الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١٣ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 100 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ) أي : ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها ، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن .
وقوله : ( لبئس المولى ولبئس العشير ) : قال مجاهد : يعني الوثن ، يعني : بئس هذا الذي دعا به من دون الله مولى ، يعني : وليا وناصرا ، ( ولبئس العشير ) وهو المخالط والمعاشر .
واختار ابن جرير أن المراد : لبئس ابن العم والصاحب من يعبد [ الله ] على حرف ، ( فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ) وقول مجاهد : إن المراد به الوثن ، أولى وأقرب إلى سياق الكلام ، والله أعلم .
يقول تعالى ذكره: يدعو هذا المنقلب على وجهه من أن أصابته فتنة آلهة لضرّها في الآخرة له أقرب وأسرع إليه من نفعها.
وذكر أن ابن مسعود كان يقرؤه يدعو مَنْ ضَرّه أقرب من نفعه.
واختلف أهل العربية في موضع " من "، فكان بعض نحويِّي البصرة يقول: موضعه نصب بيدعو، ويقول: معناه: يدعو لآلهة ضرّها أقرب من نفعها، ويقول: هو شاذٌّ لأنه لم يوجد في الكلام: يدعو لزيدا.
وكان بعض نحويِّي الكوفة يقول: اللام من صلة " ما " بعد " مَنْ"، كأن معنى الكلام عنده: يدعو من لَضَرّه أقرب من نفعه.
وحُكي عن العرب سماعا منها عندي لَمَا غيرُه خير منه، بمعنى: عندي ما لغيره خير منه، وأعطيتك لما غيره خير منه، بمعنى: ما لغيره خير منه.
وقال: جائز في كلّ ما لم يتبين فيه الإعراب الاعتراض باللام دون الاسم.
وقال آخرون منهم: جائز أن يكون معنى ذلك: هو الضلال البعيد يدعو، فيكون يدعو صلة الضلال البعيد، وتضمر في يدعو الهاء ثم تستأنف الكلام باللام، فتقول لمن ضرّه أقرب من نفعه: لبئس المولى، كقولك في الكلام في مذهب الجزاء: لَمَا فَعَلْتَ لَهُو خَيْر لك.
فعلى هذا القول " من " في موضع رفع بالهاء في قوله ، ضَرّه، ، لأن مَنْ إذا كانت جزاء فإنما يعربها ما بعدها، واللام الثانية في لبئس المولى جواب اللام الأولى، وهذا القول الآخر على مذهب العربية أصحّ، والأوّل إلى مذهب أهل التأويل أقرب.
وقوله ( لَبِئْسَ الْمَوْلَى ) ، يقول: لبئس ابن العم هذا الذي يعبد الله على حرف.
( وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) يقول: ولبئس الخليط المعاشر والصاحب: هو كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، فال: قال ابن زيد، في قوله ( وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) قال: العشير: هو المعاشر الصاحب.
وقد قيل: عني بالمولى في هذا الموضع: الولي الناصر.
وكان مجاهد يقول: عني بقوله ( لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) الوثن.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ( وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) قال: الوثن.
قوله تعالى : يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشيرقوله تعالى : يدعو لمن ضره أقرب من نفعه أي هذا الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه ؛ أي في الآخرة لأنه بعبادته دخل النار ، ولم ير منه نفعا أصلا ، ولكنه قال : ضره أقرب من نفعه ترفيعا للكلام ؛ كقوله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين .
وقيل : يعبدونهم توهم أنهم يشفعون لهم غدا كما ؛ قال الله تعالى : [ ص: 19 ] ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله .
وقال تعالى : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى .
وقال الفراء ، والكسائي ، والزجاج : معنى الكلام القسم ، والتأخير ؛ أي يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه .
فاللام مقدمة في غير موضعها .
و ( من ) في موضع نصب ب ( يدعو ) واللام جواب القسم .
و ( ضره ) مبتدأ .
و ( أقرب ) خبره .
وضعف النحاس تأخير الكلام وقال : وليس للام من التصرف ما يوجب أن يكون فيها تقديم ولا تأخير .قلت : حق اللام التقديم وقد تؤخر ؛ قال الشاعر :خالي لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالاأي لخالي أنت ؛ وقد تقدم .
النحاس : وحكى لنا علي بن سليمان ، عن محمد بن يزيد قال : في الكلام حذف ؛ والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها .
قال النحاس : وأحسب هذا القول غلطا على محمد بن يزيد ؛ لأنه لا معنى له ، لأن ما بعد اللام مبتدأ فلا يجوز نصب إله ، وما أحسب مذهب محمد بن يزيد إلا قول الأخفش ، وهو أحسن ما قيل في الآية عندي ، والله أعلم ، قال : ( يدعو ) بمعنى يقول .
و ( من ) مبتدأ وخبره محذوف ، والمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه .قلت : وذكر هذا القول القشيري - رحمه الله - عن الزجاج ، والمهدوي ، عن الأخفش ، وكمل إعرابه فقال : ( يدعو ) بمعنى يقول ، و ( من ) مبتدأ ، و ( ضره ) مبتدأ ثان ، و ( أقرب ) خبره ، والجملة صلة ( من ، ) وخبر ( من ) محذوف ، والتقدير يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه ؛ ومثله قول عنترة :يدعون : عنتر ، والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهمقال القشيري : والكافر الذي يقول الصنم معبودي لا يقول ضره أقرب من نفعه ؛ ولكن المعنى يقول الكافر لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين معبودي وإلهي .
وهو كقوله تعالى : يا أيها الساحر ادع لنا ربك ؛ أي يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرا .[ ص: 20 ] وقال الزجاج : يجوز أن يكون ( يدعو ) في موضع الحال ، وفيه هاء محذوفة ؛ أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه ، أي في حال دعائه إياه ؛ ففي ( يدعو ) هاء مضمرة ، ويوقف على هذا على يدعو .
وقوله : لمن ضره أقرب من نفعه كلام مستأنف مرفوع بالابتداء ، وخبره لبئس المولى وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد فجعلها أول الكلام .
قال الزجاج : ويجوز أن يكون ( ذلك ) بمعنى الذي ، ويكون في محل النصب بوقوع ( يدعو ) عليه ؛ أي الذي هو الضلال البعيد يدعو ؛ كما قال : وما تلك بيمينك ياموسى أي ما الذي .
ثم قوله ( لمن ضره ) كلام مبتدأ ، و ( لبئس المولى ) خبر المبتدإ ؛ وتقدير الآية على هذا : يدعو الذي هو الضلال البعيد ؛ قدم المفعول وهو الذي ؛ كما تقول : زيدا يضرب ؛ واستحسنه أبو علي .
وزعم الزجاج أن النحويين أغفلوا هذا القول ؛ وأنشد [ يزيد بن ربيعة الحميري ] :عدس ما لعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليقأي والذي .
وقال الزجاج أيضا والفراء : يجوز أن يكون ( يدعو ) مكررة على ما قبلها ، على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء ، ولا تعديه إذ قد عديته أولا ؛ أي يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره يدعو ؛ مثل ضربت زيدا ضربت ، ثم حذفت يدعو الآخرة اكتفاء بالأولى .
قال الفراء : ويجوز ( لمن ضره ) بكسر اللام ؛ أي يدعو إلى من ضره أقرب من نفعه ، قال الله - عز وجل - : بأن ربك أوحى لها أي إليها .
وقال الفراء أيضا والقفال : اللام صلة ؛ أي يدعو من ضره أقرب من نفعه ؛ أي يعبده .
وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود .
لبئس المولى أي في التناصر ولبئس العشير أي المعاشر والصاحب والخليل .
مجاهد : يعني الوثن .
{ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ } فإن ضرره في العقل والبدن والدنيا والآخرة معلوم { لَبِئْسَ الْمَوْلَى } أي: هذا المعبود { وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ } أي: القرين الملازم على صحبته، فإن المقصود من المولى والعشير، حصول النفع، ودفع الضرر، فإذا لم يحصل شيء من هذا، فإنه مذموم ملوم.
( يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ) هذه الآية من مشكلات القرآن وفيها أسئلة أولها قالوا قد قال الله في الآية الأولى " يدعو من دون الله ما لا يضره " وقال هاهنا " لمن ضره أقرب " فكيف التوفيق بينهما؟
قيل قوله في الآية الأولى " يدعو من دون الله ما لا يضره " أي لا يضره ترك عبادته وقوله " لمن ضره أقرب " أي ضر عبادته فإن قيل قد قال " لمن ضره أقرب من نفعه " ولا نفع في عبادة الصنم أصلا؟
قيل هذا على عادة العرب فإنهم يقولون لما لا يكون أصلا بعيد كقوله تعالى : ( ذلك رجع بعيد ) ( ق : 3 ) أي لا رجع أصلا فلما كان نفع الصنم بعيدا على معنى أنه لا نفع فيه أصلا قيل ضره أقرب لأنه كائن السؤال الثالث قوله ( لمن ضره أقرب ) ما وجه هذه اللام؟
اختلفوا فيه فقال بعضهم هي صلة ، مجازها يدعو من ضره أقرب وكذلك قرأها ابن مسعود .
وقيل " لمن ضره " أي إلى الذي ضره أقرب من نفعه وقيل " يدعو " بمعنى يقول والخبر محذوف أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو إله وقيل معناه يدعو لمن ضره أقرب من نفعه يدعو فحذف يدعو الأخيرة اجتزاء بالأولى ولو قلت يضرب لمن خيره أكثر من شره يضرب ثم يحذف الأخير جاز وقيل على التوكيد ، معناه يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه وقيل " يدعو من " صلة قوله " ذلك هو الضلال البعيد " يقول ذلك هو الضلال البعيد يدعو ثم استأنف فقال : " لمن ضره أقرب من نفعه " فيكون " من " في محل رفع بالابتداء وخبره ( لبئس المولى ) أي الناصر وقيل المعبود .
( ولبئس العشير ) أي الصاحب والمخالط يعني الوثن والعرب تسمي الزوج عشيرا لأجل المخالطة .
«يدعو لمن» اللام زائدة «ضره» بعبادته «أقرب من نفعه» إن نفع بتخيله «لبئس المولى» هو أي الناصر «ولبئس العشير» الصاحب هو، وعقب ذكر الشاك بالخسران بذكر المؤمنين بالثواب في.
ومن الناس مَن يدخل في الإسلام على ضعف وشكٍّ، فيعبد الله على تردده، كالذي يقف على طرف جبل أو حائط لا يتماسك في وقفته، ويربط إيمانه بدنياه، فإن عاش في صحة وسَعَة استمر على عبادته، وإن حصل له ابتلاء بمكروه وشدة عزا شؤم ذلك إلى دينه، فرجع عنه كمن ينقلب على وجهه بعد استقامة، فهو بذلك قد خسر الدنيا؛ إذ لا يغيِّر كفرُه ما قُدِّر له في دنياه، وخسر الآخرة بدخوله النار، وذلك خسران بيِّن واضح.
يعبد ذلك الخاسر من دون الله ما لا يضره إن تركه، ولا ينفعه إذا عبده، ذلك هو الضلال البعيد عن الحق.
يدعو مَن ضررُه المحقق أقرب من نفعه، قبح ذلك المعبود نصيرًا، وقبح عشيرًا.
ثم أضاف - سبحانه - إلى تبكيت هذا المذبذب وتقريعه تقريعاً آخر فقال : ( يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير ) .والمولى : هو كل من انعقد بينك وبينه سبب ، يجعلك تواليه ويواليك ، وتناصره ويناصرك .
والعشير : هو من يعاشرك ويخالطك فى حياتك .أى : يعبد هذا الإنسان الجاهل المضطرب ، معبوداً ضرره أقرب من منفعته ، لبئس الناصر ولبئس الصاحب هذا المعبود .فإن قيل : كيف نجمع بين هذه الآية التى جعلت المعبود الباطل ضرره أقرب من نفعه ، وبين الآية السابقة عليها والتى نفت الضر والنفع نفياً تاماً .وقد أجاب العلماء عن هذا التساؤل بإجابات منها : أن لفظ " يدعو " فى الآية الثانية بمعنى يقول .وقد صدر الألوسى تفسيره للآية بهذا الرأى فقال ما ملخصه : " قوله - تعالى - ( يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) .
استئناف يبين مآل دعائه وعبادته غير الله - تعالى - ويقرر كون ذكل ضلالاً بعيداً .
فالدعاء هنا بمعنى القول .ِأى : يقول الكافر يوم القيامة برفع صنت ، وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه ، ولا يرى منه أثراً مما كان يتوقعه منه من نفع أو دفع ضر : والله لبئس الذى يتخذ ناصراً - من دون الله - ولبئس الذى يعاشر ويخالط ، فكيف بما هو ضرر محض ، عار من النفع بالكلية ، وفى هذا من المبالغة فى تقبيح حال الصنم والإمعان فى ذمه ما لا يخفى .
.
.
" .ومنها ما ذكره الإمام القرطبى فقال : قوله - تعالى - ( يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) أى : هذا الذى انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه ، أى : فى الآخرة ، لأنه بعبادته دخل النار .
ولم يرد منه نفعاً أصلاً ، ولكنه قال : ضره أقرب من نفعه ، ترفيعاً للكلام ، كقوله - تعالى - : ( وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) ومنها : ما ذكره بعض العلماء من أن الآية الأولى فى شأن الذين يعبدون الأصنام ، إذ الأصنام لا تنفع من عبدها ، ولا ضر من كفر بها ، ولذا قال فيها : ما لا يضره وما لا ينفعه ، والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام ، التعبير بلفظة " ما " فى قوله : ( مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ) لأن لفظ " ما " يأتى - غالباً - لما لا يعقل .والأصنام لا تعقل .أما الآية الثانية فهى فى شأن من عبد بعض الطغاة من دون الله ، كفرعون القائل لقومه : " ما علمت لكم من إله غيرى " فإن فرعون وأمثاله من الطغاة المعبودين ، قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم .
وهذا النفع الدنيوى بالنسبة لما سيلاقونه من عذاب لا شىء .
فضر هذا المعبود بخلود عابده فى النار .
أقرب من نفعه بعرض قليل زائل من حطام الدنيا .والقرينة على أن المراد بالمعبود الباطل فى الآية الثانية بعض الطغاة الذين هم من جنس العقلاء : هى التعبير " بمن " التى تأتى - غالباً - لمن يعقل ، كما قال - تعالى - : ( يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ .
.
) .ويبدو لنا أن هذا القول الأخير له وجه من القبول .وبذلك نرى السورة الكريمة قد ساقت لنا نماذج من أحوال الناس فى هذه الحياة .
لكى يحذرهم المؤمنون ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة .
القراءة: قرئ ﴿ فِى الدنيا والآخرة ﴾ بالنصب والرفع فالنصب على الحال والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وفي حرف عبدالله ﴿ مِنْ ضَرُّهُ ﴾ بغير لام، واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا عقبه بذكر المنافقين فقال: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ ﴾ وفي تفسير الحرف وجهان: الأول: ما قاله الحسن وهو أن المرء في باب الدين معتمدة القلب واللسان فهما حرفا الدين، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفي قلبه النفاق جاز أن يقال فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف الثاني: قوله: ﴿ على حَرْفٍ ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر واطمأن وإلا فر وطار على وجهه.
وهذا هو المراد ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا منافقاً مذموماً وهو مثل قوله تعالى: ﴿ مذبذبين بَيْنَ ذلك ﴾ وكقوله: ﴿ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ ﴾ .
المسألة الثانية: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأن إليه وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه وذهب ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب هذا الدين فينقلب عن دينه.
وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والحسن ومجاهدة وقتادة.
وثانيها: وهو قول الضحاك نزلت في المؤلفة قلوبهم، منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيراً عرفنا أنه حق، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل.
وثالثها: قال أبو سعيد الخدري: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فقال يا رسول الله أقلني فإني لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري وولدي ومالي.
فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام لا يقال، إن الإسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة».
فنزلت هذه الآية.
وأما قوله: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ ففيه سؤالات: الأول: كيف قال: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ والخير أيضاً فتنة لأنه امتحان وقال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً ﴾ ، والجواب: مثل هذا كثير في اللغة لأن النعمة بلاء وابتلاء لقوله: ﴿ فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ ﴾ ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي، لأنه لا دين له.
فلذلك وردت الآية على ما يعتقدونه، وإن كان الخير كله فتنة، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل.
السؤال الثاني: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله: ﴿ انقلب على وَجْهِهِ ﴾ وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد؟
والجواب: المراد أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب في الحقيقة.
السؤال الثالث: قال مقاتل: الخير هو ضد الشر فلما قال: ﴿ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ ﴾ كان يجب أن يقول: وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح.
أما قوله تعالى: ﴿ خَسِرَ الدنيا والآخرة ﴾ فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ودمه مصوناً، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب الدائم ﴿ وذلك هُوَ الخسران المبين ﴾ .
أما قوله: ﴿ يَدْعُو مِن دون الله مَالا يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ فالأقرب أنه المشرك الذي يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي لأنه ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام، والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه النفاق وبين تعالى أن: ﴿ ذلك هُوَ الضلال البعيد ﴾ ، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم، ويحتمل أن يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان يشترك في أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض، واستعير الضلال البعيد من ضلال من أبعد في التيه ضالاً وطالت وبعدت مسافة ضلاله.
أما قوله تعالى: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في تفسيره على وجهين: أحدهما: أن المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا، وحجة هذا القول أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذه الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض.
القول الثاني: أن المراد الوثن وأجابوا عن التناقض بأمور: أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها، كقوله تعالى: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس ﴾ فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال، فكذا هاهنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر.
وثانيها: كأنه سبحانه وتعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع، ثم قال في الآية الثانية: لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من نفعها.
وثالثها: كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ضرر في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها في الآخرة: إن ضرركم أعظم من نفعكم.
المسألة الثانية: اختلف النحويون في إعراب قوله: ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ ﴾ .
أما قوله: ﴿ لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير ﴾ فالمولى هو الولي والناصر، والعشير الصاحب والمعاشر، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء، ثم ذم الرؤساء بقوله: ﴿ لَبِئْسَ المولى ﴾ والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم.
<div class="verse-tafsir"
على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه.
وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم، لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحسّ بظفر وغنيمة قرّ واطمأن، وإلا فرّ وطار على وجهه.
قالوا: نزلت في أعاريب قدموا المدينة، وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً، وولدت امرأته غلاماً سوياً، وكثر ماله وما شيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً، واطمأن.
وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شراً، وانقلب وعن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً من اليهود أسلم فأصابته مصائب، فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني، فقال «إنّ الإسلام لا يقال» فنزلت.
المصاب بالمحنة بترك التسليم لقضاء الله والخروج إلى ما يسخط الله: جامع على نفسه محنتين، إحداهما: ذهاب ما أصيب به.
والثانية: ذهاب ثواب الصابرين، فهو خسران الدارين.
وقرئ ﴿ خاسر الدنيا والآخرة ﴾ بالنصب والرفع، فالنصب على الحال، والرفع على الفاعلية.
ووضع الظاهر موضع الضمير، وهو وجه حسن.
أو على أنه خبر مبتدأ محذوف استعير ﴿ الضلال البعيد ﴾ من ضلال من أبعد في التيه ضالاً، فطالت وبعدت مسافة ضلالته.
فإن قلت: الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين، وهذا تناقض قلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم، وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جماداً لا يملك ضراً ولا نفعاً، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع به حين يستشفع به، ثم قال: يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ، حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير ﴾ وكرّر يدعو، كأنه قال: يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.
وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام.
المولى: الناصر.
والعشير: الصاحب، كقوله: ﴿ فَبِئْسَ القرين ﴾ [الزخرف: 38] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ﴾ يَعْبُدُ جَمادًا لا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ ولا يَنْفَعُ.
﴿ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ عَنِ المَقْصِدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن أبْعَدَ في التِّيهِ ضالًّا.
﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ ﴾ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا لِأنَّهُ يُوجِبُ القَتْلَ في الدُّنْيا والعَذابَ في الآخِرَةِ.
﴿ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ الَّذِي يُتَوَقَّعُ بِعِبادَتِهِ وهو الشَّفاعَةُ والتَّوَسُّلُ بِها إلى اللَّهِ تَعالى، واللّامُ مُعَلِّقَةٌ لِـ ( يَدْعُو ) مِن حَيْثُ إنَّهُ بِمَعْنى يَزْعُمُ والزَّعْمُ قَوْلٌ مَعَ اعْتِقادٍ، أوْ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ مَقُولًا إجْراءً لَهُ مَجْرى يَقُولُ: أيْ يَقُولُ الكافِرُ ذَلِكَ بِدُعاءٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى اسْتِضْرارَهُ بِهِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى أنَّ يَدْعُو تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ ومَن مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ﴾ النّاصِرُ.
﴿ وَلَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ الصّاحِبُ.
<div class="verse-tafsir"
{يدعو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} والإشكال أنه تعالى نفى الضر والنفع عن الأصنام قبل هذه الآية وأثبتهما لها هنا والجواب أن المعنى إذا فهم ذهب هذا الوهم وذلك أن الله تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جماد لا يملك ضراً ولا نفعاً وهو يعتقد فيه أنه ينفعه ثم قال يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى لها أثر الشفاعة لمن ضره أقرب من نفعه {لَبِئْسَ المولى} أي الناصر الصاحب {ولبئس العشير} المصاحب أو كرر يدعو كأنه قال يدعو يدعو من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ثم قال لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً
﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ مَآلَ دُعائِهِ وعِبادَتِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى ويُقَرِّرُ كَوْنَ ذَلِكَ ضَلالًا بَعِيدًا مَعَ إزاحَةِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن نَفْيِ الضَّرَرِ عَنْ مَعْبُودِهِ بِطَرِيقِ المُباشَرَةِ ونَفْيِهِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ أيْضًا فالدُّعاءُ هُنا بِمَعْنى القَوْلِ كَما في قَوْلِ عَنْتَرَةَ: يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لَبانِ الأدْهَمِ واللّامُ داخِلَةٌ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ مَقُولًا لَهُ وهي لامُ الِابْتِداءِ ومَن مُبْتَدَأٌ و( ضَرُّهُ أقْرَبُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ صِلَةٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ واللّامُ فِيهِ جَوابِيَّةٌ وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابِهِ خَبَرٌ (مَن) أيْ يَقُولُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ بِرَفْعِ صَوْتٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى تَضَرُّرَهُ بِمَعْبُودِهِ ودُخُولَهُ النّارَ بِسَبَبِهِ ولا يَرى مِنهُ أثَرًا مِمّا كانَ يَتَوَقَّعُهُ مِنهُ مِنَ النَّفْعِ لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ تَحَقُّقًا مِن نَفْعِهِ: واللَّهِ لَبِئْسَ الَّذِي يُتَّخَذُ ناصِرًا ولَبِئْسَ الَّذِي يُعاشَرُ ويُخالَطُ فَكَيْفَ بِما هو ضَرَرٌ مَحْضٌ عارٍ عَنِ النَّفْعِ بِالكُلِّيَّةِ، وفي هَذا مِنَ المُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ الصَّنَمِ والإمْعانِ في ذَمِّهِ ما لا يَخْفى، وهو سِرُّ إيثارِ مَن عَلى ما وإيرادِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ، وهَذا الوَجْهُ مِنَ الإعْرابِ اخْتارَهُ السَّجاوَنْدِيُّ والمَعْنى عَلَيْهِ مِمّا لا إشْكالَ فِيهِ.
وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أيْضًا جارُ اللَّهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( يَدْعُو ) هُنا إعادَةً لِيَدْعُو السّابِقِ تَأْكِيدًا لَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدُ مِن بَيانِ سُوءِ حالِ مَعْبُودِهِ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ عِبادَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ ذِكْرِ عِبادَةِ الكافِرِ ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو ذَلِكَ ثُمَّ قِيلَ لَمَن ضَرُّهُ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا واللَّهِ لَبِئْسَ المَوْلى إلَخْ، ولا تَناقُضَ عَلَيْهِ أيْضًا إذِ الضُّرُّ المَنفِيُّ ما يَكُونُ بِطَرِيقِ المُباشَرَةِ والمُثْبَتُ ما يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ، وكَذا النَّفْعُ المَنفِيُّ هو الواقِعِيُّ والمُثْبَتُ هو التَّوَقُّعِيُّ، قِيلَ ولِهَذا الإثْباتِ عَبَّرَ بِمَن فَإنَّ الضُّرَّ والنَّفْعَ مِن شَأْنِهِما أنْ يَصْدُرا عَنِ العُقَلاءِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنْ يُرادَ كَلِمَةُ مَن وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إخْبارًا مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْ سُوءِ حالِ مَعْبُودِ الكَفَرَةِ لِلتَّهَكُّمِ بِهِ.
ولا مانِعَ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما في التَّقْدِيرِ الأوَّلِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ الصَّنَمِ والإمْعانِ في ذَمِّهِ.
واعْتَرَضَ ابْنُ هِشامٍ عَلى هَذا الوَجْهِ بِأنَّ فِيهِ دَعْوى خِلافَ الأصْلِ مَرَّتَيْنِ إذِ الأصْلُ عَدَمُ التَّوْكِيدِ والأصْلُ أنْ لا يُفْصَلَ المُؤَكَّدُ عَنْ تَوْكِيدِهِ ولا سِيَّما في التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ( يَدْعُو ) بِمَعْنى يَقُولُ واللّامُ لِلِابْتِداءِ ومَن مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ صِلَتُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلَهٌ أوْ إلَهِي، والجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ الكافِرِ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا وهو لا يَعْتَقِدُ فِيها أنَّ الأوْثانَ ضَرُّها أقْرَبُ مِن نَفْعِها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ إنْكارُ قَوْلِهِمْ بِأُلُوهِيَّةِ الأوْثانِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَبَّرَ عَنْها بِما ذَكَرَ لِلتَّهَكُّمِ.
نَعَمِ الأوْلى أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ مَوْلًى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ أدَلُّ عَلَيْهِ، ومَعَ هَذا لا يَخْفى بُعْدُ هَذا الوَجْهِ، وقِيلَ: ( يَدْعُو ) مُضَمَّنٌ مَعْنى يَزْعُمُ وهي مُلْحَقَةٌ بِأفْعالِ القُلُوبِ لِكَوْنِ الزَّعْمِ قَوْلًا مَعَ اعْتِقادٍ.
واللّامُ ابْتِدائِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِلْفِعْلِ ومَن مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَدْعُو، وإلى هَذا الوَجْهِ أشارَ الفارِسِيُّ ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما فِيهِ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ اللّامَ دَخَلَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِها والتَّقْدِيرُ يَدْعُو مَن لَضُرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ فَمَن في مَحَلِّ نَصْبٍ بِيَدْعُو.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ ما في صِلَةِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: قِيلَ اللّامُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ومَن مَفْعُولُ يَدْعُو ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ اللّامَ المَفْتُوحَةَ لا تُزادُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ لَكِنْ قُوِّيَ القَوْلُ بِالزِّيادَةِ هُنا بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( يَدْعُو مَن ضَرَّهُ ) بِإسْقاطِ اللّامِ، وقِيلَ ( يَدْعُو ) بِمَعْنى يُسَمِّي (ومَن) مَفْعُولُهُ الأوَّلُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ إلَهًا، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما فِيهِ، وقِيلَ إنَّ يَدْعُو لَيْسَتْ عامِلَةً فِيما بَعْدَها وإنَّما هي عامِلَةٌ في ذَلِكَ قَبْلَها وهو مَوْصُولٌ بِمَعْنى الَّذِي، ونُقِلَ هَذا عَنِ الفارِسِيِّ أيْضًا، وهو عَلى بُعْدِهِ لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ إذْ يُجِيزُونَ في اسْمِ الإشارَةِ مُطْلَقًا أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَلا يُجِيزُونَ إلّا في ذا بِشَرْطِ أنْ يَتَقَدَّمَها الِاسْتِفْهامُ بِما أوْ مَن، وقِيلَ هي عامِلَةٌ في ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ راجِعٍ إلى ذَلِكَ أيْ دَعَوْهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والتَّقْدِيرُ ( ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ ) مَدْعُوًّا وفِيهِ مَعَ بُعْدِهِ أنَّ ( يَدْعُو ) لا يُقَدَّرُ بِمَدْعُو وإنَّما يُقَدَّرُ بِداعِيًا والَّذِي يُقَدَّرُ بِمَدْعُو إنَّما هو يُدْعى المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، وقِيلَ ( يَدْعُو ) عُطِفَ عَلى يَدْعُو الأوَّلِ وأُسْقِطَ حَرْفُ العَطْفِ لِقَصْدِ تَعْدادِ أحْوالِ ذَلِكَ المُذَبْذَبِ واللّامُ زائِدَةٌ و(مَن) مَفْعُولُ ( يَدْعُو ) وهي واقِعَةٌ عَلى العاقِلِ والدُّعاءُ في المَوْضِعَيْنِ إمّا بِمَعْنى العِبادَةِ وإمّا بِمَعْنى النِّداءِ، والمُرادُ إمّا بَيانُ حالِ طائِفَةٍ مِنهم عَلى مَعْنى أنَّهم تارَةً يَدْعُونَ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ وتارَةً يَدْعُونَ مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وإمّا بَيانُ حالِ الجِنْسِ بِاعْتِبارِ ما تَحْتَهُ عَلى مَعْنى أنَّ مِنهم مَن يَدْعُو ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ومِنهم مَن يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ وهو كَما تَرى، وبِالجُمْلَةِ أحْسَنُ الوُجُوهِ أوَّلُها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: يعبد مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ، إن لم يعبده، يعني: الصنم، وَما لاَ يَنْفَعُهُ إن عبده.
ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يعني: الخطأ البين.
ويقال: في خطأ طويل بعيد عن الحق.
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، يعني: لمن إثمه وعقوبته أكثر من ثوابه ومنفعته، ويقال: ضره في الآخرة أكثر من نفعه في الدنيا.
فإن قيل: لم يكن في عبادته نفع البتة، فكيف يقال: من نفعه ولا نفع له؟
قيل له: إنما قال هذا على عاداتهم، وهم يقولون لشيء لا منفعة فيه: ضره أكثر من نفعه، كما يقولون لشيء لا يكون هذا بعيد، كما قالوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 3] .
ثم قال تعالى: لَبِئْسَ الْمَوْلى، يعني: بئس الصاحب، وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ يعني: بئس الخليط.
ويقال: معناه من كانت عبادته عقوبة عليه، فبئس المعبود هو.
ثم ذكر ما أعد الله تعالى لأهل الصلاح والإيمان، فقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، يعني: يحكم في خلقه ما يشاء من السعادة والشقاوة.
قوله تعالى: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، الهاء: كناية عن النبيّ ، ويجوز في اللغة الإضمار في الكناية وإن لم تكن مذكورة إذا كان الأمر ظاهراً، كقوله تعالى: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: 45] ، يعني: على ظهر الأرض، وكقوله عز وجل: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص: 32] يعني: الشمس.
ومعناه: مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لن ينصر الله محمداً بالغلبة والحجة.
فِي الدُّنْيا وَالشفاعة في الْآخِرَةِ.
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ، يعني: فليربط بحبل من سقف البيت، لأن كل ما علاك فهو سماء.
ثُمَّ لْيَقْطَعْ، يعني: ليختنق، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ، أي: اخْتِنَاقُه.
مَا يَغِيظُ، معناه: هل ينفعه ذلك؟
قال ابن عباس: «نزلت الآية في نفر من أسد وغطفان، فقالوا: نخافُ أن لن ينصر الله محمداً ، فيقطع ما بيننا وبين حلفائنا من المودة، يعني: اليهود» .
وقال القتبي: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين، يستبطئون ما وعد لهم من النصرة، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم لهم أمره، فنزل مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ، يعني: محمدا بعد ما سمعوا منه النصرة والإظهار.
ولكن كلام العرب على وجه الاختصار، يعني: إن لم تثق بما أقول لك، فاذهب فاختنق، أو اجتهد جهدك.
قال: وفيه وجه آخر وهو: أن يكون هاهنا السماء بعينها لا السقف، فكأنه قال فليمدد بسبب إليها أي بحبل وليرتق فيه، ثم ليقطع الحبل حتى يخر فيهلك، فلينظر هل ينفعه؟
كقوله عز وجل: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ [الأنعام: 35] وقال أبو عبيدة: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني: أن لن يرزقه الله.
وذهب إلى قول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة، فكأنه قال: من كان قانطاً من رزق الله ورحمته، فليفعل ذلك فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ، أي حيلته ما يغيظ، أي غيظه لتأخير الرزق عنه.
وقال الزجاج: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ يعني: محمدا ، حتى يظهره الله على الدين كله، فليمت غيظاً.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ: عبارة عن المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ قاله ابنُ عباس «١» وغيرُه وذلك أَنَّ صاحب الكبر يردُّ وجهه عَمَّنْ يتكبر عنه، فهو يَرُدُّ وجههُ يِصَعِّرُ خَدَّهُ، ويولي صَفْحَتَهُ، ويَلْوَيَ عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفَه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي: يقال له ذلك، واخْتُلِفَ في الوقف على:
يَداكَ فقيل: لا يجوزُ: لأَنَّ التقدير: وبأَنَّ الله، أي: أنَّ هذا هو العدل فيك بجَرَائِمِكَ.
وقيل: يجوز بمعنى: والأمر أنّ الله ليس بظلّام للعبيد.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ...
الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يَقِينَ لهم كان أحدُهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقاتٌ حِسَانٌ: من نموِّ مال، وولد يُرْزَقُهُ، وغير ذلك- قال: هذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتمسك به لهذه المعاني، وإنْ كان الأمر بخلاف ذلك، تشاءَم به، وارتد كما فعل العُرَنِيون، قال هذا المعنى ابن عباس «٢» وغيره.
وقوله: عَلى حَرْفٍ معناه: على انحرافٍ منه عن العقيدة البيضاء، وقال البخاريُّ «٣» :
عَلى حَرْفٍ: على شَكٍّ، ثم أسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب، / انتهى.
٢٢ ب وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ يريد الأوثانَ، ومعنى يَدْعُوا: يعبد، ويدعو أيضاً في مُلِمَّاتِهِ، واللام في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ: لام مُؤْذِنَةٌ بمجيء القسم، والثانية في لَبِئْسَ: لام القسم، والْعَشِيرُ: القريب المعاشر في الأمور.
ت وفي الحديث في شأن النساء: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» يعني الزوج.
قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ «١» : قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة والمخالطة، ومنه قوله عز وجل: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ انتهى من «التمهيد» ، والذي يظهر: أَنَّ المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذي ضَرُّهُ أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد «٢» ، ثم عَقَّبَ سبحانه بذكر حالة أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...
الآية، ثم أَخذتِ الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظَنُّوا أَنَّ الله تعالى لن ينصرَ محمداً وأتباعه، ونحن إنَّما أمرناهم بالصبر وانتظارِ وعدنا، فَمَنْ ظَنَّ غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟
قال هذا المعنى قتادة «٣» ، وهذا على جهة المَثَلِ السائر في قولهم: «دُونَكَ الحَبْلُ فاختنق» ، والسَّماءِ على هذا القول: الهواء عُلُوّاً، فكأَنه أراد سقفاً أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: «بسبب إلى سَقْفِ البيتِ» «٤» ، انتهى، والجمهورُ على أنَّ القطع هنا هو الاختناق.
قال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل المعنى مَنْ ظَنَّ أَنَّ محمداً لا ينصر فليمت كمداً هو منصور لا محالَة، فليختنق هذا الظانُّ غيظاً وكمداً، ويؤيد هذا: أَنَّ الطبري والنقاش قالا: ويُقال: نزلت في نفر من بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ، قالوا: نخاف أَلاَّ يُنصرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهودٍ من المنافع «٥» ، والمعنى الأَوَّلُ الذي قيل للعابدين على حرف- ليس بهذا ولكنه بمعنى: مَنْ قلق واستبطأ النصر، وظَنَّ أن محمداً لا يُنْصَرُ فليختنق سفاهةً إذ تعدَّى الأمرُ الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في يَنْصُرَهُ عائدٌ على مَنْ والمعنى: مَنْ كان من المتقلّقين من المؤمنين «٦» ، وما في قوله: ما يَغِيظُ بمعنى الذي، ويحتمل أنْ تكونَ مصدرية حرفاً فلا عائد عليها، وأبينُ الوجوه في الآية: التأويل الأَوَّلُ وباقي الآية بيّن.
وقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، وقوله:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلى حَرْفٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: عَلى شَكٍّ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شاكٍّ في شَيْءٍ فَهو عَلى حَرْفٍ لا يَثْبُتُ ولا يَدُومُ.
وبَيانُ هَذا أنَّ القائِمَ عَلى حَرْفِ الشَّيْءِ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ مِنهُ، فَشُبِّهَ بِهِ الشّاكُّ؛ لِأنَّهُ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ، ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ ﴾ ؛ أيْ: رَخاءٌ وعافِيَةٌ، ﴿ اطْمَأنَّ بِهِ ﴾ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ﴿ وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ اخْتِبارٌ بِجَدْبٍ وقِلَّةِ مالٍ، ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ ؛ أيْ: رَجَعَ عَنْ دِينِهِ إلى الكُفْرِ، والمَعْنى: انْصَرَفَ إلى وجْهِهِ الَّذِي تُوَجَّهَ مِنهُ، وهو الكُفْرُ.
﴿ خَسِرَ الدُّنْيا ﴾ حَيْثُ لَمْ يَظْفَرْ بِما أرادَ مِنها، وخَسِرَ " الآخِرَةَ " بِارْتِدادِهِ عَنِ الدِّينِ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، ومُجاهِدٌ، وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: ( خاسِرَ الدُّنْيا ) بِألِفٍ قَبْلَ السِّينِ، وبِنَصْبِ الرّاءِ، ( والآخِرَةِ ) بِخَفْضِ التّاءِ.
﴿ يَدْعُو ﴾ هَذا المُرْتَدُّ؛ أيْ: يَعْبُدُ، ﴿ ما لا يَضُرُّهُ ﴾ إنْ لَمْ يَعْبُدْهُ، ﴿ وَما لا يَنْفَعُهُ ﴾ إنْ أطاعَهُ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلَ، ﴿ هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ ﴾ عَنِ الحَقِّ، ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ ﴾ قالَ بَعْضُهُمُ: اللّامُ صِلَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ.
وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ أنَّ اللّامَ مَعْناها التَّأْخِيرُ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن لِضُرِّهِ، ﴿ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ ، قالَ: وشَرْحُ هَذا: أنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ، فَحَقُّها أنْ تَكُونَ أوَّلَ الكَلامِ، فَقُدِّمَتْ لِتُجْعَلَ في حَقِّها.
قالَ السُّدِّيُّ: ضُرُّهُ في الآخِرَةِ بِعِبادَتِهِ إيّاهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ لِلنَّفْعِ مِن عِبادَةِ الصَّنَمِ وجْهٌ ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لا نَفْعَ مِن قِبَلِهِ أصْلًا، غَيْرَ أنَّهُ جاءَ عَلى لُغَةِ العَرَبِ، وهم يَقُولُونَ في الشَّيْءِ الَّذِي لا يَكُونُ: هَذا بَعِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَوْلى: الوَلِيُّ، والعَشِيرُ: الصّاحِبُ والخَلِيلُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ خَسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ ﴿ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في أعْرابٍ وقَوْمٍ لا يَقِينَ لَهُمْ، كانَ أحَدُهم إذا أسْلَمَ فاتَّفَقَتْ لَهُ اتِّفاقاتٌ حَسّانٌ مِن نُمُوِّ مالٍ ووَلَدٍ ذَكَرٍ يَرْزُقُهُ وغَيْرِ ذَلِكَ قالَ: هَذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتَمَسَّكَ بِهِ لِهَذِهِ المَعانِي، وإنْ كانَ الأمْرُ بِخِلافٍ تَشاءَمَ بِهِ وارْتَدَّ كَما صَنَعَ العُرَنِيُّونَ وغَيْرُهم.
قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى حَرْفٍ" مَعْناهُ: عَلى انْحِرافٍ مِنهُ عَنِ العَقِيدَةِ البَيْضاءِ، أو عَلى شَفًا مِنها، مُعَدٌّ لِلزَّهُوقِ، و "الفِتْنَةُ": الِاخْتِبارُ، وقَوْلُهُ: ﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ عِبارَةٌ لِلْمُوَلِّي عَنِ الأُمُورِ.
و "خَسارَتُهُ الدُنْيا والآخِرَةَ" أمّا الدُنْيا فَبِالمَقادِيرِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِ، وأمّا الآخِرَةُ فَبِارْتِدادِهِ وسُوءِ مُعْتَقَدِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمْزَةُ، والأعْرَجُ: "خاسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ" نَصْبًا عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ ﴾ يُرِيدُ الأوثانَ، ومَعْنى "يَدْعُو": يَعْبُدُ، ويَدْعُو أيْضًا في مُلِمّاتِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ: اللامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، وإنَّما التَقْدِيرُ: يَدْعُو مَن يَضُرُّهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَرَأ: "يَدْعُو مَن ضَرَّهُ"، وقالَ الأخْفَشُ: "يَدْعُو" بِمَعْنى يَقُولُ، و "مِن" مُبْتَدَأٌ، و "ضَرُّهُ" مُبْتَدَأٌ، و "أقْرَبُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ، وخَبَرُ "مِن" مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: يَقُولُ لِمَن ضَرَّهُ أقْرَبُ مِنهُ نَفْعُهُ: إلَهٌ، وشِبْهُ هَذا يَقُولُ عنتَرَةُ: يَدْعُونَ عنتَرَ والرِماحَ كَأنَّها...........................
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ، فَتَأمَّلْ إفْسادَهُ لِلْمَعْنى إذْ لَمْ يَعْتَقِدِ الكافِرُ قَطُّ أنَّ ضُرَّ الأوثانِ أقْرَبُ مِن نَفْعِها، واعْتِذارُ أبِي عَلِيٍّ هَنا مُمَوَّهٌ، وأيْضًا فَهو لا يُشَبِّهُ البَيْتَ الَّذِي اسْتَشْهَدَ بِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى في "يَدْعُو" يُسَمّى، وهَذا كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ إلّا أنَّ المَحْذُوفَ آخِرًا مَفْعُولٌ تَقْدِيرُهُ: إلَهًا.
وقالَ الزَجاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَدْعُو" في مَوْضِعِ الحالِ وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ، والتَقْدِيرُ: ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ، أيْ: يَدَّعُوهُ، فَيُوقِفُ عَلى هَذا.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ "ذَلِكَ" بِمَعْنى: الَّذِي، أيِ: الَّذِي هو الضَلالُ البَعِيدُ يَدْعُو، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "ذَلِكَ" مَوْصُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿ هُوَ الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ، ويَكُونُ "يَدْعُو" عامِلًا في قَوْلِهِ: "ذَلِكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَوْنُ "ذَلِكَ" بِمَعْنى "الَّذِي" غَيْرُ سَهْلٍ، وشَبَّهَهُ المَهَدَوِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ ﴾ .
وقَدْ يَظْهَرُ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "يَدْعُو" مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، ويَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ قالَ: يَدْعُو مَن لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، ثُمْ كَرَّرَ "يَدْعُو" -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- غَيْرَ مُعَدّى؛ إذْ قَدْ عُدِّيَ أوَّلُ الكَلامِ، ثُمُ ابْتَدَأ الإخْبارَ بِقَوْلِهِ: "لَمَن ضَرُّهُ" واللامُ مُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القِسْمِ، والثانِيَةُ الَّتِي في "لَبِئْسَ" لامُ القَسَمِ وإنْ كانَ أبُو عَلِيًّ مالَ إلى أنَّها لامُ الِابْتِداءِ والثانِيَةُ لامُ اليَمِينِ، ويَظْهَرُ أيْضًا في الآيَةِ أنْ يَكُونَ المُراُدُ: يَدْعُو مِن ضَرَّهُ، ثُمْ عَلَّقَ الفِعْلَ بِاللامِ، وصَحَّ أنْ يُقَدَّرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تُعَلَّقُ وهي أفْعالُ النَفْسِ كَظَنَنْتَ وحَسِبَتْ، وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى هَذا ورَدَ عَلَيْهِ.
و "العَشِيرُ": القَرِيبُ المُعاشِرُ في الأُمُورِ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِـ "المَوْلى" و "العَشِيرِ" هو الوَثَنُ الَّذِي ضَرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
جملة في موضع حال ثانية، ومضمونها ارتقاء في تضليل عابدي الأصنام.
فبعد أن بيّن لهم أنهم يعبدون ما لا غناء لهم فيه زاد فبين أنهم يعبدون ما فيه ضر.
فموضع الارتقاء هو مضمون جملة ﴿ ما لا يضره ﴾ [الحج: 12] كأنه قيل: ما لا يضره بل ما ينجر له منه ضرّ.
وذلك أن عبادة الأصنام تضرّه في الدنيا بالتوجه عند الاضطرار إليها فيضيع زمنه في تطلب ما لا يحصل وتضره في الآخرة بالإلقاء في النار.
ولما كان الضر الحاصل من الأصنام ليس ضراً ناشئاً عن فعلها بل هو ضر ملابس لها أثبت الضر بطريق الإضافة للضمير دون طريق الإسناد إذ قال تعالى: ﴿ لمن ضره أقرب من نفعه ﴾ ولم يقل: لمن يضر ولا ينفع، لأن الإضافة أوسع من الإسناد فلم يحصل تناف بين قوله ﴿ ما لا يضره ﴾ [الحج: 12] وقوله ﴿ لمن ضره أقرب من نفعه ﴾ .
وكونه أقرب من النفع كناية عن تمحّضه للضرّ وانتفاء النفع منه لأن الشيء الأقرب حاصل قبل البعيد فيقتضي أن لا يحصل معه إلاّ الضر.
واللام في قوله ﴿ لمَن ﴾ لام الابتداء، وهي تفيد تأكيد مضمون الجملة الواقعة بعدها، فلام الابتداء تفيد مفاد (إنّ) من التأكيد.
وقدمت من تأخير إذ حقها أن تدخل على صلة (من الموصولة.
والأصل: يدعو من لضَره أقرب من نفعه).
ويجوز أن تعتبر اللام داخلة على (من) الموصولة ويكون فعل {يدعو معلقاً عن العمل لدخول لام الابتداء بناء على الحق من عدم اختصاص التعليق بأفعال القلوب.
وجملة لبئس المولى ولبئس العشير} إنشاء ذم للأصنام التي يدعونها بأنها شر الموالي وشر العشراء لأن شأن المولى جلب النفع لمولاه، وشأن العشير جلب الخير لعشيره فإذا تخلف ذلك منهما نادراً كان مذمة وغضاضة، فأما أن يكون ذلك منه مطرداً فذلك شر الموالي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَلى وشْكٍ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، لِكَوْنِهِ مُنْحَرِفًا بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ.
والثّانِي: عَلى شَرْطٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ كامِلٍ.
والثّالِثُ: عَلى ضَعْفٍ في العِبادَةِ كالقِيامِ عَلى حَرْفٍ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي تَأْوِيلًا رابِعًا: أنَّ حَرْفَ الشَّيْءِ بَعْضُهُ، فَكَأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ بِلِسانِهِ ويَعْصِيهِ بِقَلْبِهِ.
﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ في بَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ وفِيمَن حَوْلَ المَدِينَةِ مِن أهْلِ القُرى، كانُوا يَقُولُونَ: نَأْتِي مُحَمَّدًا فَإنْ صادَفْنا خَيْرًا اتَّبَعْناهُ، وإلّا لَحِقْنا بِأهْلِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ ﴾ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: اطْمَأنَّ بِالخَيْرِ إلى إيمانِهِ.
الثّانِي: اطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ إلى مَقامِهِ.
﴿ وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ أيْ مِحْنَةٌ في نَفْسِهِ أوْ ولَدِهِ أوْ مالِهِ.
﴿ انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: رَجَعَ عَنْ دِينِهِ مُرْتَدًّا.
الثّانِي: رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَزِعًا.
﴿ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ ﴾ خَسِرَ الدُّنْيا بِفِراقِهِ، وخَسِرَ الآخِرَةَ بِنِفاقِهِ.
﴿ ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴾ أيِ البَيِّنُ لِفَسادِ عاجِلِهِ وذَهابِ آجِلِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ ﴾ يَعْنِي الصَّنَمَ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرَ الصّاحِبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: المَوْلى المَعْبُودُ، والعَشِيرُ الخَلِيطُ، ومِنهُ قِيلَ لِلزَّوْجِ عَشِيرٌ لِخِلْطَتِهِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُعاشَرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح؛ وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا صالح فتمسكوا به؛ وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير.
فأنزل الله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: كان أحدهم إذا قدم المدينة- وهي أرض وبيئة- فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً، رضي به واطمأن اليه وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً؛ وإن رجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شراً.
وذلك الفتنة.
وأخرج ابن مردويه من طريق عطية، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: «أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني.
فقال: إن الإسلام لا يقال.
فقال: لم أصب في ديني هذا خيراً.
ذهب بصري ومالي ومات ولدي...
!
فقال: يا يهودي، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة» ونزلت: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: على شك.
وفي قوله: ﴿ فإن أصابه خير ﴾ قال: رخاء وعافية ﴿ اطمأن به ﴾ قال: استقر ﴿ وإن أصابته فتنة ﴾ قال: عذاب ومصيبة ﴿ انقلب على وجهه ﴾ قال: ارتد على وجهه كافراً.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: كان الرجل يأتي المدينة مهاجراً، فإن صح جسمه وتتابعت عليه الصدقة وولدت امرأته غلاماً وأنتجت فرسه مهراً، قال: والله لنعم الدين وجدت دين محمد صلى الله عليه وسلم هذا، ما زلت أعرف الزيادة في جسدي وولدي؛ وإن سقم بها جسمه واحتبست عليه الصدقة وأزلقت فرسه وأصابته الحاجة وولدت امرأته الجارية، قال: والله لبئس الدين دين محمد هذا، والله ما زلت أعرف النقصان في جسدي وأهلي وولدي ومالي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ قال: على شك ﴿ فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ﴾ يقول: إن أصاب خصباً وسلوة من عيش وما يشتهي، اطمأن إليه وقال: أنا على حق وأنا أعرف الذي أنا عليه ﴿ وإن أصابته فتنة ﴾ أي بلاء ﴿ انقلب على وجهه ﴾ يقول: ترك ما كان عليه من الحق فأنكر معرفته، خسر الدنيا والآخرة.
يقول: خسر دنياه التي كان لها يحزن وبها يفرح ولها يسخط ولها يرضى، وهي همه وسدمه وطلبته ونيته، ثم أفضى إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها خيراً ﴿ فذلك هو الخسران المبين ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يدعو من دون الله ما لا يضره ﴾ إن عصاه في الدنيا ﴿ وما لا ينفعه ﴾ إن أطاعه وهو الصنم ﴿ يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ﴾ يقول: ضره في الآخرة من أجل عبادته إياه في الدنيا ﴿ لبئس المولى ﴾ يقول: الصنم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ قال: الصاحب.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ﴾ هذه الآية كثير (١) ﴿ لَمَنْ ﴾ ، وأذكر الأقوال التي حكاها أبو إسحاق، وأتبع كل قول منها ما ذكر عليه إن شاء الله.
قال أبو إسحاق: قد اختلف الناس في تفسير هذه (٢) ﴿ يَدْعُو ﴾ بأي شيء هي متعلقة، ونحن نفسر (٣) قال البصريون والكوفيون: اللام معناها (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قال أبو علي: من زعم أنَّ هذه اللام في قوله "لمن ضره" كان حكمها أن تكون في المبتدأ الذي في صلة "من" وهو الضُرّ ثُمَّ قُدِّم (١١) (١٢) (١٣) ومنها "إنَّ" وهي تستعمل معها على ضربين أيضًا: إمَّا أن تدخل على اسم "أنّ" إذا فصل بينها وبين "إنَّ" نحو: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ﴾ (١٤) (١٥) (١٦) أم الحليس لعجوز شهربة (١٧) (١٨) (١٩) فإذا كان حق هذه اللام أنْ تدخل على المبتدأ، أو على اسم "إن" وخبرها من حيث دخلت على المبتدأ، وكان دخولها على خبر المبتدأ ضرورة وشذوذًا (٢٠) (٢١) (٢٢) فتبين بهذا أن قول من قال التقدير بها في الآية التأخير إلى الصلة خطأ، وأنّه تارك (٢٣) (٢٤) ويفسد هذا القول أيضًا أن اللام إذا كان حكمه (٢٥) وأما تشبيهه تقدّم هذه اللام في الآية بتأخرها عن الاسم إلى الخبر في "إنَّ" فلا يشتبهان، وهو بعيد من الصواب؛ لأنه لا شيء يجب ويلزم له أن تقدم هذه اللام إلى الموصول من الصلة، كما كان في اسم "إنّ" سبب يوجب تأخيرها إلى الخبر وهو اجتماع حرفين بمعنى واحد، ففساد هذا التشبية بين.
وأما قوله: ولا يجوز إنَّ لزيدا قائم، فتمثيل سوء فيه إيهام (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) ولو (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ﴾ فلو لم يكن التقدير بها التقديم على "إن" لكفت "إنَّ" عن العمل كما كفت الفعل عن العمل في نحو: علمت لزيد خيرٌ منك.
فلما لم تكفّ "إنَّ" عن أن تعمل في اسمها كما كف الفعل ولم يعلقه؛ علمنا أن التقدير بها التقديم على "إن"، ويقوّي ذلك من (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) قال أبو إسحاق: وقالوا أيضًا: إنَّ "يدعو" معه هاء مضمرة وأنَّ "ذلك" من قوله ﴿ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ ﴾ في موضع رفع و"يدعو" في موضع الحال المعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه.
المعنى في حال دعائه إياه، ويكون ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ﴾ مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء، وخبره ﴿ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴾ (٣٨) قال أبو علي: إنْ قال قائل: على هذا القول كيف يجوز هذا التأويل في التنزيل وحذف الهاء إنما يسوغ في الصلة والصفة، وليس هذا بصلة ولا صفة؟
والقول عندي أنَّ ذلك غير ممتنع لمضارعة الحال الصفة.
ألا ترى أنَّك إذا قلت: جاء زيد راكبًا، فقد فصل راكب بين مجيئين أو أكثر كما أن قولك: جاءني رجل ظريف يفرق بين رجلين أو رجال والحال في هذا كالصفة، فتقدير قوله "ذلك هو الضلال البعيد" يدعو أشير إليه مدعوا (٣٩) (٤٠) وزاد أبو الفتح الموصلي بيانا لهذا القول فقال: في "يدعو" من قوله ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ ﴾ هاء منصوبة بـ"يدعو" محذوفة، وتكون الجملة في موضع نصب على الحال من "ذلك" في قوله ﴿ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾ \[التقدير: ذلك هو الضلال\] (٤١) (٤٢) أبحتَ (٤٣) (٤٤) أي حميته.
فعلى هذا تقول: نظرت إلى زيد تضرب (٤٥) (٤٦) لناموا فما إنْ مِنْ رقيب ولا صالي (٤٧) (٤٨) (٤٩) قال الزجاج: وفيه وجه ثالث: يكون "يدعو" في معنى يقول.
ويكون "من" في موضع رفع، وخبره محذوف.
ويكون المعنى: يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو مولاي.
ومثل يدعو (٥٠) يدعون عنتر والرماح كأنها ...
أشطان بئر في لبان الأدهم (٥١) قال: ويجوز أن يكون يدعو في معنى يسمّى كما قال ابن أحمر (٥٢) (٥٣) (٥٤) ووجه هذا القول كوجه الذي قبله (٥٥) قال أبو علي: أقول إنَّ الدعاء بمعنى القول سائغ، وهذا الوجه الذي أجازه ممكن، أعني أن يصرف يدعو إلى معنى يقول فيحكى (٥٦) (٥٧) ﴿ لَبِئْسَ الْمَوْلَى ﴾ أعني خبر "لمن" لأن الكافر المتمسك بعبادة الأصنام لا يقول للصنم لبئس المولى (٥٨) وزاد أبو الفتح لهذا القول بيانًا فقال: "يدعو" بمنزلة (٥٩) (٦٠) (٦١) يدعون عنترة أي يقولون: يا عنترة، فدل يدعون عليها.
فإن قيل: فلم جعلوا خبر "من" محذوفا دون أن يكون قوله ﴿ لَبِئْسَ الْمَوْلَى ﴾ كما أجزتم في القول الثاني؟
قيل: إنَّ الكفار ليسوا (٦٢) ومعنى ﴿ لَبِئْسَ الْمَوْلَى ﴾ ذم لمعبودهم لا على الحكاية عنهم ولكن على الإخبار، أخبر الله تعالى أن من ضره أقرب من نفعه فإنَّه بئس المولى.
فإنْ قيل: فإذا كان الأمر كذلك فكيف جاز أن يقول يدعو بمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، والكافر لا يقول ذلك؟
قيل: إنَّ ذلك على حكاية (٦٣) (٦٤) وقد جاءت هذه الحكاية عنهم مجيئًا واسعًا من ذلك قوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ وقالوا هذا بعد إيمانهم وتقديره: يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرًا، فأمَّا نحن فنعلم (٦٥) (٦٦) وهذا القول -أنَّ "يدعو" بمعنى: يقول- هو قول الأخفش ذكره في كتابه (٦٧) قال المبرد: يدعو بمعنى: يقول، كقول (٦٨) (٦٩) قال أبو علي: فأما قوله: يجوز أن يكون يدعو (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا أنه بمنزلة (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) قال أبو إسحاق: وفيها وجه رابع -وهو الذي أغفله الناس-: أنَّ "ذلك" في موضع نصب بوقوع "يدعو" عليه، ويكون "ذلك" في تأويل الذي، ويكون المعنى: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ويكون ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ﴾ مستأنفًا.
وذا مثل قوله ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾ على معنى: ما التي بيمينك؟
(٨٦) قال أبو علي: وهذا الوجه هو الحسن، أعني أن يتأوّل (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) ﴿ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴾ في موضع رفع لوقوعه خبر المبتدأ، واللام التي في (٩١) ﴿ لَبِئْسَ الْمَوْلَى ﴾ لام اليمين، وهي التي إذا دخلت على المضارع لزمته النون، وهذا ما يجب أن تحمل الآية عليه (٩٢) (٩٣) وتعقَّب الموصلي هذا القول وزاده بيانًا، وقال: وجه هذا القول أن تجعل "ذلك" بمنزلة "الذي" وتجعل الجملة التي هي قوله ﴿ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾ صلة له، وتنصب (٩٤) (٩٥) (٩٦) ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ فيمن رفع الجواب فقال "قل العفو" (٩٧) هذا الذي ذكرنا هو الأقوال التي ذكرها أبو إسحاق في كتابه، وكلام الإمامين أبي علي وأبي الفتح عليها.
ثم ذكر أبو علي -من عند نفسه- قولاً خامسًا وهو: أن تجعل يدعو في قوله ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ ﴾ تكرارًا للفعل الأول على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء من فاعله، ولا تعديه إذ قد عديته مرة.
هذا كلامه (٩٨) وشرحه أبو الفتح فقال: يجعل (٩٩) ﴿ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ، وترك إعمال الثاني؛ لأنَّها قد أعملت متقدمة، فاستغني فيها عن إعادة العمل، كما تقول: ضربت زيدًا ضربت.
حكى ذلك سيبويه، وتكون اللام في "لمن" لام الابتداء و"من" مرفوعة بالابتداء، وقوله "لبئس المولى" خبر "من" (١٠٠) (١٠١) وقال الفراء -في هذه الآية-: جاء التفسير: يدعو من ضره أقرب من نفعه، وكذا هو في قراءة عبد الله (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) واعتمد ابن الأنباري هذا فذكره في كتاب "الوقف والابتداء" (١٠٦) وأما معنى الآية: فقال السدي: ضره في الآخرة بعبادته (١٠٧) (١٠٨) قال الزَّجَّاج: فإن قال قائل: كيف يقال ﴿ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ﴾ ولا نفع (١٠٩) ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ هذا كلامه (١١٠) ومعنى هذا (١١١) (١١٢) (١١٣) .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وقوله ﴿ لَبِئْسَ الْمَوْلَى ﴾ أي: الناصر ﴿ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴾ أي: الصاحب والمخالط.
قال المبرد: والعشير: المعاشر وهو المخالط.
والعشيرة تأويلها: المجتمعة إلى أب واحد.
وقولهم: بُرمة (١١٤) (١١٥) ولما ذكر الشاك في الدين بالحيرة (١١٦) (١١٧) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية.
(١) هكذا في جميع النسخ.
(٢) في (ظ)، (د)، (ع) في تفسير هذه الآية، في اللام وفي يدعو.
وما أثبتنا من (أ) هو الموافق لمعاني الزجاج.
(٣) في (أ): (وعن تفسير)، وهو خطأ.
(٤) في (أ): (معناه).
(٥) في (أ): (يدعوا لمن يضره)، وهو خطأ.
(٦) في (ظ)، (د)، (ع): (موضع.
وفي (د) علامة ..
بعدها.
(٧) هكذا في (ظ)، (د)، (ع).
والمعاني للزجاج.
وفي (أ): (يضره)، ولعل الصواب في (ضره).
(٨) في المطبوع ص المعاني 3/ 415: أمكن.
وقد أشار المحقق في الحاشية إلى أنه في الأصل (أمكنك)، فقام بتغييرها.
(٩) في (ظ): (ويقول).
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 415.
(١١) في جميع النسخ: (ثم أخر)، والتصوب من "الإغفال" للفارسي 2/ 1507.
(١٢) في (ظ): (الذي).
(١٣) في "الإغفال" 2/ 1507: وهي فيه.
(١٤) (إنَّ): ساقطة من (أ).
(١٥) في جميع النسخ: دخوله.
وأشار محقق "الإغفال" 2/ 1060 إلى أنّها في الأصل: دخولها.
وفي نسختين من الإغفال: دخوله.
فأثبتنا ما في النسخة الأصل للإغفال.
(١٦) هذا شطر من الرجز، وشطره الآخر: ترضى من اللحم بعظم الرَّقَبة وهو بلاد نسبة في: الطبري 16/ 181، و"الصحاح" للجوهري 1/ 159 (شهرب) ، و"اللسان" 1/ 510، "تاج العروس" 3/ 169 (شهرب).
قال العيني في "المقاصد النحوية" 1/ 535: قائلة رؤبة بن العجاج، ونسبة الصاغاني في "إيجاب" إلى عنترة بن عروس، وهو الصحيح.
اهـ وهو في "ديوان رؤبة" ص 170.
قال العيني 1/ 535 - 536: والحُليس بضم الحاء المهملة وفتح اللام وآخره سين مهملة.
والشهربة: العجوز الكبير.
وانظر ما تقدم من مراجع في اللغة.
(١٧) في (ظ).
(شهرة).
(١٨) هو الأخفش سعيد بن مسعدة.
(١٩) في (أ): (إن زيدًا لوجهه لحسن)، وهو خطأ.
(٢٠) في "الإغفال" 2/ 1056: أو شذوذًا.
(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(٢٢) هو: زيادة من الإغفال.
(٢٣) في (أ): (لتارك).
(٢٤) في (ظ): (بهذا).
(٢٥) في الإغفال 2/ 1060: حكمها، وأشار المحقق إلى أنه في بعض النسخ: حكمه.
(٢٦) في (أ): (إبهام).
(٢٧) في (أ): (ذلك)، وهو خطأ.
(٢٨) في (أ): (بأن).
(٢٩) في (أ): (وومعه) مهملة، وفي (ظ): (ووقعه)، وفي (د)، (ع): (ووقفه)، ولعل الصواب ما أثبتنا، ففي "الإغفال" 2/ 1067: ووقوعه على "إنَّ" المكسورة في نحو قولك: علمت إنّ زيدًا لمنطلق.
(٣٠) في (ظ): (فلو) (٣١) في (ظ): (فيها).
(٣٢) زيادة من "الإغفال" 2/ 1607.
(٣٣) أيضًا: ليست في (ظ)، (د)، (ع).
(٣٤) من: ساقطة من (ط).
(٣٥) في (أ): (لمعنك).
(٣٦) (صدق): ساقطة من (أ).
(٣٧) "الإغفال" 2/ 1051 - 1068 مع تصرّف.
(٣٨) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 415 - 416.
(٣٩) في "الإغفال" 2/ 1069: يدعو على هذا، أشير إليه مدعوًّا.
(٤٠) "الإغفال" لأبي علي 2/ 1068 - 1069 مع تصرّف.
(٤١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٤٢) في (أ) زيادة: (فقال)، بعد قوله: (الكتاب).
(٤٣) في (أ): (أبحب).
(٤٤) البيت في الكتاب 1/ 87 منسوبًا لجرير، وهو في "ديوانه" 1/ 89.
وأمالي ابن الشجري 1/ 5، و"المقاصد النحوية" 4/ 75.
قال الشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 45: يخاطب عبد الملك بن مروان فيقول: ملكت ..
وأبحت حماها بعد مخالفتها لك، وما حميت لا يصل إليه من خالفك لقوة سلطانك، وتهامة ما تسفل من بلاد العرب ونجد ما ارتفع، وكنى بهما عن جميع بلاد العرب.
(٤٥) في (ظ)، (د)، (ع): (نظرت)، وهو خطأ.
(٤٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).
(٤٧) البيت لامرئ القيس وأوله: حَلَفتُ لها باللهِ حَلْفة فاجرٍ وهو في "ديوانه" ص 32، "سر صناعة الإعراب" 1/ 374، "شرح المفصل" == لابن يعيش 9/ 20، "لسان العرب" 9/ 53.
(حلف)، "همع الهوامع" 2/ 115، "خزانة الأدب" 10/ 71، 78.
وعندهم (حديث) مكان (رقيب).
والفاجر هنا: الكاذب.
والصالي: الذي يصطلي بالنار.
(٤٨) "سر صناعة الإعراب" 1/ 402 - 403 مع تقديم وتأخير.
(٤٩) في (أ): (عين).
(٥٠) (يدعو): ساقطة من (أ).
(٥١) البيت أنشده الزجاج لعنترة في "معاني القرآن" 3/ 416.
وهو في ديوانه ص 9216 من معلقته، وفي "لسان العرب" 13/ 237 (شطن) قال الشنتمري في شرحه لديوان عنترة ص 216: (قوله: يدعون عنتر، أي: ينادونني يا ضتر يا عنتر، ...
والأشطان: الحبال، شبَّه الرماح بها في طولها واستقامتها.
وقوله: في لبان الأدهم: يعني فرسه، واللبان: الصدر، أي: إذا نظر القوم إلى الرماح وقد كثرت وأشرعت في لبان الأدهم نادونني.
(٥٢) في (ظ)، (د)، (ع): (ابن الأحمر).
وهو عمرو بن أحمر بن العمّرد بن عامر، الباهلي، أبو الخطابى شاعر مخضرم، أسلم وغزى مغازي الروم، وعُمِّر تسعين سنة، ومات نحو 65 هـ.
== "الشعر والشعراء" 223، "معجم الشعراء" للمرزباني ص 24، "الإصابة" 3/ 112، "الأعلام" 5/ 72.
(٥٣) في (أ): (حش)، وفي (ظ): (فردا).
(٥٤) اليت أنشده الزجاج لابن أحمر في "معاني القرآن" 3/ 416.
وهذا البيت ضمن أبيات قالها ابن أحمر لما رماه رجلٌ يقال له مخشي بسهم فذهبت عينه، فقال: شلت أنامل مخشي فلا جبرت ...
ولا استعان بضاحي كفِّه أبدا أهوى لها ...
وهو في "ديوانه" ص 49، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 13، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 223، "المعاني الكبير" لابن قتيبة أيضًا 2/ 988، والطبري 16/ 131.
والمشقص: نصل السهم، أو السهم الذي فيه نصل طويل أو عريض.
حَشْر: لطيف القُذذ وهي الريش قد بُريت وحدّدت وسويت.
شبرقها: مزّقها، أدعو: أسمّي، الإثمد: الكحل، القرد: المتلبِّد.
انظر "لسان العرب" 4/ 192 (حشر)، 10/ 171 (شبرق)، 3/ 348 (قرد)، "تاج العروس" 18/ 15 - 16 (شقص)، 7/ 468 (ثمد).
قال ابن قتيبة في "المعاني الكبير" 2/ 988: يقول: كنت من إشفاقي عليها أسمي ما يصلحها -يعني الإثمد- قذى، فكيف ما يؤذيها؟
وقوله: أدعو: أسمِّي.
(٥٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 416.
(٥٦) في (ظ)، (د)، (ع): (فيحلى).
(٥٧) في "الإغفال" 2/ 1071: إذْ.
(٥٨) "الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1071 - 1072 مع تصرف.
(٥٩) في (أ): (يميله).
(٦٠) إله: ساقطة من (ظ).
(٦١) من: ساقطة من (أ).
(٦٢) (ليسوا): ساقطة من (ظ).
(٦٣) في (ظ)، (د)، (ع): (الحكايهَ).
(٦٤) في (ظ): (وقولنا).
(٦٥) في (ظ)، (د)، (ع): (نعلم).
(٦٦) "سر صناعة الإعراب" 1/ 404 - 406 مع تقديم وتأخير وتصرّف.
(٦٧) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 635 - 636.
(٦٨) في (ظ)، (د)، (ع): (كما يقول القائل).
(٦٩) في (ظ): (والخبر).
(٧٠) في (أ): (يدعوه).
(٧١) "الكتاب" 1/ 37.
(٧٢) في (ظ)، (د)، (ع): (اللام).
(٧٣) ما بين المعقوفين في حاشية (د)، وعليه علامة التَّصْحيح.
(٧٤) التعليق: هو إبطال عمل الفعل القلبي لفظًا لا محلاً لمانع، وسمي تعليقًا لأنه إبطال في اللفظ مع تعليق العامل بالمحل وتقدير إعماله.
انظر: "شرح التسهيل" لابن عقيل 1/ 368 - 369، و"همع الهوامع" للسيوطي 1/ 155، "معجم المصطلحات النحوية" لمحمد اللبدي ص 155.
(٧٥) في (ظ)، (د)، (ع): (فلا).
(٧٦) في (أ): (فيها)، وهو خطأ.
(٧٧) الإلغاء: هو إبطال العمل لفظًا ومحلاً لغير مانع لضعف العامل.
انظر: "شرح التسهيل" لابن عقيل 1/ 364، "همع الهوامع" 1/ 153، "موسوعة النحو والصرف" لإميل بديع ص 261.
(٧٨) في (د)، (ع): (التعلق).
(٧٩) انظر: "الإغفال" 2/ 1078.
(٨٠) انظر: الكتاب 3/ 149، "شرح المفصل" لا بن يعيش 7/ 86، "أوضح المسالك" لابن هشام 1/ 313 - 317، "همع الهوامع" للسيوطي 1/ 153 - 154.
(٨١) في (ظ): (إلي).
(٨٢) في (ظ)، (د)، (ع).
(بمعنى كنت).
(٨٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ)، (د)، (ع).
(٨٤) (في): ساقطة من (أ).
(٨٥) "الإغفال" للفارسي 2/ 1073 - 1078 مع تصرف.
(٨٦) "معاني القرآن" للزجاج 30/ 416.
(٨٧) في (أ): (تناول)، وهو خطأ.
(٨٨) في (ظ): (ويحتمل).
(٨٩) في "الإغفال": نصب بيدعو.
(٩٠) في (ظ)، (د)، (ع): (داخلٌ)، وهو خطأ، وفي الإغفال: فتكون اللام حينئذ داخلة.
(٩١) (في): ساقطة من (ظ).
(٩٢) في (ظ)، (د)، (ع): (ما يجب على الآية).
(٩٣) "الإغفال" للفارسي 2/ 1062 - 1063 مع تصرف.
(٩٤) في (ظ)، (د)، (ع): (وانتصب)، والمثبت من (أ)، و"سر صناعة الإعراب".
(٩٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).
(٩٦) العبارة في "سر صناعة الإعراب": ثم يقدم المفعول الذي هو "الذي" فيصير التقدير: الذي هو الضلال البعيد يدعو، كما تقول: زيدًا يضرب.
و"ذا" ..
(٩٧) "سر صناعة الإعراب" لابن جني 1/ 403.
(٩٨) "الإغفال" للفارسي 2/ 1062.
(٩٩) (يجعل): ساقط من (ظ)، (د)، (ع)، (١٠٠) في (ظ): (خبره من ضره)، وفي (د)، (ع): (خبر من ضره).
(١٠١) "سر صناعة الإعراب" 1/ 402 - 403.
(١٠٢) انظر: الطبري 17/ 124، "الشواذ" لابن خالويه ص 94، الثعلبي 3/ 48 أ، القرطبي 12/ 20، "البحر المحيط" 6/ 357.
(١٠٣) في (أ): (فيها).
(١٠٤) في (ظ)، (د)، (ع): (خبره)، وهو خطأ.
(١٠٥) "معاني القرآن" 2/ 217.
وتتمته: هذا وجه القراءة للاتّباع.
(١٠٦) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 871.
(١٠٧) في (أ): (بعبادة)، وهو خطأ.
(١٠٨) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 15.
(١٠٩) في (أ): (ولا يقع)، وهو خطأ.
(١١٠) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 415.
(١١١) في (ظ)، (د)، (ع): (ومعنى الآية هذا).
(١١٢) أنه: ليست في (ظ)، (د)، (ع).
(١١٣) ذكر البغوي في "تفسيره" 5/ 369 أن هذه الآية -يعني قوله ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ﴾ من مشكلات القرآن ثم قال: وفيها أسئلة.
أولها: قالوا: قد قال الله في الآية الأولى "يدعو من دون الله ما لا يضره" وقال -هاهنا- "لمن ضره أقرب من نفعه" فكيف التوفيق بينهما؟.
وللعلماء أجوبة أخرى أقربها جوابان: الأول: ما ذكره أبو حيان في البحر 6/ 355 بقوله: ونفى هنا التفسير والنفع وأثبتهما في قوله "لمن ضره أقرب من نفعه" وذلك لاختلاف المتعلق، وذلك أن قول "ما لا ينفعه" هو الأصنام والأوثان ولذلك أتى التعبير عنها بـ"ما" التي لا تكون لآحاد من يعقل، وقوله "يدعو لمن ضره" هو من عبد باقتضاء وطلب من عابديه من المدعين الإلهية كفرعون وغيره من ملوك بني عبيد الذين كانوا بالمغرب ثم ملكوا مصر فإنهم كانوا يدعون الإلهية ويطاف بقصرهم في مصر وينادون مما ينادى به رب العالمين من التسبيح والتقديس، فهؤلاء -وإن كان منهم نفع مّا لعابديهم في دار الدنيا- فضررهم أعظم وأقرب من نفعهم إذْ هم في الدنيا مملوكون للكفّار وعابدون لغير الله، وفي الآخرة معذبون العذاب الدائم، ولهذا كان التعبير هنا بـ"من" التي هي لمن يعقل.
== قال الشنقيطى في "أضواء البيان " 5/ 47 - بعد ذكره لجواب أبي حيان-: وله اتجاه.
ثم ذكر البغوي قول السدي وكلام الزجاج من غير نسبة لهما، واقتصر عليه.
الثاني: ما ذكره أبو العباس ابن تيمية في الفتاوى 15/ 269 - 275 وخلاصة جوابه: أن قوله تعالى: ﴿ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ﴾ هو نفي لكون المدعو المعبود من دون الله يملك نفعا أو خيرا، وهذا يتناول كل ما سوى الله من الملائكة والبشر والجن والكواكب والأوثان كلها، فما سوى الله لا يملك -لا لنفسه ولا لغيره- ضرا ولا نفعا، كما قال الله تعالى في سياق نهيه عن عبادة المسيح ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ .
وقد قال لخاتم الرسل ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ .
وقال على العموم ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ .
فالمنفي في قوله ﴿ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ﴾ هو قدرة من سوى الله على النفع والضر، فنفى الله فعلهم، وأما قوله "ضره أقرب من نفعه" فالمثبت اسم مضاف إليه فإنّه لم يقل: يضر أعظم مما ينفع، بل قال "لمن ضره أقرب من نفعه" والشيء يضاف إلى الشيء بأدنى ملابسه، فقد يضاف إلى محله وزمانه ومكانه وسبب حدوثه وإن لم يكن فاعلا كقوله ﴿ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ ، وكقول الخليل عن الأصنام ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ﴾ فنسب الإضلال إليه.
ولا ريب أن بين المعبود من دون الله وبين ضرر عابديه تعلق يقتضي الإضافة.
فما يدعى من دون الله هو لا ينفع ولا يضر، ولكن هو السبب في دعاء الداعي له وعبادته إياه.
وعبادة ذلك ودعاؤه هو الذي ضره، فهذا الضر المضاف إليه غير الضر المنفي عنه.
فضرر العابد له بعبادته يحصل في الدنيا والآخرة وإن كان عذاب الآخرة أشد.
اهـ.
وقد ارتضى هذا الوجه في الجمع ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 17/ 216 حيث قال: ولما كان الضُرّ الحاصل من الأصنام ليس ضرًا ناشئا عن فعلها بل هو = (١١٤) في (أ): (تُرمه)، وهو خطأ.
والبُرْمة: قدر من حجارة.
"تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 220 (برم).
وفي "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 411 (عشر): (والعرب تقول: بُرمة أعشار، أي متكسرة.
(١١٥) انظر (عشر) في: "تهذيب اللغة" 1/ 411، "الصحاح" 2/ 747، "لسان العرب" 4/ 574.
(١١٦) في (ظ): (بالخير).
(١١٧) في (ظ): (وذكر).
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ فيها إشكالان: الأول في المعنى وهو كونه وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضرّها أقر من نفعها، فنفى الضرّ ثم أثبته، فالجواب: أن الضر المنفي أولاً يراد به ما يكون من فعلها وهي لا تفعل شيئاً، والضر الثاني: يراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره، والاشكال الثاني: دخول اللام على ﴿ مِن ﴾ وهي في الظاهرة مفعول، واللام لا تدخل على المفعول، وأجاب الناس عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها أن اللام مقدّمة على موضعها، كأن الأصل أن يقال: يدعو من لضره أقر من نفعه، فموضعها الدخول على المبتدأ، والثاني: أن ﴿ يَدْعُو ﴾ هنا كرر تأكيداً ليدعو الأول وتم الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: ﴿ لَمَنْ ضَرُّهُ ﴾ ، فمن مبتدأ وخبره ﴿ لَبِئْسَ المولى ﴾ ، وثالثها: أن معنى ﴿ يَدْعُو ﴾ : يقول يوم القيامة هذا كلام إذا رأى مضرة الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام ﴿ المولى ﴾ هنا بمعنى الولي ﴿ العشير ﴾ الصاحب فهو من العشيرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.
يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.
روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.
الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.
﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.
التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.
ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.
يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.
والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.
وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.
أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.
وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.
وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.
و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.
عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.
قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.
فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.
قال: يا رب وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟
فقال رسول الله : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .
واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.
وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.
ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.
ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.
عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.
ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.
وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.
وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.
والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.
قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.
وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.
وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟
فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟
فيقول : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.
وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.
وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟
ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.
والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.
ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.
همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.
ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.
ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.
﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.
وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.
الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.
الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.
فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.
الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.
قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.
وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.
والذي يسنح لي في تفسيره أنه أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟
فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.
وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.
ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله أعلم بمراده.
قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.
وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.
وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.
قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.
وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.
وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.
قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.
﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".
ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.
قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.
وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.
وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي فقال: أقلني.
فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.
والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.
وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.
دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.
فيه بحث لفظي وبحث معنوي.
أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.
وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.
والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.
وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟
والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.
سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.
والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.
ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.
أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.
قوله ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟
قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.
وعندي في هذا القول بعد.
وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.
وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.
والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.
ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.
الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.
قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.
ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.
وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.
قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.
أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.
واعترض بأن الله وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.
ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.
قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.
ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.
وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.
عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.
وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.
وقيل: إن أقل الجمع اثنان.
ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.
وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.
وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.
فقال علي : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة.
وعن عكرمة هما الجنة والنار.
قالت النار: خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد والأقرب هو الأول.
وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.
وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ والحميم الماء الحار.
عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.
ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.
قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.
وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.
وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".
وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.
﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.
﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.
وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.
﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ ، أي: على شك يمتحن ربه؛ على أنه [إن] أعطاه طمعََه وأملَه في هذه الدنيا حقق له الألوهية والعبادة، وإن لم يجد طمعه وأمله لا يحقق له ذلك، ويقول: ليس هو بإله؛ إذ لو كان إلهاً لأعطاه ما يطلب منه على هذا الشك، يعبد بالامتحان.
وقال بعضهم: ﴿ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ أي: على شرط، أي: يعبده على شرط الإعطاء؛ يقول: إن أعطاني أملي عبدته، وإن لم يعطني ذلك لم أعبده؛ تكون عبادته على هذا الشرط.
وقال بعضهم: ﴿ يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ أي: على حال واحدة، [و] على جهة واحدة، ليس يعبده على حالين كالمؤمن يعبده في حالين جميعاً: حالة الظاهر، وحالة الباطن، وحالة الضراء والسراء، وحالة السعة والشدة على ما تَعَبَّدَه الله، كقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ونحوه، عبده المؤمن على الحالين جميعاً على ما تعبده الله، والمنافق إنما يعبده على حالة السعة [و] الخصب؛ لأنه ليس يعرف ربّه حق المعرفة، فإنما يعبد السّعة والرخاء، وأمّا المؤمن فإذا عرف ربّه عبده في الأحوال كلها لما عرف نفسه عبداً لسيّده، ولم ير للعبد سعة ترك العبادة لمولاه في كل حال، ورأى للمعبود حق استعباده واستخدامه في كل حال: في حال الضيق وحال السّعة.
أو أن يكون رأى ما يصيبه من الشدائد والبلايا بتقصير كان منه وتفريط؛ فعبده في الأحوال كلها.
أو لما رأى وعرف [أن نعم] ربه عليه كثيرة، ورأى شكر تلك النعم عليه لازماً؛ فعبده في الأحوال كلها؛ شكراً لتلك النعم، وأمّا أولئك لم يروا لله على أنفسهم نعماً فإنما عبدوه على الجهة التي ذكرنا، كانوا فرقا من الكفرة: [منهم] من يعبد الله في حال الشدة والضيق ولا يعبده في حال السعة والرخاء، كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ كَفُوراً ﴾ ، ونحوه.
ومنهم من كان يعبده في حال السعة والرخاء، وهو ما ذكرنا من أمر المنافق.
وأمّا المؤمن فهو يعبده في الأحوال كلها لما رآه معبوداً حقيقة، على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴾ : قد ذكرنا أن الفتنة هي المحنة التي فيها بلاء وشدة.
وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ : قال بعضهم: هو على التمثيل؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ .
وقال بعضهم: على تحقيق انقلاب وجهه؛ لأنه كان عبادته ظاهرة، لم يكن يعبده في الباطن في حال السعة، فلما أصابته الشدة ترك عبادته ظاهراً على ما كان باطنه، فهو انقلاب وجهه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ ﴾ : أمّا خسران الدنيا؛ لأنه فات عنه ما كان يأمله بزوالها، وخسران الآخرة ظاهر: العذاب والشدائد.
وجائز أن يكون خسران الدنيا هو خضوعه لمن لا يضر ولا ينفع للعبادة للأصنام ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ؛ لأنه خسر في الدارين جميعاً أمله وطمعه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ .
قيل: إن الآية في المنافقين، وهم كانوا لا يعبدون على حرف ليست بعبادة الله، إنما هي عبادة للشيطان، فأخبر أنه يعبد ما لا يضرّه إن ترك العبادة له، ولا ينفعه إن عبده؛ يدل على ذلك: [قوله]: ﴿ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ ﴾ ؛ لأنه عبد من لا يضره إن لم يعبده، ولا ينفعه إن عبده، فذلك هو الضلال البعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ .
قال بعضهم: تأويله: يدعو من ضرره أقرب من نفعه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ، هذا إن عبده، ضرّه عبادته إيّاه في الآخرة والأولى؛ حيث قال: ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُ ﴾ إن ترك عبادته في الدنيا ﴿ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ﴾ إن عبده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ ﴾ أي: الولي، وهو الشيطان ﴿ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ يعني: الصاحب، كقوله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ أي: صاحبوهنّ بالمعروف.
وقال بعضهم: ﴿ لَبِئْسَ ٱلْمَوْلَىٰ ﴾ أي: الولي، وهو الشيطان، ﴿ وَلَبِئْسَ ٱلْعَشِيرُ ﴾ أي: القرين الذي لا يفارق.
وقال القتبي: أي: الصاحب والخليل، وهو ما ذكرنا، كله واحد.
وقال أبو عوسجة: العشير: الرفيق الذي تعاشره وتصاحبه وتخالطه، والعشير: الزوج أيضاً.
وقال القتبي: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ : يتكبر معرضا، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ ، أي: متكبرا متجبرا، والعطف في الأصل: الجانب، والأعطاف جمع.
وقوله: ﴿ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ قال: لا يدري أحق هو أم باطل؟
وهو الشك، يقال: إني من هذا الأمر على حرف، أي: على شك، لست بمستيقن.
وقال القتبي: على حرف واحد، وعلى وجه واحد، وعلى مذهب واحد.
وقال قتادة: على شكّ، على ما ذكرنا.
وقال أبو عبيدة: على حرف، أي: لا يدوم، ويقول: إنما أنا حرف، أي: لا أثق بك، ونحو هذا، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ ﴾ في الآخرة ﴿ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ﴾ ، ﴿ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ﴾ أي: يرجع إلى دينه.
<div class="verse-tafsir"
يدعو هذا الكافر الذي يعبد الأصنام من ضرره المحقّق أقرب من نفعه المفقود, لَسَاء المعبود الذي ضرّه أقرب من نفعه، ساء ناصرا لمن يستنصره، وصاحبا لمن يصحبه.
<div class="verse-tafsir" id="91.pJdWm"