الآية ١٩ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ١٩ من سورة الحج

۞ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌۭ مِّن نَّارٍۢ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

بت في الصحيحين ، من حديث أبي مجلز ، عن قيس بن عباد ، عن أبي ذر; أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) نزلت في حمزة وصاحبيه ، وعتبة وصاحبيه ، يوم برزوا في بدر .

لفظ البخاري عند تفسيرها ، ثم قال البخاري : حدثنا الحجاج بن منهال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، سمعت أبي ، حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد ، عن علي بن أبي طالب أنه قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة .

قال قيس : وفيهم نزلت : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) ، قال : هم الذين بارزوا يوم بدر : علي وحمزة وعبيدة ، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة .

انفرد به البخاري .

وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) قال : اختصم المسلمون وأهل الكتاب ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم .

فنحن أولى بالله منكم .

وقال المسلمون : كتابنا يقضي على الكتب كلها ، ونبينا خاتم الأنبياء ، فنحن أولى بالله منكم .

فأفلج الله الإسلام على من ناوأه ، وأنزل : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) .

وكذا روى العوفي ، عن ابن عباس .

وقال شعبة ، عن قتادة في قوله : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) قال : مصدق ومكذب .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في هذه الآية : مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث .

وقال - في رواية : هو وعطاء في هذه الآية - : هم المؤمنون والكافرون .

وقال عكرمة : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) قال : هي الجنة والنار ، قالت النار : اجعلني للعقوبة ، وقالت الجنة : اجعلني للرحمة .

وقول مجاهد وعطاء : إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون ، يشمل الأقوال كلها ، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها; فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله ، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل .

وهذا اختيار ابن جرير ، وهو حسن; ولهذا قال : ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ) أي : فصلت لهم مقطعات من نار .

قال سعيد بن جبير : من نحاس وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي .

( يصب من فوق رءوسهم الحميم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذين الخصمين اللذين ذكرهما الله، فقال بعضهم: أحد الفريقين: أهل الإيمان، والفريق الآخر: عبدة الأوثان من مشركي قريش الذين تبارزوا يوم بدر.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو هاشم عن أبي مجلز، عن قيس بن عبادة قال: سمعت أبا ذر يُقْسم قَسَما أن هذه الآية ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) نـزلت في الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، قال: وقال علىّ: إني لأوّل، أو من أوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله تبارك وتعالى.

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم بالله قسما: لنـزلت هذه الآية في ستة من قريش حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) .

..

إلى آخر الآية إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...

إلى آخر الآية.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، قال: سمعت أبا ذرّ يقسم، ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن محبب، قال: ثنا سفيان، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، قال: نـزلت هذه الآية في الذين تبارزوا يوم بدر ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نـزلت هؤلاء الآيات: ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.

إلى قوله وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ .

قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي هاشم، عن أبي مُجَلِّز، عن قيس بن عباد، قال: والله لأنـزلت هذه الآية: ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) في الذين خرج بعضهم إلى بعض يوم بدر: حمزة، وعليّ ، وعبيدة رحمة الله عليهم، وشيبة، وعتبة، والوليد بن عتبة.

وقال آخرون: ممن قال أحد الفرقين فريق الإيمان، بل الفريق الآخر أهل الكتاب.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحقّ بالله، آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنا بنبيكم، وبما أنـزل الله من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا.

وكان ذلك خصومتهم في ربهم.

وقال آخرون منهم: بل الفريق الآخر الكفار كلهم من أيّ ملة كانوا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعطاء بن أبي رَباح، وأبي قزعة، عن الحسين، قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم.

قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: مثل الكافر والمؤمن.

قال ابن جُرَيج: خصومتهم التي اختصموا في ربهم، خصومتهم في الدنيا من أهل كل دين، يرون أنهم أولى بالله من غيرهم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: كان عاصم والكلبي يقولان جميعا في ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قال: أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل، قال: جعل الشرك ملة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قال: مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث.

وقال آخرون: الخصمان اللذان ذكرهما الله في هذه الآية: الجنة والنار.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة في ( هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ) قال: هما الجنة والنار اختصمتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقد قصّ الله عليك من خبرهما ما تسمع.

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عني بالخصمين جميع الكفار من أيّ أصناف الكفر كانوا وجميع المؤمنين، وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى ذكره ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه: أحدهما أهل طاعة له بالسجود له، والآخر: أهل معصية له، قد حقّ عليه العذاب، فقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثم قال: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ، ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعل بهما، فقال: ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ) وقال الله إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ; فكان بيِّنا بذلك أن ما بين ذلك خبر عنهما.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما رُوي عن أبي ذرّ إنَّ ذَلكَ نـزل في الذين بارزوا يوم بدر؟

قيل: ذلك إن شاء الله كما روي عنه، ولكن الآية قد تنـزل بسبب من الأسباب، ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب، وهذه من تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شرك وكفر بالله، والآخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خصم، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خصم.

فتأويل الكلام: هذان خصمان اختصموا في دين ربهم، واختصامهم في ذلك معاداة كل فريق منهما الفريق الآخر ومحاربته إياه على دينه.

وقوله: ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ) يقول تعالى ذكره: فأما الكافر بالله منهما فانه يقطع له قميص من نحاس من نار.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ) قال: الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ) قال: ثياب من نحاس، وليس شيء من الآنية أحمى وأشد حرّا منه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الكفار قطعت لهم ثياب من نار، والمؤمن يدخل جنات تجري من تحتها الأنهار.

وقوله: ( يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ) يقول: يصبّ على رءوسهم ماء مُغْلًى.

كما حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق الطَّالقانيّ، قال: ثنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد، عن أبي السَّمْح، عن ابن جُحيرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: " إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُءوسِهمْ، فَيَنْفُذُ الجُمْجمَةَ حتى يَخْلُص إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلُت ما في جَوْفِهِ حتى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهِيَ الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كان ".

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا يعمر بن بشر، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا سعيد بن زيد، عن أبي السمح، عن ابن جحيرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، إلا أنه قال: " فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حتى يَخْلُص إلى جَوفِهِ فَيَسْلت (2) مَا في جَوْفِهِ".

وكان بعضهم يزعم أن قوله ( وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ) من المؤخَّر الذي معناه التقديم، ويقول: وجه الكلام: فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار، ولهم مقامع من حديد يصبّ من فوق رءوسهم الحميم ويقول: إنما وجب أن يكون ذلك كذلك، لأن الملك يضربه بالمقمع من الحديد حتى يثقب رأسه، ثم يصبّ فيه الحميم الذي انتهى حرّه فيقطع بطنه.

والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا، يدلّ على خلاف ما قال هذا القائل، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحميم إذا صبّ على رءوسهم نفذ الجمجمة حتى يخلص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد تثقب رءوسهم قبل صبّ الحميم عليها، لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ الحَمِيمَ يَنْفُذُ الجُمْجُمَة " معنى: ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل.

------------------------ الهوامش: (2) يسلت في جوفه من باب نصر : أي يقطعه ويستأصله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميمقوله تعالى : هذان خصمان اختصموا في ربهم خرج مسلم ، عن قيس بن عباد ، قال : سمعت أبا ذر يقسم قسما إن هذان خصمان اختصموا في ربهم إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر : حمزة ، وعلي ، وعبيدة بن الحارث - رضي الله عنهم - وعتبة ، وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة .

وبهذا الحديث ختم مسلم رحمه الله كتابه .

وقال ابن عباس : ( نزلت هذه الآيات الثلاث على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة في ثلاثة نفر من المؤمنين وثلاثة نفر كافرين ) ، وسماهم ، كما ذكر أبو ذر .

وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : ( إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة ؛ يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه ) ؛ ذكره البخاري .

وإلى هذا القول ذهب هلال بن يساف ، وعطاء بن يسار ، وغيرهما .

وقال عكرمة : المراد بالخصمين الجنة والنار ؛ اختصمتا فقالت النار : خلقني لعقوبته .

وقالت الجنة خلقني لرحمته .قلت : وقد ورد بتخاصم الجنة والنار حديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : احتجت الجنة والنار ، فقالت هذه : يدخلني الجبارون والمتكبرون ، وقالت هذه : يدخلني الضعفاء والمساكين ، فقال الله تعالى : لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء ، وقال لهذه : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها .

خرجه البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح .

وقال ابن عباس أيضا : هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله منكم ، [ ص: 25 ] وأقدم منكم كتابا ، ونبينا قبل نبيكم .

وقال المؤمنون : نحن أحق بالله منكم ، آمنا بمحمد ، وآمنا بنبيكم ، وبما أنزل إليه من كتاب ، وأنتم تعرفون نبينا ، وتركتموه ، وكفرتم به حسدا ؛ فكانت هذه خصومتهم ، وأنزلت فيهم هذه الآية .

وهذا قول قتادة ، والقول الأول أصح رواه البخاري ، عن حجاج بن منهال ، عن هشيم ، عن أبي هاشم ، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد ، عن أبي ذر .

ومسلم ، عن عمرو بن زرارة ، عن هشيم ، ورواه سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد ، عن علي ، قال : فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر هذان خصمان اختصموا في ربهم إلى قوله عذاب الحريق .

وقرأ ابن كثير ( هذان خصمان ) بتشديد النون من هذان .

وتأول الفراء الخصمين على أنهما فريقان ، أهل دينين ، وزعم أن الخصم الواحد المسلمون ، والآخر اليهود ، والنصارى ، اختصموا في دين ربهم ؛ قال : فقال ( اختصموا ) لأنهم جمع ، قال : ولو قال اختصما لجاز .

قال النحاس : وهذا تأويل من لا دراية له بالحديث ، ولا بكتب أهل التفسير ؛ لأن الحديث في هذه الآية مشهور ، رواه سفيان الثوري ، وغيره ، عن أبي هاشم ، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد قال : سمعت أبا ذر يقسم قسما إن هذه الآية نزلت في حمزة ، وعلي ، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، وعتبة ، وشيبة ابني ربيعة ، والوليد بن عتبة .

وهكذا روى أبو عمرو بن العلاء ، عن مجاهد ، عن ابن عباس .

وفيه قول رابع ( أنهم المؤمنون كلهم والكافرون كلهم من أي ملة كانوا ) ؛ قاله مجاهد ، والحسن ، وعطاء بن أبي رباح ، وعاصم بن أبي النجود ، والكلبي .

وهذا القول بالعموم يجمع المنزل فيهم وغيرهم .

وقيل : نزلت في الخصومة في البعث والجزاء ؛ إذ قال به قوم وأنكره قوم .فالذين كفروا يعني من الفرق الذين تقدم ذكرهم .

قطعت لهم ثياب من نار أي خيطت وسويت ؛ وشبهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب .

وقوله : ( قطعت ) أي تقطع لهم في الآخرة ثياب من نار ؛ وذكر بلفظ الماضي لأن ما كان من أخبار الآخرة فالموعود منه كالواقع المحقق ؛ قال الله تعالى : وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس أي يقول الله تعالى .

ويحتمل أن يقال قد أعدت الآن تلك الثياب لهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار .

وقال سعيد بن جبير : من نار من نحاس ؛ فتلك الثياب من نحاس قد أذيبت وهي السرابيل المذكورة في ( قطران ) وليس في الآنية شيء إذا حمي يكون أشد حرا منه .

وقيل : المعنى أن النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم ؛ فصارت من هذا الوجه ثيابا لأنها بالإحاطة كالثياب ؛ مثل [ ص: 26 ] ( وجعلنا الليل لباسا ) .

يصب من فوق رءوسهم الحميم أي الماء الحار المغلى بنار جهنم .

وروى الترمذي ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه ، وهو الصهر ، ثم يعاد كما كان .

قال : حديث حسن صحيح غريب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم فصل هذا الفصل بينهم بقوله: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } كل يدعي أنه المحق.

{ فَالَّذِينَ كَفَرُوا } يشمل كل كافر، من اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين، والمشركين.

{ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } أي: يجعل لهم ثياب من قطران، وتشعل فيها النار، ليعمهم العذاب من جميع جوانبهم.{ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ } الماء الحار جدا، يصهر ما في بطونهم من اللحم والشحم والأمعاء، من شدة حره، وعظيم أمره

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) أي جادلوا في دينه وأمره والخصم اسم شبيه بالمصدر فلذلك قال : ( اختصموا ) بلفظ الجمع كقوله ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ) ( ص " 21 ) ، واختلفوا في هذين الخصمين أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ، أخبرنا هشيم ، أخبرنا أبو هاشم ، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد قال سمعت أبا ذر يقسم قسما أن هذه الآية ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) نزلت في الذين برزوا يوم بدر : حمزة وعلي ، وعبيدة بن الحارث ، وعتبة ، وشيبة ابني أبي ربيعة ، والوليد بن عتبة .

وأخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا حجاج بن منهال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال سمعت أبي قال أخبرنا أبو مجلز ، عن قيس بن عباد ، عن علي بن أبي طالب قال أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة قال قيس : وفيهم نزلت ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة ، وعبيدة ، وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة .

قال محمد بن إسحاق خرج يعني يوم بدر - عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ودعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة عوذ ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء ، وعبد الله بن رواحة فقالوا من أنتم؟

قالوا رهط من الأنصار فقالوا حين انتسبوا أكفاء كرام ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا علي بن أبي طالب ، فلما دنوا قالوا من أنتم؟

فذكروا وقالوا نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز علي الوليد بن عتبة ، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة ، وعلي الوليد ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان كلاهما أثبت صاحبه فكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا عبيدة إلى أصحابه وقد قطعت رجله ومخها يسيل فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألست شهيدا يا رسول الله؟

قال : " بلى " فقال عبيدة : لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أحق بما قال منه حيث يقول ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل وقال ابن عباس وقتادة : نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب نحن أولى بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنتم تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم به حسدا فهذه خصومتهم في ربهم .

وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والكلبي : هم المؤمنون والكافرون كلهم من أي ملة كانوا .

وقال بعضهم جعل الأديان ستة في قوله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) ( المائدة 69 ) الآية فجعل خمسة للنار وواحدا للجنة فقوله تعالى : ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) ينصرف إليهم فالمؤمنون خصم وسائر الخمسة خصم وقال عكرمة : هما الجنة والنار اختصمتا كما أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن حسين القطان ، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه ، قال حدثنا أبو هريرة : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم قال الله عز وجل للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله فيها رجله فتقول قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا " .

ثم بين الله عز وجل ما للخصمين فقال ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ) قال سعيد بن جبير : ثياب من نحاس مذاب وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه وسمي باسم الثياب لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب .

وقال بعضهم يلبس أهل النار مقطعات من النار ( يصب من فوق رءوسهم الحميم ) الحميم هو الماء الحار الذي انتهت حرارته

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هذان خصمان» أي المؤمنون خصم، والكفار الخمسة خصم، وهو يطلق على الواحد والجماعة «اختصموا في ربهم» أي في دينه «فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار» يلبسونها يعني أحيطت بهم النار «يصب من فوق رؤوسهم الحميم» الماء البالغ نهاية الحرارة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذان فريقان اختلفوا في ربهم: أهل الإيمان وأهل الكفر، كل يدَّعي أنه محقٌّ، فالذين كفروا يحيط بهم العذاب في هيئة ثياب جُعلت لهم من نار يَلْبَسونها، فتشوي أجسادهم، ويُصبُّ على رؤوسهم الماء المتناهي في حره، ويَنزِل إلى أجوافهم فيذيب ما فيها، حتى ينفُذ إلى جلودهم فيشويها فتسقط، وتضربهم الملائكة على رؤوسهم بمطارق من حديد.

كلما حاولوا الخروج من النار -لشدة غمِّهم وكربهم- أعيدوا للعذاب فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب النار المحرق.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك صورة فيها ما فيها من وجوه المقارنات بين مصير الكافرين ومصير المؤمنين ، لكى ينحاز كل ذى عقل سليم إلى فريق الإيمان لا الكفر ، فقال - تعالى - : ( هذان خَصْمَانِ .

.

.

) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ( هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ .

.

.

) روايات أشار الإمام ابن كثير إلى معظمها فقال : " ثبت فى الصحيحين عن أبى ذر : أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية ( هذان خَصْمَانِ ) نزلت فى حمزة وصاحبيه .

وعتبة وصاحبيه ، يوم برزوا فى بدر .وعن قتادة قال : اختصم المسلمون وأهل الكتاب ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، فنحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : كتابنا يقضى على الكتب كلها ، ونبينا خاتم الأنبياء ، فنحن أولى بالله منكم ، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه - أى فنصر الله الإسلام - ، وأنزل الآية .وعن مجاهد فى الآية : مثل الكافر والمؤمن اختصما فى البعث .وهذا القول يشمل الأقوال كلها ، وينتظم فيه قصة بدر وغيرها ، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله ، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان .أى : هذا خصمان اختصموا فى ذات ربهم وفى صفاته ، بأن اعتقد كل فريق منهم أنه على الحق ، وأن خصمه على الباطل .قال الجمل : والخصم فى الأصل مصدر ولذلك يوحد ويذكر غالبا ، وعليه قوله - تعالى - : ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب ) ويجوز أن يثنى ويؤنث ، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طوائف قال : ( اختصموا ) بصيغة الجمع كقوله - تعالى - : ( وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ) فالجمع مراعاة للمعنى .وقوله - سبحانه - : ( فالذين كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ .

.

.

) تفصيل وبيان لحال كل خصم وفريق .أى : فالذين كفروا جزاؤهم أنهم قطع الله - تعالى - لهم من النار ثيابا ، وألبسهم إياها .قال الآلوسى : أى أعد الله لهم ذلك ، وكأنه شبه إعداد النار الحيطة بهم بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جثثهم .

ففى الكلام استعارة تمثيلية تهكمية ، وليس هناك تقطيع ثياب ولا ثياب حقيقة .

وكأن جميع الثياب للإيذان بتراكم النار المحيطة بهم ، وكون بعضها فوق بعض .

.

.

وعبر بالماضى ، لأن الإعداد قد وقع ، فليس من التعبير بالماضى لتحققه .

.

.وقوله : ( يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم ) زيادة فى عذابهم ، أى : لم تقطع لهم ثياب من نار فحسب ، وإنما زيادة على ذلك يصب من فوق رءوسهم " الحميم " أى : الماء البالغ أقصى درجات الشدة فى الحرارة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القراءة: روي عن الكسائي ﴿ خَصْمَانِ ﴾ بكسر الخاء، وقرئ ﴿ قُطّعَتْ ﴾ بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، قرأ الأعمش: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ رُدُّواْ فِيهَا ﴾ الحسن ﴿ يُصْهَرُ ﴾ بتشديد الهاء للمبالغة، وقرئ ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ بالنصب على تقدير ويؤتون لؤلؤاً كقوله وحوراً عيناً ولؤلؤاً بقلب الهمزة الثانية واواً، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق عليه العذاب ذكر هاهنا كيفية اختصامهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله: ﴿ هذان خَصْمَانِ اختصموا ﴾ ، والجواب: الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان يختصمان، فقوله: ﴿ هذان ﴾ للفظ واختصموا للمعنى كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ  ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير الخصمين وجوهاً: أحدها: المراد طائفة المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة ﴿ فِى رَبّهِمْ ﴾ أي في ذاته وصفاته.

وثانيها: روي أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم.

وثالثها: روى قيس ابن عبادة عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم القيامة.

ورابعها: قال عكرمة: هما الجنة والنار قالت النار خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن كان خاصاً فالواجب حمل الكلام على ظاهره قوله: ﴿ هذان ﴾ كالإشارة إلى من تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة، وأيضاً ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ممن حق عليه العذاب، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما، فمن خص به مشركي العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله: ﴿ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ  ﴾ أراد به الحكم لأن ذكر التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكماً فبين الله تعالى حكمه في الكفار، وذكر من أحوالهم أموراً ثلاثة: أحدها: قوله: ﴿ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ ﴾ والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله: ﴿ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ عن أنس، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار أخذاً من قوله تعالى: ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ  ﴾ وأخرج الكلام بلفظ الماضي كقوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور  ﴾ ، ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع.

وثانيها: قوله: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهمْ الحميم ﴾ يصهر به ما في بطونهم والجلود، الحميم الماء الحار، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها، (يصهر) أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ المقامع السياط وفي الحديث لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها وأما قوله: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ فاعلم أن الإعادة لا تكون إلا بعد الخروج والمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفاً وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق، والحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك، ثم إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه: أحدها: المسكن، وهو قوله: ﴿ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ .

وثانيها: الحلية، وهو قوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور وإن كان من أحله لهم أيضاً شاركهم فيه لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في الآخرة.

وثالثها: الملبوس وهو قوله: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن شهادة لا إله إلا الله هو الطيب من القول لقوله: ﴿ وَمَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً  ﴾ وقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  ﴾ وهو صراط الحميد لقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ .

وثانيها: قال السدي (وهدوا إلى الطيب من القول) هو القرآن.

وثالثها: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده.

ورابعها: أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل الله تعالى بدوام النعيم والسرور والسلام، وهو معنى قوله: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وعندي فيه وجه.

خامس: وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ولاحت الأنوار الإلهية، وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول وَهُدُواْ إلى صراط الحميد ﴾ والتعبير عنها هو المراد من قوله: ﴿ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الخصم: صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل: هذان فوجان أو فريقان مختصمان وقوله: ﴿ هذان ﴾ للفظ.

و ﴿ اختصموا ﴾ للمعنى، كقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ ﴾ [محمد: 16] ولو قيل: هؤلاء خصمان.

أو اختصما: جاز يراد المؤمنون والكافرون.

قال ابن عباس رجع إلى أهل الأديان الستة ﴿ فِى رَبّهِمْ ﴾ أي في دينه وصفاته.

وروي: أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أحق بالله، وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فهذه خصومتهم في ربهم ﴿ فالذين كَفَرُواْ ﴾ هو فصل الخصومة المعنيّ بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ [الحج: 17] وفي رواية عن الكسائي: ﴿ خصمان ﴾ بالكسر، وقرئ: ﴿ قطعت ﴾ بالتخفيف، كأنّ الله تعالى يقدّر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة.

ويجوز أن تظاهر على كل واحد منهم تلك النيران كالثياب المظاهرة على اللابس بعضها فوق بعض.

ونحوه ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ ﴾ [إبراهيم: 50] .

﴿ الحميم ﴾ الماء الحار عن ابن عباس رضي الله عنه: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ﴿ يُصْهَرُ ﴾ يذاب وعن الحسن بتشديد الهاء للمبالغة، أي: إذا صبّ الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر، فيذيب أحشاءهم وأمعاءهم كما يذيب جلودهم، وهو أبلغ من قوله: ﴿ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ ﴾ [محمد: 15] والمقامع: السياط.

في الحديث: «لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها» ، وقرأ الأعمش: ﴿ ردوا فيها ﴾ والإعادة والرد لا يكون إلا بعد الخروج.

فالمعنى: كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها.

ومعنى الخروج: ما يروى عن الحسن أنّ النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفاً وقيل لهم ﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ﴾ والحريق: الغليظ من النار المنتشر العظيم الإهلاك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ أيْ فَوْجانِ مُخْتَصِمانِ.

ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ اخْتَصَمُوا ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى ولَوْ عَكَسَ لَجازَ، والمُرادُ بِها المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ.

﴿ فِي رَبِّهِمْ ﴾ في دِينِهِ أوْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ.

وقِيلَ تَخاصَمَتِ اليَهُودُ والمُؤْمِنُونَ فَقالَ اليَهُودُ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ آمَنّا بِمُحَمَّدٍ ونَبِيِّكم وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، وأنْتُمْ تَعَرِفُونَ كِتابَنا ونَبِيَّنا ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا فَنَزَلَتْ.

﴿ فالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَصْلٌ لِخُصُومَتِهِمْ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ .

﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ﴾ قُدِّرَتْ لَهم عَلى مَقادِيرِ جُثَثِهِمْ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ ثِيابٌ مِن نارٍ ﴾ نِيرانٌ تُحِيطُ بِهِمْ إحاطَةَ الثِّيابِ.

﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهم أوْ خَبَرٌ ثانٍ، والحَمِيمُ الماءُ الحارُّ.

﴿ يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ ﴾ أيْ يُؤَثِّرُ مِن فَرْطِ حَرارَتِهِ في باطِنِهِمْ تَأْثِيرَهُ في ظاهِرِهِمْ فَتُذابُ بِهِ أحْشاؤُهم كَما تُذابُ بِهِ جُلُودُهم، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ ( الحَمِيمِ ) أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ.

وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هذان خَصْمَانِ} أي فريقان مختصمان فالخصم صفة وصف بها الفريق وقوله {اختصموا} للمعنى وهذان للفظ والمراد المؤمنون والكافرون وقال ابن عباس رضي الله عنهما رجع إلى أهل الأديان المذكورة فالمؤمنون وسائر الخمسة خصم {فِى رَبّهِمْ} في دينه وصفاته ثم بين جزاء كل خصم بقوله {فالذين كَفَرُواْ} وهو فصل الخصومة المعنى بقوله إن الله يفصل بينهم يوم القيامة {قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ} كأن الله يقدر لهم نيرانا على مقادير جثتهم تشتمل عليه كما نقطع الثياب الملبوسة واختير لفظ الماضي لأنه كائن لا محالة فهو كالثابت المتحقق {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ} بكسر الهاء والميم بصري وبضمهما حمزة وعلى منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ ﴾ تَعْيِينٌ لِطَرَفَيِ الخِصامِ وتَحْرِيرٌ لِمَحَلِّهِ فالمُرادُ بِهَذانِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ الكَفَرَةِ المُنْقَسِمُ إلى الفِرَقِ الخَمْسِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ومُجاهِدٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ والحَسَنِ وعاصِمٍ والكَلْبِيِّ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وبِهِ يَتَعَيَّنُ كَوْنُ الفَصْلِ السّابِقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ ومَجْمُوعِ مَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ كُلُّ خَصْمٍ فَرِيقًا يَجْمَعُ طائِفَةً جاءَ ﴿ اخْتَصَمُوا ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «اخْتَصَما» مُراعاةَ اللَّفْظِ ﴿ خَصْمانِ ﴾ وهو تَثْنِيَةُ خَصْمٍ وذَكَرُوا أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ، قالَ أبُو البَقاءِ: وأكْثَرُ الِاسْتِعْمالِ تَوْحِيدُهُ فَمَن ثَنّاهُ وجَمَعَهُ حَمَلَهُ عَلى الصِّفاتِ والأسْماءِ، وعَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قَرَأ «خِصْمانِ» بِكَسْرِ الخاءِ، ومَعْنى اخْتِصامِهِمْ في رَبِّهِمُ اخْتِصامُهم في شَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ في دِينِهِ، وقِيلَ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ والكُلُّ مِن شُؤُونِهِ تَعالى واعْتِقادُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَقِّيَّةَ ما هو عَلَيْهِ وبُطْلانَ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ وبِناءُ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ يَكْفِي في تَحَقُّقِ خُصُومَتِهِ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ ولا يَتَوَقَّفُ عَنِ التَّحاوُرِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَخاصَمَتِ المُؤْمِنُونَ واليَهُودُ فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ تَعالى وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا ونَبِيًّا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ تَعالى آمَنّا بِمُحَمَّدٍ  وآمَنّا بِنَبِيِّكم وبِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابٍ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ كِتابَنا ونَبِيَّنا ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُ وكَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا فَنَزَلَتْ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَ ذَلِكَ واعْتُرِضَ بِأنَّ الخِصامَ عَلى هَذا لَيْسَ في اللَّهِ تَعالى بَلْ في أيِّهِما أقْرَبُ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وهو كَما تَرى وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّ تَخْصِيصَ اليَهُودِ خِلافُ مَساقِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.

وفي الكَشْفِ قالُوا: إنَّ هَذا لا يُنافِي ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الآيَةَ تَرْجِعُ إلى أهْلِ الأدْيانِ السِّتَّةِ في التَّحْقِيقِ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةُ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ هم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الِاخْتِصامَ لَيْسَ اخْتِصامًا في اللَّهِ تَعالى بَلْ مَنشَؤُهُ ذَلِكَ فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِهَذَيْنِ الخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في عَدَمِ قَبُولِهِ خَصْمانِ أوْ يُنْتَطَحَ فِيهِ كَبْشانِ، وفي الكَلامِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ تَقْسِيمٌ وجَمْعٌ وتَفْرِيقٌ فالتَّقْسِيمُ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى- ﴿ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ والجَمْعُ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ ﴾ والتَّفْرِيقُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ ﴾ إلَخْ أيْ أُعِدَّ لَهم ذَلِكَ، وكَأنَّهُ شَبَّهَ إعْدادَ النّارِ المُحِيطَةِ بِهِمْ بِتَقْطِيعِ ثِيابٍ وتَفْصِيلِها لَهم عَلى قَدْرِ جُثَثِهِمْ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ ولَيْسَ هُناكَ تَقْطِيعٌ ولا ثِيابٌ حَقِيقَةً، وكَأنَّ جَمْعَ الثِّيابِ لِلْإيذانِ بِتَراكُمِ النّارِ المُحِيطَةِ بِهِمْ وكَوْنِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ والأوَّلُ أبْلَغُ، وعُبِّرَ بِالماضِي لِأنَّ الإعْدادَ قَدْ وقَعَ فَلَيْسَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ كَما في «نُفِخَ في الصُّورِ» .

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ مُذابٍ ولَيْسَ شَيْءٌ حُمِيَ في النّارِ أشَدَّ حَرارَةً مِنهُ فَلَيْسَتِ الثِّيابُ مِن نَفْسِ النّارِ بَلْ مِن شَيْءٍ يُشْبِهُها وتَكُونُ هَذِهِ الثِّيابُ كُسْوَةً لَهم وما أقْبَحَها كُسْوَةً.

ولِذا قالَ وهْبٌ: يُكْسى أهْلُ النّارِ والعُرْيُ خَيْرٌ لَهم.

وقَرَأ الزَّعْفَرانِيُّ في اخْتِيارِهِ «قُطِعَتْ» بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدُ أبْلَغُ.

﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ أيِ الماءُ الحارُّ الَّذِي انْتَهَتْ حَرارَتُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَوْ سَقَطَ مِنَ الحَمِيمِ نُقْطَةٌ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لَأذابَتْها، وفَسَّرَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ بِالنُّحاسِ المُذابِ، والمَشْهُورُ التَّفْسِيرُ السّابِقُ، ولَعَلَّهُ إنَّما جِيءَ بِمَن لِيُؤْذِنَ بِشِدَّةِ الوُقُوعِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ المُقَدَّرَةِ مِن ضَمِيرِ ( لَهُمْ) <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: هذانِ خَصْمانِ، يعني: أهل دينين اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ، يعني: احتجوا في دين ربهم.

قال أبو ذر الغفاري  : «نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر، يعني: حمزة، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث من المؤمنين  م، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة من المشركين» ، يعني: أن المؤمنين يخاصمون الكفار ويجاهدونهم ويقاتلونهم.

ثم بيَّن مصير كلا الفريقين بقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا وقال مجاهد: هذانِ خَصْمانِ، يعني: المؤمن والكافر اختصما في البعث، فالكافر قُطِّعَتْ له ثِيابٌ مِنْ نارٍ، والمؤمن يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقال عكرمة: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا، أي: اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: خلقت للرحمة، وقالت النار: خلقت للعذاب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: هذانِ خَصْمانِ، «وذلك أن اليهود قالوا: كتابنا أسبق ونبينا أفضل.

وقالت النصارى: نبينا كان يحيي الموتى، وهو أفضل من نبيكم، فنحن أولى بالله.

وقال المؤمنون: نحن آمنا بالله وبجميع الأنبياء عليهم السلام، وبجميع الكتب، وأنتم كفرتم ببعض الرسل وببعض الكتب، فديننا أولى من دينكم» ، فنزل: هذانِ خَصْمانِ الآية وقال: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا، ولم يقل اختصما، لأن كل واحد من الخصمين جمع.

قرأ ابن كثير هذانِ بتشديد النون، وقرأ الباقون بالتخفيف.

وفي الآية دليل: أن الكفر كله ملة واحدة، لأنه ذكر ستة أصناف من الأديان.

ثم قال: هذانِ ثم بين مصير كلا الفريقين، فقال: فَالَّذِينَ كَفَرُوا أي جحدوا بالقرآن وبمحمد  قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يعني: هيّئت لهم قُمُصٌ من نار، ويقال: نحاس.

يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ قال مقاتل: يضرب الملك رأسَه بالمقمع، فيثقب رأسه.

ثم يصب فيه الحميم، الذي قد انتهى حَرُّهُ.

يُصْهَرُ به، يعني: يذاب به مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، يعني: تنضج الجلود فتسلخ.

وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، يضرب بها هامتهم، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ، يعني: من الغم والشدة التي أدركته، ضرب بمقمعة من حديد، فيهوي بها كذلك.

فذلك قوله: أُعِيدُوا فِيها، أي ردوا إليها.

وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، أي المحرق، يعني: يقال لهم: ذوقوا عذاب النار، وهذا الجزاء لأحد الخصمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ مُعَادِلٌ له، ويؤيد هذا قوله تعالى بعد هذا: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ الآية.

هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)

وقوله سبحانه: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ...

الآية، نزلت هذه الآيةُ في المتبارزين يوم بدر، وهم سِتَّةُ نفر: حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وعبيدة بن الحارث (رضي الله عنهم) بَرَزُوا لعتبةَ بنِ ربيعة، والوليد بن عتبة، وشيبة بن ربيعة، قال علي بن أبي طالب: أنا أَوَّلُ مَنْ يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي الله تعالى، وأقسم أَبو ذَرٍّ «١» على هذا القولِ ووقع في «صحيح البخاريِّ» (رحمه الله تعالى) : أَنَّ الآيةَ فِيهم، وقال ابن عباس: الإِشارة إلى المؤمنين وأَهْلِ الكتاب «٢» وذلك أَنَّهُ وقع بينهم تخاصم، فقالتِ اليهودُ: نحن أقدمُ دِيناً منكُم، ونحو هذا فنزلت الآية، وقال مجاهد وجماعة «٣» : الإِشارة إلى المؤمنين والكُفَّارِ على العموم.

قال ع «٤» : وهذا قولَ تَعْضُدُهُ الآية وذلك أنه تَقَدَّمَ قولُه: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ المعنى: هم مؤمنون ساجدون، ثم قال تعالى: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ/، ثم أشار ٢٣ أإلى هذين الصنفين بقوله: هذانِ خَصْمانِ والمعنى: أَن الإيمانَ وأهله، والكفرَ وأهله- خصمان مذ كانا إلى يوم القيامة بالعداوة والجدال والحرب، وخصم مصدر يُوصَفُ به الواحد والجمع، ويَدُلُّ على أَنه أراد الجمع قوله: اخْتَصَمُوا فإنه قراءة الجمهور «٥» وقرأ ابن أبي «٦» عبلة: «اختصما» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في النَّفَرِ الَّذِينَ تَبارَزُوا لِلْقِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، وعُبَيْدِ بْنِ الحارِثِ، وعَتَبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، هَذا قَوْلُ أبِي ذَرٍّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ، وأقْدَمُ مِنكم كِتابًا، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وقالَ المُؤْمِنُونَ: نَحْنُ أحَقُّ بِاللَّهِ، آمَنّا بِمُحَمَّدٍ، وآمَنّا بِنَبِيِّكم، وبِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ نَبِيَّنا، ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ حَسَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَب الحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في اخْتِصامِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقالَتْ النّارُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِعُقُوبَتِهِ، وقالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِرَحْمَتِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ: ( هاذّانِ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ ( خَصْمانِ )، فَمَعْناهُ: جَمْعانِ، ولَيْسا بِرَجُلَيْنِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ اخْتَصَمُوا ﴾ ، ولَمْ يَقُلِ: اخْتَصَما، عَلى أنَّهُ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( اخْتَصَما ) .

وَفِي خُصُومَتِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: في دِينِ رَبِّهِمْ، وهَذا عَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ.

والثّانِي: في البَعْثِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِصامُ مُفاخِرَةٍ، عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ ﴾ ؛ أيْ: سُوِّيْتْ وجُعِلَتْ لِباسًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قُمُصٌ مِن نارٍ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ بِالنّارِ هاهُنا: النُّحاسُ.

فَأمّا ﴿ الحَمِيمُ ﴾ فَهو الماءُ الحارُّ ﴿ يُصْهَرُ بِهِ ﴾ ، قالَ الفَرّاءُ: يُذابُ بِهِ، يُقالُ: صَهَرْتُ الشَّحْمَ بِالنّارِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يُذابُ بِالماءِ الحارِّ ما في بُطُونِهِمْ مِن شَحْمٍ أوْ مِعًى حَتّى يَخْرُجَ مِن أدْبارِهِمْ، وتَنْضَجُ الجُلُودُ فَتَتَساقَطُ مِن حَرِّهِ.

﴿ وَلَهم مَقامِعُ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: هي المَطارِقُ.

وقالَ الحَسَنُ: إنَّ النّارَ تَرْمِيهِمْ بِلَهَبِها، حَتّى إذا كانُوا في أعْلاها ضُرِبُوا بِمَقامِعَ، فَهَوَوْا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَإذا انْتَهَوْا إلى أسْفَلِها ضَرَبَهُمُ زَفِيرُ لَهَبِها، فَلا يَسْتَقِرُّونَ ساعَةً.

قالَ مُقاتِلٌ: إذا جاشَتْ جَهَنَّمُ ألْقَتْهم في أعْلاها، فَيُرِيدُونَ الخُرُوجَ، فَتَتَلَقّاهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ بِالمَقامِعِ فَيَضْرِبُونَهم، فَيَهْوِي أحَدُهم مِن تِلْكَ الضَّرْبَةِ إلى قَعْرِها.

وقالَ غَيْرُهُ: إذا دَفَعَتْهُمُ النّارُ ظَنُّوا أنَّها سَتَقْذِفُهم خارِجًا مِنها، فَتُعِيدُهم الزَّبانِيَةُ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَمْسُ والقَمَرُ والنُجُومُ والجِبالُ والشَجَرُ والدَوابُّ وكَثِيرٌ مَن الناسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللهَ فَما لَهُ مَن مُكْرِمٍ إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ ﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ ﴿ يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ ﴾ ﴿ وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ ﴾ ﴿ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ "ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ، مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهَذِهِ آيَةُ إعْلامٍ بِتَسْلِيمِ المَخْلُوقاتِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى وخُضُوعِها.

وذَكَرَ في الآيَةِ كُلَّ ما عَبَدَ الناسُ إذْ في المَخْلُوقاتِ أعْظَمُ مِمّا ذَكَرَ كالبِحارِ والرِياحِ والهَواءِ، فَـ "مَن في السَماواتِ": المَلائِكَةُ، و"مَن في الأرْضِ" مَن عَبَدَ مِنَ البَشَرِ.

و"الشَمْسُ" كانَتْ تَعْبُدُها حِمْيَرُ، وهم قَوْمُ بِلْقِيسٍ، و "القَمَرُ" كانَتْ كِنانَةُ تَعْبُدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وكانَتْ تَمِيمُ تَعْبُدُ الدُبْرانِ، وكانَتْ لِخُمْ تَعْبُدُ المُشْتَرِيَ، وكانَتْ طَيُّ تَعْبُدُ الثُرَيّا، وكانَتْ قُرَيْشُ تَعْبُدُ الشِعْرَ، وكانَتْ أسَدُ تَعْبُدُ عُطارِدَ، وكانَتْ رَبِيعَةُ تَعْبُدُ المُرْزِمْ، و"الجِبالُ والشَجَرُ" مِنها النارُ وأصْنامُ الحِجارَةِ والخَشَبُ، و"الدَوابُّ" فِيها البَقَرُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا عَبَدَ مِنَ الحَيَوانِ كالدِيكِ ونَحْوِهِ.

و "السُجُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو بِالخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِلْأمْرِ، وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ: ............................

تَرى الأكَمَّ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وهَذا مِمّا يَتَعَذَّرُ فِيهِ السُجُودُ المُتَعارَفُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: سُجُودُ هَذِهِ الأشْياءِ هو بُطْلانُها، وقالَ بَعْضُهُمْ: سُجُودُها هو بِظُهُورِ الصَنْعَةِ فِيها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وهْمٌ، وإنَّما خَلَطَ هَذِهِ الآيَةَ بِآيَةِ التَسْبِيحِ، وهُنالِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هي بِآثارِ الصَنْعَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ: وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ سَجْدًا، أيْ كَراهِيَةً وعَلى رُغْمِهِ، إمّا بِخُضُوعِهِ عِنْدَ المَكارِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ: سُجُودُهُ بِظِلِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ مُعادَلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ الناسِ ﴾ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم مَرْحُومُونَ بِسُجُودِهِمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَمَن يُهِنِ اللهُ ﴾ الآيَةُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَما لَهُ مِن مُكْرِمْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الراءِ عَلى مَعْنى: مِن مَوْضِعٍ، أو عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَمَدْخَلٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والدَوابُّ" مُشَدَّدَةَ الباءِ، وقَرَأ الزَهْرِيُّ وحْدَهُ بِتَخْفِيفِ الباءِ، وهي قَلِيلَةٌ ضَعِيفَةٌ، وهي تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا: ظَلَّتْ وأحَسَّتْ، وكَما قالَ عَلْقَمَةُ: كَأنَّ إبْرِيقَهم ظَبْيٌ عَلى شَرَفٍ ∗∗∗ مُفَدَّمٌ بِسَبا الكَتّانِ مُلْثُومُ أرادَ: بِسَبائِبَ الكَتّانِ: وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في مَثْلِهِ: حَتّى إذا ما لَمْ أجِدْ غَيْرَ الشَرِّ ∗∗∗ كُنْتُ امْرِءًا مِن مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ وهَذا بابٌ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشِعْرِ فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ ﴾ الآيَةُ.

اخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "هَذانِ" فَقالَ قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ، وهِلالُ بْنُ يُسافٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُتَبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم سِتَّةٌ: حَمْزَةُ، وعَلَيٌّ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، بَرَزُوا لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ أنَّهُ قالَ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأقْسَمَ أبُو ذَرٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَلى هَذا القَوْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقْعَ أنَّ الآيَةَ فِيهِمْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ وأهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ بَيْنَهم تَخاصُمْ، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أقْدَمُ دِينًا مِنكم ونَحْوَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: المُخاصَمَةُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والحُسْنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعاصِمْ، والكَلْبِيُ: الإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ عَلى العُمُومِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ تُعَضِّدُهُ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكَثِيرٌ مِنَ الناسِ ﴾ ، المَعْنى: فَهم مُؤْمِنُونَ ساجِدُونَ، ثُمْ قالَ: ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ﴾ ، ثُمْ أشارَ إلى هَذَيْنَ الصِنْفَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ ﴾ ، والمَعْنى أنَّ الإيمانَ وأهْلَهُ والكُفْرَ وأهْلَهُ خَصْمانِ مُذْ كانا إلى قِيامِ الساعَةِ بِالعَداوَةِ والجِدالِ والحَرْبِ.

وقَوْلُهُ: "خَصْمانِ" يُرِيدُ: طائِفَتَيْنِ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ خَصْمٍ هي مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والواحِدُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ الجَمْعَ قَوْلُهُ تَعالى: "اخْتَصَمُوا"، فَإنَّها قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "اخْتَصَما في رَبِّهِمْ".

وقَوْلُهُ: "فِي رَبِّهِمْ" مَعْناهُ: في شَأْنِ رَبِّهِمْ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: في رِضى رَبِّهِمْ، وفي ذاتِهِ.

ثُمْ بَيَّنَ حُكْمَ الفَرِيقَيْنِ، فَتَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفّارَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ، و "قُطِّعَتْ" مَعْناهُ: جُعِلَتْ لَهم بِتَقْدِيرٍ كَما يُفَصَّلُ الثَوْبُ، ورُوِيَ أنَّها مِن نُحاسٍ، وقِيلَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحِجارَةِ أحَرَّ مِنهُ إذا حَمِيَ.

ورُوِيَ في صَبِّ الحَمِيمِ - وهو الماءُ المَغْلِيُّ- أنَّهُ تُضْرَبُ رُؤُوسُهم بِالمَقامِعِ فَتَنْكَشِفُ أدْمِغَتُهم فَيُصَبُّ الحَمِيمُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: بَلْ يُصَبُّ الحَمِيمُ أوَّلًا فَيَفْعَلُ ما وُصِفَ ثُمْ تُضْرَبُ بِالمَقامِعِ بَعْدَ ذَلِكَ.

و "الحَمِيمُ" الماءُ المَغْلِيُّ، و "يُصْهَرُ" مَعْناهُ: يُذابُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يُعْصَرُ، وهَذِهِ العِبارَةُ قَلِقَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: يَنْضَجُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .................

∗∗∗ تَصْهَرُهُ الشَمْسُ ولا يَنْصَهِرُ وإنَّما يُشْبِهُ -فِيمَن قالَ: يُعْصَرُ- أنَّهُ أرادَ الحَمِيمَ يَهْبِطُ -كُلَّما يُلْقى- في الجَوْفِ ويَكْشِطُهُ ويَسْلِتُهُ، وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّهُ يَسْلِتُهُ ويَبْلُغُ بِهِ قَدَمَيْهِ ويُذِيبُهُ، ثُمْ يُعادُ كَما كانَ».

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَصْهَرُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُصَهَّرُ" بِفَتْحِ الصادِ وشَدِّ الهاءِ، و"المِقْمَعَةُ" -بِكَسْرِ المِيمِ- مِقْرَعَةٌ مِن حَدِيدٍ يُقْمَعُ بِها المَضْرُوبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أرادُوا" رُوِيَ فِيهِ أنَّ لَهَبَ النارِ إذا ارْتَفَعَ رَفَعَهم فَيَصِلُونَ إلى أبْوابِ النارِ فَيُرِيدُونَ الخُرُوجَ فَيُضْرَبُونَ بِالمَقامِعِ وتَرُدُّهُمُ الزَبانِيَةُ.

و "مِن" في قَوْلِهِ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن غَمٍّ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ غايَةٍ أيْضًا، وهي بَدَلٌ مِنَ الأُولى، وقَوْلُهُ: "وَذُوقُوا" هُنا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: ويُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"الحَرِيقِ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ أيْ: مُحْرِقٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "هَذانِ" بِتَخْفِيفِ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "هَذانِّ" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأها شِبْلٌ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ في المُبْهَماتِ كاللذانِ وهَذانِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مقتضى سياق السورة واتصال آي السورة وتتابعها في النزول أن تكون هذه الآيات متصلة النزول بالآيات التي قبلها فيكون موقع جملة ﴿ هذان خصمان ﴾ موقع الاستئناف البياني.

لأن قوله ﴿ وكثير حق عليه العذاب ﴾ [الحج: 18] يثير سؤال من يسأل عن بعض تفصيل صفة العذاب الذي حقّ على كثير من الناس الذين لم يسجدوا لله تعالى، فجاءت هذه الجملة لتفصيل ذلك، فهي استئناف بياني.

فاسم الإشارة المثنى مشير إلى ما يفيده قوله تعالى: ﴿ وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ﴾ [الحج: 18] من انقسام المذكورين إلى فريقين أهل توحيد وأهل شرك كما يقتضيه قوله: ﴿ وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ﴾ [الحج: 18] من كون أولئك فريقين: فريق يسجد لله تعالى، وفريق يسجد لغيره.

فالإشارة إلى ما يستفاد من الكلام بتنزيله منزلة ما يشاهد بالعين، ومثلها كثير في الكلام.

والاختصام: افتعال من الخصومة، وهي الجدل والاختلاف بالقول يقال: خاصمه واختصما، وهو من الأفعال المقتضية جَانبين فلذلك لم يسمع منه فعل مجرد إلا إذا أريد منه معنى الغلب في الخصومة لأنه بذلك يصير فاعله واحداً.

وتقدم قوله تعالى: ﴿ ولا تكن للخائنين خصيماً ﴾ في [سورة النساء: 105].

واختصام فريقي المؤمنين وغيرهم معلوم عند السامعين قد ملأ الفضاءَ جلبتُه، فالإخبار عن الفريقين بأنهما خصمان مسوق لغير إفادة الخبر بل تمهيداً للتفصيل في قوله ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ .

فالمراد من هذه الآية ما يعمّ جميع المؤمنين وجميع مخالفيهم في الدّين.

ووقع في «الصحيحين» عن أبي ذرّ: أنه كان يُقسِم أنَّ هذه الآية ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ نزلت في حمزة وصاحبيه عليّ بن أبي طالب وعتبةَ بن الحارث الذين بارزوا يوم بدر شَيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليدَ بن عتبة.

وفي «صحيح البخاري» عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمان للخصومة يوم القيامة.

قال قيس بن عُبادة: وفيهم نزلت ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ .

قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي، وحمزة، وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.

وليس في كلام عليّ أنّ الآية نزلت في يوم بدر ولكن ذلك مدرج من كلام قيس بن عُبادة، وعليه فهذه الآية مدنيّة فتكون ﴿ هذان ﴾ إشارة إلى فريقين حاضرين في أذهان المخاطبين فنُزّل حضورُ قصتهما العجيبة في الأذهان منزلة المشاهدة حتى أعيد عليها اسم الإشارة الموضوع للمشاهد، وهو استعمال في كلام البُلغاء، ومنه قول الأحنف بن قيس: «خرجتُ لأنصر هذا الرجل» يريد عليّ بن أبي طالب في قصة صفّين.

والأظهر أن أبا ذر عنى بنزول الآية في هؤلاء أن أولئك النفر الستة هم أبرز مثال وأشهر فرد في هذا العموم، فعبر بالنزول وهو يريد أنهم ممن يقصد من معنى الآية.

ومثل هذا كثير في كلام المتقدمين.

والاختصام على الوجه الأول حقيقي وعلى الوجه الثاني أطلق الاختصام على المبارزة مجازاً مرسلاً لأن الاختصام في الدين هو سبب تلك المبارزة.

واسم الخصم يطلق على الواحد وعلى الجماعة إذا اتحدت خصومتهم كما في قوله تعالى: ﴿ وهل أتاك نبأ الخصم إذا تسوروا المحراب ﴾ [ص: 21] فلمراعاة تثنية اللفظ أتي باسم الإشارة الموضوع للمثنى ولمراعاة العدد أتي بضمير الجماعة في قوله تعالى: ﴿ اختصموا في ربهم ﴾ .

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ في شأنه وصفاته، فالكلام على حذف مضاف ظاهر.

وقرأ الجمهور ﴿ هاذان ﴾ بتخفيف النون.

وقرأه ابن كثير بتشديد النون وهما لغتان.

والتقطيع: مبالغة القطع، وهو فصل بعض أجزاء شيء عن بقيته.

والمراد: قطع شُقّة الثوب.

وذلك أنّ الذي يريد اتخاذ قميص أو نحوه يقطع من شقة الثوب ما يكفي كما يريده، فصيغت صيغة الشدة في القطع للإشارة إلى السرعة في إعداد ذلك لهم فيجعل لهم ثياب من نار.

والثياب من النار ثياب محرقة للجلود وذلك من شؤون الآخرة.

والحميم: الماء الشديد الحرارة.

والإصهار: الإذابة بالنار أو بحرارة الشمس، يقال: أصْهره وصهّره.

وما في بطونهم: أمعاؤهم، أي هو شديد في النفاذ إلى باطنهم.

والمقامع: جمع مِقمعة بكسر الميم بصِيغة اسم آلة القَمع.

والقمع: الكف عن شيء بعنف.

والمقمعة: السوط، أي يُضربون بسياط من حديد.

ومعنى ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ﴾ أنهم لشدة ما يغمهم، أي يمنعهم من التنفس، يحاولون الخروج فيُعَادون فيها فيحصل لهم ألم الخيبة، ويقال لهم: ذوقوا عذاب الحريق.

والحريق: النار الضخمة المنتشرة.

وهذا القول إهانة لهم فإنهم قد علموا أنهم يذوقونه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ ﴾ والخَصْمانِ ها هُنا فَرِيقانِ، وفِيهِما أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُما المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ حِينَ اقْتَتَلُوا في بَدْرٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي ذَرٍّ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاثَةً مِنَ المُشْرِكِينَ فَقَتَلُوهم.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ قالُوا: نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم.

وَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكم، فَقالَ المُسْلِمُونَ كِتابُنا يَقْضِي عَلى كِتابِكم، ونَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ.

وَنَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الإيمانِ والشِّرْكِ في اخْتِلافِهِمْ في البَعْثِ والجَزاءِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ.

والرّابِعُ: هُما الجَنَّةُ والنّارُ اخْتَصَمَتا، فَقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِنِقْمَتِهِ، وقالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي اللَّهُ لِرَحْمَتِهِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

﴿ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ ﴾ مَعْناهُ أنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ كَإحاطَةِ الثِّيابِ المَقْطُوعَةِ إذا لَبِسُوها عَلَيْهِمْ، فَصارَتْ مِن هَذا الوَجْهِ ثِيابًا، لِأنَّها بِالإحاطَةِ كالثِّيابِ.

﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ ها هُنا هو الماءُ الحارُّ، قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّ الحَمِيمَ عَلى مَتْنِها إذا اغْتَرَفَتْهُ بِأطْساسِها ∗∗∗ جُمانٌ يَحِلُّ عَلى وجْنَةٍ ∗∗∗ عَلَتْهُ حَدائِدُ دُوّاسِها وَضَمَّ الحَمِيمَ إلى النّارِ وإنْ كانَتْ أشَدَّ مِنهُ لِأنَّهُ يُنْضِجُ لُحُومَهم، والنّارُ بِانْفِرادِها تَحْرِقُها، فَيَخْتَلِفُ بِهِ العَذابُ فَيَتَنَوَّعُ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في النَّكالِ.

وَقِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في ثَلاثَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قَتَلُوا ثَلاثَةً مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ قَتَلَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قَتَلَ الوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ قَتَلَ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُحْرَقُ بِهِ وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

والثّانِي: يُقْطَعُ بِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: يُنْضَجُ بِهِ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: شَكَّ السَّفافِيدِ الشِّواءَ المُصْطَهَرْ والرّابِعُ: يُذابُ بِهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: صَهَرْتُ الألْيَةَ إذا أذَبْتَها، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ: تَرْوِي لَقًى أُلْقِيَ في صَفْصَفٍ ∗∗∗ تَصْهَرُهُ الشَّمْسُ فَما يَنْصَهِرْ ﴿ وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ ﴾ والمَقامِعُ: جَمْعُ مِقْمَعَةٍ، والمِقْمَعَةُ ما يُضْرَبُ بِهِ الرَّأْسُ لا يَعِيَ فَيَنْكَبَّ أوْ يَنْحَطَّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ﴾ الآية.

قال: سجود ظل هذا كله ﴿ وكثير من الناس ﴾ قال: المؤمنون ﴿ وكثير حق عليه العذاب ﴾ قال: هذا الكافر سجود ظله وهو كاره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: سجود كل شيء فيئه، وسجود الجبال فيئها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الثوب يسجد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي العالية رضي الله عنه قال: ما في السماء من شمس ولا قمر ولا نجم، إلا يقع ساجداً حتى يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى معلمه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: إذا فاء الفيء لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يطوف بالبيت ويبكي، فإذا هو طاوس!

فقال: عجبت من بكائي؟

قلت: نعم.

قال: ورب هذه البنية، إن هذا القمر ليبكي من خشية الله ولا ذنب له.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: مر رجل على عبدالله بن عمرو وهو ساجد في الحجر وهو يبكي فقال: أتعجب أن أبكي من خشية الله وهذا القمر يبكي من خشية الله...؟

وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس رضي الله عنه في الآية قال: لم يستثن من هؤلاء أحداً، حتى إذا جاء ابن آدم استثناه فقال: ﴿ وكثير من الناس ﴾ قال: والذي أحق بالشكر هو أكثرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة والخلعي في فوائده، عن علي أنه قيل له: إن هاهنا رجلاً يتكلم في المشيئة.

فقال له علي: يا عبدالله، خلقك الله لما يشاء أو لما شئت؟

قال: بل لما يشاء.

قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟

قال: بل إذا شاء.

قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟

قال: بل إذا شاء.

قال: فيدخلك الجنة حيث شاء أو حيث شئت؟

قال: بل حيث شاء.

قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقسم قسماً إن هذه الآية ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...

﴾ إلى قوله: ﴿ ان الله يفعل ما يريد ﴾ نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، وعليّ بن أبي طالب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة.

قال علي رضي الله عنه: أنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير والبيهقي من طريق قيس بن عبادة، عن علي رضي الله عنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة.

قال قيس: فيهم نزلت ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد ابن عتبة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما بارز علي وحمزة وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد، قالوا لهم: تكلموا نعرفكم.

قال: أنا علي، وهذا حمزة، وهذا عبيدة.

فقالوا: أكفاء كرام!

فقال علي: أدعوكم إلى الله وإلى رسوله.

فقال عتبة: هلم للمبارزة.

فبارز علي شيبة فلم يلبث أن قتله، وبارز حمزة عتبة فقتله، وبارز عبيدة الوليد فصعب عليه فأتى علي فقتله.

فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان...

﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: لما التقوا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة: لا تقتلوا هذا الرجل، فإنه إن يكن صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يكن كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه.

فقا أبو جهل بن هشام: لقد امتلأت رعباً.

فقال عتبة: ستعلم أينا الجبان المفسد لقومه.

قال: فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا: «ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلهم.

فوثب غلمة من الأنصار من بني الخزرج، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلسوا...

قوموا يا بني هاشم.

فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فبرزوا لهم، فقال عتبة: تكلموا نعرفكم أن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم.

قال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب...

أنا أسد الله وأسد رسوله.

فقال عتبة: كفء كريم!

فقال علي: أنا علي بن أبي طالب...

فقال: كفء كريم!

فقال عبيدة.

أنا عبيدة بن الحارث...

فقال عتبة: كفء كريم!

فأخذ حمزة شيبة بن ربيعة، وأخذ علي بن أبي طالب عتبة بن ربيعة، وأخذ عبيدة الوليد.

فأما حمزة، فأجاز على شيبة، وأما علي فاختلفا ضربتين، فأقام فأجاز على عتبة، وأما عبيدة فأصيبت رجله.

قال: فرجع هؤلاء وقتل هؤلاء، فنادى أبو جهل وأصحابه: لنا العزى ولا عزى لكم، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.

فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...

﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن لاحق بن حميد قال: نزلت هذه الآية يوم بدر ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.

ونزلت ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إلى قوله: ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ في علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن قال: هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً، ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فكان ذلك خصومتهم في ربهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم وقال المسلمون: إن كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله أهل الإسلام على من ناوأهم فأنزل الله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم...

﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب الحريق ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ قال: هما الجنة والنار اختصمتا فقالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ قال: الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ قطعت لهم ثياب من نار ﴾ من نحاس، وليس من الآنية شيء إذا حمي اشتد بأحر منه.

وفي قوله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم ﴾ قال: النحاس يذاب على رؤوسهم.

وفي قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ قال: تسيل أمعاؤهم والجلود، قال: تتناثر جلودهم حتى يقوم كل عضو بحياله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي، أنه قرأ قوله: ﴿ قطعت لهم ثياب من نار ﴾ قال: سبحان من قطع من النار ثياباً.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: كسي أهل النار والعري كان خيراً لهم، وأعطوا الحياة والموت كان خيراً لهم.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه، عن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدمه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكليتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه يكرهه فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفدغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه.

فذلك قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية، عن سعيد ابن جبير قال: إذا جاء أهل النار في النار استغاثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختنست جلود وجوههم، فلو أن ماراً يمر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم بها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد سقطت عنه الجلود و ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم، ثم يضربون.

بمقامع من حديد فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالويل والثبور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ قال: يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم.

وفي قوله: ﴿ ولهم مقامع من حديد ﴾ قال: يضربون بها فيقع كل عضو على حياله.

وأخرج ابن الأنباري والطستي في مسائله، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ يصهر ﴾ قال: يذاب ﴿ ما في بطونهم ﴾ إذا شربوا الحميم.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: سخنت صهارته فظل عثانه ** في شيطل كعب به تتردد وظل مرتثياً للشمس تصهره ** حتى إذا الشمس قامت جانباً عدلاً وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴾ قال: يسقون ماء إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ قال: يذاب إذابة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة ﴿ يصهر به ﴾ قال: يذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله: ﴿ يصهر به ﴾ قال: يذاب كما يذاب الشحم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ولهم مقامع ﴾ قال: مطارق.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد.

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان، ما أقلوه في الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان» .

وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها.

ثم قرأ ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر القاري، أنه قرأ هذه الآية ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فبكى وقال: أخبرني زيد بن أسلم في هذه الآية ان أهل النار في النار لا يتنفسون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض في الآية قال: والله ما طمعوا في الخروج؛ لأن الأرجل مقيدة والأيدي موثقة، ولكن يرفعهم لهبها وتردهم مقامعها.

وأخرج البخاري ومسلم عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» .

وأخرج النسائي والحاكم عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب في الآخرة» .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن ابن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» قال ابن الزبير من قبل نفسه: ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ ولباسهم فيها حرير ﴾ .

وأخرج النسائي والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ ﴾ يعني: الفرق الخمسة الكافرة والمؤمنين، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية.

فالخصم: اسم للواحد وللجميع، فقدله هذان ﴿ خَصْمَانِ ﴾ كالفئتين، لذلك قال ﴿ خَصْمَانِ ﴾ لأنهما جمعان.

قاله الزجاج (١) وزاد الفراء: وليسا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صوابًا، ومثله: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا  ﴾ يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز (٢) وذكرنا معنى الاختصام عند قوله: ﴿ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا  ﴾ .

وقوله: ﴿ فِي رَبِّهِمْ ﴾ أي: في دين ربهم.

قال الكلبي: وذلك أن اليهود والنصارى قالوا نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم وديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم.

فقال المسلمون: بل نحن أولى وأحق بالله، آمنا بكتابنا ونبينا ونبيكم، وكفرتم أنتم بنبينا حسدًا.

فكان هذا خصومتهم في ربهم (٣) هذا قول مجاهد والحسن (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وروي عن أبي ذر وعلي  ما أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر من الفريقين، وكان من المسلمين حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث (٩) (١٠) (١١) والظاهر هو الأول للإشارة بقوله ﴿ هَذَانِ ﴾ إلى الفئتين المذكورتين في قول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية (١٢) وروي عن عكرمة أنه قال: الخصمان هما الجنة والنار (١٣) (١٤) ثم بيّن الله تعالى حال الفريقين فقال: ﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال ابن عباس: يعني أهل الخمسة الأديان (١٥) ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ﴾ قال الأزهري: أي (١٦) (١٧) قال ابن عباس: يريد حين صاروا إلى جهنم لبسوا المقطعات مقطعات النيران (١٨) قال شمر: المقطعات من الثياب كل ثوب يقطع ثم يخاط (١٩) وهذا القول هو الصحيح في تفسير المقطعات (٢٠) قال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن الثياب التي من (نار) (٢١) (٢٢) (٢٣) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 419.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 220.

(٣) روى الطبري 17/ 132 عن عاصم والكلبي أنهما قالا: أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل.

وذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 49 أعن الكلبي قال: هم المؤمنون والكافرون.

(٤) رواه الطبري 17/ 132 عن مجاهد والحسن قالا: هم المؤمنون والكافرون.

(٥) لم أجد من ذكره من رواية عطاء، لكن رواه الطبري 17/ 132 من رواية العوفي == بنحو ما ذكره الواحدي هنا عن الكلبي.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 20 وعزاه لابن جرير وابن مردويه.

(٦) انظر: الطبري 17/ 132، " الكشف والبيان" 3/ 49 أ، و"الدر المنثور" 6/ 20.

(٧) انظر: "معاني القرآن" 3/ 419 فقد ذكر نحو رواية الكلبي.

(٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 219، فقد ذكره نحو رواية الكلبي.

(٩) هو: عبيدة بر الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي، المطلبي.

أحد السابقين الأولين.

أسلم قديما، وكان مع النبي -  - بمكة، ثم هاجر، وشهد بدرًا وبارز فيها وأصيب في المبارزة، فاحتمل وبه رمق، ثم توفي بالصفراء -قرية بين المدينة وينبع- في العشر الأخير من رمضان سنة اثنين من الهجرة  .

وكان ابن ثلاث وستين سنة.

"طبقات ابن سعد" 3/ 50، "الاستيعاب" 3/ 1020، "أسد الغابة" 3/ 356، "سير أعلام البنلاء" 1/ 256، "الإصابة" 2/ 442.

(١٠) هو: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، أحد زعماء قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وناصبه العداء، قتله حمزة  يوم بدر بعد مبارزته.

"السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 356، "البداية والنهاية" 3/ 277، "الأعلام" للزركلي 3/ 181.

(١١) روى البخاري كتاب: التفسير -سورة الحج- باب: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ 8/ 443، ومسلم كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ 4/ 2323 عن أبي ذر  أنه كان يقسم قسمًا إن هذه == الآية ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ نزلت في حمزة وصاحبه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر.

وروى البخاري كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل 7/ 297، والنسائي في "تفسيره" 2/ 85 عن علي  قال: فينا نزلت هذه الآية ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ .

(١٢) واختاره الطبري 17/ 133.

قال ابن كثير 3/ 212: وقول مجاهد وعطاء أن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله -عَزَّ وَجَلَّ- والكافرون يريدون إطفاء نور إيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهو اختيار ابن جرير وهن حسن، ولهذا قال "فالذين كفروا ...

أهـ.

(١٣) رواه الطبري 17/ 132 - 133.

(١٤) قال الألوسي في "روح المعاني" 17/ 134: وأما ما قيل من أن المراد بهذين الخصمين الجنة والنار فلا ينبغي أن يختلف في عدم قبوله خصمان أو ينتطح فيه كبشان.

(١٥) ذكره القرطبي 12/ 26 بمعناه من غير نسبة.

(١٦) (أي): ساقط من (ظ) ، (د)، (ع).

(١٧) "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 188 (قطع).

(١٨) ذكره عنه بمعناه ابن الجوزي 5/ 417، وذكره البغوي 8/ 374 وصدره بقوله: وقال بعضهم.

وذكره القرطبي 12/ 26 من غير نسبة.

(١٩) قول شمر في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 188 - 189 (قطع).

(٢٠) قال أبو حيان 6/ 36: والظاهر أن هذا المقطع من النار.

(٢١) في (أ): (من النار)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المعاني.

(٢٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 419.

(٢٣) رواه الطبري 17/ 133، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 21 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هذان خَصْمَانِ ﴾ الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم، ويدل على ذلك ما ذكر قبلها من اختلاف الناس في أديانهم، وهو قول ابن عباس، وقيل: نزلت في علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث حين برزوا يوم بدر لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فالآية على هذا مدنية إلى تمام ست آيات، والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد به هنا الجماعة، والإشارة بهذان الفريقين ﴿ اختصموا فِي رَبِّهِمْ ﴾ أي في دينه وفي صفاته، والضمير في اختصموا لجماعة الفريقين ﴿ فالذين كَفَرُواْ ﴾ الآية: حكم بين الفريقين، بإن جعل للكفار النار وللؤمنين الجنة المذكورة بعد هذا ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ أي فصلت على قدر أجسادهم، وهو مستعارمن تفصيل الثياب ﴿ الحميم ﴾ الماء الحارّ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سكرى ﴾ في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ﴿ ونقر ﴾ ﴿ ثم نخرجكم ﴾ بالنصب فيهما: المفضل ﴿ وربأت ﴾ بالهمزة حيث كان.

يزيد ﴿ ليضن ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ خاسر الدنيا ﴾ اسم فاعل منصوباً على الحالية.

روح وزيد ﴿ ثم ليقطع ﴾ ﴿ ثم ليقضوا ﴾ بكسر اللام فيهما: ابو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق القواس في ﴿ ليقضوا ﴾ وزاد ابن عامر ﴿ وليوفوا ﴾ ﴿ وليطوفوا ﴾ وقرأ الأعشى ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد ﴿ وليوفوا ﴾ بالتشديد وسكون اللام.

الباقون بالتخفيف والسكون ﴿ هذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ ربكم ﴾ ج على تقدير فإِن ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ مريد ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ لنبين لكم ﴾ ط لأن التقدير ونحن نقر ومن قرأ بالنصب لم يقف ﴿ اشدكم ﴾ ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بهيج ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه لا للعطف ﴿ فيها ﴾ لا ﴿ القبور ﴾ ه ﴿ منير ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ الحريق ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ حرف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ به ﴾ لا للعطف مع الفاء مع الاستقلال ﴿ على وجهه ﴾ ق إلا لمن قرأ ﴿ خاسر الدنيا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ من ينفعه ﴾ ط ﴿ العشير ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ما يغيظ ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ ط ﴿ من يريد ﴾ ه ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ من الناس ﴾ ط وقيل: ﴿ يوصل ﴾ ويوقف على ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ مكرم ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ في ربهم ﴾ ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما ﴿ فالذين كفروا ﴾ والثاني ﴿ أن الله يدخل ﴾ ﴿ من نار ﴾ ج ه ﴿ الحميم ﴾ ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً أو وصفاً على أن اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني.

﴿ والجلود ﴾ ه ط ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ الحريق ﴾ ه.

التفسير: إنه قد أنجر الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله  في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي خير زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب.

ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد المتقي يتركها.

يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلاً في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله  فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما اصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدراً وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها  ﴾ ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل الاشياء عن مقارها ومراكزها.

والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك "زلزلت الساعة الأرض" أو إلى المفعول فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله في القيامة قاله الحسن.

وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة بمعنى اللام كقولك "اشراط الساعة" قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء لأن الله  سمى زلزلة الساعة شيئاً مع أنها معدومة.

أجابت الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئاً عظيماً.

وانتصب ﴿ يوم ترونها ﴾ أي الزلزلة بقوله ﴿ تذهل ﴾ أي تغفل عن دهشة ﴿ كل مرضعة ﴾ وهي التي ترضع بالفعل مباشرة لإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائط وطالق.

وفي هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغاً لو القمت المرضعة الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف.

و"ما" في ﴿ عما ارضعت ﴾ مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل.

عن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.

وإنما قال ﴿ كل ذات حمل ﴾ دون كل حامل ليكون نصاً في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول.

قال القفال: ذهول المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله ﴿ يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ وترى الناس ﴾ أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعاً، وأما السكر الشامل للناس فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي  قوله ﴿ سكارى وما هم بسكارى ﴾ أثبت السكر أولاً على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانياً على التحقيق إذ لم يشربوا خمراً وهذه أمارة كل مجاز.

روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك.

فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.

قال: يا رب وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم فقالوا: يا رسول الله اينا ذلك الرجل؟

فقال رسول الله  : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور البيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود" .

واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون.

وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله.

ثم اراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ نظيره ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ وقد مر إعرابه في أول البقرة.

ومعنى ﴿ في الله ﴾ في شأن الله وفيما يجوز عليه ومالا يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله ﴿ بغير علم ﴾ أن المعارف كلها ليست ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله ﴿ مردوا على النفاق  ﴾ والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر.

عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من بلي وصار تراباً.

ومعنى ﴿ كتب عليه ﴾ قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال.

وقيل: المراد كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان اي جعله ولياً له اضله عن طريق الجنة وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل ﴿ كتب ﴾ والثاني عطف عليه.

وفيه نظر لأن "من" يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة.

والصحيح أن قوله ﴿ فأنه ﴾ مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه أن يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت "من" موصوفة تقديره كتب على من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه عموماً على فساد طريقه المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفاناً أي يسيل سيلاً تاماً مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس.

قال الجوهري: المخلقة التامة الخلق.

وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم.

وقال مجاهد: المخلقة الولد يخرج حياً، غير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحماً من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟

فإن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دماً، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أو أنثى ما رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟

فيقول  : انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي آخر صفتها.

وقوله ﴿ لنبين لكم ﴾ غاية لقوله ﴿ خلقناكم ﴾ أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور غلى طور لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا.

وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك المبين مما لا يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: اراد إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبيِّن لكم ما يزيل ريبكم في أمر بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟

ولما بين كيفية خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فاسقط القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلاً ﴿ ونقر في الأرحام ما نشاء ﴾ أن نقره من ذلك ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو كمال ستة اشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت بالاستقراء ﴿ ثم نخرجكم ﴾ أي كل واحد منكم طفلاً، أو الغرض الدلالة على الجنس فاكتفي بالواحد، ﴿ ثم ﴾ نربيكم شيئاً بعد شئ ﴿ لتبلغوا اشدكم ﴾ ومن قرأ ﴿ ونقر ﴾ بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغايتين: إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا وتنسلوا وتبلغوا أحد التكليف.

والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ﴾ وقد مر في "النحل" شبيهه فليرجع إليه.

ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضاً فقال ﴿ وترى ﴾ أي تشاهد أيها المستحق للخطأ ﴿ الأرض ﴾ حال كونها ﴿ هامدة ﴾ ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك.

همدت النار هموداً طفئت وذهبت بكليتها وهمد الثوب هموداً بلي ﴿ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ﴾ تحركت ولا يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط ﴿ وربت ﴾ انتفخت وزادت كما مر في قوله ﴿ زبداً رابياً  ﴾ وذلك في "الرعد" والمراد كمال تهيؤ الرض لظهور النبات منها.

ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم "ربأ القوم" إذا كان لهم طليعة فوق شرف.

ثم اشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ﴿ وأنبتت من كل زوج ﴾ أي بعضاً من كل صنف.

﴿ بهيج ﴾ والبهجة النضارة وحسن الحال ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل.

وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز لأن المنبت بالحقيقة هو الله ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (بـ) أمور خمسة: الأول ﴿ أن الله هو الحق ﴾ الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لاحق في الحقيقة إلا هو فما سواه يكون مستنداً إلى خلقه وتكوينه لا محالة.

الثاني أنه من شأنه إحياء الموتى.

الثالث ﴿ أنه على كل شيء قدير ﴾ وهذا كالبيان لما تقدمه فإن القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة الممكنات وبيان إمكانه ظاهر.

فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولاً فإن ما بالذات لا يزول بالغير.

الرابع والخامس قوله ﴿ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ﴾ قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة والبعث فلا بد أن يفي بما وعد.

قلت: إن هذا التفسير غير وافٍ فلقائل أن يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا ﴿ إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ﴾ بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق.

وهذا كلام غير منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلاً: لا تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة.

والذي يسنح لي في تفسيره أنه  أزال الشك في أمر البعث بقوله ﴿ إن كنتم في ريب من البعث ﴾ فمزيل ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسال لم خلق الإنسان وما يترتب عليه معاشه؟

فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسباباً فاعلية وأسباباً غائية، أما الأولى فهي أنه  واجب الوجود الحق وأنه قادر على كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل هو أن يتعلق بكل مقدور يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتاً في القسمة لأنه واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ما يتوقف عليه بقاؤه واستكماله.

وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا له داراً أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور.

ولعل هذا الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صواباً والله  أعلم بمراده.

قوله ﴿ ومن الناس من يجادل ﴾ عن ابن عباس أنه أبو جهل.

وقيل: هو النضر أيضاً وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين فإنهم قد يجادلون تصويباً لتقليدهم.

وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ﴿ ليضل عن سبيل الله ﴾ قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق بالوحي.

قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب.

وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن راسه إلى وركه ويقال: "فلان ثنى عطفه عني" اي أعرض.

وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد.

قال جار الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضاً له فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي ههنا بما اصابه يوم بدر.

﴿ ذلك ﴾ الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ بما قدمت يداك ﴾ وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر "آل عمران".

ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق بقوله ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف ﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا مثل لكونه مضطرباً في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال.

قال الكلبي: نزلت في أعاريب قدموا المدنية فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سرياً وولدت امرأته غلاماً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن به وقر.

وإن كان الأمر بخلافه قال: ما اصبت إلا شراً وانقلب عن دينه الذي أظهره بلسانه وفر.

وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة.

وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس بن مرداس.

وعن أبي سعيد الخدري أن رجلاً من اليهود اسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي  فقال: أقلني.

فقال: إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الاية.

والفتنة ههنا مخصوصة بالابتداء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير ايضاً قد يكون سبباً للابتلاء كقوله ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ﴾ ثم حكى حاله في الدارين بقوله ﴿ خسر الدنيا والآخرة ﴾ أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب ابد الآباد، ولا خسران أبين من هذا نعوذ بالله منه.

وفي قوله ﴿ يدعو من دون الله ﴾ الآية.

دلالة على أن المذكور قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

قوله ﴿ يدعو لمن ضره ﴾ الآية.

فيه بحث لفظي وبحث معنوي.

أما الأول فهو أن ﴿ يدعو ﴾ بمعنى "يقول" والجملة بعده محكية، و"من" موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو ﴿ لبئس المولى ﴾ خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله "أم الحليس لعجوز" فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون ﴿ يدعو ﴾ تكراراً للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور.

وفي حرف عبد الله ﴿ من ضره ﴾ بغير لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لبئس المولى ﴾ جملة مستقلة.

والمولى الناصر، والعشير المعاشر اي الصاحب.

وأما البحث المعنوي فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولاً ثم أثبتهما لها ثانياً حين قال ﴿ ضره أقرب من نفعه ﴾ فما وجه ذلك؟

والجواب أن المقصود في الاية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء.

سلمنا أنه أراد في الموضعين الصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازاً لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره ﴿ رب إِنهن أَضللن كثيراً من الناس  ﴾ وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند الله.

والمراد يقول: هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ﴿ لمن ضره اقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ﴾ ذلك، أو أراد يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبوداً أقرب من نفعه بكونه شفيعاً لبئس المولى.

ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ إن الله يفعل ما يريد ﴾ دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق.

أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره.

قوله  ﴿ من كان يظن أن لن ينصره الله ﴾ في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى محمد  للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟

قيل: كذا قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون النصر فنزلت.

وعندي في هذا القول بعد.

وعن مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمداً فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم.

وكان حساده وأعداؤه يتوقعون أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله  يفعل خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه، وليس ذلك غلا بأن يمد حبلاً إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله كيداً حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده وإنما كاد به نفسه.

والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله.

ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه.

الوجه الثاني أن الضمير عائد إلى "من" والنصر الرزق.

قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله.

ووجه النظم من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزقاً.

وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال ﴿ وكذلك أنزلناه ﴾ أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله ﴿ آيات بينات وأن الله ﴾ حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم به اي ولأن الله ﴿ يهدي من يريد ﴾ أنزله كذلك مبيناً.

قالت الأشاعرة: المراد بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز، لأن الله  فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله ﴿ يهدي من يريد ﴾ يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة.

أجاب القاضي عبد الجبار بأنه اراد تكليف من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحاً، أو يهدي به الذين يعلم منهم الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن بقوله ﴿ إن الله يهدي ﴾ من قبل لا من لم يقبل.

واعترض بأن الله  وتعالى ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على الله وقوله ﴿ من يريد ﴾ ينافي الوجوب.

ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله  وهو الإسلام وخمسة للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد  وبعدم الاعتراف به، والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان وبنبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو متنبئ، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس ههنا لأن الصابئين مقدمة عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران اي والصابئون كذلك أو هم والنصارى ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضاً ﴿ إن الله على كل شيء شهيد ﴾ فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ﴿ الم تر ﴾ أي تعلم بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله ﴿ وكثير من الناس ﴾ ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ﴿ ومن في الأرض ﴾ يتناول الثقلين جميعاً والعطف يوهم التخصيص بالبعض.

ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله فيها لأن اللفظ المشرتك لا يصح استعماله في مفهوميه معاً، فهو إذن مرفوع بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة أيضا.

وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله ﴿ حق عليه العذاب ﴾ أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذي هم الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ أو قوله ثانياً ﴿ وكثير ﴾ تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل لم يكرمه أحد إلى الأبد.

عن ابن عباس أن قوله ﴿ هذان خصمان ﴾ راجع أهل الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصفة بها المحذوف.

وإنما قيل ﴿ اختصموا ﴾ نظراً إلى المعنى.

وقيل: إن أقل الجمع اثنان.

ومعنى ﴿ في ربهم ﴾ أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولاً وقال الكافرون قولاً.

وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم.

وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد  وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه حسداً فنزلت.

وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها نزل في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة.

فقال علي  : أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله  يوم القيامة.

وعن عكرمة هما الجنة والنار.

قالت النار: خلقني الله لعقوبته.

وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما على محمد  والأقرب هو الأول.

وقوله ﴿ فالذين كفروا ﴾ فصل الخصومة المعني بقوله ﴿ إن الله يفصل بينهم ﴾ وقوله ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ فيه أنه  يقدر لهم نيراناً على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على الملابس بعضها فوق بعض.

وعن سعد بن جبير أن قوله ﴿ من نار ﴾ أي من نحاس أذيب بالنار كقوله ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ والحميم الماء الحار.

عن ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها.

ومعنى ﴿ يصهر ﴾ يذاب جلودهم وهو أبلغ من قوله ﴿ وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم  ﴾ لأن تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن.

قال في الكشاف: المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع ﴿ من حديد ﴾ كالمحجن يضرب على رأس الفيل.

وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها" والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم ﴾ فخرجوا ﴿ أعيدوا فيها ﴾ أو المراد بالإرادة المداناة والمشارفة كقوله ﴿ يريد أن ينقض  ﴾ وهذا أقرب كقوله ﴿ لا يخفف عنهم العذاب  ﴾ ويؤيده ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفاً.

وإنما اختصت هذه السورة بقوله ﴿ من غم ﴾ وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصاً لأنه بولغ ههنا في أهوال النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر ههنا قبل قوله ﴿ وذوقوا ﴾ بخلاف "السجدة".

وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار ههنا على ﴿ عذاب الحريق ﴾ وهناك أطنب فقيل ﴿ ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون  ﴾ وايضاً قد تقدم ذكر القول في تلك السورة كثيراً بخلافه هنا والله  أعلم.

التأويل: ﴿ إن زلزلة الساعة ﴾ هلاك الاستعداد الفطري ﴿ شيء عظيم ﴾ ﴿ وتذهب كل مرضعة ﴾ هي مواد الشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ﴿ وتضع كل ذات حمل ﴾ وهي الهيوليات ﴿ حملها ﴾ وهو الصور الكمالية التي خلقت الهوليات لأجلها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها ﴿ وما هم بسكارى ﴾ العشق والمحبة والمعرفة ﴿ فإنا خلقناكم من تراب ﴾ أي كنتم تراباً ميتاً فبعثنا التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ﴿ ونقر في الأرحام ﴾ أمهات العدم ﴿ ما نشاء إلى أجل مسمى ﴾ وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملاً في فاعليته ولكن لا تتعلق إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر حدوث العالم ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ من أطفال المكونات خارجاً من رحم العدم مستعداً للتربية والكمال.

﴿ ومنكم من يتوفى ﴾ عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ﴿ ومنكم من يرد ﴾ إلى أسفل سافلين الطبيعة ﴿ وترى ﴾ أرض القالب ﴿ هامدة فإذا أنزلنا عليها ﴾ ماء حياة المعرفة والعلم ﴿ اهتزت ﴾ ﴿ ذلك بأن الله هو الحق ﴾ في الإلهية ﴿ وإنه يحيي ﴾ القلوب الميتة ﴿ وأن الساعة ﴾ قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين ﴿ آتية وأن الله يبعث ﴾ القلوب المحبوسة في قبور الصدور ﴿ عذاب الحريق ﴾ بنار الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ﴿ من كان يظن ﴾ فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ﴿ ثم ليقطع ﴾ مادة تقدريري في الأزل ونزول أحكامي في القدور ﴿ فلينظر هل ﴾ ينقطع أم لا ﴿ هذان خصمان ﴾ يعني النفس الكافرة والروح المؤمنة ﴿ قطعت لهم ثياب ﴾ بتقطيع خياط القضاء على قدرهم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿ يصب من فوق رؤسهم ﴾ حميم الشهوات النفسانية.

وفي لفظ الفوق دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه أن الخيالات الفاسدة تنصب من الدماغ إلى القلب.

﴿ يصهر به ما في بطونهم ﴾ من الأخلاق الحميدة الروحانية ﴿ والجلود ﴾ أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ حرف (من) في ظاهر اللغة واللسان إنما يعبر به عن الممتحن من البشر والجن والملائكة، وأما الموات فإنه لا يعبر به عنه، وإنما يعبر عنه بحرف (ما)، لكن ذكر في آخره - وهو قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ...

﴾ الآية - ما يدل أنه أراد الكل: الممتحن، والموات جميعاً، حيث قال: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ ﴾ وإلا ظاهره ما ذكرنا: أنه إنما يعبر بـ (من) عن الممتحن، وبحرف (ما) عن الكل.

[و] جائز أن يكون عند الاجتماع يذكر باسم الممتحن؛ على ما يذكر عند اجتماع الذكر والأنثى باسم الذكور.

ثم ما ذكر من سجود هذه الأشياء يخرج على وجوه: أحدها: سجود خلقة، يسجد كل شيء ذكر بخلقته لله، على ما ذكرنا في التسبيح.

والثاني: سجود عبادة، وهو سجود كل ممكن من [إتيانه] وتركه، وهو سجود الممتحن.

والثالث: سجوده: بذل ما بذل في هذه الأشياء من المنافع لا يتأتى بذلها لأحد من الماء، والشمس، والشجر، والدواب، وكل شيء.

والرابع: ما ألهم هذه الأشياء من الطاعة لله والخضوع له؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ  ﴾ ألا ترى أنه ألهم الدواب معرفة إتيان الصالح لهم واتقاء المهالك؛ فجائز أن يعرفن طاعته والخضوع له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ ﴾ في الجنة ﴿ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: من خذله الله وطرده عن عبادته وبابه ﴿ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ﴾ .

أو أن يقول: ومن أهانه الله في النار بالعذاب، فما له من منجٍ ينجيه عن ذلك.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أشياء فلم يفعل، فهو يقول: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ .

وقوله: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ﴾ اختلفوا في تأويله: قال بعضهم: نزل هذا في ستة نفر تبارزوا: ثلاثة من المسلمين: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وثلاثة من المشركين: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فذلك اختصامهم.

وقال بعضهم: أهل الإسلام وأهل الكتاب في الدين: قالت اليهود والنصارى: نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم.

فقال المسلمون: بل نحن أولى بالله، آمنا بكتابنا وكتابكم، ونبيّنا ونبيكم، وبكل كتاب أنزله الله، ثم كفرتم أنتم بنبينا، وكتابنا، وبكل نبيّ كان قبل نبيكم؛ فأنزل الله  ما فصل بين المؤمنين وأهل الكتاب فقال: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بمحمد وبالقرآن، وهم اليهود والنصارى، ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: ﴿ هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ ﴾ : النار والجنة: قالت النار: جعلني الله للعقوبة للعصاة والفسقة، وقالت الجنة: جعلني الله للرحمة للأنبياء والأولياء، ونحوه.

لكن متى يكون للنار مخاصمة، وكذلك الجنة، وهو بعيد.

وقال بعضهم: اختصم المسلم والكافر في البعث.

وجائز أن يكون اختصامهم ما ذكر من أوّل السورة إلى هذا الموضع، من ذلك قوله: ﴿ ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ  ﴾ يكون اختصامهم بين هؤلاء الذين ذكرهم في هذه السورة، وهم أهل الإسلام وأهل الكفر؛ في الآية بيان ذلك، حيث قال: ﴿ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ ، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ  ﴾ .

ثم جائز أن يكون هذا الذي ذكر في الآية الأولى، حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ  ﴾ : ينزل أهل الإسلام في الجنّة وأهل الكفر في النّار، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ كقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 50].

وقوله: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴾ قيل: الحميم: الماء الحار الذي انتهى حرّه غايته.

وقوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ : قال القتبي: يصهر: يذاب، يقال: صهرت النار الشحمة، والصهارة: ما أذيب من الألية، وكذلك قال: الصّهارة: ما يبقى من الشحم والألية إذا أذيبا، يقال: صهرت الشحم: أي: أذبت، أصهره صهراً.

﴿ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ قال بعضهم: المقامع: الأعمدة من الحديد، وهو قول أبي معاذ.

وقال بعضهم: المقامع: شبه العصى، الواحدة: مقمعة.

قال أبو معاذ: يعني قوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ ﴾ أي: يذاب ما في بطونهم خاصّة، وأمّا الجلود فإنّها تحرق؛ لأن الجلد لا يصهر و لا ينصهر، وقال: هذا مثل قول العرب: (أتيته فأطعمني والله ثريداً، والله ولبنا قارصا - أي: حامضاً - والله فإزاراً ورداءً، والله وحملانا فارها) تضمر لكل شيء فعلا يشاكله، وفي القرآن مثله كثير، وكذلك في اللسان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: إن جهنم إذا جاشت، ألقت من فيها إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فيعيدهم الخزّان فيها بالمقامع، ويقول لهم الخزنة: ﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ﴾ .

وقال بعضهم: إن في جهنم دركات، فإذا اشتد العذاب بهم ينقلبون من دركة السفلى إلى دركة العليا، ويصعدون، ثم يريدون الخروج منها، فيعادون فيها، كقوله: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً  ﴾ .

وقال بعضهم: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع من حديد، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفر لهبها، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، أي: من تحت أهلها، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - لقوم رغبوا في هذه الدنيا بالتحلي بما ذكر، وتفاخروا به فيها، وهو ما ذكر: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ  ﴾ وإلا قلما يرغب الناس في الدنيا في التحلي بما ذكر إلا النساء خاصّة.

فإمّا أن ذكر للنساء أو لقوم تفاخروا به في الدنيا فوعد لهم في الآخرة ذلك ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ قال الكسائي: من قرأ: (لُؤْلُؤٍ) بالخفض فهو يخرج على أنهم: يحلون فيها من أساور من ذهب، ويحلون فيها من لؤلؤ حلية سوى الأساور.

ومن قرأ بالنصب: ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ ، أي: يحلون فيها لؤلؤاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ ، وكذلك ذكر في الخبر: "هُوَ لَهُم فِي الدنيا، ولنا في الآخرة".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ .

جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: هو قول التوحيد، وشهادة الإخلاص، وأمّا في الآخرة كقوله: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو القول الطيب الذي هدوا إليه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ : هو القرآن ﴿ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ : الإسلام وشرائعه.

وقال قتادة: ألهموا التسبيح والتحميد كما ألهموا النفس.

وقال: ﴿ ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ : هو كل قول حسن.

وقوله: ﴿ ٱلْحَمِيدِ ﴾ يحتمل ﴿ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ ﴾ ، أي: صراط الله، كقوله: ﴿ صِرَاطِ ٱللَّهِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون نعت ذلك الصراط، أي: صراط حميد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذان فريقان متخاصمان في ربهم أيهم المُحِق: فريق الإيمان, وفريق الكفر؛ ففريق الكفر تحيط بهم النار مثل إحاطة الثياب بلابسها، ويُصَبّ من فوق رؤوسهم الماء المتناهي في الحرارة.

<div class="verse-tafsir" id="91.y6mbg"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد