الآية ٢٨ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٢٨ من سورة الحج

لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ ۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 174 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن عباس : ( ليشهدوا منافع لهم ) قال : منافع الدنيا والآخرة; أما منافع الآخرة فرضوان الله ، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والربح والتجارات .

وكذا قال مجاهد ، وغير واحد : إنها منافع الدنيا والآخرة ، كقوله : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) [ البقرة : 198 ] .

وقوله : ( ويذكروا اسم الله [ في أيام معلومات ] على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) قال شعبة [ وهشيم ] عن [ أبي بشر عن سعيد ] عن ابن عباس : الأيام المعلومات : أيام العشر ، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به .

ويروى مثله عن أبي موسى الأشعري ، ومجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، وإبراهيم النخعي .

وهو مذهب الشافعي ، والمشهور عن أحمد بن حنبل .

وقال البخاري : حدثنا محمد بن عرعرة ، حدثنا شعبة ، عن سليمان ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما العمل في أيام أفضل منها في هذه " قالوا : ولا الجهاد في سبيل الله؟

قال : " ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل ، يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء " .

ورواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه .

وقال الترمذي : حديث حسن غريب صحيح .

وفي الباب عن ابن عمر ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو ، وجابر .

قلت : وقد تقصيت هذه الطرق ، وأفردت لها جزءا على حدته ، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، أنبأنا أبو عوانة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن ، من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهم من التهليل والتكبير والتحميد " وروي من وجه آخر ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، بنحوه .

وقال البخاري : وكان ابن عمر ، وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر ، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما .

وقد روى أحمد عن جابر مرفوعا : إن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله : ( والفجر وليال عشر ) [ الفجر : 1 ، 2 ] .

وقال بعض السلف : إنه المراد بقوله : ( وأتممناها بعشر ) [ الأعراف : 142 ] .

وفي سنن أبي داود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم هذا العشر .

وهذا العشر مشتمل على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة ، فقال : " أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية " .

ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر ، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله .

وبالجملة ، فهذا العشر قد قيل : إنه أفضل أيام السنة ، كما نطق به الحديث ، ففضله كثير على عشر رمضان الأخير; لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك ، من صيام وصلاة وصدقة وغيره ، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه .

وقيل : ذاك أفضل لاشتماله على ليلة القدر ، التي هي خير من ألف شهر .

وتوسط آخرون فقالوا : أيام هذا أفضل ، وليالي ذاك أفضل .

وبهذا يجتمع شمل الأدلة ، والله أعلم .

قول ثان في الأيام المعلومات : قال الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : الأيام المعلومات : يوم النحر وثلاثة أيام بعده .

ويروى هذا عن ابن عمر ، وإبراهيم النخعي ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه .

قول ثالث : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي ابن المديني ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا ابن عجلان ، حدثني نافع; أن ابن عمر كان يقول : الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام ، فالأيام المعلومات يوم النحر ويومان بعده ، والأيام المعدودات ثلاثة أيام يوم النحر .

هذا إسناد صحيح إليه ، وقاله السدي : وهو مذهب الإمام مالك بن أنس ، ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى : ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) يعني به : ذكر الله عند ذبحها .

قول رابع : إنها يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويوم آخر بعده .

وهو مذهب أبي حنيفة .

وقال ابن وهب : حدثني ابن زيد بن أسلم ، عن أبيه أنه قال : المعلومات يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق .

وقوله : ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) يعني : الإبل والبقر والغنم ، كما فصلها تعالى في سورة الأنعام وأنها ( ثمانية أزواج ) الآية [ الأنعام : 143 ] .

وقوله ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) استدل بهذه الآية من ذهب إلى وجوب الأكل من الأضاحي وهو قول غريب ، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب ، كما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ ، فأكل من لحمها ، وحسا من مرقها .

وقال عبد الله بن وهب : [ قال لي مالك : أحب أن يأكل من أضحيته; لأن الله يقول : ( فكلوا منها ) : قال ابن وهب ] وسألت الليث ، فقال لي مثل ذلك .

وقال سفيان الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم : ( فكلوا منها ) قال : كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين ، فمن شاء أكل ، ومن شاء لم يأكل .

وروي عن مجاهد ، وعطاء نحو ذلك .

قال هشيم ، عن حصين ، عن مجاهد في قوله ) فكلوا منها ) : هي كقوله : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) [ المائدة : 2 ] ، ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) [ الجمعة : 10 ] .

وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره ، واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق منها بالنصف بقوله في هذه الآية : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) ، فجزأها نصفين : نصف للمضحي ، ونصف للفقراء .

والقول الآخر : أنها تجزأ ثلاثة أجزاء : ثلث له ، وثلث يهديه ، وثلث يتصدق به; لقوله في الآية الأخرى : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) [ الحج : 36 ] وسيأتي الكلام عليها عندها ، إن شاء الله ، وبه الثقة .

وقوله : ( البائس الفقير ) ، قال عكرمة : هو المضطر الذي عليه البؤس ، [ والفقير ] المتعفف .

وقال مجاهد : هو الذي لا يبسط يده .

وقال قتادة : هو الزمن .

وقال مقاتل بن حيان : هو الضرير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( لِيَشْهُدوا مَنافِعَ لَهُمْ ) اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع فقال بعضهم:هي التجارة ومنافع الدنيا.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, قال: ثنا عمرو بن عاصم, عن أبي رزين, عن ابن عباس: ( لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ) قال: هي الأسواق.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا أبو تُمَيلة, عن أبي حمزة, عن جابر بن الحكم, عن مجاهد عن ابن عباس, قال: تجارة.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أبو أحمد, قال: ثنا سفيان, عن عاصم بن بهدلة, عن أبي رزين, في قوله: ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهُمْ ) قال: أسواقهم.

قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن واقد, عن سعيد بن جُبير: ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) قال: التجارة.

حدثنا عبد الحميد بن بيان, قال: أخبرنا إسحاق عن سفيان, عن واقد, عن سعيد بن جبير, مثله.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن واقد, عن سعيد, مثله.

حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا سنان, عن عاصم بن أبي النجود, عن أبي رزين: ( لِيَشْهَدُوا مَنافِعُ لَهُمْ ) قال: الأسواق.

وقال آخرون: هي الأجْر في الآخرة, والتجارة في الدنيا.

*ذكر من قال ذلك:- حدثنا ابن بشار, وسوار بن عبد الله, قالا ثنا يحيى بن سعيد, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ) قال: التجارة, وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة.

حدثنا عبد الحميد بن بيان, قال: ثنا إسحاق, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا عبد الحميد بن بيان, قال: ثنا سفيان, قال: أخبرنا إسحاق, عن أبي بشر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ) قال: الأجر في الآخرة, والتجارة في الدنيا.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مثله.

وقال آخرون: بل هي العفو والمغفرة.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن أبي جعفر: ( لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ) قال: العفو.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني أبو تُمَيلة, عن أبي حمزة, عن جابر, قال: قال محمد بن عليّ: مغفرة.

وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عمّ لهم منافع جميع ما يَشْهَد له الموسم، ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة, ولم يخصص من ذلك شيئا من منافعهم بخبر ولا عقل, فذلك على العموم في المنافع التي وصفت.

وقوله: ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ ) يقول تعالى ذكره: وكي يذكروا اسم الله على ما رزقهم من الهدايا والبُدْن التي أهدوها من الإبل والبقر والغنم، في أيام معلومات، وهنّ أيام التشريق في قول بعض أهل التأويل.

وفي قول بعضهم أيام العَشْر.

وفي قول بعضهم: يوم النحر وأيام التشريق.

وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك بالروايات, وبيِّنا الأولى بالصواب منها في سورة البقرة, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع، غير أني أذكر بعض ذلك أيضا في هذا الموضع.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: ( وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ ) يعني أيام التشريق.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان, قال: سمعت الضحاك في قوله: ( أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ ) يعني أيام التشريق، ( عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعام) يعني البدن.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قَتادة: ( فِي أيَّامٍ مَعْلُوماتٍ ) قال: أيام العشر, والمعدودات: أيام التشريق.

وقوله: ( فَكُلُوا مِنْها ) يقول: كلوا من بهائم الأنعام التي ذكرتم اسم الله عليها أيها الناس هنالك.

وهذا الأمر من الله جلّ ثناؤه أمر إباحة لا أمر إيجاب، وذلك أنه لا خلاف بين جميع الحُجة أن ذابح هديه أو بدنته هنالك, إن لم يأكل من هديه أو بدنته, أنه لم يضيع له فرضا كان واحبا عليه, فكان معلوما بذلك أنه غير واجب.

*ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك من أهل العلم:- حدثنا سوار بن عبد الله, قال: ثنا يحيى بن سعيد, عن ابن جُرَيج, عن عطاء, قوله: ( فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقيرَ ) قال: كان لا يرى الأكلّ منها واجبا.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن مجاهد, أنه قال: هي رخصة: إن شاء أكل, وإن شاء لم يأكل, وهي كقوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ يعني قوله: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ .

قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم, في قوله: ( فَكُلُوا مِنْها ) قال: هي رخصة, فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.

قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حجاج, عن عطاء في قوله: ( فَكُلُوا مِنْها ) قال: هي رخصة, فإن شاء لم وإن شاء لم يأكل.

حدثني عليّ بن سهل, قال: ثنا زيد, قال: ثنا سفيان, عن حصين, عن مجاهد, في قوله: ( فَكُلُوا مِنْها ) قال: إنما هي رخصة.

وقوله: ( وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ ) يقول: وأطعموا مما تذبحون أو تنحرون هنالك من بهيمة الأنعام من هديكم وبُدنكم البائس, وهو الذي به ضرّ الجوع والزمانة والحاجة, والفقير: الذي لا شيء له.

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ ) يعني: الزَّمِن الفقير.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن رجل, عن مجاهد: ( البائِسَ الفَقِيرَ ) الذي يمد إليك يديه.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: ( البائِسَ الفَقِيرَ ) قال: هو القانع.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرني عمر بن عطاء, عن عكرمة, قال: البائس: المضطر الذي عليه البؤس- والفقير: المتعفِّف.

قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, قوله: (البائِسَ) الذي يبسط يديه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقيرفيه تسعة عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ليشهدوا أي أذن بالحج يأتوك رجالا وركبانا ليشهدوا ؛ أي ليحضروا .

والشهود الحضور .

منافع لهم أي المناسك ، كعرفات والمشعر الحرام .

وقيل : المغفرة .

وقيل التجارة .

وقيل : هو عموم ؛ أي ليحضروا منافع لهم ، أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة ؛ قال مجاهد ، وعطاء ، واختاره ابن العربي : فإنه يجمع ذلك كله من نسك ، وتجارة ، ومغفرة ، ومنفعة دنيا وأخرى .

ولا خلاف في أن المراد بقوله : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم التجارة .الثانية : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام قد مضى في ( البقرة ) الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات .

والمراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر ؛ مثل قولك : باسم الله والله أكبر ، اللهم منك ولك .

ومثل قولك عند الذبح إن صلاتي ونسكي الآية .

وكان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم ، فبين الرب أن الواجب الذبح على اسم الله ؛ وقد مضى في ( الأنعام ) .الثالثة : واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر ؛ فقال مالك - رضي الله عنه - : بعد [ ص: 40 ] صلاة الإمام وذبحه ؛ إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به .

وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح .

والشافعي : دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه مع الخطبتين ؛ فاعتبر الوقت دون الصلاة ، هذه رواية المزني عنه ، وهو قول الطبري .

وذكر الربيع عن البويطي قال : قال الشافعي : ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام إلا أن يكون ممن لا يذبح ، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح .

وهذا كقول مالك .

وقال أحمد : إذا انصرف الإمام فاذبح .

وهو قول إبراهيم .

وأصح هذه الأقوال قول مالك ؛ لحديث جابر بن عبد الله قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر بالمدينة ، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نحر ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان نحر أن يعيد بنحر آخر ، ولا ينحروا حتى ينحر النبي - صلى الله عليه وسلم - خرجه مسلم ، والترمذي ، وقال : وفي الباب عن جابر ، وجندب ، وأنس ، وعويمر بن أشقر ، وابن عمر ، وأبي زيد الأنصاري ، وهذا حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم ألا يضحى بالمصر حتى يصلي الإمام .

وقد احتج أبو حنيفة بحديث البراء ، وفيه : ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين .

خرجه مسلم أيضا .

فعلق الذبح على الصلاة ولم يذكر الذبح ، وحديث جابر يقيده .

وكذلك حديث البراء أيضا ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا الحديث .

وقال أبو عمر بن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضح ؛ لقوله - عليه السلام - : من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم .الرابعة : وأما أهل البوادي ومن لا إمام له فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام ، أو أقرب الأئمة إليه .

وقال ربيعة ، وعطاء فيمن لا إمام له : إن ذبح قبل طلوع الشمس لم [ ص: 41 ] يجزه ، ويجزيه إن ذبح بعده .

وقال أهل الرأي : يجزيهم من بعد الفجر .

وهو قول ابن المبارك ، ذكره عنه الترمذي .

وتمسكوا بقوله تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، فأضاف النحر إلى اليوم .

وهل اليوم من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس ، قولان .

ولا خلاف أنه لا يجزي ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم النحر .الخامسة : واختلفوا كم أيام النحر ؟

فقال مالك : ثلاثة ، يوم النحر ويومان بعده .

وبه قال أبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد بن حنبل ، وروي ذلك عن أبي هريرة ، وأنس بن مالك من غير اختلاف عنهما .

وقال الشافعي : أربعة ، يوم النحر وثلاثة بعده .

وبه قال الأوزاعي ، وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه - وابن عباس ، وابن عمر - رضي الله عنهم - ، وروي عنهم أيضا مثل قول مالك ، وأحمد .

وقيل : هو يوم النحر خاصة وهو العاشر من ذي الحجة ؛ وروي عن ابن سيرين ، وعن سعيد بن جبير ، وجابر بن زيد أنهما قالا : النحر في الأمصار يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام .

وعن الحسن البصري في ذلك ثلاث روايات : إحداها كما قال مالك ، والثانية كما قال الشافعي ، والثالثة إلى آخر يوم من ذي الحجة ؛ فإذا أهل هلال المحرم فلا أضحى .قلت : وهو قول سليمان بن يسار ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، ورويا حديثا مرسلا مرفوعا خرجه الدارقطني : الضحايا إلى هلال ذي الحجة ؛ ولم يصح ، ودليلنا قوله تعالى : في أيام معلومات الآية ، وهذا جمع قلة ؛ لكن المتيقن منه الثلاثة ، وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به .

قال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى ، وأجمعوا أن لا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة ، ولا يصح عندي في هذه إلا قولان : أحدهما : قول مالك والكوفيين .

والآخر : قول الشافعي ، والشاميين ؛ وهذان القولان مرويان عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما ؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة ، وما خرج عن هذين فمتروك لهما .

وقد روي عن قتادة قول سادس ، وهو أن الأضحى يوم النحر وستة أيام بعده ؛ وهذا أيضا خارج عن قول الصحابة فلا معنى له .السادسة : واختلفوا في ليالي النحر هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أو لا ؟

فروي [ ص: 42 ] عن مالك في المشهور أنها لا تدخل فلا يجوز الذبح بالليل .

وعليه جمهور أصحابه وأصحاب الرأي ؛ لقوله تعالى : ويذكروا اسم الله في أيام فذكر الأيام ، وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز .

وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : الليالي داخلة في الأيام ويجزي الذبح فيها .

وروي عن مالك ، وأشهب نحوه ، ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية ، فأجاز الهدي ليلا ولم يجز الضحية ليلا .السابعة : قوله تعالى : على ما رزقهم أي على ذبح ما رزقهم .

من بهيمة الأنعام والأنعام هنا الإبل والبقر والغنم .

وبهيمة الأنعام هي الأنعام ، فهو كقولك : صلاة الأولى ، ومسجد الجامع .الثامنة : فكلوا منها أمر معناه الندب عند الجمهور .

ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر ، مع تجويزهم الصدقة بالكل وأكل الكل .

وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية .

ولقوله - عليه السلام - : فكلوا وادخروا وتصدقوا .

قال الكيا : قوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه .التاسعة : دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها .

ومشهور مذهب مالك - رضي الله عنه - أنه لا يأكل من ثلاث : جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وفدية الأذى ، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله واجبا كان أو تطوعا ، ووافقه على ذلك جماعة من السلف ، وفقهاء الأمصار .العاشرة : فإن أكل مما منع منه فهل يغرم قدر ما أكل أو يغرم هديا كاملا ؛ قولان في مذهبنا ، وبالأول قال ابن الماجشون .

قال ابن العربي : وهو الحق ، لا شيء عليه غيره .

وكذلك لو نذر هديا للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما أكل - خلافا للمدونة - لأن النحر قد وقع ، والتعدي إنما هو على اللحم ، فيغرم قدر ما تعدى فيه .قوله تعالى : وليوفوا نذورهم يدل على وجوب إخراج النذر إن كان دما أو هديا أو غيره ، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر ، وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى ؛ لأن المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص لحم ولا غيره ، فإن أكل من ذلك كان عليه هدي كامل .

والله أعلم .[ ص: 43 ] الحادية عشرة : هل يغرم قيمة اللحم أو يغرم طعاما ؛ ففي كتاب محمد ، عن عبد الملك أنه يغرم طعاما .

والأول أصح ؛ لأن الطعام إنما هو في مقابلة الهدي كله عند تعذره عبادة ، وليس حكم التعدي حكم العبادة .الثانية عشرة : فإن عطب من هذا الهدي المضمون الذي هو جزاء الصيد ، وفدية الأذى ، ونذر المساكين شيء قبل محله أكل منه صاحبه ، وأطعم منه الأغنياء ، والفقراء ، ومن أحب ، ولا يبيع من لحمه ، ولا جلده ، ولا من قلائده شيئا .

قال إسماعيل بن إسحاق : لأن الهدي المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدله ، ولذلك جاز أن يأكل منه صاحبه ويطعم .

فإذا عطب الهدي التطوع قبل أن يبلغ محله لم يجز أن يأكل منه ولا يطعم ؛ لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدي وينحر من غير أن يعطب ، فاحتيط على الناس ، وبذلك مضى العمل .

وروى أبو داود ، عن ناجية الأسلمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث معه بهدي ، وقال : إن عطب منها شيء فانحره ، ثم اصبغ نعله في دمه ، ثم خل بينه وبين الناس .

وبهذا الحديث قال مالك ، والشافعي في أحد قوليه ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ومن اتبعهم في الهدي التطوع : لا يأكل منها سائقها شيئا ، ويخلى بينها وبين الناس يأكلونها .

وفي صحيح مسلم : ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك .

وبظاهر هذا النهي قال ابن عباس ، والشافعي في قوله الآخر ، واختاره ابن المنذر ، فقالا : لا يأكل منها ولا أحد من أهل رفقته .

قال أبو عمر : قوله - عليه السلام - : ولا يأكل منها أحد ولا أحد من أهل رفقتك لا يوجد إلا في حديث ابن عباس .

وليس ذلك في حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن ناجية .

وهو عندنا أصح من حديث ابن عباس ، وعليه العمل عند الفقهاء .

ويدخل في قوله - عليه السلام - : خل بينها وبين الناس أهل رفقته ، وغيرهم .

وقال الشافعي ، وأبو ثور : ما كان من الهدي أصله واجبا فلا يأكل منه ، وما كان تطوعا ونسكا أكل منه ، وأهدى ، وادخر ، وتصدق .

والمتعة والقران عنده نسك .

ونحوه مذهب الأوزاعي .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : يأكل من هدي المتعة والتطوع ، ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الإحرام .

وحكي عن مالك : لا يأكل من دم الفساد .

وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر ؛ كقول الشافعي ، والأوزاعي ، .

تمسك مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين [ ص: 44 ] بقوله تعالى : أو كفارة طعام مساكين .

وقال في فدية الأذى : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك .

وقال : صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة : أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين ، أو صم ثلاثة أيام ، أو انسك شاة .

ونذر المساكين مصرح به ، وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على أصل قوله : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله إلى قوله : فكلوا منها .

وقد أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلي - رضي الله عنه - من الهدي الذي جاء به وشربا من مرقه .

وكان - عليه السلام - قارنا في أصح الأقوال والروايات ؛ فكان هديه على هذا واجبا ، فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح .

والله أعلم .وإنما أذن الله سبحانه من الأكل من الهدايا لأجل أن العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها ، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم ؛ فلا جرم كذلك شرع وبلغ ، وكذلك فعل حين أهدى وأحرم - صلى الله عليه وسلم - .الثالثة عشرة : فكلوا منها قال بعض العلماء : قوله تعالى : فكلوا منها ناسخ لفعلهم ، لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم ولا يأكلون منها - كما قلناه في الهدايا - فنسخ الله ذلك بقوله : فكلوا منها وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : من ضحى فليأكل من أضحيته ولأنه - عليه السلام - أكل من أضحيته وهديه .

وقال الزهري : من السنة أن تأكل أولا من الكبد .الرابعة عشرة : ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ، ويطعم الثلث ، ويأكل هو وأهله الثلث .

وقال ابن القاسم ، عن مالك : ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم موصوف .

قال مالك في حديثه : وبلغني عن ابن مسعود ، وليس عليه العمل .

روى الصحيح وأبو داود قال : ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاة ثم قال : يا ثوبان ، أصلح لحم هذه الشاة قال : فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة .

وهذا نص في الفرض .

واختلف قول الشافعي ؛ فمرة قال : يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير فذكر [ ص: 45 ] شخصين .

وقال مرة : يأكل ثلثا ، ويهدي ثلثا ، ويطعم ثلثا ، لقوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر فذكر ثلاثة .الخامسة عشرة : المسافر يخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر ؛ إذ الأصل عموم الخطاب بها ، وهو قول كافة العلماء .

وخالف في ذلك أبو حنيفة ، والنخعي ، وروي عن علي ؛ والحديث حجة عليهم .

واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى ، فلم ير عليه أضحية ، وبه قال النخعي .

وروي ذلك عن الخليفتين أبي بكر ، وعمر ، وجماعة من السلف - رضي الله عنهم - ؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي .

فإذا أراد أن يضحي جعله هديا ، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظ من أجرهم .السادسة عشرة : اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال .

روي عن علي ، وابن عمر - رضي الله عنهما - من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث .

وروياه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وسيأتي .

وقالت جماعة : ما روي من النهي عن الادخار منسوخ ؛ فيدخر إلى أي وقت أحب .

وبه قال أبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي ، وقالت فرقة : يجوز الأكل منها مطلقا .

وقالت طائفة : إن كانت بالناس حاجة إليها فلا يدخر ، لأن النهي إنما كان لعلة وهي قوله - عليه السلام - : إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدم لارتفاع موجبه ، لا لأنه منسوخ .

وتنشأ هنا مسألة أصولية وهي :السابعة عشرة : وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته .

اعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا ، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة ؛ فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى ؛ ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - .الثامنة عشرة : الأحاديث الواردة في هذا الباب بالمنع والإباحة صحاح ثابتة .

وقد جاء المنع ، والإباحة معا ؛ كما هو منصوص في حديث عائشة ، وسلمة بن الأكوع ، وأبي سعيد الخدري [ ص: 46 ] رواها الصحيح .

وروى الصحيح عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب قال : ثم صليت العيد مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ؛ قال : فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوها .

وروي عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث .

قال سالم : فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث .

وروى أبو داود ، عن نبيشة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي تسعكم جاء الله بالسعة فكلوا ، وادخروا ، واتجروا إلا أن هذه الأيام أيام أكل ، وشرب ، وذكر لله - عز وجل - .

قال أبو جعفر النحاس : وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا تتضاد ، ويكون قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وعثمان محصور ، لأن الناس كانوا في شدة محتاجين ، ففعل كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدمت الدافة .

والدليل على هذا ما حدثنا إبراهيم بن شريك ، قال : حدثنا أحمد ، قال : حدثنا ليث ، قال : حدثني الحارث بن يعقوب ، عن يزيد بن أبي يزيد ، عن امرأته أنها سألت عائشة - رضي الله عنها - عن لحوم الأضاحي ، فقالت : قدم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا إليه منه ، فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسأله فقال : كل من ذي الحجة إلى ذي الحجة .

وقال الشافعي : من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة .

ومن قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهي عن الادخار .

ومن قال بالنهي والرخصة سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما .

والله أعلم .

وسيأتي في سورة ( الكوثر ) الاختلاف في وجوب الأضحية ، وندبيتها ، وأنها ناسخة لكل ذبح تقدم ، إن شاء الله تعالى .التاسعة عشرة : قوله تعالى : وأطعموا البائس الفقير الفقير من صفة البائس ، [ ص: 47 ] وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر ؛ يقال : بئس يبأس بأسا إذا افتقر ؛ فهو بائس .

وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم يكن فقيرا ؛ ومنه قوله - عليه السلام - : ( لكن البائس سعد بن خولة ) .

ويقال : رجل بئيس أي شديد .

وقد بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد ؛ ومنه قوله تعالى : وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس أي شديد .

وكلما كان التصدق بلحم الأضحية أكثر كان الأجر أوفر .

وفي القدر الذي يجوز أكله خلاف قد ذكرناه ؛ فقيل النصف ؛ لقوله : ( فكلوا ) ، ( وأطعموا ) وقيل الثلثان ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ألا فكلوا ، وادخروا ، واتجروا أي اطلبوا الأجر بالإطعام .

واختلف في الأكل والإطعام ؛ فقيل واجبان .

وقيل مستحبان .

وقيل بالفرق بين الأكل والإطعام ؛ فالأكل مستحب والإطعام واجب ؛ وهو قول الشافعي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر فوائد زيارة بيت الله الحرام، مرغبا فيه فقال: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } أي: لينالوا ببيت الله منافع دينية، من العبادات الفاضلة، والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية، من التكسب، وحصول الأرباح الدنيوية، وكل هذا أمر مشاهد كل يعرفه، { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } وهذا من المنافع الدينية والدنيوية، أي: ليذكروا اسم الله عند ذبح الهدايا، شكرا لله على ما رزقهم منها، ويسرها لهم، فإذا ذبحتموها { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } أي: شديد الفقر

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ليشهدوا ) ليحضروا ( وهي رواية ابن زيد عن ابن عباس ، قال : الأسواق وقال مجاهد : التجارة وما يرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة .

( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين قيل لها " معلومات " للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها ويروى عن علي رضي الله عنه أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنها يوم عرفة والنحر وأيام التشريق وقال مقاتل : المعلومات أيام التشريق .

( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) يعني الهدايا ، والضحايا تكون من النعم وهي الإبل والبقر والغنم واختار الزجاج أن الأيام المعلومات يوم النحر وأيام التشريق لأن الذكر على بهيمة الأنعام يدل على التسمية على نحرها ونحر الهدايا يكون في هذه الأيام .

( فكلوا منها ) أمر إباحة وليس بواجب وإنما قال ذلك لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع لما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، أخبرنا علي بن حجر ، أخبرنا إسماعيل بن جعفر ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال في قصة حجة الوداع : وقدم علي ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده ونحر علي ما بقي ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ بضعة من كل بدنة فتجعل في قدر فأكلا من لحمها وحسيا من مرقها .

واختلفوا في الهدي الواجب بالشرع هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئا؟

مثل دم التمتع والقران والدم الواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد؟

فذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئا وبه قال الشافعي ، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر وقال ابن عمر : لا يأكل من جزاء الصيد والنذر ويأكل مما سوى ذلك ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال مالك : يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور وعند أصحاب الرأي يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما قوله عز وجل ( وأطعموا البائس الفقير ) يعني الزمن الفقير الذي لا شيء له و " البائس " الذي اشتد بؤسه والبؤس شدة الفقر

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليشهدوا» أي يحضروا «منافع لهم» في الدنيا بالتجارة أو في الآخرة أو فيهما أقوال «ويذكروا اسم الله في أيام معلومات» أي عشر ذي الحجة أو يوم عرفة أو يوم النحر إلى آخر أيام التشريق أقوال «على ما رزقهم من بهيمة الأنعام» الإبل والبقر والغنم التي تنحر في يوم العيد، وما بعده من الهدايا والضحايا «فكلوا منها» إذا كانت مستحبة «وأطعموا البائس الفقير» أي الشديد الفقر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأعلِمْ- يا إبراهيم- الناس بوجوب الحج عليهم يأتوك على مختلف أحوالهم مشاةً وركبانًا على كل ضامر من الإبل، وهو: (الخفيف اللحم من السَّيْر والأعمال لا من الهُزال)، يأتين من كل طريق بعيد؛ ليحضروا منافع لهم من: مغفرة ذنوبهم، وثواب أداء نسكهم وطاعتهم، وتكَسُّبِهم في تجاراتهم، وغير ذلك؛ وليذكروا اسم الله على ذَبْح ما يتقربون به من الإبل والبقر والغنم في أيام معيَّنة هي: عاشر ذي الحجة وثلاثة أيام بعده؛ شكرًا لله على نعمه، وهم مأمورون أن يأكلوا مِن هذه الذبائح استحبابًا، ويُطعموا منها الفقير الذي اشتد فقره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ ) متعلق بقوله : ( يَأْتُوكَ ) .أى : يأتيك الناس راجلين وراكبين من كل مكان بعيد ، ليشهدوا وليحصلوا منافع عظيمة فهم فى دينهم وفى دنياهم .ومن مظاهر منافعهم الدينية : غفران ذنوبهم ، وإجابة دعائهم ، ورضا الله - تعالى - عنهم .ومن مظاهر منافعهم الدنيوية : اجتماعهم فى هذا المكان الطاهر ، وتعارفهم وتعاونهم على البر والتقوى ، وتبادلهم المنافع فيما بينهم عن طريق البيع والشراء وغير ذلك من أنواع المعاملات التى أحلها الله - تعالى - .وجاء لفظ " منافع " بصيغة التنكير ، للتعميم والتعظيم والتكثير .

أى : منافع عظيمة وشاملة لأمور الدين والدنيا ، وليس فى الإمكان تحديدها لكثرتها ، وقوله ( وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام ) معطوف على قوله ( لِّيَشْهَدُواْ ) .والمراد بالأيام المعلومات : الأيام العشر الأولى من شهر ذى الحجة ، أو هى أيام النحر ، أو يوم العيد وأيام التشريق .والمراد ببهمية الأنعام : الإبل والبقر والغنم .أى : ليشهدوا منافع لهم ، وليكثروا من ذكر الله ومن طاعته فى تلك الأيام المباركة .

وليشكروه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام التى يتقربون إليه - سبحانه - عن طريق ذبحها وإراقة دمائها ، واستجابة لأمره - عز وجل - .وقوله - سبحانه - : ( فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير ) إرشاد منه - تعالى - إلى كيفية التصرف فيها بعد ذبحها .أى : فكلوا من هذه البهيمة بعد ذبحها ، وأطعموا منها الإنسان البائس ، أى : الذى أصابه بؤس ومكروه بجانب فقره واحتياجه .قال الآلوسى : والأمر فى قوله ( فَكُلُواْ مِنْهَا ..

.

) للإباحة بناء على أن الأكل كان منهيا عنه شرعا ، وقد قالوا : إن الأمر بعد المنع يقتضى الإباحة ويدل على سبق النهى قوله - صلى الله عليه وسلم - : " كنت نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحى فكلوا منها وادخروا " .وقيل : لأن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون فيه ، أو للندب على مواساة الفقراء ومساواتهم فى الأكل منها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا ﴾ أي واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة، أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة.

وكان قد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم الله تعالى إبراهيم عليه السلام مكانه بريح أرسلها فكشفت ما حوله فبناه على وضعه الأول، وقيل أمر إبراهيم بأن يأتي موضع البيت فيبنى، فانطلق فخفي عليه مكانه فبعث الله تعالى على قدر البيت الحرام في العرض والطول غمامة وفيها رأس يتكلم وله لسان وعينان فقال يا إبراهيم ابن علي قدري وحيالى فأخذ في البناء وذهبت السحابة، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لا شك أن (أن) هي المفسرة فكيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة الجواب: أنه سبحانه لما قال جعلنا البيت مرجعاً لإبراهيم، فكأنه قيل ما معنى كون البيت مرجعاً له، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحداً لرب البيت عن الشريك والنظير، وبقالبه مشتغلاً بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام.

السؤال الثاني: أن إبراهيم لما لم يشرك بالله فكيف قال أن لا تشرك بي الجواب: المعنى لا تجعل في العبادة لي شريكاً، ولا تشرك بي غرضاً آخر في بناء البيت.

السؤال الثالث: البيت ما كان معموراً قبل ذلك فكيف قال وطهر بيتي الجواب: لعل ذلك المكان كان صحراء وكانوا يرمون إليها الأقذار، فأمر إبراهيم ببناء البيت في ذلك المكان وتطهيره من الأقذار، وكانت معمورة فكانوا قد وضعوا فيها أصناماً فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء جديد وذلك هو التطهير عن الأوثان، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك وقول الزور.

وأما قوله: ﴿ لِلطَّائِفِينَ والقائمين ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما للطائفين بالبيت من غير أهل مكة ﴿ والقائمين ﴾ أي المقيمين بها ﴿ والركع السجود ﴾ أي من المصلين من الكل، وقال آخرون القائمون وهم المصلون، لأن المصلي لابد وأن يكون في صلاته جامعاً بين القيام والركوع والسجود، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأَذّن فِي الناس بالحج ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن محيصن ﴿ وآذِّن ﴾ بمعنى أعلم.

المسألة الثانية: في المأمور قولان: أحدهما: وعليه أكثر المفسرين أنه هو إبراهيم عليه السلام قالوا لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال سبحانه: ﴿ وَأَذّن فِي الناس بالحج ﴾ قال يا رب وما يبلغ صوتي؟

قال عليك الأذان وعلى البلاغ.

فصعد إبراهيم عليه السلام الصفا وفي رواية أخرى أبا قبيس، وفي رواية أخرى على المقام قال إبراهيم كيف أقول؟

قال جبريل عليه السلام: «قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى»، وفي رواية أخرى: «أنه صعد الصفا فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم حج البيت العتيق فسمعه ما بين السماء والأرض، فما بقي شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول: لبيك اللهم لبيك»، وفي رواية أخرى: «إن الله يدعوكم إلى حج البيت الحرام ليثيبكم به الجنة ويخرجكم من النار»، فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وكل من وصل إليه صوته من حجر أو شجر ومدر وأكمة أو تراب، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك النداء، فمن أجاب مرة حج مرة، ومن أجاب مرتين أو أكثر.

فالحج مرتين أو أكثر على ذلك المقدار، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى، قال القاضي عبد الجبار: يبعد قولهم إنه أجابه الصخر والمدر، لأن الإعلام لا يكون إلا لمن يؤمر بالحج دون الجماد، فأما من يسمع من أهل المشرق والمغرب نداءه فلا يمتنع إذا قواه الله تعالى ورفع الموانع ومثل ذلك قد يجوز في زمان الأنبياء عليهم السلام.

القول الثاني: أن المأمور بقوله: ﴿ وَأَذِّن ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الحسن واختيار أكثر المعتزلة واحتجوا عليه بأن ما جاء في القرآن وأمكن حمله على أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو المخاطب به فهو أولى وتقدم قوله: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت ﴾ لا يوجب أن يكون قوله: ﴿ وَأَذِّن ﴾ يرجع إليه إذ قد بينا أن معنى قوله: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا ﴾ أي واذكر يا محمد ﴿ إِذْ بَوَّأْنَا ﴾ فهو في حكم المذكور، فإذا قال تعالى: ﴿ وَأَذِّن ﴾ فإليه يرجع الخطاب وعلى هذا القول ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَأَذِّن ﴾ وجوهاً: أحدها: أن الله تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يعلم الناس بالحج.

وثانيها: قال الجبائي أمره الله تعالى أن يعلن التلبية فيعلم الناس أنه حاج فيحجوا معه قال وفي قوله: ﴿ يَأْتُوكَ ﴾ دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدي به.

وثالثها: أنه ابتداء فرض الحج من الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم.

أما قوله: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الرجال المشاة واحدهم راجل كنيام ونائم وقرئ رجال بضم الراء مخفف الجيم ومثقله ورجال كعجال عن ابن عباس رضي الله عنهما وقوله: ﴿ وعلى كُلّ ضَامِرٍ ﴾ أي ركباناً والضمور الهزال ضمر يضمر ضموراً، والمعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها.

وإنما قال: ﴿ يَأْتِينَ ﴾ أي جماعة الإبل وهي الضوامر لأن قوله: ﴿ وعلى كُلّ ضَامِرٍ ﴾ معناه على إبل ضامرة فجعل الفعل بمعنى كل ولو قال يأتي على اللفظ صح وقرئ يأتون صفة للرجال والركبان، والفج الطريق بين الجبلين، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعاً، والعميق البعيد قرأ ابن مسعود معيق يقال بئر بعيدة العمق والمعق.

المسألة الثانية: المعنى: وأذن، ليأتوك رجالاً وعلى كل ضامر، أي وأذن، ليأتوك على هاتين الصفتين، أو يكون المراد: وأذن فإنهم يأتوك على هاتين الصفتين.

المسألة الثالثة: بدأ الله بذكر المشاة تشريفاً لهم، وروى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل يا رسول الله وما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ألف حسنة».

المسألة الرابعة: إنما قال: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ لأنه هو المنادي فمن أتى بمكة حاجاً فكأنه أتى إبراهيم عليه السلام لأنه يجيب نداءه.

أما قوله: ﴿ لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسم الله فِي أَيَّامٍ معلومات ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما أمر بالحج في قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي الناس بالحج ﴾ ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله: ﴿ لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ ﴾ واختلفوا فيها فبعضهم حملها على منافع الدنيا.

وهي أن يتجرو في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة، وهي العفو والمغفرة عن محمد الباقر عليه السلام، وبعضهم حملها على الأمرين جميعاً، وهو الأولى.

المسألة الثانية: إنما نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات.

المسألة الثالثة: كنى عن الذبح والنحر بذكر اسم الله تعالى لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن دكر اسمه إذا نحروا وذبحوا وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسم الله تعالى، وأن يخالف المشركين في ذلك فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان قال مقاتل إذا ذبحت فقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك وتستقبل القبلة، وزاد الكلبي فقال إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، قال القفال: وكان المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدى نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بدل مهجته طلباً لمرضاة الله تعالى، واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

المسألة الرابعة: أكثر العلماء صاروا إلى أن الأيام المعلومات عشر ذي الحجة والمعدودات أيام التشريق، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله، واحتجوا بأنها معلومة عند الناس لحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة، والمشعر الحرام وكذلك الذبائح لها وقت منها وهو يوم النحر، وقال ابن عباس في رواية عطاء إنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده وهو اختيار أبي مسلم قال لأنها كانت معروفة عند العرب بعدها وهي أيام النحر وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.

أما قوله: ﴿ بَهِيمَةُ الأنعام ﴾ فقال صاحب الكشاف: البهمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز.

أما قوله تعالى: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ فمن الناس من قال إنه أمر وجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها ترفعاً على الفقراء، فأمر المسلمين بذلك لما فيه من مخالفة الكفار ومساواة الفقراء واستعمال التواضع، وقال الأكثرون إنه ليس على الوجوب.

ثم قال العلماء من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ البائس الفقير ﴾ ومنهم من قال يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث، ومذهب الشافعي رحمه الله أن الأكل مستحب والإطعام واجب فإن أطعم جميعها أجزأه وإن أكل جميعها لم يجزه، هذا فيما كان تطوعاً، فأما الواجبات كالنذور والكفارات والجبرانات لنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودماء القلم والحلق فلا يؤكل منها.

أما قوله: ﴿ وَأَطْعِمُواْ البائس الفقير ﴾ فلا شبهة في أنه أمر إيجاب، والبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير الذي أضعفه الإعسار وهو مأخوذ من فقار الظهر.

قال ابن عباس البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني.

أما قوله: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير، وقال المبرد أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

والمراد هاهنا قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، والمراد من القضاء إزالة التفث، وقال القفال قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ ؟

فقال ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل ما أتفثك وما أدرنك، ثم قال القفال وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي.

أما قوله: ﴿ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ ﴾ فقرئ بتشديد الفاء ثم يحتمل ذلك ما أوجبه الدخول في الحج من أنواع المناسك، ويحتمل أن يكون المراد ما أوجبوه بالنذر الذي هو القول، وهذا القول هو الأقرب فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه فأمر الله تعالى بالوفاء بذلك.

أما قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق ﴾ فالمراد الطواف الواجب وهو طواف الإفاضة والزيارة، أما كون هذا الطواف بعد الوقوف ورمي الجمار والحلق، ثم هو في يوم النحر أو بعده ففيه تفصيل، وسمي البيت العتيق لوجوه: أحدها: العتيق القديم لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن.

وثانيها: لأنه أعتق من الجبابرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى وهو قول ابن عباس وقول ابن الزبير، ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قصد أبرهة فعل به ما فعل، فإن قيل فقد تسلط الحجاج عليه فالجواب: قلنا ما قصد التسلط على البيت وإنما تحصن به عبدالله بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه.

وثالثها: لم يملك قط عن ابن عيينة.

ورابعها: أعتق من الغرق عن مجاهد.

وخامسها: بيت كريم من قولهم عتاق الطير والخيل، واعلم أن اللام في ليقضوا وليوفوا وليطوفوا لام الأمر، وفي قراءة ابن كثير ونافع والأكثرين تخفيف هذه اللامات وفي قراءة أبي عمرو تحريكها بالكسر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات.

وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه كان يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حجّ فضل الحج على العبادات كلها، لما شاهد من تلك الخصائص، وكنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله، لأن أهل الإسلام لا ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا.

وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي فيما يتقرب به إلى الله أن يذكر اسمه، وقد حسن الكلام تحسيناً بيناً أن جمع بين قوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ اسم الله ﴾ ، وقوله: ﴿ على مَا رَزَقَهُمْ ﴾ ولو قيل: لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام، لم تر شيئاً من ذلك الحسن والروعة.

الأيام المعلومات: الأيام العشر عند أبي حنيفة، وهو قول الحسن وقتادة.

وعند صاحبيه: أيام النحر.

البهيمة: مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام: وهي الإبل والبقر والضأن والمعز.

﴿ فكلوا ﴾ الأمر بالأكل منها أمر إباحة، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندباً لما فيه من مساواة الفقراء ومواساتهم ومن استعمال التواضع.

ومن ثمة استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من أضحيته مقدار الثلث.

وعن ابن مسعود أنه بعث بهدي وقال فيه: إذا نحرته فكل وتصدّق وابعث منه إلى عتبة، يعني ابنه.

وفي الحديث: «كلوا وادخروا وائتجروا» ﴿ البائس ﴾ الذي أصابه بؤس أي شدة: و ﴿ الفقير ﴾ الذي أضعفه الإعسار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ وَأذِّنْ في النّاسِ ﴾ نادِ فِيهِمْ وقُرِئَ «وَآذِنْ» .

﴿ بِالحَجِّ ﴾ بِدَعْوَةِ الحَجِّ والأمْرِ بِهِ.

رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صَعِدَ أبا قُبَيْسٍ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ حُجُّوا بَيْتَ رَبِّكم، فَأسْمَعَهُ اللَّهُ مِن أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ فِيما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنْ يَحُجَّ» .

وَقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ  أُمِرَ بِذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ.

﴿ يَأْتُوكَ رِجالا ﴾ مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ كَقائِمٍ وقِيامٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ مُخَفَّفَ الجِيمِ ومُثَقَّلَةً و «رَجالى» كَعَجالى.

﴿ وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ ﴾ أيْ ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ مَهْزُولٍ أتْعَبَهُ بُعْدُ السَّفَرِ فَهَزَلَهُ.

﴿ يَأْتِينَ ﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿ ضامِرٍ ﴾ مَحْمُولَةٌ عَلى مَعْناهُ، وقُرِئَ «يَأْتُونَ» صِفَةٌ لِلرِّجالِ والرُّكْبانِ أوِ اسْتِئْنافٌ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِـ ﴿ النّاسِ ﴾ .

﴿ مِن كُلِّ فَجٍّ ﴾ طَرِيقٍ.

﴿ عَمِيقٍ ﴾ بَعِيدٍ، وقُرِئَ «مَعِيقٍ» يُقالُ بِئْرٌ بَعِيدَةُ العُمْقِ والمَعْقِ بِمَعْنى.

﴿ لِيَشْهَدُوا ﴾ لِيَحْضُرُوا.

﴿ مَنافِعَ لَهُمْ ﴾ دِينِيَّةً ودُنْيَوِيَّةً، وتَنْكِيرُها لِأنَّ المُرادَ بِها نَوْعٌ مِنَ المَنافِعِ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ العِبادَةِ.

﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾ عِنْدَ إعْدادِ الهَدايا والضَّحايا وذَبْحِها.

وقِيلَ كَنّى بِالذِّكْرِ عَنِ النَّحْرِ لِأنَّ ذَبْحَ المُسْلِمِينَ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ مِمّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ ﴾ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقِيلَ أيّامُ النَّحْرِ.

﴿ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ عَلَّقَ الفِعْلَ بِالمَرْزُوقِ وبَيَّنَهُ بِالبَهِيمَةِ تَحْرِيضًا عَلى التَّقَرُّبِ وتَنْبِيهًا عَلى مُقْتَضى الذِّكْرِ.

﴿ فَكُلُوا مِنها ﴾ مِن لُحُومِها أمَرَ بِذَلِكَ إباحَةً وإزاحَةً لِما عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّحَرُّجِ فِيهِ، أوْ نَدْبًا إلى مُواساةِ الفُقَراءِ ومُساواتِهِمْ، وهَذا في المُتَطَوَّعِ بِهِ دُونَ الواجِبِ.

﴿ وَأطْعِمُوا البائِسَ ﴾ الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٌ أيْ شِدَّةٌ.

﴿ الفَقِيرَ ﴾ المُحْتاجَ، والأمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ وقَدْ قِيلَ بِهِ في الأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

واللام فى {ليشهدوا} ليحضروا معلق بأذن أو بيأتوك {منافع لَهُمْ} نكرها لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادة وهذا لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم أو بالمال كالزكاة وقد اشتمل الحج عليهما مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال وخلع الأسباب وقطيعة الأصحاب وهجر البلاد والأوطان وفرقة الأولاد والخلان والتنبيه على ما يستمر عليه إذا انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء فالحج

الحج (٢٩ - ٢٨)

{ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده ولا يأكل إلا من زاده فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة وركب

بحر الوفاة لاينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده وغسل من يحرم وتأهبه ولبسه غير المخيط وتطيبه مرآة لما سيأتي عليه من وضعه على سريره لغسله وتجهيزه مطيباً بالحنوط ملففاً في كفن غير مخيط ثم المحرم يكون أشعث حيران فكذا يوم الحشر يخرج من القبر لهفان ووقوف الحجيج بعرفات آملين رغباً ورهباً سائلين خوفاً وطمعاً وهم من بين مقبول ومخذول كموقف العرصات لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وسعيد والإفاضة إلى المزدلفة بالمساء هو السوق لفصل القضاء ومنى هو موقف المنى للمذنبين إلى شفاعة الشافعين وحلق الرأس والتنظيف كالخروج من السيئات بالرحمة والتخفيف والبيت الحرم الذي من دخله كان آمناً من الإيذاء والقتال أنموذج لدار السلام التي هي من نزلها بقي سالماً من الفناء والزوال غير أن الجنة حفت بمكاره النفس العادية كما أن الكعبة حفت بمتالف البادية فمرحباً بمن جاوز مهالك البوادي شوقاً إلى اللقاء يوم التنادي {وَيَذْكُرُواْ اسم الله} عند الذبح {فِى أَيَّامٍ معلومات} هي عشر ذي الحجة عند أبى حنيفة رحمه الله وآخرها يوم النحر وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما وأكثر المفسرين رحمهم الله وعند صاحبيه هي أيام النحر وهو قول ابن عمر رضى الله عنهما {على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام} أي على ذبحه وهو يؤيد قولهما والبهيمة في كل ذات أربع في البر والبحر فبيتت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز {فَكُلُواْ مِنْهَا} من لحومها والأمر للإباحة ويجوز الأكل من هدي التطوع والمتعة والقران لأنه دم نسك فأشبه الأضحية ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا {وَأَطْعِمُواْ البائس} الذي أصابه بؤس أي شدة الفقير الذي أضعفه الإعسار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِيَشْهَدُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَأْتُوكَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِأذِّنْ.

أيْ لِيَحْضُرُوا ﴿ مَنافِعَ ﴾ عَظِيمَةَ الخَطَرِ كَثِيرَةَ العَدَدِ فَتَنْكِيرُها وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَنْوِينٌ لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ أيْ نَوْعًا مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وتَعْمِيمُ المَنافِعِ بِحَيْثُ تَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَنافِعُ في الآخِرَةِ فَأمّا مَنافِعُ الآخِرَةِ فَرِضْوانُ اللَّهِ تَعالى وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَما يُصِيبُونَ مِن لُحُومِ البُدْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ والذَّبائِحِ والتِّجاراتِ، وخَصَّ مُجاهِدٌ مَنافِعَ الدُّنْيا بِالتِّجارَةِ فَهي جائِزَةٌ لِلْحاجِّ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ إذا لَمْ تَكُنْ هي المَقْصُودَةَ مِنَ السَّفَرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ نِداءَهم ودَعْوَتَهم لِذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، عَلى أنَّهُ إنَّما يَتَأتّى عَلى ما جَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ، وعَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَخْصِيصُ المَنافِعِ بِالأُخْرَوِيَّةِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُها بِالدُّنْيَوِيَّةِ والتَّعْمِيمُ أوْلى ( لَهم ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِمَنافِعَ أيْ مَنافِعَ كائِنَةً لَهم ﴿ ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾ عِنْدَ النَّحْرِ ﴿ فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ ﴾ أيْ مَخْصُوصاتٍ وهي أيّامُ النَّحْرِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنهم أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الرَّحْمَةُ وعِدَّتُها ثَلاثَةُ أيّامٍ يَوْمُ العِيدِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ عِنْدَنا وعِنْدَ الثَّوْرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ لِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ.

وأنَسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: أيّامُ النَّحْرِ ثَلاثَةٌ أفْضَلُها أوَّلُها، وقَدْ قالُوهُ سَماعًا لِأنَّ الرَّأْيَ لا يَهْتَدِي إلى المَقادِيرِ، وفي الأخْبارِ الَّتِي يُعَوَّلُ عَلَيْها تَعارُضٌ فَأخَذْنا بِالمُتَيَقَّنِ وهو الأقَلُّ، وقالَ الشّافِعِيُّ والحَسَنُ وعَطاءٌ: أرْبَعَةُ أيّامٍ يَوْمُ العِيدِ وثَلاثَةٌ بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ  «: «أيّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّها أيّامُ ذَبْحٍ»» وعِنْدَ النَّخَعِيِّ وقْتُ النَّحْرِ يَوْمانِ، وعِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ يَوْمٌ واحِدٌ، وعِنْدَ أبِي سَلَمَةَ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ الأضْحى إلى هِلالِ المُحَرَّمِ ولَمْ نَجِدْ في ذَلِكَ مُسْتَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

واسْتُدِلَّ بِذِكْرِ الأيّامِ عَلى أنَّ الذَّبْحَ لا يَجُوزُ لَيْلًا، قالَ أبُو حَيّانَ: وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِ الرَّأْيِ انْتَهى.

والمَذْكُورُ في كُتُبِ الأصْحابِ أنَّهُ يَجُوزُ الذَّبْحُ إلّا أنَّهُ يُكْرَهُ لِاحْتِمالِ الغَلَطِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.

وأمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى عَدَمِ الجَوازِ بِذِكْرِ الأيّامِ فَكَما تَرى، وقِيلَ الأيّامُ المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ وقَتادَةَ ولَعَلَّ المُرادَ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى عَلى هَذا ما قِيلَ حَمْدُهُ وشُكْرُهُ عَزَّ وجَلَّ وعَلى الأوَّلِ قَوْلُ الذّابِحِ: بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وذُكِرَ أنَّهُ يُقالُ مَعَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ مِنكَ ولَكَ عَنْ فُلانٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَوْلٌ آخَرُ.

ورَجَّحَ كَوْنُهُ بِمَعْنى الشُّكْرِ بِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ .

واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الذِّكْرَ عَلى بَهِيمَةِ الأنْعامِ أوْ مُطْلَقًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ كِنايَةً عَنِ النَّحْرِ، وذَكَرَ أنَّهُ دَلَّ بِذَلِكَ عَلى المَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِنَ النَّحْرِ وما يُمَيِّزُهُ عَنِ العاداتِ.

وأوْمَأ فِيهِ إلى أنَّ الأعْمالَ الحَجِّيَّةَ كُلَّها شُرِّعَتْ لِلذِّكْرِ.

وأنَّهُ قِيلَ: ﴿ عَلى ما رَزَقَهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ تَشْوِيقًا في التَّقَرُّبِ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ المُرادِ بِها الإبِلُ والبَقَرُ والضَّأْنُ والمَعْزُ إلى الرّازِقِ وتَهْوِينًا عَلَيْهِمْ في الإنْفاقِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الإجْمالِ والتَّفْسِيرِ، وظَرْفِيَّةُ الأيّامِ المَعْلُوماتِ عَلى القَوْلِ بِأنَّها عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ لِلنَّحْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مِنها، وقَدْ يُقالُ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إيفاءِ الذِّكْرِ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ ﴿ فَكُلُوا مِنها ﴾ التِفاتٌ إلى الخِطابِ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلى ضَحاياكم فَكُلُوا مِن لُحُومِها، والأمْرُ لِلْإباحَةِ بِناءً عَلى أنَّ الأكْلَ كانَ مَنهِيًّا عَنْهُ شَرْعًا.

وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ بَعْدَ المَنعِ يَقْتَضِي الإباحَةَ، ويَدُلُّ عَلى سَبْقِ النَّهْيِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««كُنْتُ نَهَيْتُكم عَنْ أكْلِ لُحُومِ الأضاحِي فَكَلُّوا مِنها وادَّخِرُوا»» وقِيلَ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ فِيهِ أوْ لِلنَّدْبِ عَلى مُواساةِ الفُقَراءِ ومُساواتِهِمْ في الأكْلِ مِنها، وهَذا عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ وأطْعِمُوا البائِسَ ﴾ أيِ الَّذِي أصابَهُ بُؤْسٌ أيْ شِدَّةٌ، وعَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ تَفْسِيرُهُ بِالَّذِي يَمُدُّ كَفَّيْهِ إلى النّاسِ يَسْألُ ﴿ الفَقِيرَ ﴾ أيِ المُحْتاجَ، والأمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ الإمامِ عَلِيٍّ ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ أيْضًا، ويُسْتَحَبُّ كَما في الهِدايَةِ أنْ لا يَنْقُصَ ما يُطْعِمُ عَنِ الثُّلُثِ لِأنَّ الجِهاتِ الأكْلُ والإطْعامُ الثّابِتانِ بِالآيَةِ والِادِّخارُ الثّابِتُ بِالحَدِيثِ فَتُقَسَّمُ الأُضْحِيَّةُ عَلَيْها أثْلاثًا وقالَ بَعْضُهم: لا تَحْدِيدَ فِيما يُؤْكَلُ أوْ يُطْعَمُ لِإطْلاقِ الآيَةِ، وأوْجَبَ الشّافِعِيَّةُ الإطْعامَ وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الأكْلَ مِنَ الأُضْحِيَّةِ واجِبٌ أيْضًا.

وتَخْصِيصُ البائِسِ الفَقِيرِ بِالإطْعامِ لا يَنْفِي جَوازَ إطْعامِ الغَنِيِّ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى الجَوازِ بِالأمْرِ الأوَّلِ لِإفادَتِهِ جَوازَ أكْلِ الذّابِحِ ومَتى جازَ أكْلُهُ وهو غَنِيٌّ جازَ أنْ يُؤْكِلَهُ غَنِيًّا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ، يعني: الأجر في الآخرة في مناسكهم ويقال: وليحضروا مناحرهم وقضاء مناسكهم.

وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، يعني: ولكي يذكروا الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ، يعني: يوم النحر ويومين بعده.

وقال مجاهد وقتادة: المعلومات أيام العشر، والمعدودات أيام التشريق.

وقال سعيد بن جبير: كلاهما أيام التشريق، ويقال: المعلومات أيام النحر، والمعدودات أيام التشريق، وهو طريق الفقهاء، وأشبه بتأويل الكتاب، لأنه ذكر في أيام معلومات الذبح، وذكر في أيام معدودات الذكر عند الرمي، ورخص بتركه في اليوم الآخر بقوله: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: 203] .

ثم قال: عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ، يعني: ليذكروا اسم الله عند الذبح والنحر عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ وهو البقر والإبل والغنم.

ثم قال: فَكُلُوا مِنْها، يعني: من لحوم الأنعام، وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ يعني: الضرير والزمن والفقير الذي ليس له شيء.

وقال الزجاج: الْبائِسَ الذي أصابه البؤس، وهو الشدة.

قوله عز وجل: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ، يعني: مناسكهم وقال مجاهد: «التفث حلق الرأس وتقليم الأظفار» .

وروي عن عطاء، عن ابن عباس قال: «التفث: الرمي، والحلق، والتقصير، وحلق العانة، ونتف الإبط، وقص الأظافير، والشارب، والذبح» .

وروى نافع، عن ابن عمر  قال: «التفث: ما عليه من المناسك» وقال الزجاج: التفث، لا يعرف أهل اللغة ما هو، وإنما عرفوا في التفسير، وهو الأخذ من الشارب، وتقليم الأظافر، والأخذ من الشعر، كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال» .

ثم قال: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، يقول: من كان عليه نذر في الحج والعمرة مما أوجب على نفسه من هدي أو غيره، فإذا نحر يوم النحر، فقد أوفى بنذره.

ثم قال: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وهو: طواف الزيارة، بعد ما حلق رأسه أو قصر.

وقال مقاتل: الْعَتِيقِ يعني: عتق في الجاهلية من القتل والسبي والجراحات، وغيرها.

وقال الحسن: الْعَتِيقِ يعني: القديم، كما قال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ [آل عمران: 96] وقال مجاهد: عتيق، يعني: أعتق من الجبابرة، ويقال: أعتق من الغرق يوم الطوفان وهذا قول الكلبي.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: ثُمَّ لْيَقْضُوا بجزم اللام وكذلك وَلْيُوفُوا وَلْيَطَّوَّفُوا وقرأ أبو عمرو الثلاثة كلها بالكسر، بمعنى لام كي.

وقرأ ابن كثير بكسر اللام الأولى خاصة.

فمن قرأ بالجزم، جعلها أمر الغائب، ومن قرأ بالكسر، جعله خبراً عطفاً على قوله: يَذْكُرُوا.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلْيُوفُواْ بنصب الواو وتشديد الفاء، وقرأ الباقون بالتخفيف من أوفى يوفي، والأول من وفَّى يوفّي، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جرى معها من ذكر الله وتسبيحه، وتقديسه، وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب فإنّها لا تسمع فيها لاغية، وصِراطِ الْحَمِيدِ هو طريقُ الله الذي دعا عبادَه إليه، ويحتمل أَنْ يريد بالحميد نفس الطريق، فأضاف إليهِ على حد إضافته في قوله: دار الآخرة، وقال البخاريُّ «١» : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ: أي: أَلْهِمُوا إلى قراءة القرآن، وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ: أي: إلى الإسلام، انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هذه الآية نزلت عام الحُدَيْبِيَّةِ حين صدّ النبي صلى الله عليه وسلّم وجاء يَصُدُّونَ مستقبلاً ِاذ هو فعل يُدِيمونه، وخبر إِنَّ محذوف مقدّر عند قوله: والْبادِ: تقديره: خسروا أو هلكوا.

والْعاكِفُ: المقيم في البلد، و «البادي» : القادم عليه من غيره.

وقوله: بِإِلْحادٍ قال أبو عبيدة «٢» : الباء فيه زائدة.

ت قال ابن العربيِّ «٣» في «أحكامه» : وجَعْلُ الباء زائدةً لا يُحْتَاجُ إليه في سبيل العربية لأَنَّ حَمْلَ المعنى على القول أولى من حمله على الحروف، فيقال: المعنى ومن يَهُمَّ فيه بميل، لأَنَّ الإلحادَ هو الميل في اللغة، إلاَّ أَنَّهُ قد صار في عُرْفِ الشرع ميلاً مذموماً، فرفع الله الإشكال، وبَيَّنَ سبحانه أَنَّ الميلَ بالظلم هو المراد هنا، انتهى.

/ قال ع «٤» : والإلحاد الميلُ وهو يشمل جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، ٢٣ ب فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومَنْ نوى سيئة ولم يعملها- لم

يُحَاسَبْ بذلك إلاَّ في مَكَّةَ.

هذا قولُ ابنِ مسعود وجماعة من الصحابة «١» وغيرهم.

قال ص: وقوله: أَنْ لاَّ تُشْرِكْ: أَنْ: مفسِّرةٌ لقولٍ مُقَدَّرٍ، أي: قائلين له، أو موحين له: لا تشرك، وفي التقدير الأول نَظَرٌ فانظره، انتهى.

وقوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ ...

الآية: تطهيرُ البيت عامٌّ في الكُفْرِ، والبِدَعِ، وجميعِ الأَنْجَاسِ، والدماءِ، وغير ذلك، وَالْقائِمِينَ: هم المصلون، وخَصَّ سبحانه بالذكر من أركان الصلاة أعظَمَها، وهو القيامُ والركوعُ والسجودُ، ورُوِيَ:

«أنّ إبراهيم- عليه [الصلاة] «٢» والسلام- لَمَّا أُمِرَ بالأذان بالحج- قال: يا رب، وإذا أَذَّنْتُ، فَمَنْ يَسْمَعُنِي؟

فقيل له: نادِ يا إبراهيمُ، فعليك النداءُ وعلينا البلاغ فصعد على أبي قُبَيْس «٣» ، وقيل: على حجر المَقَام، ونادى: أَيُّها الناس، إنَّ الله تعالى قد أمركم بحجِّ هذا البيتِ فَحِجُّوا، فَرُوِيَ أَنَّ يومَ نادى أسمع كُلَّ مَنْ يحج إلى يوم القيامة في أصلابِ الرجال، وأجابه كُل شَيءٍ في ذلك الوقْتِ: من جمادٍ، وغيرهِ: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبيك فجرت التلبيةُ على ذلك» .

قاله ابن عباس، وابن جبير «٤» ، ورِجالًا: جمع رَاجِل، وَال ضامِرٍ: قالت فرقة: أراد بها الناقةَ وذلك أَنه يقال: ناقة ضامرٌ، وقالت فرقة: لفظ «ضامر» يشمل كلَّ مَنِ اتصف بذلك من جمل، أو ناقة، وغيرِ ذلك.

قال ع «٥» : وهذا هو الأظهر، وفي تقديم رِجالًا تفضيلٌ للمُشَاةِ في الحج وإليه نحا ابن عباس «٦» .

قال ابن العربي في «أحكامه» «٧» : قوله تعالى: يَأْتِينَ رَدَّ الضمير إلى الإبل تكرمةً لها لقصدها الحج مع أربابها كما قال تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [العاديات: ١] .

في خيل الجهاد تكرمةً لها حين سَعَتْ في سبيل الله، انتهى.

والفَجُّ: الطريق الواسعة، والعميق:

معناه: البعيد قال الشاعر [الطويل] :

إِذَا الْخَيْلُ جَاءَتْ مِنْ فِجَاجٍ عَمِيقَة ...

يَمُدُّ بِهَا فِي السير أشعث شاحب «١»

والمنافع في هذه الآية التجارةُ في قول أكثر المتأولين، ابنِ عباس «٢» وغيرِه، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أراد الأَجْرَ ومنافع الآخرة «٣» ، وقال مجاهد بعموم الوجهين «٤» .

ت: وأظهرها عندي قول أبي جعفر يظهر ذلك من مقصد الآية، والله أعلم.

وقال ابن العربيِّ: الصحيح: القولُ بالعموم، انتهى.

وقوله سبحانه: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ذهب قوم إلى: أَنَّ المراد ذكر اسم الله على النَّحْرِ والذبح، وقالوا: إنَّ في ذكر الأيام دليلاً على أنَّ الذبح في الليل لا يجوزُ، وهو مذهب مالكٍ وأصحابِ الرأي.

وقالت فرقة فيها مالك وأصحابُه: الأيام المعلوماتُ: يومُ النحر ويومانِ بعده.

وقوله: فَكُلُوا ندبٌ، واستحب أهل العلم أن يأكلَ الإنسانُ مِنْ هَدْيِهِ وأَضْحِيَّتِهِ، وأنْ يتصدَّقَ بالأكثر، والبائس: الذي قد مَسَّهُ ضُرُّ الفاقة وبؤسها، والمراد أهل الحاجة، والتفث: ما يصنعه المُحْرِمُ عند حِلِّهِ من تقصيرِ شعر وحلقه، وإزالة شعث ونحوه، وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ: وهو ما معهم من هدي وغيره، وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: يعني:

طوافَ الإفاضة الذي هو من واجبات «٥» الحج.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلْنا.

وقالَ مُقاتِلٌ: دَلَلْناهُ عَلَيْهِ.

وقالَ ثَعْلَبٌ: وإنَّما أُدْخِلَ اللّامُ عَلى أنَّ ﴿ بَوَّأْنا ﴾ في مَعْنى: جَعَلْنا، فَيَكُونُ بِمَعْنى ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ ؛ أيْ: رِدِفَكم.

وقَدْ شَرَحْنا كَيْفِيَّةَ بِناءِ البَيْتِ في ( البَقَرَةِ: ١٢٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ﴾ المَعْنى: وأوْحَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ، ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ نافِعٌ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.

وقَدْ شَرَحْنا الآيَةَ في ( البَقَرَةِ: ١٢٥ ) .

وَفِي المُرادِ بِـ " القائِمِينَ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: القائِمُونَ في الصَّلاةِ، قالَهُ عَطاءٌ والجُمْهُورُ.

والثّانِي: المُقِيمُونَ بِمَكَّةَ، حُكِيَ عَنْ قَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ، فَقالَ إبْراهِيمُ: يا رَبِّ؛ وما يَبْلُغُ صَوْتِي ؟

وقالَ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ؛ فَعَلا عَلى جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ وقالَ: يا أيُّها النّاسُ؛ إنْ رَبَّكم قَدْ بَنى بَيْتًا فَحُجُّوهُ، فَأُسْمِعَ مَن في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ مِمَّنْ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يَحُجَّ، فَأجابُوهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ.

والأذانُ بِمَعْنى النِّداءِ والإعْلامِ، والمَأْمُورُ بِهَذا الأذانِ إبْراهِيمُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، إلّا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: المَأْمُورُ بِهِ مُحَمَّدٌ  .

والنّاسُ هاهُنا: اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ بَنِي آدَمَ عِنْدَ الجُمْهُورِ، إلّا ما رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: عَنى بِالنّاسِ: أهْلَ القِبْلَةِ.

واعْلَمْ أنَّ مَن أتى البَيْتَ الَّذِي دَعا إلَيْهِ إبْراهِيمُ، فَكَأنَّهُ قَدْ أتى إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ.

وواحِدُ الرِّجالِ هاهُنا: راجِلٌ، مِثْلُ: صاحِبٌ وصِحابٌ، والمَعْنى: يَأْتُوكَ مُشاةً.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ حَجّا ماشِيَيْنِ، وحَجَّ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وعِشْرِينَ حَجَّةً ماشِيًا مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ، والنَّجائِبُ تُقادُ مَعَهُ.

وحَجَّ الإمامُ أحْمَدُ ماشِيًا مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ ﴾ ؛ أيْ: رُكْبانًا عَلى ضُمَّرٍ مِن طُولِ السَّفَرِ.

قالَ الفَرّاءُ: و ﴿ يَأْتِينَ ﴾ فِعْلٌ لِلنُّوقِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: " يَأْتِينَ " عَلى مَعْنى الإبِلِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( يَأْتُونَ ) بِالواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ ؛ أيْ: طَرِيقٍ بَعِيدٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الفَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا ﴾ ؛ أيْ: لِيَحْضُرُوا، ﴿ مَنافِعَ لَهُمْ ﴾ ، وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: التِّجارَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: مَنافِعُ الآخِرَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والزَّجّاجُ في آخَرِينَ.

والثّالِثُ: مَنافِعُ الدّارَيْنِ جَمِيعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وهو أصَحُّ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ القَصْدُ لِلتِّجارَةِ خاصَّةً، وإنَّما الأصْلُ قَصْدُ الحَجِّ، والتِّجارَةُ تَبَعٌ.

وَفِي الأيّامِ المَعْلُوماتِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها أيّامُ العَشْرِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والشّافِعِيُّ.

والثّانِي: تِسْعَةُ أيّامٍ مِنَ العَشْرِ، قالَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.

والثّالِثُ: يَوْمُ الأضْحى وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ، رَواهُ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أنَّها خَمْسَةُ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ أوَّلُها يَوْمُ عَرَفَةَ، قالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.

وقِيلَ: إنَّما قالَ: ﴿ مَعْلُوماتٍ ﴾ ؛ لِيَحْرِصَ عَلى عِلْمِها بِحِسابِها مِن أجْلِ وقْتِ الحَجِّ في آخِرِها.

قالَ الزَّجّاجُ: والذِّكْرُ هاهُنا يَدُلُّ عَلى التَّسْمِيَةِ عَلى ما يُنْحَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ المَذْكُورُ هاهُنا هو الذِّكْرُ عَلى الهَدايا الواجِبَةِ، كالدَّمِ الواجِبِ لِأجْلِ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الذَّكَرُ المَفْعُولُ عِنْدَ رَمْيِ الجِمارِ وتَكْبِيرِ التَّشْرِيقِ؛ لِأنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنها ﴾ يَعْنِي: الأنْعامَ الَّتِي تُنْحَرُ، وهَذا أمْرُ إباحَةٍ.

وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَسْتَحِلُّونَ أكْلَ ذَبائِحِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ، غَيْرَ أنَّ هَذا إنَّما يَكُونُ في الهَدْيِ المُتَطَوَّعِ بِهِ، فَأمّا دَمُ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، فَعِنْدَنا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ.

وقَدْ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مِن كُلِّ الهَدْيِ يُؤْكَلُ، إلّا ما كانَ مِن فِداءٍ، أوْ جَزاءٍ، أوْ نَذْرٍ.

فَأمّا ﴿ البائِسَ ﴾ فَهو ذُو البُؤْسِ، وهو شِدَّةُ الفَقْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: حَلْقُ الرَّأْسِ، وأخْذُ الشّارِبِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وحَلْقُ العانَةِ، وقَصُّ الأظْفارِ، والأخْذُ مِنَ العارِضَيْنِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَناسِكُ الحَجِّ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: حَلْقُ الرَّأْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: الشَّعْرُ والظُّفْرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ التَّفَثَ: الوَسَخُ، والقَذارَةُ مِن طُولِ الشَّعْرِ والأظْفارِ والشَّعَثِ.

وقَضاؤُهُ: نَقْضُهُ وإذْهابُهُ.

والحاجُّ مُغْبَرٌّ شَعِثٌ لَمْ يَدْهِنْ ولَمْ يَسْتَحِدَّ، فَإذا قَضى نُسُكَهُ وخَرَجَ مِن إحْرامِهِ بِالحَلْقِ، والقَلْمِ، وقَصُّ الأظْفارِ، ولِبْسُ الثِّيابِ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَهَذا قَضاءُ تَفَثِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وأهْلُ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ إلّا مِنَ التَّفْسِيرِ، وكَأنَّهُ الخُرُوجُ مِنَ الإحْرامِ إلى الإحْلالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولْيُوَفُّوا ) بِتَسْكِينِ اللّامِ وتَشْدِيدِ الفاءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو نَحْرُ ما نَذَرُوا مِنَ البُدْنِ.

وقالَ غَيْرُهُ: ما نَذَرُوا مِن أعْمالِ البِرِّ في أيّامِ الحَجِّ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما نَذَرَ أنْ يَتَصَدَّقَ إنْ رَزَقَهُ اللَّهُ رُؤْيَةَ الكَعْبَةِ، وقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ نُذُورٌ مُطْلَقَةٌ، فالأفْضَلُ أنْ يُؤَدِّيَها بِمَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ ﴾ هَذا هو الطَّوافُ الواجِبُ؛ لِأنَّهُ أُمِرَ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، والذَّبْحُ إنَّما يَكُونُ في يَوْمِ النَّحْرِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الطَّوافُ المَفْرُوضُ.

وَفِي تَسْمِيَةِ البَيْتِ عَتِيقًا أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ.

رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَ: " إنَّما سَمّى اللَّهُ البَيْتَ: العَتِيقَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ جَبّارٌ قَطُّ "»، وهَذا قَوْلُ مُجاهِد وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى العَتِيقِ: القَدِيمُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ قَطُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الغَرَقِ زَمانَ الطُّوفانِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ السُّورَةِ في "لْيَقْضُوا "، و" لِيُوفُوا "، و" لِيَطَّوَّفُوا " .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُكَّعِ السُجُودِ ﴾ ﴿ وَأذِّنْ في الناسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ إذْ بَوَّأْنا، و "بَوَّأ" هي تَعْدِيَةٌ بِالتَضْعِيفِ، و"باءَ" مَعْناهُ: رَجَعَ، فَكَأنَّ المُبَوِّئَ يَرُدُّ المُبَوَّأ إلى المَكانِ، واسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ بِمَعْنى "سَكَنَ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ  ﴾ ، وقالَ الشاعِرُ: كَمْ صاحِبٍ لِيَ صالِحٌ بَوَّأتْهُ بِيَدَيَّ لَحْدًا واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إبْراهِيمَ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هي زائِدَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "بَوَّأْنا" نازِلَةٌ مَنزِلَةُ فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللامِ كَنَحْوِ جَعَلْنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ بِـ "بَوَّأْنا" مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: الناسُ أوِ العالَمُ، ثُمْ قالَ: "لِإبْراهِيمَ"، بِمَعْنى: لَهُ كانَتْ هَذِهِ الكَرامَةُ وعَلى يَدَيْهِ بُوِّئُوا.

و"البَيْتُ" هو الكَعْبَةُ، وكانَ -فِيما رُوِيَ- قَدْ جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مُتَعَبَّدًا لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمْ دُرِسَ بِالطُوفانِ وغَيْرِهِ، فَلِما جاءَتْ مُدَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ أمْرَهُ اللهُ تَعالى بِبِنائِهِ، فَجاءَ إلى مَوْضِعِهِ وجَعَلَ يَطْلُبُ أثَرًا، فَبَعَثَ اللهُ رِيحًا فَكَشَفَ لَهُ عن أساسِ آدَمَ فَرَتَّبَ قَواعِدَهُ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ﴾ هي مُخاطَبَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ حُكِيَتْ لَنا، بِمَعْنى قِيلَ لَهُ: " ألّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا "، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "أنْ لا يُشْرِكُ بِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى نُقِلَ مَعْنى القَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ، قالَ أبُو حاتِمْ: ولا بُدَّ مِن نَصْبِ الكافِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، بِمَعْنى: لِئَلّا يُشْرِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ.

وفِي الآيَةِ طَعْنٌ عَلى مَن أشْرَكَ مِن قُطّانِ البَيْتِ، أيْ: هَذا كانَ الشَرْطُ عَلى أبِيكم فَمِن بَعْدُ وأنْتُمْ، فَلَمْ تَفُوا بَلْ أشْرَكْتُمْ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: الخِطابُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أنْ لا تُشْرِكْ ﴾ لِمُحَمَّدٍ  ، وأمَرَ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ والأذانِ بِالحَجِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو الأصَحُّ.

و"تَطْهِيرُ البَيْتِ" عامٌّ في الكَفْرِ والبِدَعِ وجَمِيعِ الأنْجاسِ والدِماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"القائِمُونَ" هُمُ المُصَلُّونَ، وذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن أرْكانِ الصَلاةِ أعْظَمَها وهِيَ: القِيامُ والرُكُوعُ والسُجُودُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَأذِّنْ" بِشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَآذِنْ" بِمَدَّةٍ وتَخْفِيفِ الذالِ، وتَصَحَّفَ هَذا عَلى ابْنِ جِنِّيِّ ؛ فَإنَّهُ حَكى عنهُما "وَأذِنَ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وأعْرَبَ عن ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَهُ عَطْفًا عَلى "بَوَّأْنا".

ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أُمِرَ بِالأذانِ بِالحَجِّ قالَ: يا رَبِّ وإذا نادَيْتُ فَمَن يَسْمَعُنِي؟

فَقِيلَ لَهُ: نادِ يا إبْراهِيمُ، فَعَلَيْكَ النِداءُ وعَلَيْنا البَلاغُ، فَصَعِدَ عَلى أبِي قُبَيْسٍ -وَقِيلَ: عَلى حَجَرِ المَقامِ - ونادى: أيُّها الناسُ، إنَّ اللهَ قَدْ أمَرَكم بِحَجِّ هَذا البَيْتِ فَحُجُّوا، واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ألْفاظِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، واللازِمْ أنْ يَكُونَ فِيها ذِكْرُ البَيْتِ والحَجِّ، ورُوِيَ أنَّهُ يَوْمَ نادى أسْمَعَ كُلَّ مَن يَحُجُّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في أصْلابِ الرِجالِ، وأجابَهُ كُلُّ شَيْءٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جَمادٍ وغَيْرِهِ: لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، فَجَرَتِ التَلْبِيَةُ عَلى ذَلِكَ، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِالحَجِّ" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقٍ في كُلِّ القُرْآنِ بِكَسْرِها، و "رِجالًا" جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتُجّارٍ، [وَصاحِبٍ وصِحابٍ]، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُجَلَّزٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "رُجّالًا" بِضَمِّ الراءِ وشَدِّ الجِيمِ، كَكاتِبٍ وكُتّابٍ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحَقٍ: "رُجالًا" بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وهو قَلِيلٌ في أبْنِيَةِ الجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "رُجالى" عَلى وزْنِ فُعالى، فَهو مِثْلُ كُسالى.

و "الضامِرُ"، قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِها الناقَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ: ناقَةٌ ضامِرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: عَهْدِي بِها في الحَيِّ قَدْ دُرِّعَتْ ∗∗∗ هَيْفاءُ مِثْلَ المُهْرَةِ الضامِرِ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَأْتِينَ" مُسْتَقِيمًا عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الضامِرُ" كُلُّ ما اتَّصَفَ بِذَلِكَ مِن جَمَلٍ أو ناقَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأظْهَرُ، لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الجَماعاتِ أوِ الرِفاقِ، فَيَحْسُنُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: "يَأْتِينَ".

وقَرَأ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَأْتُونَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والضِحاكِ.

وفِي تَقْدِيمِ "رِجالًا" تَفْضِيلٌ لِلْمُشاةِ في الحَجِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما آسى عَلى شَيْءٍ فاتَنِي إلّا أنْ أكُونَ حَجَجْتُ ماشِيًا، فَإنِّي سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: "يَأْتُونَكَ رِجالًا"، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: حَجَّ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَلامُ ماشِيَيْنِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِسُقُوطِ ذِكْرِ البَحْرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فَرْضَ الحَجِّ بِالبَحْرِ ساقِطٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قالَ مالِكٌ في المَوّازِيَّةِ: لا أسْمَعُ لِلْبَحْرِ ذِكْرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأنُّسٌ، لا أنَّهُ يَلْزَمُ مِن سُقُوطِ ذِكْرِ البَحْرِ سُقُوطَ الفَرْضِ، وذَلِكَ أنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ في ضَفَّةِ بَحْرِ فَيَأْتِيها الناسُ بِالسُفُنِ، ولا بُدَّ لِمَن رَكِبَ البَحْرَ أنْ يَصِيرَ في إتْيانِ مَكَّةَ إمّا راجِلًا وإمّا عَلى ضامِرٍ، فَإنَّما ذُكِرَتْ حالَتا الوُصُولِ، وإسْقاطُ فَرْضِ الحَجِّ بِمُجَرَّدِ[عَدَمِ الذِكْرِ] البَحْرُ لَيْسَ بِالكَثِيرِ ولا بِالقَوِيِّ، فَأمّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ عَدُوُّ أو خَوْفٌ أو هَوْلٌ شَدِيدٌ أو مُرْضٌ يُلْحِقُ شَخْصًا ما فَمالِكٌ والشافِعِيٌّ وجُمْهُورُ الناسِ عَلى سُقُوطِ الوُجُوبِ في ذَلِكَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِسَبِيلٍ يُسْتَطاعُ، وذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ (الاسْتِظْهارِ) في هَذا المَعْنى كَلامًا ظاهِرُهُ أنَّ الوُجُوبَ لا يُسْقِطُهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأعْذارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

و "الفَجُّ": الطَرِيقُ الواسِعَةُ، و"العَمِيقُ" مَعْناهُ: البَعِيدُ، وقالَ الشاعِرُ إذا الخَيْلُ جاءَتْ مِن فِجاجٍ عَمِيقَةٍ ∗∗∗ يَمُدُّ بِها في السَيْرِ أشْعَثُ شاحِبُ و"المَنافِعُ" في هَذِهِ الآيَةِ: التِجارَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرِهِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أرادَ الأجْرَ ومَنافِعَ الآخِرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ بِعُمُومِ الوَجْهَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "اسْمَ اللهِ"، يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ هاهُنا المُسَمّى، بِمَعْنى: ويَذْكُرُوا اللهَ، عَلى تَجَوُّزٍ في هَذِهِ العِبارَةِ، إلّا أنْ يُقْصَدَ ذِكْرُ القُلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ التَسْمِياتِ، وذِكْرُ اللهِ تَعالى إنَّما هو بِذِكْرِ أسْمائِهِ، ثُمْ يَذْكُرُ القَلْبُ السُلْطانَ والصِفاتِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنْ يَكُونَ الذِكْرُ بِمَعْنى حَمْدِهِ وتَقْدِيسِهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَتِهِ في الرِزْقِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «إنَّها أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللهِ»، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ تَعالى عَلى النَحْرِ والذَبْحِ، وقالُوا: إنَّ في ذِكْرِ الأيّامِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الذَبْحَ في اللَيْلِ لا يَجُوزُ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِ الرَأْيِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الأيّامُ المَعْلُوماتِ" هي أيّامُ العَشْرِ ويَوْمُ النَحْرِ وأيّامُ التَشْرِيقِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينِ: هي أيّامُ العَشْرِ فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أيّامُ التَشْرِيقِ، ذَكَرَهُ القُتَيْبِيُّ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ فِيها مالِكٌ وأصْحابُهُ: بَلِ الأيّامُ المَعْلُوماتُ يَوْمُ النَحْرِ، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، وأيّامُ التَشْرِيقِ الثَلاثَةُ هي المَعْدُوداتُ، فَيَكُونُ يَوْمُ النَحْرِ مَعْلُومًا لا مَعْدُودًا، واليَوْمانِ بَعْدَهُ مَعْلُومانِ ومَعْدُوداتٌ والرابِعُ مَعْدُودٌ لا مَعْلُومٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَمَلَ هَؤُلاءِ عَلى هَذا التَفْصِيلِ أنَّهم أخَذُوا "ذِكْرَ اسْمِ اللهِ" هُنا عَلى الذَبْحِ لِلْأضاحِيِّ والهَدْيِ وغَيْرِهِ، فاليَوْمُ الرابِعُ لا يُضَحّى فِيهِ عِنْدَ مالِكٍ وجَماعَةٍ، وأخَذُوا التَعَجُّلَ والتَأخُّرَ بِالنَفَرِ في الأيّامِ المَعْدُوداتِ، فَتَأمَّلْ هَذا يَبِنْ لَكَ قَصْدُهُمْ، ويَظْهَرُ أنْ تَكُونَ المَعْلُوماتُ والمَعْدُوداتُ بِمَعْنًى، أيْ تِلْكَ الأيّامُ الفاضِلَةُ كُلُّها، ويَبْقى أمْرُ الذَبْحِ وأمْرُ الِاسْتِعْجالِ لا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُودٍ ولا بِمَعْلُومٍ، وتَكُونُ فائِدَةُ قَوْلِهِ: "مَعْلُوماتٍ" و"مَعْدُوداتٍ" التَحْرِيضَ عَلى هَذِهِ الأيّامِ وعَلى اغْتِنامِ فَضْلِها؛ إذْ لَيْسَتْ كَغَيْرِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي مَخْصُوصاتٌ فَلْتُغْتَنَمْ.

وقَوْلُهُ، تَعالى: "فَكُلُوا" نَدَبَ، واسْتَحَبَّ أهْلُ العِلْمِ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْكُلَ مِن هَدْيِهِ أو ضَحِيَّتِهِ مَعَ التَصَدُّقِ بِأكْثَرِها، مَعَ تَجْوِيزِهِمُ الصَدَقَةَ بِالكُلِّ وأكْلَ الكُلِّ، و"البائِسُ": الَّذِي قَدْ مَسَّهُ ضُرُّ الفاقَةِ وبُؤْسُها، يُقالُ: بَأسَ الرَجُلُ يَبْؤُسُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن نَزَلَتْ بِهِ نازِلَةُ دَهْرٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ فَقْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «لَكِنَّ البائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةٍ»، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ أهْلُ الحاجَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وأذّن ﴾ عطف على ﴿ وطهر بيتي ﴾ [الحج: 26].

وفيه إشارة إلى أن من إكرام الزائر تنظيف المنزل وأنّ ذلك يكون قبل نزول الزائر بالمكان.

والتأذين: رفع الصوت بالإعلام بشيء.

وأصله مضاعف أذن إذا سمع ثم صار بمعنى بلغه الخبر فجاء منه آذن بمعنى أخبر.

وأذّن بما فيه من مضاعفة الحروف مشعر بتكرير الفعل، أي أكثر الإخبار بالشيء.

والكثرة تحصل بالتكرار وبرفع الصوت القائم مقام التكرار.

ولكونه بمعنى الإخبار يُعدّى إلى المفعول الثاني بالباء.

والناس يعمّ كل البشر، أي كل ما أمكنه أن يبلغ إليه ذلك.

والمراد بالحجّ: القصد إلى بيت الله.

وصار لفظ الحجّ علماً بالغلبة على الحضور بالمسجد الحرام لأداء المناسك.

ومن حكمة مشروعيته تلقي عقيدة توحيد الله بطريق المشاهدة للهيكل الذي أقيم لذلك حتى يرسخ معنى التوحيد في النفوس لأن للنفوس ميلاً إلى المحسوسات ليتقوى الإدراك العقلي بمشاهدة المحسوس.

فهذه أصل في سنّة المؤثرات لأهل المقصد النافع.

وفي تعليق فعل ﴿ يأتوك ﴾ بضمير خطاب إبراهيم دلالة على أنه كان يحضر موسم الحجّ كل عام يبلّغ للناس التوحيد وقواعد الحنيفية.

روي أن إبراهيم لما أمره الله بذلك اعتلى جبل أبي قيس وجعل أصبعيه في أذنيه ونادى: «إن الله كتب عليكم الحجّ فْحُجُّوا».

وذلك أقصى استطاعته في امتثال الأمر بالتأذين.

وقد كان إبراهيم رحّالة فلعله كان ينادي في الناس في كل مكان يحل فيه.

وجملة ﴿ يأتوك ﴾ جواب للأمر، جعل التأذين سبباً للإتيان تحقيقاً لتيسير الله الحج على الناس.

فدل جواب الأمر على أنّ الله ضمن له استجابة ندائه.

وقوله ﴿ رجالاً ﴾ حال من ضمير الجمع في قوله ﴿ يأتوك ﴾ .

وعطف عليه و ﴿ على كل ضامر ﴾ بواو التقسيم التي بمعنى (أو) كقوله تعالى: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ [التحريم: 5] إذ معنى العطف هنا على اعتبار التوزيع بين راجل وراكب، إذ الراكب لا يكون راجلاً ولا العكس.

والمقصود منه استيعاب أحوال الآتين تحقيقاً للوعد بتيسير الإتيان المشار إليه بجعل إتيانهم جواباً للأمر، أي يأتيك من لهم رواحل ومن يمشون على أرجلهم.

ولكون هذه الحال أغرب قدّم قوله ﴿ رجالاً ﴾ ثم ذكر بعده ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ تكملة لتعميم الأحوال إذ إتيان الناس لا يعدو أحد هذين الوصفين.

و ﴿ رجالاً ﴾ : جمع راجل وهو ضد الراكب.

والضامر: قليل لحم البطن.

يقال: ضمر ضمُوراً فهو ضامر، وناقة ضامر أيضاً.

والضمور من محاسن الرواحل والخيللِ لأنه يعينها على السير والحركة.

فالضامر هنا بمنزلة الاسم كأنه قال: وعلى كلّ راحلة.

وكلمة (كُلّ) من قوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ مستعملة في الكثرة، أي وعلى رواحل كثيرة.

وكلمة (كلّ) أصلها الدلالة على استغراق جنس ما تضاف إليه ويكثر استعمالها في معنى كثير مما تضاف إليه كقوله تعالى: ﴿ وأوتيت من كل شيء ﴾ [النمل: 23] أي من أكثر الأشياء التي يؤتاها أهل الملك، وقول النابغة: بها كلّ ذيّال وخنساء ترعوي *** إلى كلّ رجّاف من الرمل فارد أي: بها وحش كثير في رمال كثيرة.

وتكرر هذا الإطلاق ثلاث مرات في قول عنترة: جادت عليه كلّ بِكْرٍ حُرة *** فتركْنَ كلّ قرارة كالدرهم سَحاً وتسكاباً فكلّ عشيةٍ *** يجري عليها الماء لم يتصرم وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ﴾ في [سورة البقرة: 145].

ويأتي إن شاء الله في سورة النمل.

و ﴿ يأتين ﴾ يجوز أن يكون صفة ل ﴿ كل ضامر ﴾ لأن لفظ (كل) صيره في معنى الجمع.

وإذ هو جمع لما لا يعقل فحقه التأنيث، وإنما أسند الإتيان إلى الرواحل دون الناس فلم يقل: يأتون، لأنّ الرواحل هي سبب إتيان الناس من بُعد لمن لا يستطيع السفر على رجليه.

ويجوز أن تُجعل جملة ﴿ يأتين ﴾ حالاً ثانية من ضمير الجمع في ﴿ يأتوك ﴾ لأنّ الحال الأولى تضمنت معنى التنويع والتصنيف، فصار المعنى: يأتوك جماعات، فلما تأوّل ذلك بمعنى الجماعات جرى عليهم الفعل بضمير التأنيث.

وهذا الوجه أظهر لأنه يتضمن زيادة التعجيب من تيسير الحج حتى على المشاة.

وقد تشاهد في طريق الحج جماعات بين مكة والمدينة يمشون رجالاً بأولادهم وأزوادهم وكذلك يقطعون المسافات بين مكة وبلادهم.

والفجّ: الشقّ بين جبلين تسير فيه الركاب، فغلب الفجّ على الطريق لأن أكثر الطرق المؤدية إلى مكة تُسلك بين الجبال.

والعميق: البعيد إلى أسفل لأن العمق البعد في القعر، فأطلق على البعيد مطلقاً بطريقة المجاز المرسل، أو هو استعارة بتشبيه مكة بمكان مرتفع والناس مصعدون إليه.

وقد يطلق على السفر من موطن المسافر إلى مكان آخر إصعاد كما يطلق على الرجوع انحدار وهبوط، فإسناد الإتيان إلى الرواحل تشريف لها بأن جعلها مشاركة للحجيج في الإتيان إلى البيت.

وقوله ﴿ ليشهدوا ﴾ يتعلق بقوله ﴿ يأتوك ﴾ فهو علّة لإتيانهم الذي هو مسبب على التأذين بالحجّ فآل إلى كونه علّة في التأذين بالحجّ.

ومعنى ﴿ لِيَشهدوا ﴾ ليحضروا منافع لهم، أي ليحضروا فيحصّلوا منافع لهم إذ يحصّل كلّ واحد ما فيه نفعه.

وأهم المنافع ما وعدهم الله على لسان إبراهيم عليه السلام من الثواب.

فكُني بشهود المنافع عن نيلها.

ولا يعرف ما وعدهم الله على ذلك بالتعيين.

وأعظم ذلك اجتماع أهل التوحيد في صعيد واحد ليتلقى بعضهم عن بعض ما به كمال إيمانه.

وتنكير ﴿ منافع ﴾ للتعظيم المراد منه الكثرة وهي المصالح الدينية والدنيوية لأن في مجمع الحجّ فوائد جمّة للناس: لأفرادهم من الثواب والمغفرة لكل حاج، ولمجتمعهم لأن في الاجتماع صلاحاً في الدنيا بالتعارف والتعامل.

وخُص من المنافع أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.

وذلك هو النحر والذبح للهدايا.

وهو مجمل في الواجبة والمتطوع بها.

وقد بيّنْته شريعة إبراهيم من قبل بما لم يبلغ إلينا، وبيّنه الإسلام بما فيه شفاء.

وحرف ﴿ على ﴾ متعلّق ب ﴿ يذكروا، ﴾ وهو للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى الملابسة والمصاحبة، أي على الأنعام.

وهو على تقدير مضاف، أي عند نحر بهيمة الأنعام أو ذبحها.

و (ما) موصولة، و ﴿ من بهيمة الأنعام ﴾ بيان لمدلول (ما).

والمعنى: ليذكروا اسم الله على بهيمة الأنعام.

وأدمج في هذا الحكم الامتنان بأنّ الله رزقهم تلك الأنعام، وهذا تعريض بطلب الشكر على هذا الرزق بالإخلاص لله في العبادة وإطعام المحاويج من عباد الله من لحومها، وفي ذلك سد لحاجة الفقراء بتزويدهم ما يكفيهم لعامهم، ولذلك فرع عليه ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ .

فالأمر بالأكل منها يحتمل أن يكون أمر وجوب في شريعة إبراهيم عليه السلام فيكون الخطاب في قوله ﴿ فكلوا ﴾ لإبراهيم ومن معه.

وقد عدل عن الغيبة الواقعة في ضمائر ﴿ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ﴾ ، إلى الخطاب بذلك في قوله: ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس ﴾ الخ.

على طريقة الالتفات أو على تقدير قول محذوف مأمورٍ به إبراهيم عليه السلام.

وفي حكاية هذا تعريض بالرد على أهل الجاهلية إذ كانوا يمنعون الأكل من الهدايا.

ثم عاد الأسلوب إلى الغيبة في قوله: ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ [الحج: 29].

ويحتمل أن تكون جملة ﴿ فكلوا منها ﴾ الخ معترضة مفرّعة على خطاب إبراهيم ومن معه تفريعَ الخبر على الخبر تحذيراً من أن يُمنع الأكل من بعضها.

والأيام المعلومات أجملت هنا لعدم تعلّق الغرض ببيانها إذ غرض الكلام ذكر حجّ البيت وقد بينت عند التعرض لأعمال الحج عند قوله تعالى: ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ [البقرة: 203].

والبائس: الذي أصابه البؤس، وهو ضيق المال، وهو الفقير، هذا قول جمع من المفسرين.

وفي «الموطأ»: في باب ما يكره من أكل الدواب، قال مالك: سمعت أن البائس هو الفقير اه.

وقلت: من أجل ذلك لم يعطف أحد الوصفين على الآخر لأنه كالبيان له وإنما ذكر البائس مع أنّ الفقير مغن عنه لترقيق أفئدة الناس على الفقير بتذكيرهم أنه في بؤس لأن وصف فقير لشيوع تداوله على الألسن صار كاللقب غيرَ مشعر بمعنى الحاجة وقد حصل من ذكر الوصفين التأكيد.

وعن ابن عباس: البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير: الذي تكُون ثيابه نقيّة ووجهه وجه غني.

فعلى هذا التفسير يكون البائس هو المسكين ويكون ذكر الوصفين لقصد استيعاب أحوال المحتاجين والتنبيه إلى البحث عن موقع الامتناع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ شُهُودُ المَواقِفِ وقَضاءُ المَناسِكِ.

والثّانِي: أنَّها المَغْفِرَةُ لِذُنُوبِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّها التِّجارَةُ في الدُّنْيا والأجْرُ في الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ آخِرُها يَوْمُ النَّحْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةُ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ويَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

﴿ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ ﴾ يَعْنِي عَلى نَحْرٍ ما رَزَقَهم نَحْرَهُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ مِنَ الضَّحايا والهَدايا.

﴿ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ ﴾ في الأكْلِ والإطْعامِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الأكْلَ والإطْعامَ واجِبانِ لا يَجُوزُ أنْ يُخِلَّ بِأحَدِهِما، وهَذا قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ.

والثّانِي: أنَّ الأكْلَ والإطْعامَ مُسْتَحَبّانِ، ولَهُ الِاقْتِصارُ عَلى أيِّهِما شاءَ وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الأكْلَ مُسْتَحَبٌّ والإطْعامَ واجِبٌ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، فَإنْ أطْعَمَ جَمِيعَها أجْزَأهُ، وإنْ أكَلَ جَمِيعَها لَمْ يُجْزِهِ، وهَذا فِيما كانَ تَطَوُّعًا، وأمّا واجِباتُ الدِّماءِ فَلا يَجُوزُ أنْ نَأْكُلَ مِنها.

وَفِي ﴿ البائِسَ الفَقِيرَ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي بِهِ زَمانَةٌ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الفَقِيرُ الَّذِي بِهِ ضُرُّ الجُوعِ.

والثّالِثُ: أنَّ الفَقِيرَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ البُؤْسِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يَمُدُّ يَدَهُ بِالسُّؤالِ ويَتَكَفَّفُ بِالطَّلَبِ.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي يُؤْنَفُ عَنْ مُجالَسَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَناسِكُ الحَجِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ.

والثّانِي: حَلْقُ الرَّأْسِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ.

حَفُّوا رُؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا.

.

.

.

.

.

.

.

.

والثّالِثُ: رَمْيُ الجِمارِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: إزالَةُ قَشَفِ الإحْرامِ مِن تَقْلِيمٍ ظُفْرٍ وأخْذِ شَعْرٍ وغَسْلٍ واسْتِعْمالِ الطِّيبِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وَقِيلَ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ: ما المَعْنى في شَعَثِ المُحْرِمِ؟

قالَ: لِيَشْهَدَ اللَّهُ تَعالى مِنكَ الإعْراضَ عَنِ العِنايَةِ بِنَفْسِكَ فَيَعْلَمَ صِدْقَكَ في بَذْلِها لِطاعَتِهِ.

وَسُئِلَ الحَسَنُ عَنِ التَّجَرُّدِ في الحَجِّ فَقالَ: جَرِّدْ قَلْبَكَ مِنَ السَّهْوِ، ونَفْسَكَ مِنَ اللَّهْوِ ولِسانَكَ مِنَ اللَّغْوِ، ثُمَّ يَجُوزُ كَيْفَ شِئْتَ.

وَقالَ الشّاعِرُ: قَضَوْا تَفَثًا ونَحْبًا ثُمَّ سارُوا ∗∗∗ إلى نَجْدٍ وما انْتَظَرُوا عَلِيًّا ﴿ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ وهو تَأْدِيَةٌ ما نَذَرُوهُ في حَجِّهِمْ مِن نَحْرٍ أوْ غَيْرِهِ.

﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ ﴾ يَعْنِي طَوافَ الإفاضَةِ، وهو الواجِبُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، ولا يَجُوزُ في الحَجِّ إلّا بَعْدَ عَرَفَةَ، وإنْ جازَ السَّعْيُ.

وَفِي تَسْمِيَةِ البَيْتِ عَتِيقًا أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لِأنَّهُ عَتِيقٌ لَمْ يَمْلِكْهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الغَرَقِ في الطُّوفانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب ﴾ قال: ألهموا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: في الخصومة، إذ قالوا: الله مولانا ولا مولى لكم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: القرآن ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ قال: الإسلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: الإخلاص ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ قال: الإسلام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله، الذي قال: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ .

وأخرج عبد حميد عن ابن عباس قال: الحرم كله هو المسجد الحرام.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: خلق الله فيه سواء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء ﴾ يعني شرعاً واحداً ﴿ العاكف فيه ﴾ قال: أهل مكة في مكة أيام الحج ﴿ والباد ﴾ قال: من كان في غير أهلها من يعتكف به من الآفاق، قال: هم في منازل مكة، سواء، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال البادي وأهل مكة سواء في المنزل والحرم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: سواء في تعظيم البلد وتحريمه.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان، عن قتادة في الآية قال: ﴿ سواء ﴾ في جواره وأمنه وحرمته ﴿ العاكف فيه ﴾ أهل مكة ﴿ والباد ﴾ من يعتكفه من أهل الآفاق.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن حصين قال: سألت سعيد بن جبير: أعتكف بمكة؟

قال: لا...

أنت معتكف ما أقمت.

قال الله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في الآية قال: الناس بمكة سواء، ليس أحد أحق بالمنازل من أحد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن عبدالله بن عمرو قال: من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطنه ناراً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء، أنه كان يكره أن تباع بيوت مكة أو تكرى.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يكره إجارة بيوت مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر، أن عمر نهى أن تغلق أبواب دور مكة، فإن الناس كانوا ينزلون منها حيث وجدوا، حتى كانوا يضربون فساطيطهم في الدور.

وأخرج ابن سعد عن عمر بن الخطاب، أن رجلاً قال له عند المروة: يا أمير المؤمنين، أقطعني مكاناً لي ولعقبي.

فأعرض عنه عمر وقال: هو حرم الله ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: بيوت مكة لا تحل إجارتها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جريج قال: أنا قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز على الناس بمكة، فنهاهم عن كراء بيوت مكة ودورها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال: من أكل شيئاً من كراء مكة، فإنما يأكل ناراً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاج في عرصات الدور.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه قال: لم يكن للدور بمكة أبواب، كان أهل مصر وأهل العراق يأتون فيدخلون دور مكة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: البادي، الذي يجيء من الحج والمقيمون سواء في المنازل ينزلون حيث شاؤوا ولا يخرج رجل من بيته.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: سواء المقيم والذي يرحل» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن عمر أنه قال: يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث شاء.

وأخرج الدارقطني عن ابن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً» .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود رفعه في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: لو أن رجلاً هم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين، لأذاقه الله تعالى عذاباً أليماً.

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ قال: من هم بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين: أحدهما مهاجري والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب فغضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة.

فنزلت فيه ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ يعني من لجأ إلى الحرم ﴿ بإلحاد ﴾ يعني بميل عن الإسلام.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان، عن قتادة في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد...

﴾ .

قال: من لجأ إلى الحرم ليشرك فيه عذبه الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: بشرك.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: هو أن يعبد فيه غير الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ يعني أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك.

فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم.

وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.

وأخرج البخاري في تاريخه وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن يعلى بن أمية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه» .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال: بيع الطعام بمكة إلحاد.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «احتكار الطعام بمكة إلحاد» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن مجاهد قال: كان لعبد الله بن عمرو فسطاطان: أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يصلي صلى في الذي في الحرم، واذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل.

فقيل له فقال: كنا نحدَّث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلا والله وبلى والله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآيه قال: شتم الخادم في الحرم ظلم فما فوقه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: تجارة الأمير بمكة إلحاد.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: أقبل تبع بريد الكعبة، حتى إذا كان بكراع الغميم بعث الله تعالى عليه ريحاً، لا يكاد القائم يقوم إلا بمشقة.

ويذهب القائم يقعد فيصرع، وقامت عليه ولقوا منها عناء، ودعا تبع حبريه فسألهما: ما هذا الذي بعث عليّ؟

قالا: أو تؤمنا؟

قال: أنتم آمنون.

قالا: فإنك تريد بيتاً يمنعه الله ممن أراده!

قال: فما يذهب هذا عني؟

قالا: تجرد في ثوبين ثم تقول: لبيك اللهم لبيك، ثم تدخل فتطوف به فلا تهيج أحداً من أهله.

قال: فإن أجمعت على هذا، ذهبت هذه الريح عني؟

قالا: نعم.

فتجرد ثم لبى فأدبرت الريح كقطع الليل المظلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ قال: حدثنا شيخ من عقب المهاجرين والأنصار، أنهم أخبروه أن أيما أحد أراد به ما أراد أصحاب الفيل، عجل لهم العقوبة في الدنيا وقال: إنما يؤتي استحلاله من قبل أهله.

فأخبرني عنهم أنه وجد سطران بمكة مكتوبان في المقام: أما أحدهما، فكان كتابته: بسم الله والبركة، وضعت بيتي بمكة طعام أهله اللحم والسمن والتمر، ومن دخله كان آمناً لا يحله إلا أهله.

قال: لولا أن أهله هم الذين فعلوا به ما قد علمت لعجل لهم في الدنيا العذاب.

قال: ثم أخبرني أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبل أن يستحل منه الذي يستحل قال: أجد مكتوباً في الكتاب الأول: عبد الله يستحل به الحرم، وعنده عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير.

فقال: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، قال كل واحد منهما: لست قاراً به إلا حاجاً أو معتمراً أو حاجة لا بد منها.

وسكت عبد الله بن الزبير فلم يقل شيئاً فاستحل من بعد ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: من هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها.

ولو أن رجلاً كان بعدن أبين حدث نفسه بأن يلحد في البيت، والإلحاد فيه: أن يستحل فيه ما حرم الله عليه فمات قبل أن يصل إلى ذلك، أذاقه الله من عذاب أليم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد ﴾ قال: ان الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه وما عملها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: القتل والشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي مليكة، أنه سئل عن قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء إعلاج من أهل البصرة إلى إعلاج من أهل الكوفة، فزعموا أنها الشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: ما من عبد يهم بذنب فيؤاخذه الله بشيء حتى يعمله، إلا من هم بالبيت العتيق شراً فإنه من هم به شراً عجل الله له.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الحجاج في الآية قال: إن الرجل يحدث نفسه أن يعمل ذنباً بمكة فيكتبه الله عليه ذنباً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال: رأيت عبد الله بن عمرو بعرفة، ومنزله في الحل ومسجده في الحرم فقلت له: لم تفعل هذا؟؟

قال: لأن العلم فيه أفضل والخطيئة فيه أعظم.

والله أعلم.

وأخرج أبو الشيخ وابن عدي وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دثر مكان البيت فلم يحجه هود ولا صالح حتى بوأه الله لإبراهيم» .

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابن على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص.

فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر.

وذلك حين يقول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رياح قال: لما أهبط الله آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، فيسمع كلام أهل السماء ودعاءهم فيأنس إليهم، فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فأخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة فكان موضع قدمه قرية وخطوة مفازة، حتى انتهى إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله الطوفان فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم فبناه.

فذلك قول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق معمر، عن قتادة قال: وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله فقال الله: «يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي...

فاخرج إليه» فخرج اليه آدم ومدّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة.

فلم تزل تلك المفاوز بعد على ذلك...

وأتى آدم فطاف به ومن بعده من الأنبياء.

قال معمر: وأخبرني أبان أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة.

قال معمر: وبلغني أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً، حتى إذا أغرق الله قوم نوح فقدوا بقي أساسه، فبوّأه الله لإبراهيم فبناه بعد ذلك.

فذلك قول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

قال معمر: قال ابن جريج: قال ناس: أرسل الله سبحانه سحابه فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تأخذ قدر هذه السحابة.

فجعل ينظر إليها ويخط قدرها.

قال الرأس: قد فعلت؟

قال: نعم.

ثم ارتفعت فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض.

قال ابن جريج: قال مجاهد: أقبل الملك والصرد والسكينة مع إبراهيم من الشام، فقالت السكينة: يا إبراهيم، ريض على البيت.

قال: فلذلك لا يطوف البيت أعرابي ولا ملك من هذه الملوك، إلا رأيت عليه السكينة والوقار.

قال ابن جريج: وقال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: وكان الله استودع الركن أبا قبيس، فلما بنى إبراهيم ناداه أبو قبيس فقال: يا إبراهيم، هذا الركن فيّ فخده.

فحفر عنه فوضعه، فلما فرغ إبراهيم من بنائه قال: قد فعلت يا رب، فأرنا مناسكنا...

أبرزها لنا وعلمناها.

فبعث الله جبريل فحج به، حتى إذا رأى عرفة قال: قد عرفت.

وكان أتاها قبل ذلك مرة.

قال: فلذلك سميت عرفة، حتى إذا كان يوم النحر عرض له الشيطان فقال: احصب.

فحصبه بسبع حصيات.

ثم اليوم الثاني فالثالث فسدّ ما بين الجبلين- يعني إبليس- فلذلك كان رمي الجمار.

قال: اعل على ثبير.

فعلاه فنادى: يا عباد الله، أجيبوا الله...

يا عباد الله، أطيعوا الله...

فسمع دعوته من بين الأبحر السبع ممن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.

فهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك قوله: لبيك اللهم لبيك، ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: كان البيت غثاة- وهي الماء- قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عاماً، ومنه دحيت الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن السدي قال: إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل، فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة من البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس.

فذلك حين يقول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ فلما بنيا القواعد فبلغ مكان الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه ههنا.

قال: يا أبت، اني كسلان لغب.

قال: عليّ ذلك.

فانطلق يطلب له حجراً فأتاه بحجر فلم يرضه، فقال: ائتني بحجر أحسن من هذا.

فانطلق يطلب حجراً فجاءه جبريل بالحجر الأسود من الجنة، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسوّد من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجد عنده الركن فقال: يا أبت، من جاءك بهذا؟

قال: جاءني به من هو أنشط منك.

فبينما هما يدعوان بالكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه، فلما فرغا من البنيان أمره الله أن ينادي.

فقال: ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن حوشب بن عقيل قال: سألت محمد بن عباد بن جعفر: متى كان البيت؟

قال: خلقت الأشهر له.

قلت: كم كان طول بناء إبراهيم؟

قال: ثمانية عشر ذراعاً.

قلت: كم هو اليوم قال: ستة وعشرون ذراعاً: قلت: هل بقي من حجارة بناء إبراهيم شيء؟

قال: حشي به البيت إلا حجرين مما يليا الحجر.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال الله لنبيه ﴿ وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ﴾ قال: طواف قبل الصلاة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة، إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله: ﴿ للطائفين ﴾ قال: الذين يطوفون به ﴿ والقائمين ﴾ قال: المصلين عنده.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: القائمون، المصلون.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: ربّ، قد فرغت.

فقال: ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟

قال: أذّن وعليّ البلاغ.

قال: ربّ، كيف أقول؟

قال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق...

فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون...؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي، عن ابن عباس قال: لما بنى إبراهيم البيت، أوحى الله إليه أن أذن في الناس بالحج.

فقال: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتاً وأمركم أن تحجوه.

فاستجاب له ما سمعه من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء.

فقالوا: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أمر الله إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج، صعد أبا قبيس فوضع أصبعيه في أذنيه ثم نادى: إن الله كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم.

فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن.

فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة، إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ.

وأخرج الديلمي بسندٍ واهٍ، عن علي رفعه: لما نادى إبراهيم بالحج لبى الخلق، فمن لبى تلبية واحدة حج حجة واحدة، ومن لبى مرتين حج حجتين، ومن زاد فبحساب ذلك.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذّن في الناس بالحج ﴾ قال: قام إبراهيم عليه السلام على الحجر فنادى: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج...

فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجاب من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: وقرت في كل ذكر وأنثى.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، أوحى الله إليه أن ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ فخرج فنادى في الناس: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه.

فلم يسمعه حينئذ من إنس ولا جن ولا شجرة ولا أكمة ولا تراب ولا جبل ولا ماء ولا شيء، إلا قال: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان، عن عبد الله بن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم في الحج ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بدعاء الناس إلى الله، استقبل المشرق فدعا، ثم استقبل المغرب فدعا، ثم استقبل الشام فدعا، ثم استقبل اليمن فدعا، فأجيب: لبيك لبيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة، أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام أن ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ فقام على الحجر فقال: يا أيها الناس، إن الله يأمركم بالحج.

فأجابه من كان مخلوقاً في الأرض يومئذ، ومن كان في أرحام النساء، ومن كان في أصلاب الرجال، ومن كان في البحور، فقالوا: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: قال جبريل لإبراهيم ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: كيف أؤذن؟

قال: قل يا أيها الناس، أجيبوا إلى ربكم؛ ثلاث مرات.

فأجاب العباد فقالوا: لبيك اللهم ربنا لبيك، لبيك اللهم ربنا لبيك.

فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاج.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت، أمر إبراهيم أن يؤذن بالحج، فقام على الصفا فنادى بصوت سمعه ما بين المشرق والمغرب يا أيها الناس، أجيبوا إلى ربكم.

فأجابوه وهم في أصلاب آبائهم فقالوا: لبيك.

قال: فإنما يحج البيت اليوم من أجاب إبراهيم يومئذ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما أذن إبراهيم بالحج قال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فلبى كل رطب ويابس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد قال: لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، قام على المقام فنادى بصوت أسمع من بين المشرق والمغرب: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد قال: قال إبراهيم: كيف أقول؟

قال: قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم.

فما خلق الله من جبل ولا شجر ولا شيء من المطيعين له، إلا ينادي: لبيك اللهم لبيك.

فصارت التلبية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: تطاول به المقام حتى كان كأطول جبل في الأرض، فأذن فيهم بالحج فأسمع من تحت البحور السبع وقالوا: لبيك أطعنا...

لبيك أجبنا.

فكل من حج إلى يوم القيامة ممن استجاب له يومئذ.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: قيل لإبراهيم ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ قال: يا رب، كيف أقول؟

قال: قل لبيك اللهم لبيك.

فكان إبراهيم أول من لبى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أمر إبراهيم بالحج قام على المقام فنادى نداء سمعه جميع أهل الأرض: ألا إن ربكم قد وضع بيتاً وأمركم أن تحجوه.

فجعل الله في أثر قدميه آية في الصخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء قال: صعد إبراهيم على الصفا فقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فأسمع من كان حياً في أصلاب الرجال.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: أجاب إبراهيم كل جنّي وإنسي وكل شجر وحجر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال: لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس، تواضعت له الجبال ورفعت له الأرض فقام فقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: صعد إبراهيم أبا قبيس فقال: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن إبراهيم رسول الله...

أيها الناس، إن الله أمرني أن أنادي في الناس بالحج.

..

أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فأجابه من أخذ الله ميثاقه بالحج إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ يعني بالناس أهل القبلة، ألم تسمع أنه قال: ﴿ إن أول بيت وضع للناس...

﴾ [ آل عمران: 96] إلى قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ [ آل عمران: 97] يقول: ومن دخله من الناس الذين أمر أن يؤذن فيهم وكتب عليهم الحج.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، ﴿ يأتوك رجالاً ﴾ قال: مشاة ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: الإبل ﴿ يأتين من كل فج عميق ﴾ قال: بعيد.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت ابن عباس يقول: ما آسى على شيء إلا أني لم أكن حججت راجلاً؛ لأني سمعت الله يقول ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ وهكذا كان يقرأوها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما آسى على شيء فاتني، إلا أني لم أحج ماشياً حتى أدركني الكبر أسمع الله تعالى يقول ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ فبدأ بالرجال قبل الركبان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد، أن إبراهيم وإسماعيل حجا وهما ماشيان.

وأخرج ابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج من مكة ماشياً حتى يرجع إلى مكة، كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم.

قيل: وما حسنات الحرم؟

قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة» .

وأخرج ابن سعد وابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل قدم سبعمائة حسنة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله، وما حسنات الحرم!؟

قال: الحسنة مائة ألف حسنة» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة لتصافح ركاب الحجاج وتعتنق المشاة» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يأتوك رجالاً ﴾ قال: على أرجلهم ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: الإبل ﴿ يأتون من كل فج عميق ﴾ يعني مكان بعيد.

وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يحجون ولا يتزوّدون، فأنزل الله: ﴿ وتزودوا ﴾ [ البقرة: 197] .

وكانوا يحجون ولا يركبون، فأنزل الله: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: طريق بعيد قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: فساروا العناء وسدوا الفجاج ** بأجساد عادلها آيدات وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ قال: هم المشاة والركبان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: ما تبلغه المطي حتى تضمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: طريق بعيد.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: مكان بعيد.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال: لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركباً يريدون البيت فقال: من أنتم؟

فأجابه أحدثهم سناً فقال: عباد الله المسلمون.

فقال: من أين جئتم؟

قال: من الفج العميق.

قال: أين تريدون؟

قال: البيت العتيق.

فقال عمر رضي الله عنه: تأوّلها لعمر الله.

فقال عمر رضي الله عنه: من أميركم؟

فأشار إلى شيخ منهم، فقال عمر: بل أنت أميرهم لأحدثهم سناً الذي أجابه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: أسواقاً كانت لهم.

ما ذكر الله منافع إلا الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة.

فأمّا منافع الآخرة، فرضوان الله عز وجل.

وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذكروا اسم الله ﴾ قال: فيما ينحرون من البدن.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويذكروا اسم الله ﴾ قال: كان يقال: إذا ذبحت نسيكتك فقل بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك عن فلان، ثم كل وأطعم كما أمرك الله: الجار والأقرب فالأقرب.

وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب العيدين وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأيام المعلومات، أيام العشر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ في أيام معلومات ﴾ يعني أيام التشريق.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ في أيام معلومات ﴾ يعني أيام التشريق ﴿ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ﴾ يعني البدن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات والمعدودات، هن جميعهن أربعة أيام.

فالمعلومات، يوم النحر ويومان بعده.

والمعدودات، ثلاثة أيام بعد يوم النحر.

وأخرج ابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات، يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في أيام معلومات ﴾ قال: قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ومجاهد رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات، أيام العشر.

وأخرج عن سعيد بن جبير والحسن رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائح نسائكم، فأنزل الله: ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن مجاهد في الآية قال: هي رخصة، إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.

بمنزلة قوله: ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ فكلوا منها وأطعموا ﴾ قال: إذا ذبحتم فاهدوا وكلوا وأطعموا وأقلوا لحوم الأضاحي عندكم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي رضي الله عنه ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ قال: هي في الأضاحي.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه قال: إن شاء أكل من الهدي والأضحية؛ وإن شاء لم يأكل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فكلوا منها ﴾ أن ابن مسعود كان يقول للذي يبعث: بهديه معه: كُلْ ثلثاً، وتصدق بالثلث، واهد لآل عتبة ثلثاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جزور بضعة، فجعلت في قدر فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي من اللحم وحسوا من المرق.

قال سفيان: لأن الله يقول ﴿ فكلوا منها ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأطعموا البائس ﴾ قال: الزمن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ وأطعموا البائس الفقير ﴾ قال: ﴿ البائس ﴾ الذي لم يجد شيئاً من شدة الحاجة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت طرفة وهو يقول: يغشاهم البائس المدقع ** والضيف وجار مجاور جنب وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ومجاهد قالا ﴿ البائس ﴾ الذي يمد كفيه إلى الناس يسأل.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: ﴿ البائس ﴾ المضطر الذي عليه البؤس و ﴿ الفقير ﴾ الضعيف.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله و ﴿ البائس الفقير ﴾ قال: هما سواء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ البائس الفقير ﴾ الذي به زمانه وهو فقير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ لِيَشْهَدُوا ﴾ أي: ليحضروا مشاهد مكة ومشاعرها.

يعني: الناس الذين ذكروا في قوله ﴿ يَأْتُوكَ ﴾ .

قولى: ﴿ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي رزين: هي الأسواق (١) وهو قول سعيد بن جبير والسدي: يعني التجارة (٢) (٣) وعلى هذا المنافع تختص بمنافع الدنيا.

وقال في رواية عطاء: منافع لهم في الدنيا والآخرة (٤) وهو قول مجاهد: يعني التجارة، وما يرضي الله سبحانه من عمل الدنيا والآخرة (٥) والمنافع على هذا القول شائعة في الأجر والتجارة (٦) وقال العوفي، وسعيد بن المسيب، والباقر (٧) (٨) وهذا القول اختيار أبي إسحاق، قال: ليشهدوا ما ندبهم الله إليه مما فيه النفع لهم في آخرتهم (٩) قوله: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أيام الحج، وهي يوم عرفة والنحر وأيام التشريق (١٠) وهذا القول اختيار أبي إسحاق (١١) (١٢) وإنما قيل لهذه معدودات لأنها قليلة، وقيل لتلك معلومات للحرص على علمها (١٣) (١٤) وقال مقاتل: المعلومات: أيام التشريق (١٥) (١٦) قال أبو إسحاق: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله ﴿ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ (١٧) [يعني أن هذه الأيام يجب أن تختص بأيام الذبح، لأن قوله ﴿ لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ (١٨) قال قتادة: كان (١٩) (٢٠) وأول وقت الذبح يوم النحر إذا طلعت الشمس، ومضى من اليوم مقدار صلاة رسول الله -  -، فمن ذبح قبل هذا لم يحتسب من الضحايا، وآخر أيام الذبح إذا غربت الشمس يوم الثالث عشر، فهي أربعة أيام، والليالي في خلال هذه الأيام وقت (٢١) (٢٢) ومن فسر المعلومات بالعشر من ذي الحجة قال: لما كان يقع هذا النوع من الذكر في آخر يوم منها جاز أن يوصف الذكر بأنه فيها كلها، لأن هذا اليوم وهو اليوم العاشر من جملة العشر فالذكر واقع في العشر، والعشر ليس تخلو من هذا الذكر.

قوله: ﴿ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ ﴾ أي: على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام.

قال ابن عباس: يريد البدن من الإبل والبقر والضأن والمعز، كل ذلك يريدون بها الله سبحانه وتعالى.

و ﴿ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ هي الأنعام، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول سورة المائدة.

وفي هذا دليل على أن الضحايا والهدايا مختصة بالأنعام، وتفسيرها ما ذكره ابن عباس، وذكرناه في مواضع (٢٣) قوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ قال ابن عباس: أجاز الله تعالى الأكل مما أهديت، وأما الكفارة فلا يأكل منها أصحابُها.

قال أبو إسحاق: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا ﴾ ليس بأمر لازم، من شاء أكل من أضحيته ومن شاء لم يأكل، وإنما هو إباحة كما قال: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا  ﴾ ، وإنما قال ﴿ فَاصْطَادُوا ﴾ لأنه قد كان حظر عليهم الصيد وهم محرمون، فأباح لهم الصيد، وكذلك هذا الأمر هاهنا بعد حظرهم كان (٢٤) (٢٥) هذا معنى قول ابن عباس: أجاز الله الأكل بما أهديت.

وقوله (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩)  - من لحم هديه (٣٠) (٣١) والذي ذكرنا في قوله ﴿ فَكُلُوا ﴾ أنه أمر إباحة هو قول جميع المفسرين (٣٢) قال إبراهيم ومجاهد: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.

وكان أهل الجاهلية إذا نحروا لم يستحلوا أكل ذبائحهم (٣٣) قوله ﴿ وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ قال ابن عباس: البائس: الذي ظهر بؤسه في ثيابه ووجهه، وبان البؤس عليه.

والفقير الذي لم يظهر بؤسه، وثيابه نقيه، ووجهه وجه غني (٣٤) وهذا الذي ذكره يوجب الفرق بينهما، وحينئذ فيجب أن يكون (والفقير) بواو العطف، وإذا ذكر معه (٣٥) والبائس: الذي ناله (٣٦) (٣٧) وروي عن ابن عباس: أنه فسر البائس هاهنا بالزَّمِن (٣٨) وقال عطاء ومجاهد: هو الذي يسألك (٣٩) (٤٠) قال أصحابنا: من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا ﴾ فتقسم الأضحية على هذين الأمرين (٤١)  - قال: "إنما نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت، ألا فكلوا (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) الدافة: الجماعة التي (٤٦) (٤٧) ولعل قومًا وردوا على رسول الله -  -، فنهى أصحاب الضحايا عن أكلها لتشبع الواردة (٤٨) (١) ذكره الثعلبي 3/ 51 أعنه من رواية أبي رزين.

ورواه الطبري 17/ 146 عنه من رواية أبي رزين.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 37 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.

(٢) ذكره عن سعيد الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب، ورواه عنه الطبري 17/ 146.

وذكره عن السدي ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 424.

(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 292.

(٤) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 37 عنه، وذكره ابن كثير 3/ 216 عنه  ولم يبين من رواه عنه.

(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 36، والطبري 17/ 147.

(٦) قال ابن الجوزي 5/ 425: وهو أصح.

(٧) في (أ): (النامر).

(٨) ذكره عنهم جميعًا الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب.

وعن الباقر رواه الطبري 17/ 147.

(٩) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 423 قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 17/ 147: وأولى الأقوال بالصواب: قول من قال: عني بذلك ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عم لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة ولم يخصص من ذلك شيئا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت.

(١٠) ذكره عن ابن عباس من رواية عطاء البغوي في "تفسيره" 5/ 378.

وذكره الرازي 23/ 29 عنه من رواية عطاء لكن ليس فيها ذكر يوم عرفة.

وهذه الرواية التي ذكرها الواحدي هنا عن ابن عباس ضعيفة.

وقد جاء عن ابن عباس روايات في المراد بالأيام المعلومات أصحها أن الأيام المعلومات هي أيام العشر.

رواه البخاري عنه تعليقًا بصيغة الجزم كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق 2/ 457، ووصله ابن حجر في "الفتح" 2/ 458، و"تغليق التعليق" 2/ 377 من رواية عبد بن حميد في "تفسيره" من طريق عمرو بن دينار: سمعت ابن عباس -وفيه: والأيام المعلومات أيام العشر.

ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" 5/ 228 من طريق هُشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: المعلومات: العشر.

وإسناده صحيح.

وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 216 من رواية شعبة وهشيم، عن أبي بشر، عن== سعيد عن ابن عباس.

وذكر هذا القول عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 562 فقال: وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والمروزي في العيدين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "الشعب والضياء" في "المختاره" من طرق، عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق.

(١١) اختار أبو إسحاق الزجاج في كتابه "معاني القرآن" 3/ 423 أن الأيام المعلومات هي يوم النحر والأيام التي بعده ينحر فيها -قال: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله: (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام).

فلم يذكر الزجاج يوم عرفة؛ لأن يوم عرفة ليس من أيام النحر، فقول الواحدي: وهذا القول -يعني قول ابن عباس في رواية عطاء- اختيار أبي إسحاق.

خطأ.

(١٢) رواه عن قتادة عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 37، والطبري 17/ 148.

وذكره عن الحسن الزمخشري 3/ 11، وابن الجوزي 5/ 425، وابن كثير 3/ 216.

وهذا القول هو أصح الروايات عن ابن عباس كما قدمنا.

وهو قول أكثر المفسرين كما قال الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 216 - بعد ذكره هذا القول عن ابن عباس: وروى مثله عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن حبير، والحسن والضحاك، وعطاء الخراساني، وإبراهيم النخعي، وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل.

أهـ.

(١٣) في (أ): (عملها)، وهو خطأ.

(١٤) هذا قول الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان" (جـ 3 ل 51 ب).

(١٥) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 51 ب.

(١٦) ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 51 ب.

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 423.

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(١٩) (كان): ساقطة من (أ).

(٢٠) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 37 وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(٢١) في (ظ): (للذبح).

(٢٢) انظر: "الأم" 2/ 187، "الحاوي الكبير" للماوردي 4/ 378، "المغني" لابن قدامة 5/ 300 - 301، "روضة الطالبين" للنووي 3/ 199 - 200، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 42 - 44.

(٢٣) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ  ﴾ .

(٢٤) كان: ليست عند الزجاج، وهي في جميع النسخ.

(٢٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 423.

(٢٦) يعني ابن عباس.

(٢٧) هذا مذهب الشافعي.

وذهب جمهور العلماء إلى جواز الأكل من دم القرآن والتمتع، لأن النبي -  - أكل من هديه وكان قارنًا، وأزواج النبي -  - تمتعن معه في حجة الوداع، وأدخلت عائشة الحج على العمرة فصارت قارنة، ثم ذبح عنهن النبي -  - البقرة، فأكلن من لحمها.

انظر تفصيل ذلك في: "صحيح البخاري" كتاب: الحج، باب: ما يأكل من البدن 3/ 557 - 558، "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 236، "المغني" لابن قدامة 5/ 444 - 446.

(٢٨) في (ظ): (دم).

(٢٩) انظر: "الأم" 2/ 184، "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 337، "الحاوي" 4/ 187، "المغني" 5/ 444 - 446، "روضة الطالبين" 3/ 221 - 222، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 44.

(٣٠) روى مسلم في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: حجة النبي -  - 2/ 892 من حديث جابر  أن النبي -  - أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها.

(٣١) الصواب أن النبي -  - كان قارنًا للأحاديث الصحيحة الصريحة، ومن ذلك ما رواه مسلم في "صحيحه" كتاب: الحج، باب: جواز التحلل بالإحصار وجواز القرآن 2/ 904 عن ابن عمر أنه أوجب حجا مع عمرته، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثم قال: هكذا فعل رسول الله -  -.

وانظر بسط القول في هذا الأمر وتحقيقه في "زاد المعاد" لابن القيم 2/ 107 - 122.

(٣٢) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 235.

(٣٣) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل 156 ب، والطبري 17/ 148 عن إبراهيم دون قوله (وكان أهل ..

وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 217 عن إبراهيم بنحو ما ذكره الواحدي مع تقديم وتأخير.

وذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 37 بلفظ (كان المشركون لا يأكلون ذبائح نسائكهم) فأنزل الله (فكلوا ..) فرخص للمسلمين فمن شاء ..

وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

وعن مجاهد رواه الطبري 17/ 148 دون قوله: وكان المشركون.

(٣٤) ذكره عنه الرازي 23/ 29.

(٣٥) (معه): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

(٣٦) في (أ): (يناله).

(٣٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 423.

(٣٨) رواه الطبري 17/ 148 من رواية العوفي عنه.

(٣٩) في (أ): (يسأل).

(٤٠) رواه الطبري 17/ 149.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 38.

وعزاه لعبد بن حميد.

(٤١) انظر: "الحاوي الكبير" للماوردي 4/ 385، "روضة الطالبين" للنووي 3/ 223.

(٤٢) في (ظ)، (د)، (ع): (كلوا).

(٤٣) في (أ): (فادخروا).

(٤٤) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 51، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الأضاحي 3/ 1561، وأبو داود في "سننه" كتاب: الأضاحي باب: حبس لحوم الأضاحي 8/ 7 - 8، والنسائي في "سننه" كتاب: الضحايا، باب: الادخار من الضحايا 7/ 235 من حديث عائشة  ا باللفظ المذكور هنا، لكن في روايتهم (وتصدقوا) بدل (وائتجروا).

وقد وردت هذه اللفظة في الحديث الذي رواه أبو داود في "سننه" كتاب: الأضاحي، باب: حبس لحوم الأضاحي 8/ 9 من حديث نبيشة -  - قال: قال رسول الله -  -: "إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة، فكلوا وادخروا وائتجروا".

(٤٥) انظر: "الحاوي الكبير" 4/ 380، "روضة الطالبين" 3/ 223.

(٤٦) (التي): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

(٤٧) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 14/ 72 (دف) من رواية أبي عبيد، عن أبي عمرو.

(٤٨) في حديث عائشة الذي تقدم تخريجه: (دف أهل أبيات من أهل البادية حُضرة الأضحى زمن رسول الله -  -، فقال رسول الله -  -: "ادخروا ثلاثًا ثم تصدقوا بما بقي" الحديث.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ أي بالتجارة، وقيل: أعمال الحج وثوابه، واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَيَذْكُرُواْ اسم الله ﴾ يعني التسمية عند ذبح البهائم ونحرها وفي الهدايا والضحايا، وقيل: يعني الذكر على الإطلاق، وإنما قال: ﴿ اسم الله ﴾ ، لأن الذكر باللسان إنما يذكر لفظ الأسماء ﴿ في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ هي عند مالك: يوم النحر وثانية وثالثة خاصة لأن هذه هي أيام الضحايا عنده، ولم يجز ذحبها بالليل لقوله: ﴿ في أَيَّامٍ ﴾ وقيل: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر، والثلاثة بعده، وقيل: عشر ذي الحجة خاصة، وأما الأيام المعدودات، فهي الثلاثة بعد يوم النحر، فيوم النحر من المعلومات لا من المعدودات واليومان بعده من المعلومات والمعدودات ورابع النحر في المعدودات لا من المعلومات ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ ندب أو إباحة ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا ويتصدق بالأكثر ﴿ البآئس ﴾ الذي أصابه البؤس وقيل: هو المتكفف وقيلأ: الذي يظهر عليه أثر الجوع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ قوله: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ هو خبر ماض، وقوله: ﴿ وَيَصُدُّونَ ﴾ خبر مستقبل، فنسق المستقبل على الماضي.

قال الزجاج: إن الكافرين والصادين عن سبيل الله ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ﴾ .

وعندنا تأويله: أنّ الذين كفروا قبل أن يبعث محمدّ ويصدون الناس عن سبيل الله إذا بعث محمد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أي: كانوا يمنعون المسلمين عن دخول المسجد الحرام للإسلام والسؤال عنه، والثاني: إخراجهم منه، كقوله: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ظاهر هذا أن يكون الذي جعل فيه العاكف والبادي سواء هو المسجد الحرام؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ﴾ ، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى مكة، وقالوا: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ في النزول في المنازل، وظاهره ما ذكرنا.

ثم يحتمل أن يكون المسجد الحرام مخصوصاً بهذا ليس كسائر المساجد التي لها أهل: أن أهلها أحق بها من غيرهم، وأمّا المسجد الحرام فإن الناس شَرَعٌ، سواء العاكف فيه والبادي.

ويحتمل أنه [خص] المسجد الحرام بأن الناس [سواء] فيه؛ ليعلموا أن الحكم في سائر المساجد كذلك: أن الناس فيها سواء أهلها وغير أهلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ قال بعضهم: الإلحاد فيه: هو الشرك والكفر.

وقال [بعضهم]: الإلحاد: هو كل المعاصي، وأصل الإلحاد: هو العدول والميل عن الطريق.

وتأويله: ومن يلحد فيه إلحاد ظلم نذقه كذا.

قال بعضهم: من هَمَّ فيه بإلحاد بظلم نذقه كذا.

ثم يحتمل تخصيص ذلك المكان بما ذكر وجوهاً: أحدها: ليعلموا أن كثرة الخيرات وتضاعفها مما لا يعمل في إسقاط المساوئ فيه وهدمها؛ لما روي: "أن صلاة واحدة بمكة تعدل كذا وكذا صلاة في غيرها من الأماكن" ، وكذلك حسنة فيها.

والثاني: خصت بالذكر فيه على التغليظ والتشديد، على ما خصّت تلك البقعة بتضاعف الحسنات.

والثالث: أن أولئك ادّعوا أنهم أولى بالله من غيرهم؛ لنزولهم ذلك المكان، فأخبر أن من يرد فيه بكذا نذقه، ليس تخصيص ذلك المكان بما ذكر، والعفو في غيره، ولكن بما ذكرنا.

وقال بعضهم: معناه: من يرد فيه إلحادا بظلم، والباء زائدة، ومثله قوله: "تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ" [المؤمنون: 20] معناه: تنبت الدهن.

روي بالخبر عن رسول الله  أنه قال: "احْتكارُ الطعام بمكةَ إلحْاد" ، وكذلك روي عن عمر وابن عمر.

وجائز أن يكون ما ذكرنا من التغليظ والتشديد وتضاعف العقوبة؛ ولذلك كره قوم الجوار بمكة لما يتضاعف عليهم العقوبة إذا ارتكب فيه مأثماً وألحد فيه، وجائز ما ذكرنا.

وقد كره قوم بيع رباع مكة وإجارتها بقوله: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ، وعلى ذلك رويت الأخبار بالنهي عن ذلك، روي عن رسول الله  قال: "مكة مناخ، لا يباع رباعها، ولا يؤاجر بيوتها" [و] عن عمر -  -: "يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً؛ ليرد البادي حيث شاء" ونهاهم أن يغلقوا أبواب دورهم.

وليس في ظاهر الآية ذكر مكة؛ إن في الآية ذكر المسجد، حيث قال: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ، وإنما ذكر ذلك في المسجد الحرام خاصّة.

وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: أكره إجازة بيوت مكة في الموسم من الحاج والمعتمر، فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأساً.

وهو قول محمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ بَوَّأْنَا ﴾ ، أي: هيأنا ﴿ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ ؛ لينزل فيه، والبيتوتة: الإنزال، كأنه قال: ﴿ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أي: أنزلناه مكان البيت؛ ليتخذ فيه بيتاً، وقلنا له: لا تشرك بي شيئاً، وهكذا بعث الأنبياء جميعاً، بعثوا ألا يشركوا بالله، وأمروا أن يدعو الناس إلى ترك الإشراك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ وادع الناس أيضاً إلى ألا يشركوا بالله شيئاً.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ ومن ذكر، أي: طهره من الأصنام والأوثان التي فيه لئلا يعبد غيره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ﴾ عن جميع الخبائث، وعن كل أنواع الأذى من الخصومات، والبياعات، وغيرها، وذلك للمسجد الحرام ولغيره من المساجد يطهر ويجنب جميع أنواع الأذى والخبث والفحش.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ هم القادمون من البلدان ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ : المقيمين هناك ﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ : المصلين.

ويحتمل قوله: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ : لكل طائف به، ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ ، ﴿ وَٱلْعَاكِفِينَ  ﴾ : لكل عاكف نحوه، والعكوف هو المقام للعبادة، ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ : لكل قائم عاكف نحوه، ﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ وساجد نحوه، أي: لكل مصلٍّ، وهذا أشبه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الإعلام: أن أعلم الناس: أن لله عليهم الحج بالبيت، كقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ...

﴾ الآية [آل عمران: 97].

والثاني: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ أي: ادع الناس ونادهم أن يحجوا البيت.

قال أهل التأويل: لما أمر الله إبراهيم ينادي في الناس بالحج، فنادى، فأسمع الله صوته ما بين المشرق والمغرب، حتى أسمع صوته ونداءه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فقالوا: (لبيك)، ومن حج بيته فهو الذي أجاب إبراهيم لما ناداهم بالحج.

لكن لا يعلم ذلك إلا بالخبر عن رسول الله أنه كان ما ذكروا، وإلا السكوت عنه وعن مثله أولى.

وقالوا: إن قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ موصول بقوله: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ...

﴾ الآية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ لرسول الله، أو لكل رسول بعث الأمر بذلك في كل زمان، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ أي: على الأرجل مشاة ﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي: يضمر ويذهب سمنه؛ لبعد المضرب، وهو ما ذكر: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أي: من كل بعيد.

ثم قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ على الدعاء والأمر، فيكون في قوله: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ دلالة لزوم الحج على المشاة، كأنه قال: مرهم يحجّون مشاة على الأرجل وركبانا، وإن كان على الإعلام فهو على الوعد والجزاء: أنهم يأتونك على الأرجل مشاة وعلى الدّواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أضاف الإتيان إلى الدّواب؛ لأنه بالدواب يأتون، فأضاف إليها ذلك، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا  ﴾ من الحلي من الذهب والفضة، تقول: حليت المرأة، أي: اتخذت حليا، ويقال: حلي الشيء يحلى حلًى؛ إذا حسن، ويقال: بعينه إذا حسن في عينه، ويقال: حلى الشيء يحلو حلاوة فهو حلو، ويقال: تحليت، إن شئت جعلته أكلت حلاوته، وإن شئت جعلته من الحلي، ويقال: حلأت الإبل عن الماء، أي: منعت، ويقال: حليت الشيء وأحليته، أي: جعلته حلواً.

وقال القتبي: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ أي: المقيم، والبادي - وهو الطارئ من البدو - سواء فيه ليس المقيم فيه بأولى من النازح إليه.

﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ﴾ أي: من يرد فيه إلحادا، وهو الظلم والميل عن الحق، فزيدت الباء، كما يقال: ﴿ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ ﴾ \[المؤمنون: 20\]، وهو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي ركبانا على ضمر من طول السفر ﴿ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أي: بعيد غامض.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْعَاكِفُ ﴾ : المقيم، ﴿ وَٱلْبَادِ ﴾ : من كان في البادية، والإلحاد: الميل عن الحق، ومنه اشتق اللحد، لحد القبر.

﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي: على كل بعير ضامر، أي: خميص البطن.

﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ تقول: رجل الرجل يرجل رجلة، فهو راجل، والفج: الطريق، [و] العميق: البعيد، يقال: عمق، أي: بعد، يعمق عمقا، فهو عميق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ ، قال الحسن: يشهدون مشاهد فيه، فيذكرون الله فيها ويكتسبون أشياء تنفع لهم في الآخرة، فذلك منافع لهم التي يشهدونها.

وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ : التجارات والمنافع التي كانوا يكتسبونها إذا خرجوا للحج.

وقال بعضهم: التجارة في الدّنيا، والأجر في الآخرة، وهو مثل الأوّل.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ : الأرزاق التي جعلت لهم في البلدان النائية البعيدة ما لو لم يشهدوها لم يسق الله ذلك إليهم؛ لأن من الأرزاق التي جعلت لهم في البلدان ما يساق إلى أهلها وهم في مقامهم وأمكنتهم، [و] من الأرزاق ما يساق أهلها إليها ما لو لم يأتوها لم يسق ذلك إليهم، فجائز ما ذكر من المنافع: هو ما غاب عنهم من المنافع والأرزاق التي جعلت لهم في البلدان النائية البعيدة إذا خرجوا للحج نالوها، وإذا لم يخرجوا له لم ينالوا.

وقال بعضهم: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ أي: متاجرهم وقضاء مناسكهم.

وقوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن: هو يوم النحر خاصّة.

وجائز إضافة الواحد إلى الجماعة، كقوله: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً  ﴾ وإنما جعل في السماء الدنيا، وكما يقال: (توارى فلان في دور بني تميم)، وإنما توارى في دار من دورهم، ومثل هذا كثير، وذلك جائز في اللسان.

وقال بعضهم: الأيام المعلومات: هو يوم النحر ويومان بعده.

وقال بعضهم: المعلومات والمعدودات هي أيام التشريق جميعاً.

وقال بعضهم: الأيام المعلومات: هي أيام العشر؛ لأنها هي أيام الذكر فيها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ كناية عن الذبح، وأيام الذبح ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ ذكر الأكل ولم يذكر الذبح، فذلك يدل على أن قوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ كناية عن الذبح، وإنما كان كناية عنه؛ لأنه بالذكر يقدم الذبائح ولا يخلو منه دونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ : قال بعضهم: من الأضاحي؛ لأن التناول من الأضاحي كان لا يحل فخرج ذلك مخرج رخصة التناول منها والحل، لكن الأضاحي لا يحتمل؛ لأن الوقت ليس هو وقت الأضاحي ولا أماكنها، إنما هو وقت دم المتعة والقران ودم التطوع.

وفيه إباحة التناول من دم المتعة والقران.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : قال بعضهم: البائس: من البؤس، وهو ما اشتد به من الحاجة والشدة.

وقال بعضهم: البائس: الذي سألك، والفقير: المتعفف الذي لا شيء له.

وقال بعضهم: البائس: هو الذي به زمانة، والفقير: الصحيح الذي لا شيء له، وهو مثل الاوّل.

وقوله: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ : قال بعض أهل الأدب: التفث: لا يعرف في لسان العرب ما يراد به.

وقال الحسن: التفث: هو التقشف، وهو ترك الزينة، يدل على ذلك ما روي أنه سئل عن الحاج، فقال: "كُل أشْعَث تفِل".

وقال أبو عوسجة: التفث في الأصل: الوسخ، يقال: امرأة تفثة: إذا كانت خبيثة الريح، وهو قريب مما قال الحسن: إنه ترك الزينة.

وأهل التأويل يقولون: التفث: هو حلق الرأس، وقصّ الأظفار والشارب، والرمي، والذبح، ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ : المناسك كلها.

وروي في الخبر: "من وقف من عرفة بليل، وصلى معنا الجمع، فقد تم حجّه وقضى تفثه" ، ظاهر "قضى تفثه"، أي: نسكه.

وجائز أن يكون قوله: "قضى تفثه" أي: جاء وقت الزينة، وهو وقت الحلق واللباس، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ ﴾ ، أي: ليوفوا ذبح ما أوجبوا ذبحه، ذكر فيما ساق من الهدي لمتعته ولحجته الأكل منه؛ لقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ ، ولم يذكر الأكل ممّا أوجب بالنذر؛ فلذلك يقول أصحابنا: إنه يجوز له التناول من هدي المتعة والقران، ولا يجوز التناول مما كان وجوبه بالنذر والكفارة، بل عليه أن يتصدق بالكل، وهو ما قال: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ ، والله أعلم.

﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ هو طواف الزيارة، وهو طواف يوم النحر، وهو الفرض عندنا، ولا يحتمل ما قال بعض الناس: إنه طواف الصدر؛ لأن الله  قال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ وحج البيت هو الطواف بالبيت لا غير، وطواف الدخول وطواف الصدر ليس على أهل مكة ذلك الطوافان، وعليهم الحج كما كان على غيرهم من النّاس؛ فدل ما ذكرنا على أن قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ هو طواف الزيارة، وهو حج البيت الذي قال الله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: سماه: عتيقاً؛ لأنه أعتقه عن الجبابرة عن أن يتجبروا عليه، وكم من جبار قد صار إليه ليهدمه فمنعه الله عن ذلك.

وقال بعضهم: سماه: عتيقاً؛ لأنه يرفع إلى السماء الرابعة، فذلك المرفوع هو البيت العتيق.

والبيت العتيق - عندنا - هو الذي بناه إبراهيم - صلوات الله عليه - وأسسه، ويكون قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ الذي أسّسه إبراهيم، لا بالبيت الحادث الذي أحدثه النّاس؛ ألا ترى أنه روي عن رسول الله  أنّه قال لعائشة: "لولا أنَّ قومك حَديثُو عَهْد بالإسْلام لرددت البيت على أساس إبراهيم، وجَعَلتُ لَهُ بابين: باباً يدخل فيه، وباباً يخرج منه" ، وروي في بعض الأخبار يرويه عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله  "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبّار" فإن ثبت هذا فهو هو.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليحضروا ما يعود لهم بالنفع من مغفرة الذنوب، والحصول على الثواب، وتوحيد الكلمة وغير ذلك، وليذكروا اسم الله على ما يذبحونه من الهدايا في أيام معلومات هي: عاشر ذي الحجة وثلاثة أيام بعده؛ شكرًا لله على ما رزقهم من الإبل والبقر والغنم، فكلوا من هذه الهدايا، وأطعموا منها من كان شديد الفقر.

<div class="verse-tafsir" id="91.QxrLD"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله