الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١٧ من سورة الحج
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين ، ومن سواهم من اليهود والصابئين - وقد قدمنا في سورة " البقرة " التعريف بهم ، واختلاف الناس فيهم - والنصارى والمجوس ، والذين أشركوا فعبدوا غير الله معه; فإنه تعالى ( يفصل بينهم يوم القيامة ) ، ويحكم بينهم بالعدل ، فيدخل من آمن به الجنة ، ومن كفر به النار ، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم ، حفيظ لأقوالهم ، عليم بسرائرهم ، وما تكن ضمائرهم .
يقول تعالى ذكره: إن الفصل بين هؤلاء المنافقين الذين يعبدون الله على حرف، والذين أشركوا بالله فعبدوا الأوثان والأصنام، والذين هادوا، وهم اليهود والصابئين والنصارى والمجوس الذي عظموا النيران وخدموها، وبين الذين آمنوا بالله ورسله إلى الله، وسيفصل بينهم يوم القيامة بعدل من القضاء وفصله بينهم إدخاله النار الأحزاب كلهم والجنة المؤمنين به وبرسله، فذلك هو الفصل من الله بينهم.
وكان قَتادة يقول في ذلك ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) قال: الصابئون: قوم يعبدون الملائكة، ويصلون للقبلة، ويقرءون الزبور.
والمجوس: يعبدون الشمس والقمر والنيران.
والذين أشركوا: يعبدون الأوثان.
والأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن.
وأدخلت " إن " في خبر " إن " الأولى لما ذكرت من المعنى، وأن الكلام بمعنى الجزاء، كأنه قيل: من كان على دين من هذه الأديان، ففصل ما بينه وبين من خالفه على الله والعرب تدخل أحيانا في خبر " إن " إذا كان خبر الاسم الأوّل في اسم مضاف إلى ذكره، فتقول: إن عبد الله إن الخير عنده لكثير، كما قال الشاعر.
إنَّ الخَلِيفَـــةَ إن اللـــهَ سَــرْبَلَهُ سِـرْبالَ مُلْـكٍ بِـهِ تُرْجَـى الخَـوَاتِيمُ (1) وكان الفرّاء يقول: من قال هذا لم يقل: إنك إنك قائم، ولا إن إياك إنه قائم، لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأوّل، وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن للاختلاف وقبح للاتفاق.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) يقول: إن الله على كل شيء من أعمال هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم الله جلّ ثناؤه، وغير ذلك من الأشياء كلها شهيد لا يخفى عنه شيء من ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السماوات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجنّ وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدوابّ في الأرض، وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس، وحين تزول، إذا تحولّ ظلّ كل شيء فهو سجوده.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ) قال: ظلال هذا كله.
وأما سجود الشمس والقمر والنجوم، فإنه كما حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ ومحمد بن جعفر، قالا ثنا عوف، قال: سمعت أبا العالية الرياحي يقول: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين، وزاد محمد: حتى يرجع إلى مطلعه.
وقوله: ( وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) يقول: ويسجد كثير من بني آدم، وهم المؤمنون بالله.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) قال: المؤمنون.
وقوله: ( وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) يقول تعالى ذكره: وكثير من بني آدم حقّ عليه عذاب الله، فوجب عليه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله ظله.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ( وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) وهو يسجد مع ظله ، فعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد، وقع قوله ( وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) بالعطف على قوله ( وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) ويكون داخلا في عداد من وصفه الله بالسجود له، ويكون قوله ( حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) من صلة كثير، ولو كان " الكثير الثاني " من لم يدخل في عداد من وصف بالسجود كان مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله: ( حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) وكان معنى الكلام حينئذ: وكثير أبى السجود، لأن قوله ( حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ) يدلّ على معصية الله وإبائه السجود، فاستحقّ بذلك العذاب.
------------------------ الهوامش: (1) البيت لجرير ( ديوانه طبعة الصاوي ، ص 527 ) وهو من قصيدة يمدح بها بعض بني مروان وفي روايته : " يكفي " في موضع " إن " الأولى .
وتزجى ، في موضع ترجى .
قال شارح شواهد الكشاف : خاتم الشيء : عاقبته .
وتزجى أي تساق خواتيم الإمارة ، والخاتم بفتح التاء وكسرها ، يقال أزجيت الإبل أي سقتها .
والبيت شاهد عند قوله تعالى : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين .
.
.
.
.
إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ) أدخلت إن على كل واحد من جزأي الجملة ، لزيادة التأكيد .
وحسن دخول إن الثانية على الجملة الواقعة خبرا ، طول الفصل بينهما بالمعاطيف .
والمؤلف ساق البيت شاهدا على أنه نظير ما في الآية من دخول إن الثانية على جملة الخبر إذا كان فيه ضمير .
ويجوز في البيت وجه آخر ، وهو أن تكون جملة إن الله سربله سربال ملك ، جملة معترضة بين اسم إن وخبرها ، ولا يجوز ذلك في الآية ، قاله أبو حيان ، ونقله عن شارح شواهد الكشاف .
أه .
والسربال : القميص والدرع .
والمراد هنا الأول .
قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيدقوله تعالى : إن الذين آمنوا أي بالله وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
والذين هادوا اليهود ، وهم المنتسبون إلى ملة موسى - عليه السلام - .
( والصابئين ) هم قوم يعبدون النجوم .
( والنصارى ) هم المنتسبون إلى ملة عيسى .
( والمجوس ) هم عبدة النيران القائلين أن للعالم أصلين : نور وظلمة .
قال قتادة : الأديان خمسة ، أربعة للشيطان وواحد للرحمن .
وقيل : المجوس في الأصل النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات ؛ والميم والنون يتعاقبان كالغيم والغين ، والأيم والأين .
وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى .
والذين أشركوا هم العرب عبدة الأوثان .
إن الله يفصل بينهم يوم القيامة أي يقضي ويحكم ؛ فللكافرين النار ، وللمؤمنين الجنة .
وقيل : هذا الفصل بأن يعرفهم المحق من المبطل بمعرفة ضرورية ، واليوم يتميز المحق عن المبطل بالنظر والاستدلال .
إن الله على كل شيء شهيد أي من أعمال خلقه وحركاتهم وأقوالهم ، فلا يعزب عنه شيء منها ، سبحانه !
وقوله إن الله يفصل بينهم خبر إن في قوله : إن الذين آمنوا كما تقول : إن زيدا إن الخير عنده .
وقال الفراء : ولا يجوز في الكلام إن زيدا إن أخاه منطلق ؛ وزعم أنه إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة ؛ أي من آمن ومن تهود أو تنصر أو صبأ يفصل بينهم ، وحسابهم على الله - عز وجل - .
ورد أبو إسحاق على الفراء هذا القول ، واستقبح قوله : لا يجوز إن زيدا إن أخاه منطلق ؛ قال : لأنه لا فرق بين زيد وبين الذين ، و ( إن ) تدخل على كل مبتدإ فتقول إن زيدا هو منطلق ، ثم تأتي بإن فتقول : إن زيدا إنه منطلق .
وقال الشاعر :إن الخليفة إن الله سربله سربال عز به ترجى الخواتيم
{ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } يخبر تعالى عن طوائف أهل الأرض، من الذين أوتوا الكتاب، من المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، ومن المجوس، ومن المشركين أن الله سيجمعهم جميعهم ليوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل، ويجازيهم بأعمالهم التي حفظها وكتبها وشهدها، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }
( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ) يعني عبدة الأوثان ، ( إن الله يفصل بينهم ) يحكم بينهم ( يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد )
«إن الذين آمنوا والذين هادوا» هم اليهود «والصابئين» طائفة منهم «والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة» بإدخال المؤمنين الجنة وإدخال غيرهم النار «إن الله على كل شيء» من عملهم «شهيد» عالم به علم مشاهدة
إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم واليهود والصابئين وهم: (قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه) والنصارى والمجوس (وهم عبدة النار) والذين أشركوا وهم: عبدة الأوثان، إنَّ الله يفصل بينهم جميعًا يوم القيامة فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار، إن الله على كل شيء شهيد، شهد أعمال العباد كلَّها، وأحصاها وحفظها، وسيجازي كلا بما يستحق جزاء وفاقًا للأعمال التي عملوها.
ثم بين - سبحانه - أن مرد الفصل بين الفرق المختلفة إليه وحده .
إذ هو العليم بكل ما عليه كل فرقة من حق أو باطل ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ .
.
.
) .فى هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن ست فرق من الناس : أما الفرقة الأولى ، فهى : فرقة الذين آمنوا ، والمراد بهم : الذين آمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وصدقوه واتبعوه .وابتدأ القرآن بهم ، للإشعار بأن دين الإسلام هو الدين الحق ، القائم على أساس أن الفوز برضا الله - تعالى - لا ينال إلا الإيمان والعمل الصالح ، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ ) وأما الفرقة الثانية فهى فرقة الذين هادوا أى : صاروا يهودا .
يقال : هاد فلان وتهود أى : دخل فى اليهودية .وسموا يهودا نسبة إلى " يهوذا " أحد أولاد يعقوب - عليه السلام - ، وقلبت الذال دال عند التعريب .
أو سموا يهودا حين تابوا من عبادة العجل مأخوذ من هاد يهود هودا بمعنى تاب .
ومنه قوله - تعالى - : ( إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ) أى : تبنا إليك .والفرقة الثالثة هى فرقة " الصابئين " جمع صابئ ، وهو الخارج من دين إلى آخر .يقال : صبأ الظِّلْف والناب والنجم - كمنع وكرم - إذا طلع .والمراد بهم : الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل .
وهم قوم يعبدون الكواكب والملائكة ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث ابن آدم .والفرقة الرابعة هى فرقة " النصارى " جمع نصران بمعنى نصرانى كندامى وندمان .
والياء فى نصرانى للمبالغة ، وهم قوم عيسى - عليه السلام - ، قيل : سموا بذلك لأنهم كانوا أنصارا له : وقيل : إن هذا الاسم مأخوذ من الناصرة ، وهى القرية التى كان عيسى قد نزل بها .وأما الفرقة الخامسة فهى فرقة " المجوس " وهم قوم يعبدون الشمس والقمر والنار .
وقيل : هم قوم أخذوا من دين النصارى شيئاً ، ومن دين اليهود شيئاً ، ويقولون : بأن للعالم أصلين : نوراً وظلمة .
.
.وأما الفرقة السادسة والأخيرة فهى فرقة الذين أشركوا .
والمشهودر أنهم عبدة الأصنام والأوثان ، وقيل ما يشملهم ويشمل معهم كل من اتخذ مع الله - تعالى - إلها آخر .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) بيان لما سيكون عليه حالهم جميعاً يوم القيامة ، من حكم عادل سيحكم الله - تعالى - به عليهم .أى : إن الله تعالى يحكم بين هؤلاء جميعاً بحكمه العادل يوم القيامة ، إنه - سبحانه - على كل شىء شهيد ، بحيث لا يخفى عليه شىء من أحوال خلقه .قال الجمل ما ملخصه : ولهذه الآية قيل : الأديان ستة .
واحد للرحمن وهو الإسلام .
وخمسة للشيطان وهى ما عداه .
وإنَّ الثانية واسمها وخبرها فى محل رفع خبر لإن الأولى .وقوله : ( إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) تعليل لقوله : ( إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ .
.
) وكأن قائلاً قال : أهذا الفصل عن علم أو لا؟
فقيل : إن الله على كل شىء شهيد .
أى : علم به علم مشاهدة " .
القراءة: قرى ﴿ حَقّ ﴾ بالضم وقرئ (حقاً) أي حق عليه العذاب حقاً وقرئ ﴿ مُّكْرِمٍ ﴾ بفتح الراء بمعنى الإكرام، واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَأَنَّ الله يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ أتبعه في هذه الآية ببيان من يهديه ومن لا يهديه، واعلم أن المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة: أحدها: الطبقة المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية في خلق الأفعال البشرية والخلاف بين مثبتي الصفات والرؤية ونفاتها.
وثانيها: الذين يخالفونه في النبوة ولكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين المسلمين واليهود والنصارى في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى وموسى عليهما السلام.
وثالثها: الذين يخالفونه في الإله وهؤلاء هم السوفسطائية المتوقفون في الحقائق، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم، والفلاسفة الذين يثبتون مؤثراً موجباً لا مختاراً.
فإذا كانت الاختلافات الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة، ثم لا يشك أن أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها.
وهذا القسم الأخير بأقسامه الثلاثة لا يوجدون في العالم المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بكل يكونون مستترين، أما القسم الثاني وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم السلام، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار، إما أن يكونوا معترفين بوجود الأنبياء، أو لا يكونوا معترفين بذلك، فإما أن يكونوا أتباعاً لمن كان نبياً في الحقيقة أو لمن كان متنبئاً، أما أتباع الأنبياء عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى، وفرقة أخرى بين اليهود والنصارى وهم الصابئون، وأما أتباع المتنبئ فهم المجوس، وأما المنكرون للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان، وهم المسمون بالمشركين، ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم.
فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحدة لله تعالى وهو الإسلام وخمسة للشيطان، وتمام الكلام في هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة.
أما قوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج هذا خبر لقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ ﴾ كما تقول إن أخاك، إن الدين عليه لكثير.
قال جرير: إن الخليفة إن الله سربله *** سربال ملك به ترجى الخواتيم المسألة الثانية: الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاء واحداً بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد وقيل يفصل بينهم يقضي بينهم.
أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله على كُلّ شَيء شَهِيدٌ ﴾ فالمراد أنه يفصل بينهم وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف.
أما قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ ﴾ ففيه أسئلة: السؤال الأول: ما الرؤية هاهنا الجواب: أنها العلم أي ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه.
السؤال الثاني: ما السجود هاهنا قلنا فيه وجوه: أحدها: قال الزجاج أجود الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ ، ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ﴾ ، ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الجبال يُسَبّحْنَ ﴾ والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ فإن السجود بالمعنى الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصاً من غير فائدة والجواب من وجوه: أحدها: أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان عاماً في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر، فهذا الشخص وإن كان ساجداً بذاته لكنه متمرد بظاهره، أما المؤمن فإنه ساجد بذاته وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر.
وثانيها: أن نقطع قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن نقول تقدير الآية: ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة، وإنما فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه جميعاً.
الثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ مبتدأ وخبره محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله: ﴿ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ ، والثالث: أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب.
وثالثها: أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعاً يقول: المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد، ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين، فعنى بها في حق العقلاء، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد.
السؤال الثالث: قوله: ﴿ أنَّ اللَّهِ يَسْجُدُ لهُ مَن فِي السموات الأرض ﴾ لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ الجواب: لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل الملائكة يسجدون فبين أن كثيراً منهم يسجدون طوعاً دون كثير منهم فإنه يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب.
القول الثاني: في تفسير السجود أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال: ﴿ وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى ﴾ وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية للافتقار الذاتي، وقد يتطرق إليها الصدق والكذب، أما نفس الافتقار الذاتي فإنه ممتنع التغير والتبدل، فجميع الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليقه وتكوينه، وعلى هذا تأولوا قوله: ﴿ وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ وهذا قول القفال رحمه الله.
القول الثالث: أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها كقوله تعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظلاله عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخرون ﴾ وهو قول مجاهد.
وأما قوله: ﴿ كَثِيرٍ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ فقال ابن عباس في رواية عطاء (وكثير من الناس) يوحده (وكثير حق عليه العذاب) ممن لا يوحده، وروى عنه أيضاً أنه قال (وكثير من الناس) في الجنة.
وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ مبتدأ وخبره محذوف، وقال آخرون: الوقف على قوله: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنَ الناس ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب ﴾ أي وجب بإبائه وامتناعه من السجود.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ فالمعنى أن الذين حق عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرماً لهم، ثم بين بقوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء ﴾ أنه الذي يصح منه الإكرام والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الفصل مطلق يحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً، فلا يجازيهم جزاء واحداً بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد.
وقيل: الأديان خمسة: أربعة للشيطان وواحد للرحمن جعل الصابئون مع النصارى لأنهم نوع منهم.
وقيل: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ يقضي بينهم، أي بين المؤمنين والكافرين.
وأدخلت ﴿ إِنَّ ﴾ على كل واحد من جزأي الجملة لزيادة التوكيد.
ونحوه قول جرير: إنَّ الْخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَه ** سِرْبَالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الْخَوَاتِيمُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ.
﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ أنْزَلْنا القُرْآنَ كُلَّهُ.
﴿ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ واضِحاتٍ.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ يَهْدِي ﴾ ولِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِهِ أوْ يُثَبِّتُ عَلى الهُدى.
﴿ مَن يُرِيدُ ﴾ هِدايَتَهُ أوْ إثْباتَهُ أنْزَلُهُ كَذَلِكَ مُبَيِّنًا.
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بِالحُكُومَةِ بَيْنَهم وإظْهارِ المُحِقِّ مِنهم عَلى المُبْطِلِ، أوِ الجَزاءِ فَيُجازِي كُلًّا ما يَلِيقُ بِهِ ويُدْخِلُهُ المَحَلَّ المُعَدَّ لَهُ، وإنَّما أُدْخِلَتْ إنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيِ الجُمْلَةِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ عالِمٌ بِهِ مُراقِبٌ لِأحْوالِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{إن الذين آمنوا والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ} قبل الاديان خمسة أربعة للشيطان وواحد للرحمن الصابئون نوع من النصارى فلا تكون ستة {إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} في الأحوال والأماكن فلا يجازيهم جزاء واحدا ولا يجمعمه في موطن واحد وخبر إن الذين آمنوا إن الله يفصل بينهم كما تقول إن زيداً إن أباه قائم {إِنَّ الله على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ} عالم به حافظ له فلينظر كل امرئ معتقده وقوله وفعله
الحج (٢٢ - ١٨)
وهو أبلغ وعيد
﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ بِما ذُكِرَ مِنَ المُنَزَّلِ بِهِدايَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُدْخَلَ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ ﴾ هم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ ويَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ، وفي القامُوسِ هم قَوْمٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى دِينِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِبْلَتُهم مِن مَهَبِّ الشَّمالِ عِنْدَ مُنْتَصَفِ النَّهارِ، وفي كِتابِ المِلَلِ والنِّحَلِ لِلشِّهْرِسْتانِيِّ أنَّ الصّابِئَةَ كانُوا عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُقالُ لِمُقابَلِيهِمُ الحُنَفاءُ وكانُوا يَقُولُونَ: إنّا نَحْتاجُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ طاعَتِهِ وأمْرِهِ وأحْكامِهِ جَلَّ شَأْنُهُ إلى مُتَوَسِّطٍ رُوحانِيٍّ لا جُسْمانِيٍّ.
ومَدارُ مَذاهِبِهِمْ عَلى التَّعَصُّبِ لِلرُّوحانِيّاتِ وكانُوا يُعَظِّمُونَها غايَةَ التَّعْظِيمِ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْها ولَمّا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمُ التَّقَرُّبُ إلى أعْيانِها والتَّلَقِّي مِنها بِذَواتِها فَزِعَتْ جَماعَةٌ إلى هَياكِلِها وهي السَّبْعُ السَّيّاراتُ وبَعْضُ الثَّوابِتِ، فَصابِئَةُ الرُّومِ مَفْزَعُها السَّيّاراتُ وصائِبَةُ الهِنْدِ مَفْزَعُها الثَّوابِتُ، ورُبَّما نَزَلُوا عَنِ الهَياكِلِ إلى الأشْخاصِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تُغْنِي شَيْئًا، والفِرْقَةُ الأُولى هم عَبَدَةُ الكَواكِبِ، والثّانِيَةُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ.
وقَدْ أفْحَمَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ كِلْتا الفِرْقَتَيْنِ وألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ.
وذُكِرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ ظُهُورَهم كانَ في أوَّلِ سَنَةٍ مِن مُلْكِ طَهْمُورَثَ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ، ولَفْظُ الصّابِئَةِ عَرَبِيٌّ مِن صَبا كَمَنَعَ وكَرُمَ صَبًّا وصُبُوءًا خَرَجَ مِن دِينٍ إلى آخَرَ ﴿ والنَّصارى والمَجُوسَ ﴾ هم عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنِّيرانَ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى وصْفِهِمْ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وآخَرُونَ عَلى وصْفِهِمْ بِعِبادَةِ النِّيرانِ.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ اعْتَزَلُوا النَّصارى ولَبِسُوا المُسُوحَ.
وقِيلَ: قَوْمٌ أخَذُوا مِن دِينِ النَّصارى شَيْئًا ومِن دِينِ اليَهُودِ شَيْئًا وهم قائِلُونَ بِأنَّ لِلْعالَمِ أصْلَيْنِ نُورًا وظُلْمَةً.
وفي كِتابِ المِلَلِ والنِّحَلِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم طَوائِفُ وأنَّهم كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى وأنَّهم يَقُولُونَ بِالشَّرائِعِ عَلى خِلافِ الصّابِئَةِ وأنَّ لَهم شُبْهَةَ كِتابٍ وأنَّهم يُعَظِّمُونَ النّارَ، وفِيهِ أنَّ بُيُوتَ النِّيرانِ لِلْمَجُوسِ كَثِيرَةٌ فَأوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ أفْرِيدُونَ بَيْتُ نارٍ بِطُوسَ، وآخَرُ بِمَدِينَةِ بُخارى هو بَرْدَسُونَ، واتَّخَذَ بَهْمَنُ بَيْتًا بِسِجِسْتانَ يُدْعى كَرْكُو، ولَهم بَيْتُ نارٍ بِبُخارى أيْضًا يُدْعى قَبادانَ وبَيْتُ نارٍ يُسَمّى كُونَشَهْ بَيْنَ فارِسَ وأصْفَهانَ بَناهُ كِيخَسْرَدَ.
وآخَرُ بِقُومَشَ يُسَمّى جَرِيرٌ.
وبَيْتُ نارِ كَيْكَدَرَ بَناهُ في مَشْرِقِ الصِّينِ، وآخَرُ بِأرْجانَ مِن فارِسَ اتَّخَذَهُ أرْجانُ جَدُّ كَشْتاسِفَ، وكُلُّ هَذِهِ البُيُوتِ كانَتْ قَبْلَ زَرادُشْتَ.
ثُمَّ جَدَّدَ زَرادُشْتُ بَيْتَ نارِ بَنِيسا بَعْدَ كَشْتاسِفَ أنْ تَطْلُبَ النّارُ الَّتِي كانَ يُعَظِّمُها جَمٌّ فَوَجَدُوها بِمَدِينَةِ خَوارِزْمَ فَنَقَلَها إلى دارابَجَرْدَ والمَجُوسُ يُعَظِّمُونَها أكْثَرَ مِن غَيْرِها وكَيْخَسَرْدَ، ولَمّا غَزا إفْراسِيابُ عَظَّمَها وسَجَدَ لَها.
ويُقالُ: إنَّ أنُوشُرْوانَ هو الَّذِي نَقَلَها إلى كارَشانَ فَتَرَكُوا بَعْضَها هُناكَ وحَمَلُوا بَعْضَها إلى نَسا.
وفي بِلادِ الرُّومِ عَلى بابِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ بَيْتُ نارٍ اتَّخَذَهُ شابُورُ بْنُ أزْدَشِيرَ فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ إلى أيّامِ المَهْدِيِّ.
وبَيْتُ نارِ باسَفِيتا عَلى قُرْبِ مَدِينَةِ السَّلامِ لِبُورانَ بِنْتِ كِسْرى.
وفي الهِنْدِ والصِّينِ بُيُوتُ نِيرانٍ أيْضًا والمَجُوسُ إنَّما يُعَظِّمُونَ النّارَ لَمَعانٍ.
مِنها أنَّها جَوْهَرٌ شَرِيفٌ عُلْوِيٌّ يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ نارِ يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يَدْرُوا أنَّ ذَلِكَ السَّبَبُ الأعْظَمُ لِعَذابِهِمُ اهَـ.
وفِيهِ ما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ التَّوارِيخَ.
وفي القامُوسِ مَجُوسٌ كَصَبُورٍ رَجُلٌ صَغِيرُ الأُذُنَيْنِ وضَعَ دِينًا ودَعا إلَيْهِ مُعَرَّبُ مِيخَ وكُوشَ.
وفي الصِّحاحِ المَجُوسِيَّةُ نِحْلَةٌ والمَجُوسِيُّ نِسْبَةٌ إلَيْها والجَمْعُ المَجُوسُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ: المَجُوسُ واليَهُودُ إنَّما عُرِّفا عَلى حَدِّ يَهُودِيٍّ ويَهُودٍ ومَجُوسِيٍّ ومَجُوسٍ فَجُمِعَ عَلى قِياسِ شَعِيرَةٍ وشَعِيرٍ ثُمَّ عُرِّفَ الجَمْعُ بِالألِفِ واللّامِ ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِما لِأنَّهُما مَعْرِفَتانِ مُؤَنَّثانِ فَجَرَيا في كَلامِهِمْ مَجْرى القِبْلَتَيْنِ ولَمْ يُجْعَلا كالحَيَّيْنِ في بابِ الصَّرْفِ.
وأنْشَدَ: أحارِ أُرِيكَ بَرْقًا هَبَّ وهْنًا كَنارِ مَجُوسَ تَسْتَعِرُ اسْتِعارا انْتَهى.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَجُوسَ مُعَرَّبُ مُوكُوشَ وأُطْلِقَ عَلى أُولَئِكَ القَوْمِ لِأنَّهم كانُوا يُرْسِلُونَ شُعُورَ رُؤُوسِهِمْ إلى آذانِهِمْ.
ونُقِلَ في البَحْرِ أنَّ المِيمَ بَدَلٌ مِنَ النُّونِ، وأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِاسْتِعْمالِهِمُ النَّجاساتِ وهو قَوْلٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ المَشْهُورُ أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، وقِيلَ ما يَعُمُّهم وسائِرَ مَن عَبَدَ مَعَ اللَّهِ تَعالى إلَهًا آخَرَ مِن مَلَكٍ وكَوْكَبٍ وغَيْرِهِما مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِاسْمٍ خاصٍّ كالصّابِئَةِ والمَجُوسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِأنَّ السّابِقَةَ وأُدْخِلَتْ إنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن جُزْأيِ الجُمْلَةِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ وقِيلَ: خَبَرُ إنَّ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ مُفْتَرِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ إلَخْ فَإنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا إنَّ عَمْرًا يَضْرِبُهُ رَدِيءٌ، والبَيْتُ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ جَعْلُ الجُمْلَةِ المُقْتَرِنَةِ بِإنَّ خَبَرًا بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً والخَبَرُ جُمْلَةُ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الرَّداءَةِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ كالمِثالِ المَذْكُورِ لِطُولِ الفاصِلِ فِيها، قالَ في البَحْرِ: وحُسْنُ دُخُولِ إنَّ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا في الآيَةِ طُولُ الفَصْلِ بِالمَعاطِيفِ، وقالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ قَوْلَكَ: إنَّ زَيْدًا إنَّهُ قائِمٌ رَدِيءٌ وأنَّ هَذِهِ الآيَةُ إنَّما صَلُحَتْ بِتَقَدُّمِ المَوْصُولِ ولا فَرْقَ بَيْنَ المَوْصُولِ وغَيْرِهِ في بابِ إنَّ ولَيْسَ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ خِلافٌ في أنَّ إنَّ تَدْخُلُ عَلى كُلِّ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ فَعَلى هَذا لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنِ الوَجْهِ المُتَبادَرِ، والمُرادُ بِالفَصْلِ القَضاءُ أيْ إنَّهُ تَعالى يَقْضِي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والفِرَقِ الخَمْسِ المُتَّفِقَةِ عَلى الكُفْرِ بِإظْهارِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ وتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنهُما حَقَّهُ مِنَ الجَزاءِ بِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ وعِقابِ الفِرَقِ الآخَرِينَ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِ أفْرادِ كُلٍّ مِنهُما، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يَفْصِلُ بَيْنَ الفِرَقِ السِّتِّ في الأحْوالِ والأماكِنِ جَمِيعًا فَلا يُجازِيهِمْ جَزاءً واحِدًا بِلا تَفاوُتٍ بَلْ يَجْزِي المُؤْمِنِينَ بِما يَلِيقُ واليَهُودَ بِما يَلِيقُ بِهِمْ وهَكَذا ولا يَجْمَعُهم في مَوْطِنٍ واحِدٍ بَلْ يَجْعَلُ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ وكُلًّا مِنَ الفِرَقِ الكافِرَةِ في طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِ النّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الفَصْلِ أيْ إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ومُراقِبٌ لِأحْوالِهِ ومِن قَضَيِّتِهِ الإحاطَةُ بِتَفاصِيلِ ما صَدَرَ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ وإجْراءُ جَزائِهِ اللّائِقِ بِهِ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ، أي: جبريل بالقرآن آياتٍ بَيِّناتٍ، يعني: واضحات بالحلال والحرام.
وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ، يعني: يرشد إلى دينه مَنْ كان أهلاً لذلك، فيوفقه لذلك.
وهذا كقوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ [يونس: 25] .
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: أصحاب محمد ومن كان مثل حالهم، وَالَّذِينَ هادُوا يعني: مالوا عن الإسلام يعني: اليهود وَالصَّابِئِينَ وقد ذكرناه من قبل، وَالنَّصارى وقد ذكرناه من قبل وَالْمَجُوسَ، يعني: عبدة النيران وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني: عبدة الأوثان والأديان ستة: فواحد لله تعالى، والخمسة للشيطان.
إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ، يعني: يقضي ويحكم بينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ، بين هذه الأديان الستة.
وقال بعضهم: إن الفاء مضمرة في الكلام ومعناه: فإن الله يفصل بينهم على معنى جواب الشرط.
ويقال: جوابه في قوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، من أعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ: عبارة عن المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ قاله ابنُ عباس «١» وغيرُه وذلك أَنَّ صاحب الكبر يردُّ وجهه عَمَّنْ يتكبر عنه، فهو يَرُدُّ وجههُ يِصَعِّرُ خَدَّهُ، ويولي صَفْحَتَهُ، ويَلْوَيَ عُنُقَهُ، ويَثْنِي عِطْفَه، وهذه هي عبارات المفسرين، والعطف: الجانب.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي: يقال له ذلك، واخْتُلِفَ في الوقف على:
يَداكَ فقيل: لا يجوزُ: لأَنَّ التقدير: وبأَنَّ الله، أي: أنَّ هذا هو العدل فيك بجَرَائِمِكَ.
وقيل: يجوز بمعنى: والأمر أنّ الله ليس بظلّام للعبيد.
وقوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ...
الآية نزلت في أعراب، وقوم لا يَقِينَ لهم كان أحدُهم إذا أسلم فاتفق له اتفاقاتٌ حِسَانٌ: من نموِّ مال، وولد يُرْزَقُهُ، وغير ذلك- قال: هذا دِينٌ جَيِّدٌ، وتمسك به لهذه المعاني، وإنْ كان الأمر بخلاف ذلك، تشاءَم به، وارتد كما فعل العُرَنِيون، قال هذا المعنى ابن عباس «٢» وغيره.
وقوله: عَلى حَرْفٍ معناه: على انحرافٍ منه عن العقيدة البيضاء، وقال البخاريُّ «٣» :
عَلى حَرْفٍ: على شَكٍّ، ثم أسند عن ابن عباس ما تقدم من حال الأعراب، / انتهى.
٢٢ ب وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ يريد الأوثانَ، ومعنى يَدْعُوا: يعبد، ويدعو أيضاً في مُلِمَّاتِهِ، واللام في قوله: لَمَنْ ضَرُّهُ: لام مُؤْذِنَةٌ بمجيء القسم، والثانية في لَبِئْسَ: لام القسم، والْعَشِيرُ: القريب المعاشر في الأمور.
ت وفي الحديث في شأن النساء: «وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» يعني الزوج.
قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ «١» : قال أهل اللغة: العشير: الخليط من المعاشرة والمخالطة، ومنه قوله عز وجل: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ انتهى من «التمهيد» ، والذي يظهر: أَنَّ المراد بالمولى والعشير هو الوثن الذي ضَرُّهُ أقرب من نفعه، وهو قول مجاهد «٢» ، ثم عَقَّبَ سبحانه بذكر حالة أهل الإيمان وذكر ما وعدهم به فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...
الآية، ثم أَخذتِ الآية في توبيخ أولئك الأولين كأنه يقول: هؤلاء العابدون على حرف صحبهم القلق، وظَنُّوا أَنَّ الله تعالى لن ينصرَ محمداً وأتباعه، ونحن إنَّما أمرناهم بالصبر وانتظارِ وعدنا، فَمَنْ ظَنَّ غير ذلك فليمدد بسبب، وهو الحبل وليختنق هل يذهب بذلك غيظه؟
قال هذا المعنى قتادة «٣» ، وهذا على جهة المَثَلِ السائر في قولهم: «دُونَكَ الحَبْلُ فاختنق» ، والسَّماءِ على هذا القول: الهواء عُلُوّاً، فكأَنه أراد سقفاً أو شجرة، ولفظ البخاري: وقال ابن عباس: «بسبب إلى سَقْفِ البيتِ» «٤» ، انتهى، والجمهورُ على أنَّ القطع هنا هو الاختناق.
قال الخليل: وقطع الرجل: إذا اختنق بحبل ونحوه، ثم ذكر الآية، ويحتمل المعنى مَنْ ظَنَّ أَنَّ محمداً لا ينصر فليمت كمداً هو منصور لا محالَة، فليختنق هذا الظانُّ غيظاً وكمداً، ويؤيد هذا: أَنَّ الطبري والنقاش قالا: ويُقال: نزلت في نفر من بني أَسَدٍ وغَطَفَانَ، قالوا: نخاف أَلاَّ يُنصرَ محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من يهودٍ من المنافع «٥» ، والمعنى الأَوَّلُ الذي قيل للعابدين على حرف- ليس بهذا ولكنه بمعنى: مَنْ قلق واستبطأ النصر، وظَنَّ أن محمداً لا يُنْصَرُ فليختنق سفاهةً إذ تعدَّى الأمرُ الذي حد له في الصبر وانتظار صنع الله، وقال مجاهد: الضمير في يَنْصُرَهُ عائدٌ على مَنْ والمعنى: مَنْ كان من المتقلّقين من المؤمنين «٦» ، وما في قوله: ما يَغِيظُ بمعنى الذي، ويحتمل أنْ تكونَ مصدرية حرفاً فلا عائد عليها، وأبينُ الوجوه في الآية: التأويل الأَوَّلُ وباقي الآية بيّن.
وقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، أي: ساجدون مرحومون بسجودهم، وقوله:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ، قالُوا: إنّا نَخافُ أنْ لا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ، فَيَنْقَطِعُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِنَ اليَهُودِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو حَمْزَةَ الثُّمالِيُّ والسُّدِّيُّ.
وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الَّذِينَ انْصَرَفُوا عَنِ الإسْلامِ لِأنَّ أرْزاقَهم ما اتَّسَعَتْ، وقَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ﴾ .
وَفِي هاءِ ﴿ يَنْصُرَهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ عَلى " مَن "، والنَّصْرُ بِمَعْنى: الرِّزْقِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ، فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نَصَرَهُ اللَّهُ؛ أيْ: مَن يُعْطِينِي أعْطاهُ اللَّهُ، ويُقالُ: نَصَرَ المَطَرُ أرْضَ كَذا؛ أيْ: جادَها وأحْياها، قالَ الرّاعِي: [ إذا أدْبَرَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعِي بِلادَ تَمِيمٍ ] وانْصُرِي أرْضَ عامِرِ والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فالمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، رَواهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وكانَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ حَنَقِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنَ النَّصْرِ، وآخَرُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ اتِّباعَهُ، ويَخْشَوْنَ أنْ لا يُتِمَّ أمْرُهُ، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ لِلْفَرِيقَيْنِ.
ثُمَّ في مَعْنى [ هَذا ] النَّصْرِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الغَلَبَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنٍ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ﴾ في المُرادِ بِالسَّماءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَقْفُ بَيْتِهِ، والمَعْنى: فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ، فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ، ﴿ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ الحَبْلَ لِيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
ومَعْنى الآيَةِ: لِيُصَوِّرْ هَذا الأمْرَ في نَفْسِهِ لا أنَّهُ يَفْعَلُهُ؛ لِأنَّهُ إذا اخْتَنَقَ لا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ والعِلْمُ.
والثّانِي: أنَّها السَّماءُ المَعْرُوفَةُ، والمَعْنى: فَلْيَقْطَعِ الوَحْيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إنْ قَدَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: ( ثُمَّ لِيَقْطَعْ )، ( ثُمَّ لِيَقْضُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ] بِكَسْرِ اللّامِ.
زادَ ابْنُ عامِرٍ: ( ولِيُوفُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ]، ( ولِيَطَّوَّفُوا ) [ الحَجّ: ٢٩ ] بِكَسْرِ اللّامِ أيْضًا.
وكَسَرَ ابْنُ كَثِيرٍ لامَ ( ثُمَّ لْيَقْضُوا ) فَحَسْبٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ هَذِهِ اللّاماتِ، وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ إذا كانَ قَبْلَها واوٌ، أوْ فاءٌ، [ أوْ ] ثُمَّ.
قالَ الفَرّاءُ: مَن سَكَّنَ فَقَدْ خَفَّفَ، وكُلُّ لامِ أمْرٍ وُصِلَتْ بِواوٍ أوْ فاءٍ، فَأكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ تَسْكِينُها، وقَدْ كَسَرَها بَعْضُهم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأصْلُ الكَسْرُ؛ لِأنَّكَ إذا ابْتَدَأْتَ قُلْتَ: لِيَقُمْ زَيْدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: هَلْ تُذْهِبَنَّ حِيلَتُهُ غَيْظَهُ، والمَعْنى: لِيَجْهَدْ جُهْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن آياتِ القُرْآنِ، " أنْزَلْناهُ " يَعْنِي: القُرْآنَ.
وما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ؛ أيْ: يَقْضِي ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بَيْنَهم بِإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ والآخَرِينَ النّارَ، ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِن أعْمالِهِمْ ﴿ شَهِيدٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصابِئِينَ والنَصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ وسَفَّهَ رَأْيَهم وتَوَعَّدَهم بِخَسارَةِ الآخِرَةِ، عَقِبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُخالِفِيهِمْ مِن أهْلِ الإيمانِ، وذَكَرَ ما وعَدَهم بِهِ مِن إدْخالِهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ، ثُمْ أخَذَتِ الآيَةُ في تَوْبِيخِ أُولَئِكَ الأوَّلِينَ وإسْلامِهِمْ إلى رَأْيِهِمْ وإحالَتِهِمْ عَلى ما فِيهِ عَنَتُهم ولَيْسَ فِيهِ راحَتُهُمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَؤُلاءِ العابِدُونَ عَلى حَرْفٍ صَحِبَهُمُ القَلَقُ وظَنُّوا أنَّ اللهَ تَعالى لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأتْباعَهُ، ونَحْنُ إنَّما أمَرْناهم بِالصَبْرِ وانْتِظارِ وعْدِنا، فَمِن ظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ولْيَخْتَنِقْ ولْيَنْظُرْ هَلْ يَذْهَبُ بِذَلِكَ غَيْظُهُ؟
قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وهَذا عَلى جِهَةِ المَثَلِ السائِرِ، قَوْلُهُمْ: دُونَكَ الحَبْلُ فاخْتَنِقْ، يُقالُ ذَلِكَ لِلَّذِي يُرِيدُ مِنَ الأمْرِ ما لا يُمْكِنُهُ.
و "السَبَبُ": الحَبْلُ، و"النَصْرُ" مَعْرُوفٌ، إلّا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ ذَهَبَ بِهِ إلى مَعْنى الرِزْقِ، كَما قالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ، وكَما قالَ الشاعِرُ: وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرِأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشِقَّ الَّذِي الغَيْثُ ناصِرُهُ وقالَ: وقَفَ بِنا سائِلٌ مِن بَنِي أبِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي يَنْصُرُهُ اللهُ، و"السَماءُ" -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ-: الهَواءُ عُلُوًّا، فَكَأنَّهُ أرادَ: سَقْفًا أو شَجَرَةً أو نَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَماءُ هي المَعْرُوفَةُ، وذَهَبَ إلى مَعْنًى آخَرَ، كَأنَّهُ قالَ لِمَن يَظُنُّ أنَّ اللهَ لا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا: إنْ كُنْتَ تَظُنُّ ذَلِكَ فامْدُدْ سَبَبًا إلى السَماءِ واقْطَعْهُ إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، فَإنْ عَجَزْتَ فَكَذَلِكَ لا تَقْدِرُ عَلى قَطْعِ سَبَبِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ السَماءِ؛ إذْ نُصْرَتُهُ مِن هُنالِكَ، والوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و "القَطْعُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- لَيْسَ بِالِاخْتِناقِ، بَلْ هو جَزْمُ السَبَبِ، وفي مُصْحَفُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ثُمْ لِيَقْطَعَهُ بِها"، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ القَطْعَ هُنا هو الِاخْتِناقُ.
وقالَ الخَلِيلُ: وقَطْعُ الرَجُلِ إذا اخْتَنَقَ بِحَبْلٍ أو نَحْوِهُ، ثُمْ ذَكَرَ الآيَةَ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى آخَرَ، وهو أنْ يُرادَ بِهِ الكُفّارُ وكُلُّ مَن يَغْتاظُ بِأنْ يَنْصُرَهُ اللهُ ويَطْمَعَ ألّا يُنْصَرَ، قِيلَ لَهُمْ: مَن ظَنَّ أنَّ هَذا لا يُنْصَرُ فَلْيَمُتْ كَمَدًا، هو مَنصُورٌ لا مَحالَةَ، فَلْيَخْتَنِقْ هَذا الظانُّ غَيْظًا وكَمَدًا، ويُؤَيِّدْ هَذا أنَّ الطَبَرِيَّ والنَقّاشَ قالا: ويُقالُ: نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطْفانَ قالُوا: نَخافُ أنْ يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ فَيَنْقَطِعُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودٍ مِنَ المَنافِعِ.
والمَعْنى الأوَّلُ الَّذِي قِيلَ لِلْعابِدِينَ عَلى حَرْفٍ لَيْسَ بِهَذا، ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: مَن قَلِقَ واسْتَبْطَأ النَصْرَ وظَنَّ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لا يُنْصَرُ فَلْيَخْتَنِقْ سَفاهَةً إذْ تَعَدّى الأمْرَ الَّذِي حَدَّ لَهُ في الصَبْرِ وانْتِظارِ صُنْعِ اللهِ تَعالى.
وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "يَنْصُرَهُ" عائِدٌ عَلى "مَن"، والمَعْنى: مَن كانَ مِنَ القَلِقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والضَمِيرُ في التَأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في أنْ يُرادَ الكُفّارُ لا يَعُودُ إلّا عَلى النَبِيِّ فَقَطْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الدِينِ والقُرْآنِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "لِيَقْطَعْ فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِ اللامِ فِيهِما عَلى الأصْلِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ اللامِ فِيهِما وفي لامِ الأمْرِ في كُلِّ القُرْآنِ مَعَ الواوِ والفاءِ و ثُمْ، واخْتَلَفَ عن نافِعٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَمْرُو، وعِيسى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أُمًّا الفاءُ والواوُ -إذا دَخَلَتْ إحْداهُما عَلى الأمْرِ- فَحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهم يَرَوْنَها كَأنَّها مِنَ الكَلِمَةِ فَسُكُونُ اللامِ تَخْفِيفٌ، وهو أفْصَحُ مِن تَحْرِيكِها، وأمّا "ثُمْ" فَهي كَلِمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فالوَجْهُ تَحْرِيكِ اللامِ بَعْدَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ رَأى بَعْضُ النَحْوِيِّينَ المِيمَ مِن "ثُمْ" بِمَنزِلَةِ الواوِ والفاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ما يَغِيظُ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وفي "يَغِيظُ" عائِدٌ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً حَرْفًا فَلا عائِدَ عَلَيْها، و "الكَيْدُ" هو مَدُّهُ السَبَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأبْيَنُ وُجُوهِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ مَثَلًا، ويَكُونُ النَصْرُ المَعْرُوفَ، والقَطْعُ الِاخْتِناقَ، والسَماءُ الِارْتِفاعَ في الهَواءِ بِسَقْفٍ أو شَجَرَةٍ أو نَحْوِهِ فَتَأْمُلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ إلى ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ، المَعْنى: وكَما وعَدْنا بِالنَصْرِ وأمَرْنا بِالصَبْرِ كَذَلِكَ، أنْزَلْنا القُرْآنَ آيَةً بَيِّنَةً لِمَن نَظَرَ واهْتَدى، لا لِيَقْتَرِحَ مَعَها ويَسْتَعْجِلَ القَدَرَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: وكَما بَيَّنْتُ حُجَّتِي عَلى مَن جَحَدَ قُدْرَتِي عَلى إحْياءِ المَوْتى كَذَلِكَ أنْزَلْناهُ.
والضَمِيرُ في "أنْزَلْناهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وجاءَتْ هَذِهِ الضَمائِرُ هَكَذا وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِشُهْرَةِ المُشاِرِ إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنَّ اللهَ" في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ: والأمْرُ أنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ، وهِدايَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى هي خَلْقِهِ الرَشادُ والإيمانُ في نَفْسِ الإنْسانِ.
ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِعْلِهِ بِالفِرَقِ المَذْكُورِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ، واليَهُودُ، والصابِئُونَ.
وهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ ويَسْتَقْبِلُونَ القِبْلَةَ ويُوَحِّدُونَ اللهَ ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والنَصارى والمَجُوسُ وهم عَبَدَةُ النارِ والشَمْسِ والقَمَرِ.
والمُشْرِكُونَ وهم عَبَدَةُ الأوثانِ.
قالَ قَتادَةُ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، خَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ وواحِدٌ لِلرَّحْمَنِ.
وخَبَرُ "إنَّ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، ثُمْ دَخَلَتْ "إنَّ" عَلى الخَبَرِ مُؤَكِّدَةً، وحَسَنُ ذَلِكَ لِطُولِ الكَلامِ فَهي وما بَعْدَها خَبَرُ "إنَّ" الأولى، وقَرَنَ الزَجاجُ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِ الشاعِرِ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مَلِكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ نَقَلَهُ الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا البَيْتُ كالآيَةِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ في البَيْتِ في قَوْلِهِ: "بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ"، و "إنَّ" الثانِيَةُ وجُمْلَتُها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
ثُمْ تَمَّ الكَلامُ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "القِيامَةِ"، واسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عن إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وعالِمْ بِهِ، وهَذا خَبَرٌ مُناسِبٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِرَقِ، وفَصْلُ اللهِ تَعالى بَيْنَ هَذِهِ الفِرَقِ هو بِإدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ والكافِرِينَ النارَ.
<div class="verse-tafsir"
فذلكة لما تقدم، لأنه لما اشتملت الآيات السابقة على بيان أحوال المترددين في قبول الإسلام كان ذلك مثاراً لأن يتساءل عن أحوال الفرق بعضهم مع بعض في مختلف الأديان، وأن يسأل عن الدين الحق لأن كل أمة تدَّعي أنها على الحق وغيرها على الباطل وتجادل في ذلك.
فبينت هذه الآية أن الفصل بين أهل الأديان فيما اختصموا فيه يكون يوم القيامة، إذ لم تفدهم الحجج في الدنيا.
وهذا الكلام بما فيه من إجمال هو جار مجرى التفويض، ومثله يكون كناية عن تصويب المتكلم طريقته وتخطئته طريقة خصمه، لأن مثل ذلك التفويض لله لا يكون إلا من الواثق بأنه على الحق وهو كقوله تعالى: ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ﴾ [الشورى: 15] وذلك من قبيل الكناية التعريضية.
وذِكر المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين تقدم في آية البقرة وآية العقود.
وزاد في هذه الآية ذكر المجوس والمشركين، لأن الآيتين المتقدمتين كانتا في مساق بيان فضل التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر في كل زمان وفي كل أمة.
وزيد في هذه السورة ذكر المجوس والمشركين لأن هذه الآية مسوقة لبيان التفويض إلى الله في الحكم بين أهل المِلل، فالمجوس والمشركون ليسوا من أهل الإيمان بالله واليوم الآخر.
فأما المجوس فهم أهل دين يثبت إلهين: إلهاً للخير، وإلهاً للشرّ، وهم أهل فارس.
ثم هي تتشعب شعباً تأوي إلى هذين الأصلين.
وأقدم النِحَل المجوسية أسسها (كيومرث) الذي هو أول ملك بفارس في أزمنة قديمة يظن أنها قبل زمن إبراهيم عليه السلام، ولذلك يلقب أيضاً بلقب (جل شاه) تفسيره: ملك الأرض.
غير أن ذلك ليس مضبوطاً بوجه علمي وكان عصرُ (كيومرث) يلقب (زروان) أي الأزل، فكان أصل المجوسية هم أهل الديانة المسماة: الزروانية وهي تثبت إلهين هما (يَزدَان) و(أهْرُمُن).
قالوا: كان يَزذان منفرداً بالوجود الأزلي، وأنه كان نُورانياً، وأنه بقي كذلك تسعة آلاف وتسعين سنة ثم حدث له خاطر في نفسه: أنه لو حَدَث له منازع كيف يكون الأمر فنشأ من هذا الخاطر موجود جديد ظلماني سمي (أهْرُمُن) وهو إله الظلمة مطبوعاً على الشرّ والضرّ.
وإلى هذا أشار أبو العلاء المعرّي بقوله في لزومياته: قال أناسٌ باطل زعمهُم *** فراقِبُوا الله ولاَ تَزعُمُنْ فكّرَ يَزدانُ على غِرّة *** فصيغ من تفكيره أهْرُمُن فحدث بين (أهْرُمن) وبين (يزدان) خلاف ومحاربة إلى الأبد.
ثمّ نشأت على هذا الدّين نحل خُصّت بألقاب وهي متقاربة التعاليم أشهرها نحلة (زَرَادَشْت) الذي ظهر في القرن السادس قبل ميلاد المسيح، وبه اشتهرت المجوسية.
وقد سمي إله الخير (أهُورَا مَزْدَا) أو (أرمزد) أو (هرمز)، وسمي إله الشرّ (أهْرُمن)، وجعل إله الخير نوراً، وإله الشر ظلمة.
ثم دعا الناس إلى عبادة النار على أنها مظهر إله الخير وهو النّور.
ووسّع شريعة المجوسية، ووضع لها كتاباً سمّاه «زَندافستا».
ومن أصول شريعته تجنّب عبادة التماثيل.
ثم ظهرت في المجوس نِحلة «المَانوية»، وهي المنسوبة إلى (مَاني) الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير ملك الفرس بين سنة 238 وسنة 271م.
وظهرت في المجوس نحلة (المزدكية)، وهي منسوبة إلى (مَزدك) الذي ظهر في زمن قُباذ بين سنة 487 وسنة 523م.
وهي نحلة قريبة من (المانوية)، وهي آخر نحلة ظهرت في تطور المجوسيّة قبل الفتح الإسلامي لبلاد الفرس.
وللمجوسية شبه في الأصل بالإشراك إلا أنها تخالفه بمنع عبادة الأحجار، وبأن لها كتاباً، فأشبهوا بذلك أهل الكتاب.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: " سُنوا بهم سنة أهل الكتاب " أي في الاكتفاء بأخذ الجزية منهم دون الإكراه على الإسلام كما يُكره المشركون على الدخول في الإسلام.
وقد تقدم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ في [سورة النحل: 51].
وأعيدت (إنّ) في صدر الجملة الواقعة خبراً عن اسم (إنّ) الأولى توكيداً لفظياً للخبر لطول الفصل بين اسم (إن) وخبرها.
وكون خبرها جملة وهو توكيد حسن بسبب طول الفصل.
وتقدم منه قوله تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً ﴾ في [سورة الكهف: 30].
وإذا لم يطل الفصل فالتوكيد بإعادة (إن) أقل حُسناً كقول جرير: إنّ الخليفة أنّ الله سربلَه *** سِربال مُلك به تُزْجَى الخواتيم ولا يحسن إذا كان مبتدأ الجملة الواقعة خبراً ضميرَ اسم (إنّ) الأولى كما تقول: إن زيداً إنه قائم، بل لا بد من الاختلاف ليكون المؤكد الثاني غير الأول فتقبل إعادة المؤكد وإن كان المؤكّد الأول كافياً.
والفصل: الحكم، أي يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه من تصحيح الديانة.
وجملة ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً للإعلام بإحاطة علم الله بأحوالهم واختلافهم والصحيح من أقوالهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والنَّصْرُ الرِّزْقُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: أبُوكَ الَّذِي أجْرى عَلَيَّ بِنَصْرِهِ فَأنْصِبْ عَنِّي بَعْدَهُ كُلَّ قابِلِ والثّالِثُ: مَعْناهُ أنْ لَنْ يُمْطِرَ اللَّهُ أرْضَهُ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ لَقائِلٌ يا نَصْرَ نَصْرٍ نَصْرا وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِلْأرْضِ المُمْطِرَةِ أرْضٌ مَنصُورَةٌ.
﴿ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ والنَّصْرُ في الدُّنْيا بِالغَلَبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ النَّصْرُ في الدُّنْيا عُلُوَّ الكَلِمَةِ، وفي الآخِرَةِ عُلُوَّ المَنزِلَةِ.
﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَلْيَمْدُدْ بِحَبْلٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا لِيَقْطَعَ الوَحْيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ثُمَّ لِيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ أيْ يَذْهَبُ الكَيْدُ مِنهُ ما يَغِيظُهُ مِن نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: فَلْيَمْدُدْ بِحَبْلٍ إلى سَماءِ بَيْتِهِ وهو سَقْفُهُ، ثُمَّ لِيَخْنُقْ بِهِ نَفْسَهُ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبُ ذَلِكَ بِغَيْظِهِ مِن ألّا يَرْزُقَهُ اللَّهُ تَعالى، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.
قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة ويصلون القبلة ويقرأون الزبور ﴿ والمجوس ﴾ عبدة الشمس والقمر والنيران وأما ﴿ الذين أشركوا ﴾ فهم عبدة الأوثان ﴿ إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ﴾ قال: الأديان ستة: فخمسة للشيطان ودين لله عز وجل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ قال: فصل قضاءه بينهم فجعل الجنة مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله.
وقالت الصابئة: نحن نعبد الملائكة من دون الله.
وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر من دون الله.
وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان من دون الله.
فأوحى الله إلى نبيه ليكذِّبَ قولهم: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الصمد: 1] إلى آخرها ﴿ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ﴾ [ الإسراء: 111] وأنزل الله: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس...
﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: ﴿ الذين هادوا ﴾ اليهود، والصابئون، ليس لهم كتاب ﴿ والمجوس ﴾ أصحاب الأصنام والمشركون، نصارى العرب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية، تقدم الكلام في تفسير هؤلاء الفرق المذكورة (١) ﴿ وَالْمَجُوسَ ﴾ .
قال الأزهري: والمجوس معرب، أصله: منْج كُوش، وكان رجلاً صغير الأذنين، هو أول من دان بدين المجوس، ودعاهم إلى المجوسية، فعربته (٢) (٣) وقد تمجَّس الرجل إذا دان (٤) (٥) وقال غير الأزهري: المجوس يقال إنهم سموا بذلك لأن الميم جُعلت بدلاً من النون، كان يقال لهم النجوس (٦) (٧) (٨) والقول ما ذكره الأزهري.
قوله ﴿ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ يعني مشركي العرب.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ قال أبو إسحاق: خبر (إن) الأولى جملة الكلام مع (إن) الثانية (٩) يعني قوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ ﴾ .
قال الفراء: وربما قالت العرب: إن أخاك إن الدين عليه لكثير.
فيجعلون (إن) في خبره.
وأنشد: إن الخليفة إن الله سربله ...
البيت (١٠) (١١) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ .
قال الفراء: وإنما جاز هذا لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأول وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن لاختلاف اسمي (١٢) (١٣) (١٤) قال الزجاج: وليس بين البصريين خلاف في أن (إن) (١٥) (١٦) فأجاز أبو إسحاق ما استقبحه الفراء ولم يجزه.
وقال صاحب النظم: لما قال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وما تبع ذلك (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ومعنى ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: يقضي بينهم يوم القيامة.
وفسر الزجاج هذا الفصل والقضاء بين هؤلاء الفرق بإدخال المؤمنين الجنة والآخرين النار، واحتج بقوله بعد هذا ﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ﴾ .
وقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ الآية.
وقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ من أعمال هؤلاء الفرق.
قال ابن عباس: شهيد على ما في قلوبهم عالم به.
وقال أهل المعاني: إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر إلى العلم بصحة الصحيح فيبيض وجه المحق ويسود وجه المبطل (٢٣) ومعنى الشهيد: العلم بما شاهده، والله -عَزَّ وَجَلَّ- يعلم كل شيء قبل أن يكون بأنه علام الغيوب.
(١) انظر: "البسيط" 1/ 756، 57 أ، ب أزهرية.
(٢) في (ظ)، (د)، (ع): (فعربت).
(٣) هذا عجز بيت أنشده الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 602 من غير نسبة وهو للتوأم اليشكري، أجاز به قال امرؤ القيس، وكان امرؤ القيس قد نازع التوأم وقال له: إن كنت شاعرًا فملط -التمليط: أن يقول الشاعر نصف بيت ويتمه الشاعر الآخر.
"القاموس المحيط" 2/ 387 (ملط) - أنصاف ما أمول وأجزها، فقال == التوأم: نعم، فقال امرؤ القيس: أصاح أريك برقا هب وهنا ويروى: أحارِ ترى بُريقا هب وهنا فقال التوأم: كنَارِ مَجُوس تَسْتَعرُ اسِتْعَارا وهذا البيت مع الخبر في "ديوان امرئ القيس" ص 174 من رواية الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، وفي "لسان العرب" 6/ 213 (مجس)، و"تاج العروس" للزبيدي 20/ 123 (ملط).
ونسب سبيويه في "الكتاب" 3/ 254، والجوهري في "الصحاح" 3/ 977 (مجس) البيت لامرئ القيس.
وهو من غير نسبة في: كتاب "ما ينصرف وما لا ينصرف" للزجاج ص 82، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 2/ 139، "تاج العروس" للزبيدي 16/ 496 (مجس).
(٤) في (أ): (كان)، وهو خطأ.
(٥) "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 601 - 602 (مجس).
وانظر: "الصحاح" للجوهري 3/ 977 (مجس)، "لسان العرب" 6/ 213، 215 (مجس).
(٦) في (ظ)، (ع)، (د): (المجوس)، وهو خطأ.
(٧) في (أ): (الغنم والغنن)، وهو خطأ.
(٨) لم أجد من ذكر هذا القول فيما وقفت عليه من المصادر اللغوية.
وقد ذكره == باختصار السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 245 ولم ينسبه لأحد.
والغيم والغين: السحاب.
والأيم والأين: الحية.
انظر: "الإبدال والمعاقبة والنظائر" للزجاجي ص 105، "الإبدال" لأبي الطيب اللغوي 2/ 423، 434.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 417.
(١٠) كلام الفراء وإنشاده في "معاني القرآن" له 2/ 218.
والبيت لجرير من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن عبد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وتتمته: سِرْبال ملك به تُرْجَى الخواتيمُ وهو في "ديوانه" 2/ 672 وروايته فيه: يكفي الخليفة أن الله سربله، ولا شاهد فيه على ذلك.
و"خزانة الأدب" 10/ 364 - 368 وعجزه عنده: لباس ملك به تُرْجى الخواتيم.
قال البغدادي 10/ 364: سربله: ألبسه، يتعدى لمفعولين أولهما ضمير الخليفة، والثاني اللباس بمعنى الثوب ..
وتُرجى -بالزاي والجيم- والإرجاء: السوق.
والخواتيم: جمع خاتام لغة في الخاتم.
يريد إن سلاطين الآفاق يرسلون إليهم خواتمهم خوفًا منه، فيضاف ملكهم إلى ملكه.
ويروى (ترجى) بالراء المهملة من الرجاء.
وهذه الرواية أكثر من الأولى.
(١١) في (ع): (ذكره)، وهو خطأ.
(١٢) في (أ): (إسم).
(١٣) إنك (الثانية): ساقطة من (ظ).
(١٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 218 مع تصرف واختلاف في العبارة.
(١٥) (إن): ساقطة من (ظ).
(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 418.
(١٧) ذلك: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).
(١٨) في (أ): (حيزها).
(١٩) في (أ): (وأعاد).
(٢٠) في (أ): (الخير).
وهو تصحيف.
(٢١) في (ظ) زيادة (بينهم) بعد قوله (يفصل).
(٢٢) في (أ): (مبتدأ به).
(٢٣) انظر القرطبي 12/ 23 فقد ذكر هذا القول مختصرًا بمعناه، وصدره بقول: قيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والصابئين ﴾ ذكر في [البقرة: 62] وكذلك الذين هادوا ﴿ والمجوس ﴾ هم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن الخير من النور والشر من الظلمة ﴿ والذين أشركوا ﴾ هم الذين يعبدون الأصنام من العرب وغيرهم ﴿ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ هذه الجملة هي خبر ﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ ﴾ الآية، وكررت مع الخبر للتأكيد، وفصل الله بينهم بأن يبين لهم أن الإيمان هو الحق، وسائر الأديان باطلة، وبأن يدخل الذين آمنوا الجنة ويدخل غيرهم النار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.
يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.
روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.
الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.
﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.
التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.
ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.
يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.
والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.
وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.
أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.
وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.
وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.
و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.
عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.
قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.
فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.
قال: يا رب وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟
فقال رسول الله : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .
واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.
وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.
ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.
ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.
عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.
ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.
وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.
وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.
والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.
قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.
وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.
وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟
فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟
فيقول : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.
وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.
وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟
ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.
والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.
ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.
همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.
ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.
ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.
﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.
وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.
الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.
الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.
فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.
الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.
قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.
وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.
والذي يسنح لي في تفسيره أنه أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟
فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.
وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.
ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله أعلم بمراده.
قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.
وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.
وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.
قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.
وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.
وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.
قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.
﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".
ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.
قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.
وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.
وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.
وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.
وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي فقال: أقلني.
فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.
والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.
وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.
دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.
فيه بحث لفظي وبحث معنوي.
أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.
وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.
والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.
وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟
والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.
سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.
والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.
ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.
أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.
قوله ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟
قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.
وعندي في هذا القول بعد.
وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.
وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.
والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.
ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.
الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.
قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.
ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.
وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.
قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.
أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.
واعترض بأن الله وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.
ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.
قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.
ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.
وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.
عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.
وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.
وقيل: إن أقل الجمع اثنان.
ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.
وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.
وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.
وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.
فقال علي : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة.
وعن عكرمة هما الجنة والنار.
قالت النار: خلقني الله لعقوبته.
وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد والأقرب هو الأول.
وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.
وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ والحميم الماء الحار.
عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.
ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.
قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.
وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.
وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".
وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله أعلم.
التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.
﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.
﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.
وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.
﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ .
المعتزلة كذبت هذه الآية والآية التي تلي هذه الآية، وهو قوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ ﴾ ؛ لأنهم يقولون: أراد إيمان جميع الخلائق ثمّ لم يفعل ذلك، وأراد جميع الخيرات والكف عن الشرور ثم لم يقدر على وفاء ما أراد، ويقولون: لا صنع له في أفعال العباد، ولا تدبير؛ فعلى قولهم: لم يفعل الله مما أراد واحداً من ألوف، ويقولون: إن الله أراد هدى جميع الخلائق، لكنهم لم يهتدوا، وهو أخبر أنّه يهدي من يريد، وهم يقولون: يريد هدى الخلق كلهم فلم يهتدوا.
ونحن نقول: من أراد الله هداه اهتدى، وما أراد أن يفعل فعل، وهو ما أخبر ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ أخبر أنه يفعل ما يريد، فيخرج على قولهم على أحد الوجهين: إمّا على الخلاف في الوعد، وإمّا على الكذب في القول والخبر، فنعوذ بالله من السرف في القول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ .
تأويل الآية - عندنا - يخرج على وجهين: أحدهما: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً - عليه أفضل الصلوات - ثم نصره، فغاظه نصره إياه فيدوم غيظه - ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ أي: بحبل من السماء فيخنق ويقتل نفسه؛ ليذهب غيظه الذي غاظه نصره؛ يستريح مما غاظه.
والثاني: يخرج على الوعد بالنصر والخبر: أنه ينصره، يقول: من كان يظن أن ما وعد له من النصرة، لا يفعل ذلك له، ولا ينصره، ولا ينجز ما وعد؛ ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ، أي: ليحبس ما وعد له من النصر؛ إن غاظه ما وعد؛ ليذهب غيظه الذي غاظه؛ فعلى هذا التأويل يكون السماء سماء الأصل، أي: يحبس السبب الّذي ينزل من السماء.
قال بعضهم: قوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ﴾ أن لن يرزقه الله، ويجعله صلة قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ﴾ لأنه يجعل الآية في أهل النفاق، يقول: من كان يظن من أهل النفاق: أن الله لا يرزقه إذا كان في ذلك الدّين الذي كان فيه ودام - فليمدد بما ذكر.
وقال مجاهد: ﴿ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ ، قال ذلك خيفة ألا يرزق.
وأهل التأويل صرفوا السماء إلى سقف البيت، ويقولون: القطع: الخنق.
وقال القتبي: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ ﴾ أي: لن يرزقه الله وهو قول أبي عبيدة يقال: مطر ناصر، وأرض منصورة، أي: ممطورة.
وقال المفسرون: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ ، أي: بحبل إلى سقف البيت، ﴿ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ﴾ ، أي: ليختنق: ﴿ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ﴾ - أي: حليته - غيظه، أي: ليجهد جهده.
وقال أبو عوسجة: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ﴾ قال: هذا شيء لا يكون ولا يقدر عليه، وهذا ذم للمقول فيه؛ لأنه جعل السماء سماء الأصل، وقوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ أي: يمد يده.
وقوله: [ ﴿ بِسَبَبٍ ﴾ ] السبب في الأصل: الحبل، أي: يعلق سببا فيرتقي في السماء، والسبب: الحمار، وسبوب جمع، أي: حمر.
قال: والسبب: الحبل بلغة هذيل.
وقوله: ﴿ مَا يَغِيظُ ﴾ : هو شدة الغضب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: مثل هذا، وهكذا أنزلناه آيات بينات، يبين ما لهم وما عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ : أما الصابئون: فإن الناس اختلفوا فيهم: قال أهل التأويل: هم عبّاد الملائكة، وقد ذكرنا أقاويلهم فيه في سورة المائدة، فتركنا ذكره هاهنا لذلك.
﴿ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ ﴾ : قيل: هم المشركون من العرب، وهم عبدة الأوثان والأصنام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، أي: يحكم بين هؤلاء يوم القيامة؛ لاختلافهم في الدنيا، كقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ ثم قال: ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يحكم بين هؤلاء يوم القيامة، فالفصل بينهم يوم القيامة هو الحكم الذي ذكر فيه هذه الآية.
ويحتمل قوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ ﴾ في المقام: يبعث هؤلاء إلى الجنة، وهؤلاء إلى النار؛ فذلك الفصل بينهم.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَفْصِلُ ﴾ أي: يبين لهم الحق من الباطل؛ حتى يقروا جميعاً بالحق ويؤمنوا به، لكن لا ينفعهم ذلك يومئذ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ من أعمالهم، وأفعالهم، وإقرارهم، وأقوالهم، وجميع ما كان منهم.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين آمنوا بالله من هذه الأمة، واليهود -والصابئين (طائفة من أتباع بعض الأنبياء) , والنصارى، وعبدة النار، وعبدة الأوثان- إن الله يقضي بينهم يوم القيامة فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، إن الله على كل شيء من أقوال عباده وأعمالهم شهيد, يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.0Dl62"