الآية ٦٦ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٦٦ من سورة مريم

وَيَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته ، كما قال تعالى : ( وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد ) [ الرعد : 5 ] ، وقال : ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) [ يس : 77 - 79 ] ، وقال هاهنا : ( ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَيَقُولُ الإنْسَانُ ) الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت أخرج حيا، فأُبعث بعد الممات وبعد البلاء والفناء إنكارا منه ذلك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا الإنسان هنا أبي بن خلف وجد عظاما بالية ففتتها بيده وقال : زعم محمد أنا نبعث بعد الموت ، قاله الكلبي ؛ ذكره الواحدي والثعلبي والقشيري ، وقال المهدوي : نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه وهو قول ابن عباس واللام في لسوف أخرج حيا للتأكيد كأنه قيل له إذا ما مت لسوف تبعث حيا فقال أئذا ما مت لسوف أخرج حيا !

قال ذلك منكرا فجاءت اللام في الجواب ، كما كانت في القول الأول ولو كان مبتدأ لم تدخل اللام ؛ لأنها للتأكيد والإيجاب وهو منكر [ ص: 55 ] للبعث وقرأ ابن ذكوان ( إذا ما مت ) على الخبر والباقون بالاستفهام على أصولهم بالهمز وقرأ الحسن وأبو حيوة لسوف أخرج حيا قاله استهزاء لأنهم لا يصدقون بالبعث والإنسان هاهنا الكافر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

المراد بالإنسان هاهنا، كل منكر للبعث، مستبعد لوقوعه، فيقول -مستفهما على وجه النفي والعناد والكفر- { أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا } أي: كيف يعيدني الله حيا بعد الموت، وبعد ما كنت رميما؟\" هذا لا يكون ولا يتصور، وهذا بحسب عقله الفاسد ومقصده السيء، وعناده لرسل الله وكتبه، فلو نظر أدنى نظر، وتأمل أدنى تأمل، لرأى استبعاده للبعث، في غاية السخافة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ويقول الإنسان ) يعني : أبي بن خلف الجمحي كان منكرا للبعث قال : ( أئذا ما مت لسوف أخرج حيا ) قاله استهزاء وتكذيبا للبعث .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويقول الإنسان» المنكر للبعث أبي بن خلف أو الوليد بن المغيرة النازل فيه الآية: «أئذا» بتحقيق الهمزة الثانية وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى «ما متّ لسوف أخرج حيا» من القبر كما يقول محمد، فالاستفهام بمعنى النفي أي: لا أحيا بعد الموت وما زائدة للتأكيد وكذا اللام ورد عليه بقوله تعالى:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويقول الإنسان الكافر منكرًا للبعث بعد الموت: أإذا ما مِتُّ وفَنِيتُ لسوف أُخرَج من قبري حيًا؟!

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر كثير من المفسرين أن قوله - تعالى - : ( وَيَقُولُ الإنسان .

.

.

) نزل فى أشخاص معينين .فمنهم من يرى أن هذه الآية نزلت فى " أبى بن خلف " فإنه أخذ عظما باليا ، فجعل يفتته بيده ، ويذريه فى الريح ويقول : زعم محمد - صلى الله عليه وسلم - أننا نبعث بعد أن نموت ونصير مثل هذا العظم البالى ومنهم من يرى أنها نزلت فى الوليد بن المغيرة ، أو فى العاصى بن وائل ، أو فى أبى جهل .وعلى كل واحد من هذه الأقوال تكون ( أل ) فى الإنسان للعهد ، والمراد بها أحد هؤلاء الأشخاص ، ويكون لفظ الإنسان من قبيل العام الذى أريد به الخصوص .ومن الأساليب العربية المعروفة ، إسناد الفعل إلى المجموع ، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم كما يقال : بنو فلان فلاناً مع أن القاتل واحد منهم ، ومن هذا القبيل قول الفرزدق :فسيوف بنو عبس وقد ضربوا به ...

نَبَت بيدَىْ ورقاء من رأس خالدفقد أسند الضرب إلى بنى عبس ، مع أنه صرح بأن الضارب هو ورقاء الذى كان السيف بيده .وقيل : المراد بالإنسان هنا : جماعة معينون وهم الكفرة المنكرون للبعث أو المراد : جنس الكافر المنكر للبعث .و " إذا " فى قوله : ( أَإِذَا مَا مِتُّ ) منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط .والمعنى : ويقول هذا الإنسان الجاهل الجحود ، المنكر للبعث والنشور ، أأعود للحياة مرة أخرى بعد موتى ، وبعد أن أكون كالعظام النخرة .والاستفهام للإنكار والنفى ، وعبر - سبحانه - بالمضارع ( يَقُولُ ) لاستحضار تلك الصورة الغريبة ، وتلك الأقوال المنكرة التى صدرت عن هذا الكافر ، أو لإفادة أن هذا القول موجود ومستمر عند كثير من الكافرين .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء الجاحدين : ( أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ) وقوله - عز وجل - : ( يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها فكأن سائلاً سأل وقال هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأما في الآخرة فقد أنكرها قوم فلابد من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى يظهر أن الاشتغال بالعبادة مفيد فلهذا حكى الله تعالى قول منكري الحشر فقال: ﴿ وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ وإنما قالوا ذلك على وجه الإنكار والاستبعاد، وذكروا في الإنسان وجهين: أحدهما: أن يكون المراد الجنس بأسره فإن قيل كلهم غير قائلين بذلك فكيف يصح هذا القول؟

قلنا الجواب من وجهين: الأول: أن هذه المقالة لما كانت موجودة فيما هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل رجل منهم.

والثاني: أن هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلا أن بعضهم ترك ذلك الاستبعاد المبني على محض الطبع بالدلالة القاطعة التي قامت على صحة القول به.

الثاني: أن المراد بالإنسان شخص معين فقيل: هو أبو جهل، وقيل: هو أبي بن خلف، وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث، ثم إن الله تعالى أقام الدلالة على صحة البعث بقوله: ﴿ أَوْ لاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ والقراء كلهم على ﴿ يُذْكَرِ ﴾ بالتشديد إلا نافعاً وابن عامر وعاصماً فقد خففوا، أي أو لا يتذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل وإذا قرئ أو لا يذكر فهو أقرب إلى المراد إذ الغرض التفكر والنظر في أنه إذا خلق من قبل لا من شيء فجائز أن يعاد ثانياً.

قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها إذ لا شك أن الإعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء وهو ضعيف لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً؟

فإن قيل: كيف أمر تعالى الإنسان بالذكر مع أن الذكر هو العلم بما قد علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟

قلنا: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ أو لا يذكر الإنسان بالتشديد أما إذا قرئ أو لا يذكر بالتخفيف فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأن كل أحد يعلم أنه لم يكن حياً في الدنيا ثم صار حياً، ثم إنه سبحانه لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتهديد من وجوه: أحدها: قوله: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين ﴾ وفائدة القسم أمران: أحدهما: أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين.

والثاني: أن في إقسام الله تعالى باسمه مضافاً إلى اسم رسوله صلى الله عليه وسلم تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم ورفع منه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿ فَوَرَبّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ  ﴾ والواو في ﴿ الشياطين ﴾ ويجوز أن تكون للعطف وأن تكون بمعنى مع وهي بمعنى مع أوقع، والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة.

وثانيها: قوله: ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ﴾ وهذا الإحضار يكون قبل إدخالهم جهنم ثم إنه تعالى يحضرهم على أذل صورة لقوله تعالى: ﴿ جِثِيّاً ﴾ لأن البارك على ركبتيه صورته صورة الذليل أو صورته صورة العاجز، فإن قيل هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى: ﴿ وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً  ﴾ والسبب فيه جريان العادة أن الناس في مواقف المطالبات من الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من الاستنظار والقلق، أو لما يدهمهم من شدة الأمر الذي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم، وإذا كان هذا عاماً للكل فكيف يدل على مزيد ذل الكفار؟

قلنا: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحالة وذلك يوجب مزيد الذل في حقهم.

وثالثها: قوله: ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً ﴾ والمراد بالشيعة وهي فعلة كفرقة وفئة الطائفة التي شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا  ﴾ والمراد أنه تعالى يحضرهم أولا حول جهنم جثياً ثم يميز البعض من البعض فمن كان أشدهم تمرداً في كفره خص بعذاب أعظم لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد وليس عذاب من يورد الشبه في الباطل كعذاب من يقتدي به مع الغفلة قال تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ  ﴾ .

وقال: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ فبين تعالى أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتواً وأشد تمرداً ليعلم أن عذابه أشد، ففائدة هذا التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً ﴾ ولا يقال أولى إلا مع اشتراك القوم في العذاب، واختلفوا في إعراب أيهم فعن الخليل أنه مرتفع على الحكاية تقديره لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد وسيبويه على أنه مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلة حتى لو جيء به لأعرب وقيل أيهم هو أشد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يحتمل أن يراد بالإنسان الجنس بأسره، وأن يراد بعض الجنس وهم الكفرة.

فإن قلت: لم جازت إرادة الأناسي كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك؟

قلت: لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم، صح إسناده إلى جميعهم، كما يقولون: بنو فلان قتلوا فلاناً، وإنما القاتل رجل منهم.

قال الفرزدق: فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وَقَدْ ضَرَبُوا بِهِ ** نَبَا بِيَدَيْ وَرْقَاءَ عَنْ رَأْسِ خَالِدِ فقد أسند الضرب إلى بني عبس مع قوله: (نبا بيدي ورقاء) وهو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي.

فإن قلت: بم انتصب ﴿ إِذَا ﴾ وانتصابه ب (أخرج) ممتنع لأجل اللام؛ لا تقول: اليوم لزيد قائم؟

قلت: بفعل مضمر يدل عليه المذكور.

فإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟

قلت: لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا أَلله للتعويض واضمحلّ عنها معنى التعريف.

و (ما) في ﴿ أَءِذَا مَا ﴾ للتوكيد أيضاً، فكأنهم قالوا: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك؟

على وجه الاستنكار والاستبعاد.

والمراد الخروج من الأرض، أو من حال الفناء.

أو هو من قولهم: خرج فلان عالماً، وخرج شجاعاً: إذا كان نادراً في ذلك، يريد: سأخرج حياً نادراً على سبيل الهزؤ.

وقرأ الحسن وأبو حيوة: ﴿ لسوف أخرج ﴾ وعن طلحة بن مصرف رضي الله عنه ﴿ لسأخرج ﴾ كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ولسيعطيك ﴾ وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهم، فهو كقولك للمسيء إلى المحسن: أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه.

الواو عطفت ﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ ﴾ على ﴿ يَقُولُ ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف، يعني: أيقول ذاك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر الأخرى فإن تلك أعجب وأغرب وأدلّ على قدرة الخالق؟؟

حيث أخرج الجواهر والأعراض من العدم إلى الوجود، ثم أوقع التأليف مشحوناً بضروب الحكم التي تحار الفطن فيها، من غير حذو على مثال واقتداء بمؤلف.

ولكن اختراعاً وإبداعاً من عند قادر جلت قدرته ودقت حكمته.

وأما الثانية فقد تقدمت نظيرتها وعادت لها كالمثال المحتذى عليه، وليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة الباقية وتركيبها، ورّدها إلى ما كانت عليه مجموعة بعد التفكيك والتفريق.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ دليل على هذا المعنى، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ [الروم: 27] على أن رب العزّة سواء عليه النشأتان، لا يتفاوت في قدرته الصعب والسهل، ولا يحتاج إلى احتذاء على مثال؛ ولا استعانة بحكيم، ولا نظر في مقياس، ولكن يواجه جاحد البعث بذلك دفعاً في بحر معاندته، وكشفاً عن صفحة جهله.

القراء كلهم على ﴿ لا يذكر ﴾ بالتشديد إلا نافعاً وابن عامر وعاصماً رضي الله عنهم، فقد خففوا.

وفي حرف أبيّ ﴿ يتذكر ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَقُولُ الإنْسانُ ﴾ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِأسْرِهِ فَإنَّ المَقُولَ مَقُولٌ فِيما بَيْنَهم وإنْ لَمْ يَقُلْهُ كُلُّهم كَقَوْلِكَ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم، أوْ بَعْضُهُمُ المَعْهُودُ وهُمُ الكَفَرَةُ أوْ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَإنَّهُ أخَذَ عِظامًا بالِيَةً فَفَتَّها وقالَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنّا نُبْعَثُ بَعْدَ ما نَمُوتُ.

﴿ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ مِنَ الأرْضِ أوْ مِن حالِ المَوْتِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ وإيلاؤُهُ حَرْفَ الإنْكارِ لِأنَّ المُنْكَرَ كَوْنُ ما بَعْدَ المَوْتِ وقْتَ الحَياةِ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ أُخْرَجُ ﴾ لا بِهِ فَإنَّ ما بَعْدَ اللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وهي ها هُنا مُخْلَصَةٌ لِلتَّوْكِيدِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الحالِ كَما خَلُصَتِ الهَمْزَةُ واللّامُ في يا أللَّهُ لِلتَّعْوِيضِ فَساغَ اقْتِرانُها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ (إذا ما مِتُّ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ عَلى الخَبَرِ.

﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ﴾ عُطِفَ عَلى ( يَقُولُ )، وتَوْسِيطُ هَمْزَةِ الإنْكارِ بَيْنَهُ وبَيْنَ العاطِفِ مَعَ أنَّ الأصْلَ أنْ يَتَقَدَّمَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْكَرَ بِالذّاتِ هو المَعْطُوفُ وأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ إنَّما نَشَأ مِنهُ فَإنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ وتَأمَّلَ: ﴿ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ بَلْ كانَ عَدَمًا صِرْفًا، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَإنَّهُ أعْجَبُ مِن جَمْعِ المَوادِّ بَعْدَ التَّفْرِيقِ وإيجادِ مِثْلِ ما كانَ فِيها مِنَ الأعْراضِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وقالُونُ عَنْ يَعْقُوبَ ( يَذَّكَّرُ ) مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّفَكُّرُ، وقُرِئَ «يَتَذَكَّرُ» عَلى الأصْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فتهافت أبيَّ بن خلف عظماً وقال أنبعث بعد ما صرا كذا فنزل {ويقول الإنسان أئذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} والعامل في إذا ما دل عليه الكلام وهو أبعث أي إذا ما مت أبعث وانتصابه باخرج ممتنع لأن ما بد لام الابتداء لا يعمل فيها قبلها فلا تقول اليوم لزيد قائم ولام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال وتؤكد مضمون الجملة فلما جامعت حرف الاستقبال خلصت للتوكيد واضمحل معنى الحال وما في إذا ما للتوكيد أيضاً فكأنه قال أحقًّا إنا سنخرج من القبور أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك على وجه الاستنكار والاستبعاد وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء إنكارهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها نَزَلَتْ في العاصِي بْنِ وائِلٍ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا بالِيًا فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ ويَقُولُ: زَعَمَ فُلانٌ أنا نُبْعَثُ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ ونَكُونُ مِثْلَ هَذا، إنَّ هَذا شَيْءٌ لا يَكُونُ أبَدًا فَألْ في (الإنْسانُ) عَلى ما قِيلَ لِلْعَهْدِ والمُرادُ بِهِ أحَدُ هَؤُلاءِ الأشْخاصِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ جَماعَةٌ مُعَيَّنُونَ وهُمُ الكَفَرَةُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ألْ لِلْجِنْسِ ويَكُونُ هُناكَ مَجازٌ في الطَّرَفِ بِأنْ يُطْلَقَ جِنْسُ الإنْسانِ ويُرادَ بَعْضُ أفْرادِهِ كَما يُطْلَقُ الكُلُّ عَلى بَعْضِ أجْزائِهِ أوْ يَكُونُ هُناكَ مَجازٌ في الإسْنادِ بِأنْ يُسْنَدَ إلى الكُلِّ ما صَدَرَ عَنِ البَعْضِ كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهم، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وقَدْ ضَرَبُوا نَبا بِيَدِي ورْقاءَ عَنْ رَأْسِ خالِدِ واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ الإسْنادِ رِضا الباقِينَ بِالفِعْلِ أوْ مُساعَدَتِهِمْ عَلَيْهِ حَتّى يُعَدَّ كَأنَّهُ صَدَرَ مِنهم، ولا شَكَّ أنَّ بَقِيَّةَ أفْرادِ الإنْسانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَرْضَوْا بِهَذا القَوْلِ.

وأجابَ بَعْضُ مُشْتَرِطِي ذَلِكَ لِلصِّحَّةِ بِأنَّ الإنْكارَ مَرْكُوزٌ في طَبائِعِ الكُلِّ قَبْلَ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ، فالرِّضا حاصِلٌ بِالنَّظَرِ إلى الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ.

وقالَ الخَفاجِيُّ: الحَقُّ عَدَمُ اشْتِراطِ ذَلِكَ لِصِحَّتِهِ وإنَّما يُشْتَرَطُ لِحُسْنِهِ نُكْتَةٌ يَقْتَضِيها مَقامَ الكَلامِ حَتّى يُعَدَّ الفِعْلُ كَأنَّهُ صَدَرَ عَنِ الجَمِيعِ فَقَدْ تَكُونُ الرِّضا وقَدْ تَكُونُ المُظاهَرَةُ وقَدْ تَكُونُ عَدَمَ الغَوْثِ والمَدَدَ ولِذا أوْجَبَ الشَّرْعُ القُسامَةَ والدِّيَةَ وقَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ هُنا أنَّهُ لَمّا وقَعَ بَيْنَهم إعْلانُ قَوْلٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ مَثَلُهُ وإذا قِيلَ لا يَنْبَغِي أنْ يُتْرَكَ قائِلُهُ بِدُونِ مَنعٍ أوْ قَتْلٍ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الرِّضا حَثًّا لَهم عَلى إنْكارِهِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا انْتَهى.

وقِيلَ: لَعَلَّ الحَقَّ أنَّ الإسْنادَ إلى الكُلِّ هُنا لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ وما أكْثَرَ النّاسَ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ فَتَأمَّلْ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ إمّا اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الماضِيَةِ لِنَوْعِ غَرابَةٍ.

وإمّا لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ فَإنَّ هَذا القَوْلَ لا يَزالُ يَتَجَدَّدُ حَتّى يُنْفَخَ في الصُّورِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ وإذا ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (أُخْرَجُ) ولَمْ يُجَوِّزُوا تَعَلُّقَهُ بِالمَذْكُورِ لِأنَّ ما بَعْدَ اللّامِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وعَدَّ ابْنُ عَطِيَّةَ تَوَسُّطَ سَوْفَ مانِعًا مِنَ العَمَلِ أيْضًا، ورَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَلَمّا رَأتْهُ آمِنًا هانَ وجْدُها ∗∗∗ وقالَتْ أبُونا هَكَذا سَوْفَ يَفْعَلُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سُمِعَ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّهُ جَعَلَ إذا هُنا شَرْطِيَّةً وجَعَلَ عامِلَها الجَزاءَ وقالَ: إنَّ كَلِمَةَ الشَّرْطِ تَدُلُّ عَلى لُزُومِ الجَزاءِ لِلشَّرْطِ، ولِتَحْصِيلِ هَذا الغَرَضِ عَمِلَ في إذا جَزاؤُهُ مَعَ كَوْنِهِ بَعْدَ حَرْفٍ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَهُ فِيما قَبْلَهُ كالفاءِ في (فَسَبِّحْ) وإنَّ في قَوْلِكَ: إذا جِئْتَنِي فَإنِّي مُكْرِمٌ ولامُ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: (أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا)، ومُخْتارُ الأكْثَرِينَ أنَّ إذا هُنا ظَرْفِيَّةٌ، وما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ، وفي الكَلامِ مَعْطُوفٌ مَحْذُوفٌ لِقِيامِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ أيْ إذا ما مِتُّ وصِرْتُ رَمِيمًا لَسَوْفَ إلَخْ.

واللّامُ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ، ولِذا ساغَ اقْتِرانُها بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّها إذا دَخَلَتِ المُضارِعَ خَلَّصَتْهُ لِلْحالِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها لا تُخَلِّصُهُ فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى تَجْرِيدِها لِلتَّوْكِيدِ لَكِنَّ الأوَّلَ هو المَشْهُورُ وما في (إذا ما) لِلتَّوْكِيدِ أيْضًا.

والمُرادُ مِنَ الإخْراجِ الإخْراجُ مِنَ الأرْضِ أوْ مِن حالِ الفَناءِ والخُرُوجِ عَلى الأوَّلِ حَقِيقَةً وعَلى الثّانِي مَجازٌ عَنِ الِانْتِقالِ مِن حالٍ إلى أُخْرى، وإيلاءُ الظَّرْفِ هَمْزَةُ الإنْكارِ دُونَ الإخْراجِ لِأنَّ ذَلِكَ الإخْراجَ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ مُطْلَقًا وإنَّما المُنْكَرُ كَوْنُهُ وقْتَ اجْتِماعِ الأمْرَيْنِ فَقُدِّمَ الظَّرْفُ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْكارِ، والأصْلُ في المُنْكَرِ أنْ يَلِيَ الهَمْزَةَ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْكارَ وقْتِ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ أيْ إنْكارُ مَجِيءِ وقْتٍ فِيهِ حَياةٌ بَعْدَ المَوْتِ يَعْنِي أنَّ هَذا الوَقْتَ لا يَكُونُ مَوْجُودًا وهو أبْلَغُ مِن إنْكارِ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ لِما أنَّهُ يُفِيدُ إنْكارَهُ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، وبَعْضُهم لَمْ يُقَدِّرْ مَعْطُوفًا واعْتَبَرَ زَمانَ المَوْتِ مُمْتَدًّا إلّا أوَّلَ زُهُوقِ الرُّوحِ كَما هو المُتَبادَرُ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِأنَّهم إذا أحالُوهُ في حالَةِ المَوْتِ عُلِمَ إحالَتُهُ إذا كانُوا رُفاتًا بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وأيًّا ما كانَ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.

وقَرَأ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ ذَكْوانَ بِخِلافٍ عَنْهُ (إذا) بِدُونِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهي مُقَدَّرَةٌ مَعَهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ والمُرادُ الإخْبارُ عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ بِمَن يَقُولُ ذَلِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( سَأُخْرَجُ ) بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ وبِغَيْرِ لامٍ، وعَلى ذَلِكَ تَكُونُ إذا مُتَعَلِّقَةً بِالفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى الصَّحِيحِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ ( لَسَأُخْرَجُ ) بِالسِّينِ واللّامِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ ( أخْرُجُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ( أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ) مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّفَكُّرُ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإشْعارِ بِأنَّ الإنْسانِيَّةَ مِن دَواعِي التَفَكُّرِ فِيما جَرى عَلَيْهِ مِن شُؤُونِ التَّكْوِينُ المانِعَةِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ وهو السِّرُّ في إسْنادِهِ إلى الجِنْسِ أوْ إلى الفَرْدِ بِذَلِكَ العُنْوانِ عَلى ما قِيلَ: والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ وهي عَلى أحَدِ المَذْهَبَيْنِ المَشْهُورَيْنِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ما بَعْدُ والتَّقْدِيرُ هاهُنا أيَقُولُ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: خالق السموات والارض وَما بَيْنَهُما من الخلق، ويقال: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مالكهما وعالم بهما وما فيهما.

فَاعْبُدْهُ أي: أطعه وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ يعني: احبس نفسك على عبادته هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا يعني: هل تعلم أحداً يسمى الله سوى الله؟

وهل تعلم أحداً يسمى الرحمن سواه؟

ويقال: هل تعلم أحداً يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون؟

قوله عز وجل: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ يعني: أبي بن خلف أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا للبعث على معنى الاستفهام، قال الله عزّ وجلّ: أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ يعني: أو لا يتعظ ويعتبر أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً قرأ: نافع وعاصم وابن عامر أَوَلا يَذْكُرُ بجزم الذال مع التخفيف يعني: أو لا يعلم، والباقون أَوَلا يَذْكُرُ، بنصب الذال والتشديد.

ثم قال عز وجل: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أقسم الرب بنفسه ليبعثنهم وليجمعنهم، يعني: الذين أنكروا البعث.

وَالشَّياطِينَ يعني الشياطين قرناءهم ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ يعني: لنجمعنهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا يعني: جميعاً.

قال أهل اللغة: الجثيُّ جمع جَاثِي، مثل بارِك وبرك، وساجد وسجد، وقاعد وقعد، أي على ركبهم ولا يقدرون على القيام.

قال الزجاج: الأصل ضمّ الجيم، وجاز كسرها إتباعاً لكسر التاء، وهو نصب على الحال.

ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ يعني: لنخرجن مِن كُلّ شِيعَةٍ يعني: من أهل كل دين أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا يعني: جرأة على الله عز وجل، وهم القادة في الكفر وساداتهم، نبدأ بهم فنعذبهم فِي النَّارِ.

وروي عن سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص في قوله أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً.

قوله عز وجل: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا أي: أحق بالنار دخولاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير» : قولهُ تعالى: وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ: الاصْطبارُ: نهايةُ الصَّبْرِ، ومَنْ صَبَر ظَفَرَ، ومَنْ لاَزَمَ وَصَلَ وفي مَعْناه أَنْشدُوا: [البَسيط] .

[لاَ تَيْئَسَنَّ وَإنْ طَالَتْ مُطَالَبَةٌ ...

إذَا استعنت بِصَبْرٍ أَنْ ترى فَرَجَا] «١»

أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يحظى بِحَاجَتِه ...

وَمُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلجَا

وأَنشدوا: [البسيط]

إنِّي رَأَيْتُ وَفِي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ...

لِلصَّبْرِ عَاقِبَةً مَحْمُودَةَ الأَثَرِ

وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي شَيْءٍ يُحَاوِلُهُ «٢» ...

واستصحب الصَّبْرَ إلاَّ فَازَ بالظَّفَرِ

انتهى.

وقال ابنُ عباسٍ، وغيرُه: سَمِيًّا معناه: مَثِيلاً، أَو شَبِيهاً، ونحو ذلك «٣» وهذا قوْلٌ حَسَنٌ، وكأن السمي بمعنى: المسامي، والمضاهي فهو من السموّ.

وقوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، الإنسان: اسمُ جِنْس يرادُ به الكافرون «٤» ، وروي أَنَّ سببَ نزُولِ هذه الآية هو: أَن رجالاً من قريشٍ كانُوا يقولون هذا ونحوه، وذكر: أَن القائِلَ هو أُبيُّ بْنُ خَلَفٍ.

ورُوِي «٥» أَن القائل هو العَاصِي بْنُ وَائِل، وفي قوله تعالى: وَلَمْ يَكُ شَيْئاً دَلِيلٌ على أَنَّ المعدومَ لا يسمى شَيْئاً.

وقال أَبو علي الفارسي: أراد شيئا موجودا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الإنْسانُ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، فَجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويُذْرِيهِ في الرِّيحِ، ويَقُولُ: زَعَمَ لَكم مُحَمَّدٌ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُنا بَعْدَ أنْ نَكُونَ مِثْلَ هَذا العَظْمِ البالِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ إنْ قِيلَ: ظاهِرُهُ ظاهِرُ سُؤالٍ، فَأيْنَ جَوابُهُ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ: أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الكَلامِ اسْتِفْهامٌ، ومَعْناهُ مَعْنى جَحْدٍ وإنْكارٍ، تَلْخِيصُهُ: لَسْتُ مَبْعُوثًا بَعْدَ المَوْتِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَفْهَمَ بِهَذا الكَلامِ عَنِ البَعْثِ، أجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ﴾ ، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى مَعْنى: نَعَمْ، وأنْتَ مَبْعُوثٌ.

والثّالِثُ: أنَّ جَوابَ سُؤالِ هَذا الكافِرِ في ( يَسِ: ٧٨ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ﴾ ، ولا يُنْكَرُ بَعْدَ الجَوابِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ بِمَنزِلَةِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ، والسُّورَتانِ مَكِّيَّتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الذّالِ مُشَدَّدَةَ الكافِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( يَذْكُرُ ) ساكِنَةَ الذّالِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِيُّ: ( أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ) بِياءٍ وتاءٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ: ( يَذْكُرُ ) بِياءٍ مِن غَيْرِ تاءٍ ساكِنَةَ الذّالِ مُخَفَّفَةً مَرْفُوعَةَ الكافِ، والمَعْنى: أوَلا يَتَذَكَّرُ هَذا الجاحِدُ أوَّلَ خَلْقِهِ، فَيُسْتَدَلُّ بِالِابْتِداءِ عَلى الإعادَةِ.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ، ﴿ والشَّياطِينَ ﴾ ؛ أيْ: مَعَ الشَّياطِينِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ كافِرٍ يُحْشَرُ مَعَ شَيْطانِهِ في سِلْسِلَةٍ، ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ ﴾ .

قالَ مُقاتِلٌ: أيْ: في جَهَنَّمَ، وذَلِكَ أنْ حَوْلَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ داخِلَهُ، تَقُولُ: جَلَسَ القَوْمُ حَوْلَ البَيْتِ: إذا جَلَسُوا داخِلَهُ مُطِيفِينَ بِهِ.

وقِيلَ: يَجْثُونَ حَوْلَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوها.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ جِثِيًّا ﴾ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ جاثٍ، مِثْلَ: قاعِدٍ وقُعُودٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجاءَ كَسْرُها إتْباعًا لِكَسْرَةِ الثّاءِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: قُعُودًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: جَماعاتٍ جَماعاتٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

فَعَلى هَذا هو جَمْعُ جَثْوَةٍ، وهي المَجْمُوعُ مِنَ التُّرابِ والحِجارَةِ.

والثّالِثُ: جِثِيًّا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: قِيامًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

والخامِسُ: قِيامًا عَلى رُكَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وذَلِكَ لِضِيقِ المَكانِ بِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ ؛ أيْ: لَنَأْخُذَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، وأُمَّةٍ، وأهْلِ دِينٍ، ﴿ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ ؛ أيْ: أعْظَمُهم لَهُ مَعْصِيَةً، والمَعْنى: أنَّهُ يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ الأعْتى فالأعْتى، وبِالأكابِرِ جُرْمًا، والرُّؤُوسِ القادَةِ في الشَّرِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: وفي رَفْعِ " أيُّهم " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ولَمْ تَعْمَلْ ﴿ لَنَنْزِعَنَّ ﴾ شَيْئًا، هَذا قَوْلُ يُونُسَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى الَّذِي يُقالُ لَهم: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ؟

قالَهُ الخَلِيلُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ: التَّأْوِيلُ: لَنَنْزِعَنَّ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ، يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا ؟

وأنْشَدَ ولَقَدْ أبِيتُ عَنِ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ المَعْنى: أبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ ولا مَحْرُومٌ.

والثّالِثُ: أنَّ ﴿ أيُّهُمْ ﴾ مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ؛ لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، فالمَعْنى: أيُّهُمُّ هو أفْضَلُ.

وبَيانُ خِلافِها لِأخَواتِها أنَّكَ تَقُولُ: اضْرِبْ أيُّهم أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: اضْرِبْ مَن أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: مَن هو أفْضَلُ، ولا يَحْسُنُ: كُلْ ما أطْيَبُ، حَتّى تَقُولَ: ما هو أطْيَبُ، ولا خُذْ ما أفْضَلُ، حَتّى تَقُولَ: الَّذِي هو أفْضَلُ؛ فَلَمّا خالَفَتْ ( ما )، و( مَن )، و( الَّذِي ) بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، قالَهُسِيبَوَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هم أوْلى بِها صِلِيًّا ﴾ يَعْنِي: أنَّ الأوْلى بِها صِلِيّا الَّذِينَ هم أشَدُّ عِتِيًّا، فَيُبْتَدَأُ بِهِمْ قَبْلَ أتْباعِهِمْ.

و" صِلِيّا " مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ يَصْلاها: إذا دَخَلَها وقاسى حَرَّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: وما مِنكم أحَدٌ إلّا وهو وارِدُها.

وَفِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ المُؤْمِنِ والكافِرِ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِلْكُفّارِ، وأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْهُ كالقَوْلِ الأوَّلِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ووَجْهُ هَذا أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ لَنُحْضِرَنَّهُمْ ﴾ ، وقالَ: ﴿ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ ، كانَ التَّقْدِيرُ: وإنْ مِنهم، فَأُبْدِلَتِ الكافُ مِنَ الهاءِ، كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً  ﴾ ، المَعْنى: كانَ لَهم؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَسَقاهم رَبُّهُمْ  ﴾ ، وقالَ الشّاعِرُ: شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ عِسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ أرادَ: طِلابَها.

وفي هَذا الوُرُودِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخُولُ.

رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " الوُرُودُ: الدُّخُولُ، لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ - أوْ قالَ: لِجَهَنَّمَ - ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِمْ» " .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهُ: أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ أيُخَرِجُنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنها أمْ لا ؟

فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ  ﴾ ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ  ﴾ .

وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ يَبْكِي ويَقُولُ: أُنْبِئْتُ أنِّي وارِدٌ، ولَمْ أُنَبَّأْ أنِّيَ صادِرٌ.

وحَكى الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِأخِيهِ: يا أخِي هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ النّارَ ؟

قالَ: نَعِمْ.

قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها.

قالَ: لا.

قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ ؟

وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: ألَمْ يَعِدْنا رَبُّنا أنْ نَرِدَ النّارَ ؟

فَيُقالُ لَهم: بَلى، ولَكِنْ مَرَرْتُمْ بِها وهي خامِدَةٌ.

وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ الدُّخُولُ: الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وأبُو مالِكٍ.

وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلى أرْبابِ هَذا القَوْلِ بِأشْياءَ، فَقالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: ورَدْتُ بَلَدَ كَذا، ووَرَدْتُ ماءَ كَذا: إذا أشْرَفُوا عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَدْخُلُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ  ﴾ ، والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها  ﴾ ، وقالَ زُهَيْرٌ: فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ ∗∗∗ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ أيْ: لَمّا بَلَغْنَ الماءَ قُمْنَ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: وقَدْ أجابَ بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الحُجَجِ، فَقالَ: أمّا الآيَةُ الأُولى، فَإنَّ مُوسى لَمّا أقامَ حَتّى اسْتَقى الماءَ وسَقى الغَنَمَ، كانَ بِلُبْثِهِ ومُباشَرَتِهِ كَأنَّهُ دَخَلَ، وأمّا الآيَةُ الأُخْرى فَإنَّها تَضَمَّنَتِ الأخْبارَ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ حِينَ كَوْنِهِمْ فِيها، وحِينَئِذٍ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها.

وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّهم يَمُرُّونَ بِها ولا يَعْلَمُونَ.

والثّانِي: أنَّ الوُرُودَ: المَمَرُّ عَلَيْها، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، [ ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ ]، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّحْلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ وُرُودَها: حُضُورُها، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّ وُرُودَ المُسْلِمِينَ: المُرُورُ عَلى الجِسْرِ، ووُرُودَ المُشْرِكِينَ: دُخُولُها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ وُرُودَ المُؤْمِنِ إلَيْها: ما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى في الدُّنْيا، رَوى عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الحِمى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ: " وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها "؛ فَعَلى هَذا مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ عَلى رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي: الوُرُودُ، ﴿ حَتْمًا ﴾ والحَتْمُ: إيجابُ القَضاءِ والقَطْعِ بِالأمْرِ.

والمَقْضِيُّ: الَّذِي قَضاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: أنَّهُ حَتَّمَ ذَلِكَ وقَضاهُ عَلى الخَلْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: ( ثَمَّ ) بِفَتْحِ الثّاءِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( نُنْجِي ) مُخَفَّفَةً.

وقَرَأتْ عائِشَةُ، وأبُو بَحْرِيَّةَ، [ وأبُو الجَوْزاءِ الرَّبَعِيُّ: ( ثُمَّ يُنْجِي ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ قَبْلَ النُّونِ خَفِيفَةَ الجِيمِ مَكْسُورَةً.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ]، وأبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ: ( نُنَحِّي ) بِحاءٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ يَحْتَجُّ بِها القائِلُونَ بِدُخُولِ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ النَّجاةَ: تَخْلِيصُ الواقِعِ في الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ: ونُدْخِلُهم، وإنَّما يُقالُ: نَذَرَ ونَتْرُكُ لِمَن قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ.

ومَن قالَ: إنَّ الوُرُودَ لِلْكُفّارِ خاصَّةً، قالَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ: نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن يَدْخُلُ النّارَ.

والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وبِالظّالِمِينَ: الكُفّارُ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جِثِيًّا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ﴾ ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ "الإنْسانُ" اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُرادُ بِهِ الكافِرُونَ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ هَذا ونَحْوَهُ، ورُوِيَ أنَّ القائِلَ هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، جاءَ إلى النَبِيِّ  بِعَظْمِ رُفاتٍ فَنَفَخَ فِيهِ وقالَ: أيُبْعَثُ هَذا؟

وكَذَّبَ وسَخِرَ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ هو العاصِي بْنُ وائِلٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو: "أإذا" بِالِاسْتِفْهامِ الظاهِرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إذا" دُونَ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا مُسْتَوْعَبًا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِتُّ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأْتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها واللامُ في قَوْلِهِ: "لَسَوْفَ" مَجْلُوبَةٌ عَلى الحِكايَةِ لِكَلامٍ مُعْلِمْ بِهَذا المَعْنى، كَأنَّ قائِلًا قالَ لِلْكافِرِ: إذا مُتَّ يا فُلانُ لَسَوَفَ تُخْرَجُ حَيًّا، فَقَرَّرَهُ الكافِرُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ، وكَرَّرَ الكَلامَ حِكايَةُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أُخْرَجُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ - بِخِلافٍ - وأبُو حَيْوَةَ: "أخْرُجُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ ﴾ الآيَةُ احْتِجاجٌ، خاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا  رادًّا عَلى مَقالَةِ الكافِرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: أوَلا يَذْكُرُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَلا يَذَّكَّرُ" بِشَدِّ الذالِ والكافِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: " أوَلا يَتَذَكَّرُ"، والنَشْأةُ الأُولى والإخْراجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوضَحُ دَلِيلٍ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ثُمْ قَرَّرَ ذَلِكَ وأوجَبَهُ السَمْعُ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لا يُسَمّى شَيْئًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أرادَ شَيْئًا مَوْجُودًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ فَتَأمَّلْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ يَكُونُ مابَعْدَهُ عَلى أصْعَبِ وُجُوهِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾ ، عائِدٌ لِلْكُفّارِ القائِلِينَ ما تَقَدَّمَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهُ يَقْرِنُ بِهِمُ الشَياطِينَ المُغْوِينَ لَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ جِثِيًّا ﴾ جَمْعُ جاثٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ وجالِسِ وجُلُوسٍ، وأصْلُهُ: جُثُووًا، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ واوٌ مُتَطَرِّفَةٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ فَوَجَبَ أنْ تُعَلَّ، ولَمْ يُعْتَدَّ ها هُنا بِالساكِنِ الَّذِي بَيْنَهُما لِخِفَّتِهِ وقِلَّةِ حَوْلِهِ فَقُلِبَتْ ياءٌ فَجاءَ جُثُويًا، فاجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُكُونِ فَقُلِبَتْ ياءٌ، ثُمْ أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ ثُمْ كُسِرَتِ الثاءُ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ الكَسْرَةِ والياءِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "جُثِيًّا" و"صُلِيًّا" بِضَمِّ الجِيمِ والصادِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابُ والأعْمَشُ: "جِثِيًّا" و"صِلِيًّا" بِكَسْرِ الجِيمِ والصادِ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُحْضِرُ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مَعَ الشَياطِينِ فَيَجْثُونَ حَوْلَ جَهَنَّمَ، وهي قَعْدَةُ الخائِفِ الذَلِيلِ عَلى رُكْبَتَيْهِ كالأسِيرِ ونَحْوِهُ، قالَ قَتادَةُ: "جِثِيًّا" مَعْناهُ: عَلى رُكَبِهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجِثِيُّ شَرُّ الجُلُوسِ.

و"الشِيعَةُ": الفِرْقَةُ المُرْتَبِطَةُ بِمَذْهَبٍ واحِدٍ، المُتَعاوِنَةُ فِيهِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُشِيعُ بَعْضًا، أيْ يُنَبِّهُ مِنهُ، ومِنهُ تَشْيِيعُ النارِ بِالحَطَبِ، وهو وقْدُها بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلشُّجاعِ: مُشِيعُ القَلْبِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهُ يُنْزَعُ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أعْتاها وأولاها بِالعَذابِ فَتَكُونُ تِلْكَ مُقَدِّمَتَها إلى النارِ، قالَ أبُو الأحْوَصِ: المَعْنى: نَبْدَأُ بِالأكابِرِ جُرْمًا، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى في الآيَةِ بَعْدُ أنَّهُ أعْلَمُ بِمُسْتَحِقِّي ذَلِكَ وأبْصَرُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ حالُهم مِن أوَّلِها إلى آخِرِها.

وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ، ومُعاذُ بْنُ مُسْلِمْ، وهارُونُ القارِئُ: "أيَّهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أيُّهُمْ" بِالضَمِّ، إلّا أنَّ طَلْحَةَ والأعْمَشَ سَكَّنا مِيمَ "أيُّهُمْ"، واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ رَفْعِ "أيُّ" - فَقالَ الخَلِيلُ: رَفْعُهُ عَلى الحِكايَةِ بِتَقْدِيرِ: الَّذِي يُقالُ فِيهِ مِن أجْلِ عُتُوِّهِ: أيُّهم أشَدُّ، وقَرَنَهُ بِقَوْلِ الشاعِرِ: ولَقَدْ أبِيتُ مِنَ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجَ ولا مَحْرُومَ أيْ: فَأبِيتُ يُقالُ فِيَّ: لا حَرِجَ ولا مَحْرُومَ، ورَجَّحَ الزَجّاجُ قَوْلَ الخَلِيلِ، وذَكَرَ عنهُ النَحّاسُ أنَّهُ غَلَّطَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَجُوزَ: أضْرِبُ السارِقُ الخَبِيثُ، أيِ الَّذِي يُقالُ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ مِن حَيْثُ هَذِهِ أسْماءٌ مُفْرَدَةٌ والآيَةُ جُمْلَةٌ، وتَسَلُّطُ الفِعْلِ عَلى المُفْرَدِ أعْظَمُ مِنهُ عَلى الجُمْلَةِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "أيُّهُمْ" مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ؛ إذْ هي أُخْتٌ لِـ "الَّذِي" ولِـ "ما"، وخالَفَتْهُما في جَوازِ الإضافَةِ فِيها فَأُعْرِبَتْ لِذَلِكَ، فَلَمّا حُذِفَ مِن صِلَتِها ما يَعُودُ عَلَيْها ضَعُفَتْ فَرَجَعَتْ إلى البِناءِ، وكانَ التَقْدِيرُ: أيُّهم هو أشَدُّ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُذِفَ ما الكَلامُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ فَوَجَبَ البِناءُ، وقالَ يُونُسُ: عُلِّقَ عنها الفِعْلُ فارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ مُعْمَلٌ في مَوْضِعِ "مِن كُلِّ شِيعَةٍ" إلّا أنَّهُ مُلْغى لِأنَّهُ تَعَلَّقَ جُمْلَةً، إلّا أفْعالَ الشَكِّ كَظَنَنْتُ ونَحْوِها مِمّا لَمْ يَتَحَقَّقُ وُقُوعُهُ.

وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿ لَنَنْزِعَنَّ ﴾ مَعْناهُ: لِنُنادِيَنَّ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ الفِعْلِ المُرادِ فَلَمْ يَعْمَلْ في "أيُّ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أيُّهُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِـ "شِيعَةٍ" فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ، والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ تَشايَعُوا أيُّهم أشَدُّ، كَأنَّهم يَتَبارَوْنَ إلى هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَلْزَمُهُ أنْ يُقَدِّرَ مَفْعُولًا لِـ "نَنْزِعَنَّ" مَحْذُوفًا.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيُّهم أكْبَرُ".

و"عِتِيًّا" مَصْدَرٌ، أصْلُهُ: عُتُووًا، وأُعِلَّ بِما أُعِلَّ بِهِ "جِثِيًّا"، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «يَنْدَلِقُ عُنُقٌ مِنَ النارِ فَيَقُولُ: إنِّي أُمِرْتُ بِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، فَتَلْتَقِطُهم...» الحَدِيثُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما تضمن قوله ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته ﴾ [مريم: 65] إبطالَ عقيدة الإشراك به ناسب الانتقالُ إلى إبطال أثر من آثار الشرك.

وهو نفي المشركين وقوع البعث بعد الموت حتى يتمّ انتقاض أصلي الكفر.

فالواو عاطفة قصة على قصة، والإتيان بفعل ﴿ يَقول ﴾ مضارعاً لاستحضار حالة هذا القول للتعجيب من قائله تعجيب إنكار.

والمراد بالإنسان جَمع من الناس بقرينة قوله بعده ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ [مريم: 68]، فيراد من كانت هاته مقالتَه وهم معظم المخاطبين بالقرآن في أوّل نزوله.

ويجوز أن يكون وصفٌ حُذف، أي الإنسان الكافر، كما حذف الوصفُ في قوله تعالى: ﴿ يأخذ كل سفينة غصباً ﴾ [الكهف: 79]، أي كلّ سفينة صالحة، فتكون كقوله تعالى: ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ [القيامى: 3، 4].

وكذلك إطلاق الناس على خصوص المشركين منهم في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ [البقرة: 21] إلى قوله ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23] فإن ذلك خطاب للمشركين.

وقيل تعريف ﴿ الإنسان ﴾ للعهد لإنسان معين.

فقيل، قائل هذا أُبَي بن خلف، وقيل: الوليد بن المغيرة.

والاستفهام في ﴿ أإذا ما متّ لسوف أخرج حياً ﴾ إنكار لتحقيق وقوع البعث، فلذلك أتي بالجملة المسلّطِ عليها الإنكار مقترنةً بلام الابتداء الدالة على توكيد الجملة الواقعة هي فيها، أي يقول لا يكون ما حققتموه من إحيائي في المستقبل.

ومتعلق ﴿ أُخرَجُ ﴾ محذوف أي أُخرج من القبر.

وقد دخلت لام الابتداء في قوله ﴿ لسَوفَ أُخرَجُ حيّاً ﴾ على المضارع المستقبل بصريح وجود حرف الاستقبال، وذلك حجّة لقول ابن مالك بأن لام الابتداء تدخل على المضارع المراد به الاستقبال ولا تخلصه للحال.

ويظهر أنه مع القرينة الصريحة لا ينبغي الاختلاف في عدم تخليصها المضارع للحال، وإن صمّم الزمخشري على منعه، وتأول ما هنا بأنّ اللام مزيدة للتوكيد وليست لام الابتداء، وتأوله في قوله تعالى: ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ [الضحى: 5] بتقدير مبتدأ محذوف، أي ولأنت سوف يعطيك ربّك فترضى، فلا تكون اللام داخلة على المضارع، وكلّ ذلك تكلّف لا مُلجئ إليه.

وجملة ﴿ أو لا يذكر الإنسان ﴾ معطوفة على جملة ﴿ يقول الإنسان ﴾ ، أي يقول ذلك ومن النكير عليه أنّه لا يتذكّر أنا خلقناه من قبل وجوده.

والاستفهام إنكار وتعجيب من ذهول الإنسان المنكر البعث عن خلقه الأول.

وقرأ الجمهور {أو لا يذْكُر بسكون الذال وضمّ الكاف من الذُكر بضم الذال.

وقرأه أبو جعفر بفتح الذال وتشديد الكاف على أن أصله يتَذكر فقلبت التاء الثانية ذالاً لقرب مخرجيهما.

والشيء: هو الموجود، أي إنا خلقناه ولم يك موجوداً.

و (قَبْلُ) من الأسماء الملازمة للإضافة.

ولما حذف المضاف إليه واعتبر مضافاً إليه مجملاً ولم يراع له لفظ مخصوص تقدّم ذكره بنيت (قبلُ) على الضمّ، كقوله تعالى: ﴿ لله الأمر من قبل ومن بعد ﴾ [الروم: 40].

والتقدير: إنا خلقناه من قبل كلّ حالة هو عليها، والتقدير في آية سورة الروم: لله الأمر من قبللِ كل حَدث ومِن بعده.

والمعنى: الإنكار على الكافرين أن يقولوا ذلك ولا يتذكروا حال النشأة الأولى فإنها أعجب عند الذين يَجرون في مداركهم على أحكام العادة، فإن الإيجاد عن عدم من غير سبق مثال أعجبُ وأدعى إلى الاستبعاد من إعادة موجودات كانت لها أمثلة.

ولكنها فسدت هياكلها وتغيرت تراكيبها.

وهذا قياس على الشاهد وإن كان القادر سواءً عليه الأمران.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَوْلَ جَهَنَّمَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ جَهَنَّمَ اسْمٌ مِن أسْماءِ النّارِ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِأعْمَقَ مَوْضِعٍ في النّارِ، كالفِرْدَوْسِ الَّذِي هو اسْمٌ لِأعْلى مَوْضِعٍ في الجَنَّةِ.

﴿ جِثِيًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [جَماعاتٍ]، قالَهُ الكَلْبِيُّ والأخْفَشُ.

الثّانِي: بُرُوكًا عَلى الرُّكَبِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهُمْ ﴾ الشِّيعَةُ الجَماعَةُ المُتَعاوِنُونَ.

قالَ مُجاهِدٌ: والمُرادُ بِالشِّيعَةِ الأُمَّةُ لِاجْتِماعِهِمْ وتَعاوُنِهِمْ.

وَفي ﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَنُنادِيَنَّ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: لَنَسْتَخْرِجَنَّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ عِتِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أهْلُ الِافْتِراءِ بِلُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ، قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.

الثّانِي: جُرْأةً، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: كُفْرًا، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الرّابِعُ: تَمَرُّدًا.

الخامِسُ: مَعْصِيَةً.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْلى بِها صِلِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: دُخُولًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: لُزُومًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ الآية قال: قالها العاصي بن وائل.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ لسوف أخرج ﴾ برفع الألف ﴿ أولا يذكر الإنسان ﴾ خفيفة بنصب الياء ورفع الكاف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ جثياً ﴾ قال: قعوداً.

وفي قوله: ﴿ عتياً ﴾ قال: معصية.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عتيا ﴾ قال: عصيا.

وأخرج الحاكم، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ عتياً ﴾ أو ﴿ جثياً ﴾ فإنهما جميعاً بالضم.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في البعث، عن عبدالله بن باباه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين» .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ جثياً ﴾ برفع الجيم ﴿ وعتياً ﴾ برفع العين وصليا برفع الصاد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ حول جهنم جثياً ﴾ قال: قياماً.

وأخرج ابن المنذر.

عن ابن جريج ﴿ ثم لننزعن ﴾ قال لنبدأن.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ثم لننزعن ﴾ الآية: قال: ﴿ لننزعن من كل ﴾ أهل دين قادتهم ورؤوسهم في الشر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ أيهم أشد على الرحمن عتياً ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الأحوص ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة ﴾ الآية.

قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال: يحشر الأوّل على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم قرأ ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ إلى قوله: ﴿ عتياً ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ لننزعن من كل شيعة ﴾ قال: من كل أمة أشد على الرحمن ﴿ عتياً ﴾ قال: كفراً.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ يقول: إنهم أولى بالخلود في جهنم.

وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن جرير بسند حسن عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جنهم وإنسهم، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزعوا إليهم فيقولون: أفيكم ربنا؟

فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحان ربنا!

ليس فينا وهو آت.

ثم تقاض السماء الثانية، ولأهل السماء الثانية وحدهم، أكثر من أهل السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض، بضعف جنهم وإنسهم، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟

فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا!

ليس فينا وهو آت، ثم تقاض السموات: سماء سماء، كلما قيضت سماء عن أهلها، كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا نثروا على أهل الأرض، يفزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، فيرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقاض السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة، أكثر من أهل ست سموات، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله فيهم، والأمم جثيّ صفوف، فينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون، فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [ السجدة: 16] فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة، ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؟

أين الذين ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ [ النور: 37] فيقومون فيسرحون إلى الجنة.

فإذا أخذ كل من هؤلاء ثلاثة، خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثانية فتقول: إني وكلت منكم بمن آذى الله تعالى ورسوله، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حَبَّ السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثالثة فتقول: إني وكلت بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة: نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ﴿ ثم ينجي الله الذين اتقوا ﴾ فلقيت جابر بن عبدالله، فذكرت له فقال: وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتاً، إن لم أكن سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم ﴿ ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس: الورود الدخول: وقال نافع: لا.

فقرأ ابن عباس ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ [ الأنبياء: 98] وقال: وردوا أم لا، وقرأ ﴿ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ﴾ [ هود: 98] أوردوا أم لا، أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ قال: يردُهَا البَرّ والفاجر.

ألم تسمع قوله: ﴿ فأوردهم النار وبئس الورد المورود ﴾ [ هود: 98] وقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ [ مريم: 86] .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس: أن رجالاً من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟

قالوا: بلى.

قال: فإن موعدكم الآخرة.

والله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به.

فقال الله: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ الآيات.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: كان لرجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- دين على رجل من المشركين فأتاه يتقاضاه، فقال ألست مع هذا الرجل؟

قال: نعم.

قال أليس يزعم أن لكم جنة وناراً وأموالاً وبنين؟

قال: بلى.

قال: اذهب، فلست بقاضيك إلا ثمة.

فأنزلت ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ويأتينا فرداً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أطلع الغيب ﴾ يقول: أطلعه الله الغيب؟

يقول: ما له فيه ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ بعمل صالح قدمه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: لا إله إلا الله، يرجو بها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ ﴾ يعني الكافر الذي لا يؤمن بالبعث إذا مات (١) ﴿ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ يقول ذلك استهزاء وتكذيبا منه بالبعث.

قال ابن عباس في رواية عطاء: (نزلت في الوليد بن المغيرة) (٢) (٣) وقال صاحب النظم: (اللام في قوله: ﴿ لَسَوْفَ ﴾ لام تأكيد يؤكد بها ما بعدها من الخبر، وهذا الإنسان كافر لا يؤمن بالبعث، والكلام محكي عنه فلم حكي عنه بالتأكيد وهو منكر له ومن أنكر شيئا لم يؤكده؟

قال: والجواب أن هذا من باب الحكاية والمجازاه.

كأن النبي -  - قال له: لسوف تخرج بعد الموت حيا، فقال حاكيا ومعارضا لكلامه: ﴿ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ﴾ ولا يذهب مذهب التأكيد، وإنما يذهب مذهب الحكاية والمعارضة والمجازاة لكلامه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا، فيقول السامع: من زيدا؟

وإذا قال: مررت بزيد، قال: من زيد؟

بالخفض أتبعوا آخر الكلام أوله على الحكاية والمجازاة) (٤) (١) في (س): (إذا مات).

(٢) "زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131، "البحر المحيط" 6/ 206، "روح المعانى" 16/ 116.

(٣) "بحر العلوم" 2/ 329، "المحرر الوجيز" 9/ 506، "معالم التنزيل" 5/ 245، "زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131.

(٤) ذكر نحوه في "الكشاف" 2/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131، "البحر المحيط" 6/ 207، "الدر المصون" 7/ 617.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ أي مثيلاً ونظيراً فهم من المسامي والمضاهي، وقيل: من تسمى باسمه، لأنه لم يتسم باسم الله غير الله تعالى ﴿ وَيَقُولُ الإنسان أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ هذه حكاية قول من أنكر البعث من القبور، والإنسان هنا جنس يراد به الكفار، وقيل: إن القائل لذلك أبي بن خلف، وقيل أمية بن خلف، والهمزة التي دخلت على أئذا ما مت للإنكار والاستبعاد، واللام في قوله لسوف: سيقت على الحكاية لقول من قال بهذا المعنى، والإخراج يراد به البعث.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.

والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.

الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.

الباقون بفتحها.

﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.

الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.

الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.

الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.

الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.

التفسير: لما أمر نبيه  وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.

وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.

وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.

وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.

لا تقول: اليوم لزيد قائم.

وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.

و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟

والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.

وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!

ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال  منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.

وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.

قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.

والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.

وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟

وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.

وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله  بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.

وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.

﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.

﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.

وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.

ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.

ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.

ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.

فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟

فقيل: على الرحمن.

وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.

صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.

أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.

ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.

﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.

ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟

وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟

فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .

وعنه أيضاً  أن رسول الله  قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .

وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.

وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.

ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله  : ﴿ لما ورد ماء مدين  ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.

ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.

وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال  : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .

وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.

أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟

زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.

والأصح أنه  يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.

ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟

فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.

ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.

ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.

ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.

هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟

قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.

فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.

قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.

وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.

وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.

وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.

وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.

ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.

قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.

يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً  ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.

ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.

والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.

قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله  بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.

ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.

و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.

وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".

وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".

وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.

وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه  أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.

ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر  ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.

والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.

أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.

فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.

والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.

وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.

ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.

وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.

ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.

والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.

وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.

وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.

وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.

وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".

ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.

عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.

قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.

من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله  عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.

وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.

مده وأمده معنى.

ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.

والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.

وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.

وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين  ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.

قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.

وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله  : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.

وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.

والأز الهز والتهييج.

قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه  مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله  : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.

وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.

وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.

ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله  فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.

﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.

قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.

وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.

وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.

وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.

ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.

يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.

عن علي  أن النبي  قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .

وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.

وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.

قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟

قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً  ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.

وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.

ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.

ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.

من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.

وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.

واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.

وعن ابن مسعود أن النبي  قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟

قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله  ﴾ .

وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.

وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.

والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.

ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.

وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.

ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.

أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.

﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.

أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.

سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟

أجيب بأنه  كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.

ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.

ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.

والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.

وعن النبي  قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله  هذه الآية.

وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

وعن رسول الله  يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.

وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله  ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.

وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.

وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.

وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.

وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.

ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.

واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام  ﴾ يريد أهل مكة.

ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.

والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.

التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.

﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.

﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.

﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي  وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلإِنسَانُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ .

هذا الكلام يخرج على وجهين: أحدهما: على إنكار البعث: ﴿ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾ أي: ما أخرج حيّاً.

والثاني: على التهزؤ والهزء، جواب ما قال لهم أهل الإسلام: إنكم تبعثون وتحيون، فقالوا عند ذلك: ذلك على التهزؤ بهم والسّخرية.

ثم ذكرهم بدء حالهم حيث لم يكونوا شيئاً فخلقهم فقال: ﴿ أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ فإن قدر على خلقه في الابتداء ولم يك شيئاً كان على إحيائه وبعثه بعدما كان شيئاً أقدر.

ثم أقسم أنهم يبعثون فقال: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ﴾ ، أي: لَنجعلهم والشياطين الذين أضلّوهم، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الصافات: 22-23].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ﴾ : قال بعضهم: ﴿ جِثِيّاً ﴾ : جماعات، كقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ جِثِيّاً ﴾ على الركب؛ لأنّ أقدامهم لا تحمل؛ لشدّة هول ذلك اليوم.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ ﴾ : قال بعضهم: الشيعة: الصنف، أي: من كل صنف، والشيعة: الأتباع، كقوله: ﴿ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ  ﴾ أي: من أتباعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً ﴾ ، أي: تمرداً وعناداً، والعاتي: هو القاسي المتمرد في عُتُوِّه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ ﴾ ، أي: لنخرجن، أي: نبدأ بهم من كان منهم أشد على الرحمن تمرداً وعناداً وهم القادة والرؤساء منهم، فيقذفون في النّار أولاً، ثم الأمثل [فالأمثل] على المراتب التي كانوا في الدّنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً ﴾ ، أي: أعلم بمن أولى بها صليّاً، أي: يصلي بالنار، وهم القادة والكفرة.

[وقوله: ﴿ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ قال أبو عوسجة: الغيّ: [الشرّ]، ﴿ جِثِيّاً ﴾ ، قال: جماعات، والجاثي: هو الراكب على ركبتيه، والشيعة: الصنف من الناس.

وقال القتبي: ﴿ جِثِيّاً ﴾ : جمع جاثٍ، وفي التفسير: جماعات.

وقال قتادة في قوله: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ قال: لا سمي لله ولا عدل ولا مثل، كل خلقه يقر له ويعرفه ويعلم أنه خالقه.

وقال بعضهم: لا يسمى أحد باسمه، يعني: بالله.

وقال بعضهم: بالرحمن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الآية في الكفرة خاصّة، واستدلّ بأوّل الآية بقوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ﴾ إلى آخر ما ذكر، والمؤمنون لا يحشرون مع الشياطين، ولكن إنما يحشر الكفار مع الشياطين، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ الآية [الصافات: 22-23]، ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾ على ابتداء منع الورود عليها والنجاة منها.

وقال بعضهم: الآية في المؤمنين والكافرين جميعاً، لكن اختلف في الورود: فقال بعضهم: الورود: الحضور دون الدخول؛ لأن الله - عز وجل - أخبر أن من أدخل النار فقد أخزاه بقوله: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ .

وقال بعضهم: الورود: الدخول فيها، واستدلّ بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ وبقوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ...

﴾ الآية [هود: 98]، يقول: يدخل الفريقان جميعاً فيها، لكنها تصير جامدة وبرداً على المؤمنين على ما صارت برداً وسلاماً على إبراهيم، ثم تصير حارة محرقة للكفار والظلمة.

قال الحسن: لا يحتمل أن يدخل أهل الإيمان النار؛ لأن الله - عز وجل - آمن المؤمنين أن يكون عليهم خوف أو حزن بقوله: ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ ، فلو كانوا يدخلون النار، لكان لهم خوف وحزن، وقد أخبر أن ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ دلّ أنهم لا يدخلونها.

وجائز أن يكونوا واردين جميعاً، داخلين فيها، لا دخول تعذيب فيها وعقاب؛ لأنه ذكر أن ممرهم جميعاً على الصراط لجنهم كالسطح للدار؛ كمن حلف ألا يدخل داراً فتسور بسورها أو صعد سطحاً من سطوحها حنث ويصير داخلاً فيها؛ فعلى ذلك جائز أنهم إذا مرّوا على الصراط نجا أهل الإيمان فمّروا به، وتزل أقدام الكفار فيها؛ فبقوا فيها، فكان الفريقان يوصفان بالدخول على الوجه الذي وصفنا.

وقال بعضهم: ورود المسلمين: المرور بهم على الجسر بين أظهرها، [و] ورود المشركين: أن يدخلوها.

وقال النبي  : "الزَّالُّونَ والزَّالاَّت" وما ذكر الحسن أنه من المرسلين ألا يكون عليهم خوف ولا حزن، فجائز أن يكون الله يدخلهم فيها على غير جهة العقوبة فلا يكون لهم خوف ولا حزن، ألا ترى أنه أخبر أنه جعل الملائكة أصحاب النار بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ ثم لا يكون لهم خوف ولا حزن وهم ممن أوعدوا بها إذا خالفوا أمر الله وعصوه بقوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 29]؛ ألا ترى أنه أخبر أن أهل الجنة يطلعون على أهل النار ثم لا يخافون ولا يحزنون بقوله: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ وهم في الدنيا إذا اطلعوا عليها لا شك أنهم يخافون ويحزنون ويسوءهم ذلك أشدّ الخوف ثم في الآخرة لا، فعلى ذلك جائز أن يكونوا يردونها ويدخلونها ولا يخيفهم ذلك ولا يحزنهم ولا يسوءهم، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: قضاء واجباً، ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ الشرك والفواحش ﴿ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾ على ركبهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقول الكافر المنكر للبعث؛ استهزاء: أإذا متّ فإني سوف أخرج من قبري حيًّا حياة ثانية؟!

إن هذا لبعيد.

<div class="verse-tafsir" id="91.R3L0G"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده