه فيقول: قولوا إن شاء الله.

فيقولون: إن شاء الله.

فيصبحون وهو مثل قشر البيض فينقبونه فيخرجون منه على الناس، فيخرج أول من يخرج منهم سبعون ألفاً عليهم التيجان، ثم يخرجون من بعد ذلك أفواجاً فيأتون على النهر مثل نهركم هذا- يعني الفرات- فيشربونه حتى لا يبقى منه شيء، ثم يجيء الفوج منهم حتى ينتهوا إليه فيقولون: لقد كان هاهنا ماء مرة، وذلك قول الله: ﴿ فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ﴾ والدكّ، التراب ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن كعب قال: إن يأجوج ومأجوج ينقرون السد بمناقرهم، حتى إذا كادوا أن يخرقوه قالوا: نرجع إليه غداً فنفرغ منه، فيرجعون إليه وقد عاد كما كان، فيرجعون فهم كذلك، وإذا بلغ الأمر ألقي على بعض ألسنتهم يقولون: نأتي إن شاء الله غداً، فنفرغ منه فيأتونه وهو كما هو فيخرقونه فيخرجون، فيأتي أولهم على البحيرة فيشربون ما كان فيها من ماء، ويأتي أوسطهم عليها فيلحسون ما كان فيها من الطين، ويأتي آخرهم عليها فيقولون: قد كان هاهنا مرة ماء.

فيرمون بسهامهم نحو السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا من في الأرض وظهرنا على من في السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم فيقول: اللهم لا طاقة لنا بهم ولا يد، فاكفناهم بما شئت.

فيبعث الله عليهم دوداً يقال له النغف، فيأخذهم في أقفائهم فيقتلهم حتى تنتن الأرض من ريحهم، ثم يبعث الله عليهم طيراً فتنقل أبدانهم إلى البحر، ويرسل الله إليهم السماء أربعين يوماً فينبت الأرض، حتى أن الرمانة لتشبع أهل البيت.

وأخرج ابن المنذر عن كعب قال: عرض أسكفة يأجوج ومأجوج التي تفتح لهم أربعة وعشرون ذراعاً تحفيها حوافر خيلهم، والعليا اثنا عشر ذراعاً تحفيها أسنة رماحهم.

وأخرج ابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: إذا خرج يأجوج ومأجوج، كان عيسى ابن مريم في ثلثمائة من المسلمين في قصر بالشام، يشتد عليهم أمرهم فيدعون الله أن يهلكهم فيسلط عليهم النغف فتنتن الأرض منهم، فيدعون الله أن يطهر الأرض منهم فيرسل الله مطراً فيسيل منهم إلى البحر، ثم يخصب الناس حتى أن العنقود يشبع منه أهل البيت.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه، عن عبدالله بن عمرو قال: يأجوج ومأجوج يمر أولهم بنهر مثل دجلة، ويمر آخرهم فيقول: قد كان في هذا النهر مرة ماء، ولا يموت رجل إلا ترك ألفاً من ذريته فصاعداً، ومن بعدهم ثلاثة أمم ما يعلم عدتهم إلا الله: تاريس وتاويل وناسك أو منسك.

وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه وابن عساكر، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في السد قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا...

فستخرقونه غداً.

قال: فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله، قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً إن شاء الله- واستثنى- فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس فيسقون المياه، وينفر الناس منهم فيرمون سهامهم في السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا في السماء قسوة وعلوّاً، فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم فيهلكهم.

قال: والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم» .

وأخرج الحاكم وصحه عن حذيفة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران أحدهما نار تأجج في عين من رآه، والآخر ماء أبيض فإن أدركه أحد منكم فليغمض ويشرب من الذي يراه ناراً فإنه ماء بارد، وإياكم والآخر فإنه الفتنة، واعلموا أنه مكتوب بين عينيه(كافر)يقرؤه من يكتب ومن لا يكتب، وإن إحدى عينيه ممسوحة عليها ظفرة، إنه يطلع من آخر أمره على بطن الأردن على ثنية أفيق، وكل أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وأنه يقتل من المسلمين ثلثا ويهزم ثلثا ويبقى ثلث ويجن عليهم الليل فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا إخوانكم في مرضاة ربكم؟

من كان عنده فضل طعام فليغدُ به على أخيه، وصلّوا حتى ينفجر الفجر، وعجلوا الصلاة، ثم أقبلوا على عدوكم.

فلما قاموا يصلون، نزل عيسى ابن مريم أمامهم فصلى بهم، فلما انصرف قال: هكذا فرّجوا بيني وبين عدو الله فيذوب، وسلط الله عليهم من المسلمين فيقتلونهم، حتى أن الشجر والحجر لينادي: يا عبدالله، يا عبد الرحمن...

يا مسلم، هذا يهودي فاقتله.

فيقتلهم الله ويُنْصر المسلمون فيكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية، فبينما هم كذلك أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيء آخرهم وقد انتشفوه ولم يدعوا فيه قطرة فيقولون: ظهرنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثر ماء.

فيجيء نبي الله وأصحابه وراءه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يقال لها(لد)فيقولون: ظهرنا على من في الأرض، فتعالوا نقاتل من في السماء، فيدعو الله نبيه عند ذلك فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحهم المسلمين فيدعو عيسى، فيرسل الله عليهم ريحاً فتقذفهم في البحر أجمعين» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الزاهرية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مقفل المسلمين من الملاحم دمشق، ومقفلهم من الدجال بيت المقدس، ومقفلهم من يأجوج ومأجوج بيت الطور على الناس» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: ذلك حين يخرجون على الناس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: هذا أول يوم القيامة، ثم ينفخ في الصور على أثر ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: الجن والإنس يموج بعضهم في بعض.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن هرون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ﴾ قال: إذا ماج الجن والإنس بعضهم في بعض، قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر، فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض، ثم يظعن يميناً وشمالاً حتى ينتهي إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة قد نطقوا الأرض فيقول: ما من محيص، فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كأنه شواظ، فأخذ عليه هو وذريته.

فبينما هو كذلك إذ هجم على النار فخرج إليه خازن من خزان النار فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟

ألم تكن في الجنان؟

فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله افترض عليّ عبادةً لعبدتُه عبادة لم يعبده أحد من خلقه.

فيقول: إن الله قد فرض عليك فريضة.

فيقول: ما هي؟

فيقول: يأمرك أن تدخل النار.

فيتلكأ عليه فيقول به وبذريته بجناحه فيقذفهم في النار، فتزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ﴾ يكون هذا الجزاء من الله تعالى، والحسنى هاهنا على معنيين أحدهما: الجنة، وأضيف الجزاء إليها وهي الجزاء، كما قال: ﴿ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾ ، ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ ﴾ ، و ﴿ دِينُ الْقَيِّمَةِ  ﴾ ، وهذا قول الفراء (١) (٢) ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى  ﴾ الآية.

وقرأ أهل الكوفة: فله جزاءً نصبا منونًا (٣) ﴿ جَزَاءً ﴾ هو على التفسير) (٤) وقال الزجاج: ( ﴿ جَزَاءً ﴾ مصدر منصوب في موضع الحال، المعنى: فله الحسنى مجزيًا بها جزاء) (٥) (٦) قال الأخفش: (وهذا لا يكاد العرب تكلم به مقدما إلا في شعر) (٧) ﴿ جَزَاءً ﴾ وجهين أحدهما: (المصدر على معنى: فيجزى الحسنى جزاء، كما يقال: هو لك هبة.

والآخر: أن ينتصب على التفسير بمعنى: فله الحسنى من جزاء، كما قالوا: لك أسمنها كبشا، أي: من كبش) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴾ قال الكلبي: (أي خيرًا) (٩) (١٠) (١١) وقال عباس: (يريد كما يحيي المؤمنون بعضهم بعضًا، مثل قول النبي -  -: يكن لك ما لنا، وعليك ما علينا) (١٢) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 159.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 159، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 170.

(٣) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ جَزَاءً الْحُسْنَى ﴾ منونًا منصوبًا.

انظر: "السبعة" ص 398، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 170، "الغاية في القراءات" 312، "التبصرة" ص 251، "النشر" 2/ 315.

(٤) "معاني القرآن" للفراء2/ 159.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.

(٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 170.

(٧) ذكره الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 170.

(٨) ذكر بلا نسبة في "إملاء ما من به الرحمن" ص 404، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 292، "المحرر الوجيز" 9/ 395، "الدر المصون" 7/ 543.

(٩) ورد نحوه بلا نسبة في "جامع البيان" 16/ 13، "الكشاف" 2/ 401، "بحر العلوم" 2/ 311.

(١٠) "جامع البيان" 16/ 13، "معالم التنزيل" 5/ 200، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 114، "الدر المنثور" 4/ 448.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.

(١٢) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾ هؤلاء القوم هم الزنج وهم أهل الهند ومن وراءهم، ومعنى لم نجعل الآية أنهم ليس لهم بنيان إذ لا تحمل أرضهم البناء وإنما يدخلون من حر الشمس في أسراب تحت الأرض وقال ابن عطية: الظاهر أنها عبارة عن قرب الشمس منهم وقيل: الستر اللباس فكانوا على هذا لا يلبسون الثياب ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيماً لأمره وقيل: إن كذلك راجع لما قبله أي لم نجعل لهم ستراً، كما جعلنا لكم من المباني والثياب، وقيل: المعنى وجد عندها قوماً كذلك، أي مثل القوم الذين وجدوا عند مغرب الشمس وفعل معهم مثل فعله ﴿ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ﴾ أي الجبلين وهما جبلان في طرف الأرض، وقرئ بالفتح والضم وهما بمعنى واحد، وقيل ما كان من خلقة الله فهو مضموم وما كان من فعل الناس فهو مفتوح ﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً ﴾ قيل هم الترك ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ عبارة عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس، فهم لا يفقهون القول إلا بالإشارة أو نحوها ﴿ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴾ قبيلتان من بني آدم في خلقهم تشويه، منهم مفرط الطول ومفرط القصر ﴿ مُفْسِدُونَ فِي الأرض ﴾ لفسادهم بالقتل والظلم وسائر وجوه الشرط، وقيل: كانوا يأكلون بني آدم.

﴿ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾ هذا استفهام في ضمنه عرض ورغبة، والخرج الجباية يقال فيه خراج وقد قرئ بهما، فعرضوا عليه أن يجعلوا له أموالاً ليقيم بها السد ﴿ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ أي ما بسط الله لي من الملك خير من خرجكم، فلا حاجة لي به ولكن أعينوني بقوة الأبدان وعمل الأيدي ﴿ رَدْماً ﴾ أي حاجزاً حصيباً، والردم أعظم من السد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.

﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.

يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.

﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.

الآخرون بضمها.

﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.

﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.

والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.

الآخرون بفتح الصاد والدال.

﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.

وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.

وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.

وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.

يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.

قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.

فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.

قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.

والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.

وروي عن النبي  أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.

وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.

ويروى الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.

وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.

وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.

وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.

ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وعن علي  : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.

وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟

فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.

قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.

وقيل: كان نبياً لقوله  : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.

وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.

قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله  وأنزل فيه وحياً.

والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.

والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.

ثم إنه  شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.

"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله  على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .

فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.

وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟

فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.

أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.

روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.

ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.

وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.

حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.

فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.

وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.

فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.

وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.

الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.

الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.

الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.

ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.

وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.

فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.

وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.

وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.

سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟

وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.

وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.

وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.

وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.

ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.

أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.

وقيل: يأكلون لحومهم.

وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.

وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.

وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم  ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.

وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.

قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.

من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.

ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.

﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.

وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.

يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.

وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.

وعن رسول الله  أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟

قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.

قال: قد والله رأيته.

قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه  صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.

﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.

ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.

ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.

ثم شرع  في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.

ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.

ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.

وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.

وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.

ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.

ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.

وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.

وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.

ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟

وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.

والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.

ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.

قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.

وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي  أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة  ﴾ وروي عنه  أن منهم أهل حروراء.

وعن مجاهد: أهل الكتاب.

والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.

وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.

وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.

وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.

والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.

عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.

وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.

وعن النبي  : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.

نبه على كمال حال القرآن.

والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".

والمدد والمداد واحد.

يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً  ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً  ﴾ فنزلت هذه الآية.

يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.

قالت الأشاعرة: إن كلام الله  واحد.

واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله  .

وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله  .

وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.

وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.

قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.

أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه  أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.

ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .

وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.

واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.

"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله  : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .

وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.

قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.

والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.

قال في الكشاف: عن رسول الله  : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.

ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه  : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.

﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله  فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.

﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.

﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ .

في الآية دلالة أن الآية نزلت على رسول الله  قبل أن يسأل هو عن خبر ذي القرنين؛ لأنه قال ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ ، ولم يقل: "سألوك"، والخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني يدل على ذلك، أيضاً؛ لأنه روى "أن نفراً من أهل الكتاب جاءوا بالصحف والكتب، فقالوا لي: استأذن لنا على رسول الله: لندخلن عليه؛ فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم؛ فقال رسول الله  : مَالِي وَلَهُمْ يَسْأَلُونَ عما لا أعلمُ، إنما أنا عبدٌ لا علم لي إلا ما علّمني ربّي، ثم قال: أَبغني وضوءً أتوضأ به، فتوضأ، ثم قام إلى مسجد في بيته، فركع فيه ركعتين، فما انصرف حتى بدا لي السّرور في وجهه، ثم قال لي: اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي، فأدخلهم فلما رآهم النبي قال لهم: إن شئتم أخبرتكم كما تجدونه في كتابكم" ؛ فهذا إن ثبت يدل أنه نزل عليه نبأ ذي القرنين وخبره قبل أن يسأل.

وأما أهل التأويل قالوا جميعاً: إنه سئل قبل أن ينزل عليه خبره، ثم نزل من بعد السؤال، والله أعلم.

ثم اختلف فيه: قال الحسن: كان نبيّاً، دليله: ما قال: ﴿ قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ؛ قال: هذا تحكيم من الله إياه فيما ذكر، ولا يولي الحكم إلا من كان نبيّاً.

وأما علي بن أبي طالب فإنه سئل عن ذلك: كان نبيا أو ملكاً؟

فقال: لا واحد منهما.

وقال غير هؤلاء: إنه كان ملكا؛ يدل على ذلك الخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني: "أن رسول الله  سئل عن خبره وبنائه، قال: فقال رسول الله: كان غلاماً من الروم أعطي ملكا فسار حتى بلغ كذا..." ، على ما ذكر في الخبر، والأشبه أن يكون أنه كان ملكا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: ملكنا له الأرض له جملة، ذكر تمكين الأرض له جملة يصنع فيها ما يشاء، لم يخص له ناحية منها دون ناحية، وليس كقوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً...

﴾ الآية [القصص: 57]، وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ  ﴾ : هاهنا خص مكانا لهم دون مكان، وأما في ذي القرنين ذكر التمكين له في الأرض، لم يخص ناحية منها دون ناحية؛ فهو أن ملكه ومكنه الأرض كلها.

وقول الحسن: إنه حكمه وولى له الحكم - فهذا لا يدل أنه كان نبيّاً؛ لأن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو في ذلك الزمان؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ : أن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو والقتال في ذلك مع العدو فعلى ذلك هنا.

وقوله: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ ، وأما من آمن كذا: يحتمل هذا منه إلهام من الله -  - أو تعليم الملك الذي كان فيه، أو كان معه نبي فأخبر له بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ .

اختلف في ذلك: قال بعضهم: علم المنازل: أي: منازل الأرض ومعالمها وآثارها.

وقال [بعضهم]: العلم والقوة.

وقال بعضهم: أعطاه السبب الذي به صلاح ما مكن له، وملك له مما يقع له الحاجة إليه.

وقال بعضهم: ذلك السَّبب كان أنعاماً: كان عليها يحمل الخشب، فيتخذ منه سفينة إن استقبله بحر، فيعبر بها، ثم ينقضها ويحمل الخشب على الأنعام ويعبر البر على الدواب، فذلك السبب الذي ذكر.

وأصله: أنه ذكر أنه أتاه السبب الذي به صلاح ما مكن له وملك عليه، ولم يبيّن ما ذلك السبب؛ فلا ندري ما أراد بذلك؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ .

كأنه أراد وطلب أن يعرف أنها أين تغرب؟

حيث قال: ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ، وفيه لغتان: ﴿ حَامِيَةً ﴾ و ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ ، قالوا من قرأها: ﴿ حَامِيَةً ﴾ أراد: في عين حارة، ومن قرأ ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ - مهموزة بغير ألف - أراد الحمأة: وهي الطينة السوداء، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ .

قال بعضهم: كانوا كفارا ومؤمنين الفريقان جميعاً، فقال في الكفار: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ ، وهو القتل، [و] قال في المؤمنين: ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : ليس على التخيير؛ ولكن على الحكم في كل فريق على حدة.

وقال بعضهم: كانوا كلهم كفارا؛ فيكون تأويل قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ : إذا لم يجيبوك، ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : إذا أجابوك وآمنوا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

هذا أنه حكم بذلك بتعليم نبي أو ملك كان معه، أو حكم بذلك؛ لما كان عرف أن سنة الله في الكفار القتل والإهلاك، وفي المؤمنين الترك والإحسان، أو ألهم إلهاماً بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ .

قال الحسن: ﴿ يُسْراً ﴾ ، أي: عارفاً.

وقال بعضهم: ﴿ يُسْراً ﴾ : معروفاً.

وقال بعضهم: (اليسر): هو اسم كل خير وبركة، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ ، أي: بلاغا لحاجته.

وقال غيره ما ذكرنا من السبب الذي به ملك طريق المغرب والمشرق وبه بلغ ما بلغ، والله أعلم.

ثم اختلفوا فيم سمي ذا القرنين: قال بعضهم: سميّ ذا القرنين؛ لأنه دعا قومه إلى توحيد الله والإيمان به؛ فضربوه على قرنه الأيمن، ثم غاب ما شاء الله، وفي بعض الأخبار مات، ثم حضر فدعاهم ثانياً فضربوه على قرنه الأيسر؛ فبقي عليه لذلك أثر؛ فسمي لذلك ذا القرنين، لا أن كان له قرن كقرن الثور.

وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه كان له ذؤابتان، أعني: ضفيرتان.

وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مغربها ومطلعها.

وقال بعضهم سمي: ذا القرنين؛ لأنه عاش حياة قرنين، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ ﴾ بالسبب الذي ذكر أنه أعطاه كما بلغ مغرب الشمس، ﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾ .

قال الحسن: إن تلك الأرض تميد وتميع، لا تقر ولا تسكن، لا تحتمل البناء والحجر؛ فإذا طلعت الشمس طلعت عليهم، لما لم يكن لهم بناء ولا ستر تهوروا في البحار فإذا ارتفعت عنهم خرجوا.

وقال ابن عباس: إن الشمس إذا طلعت كانت حرارتها أشد عند طلوعها من غروبها؛ فتحرق كل شيء حتى لا تبقي لهم ثوباً ولا بناء ولا خشباً ولا غيره إلا أحرقته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ، أي: كذلك أخبرنا رسول الله من نبأ ذي القرنين، وخبره على ما كان.

وقال بعضهم: كذلك أعطينا له من السبب حتى بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها بالسبب الذي ذكر.

وقال بعضهم: كذلك قيل له في المطلع من قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ، كما قيل له في المغرب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .

قال بعضهم: [هو] صلة قوله: ﴿ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ ، ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ ، أي: عن علم سأتلو عليكم.

وقال بعضهم: هو على الابتداء، ليس على الربط والصّلة على الأول، أي: قد أحطنا علمنا بما لديه.

﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ .

ما ذكرنا في بلوغه مغربها ومطلعها، أي: أعطينا له من السّبب حتى بلغ بين السدّين في بعض القراءات ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب، فإن كان بين اللغتين فرق؛ فيشبه أن يكون ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالرفع: الجبلين اللذين كانا هنالك، و ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب: هو بناء ذي القرنين، وإن لم يحتمل الفرق - فهو ما بنى هو أو مكان في الخليقة.

ثم اختلف في ذلك السدّ.

قال بعضهم: هو المنفذ الذي كان بين طرفي الجبل الذي كان محيطا بالأرض، يدخل فيه يأجوج ومأجوج إلى هذه الأرض؛ فسد ذو القرنين ذلك المنفذ.

وقال بعضهم: لا؛ ولكن كانا جبلين: أحدهما: ستر بين يأجوج، والثاني: بين مأجوج؛ فسدّ ذلك، والله أعلم كيف كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ .

قال الحسن: كانوا يفقهون ما به صلاح معاشهم، وما به بقاؤهم، ولكن كانوا لا يفقهون الهدى من الضلال، والخير من الشرّ، ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ : من غير كلامهم ولسانهم؛ ولكن يفقهون بلسانهم وكلامهم، وذو القرنين كان يعرف الألسن كلها؛ ففقهوا هم [منه] وفقه هو منهم؛ حيث قالوا ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ ، أي: جعلا أجرا، ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾ .

وقال هو: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ : فهم ذو القرنين منهم، وفهموا منه أيضاً ما ذكرنا؛ فدل ذلك أنهم كانوا يفقهون بلسان غيرهم، وفي الآية دلالة أنهم لا يفقهون شيئاً قليلا من القول، وإن كانوا لا يفقهون كثيراً؛ لأنه يقول: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ ؛ فهو يتكلم على العرف لا على النفي رأساً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ : جعلا وأجرا؛ ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ .

على تأويل الحسن يكون قوله: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ من النبوة ﴿ خَيْرٌ ﴾ ؛ لأنه يقول: إنه كان نبياً؛ حيث قال له: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وعلى قول غيره يكون ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ : من الملك والسبب الذي أعطاني، وأبلغ به مغرب الشمس ومطلعها ﴿ خَيْرٌ ﴾ مما تذكرون.

وقوله: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ ، أي بما أتقوى به، ﴿ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ ، أي: سدّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ﴾ ، أي: قطع الحديد.

وقال بعضهم: سألهم الحديد؛ لأن المكان مكان الحديد.

وقال بعضهم: إن الحديد كان ألين لهم وأطوع من اللَّبِنِ أو القطر، ولكن لا يعلم ذلك إلا بالسمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ .

أي: بلغ ذلك السد رأس الصدفين، وهما جبلان، وسوى بهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ .

أي: أصب عليه قطرا، قيل: نحاساً، وقيل: رصاصا، ذكر أنه كان يبسط الحديد صدرا، ثم يبسط الحطب فوقه صدراً، ثم حديدا فوق الحطب، حتى بلغ رأس الجبلين، وسوى بهما على هذا السبيل، ثم أذيب القطر، فصب فيه، فجعل القطر يحرق الحطب، ويذيب الحديد؛ حتى دخل القطر مكان الحطب، وصار مكانه؛ فالتزق القطر بالحديد، على هذا ذكر أنه بنى ذلك السدّ.

وقال الحسن: كأنه القطر له كالملاط لنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ .

أي: يعلوه، يعني: على ذلك السد وما استطاعوا له نقباً في أسفله، ولا يزاد على المذكور في الكتاب في هذه الأنباء، والقصص، خوفاً للشهادة على الله، والكذب عليه، ولكن نذكر مقدار ما ذكر في الكتاب، لا نزيد على ذلك، وفي الكتاب القدر الّذي ذكرنا، والله أعلم.

قال القتبي: يقال للجبل: السدّ و ﴿ زُبَرَ ﴾ : قطع، والقطر: النحاس، وقوله: ﴿ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ أي: يعلوه.

يقال: ظهر فلان السطح إذا علاه، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال: ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ : ناحيتي الجبل، والردم: السدّ، و ﴿ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ : هو مثل السدّين، ﴿ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ ، أي: أصب عليه نحاساً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ﴾ يحتمل أنه السدّ الذي بني وحال بينهم وبين يأجوج ومأجوج، فذلك منه رحمة، أي: برحمته كانت تلك الحيلولة، أو كان ذلك نعمة من الله، والرحمة هي النعمة، أي: هذا السدّ بينكم وبينهم نعمة من ربي عليكم.

ثم فيه وجهان: أحدهما: ذكر أن ذلك كان برحمة من الله إذا فرغ منه، وقد كان في الابتداء حين سألوه أن يجعل لهم السدّ أضاف الفعل إلى نفسه حيث قال: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ دلّ ذلك أن ما فعل برحمة منه وفضل، وأن له في ذلك صنعاً.

والثاني: فيه أن له أن يفعل بالخلق ما ليس هو بأصلح لهم في الدين؛ لأنه لا يخلو إما أن كان الأول لهم أصلح في الدين، ثم فعل الثاني، فلا يكون الثاني أصلح لهم في الدين، وإذا كان الأصلح لهم في الدّين الثاني فالأول لم يكن، ثم ذكر أن ذلك رحمة منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي ﴾ ، أي: فإذا جاء الذي به كان وعد ربي وهو الموعود؛ ولأن الوعد لا يجيء فكأنه قال: موعود ربّي، وهو خروج يأجوج ومأجوج، أو فتح ذلك السدّ ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: كسراً أو هدماً على ما ذكرنا، و ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: هدمه وسواه بالأرض.

وقال القتبي: ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ ، أي: ألصقه بالأرض.

﴿ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ أي: يجول بعضهم في بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾ هذا وعد والأول موعود.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأما من آمن منهم بالله وعمل عملًا صالحًا فله الجنة؛ جزاءً من ربه على إيمانه وعمله الصالح، وسنقول له من أمرنا ما فيه رفق ولين.

<div class="verse-tafsir" id="91.Pm4yk"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر