الآية ٤٨ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٤٨ من سورة الحج

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌۭ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ ٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٨ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٨ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثني عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ، خمسمائة عام " .

ورواه الترمذي والنسائي ، من حديث الثوري ، عن محمد بن عمرو ، به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقد رواه ابن جرير ، عن أبي هريرة موقوفا ، فقال : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، حدثنا سعيد الجريري ، عن أبي نضرة ، عن سمير بن نهار قال : قال أبو هريرة : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم .

قلت : وما نصف يوم؟

قال : أوما تقرأ القرآن؟

.

قلت : بلى .

قال : ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) .

وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه : حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان ، عن شريح بن عبيد ، عن سعد بن أبي وقاص ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها ، أن يؤخرهم نصف يوم " .

قيل لسعد : وما نصف يوم؟

قال : خمسمائة سنة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) قال : من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض .

رواه ابن جرير ، عن ابن بشار ، عن ابن مهدي .

وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب " الرد على الجهمية " .

وقال مجاهد : هذه الآية كقوله : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) [ السجدة : 5 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عارم محمد بن الفضل حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى بن عتيق ، عن محمد بن سيرين ، عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال : إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) وجعل أجل الدنيا ستة أيام ، وجعل الساعة في اليوم السابع ، ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) ، فقد مضت الستة الأيام ، وأنتم في اليوم السابع .

فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها ، في أية لحظة ولدت كان تماما .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة القول في تأويل قوله تعالى : { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة } يقول تعالى ذكره : { وكأين من قرية أمليت لها } يقول : أمهلتهم وأخرت عذابهم , وهم بالله مشركون ولأمره مخالفون - وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جل ثناؤه - فلم أعجل بعذابهم .ثم أخذتها يقول : ثم أخذتها بالعذاب , فعذبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم .وإلي المصير يقول : وإلي مصيرهم أيضا بعد هلاكهم , فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له ; يقول تعالى ذكره : فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك , وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم , فإني آخذهم بالعذاب فقاتلهم بالسيف ثم إلي مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدموا من آثامهم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصيرقوله تعالى : وكأين من قرية أمليت لها أي أمهلتها مع عتوها .

ثم أخذتها أي بالعذاب .

وإلي المصير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } أي: أمهلتها مدة طويلة { وَهِيَ ظَالِمَةٌ } أي: مع ظلمهم، فلم يكن مبادرتهم بالظلم، موجبا لمبادرتنا بالعقوبة، { ثُمَّ أَخَذْتُهَا } بالعذاب { وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ } أي: مع عذابها في الدنيا، سترجع إلى الله، فيعذبها بذنوبها، فليحذر هؤلاء الظالمون من حلول عقاب الله، ولا يغتروا بالإمهال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وكأين من قرية أمليت لها ) أي أمهلتها ، ( وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكأيِّن من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها» المراد أهلها «وإليَّ المصير» المرجع.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكثير من القرى كانت ظالمة بإصرار أهلها على الكفر، فأمهلتهم ولم أعاجلهم بالعقوبة فاغتروا، ثم أخَذْتُهم بعذابي في الدنيا، وإليَّ مرجعهم بعد هلاكهم، فأعذبهم بما يستحقون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - أن إملاءه للظالمين ، سيعقبه العذاب الأليم ، فقال : ( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المصير ) .أى : وكثير من القرى الظالمة أملهت عقوبة أهلها إلى أجل مسمى ، ثم أخذتها بعد ذلك أخذا شديدا ، جعلهم فى قراهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ، وسيرجعون إلينا فيجدون عذابا أشد وأبقى ، إذ أن مصيرهم إلىَّ لا إلى غيرى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون باستعجال العذاب فقال: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب ﴾ وفي ذلك دلالة على أنه عليه السلام كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم ولأن قولهم: ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة  ﴾ يدل على ذلك فقال تعالى: ﴿ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ ﴾ لأن الوعد بالعذاب إذا كان في الآخرة دون الدنيا فاستعجاله يكون كالخلف ثم بين أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ ﴾ يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته ﴿ كَأَلْفِ سَنَةٍ ﴾ لو بقي وعذب في كثرة الآلام وشدتها فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه، وهذا قول أبي مسلم وهو أولى الوجوه: الوجه الثاني: أن المراد طول أيام الآخرة في المحاسبة ويرجع معناه إلى قريب مما تقدم، وذلك أن الأيام القصيرة إذا مرت في الشدة كانت مستطيلة فكيف تكون الأيام المستطيلة إذا مرت في الشدة.

ثم إن العذاب الذي يكون طول أيامها إلى هذا الحد لا ينبغي للعاقل أن يستعجله والوجه الثالث: أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.

أما قوله: ﴿ وَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظالمة ﴾ فالمراد وكم من قرية أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخير ثم أخذتهم بأن أنزلت العذاب بهم، ومع ذلك فعذابهم مدخر إذا صاروا إلي وهو تفسير قوله: ﴿ وَإِلَىَّ المصير ﴾ فإن قيل فلم قال فيما قبل ﴿ فَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها وَهِيَ ظَالِمَةٌ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ وَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا ﴾ الأولى بالفاء وهذه بالواو؟

قلنا: الأولى وقعت بدلاً عن قوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  ﴾ وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعني قوله: ﴿ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ .

أما قوله: ﴿ قُلْ ياأيها الناس إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ فالمعنى أنه تعالى أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار، وأن لا يصده ما يكون منهم من الاستعجال للعذاب على سبيل الهزؤ عن إدامة التخويف والإنذار، وأن يقول لهم إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أنكر استعجالهم بالمتوعد به من العذاب العاجل أو الآجل، كأنه قال: ولم يستعجلون به؟

كأنهم يجوّزون الفوت، وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز عليه الخلف، والله عزّ وعلا لا يخلف الميعاد وما وعده ليصيبنهم ولو بعد حين، وهو سبحانه حليم لا يعجل، ومن حلمه ووقاره واستقصاره المدد الطوال أنّ يوماً واحداً عنده كألف سنة عندكم.

قيل: معناه كيف يستعجلون بعذاب من يومٌ واحد من أيام عذابه في طول أَلف سنة من سنيكم؛ لأن أيام الشدائد مستطالة.

أو كأن ذلك اليوم الواحد لشدة عذابه كألف سنة من سني العذاب.

وقيل: ولن يخلف الله وعده في النظرة والإمهال.

وقرئ: ﴿ تعدون ﴾ بالتاء والياء، ثم قال: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع إليّ وإلى حكمي.

فإن قلت: لم كانت الأولى معطوفة بالفاء، وهذه بالواو؟

قلت: الأولى وقعت بدلاً عن قوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ [الحج: 44]، [سبأ: 45] ، [فاطر: 26] ، [الملك: 18] وأمّا هذه فحكمها حكم ما تقدّمها من الجملتين المعطوفتين بالواو، أعني قوله: ﴿ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ المُتَوَعَّدِ بِهِ.

﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ لِامْتِناعِ الخُلْفِ في خَبَرِهِ فَيُصِيبُهم ما أوْعَدَهم بِهِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ لَكِنَّهُ صَبُورٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ.

﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ بَيانٌ لِتَناهِي صَبْرِهِ وتَأنِّيهِ حَتّى اسْتَقْصَرَ المَدَدَ الطِّوالَ، أوْ لِتَمادِي عَذابِهِ وطُولِ أيّامِهِ حَقِيقَةً، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ أيّامَ الشَّدائِدِ مُسْتَطالَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ.

﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في الإعْرابِ، ورَجْعُ الضَّمائِرِ والأحْكامِ مُبالَغَةً في التَّعْمِيمِ والتَّهْوِيلِ وإنَّما عَطَفَ الأُولى بِالفاءِ وهَذِهِ بِالواوِ، لِأنَّ الأُولى بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ﴾ وهَذِهِ في حُكْمِ ما تَقَدَّمَها مِنَ الجُمْلَتَيْنِ لِبَيانِ أنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ يَحِيقُ بِهِمْ لا مَحالَةَ وأنَّ تَأْخِيرَهُ لِعادَتِهِ تَعالى.

﴿ أمْلَيْتُ لَها ﴾ كَما أمْهَلْتُكم.

﴿ وَهِيَ ظالِمَةٌ ﴾ مِثْلُكم.

﴿ ثُمَّ أخَذْتُها ﴾ بِالعَذابِ.

﴿ وَإلَيَّ المَصِيرُ ﴾ وإلى حُكْمِي مَرْجِعُ الجَمِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظالمة} أي وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} بالعذاب {وَإِلَيَّ المصير} أي المرجع إلي فلا يفوتني شئ وإنما كانت الأولى أي فكأين معطوفة بالفاء وهذه أى وكأين بالواو ولأن الأولى وقعت بدلاعن فكيف كان نكيرو أما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو وهما وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ ﴾ أيْ كَمْ مِن سَكَنَةِ قَرْيَةٍ ﴿ أمْلَيْتُ لَها ﴾ كَما أمْلَيْتُ لِهَؤُلاءِ حَتّى أنْكَرُوا مَجِيءَ ما وعَدَ مِنَ العَذابِ واسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِهْزاءً وتَعْجِيزًا لِرُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَها جِيءَ بِها لِتَحْقِيقِ الرَّدِّ كَما تَقَدَّمَ فَلِذا جِيءَ بِالواوِ، وجِيءَ في نَظِيرَتِها السّابِقَةِ بِالفاءِ قِيلَ: لِأنَّها أُبْدِلَتْ مِن جُمْلَةٍ مَقْرُونَةٍ بِها، وفي إعادَةِ الفاءِ تَحْقِيقٌ لِلْبَدَلِيَّةِ، وقِيلَ: جِيءَ بِالفاءِ هُناكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى ما قَبْلَها ولَمْ يُجَأْ بِها هُنا لِعَدَمِ التَّرَتُّبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهِيَ ظالِمَةٌ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ حِلْمِهِ تَعالى ومُشْعِرَةٌ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِظُلْمِ المُسْتَعْجِلِينَ أيْ أمْلَيْتُ لَها والحالُ أنَّها ظالِمَةٌ مُسْتَوْجِبَةٌ لِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ ﴿ ثُمَّ أخَذْتُها ﴾ بِالعَذابِ والنَّكالِ بَعْدَ طُولِ الإمْلاءِ والإمْهالِ ﴿ وإلَيَّ المَصِيرُ ﴾ أيْ إلى حُكْمِي مَرْجِعُ جَمِيعِ النّاسِ أوْ جَمِيعُ أهْلِ القَرْيَةِ لا إلى أحَدٍ غَيْرِي لا اسْتِقْلالًا ولا شَرِكَةً فَأفْعَلُ بِهِمْ ما أفْعَلُ مِمّا يَلِيقُ بِأعْمالِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مُصَرِّحٌ بِما أفادَهُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ مِن أنَّ مَآلَ أمْرِ المُسْتَعْجِلِينَ أيْضًا ما ذُكِرَ مِنَ الأخْذِ الوَبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: أو لم يسافروا في الأرض فيعتبروا.

فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها، يعني: فتصير لهم قلوب بالنظر والعبرة لو كانوا يعقلون بها، أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها التخويف.

فَإِنَّها، أي النظرة بغير عبرة.

ويقال: كلمة الشرك.

لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ، يعني: العقول التي في الصدور، وذكر الصدر للتأكيد.

ثم قال عز وجل: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وهو النضر بن الحارث.

وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ في العذاب.

وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ، يعني: إن يوماً من الأيام التي وعد لهم في العذاب عِنْدَ رَبِّكَ في الآخرة، كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ في الدنيا.

ثم بيَّن لهم العذاب حيث قال: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ، ووصف طول عذابهم.

ويقال: إنه أراد بذلك قدرته عليهم بحال استعجالهم، أنه يأخذهم متى شاء.

قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي مّمَّا يَعْدُونَ بالياء، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة.

ثم قال عز وجل: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها، فلم أعجل عليها العقوبة.

وَهِيَ ظالِمَةٌ، أي كافرة.

ثُمَّ أَخَذْتُها بالعذاب، ولكن لم يذكر العذاب لأنه سبق ذكره.

ثم قال: وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ، يعني: المرجع في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أمكن ما هي في الملوك.

وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ: تَوَعُّدٌ للمخالف عن هذه الأمور التي تقتضيها الآية لمن مكن.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ: يعني: قريشاً، فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى ...

الآية: فيها وعيد لقريش، وفَأَمْلَيْتُ معناه: أمهلتُ، والنكير مصدر بمعنى الإنكار.

[وقوله] «١» : «وبير معطلة» قيل: هو معطوف على العروش، وقيل: على القرية وهو أصوب.

ثم وَبَّخَهُمْ تعالى على الغفلة وترك الاعتبار بقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها وهذه الآية تقتضي أَنَّ العقل في القلب، وذلك هو الحق، ولا يُنْكَرُ أَنَّ للدماغ اتصالاً بالقلب يوجب فساد العقل متى اختل الدماغ.

وقوله: فَتَكُونَ: نصب بالفاء في جواب الاستفهام صُرِفَ الفعلُ من الجزم إلى النصب.

وقوله سبحانه: فَإِنَّها لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ لفظ مبالغة كأنه قال: ليس العمى عَمَى العين، وإنما العمى كُلَّ العمى عَمَى القلب، ومعلوم أن الأبصار تعمى، ولكن المقصود ما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أفَلَمْ يَسِرْ قَوْمُكَ في أرْضِ اليَمَنِ والشّامِ، ﴿ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ﴾ إذا نَظَرُوا آثارَ مَن هَلَكَ، ﴿ أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ﴾ أخْبارَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّها ﴾ عِمادٌ، والمَعْنى: أنَّ أبْصارَهم لَمْ تَعْمَ، وإنَّما عَمِيَتْ قُلُوبُهم.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ فَهو تَوْكِيدٌ؛ لِأنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ  ﴾ ، ﴿ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ  ﴾ ، ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ القُرَشِيِّ.

وقالَ غَيْرُهُ: هو قَوْلُهم لَهُ: ﴿ مَتى هَذا الوَعْدُ  ﴾ ، ونَحْوُهُ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ.

﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ في إنْزالِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا، فَأنْزَلَهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: مِن أيّامِ الآخِرَةِ، ﴿ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ مِن أيّامِ الدُّنْيا.

قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( تَعُدُّونَ ) بِالتّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( يَعُدُّونَ ) بِالياءِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ انْصَرَفَ الكَلامُ مِن ذِكْرِ العَذابِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ في الدُّنْيا، فَقِيلَ لَهم: لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ في إنْزالِ العَذابِ بِكم في الدُّنْيا، وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِكم في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، فَكَيْفَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ ؟

فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ وعْدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ اللَّهِ وألْفَ سَنَةٍ سَواءٌ في قُدْرَتِهِ عَلى عَذابِهِمْ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ وبَيْنَ تَأْخِيرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالإمْهالِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أو آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ ﴾ "كَأيِّنَ" هي كافُ التَشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى "أيْ": قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ أوعَبْتُ القَوْلَ في مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ وقِراءَتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ  ﴾ ، وهي لَفْظَةُ إخْبارٍ، وقَدْ تَجِيءُ اسْتِفْهامًا، وحَكى الفِراءُ: كَأيِّنَ ما لَكَ؟

أيْ: كَمْ ما لَكَ؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكْناها"، وقَرَأْتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكَتْها" بِالإفْرادِ، والمُرادُ أهْلُ القَرْيَةِ، و"ظالِمَةٌ" مَعْناهُ: بِالكُفْرِ، و"خاوِيَةٌ" مَعْناهُ: خالِيَةً، ومِنهُ: خَوى النَجْمُ إذا خَلا مِنَ القُوَّةِ، ونَحْوَهُ "ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها"، و"العُرُوشُ": السُقُوفُ، فالمَعْنى أنَّ السُقُوفَ سَقَطَتْ ثُمْ وقَعَتِ الحِيطانُ عَلَيْها فَهي عَلى العُرُوشِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ﴾ ، قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "العُرُوشِ"، وقِيلَ: عَلى "القَرْيَةِ"، وهو أصْوَبُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَبِئْرٍ" بِهَمْزَةٍ عَلى الياءِ، وسَهَّلَها الجُمْهُورُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعَطَّلَةٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الطاءِ وتَخْفِيفِها، والجُمْهُورُ عَلى "مُعَطَّلَةٍ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتَحِ العَيْنِ وشَدِّ الطاءِ.

و"المُشَيَّدُ": المَبْنِيِ بِالشِيدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المَشِيدُ: المُعَلّى بِالآجُرِّ ونَحْوَهُ فَمِنَ المَشِيدِ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ: شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْـ ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ: بَناهُ بِالشِيدِ، والأظْهَرُ في البَيْتِ أنَّهُ أرادَ: عَلاهُ بِالمَرْمَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ "مَشِيدًا مَعْناهُ: مُعَلّى مُحَصَّنًا، ومَعْنى الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ قَبْلَ خَرابِهِ.

ثُمْ وبَّخَهم عَلى الغَفْلَةِ وتَرَكَ الِاعْتِبارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ ، أيْ: في البِلادِ فَيَنْظُرُوا في أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُعَذَّبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ، وذَلِكَ هو الحَقُّ، ولا يُنْكِرُ أنَّ لِلدِّماغِ اتِّصالًا بِالقَلْبِ يُوجِبُ فَسادَ العَقْلِ مَتى اخْتَلَّ الدِماغُ.

قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَكُونَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، صُرِفَ الفِعْلُ مِنَ الجَزْمِ إلى النَصْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ لَفْظَةُ مُبالَغَةٍ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ العَمى عَمى الأبْصارِ وإنَّما العَمى حَقُّ العَمى عَمى القَلْبِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ تَعْمى ولَكِنَّ المَقْصُودَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ»، و«لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ»، والضَمِيرُ في "فَإنَّها" لِلْقِصَّةِ ونَحْوَها مِنَ التَقْدِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي في الصُدُورِ ﴾ مُبالَغَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: "بِأفْواهِهِمْ"، وكَما تَقُولُ: نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي، ونَحْوَ هَذا.

والضَمِيرُ في "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ" لِقُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ ﴾ وعِيدُ وإخْبارٍ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ إلى وقْتٍ مَحْدُودٍ، والوَعْدُ هُنا مُقَيَّدٌ بِالعَذابِ فَلِذَلِكَ ورَدَ في مَكْرُوهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِ اللهِ تَعالى كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ مِن هَذِهِ لِطُولِ العَذابِ وبُؤْسِهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَما أجْهَلَ مَن يَسْتَعْجِلُ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ اللهِ لِإحاطَتِهِ فِيهِ وعِلْمِهِ وإنْفاذِ قُدْرَتِهِ كَألْفِ سَنَةٍ عِنْدَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ يَقْتَضِي أنَّ عَشَرَةَ آلافِ سَنَةٍ إلى ما لا نِهايَةَ مِنَ العَدَدِ في حُكْمِ الألْفِ، ولَكِنَّهم قالُوا: ذَكَرَ الألْفَ لِأنَّها مُنْتَهى العَدَدِ دُونَ تَكْرارٍ فاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ لا يُناسِبُ الآيَةَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المَعْنى أنَّ اليَوْمَ عِنْدَ اللهِ تَعالى ألْفُ سَنَةٍ مِن هَذا العَدَدِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : «إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تُؤَخَّرَ أُمَّتِي نِصْفُ يَوْمٍ»، وقَوْلُهُ: «يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وذَلِكَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ»، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِقْدارُ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: وإنْ طالَ الإمْهالُ فَإنَّهُ في بَعْضِ يَوْمٍ مِن أيّامِ اللهِ.

وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَكَأيِّنْ" لِأنَّهُ جَلَبَ مَعْنًى آخَرَ، ذَكَرَ أوَّلًا القُرى المُهْلَكَةَ دُونَ إمْلاءٍ بَلْ بِعَقِبِ التَكْذِيبِ، ثُمْ ثَنّى بِالمُهْمَلَةِ لِئَلّا يَفْرَحُ هَؤُلاءِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عنهم.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَعُدُّونَ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ عَلى الغائِبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾ [الحج: 47] أو على جملة ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ [الحج: 47] باعتبار ما تضمنه استعجالهم بالعذاب من التعريض بأنهم آيسون منه لتأخّر وقوعه، فذُكّروا بأن أمماً كثيرة أمهلت ثمّ حلّ بها العذاب.

فوزان هذه الآية وِزان قوله آنفاً: ﴿ فكأين من قرية أهلكناها وفي ظالمة ﴾ [الحج: 45] الخ؛ إلا أن الأولى قصد منها كثرة الأمم التي أهلكت لئلا يتوهّم من ذكر قوم نوح ومَن عطف عليهم أن الهلاك لم يتجاوزهم ولذلك اقتصر فيها على ذكر الإهلاك دون الإمهال.

وهذه الآية القصد منها التذكير بأنّ تأخير الوعيد لا يقتضي إبطاله، ولذلك اقتصر فيها على ذكر الإمهال ثم الأخذِ بعده المناسب للإملاء من حيث إنه دخول في القْبضَة بعد بعده عنها.

وأما عطف جملة ﴿ فكأين من قرية أهلكناها ﴾ [الحج: 45] بالفاء وعطف جملة ﴿ وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ﴾ بالواو فلأن الجملة الأولى وقعت بدَلاً من جملة ﴿ فكيف كان نكير ﴾ [الحج: 44] فقرنت بالفاء التي دخلت نظيرتُها على الجملة المبدَل منها، وأما هذه الجملة الثانية فخليّة عن ذلك فعطفت بالحرف الأصلي للعطف.

وجملة ﴿ وإليَّ المصير ﴾ تذييل، أي مصير الناس كلهم إليّ.

والمصير مِصدر ميمي ل (صار) بمعنى: رجع، وهو رُجوع مجازي بمعنى الحصول في المكنة.

وتقديم المجرور للحصر الحقيقي، أي لا يصير الناس إلا إلى الله، وهو يقتضي أنّ المصير إليه كائن لا محالة، وهو المقصود من الحصر لأن الحصر يقتضي حصول الفعل بالأحرى فهو كناية عن عدم الإفلات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ﴾ يَسْتَبْطِئُونَ نُزُولَهُ بِهِمُ اسْتِهْزاءً مِنهم.

﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ ولَنْ يُؤَخِّرَ عَذابَهُ عَنْ وقْتِهِ.

﴿ وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ كَألْفِ سَنَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ طُولَ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ كَطُولِ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في المُدَّةِ.

الثّالِثُ: أنَّ ألَمَ العَذابِ في يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في الشِّدَّةِ وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ويستعجلونك بالعذاب ﴾ قال: قال ناس من جهلة هذه الأمة ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض.

وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن إبراهيم قال: ما طول ذلك اليوم على المؤمن، إلا كما بين الأولى والعصر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، فقد مضى منها ستة آلاف.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الأمل، عن سعيد بن جبير قال: إنما الدنيا جمعة من جمع الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن محمد بن سيرين عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع، فمثل ذلك مثل الحامل إذا دخلت في شهرها، ففي أية ساعة ولدت كان تماماً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن صفوان بن سلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء من المسلمين بنصف يوم.

قيل: وما نصف اليوم؟

قال خمسمائة عام» وتلا ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق ضمير بن نهار قال: قال أبو هريرة يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم.

قلت: وما مقدار نصف يوم؟

قال: أو ما تقرأ القرآن ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ .

وأخرج أحمد في الزهد، عن ضمير بن نهار، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم» وتلا ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ .

وأخرج البيهقي في الشعب، عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى على جنازة فانصرف قبل أن يفرغ منها كان له قيراط، فإن انتظر حتى يفرغ منها كان له قيراطان؛ والقيراط مثل أحد في ميزانه يوم القيامة» ثم قال ابن عباس: حق لعظمة ربنا أن يكون قيراطه مثل أحد، ويومه كألف سنة.

وأخرج ابن عدي والديلمي، عن أنس قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «الدنيا كلها سبعة أيام من أيام الآخرة» وذلك قول الله: ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم أعلم الله أنه قد أخذ قومًا بعد الإملاء والتأخير فقال: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا ﴾ الآية وهي مفسرة فيما سبق قبيل.

وما بعدها ظاهر التفسير إلى قوله ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا ﴾ أي: عملوا في إبطالها ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ قال ابن عباس: مشاقين معاندين مغالبين (١) وقال الأخفش: مسابقين (٢) ومعنى المعاجزة في اللغة: محاولة عجز المغالب (٣) قال أبو أسحاق وأبو علي: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ ظانين ومُقدرين أن يعجزوننا (٤) (٥) وهذا معنى قول قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليه، ولن يعجزوه (٦) (٧) ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا  ﴾ .

ومن قرأ "مُعجِّزين" (٨)  -، أي: ينسبونهم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته.

وهذه قراءة مجاهد، وزعم (٩)  - (١٠) (١١) وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم (١٢) ثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ .

(١) ذكره عنه الثعلبي 3/ 54 ب دون قوله معاندين.

ورواه الطبري 17/ 185 بلفظ: مشاقين.

(٢) ذكره عنه الثعلبي 543 ب.

(٣) انظر: "عجز" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 340، "لسان العرب" 5/ 369 - 370.

(٤) في (أ): (يعجزونا).

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 433، "الحجة" للفارسي 5/ 284.

(٦) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 54 ب.

وقد رواه عبد الرزاق 2/ 40، والطبري 17/ 185 دون قوله: فلا يقدر عليهم.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).

(٨) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "معجِّزين" بتشديد الجيم من غير ألف.

وقرأ الباقون: "معاجزين" بألف بعد العين وتخفيف الجيم.

"السبعة" ص 439، "التبصرة" ص 267، "التيسير" ص 158.

(٩) في "الحجة": وزعموا أن مجاهدًا فسَّر.

(١٠) تفسير مجاهد رواه الطبري 17/ 1786: مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع النبي -  -.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 64 مثل لفظ الطبري وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(١١) من قوله: وهذا في المعنى ..

إلى هنا.

هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 284 مع تصرّف.

وانظر أيضًا في توجيه القراءة: "علل القراءات" للأزهري 2/ 428 - 429، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 481، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 123.

(١٢) أي: عجزهم الناس.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ ﴾ ذكر أولاً القرى التي أهلكها بغير إملاء، وذكر هنا التي أهلكها بعد الإملاء، والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة فيما بعد، وعطف هذه الجملة بالواو على الجمل المعطوفة قبلها بالواو، وقال في الأولى ﴿ فَكَأَيِّن ﴾ لأنه بدل من قوله: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ [الحج: 44].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ نكيري ﴾ بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب.

وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ أهلكتها ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون ﴿ أهلكناها ﴾ ﴿ وبير ﴾ بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعمش وورش وربيعة وابن فليح وحمزة في الوقف.

﴿ يعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ﴿ معجزين ﴾ بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو.

ثم ﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد ابن عامر ﴿ وأن ما يدعون ﴾ بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص.

الوقوف: ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ ولوط ﴾ ه ﴿ مدين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى ﴿ أخذتهم ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ مشيد ﴾ ه ﴿ يسمعون بها ﴾ ه للابتداء بأن مع الفاء ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ وعده ﴾ ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ أخذتها ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ج للابتداء مع الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أمنيته ﴾ ج لانقطاع النظم مع إتحاد المعنى ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه لا ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ عقيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ يرضونه ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ج ﴿ لينصرنه الله ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ز لنوع عدول مع العطف ﴿ مخضرة ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد ضمان النصر لنبيه  والدفع عن أمته ذكر ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف.

قال جار لله.

إنما لم يقل "وقوم موسى" لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم القبط، أو المراد وكذب موسى أيضاً مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره؟

والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكاً وبالعمارة خراباً.

قوله ﴿ وهي ظالمة فهي خاوية ﴾ الأولى في محل النصب على أنها حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على ﴿ أهلكناها ﴾ وهذه ليس لها محل.

قال أبو مسلم: اراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في البقرة في قوله ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية  ﴾ قوله ﴿ وبئر معطلة ﴾ عطف على ﴿ قرية ﴾ أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟

فحذف هذه الجملة لدلالة معطلة عليها.

وقد يغلب على لاظن من هاتين القرينتين أن "على" في قوله ﴿ على عروشها ﴾ بمعنى "مع" كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية مع بقاء عروشها قاله في الكشاف.

وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساوٍ لا غالب.

يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع اربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم صالح واقاموا بها زماناً ثم كفروا وعبدوا صنماً وأرسل الله إليهم حنظلة بن صفوان نبياً فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم.

يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟

قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن بأرض أخرى.

ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الاثار قائلاً ﴿ أفلم يسيروا ﴾ حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا.

ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون  ﴾ والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال ﴿ فإنها ﴾ أي إن القصة ﴿ لا تعمى الأبصار ﴾ أي أبصارهم ﴿ ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ وفي هذا التصوير زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ فإنها ﴾ ضميراً مبهماً يفسره الأبصار وفاعل ﴿ تعمى ﴾ ضمير عائد إلى الضمير الأول المبهم.

والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب.

وزعم بعضهم أن في الآية إبطالاً لقول من جعل محل الكفر الدماغ وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة.

ثم حكى من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ أو لعلهم طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة لأن يوماً واحداً من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كالف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك لشدة العذاب ايضاً.

وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضاً إمهال ألف سنة.

وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة إليه شيئاً فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله ﴿ فكيف كان نكير ﴾ ولهذا عطف بالفاء بدلاً عتن ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله ﴿ ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي.

ثم أمر رسوله بأن يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام الحيكم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنياً على الترهيب بدليل ﴿ يا ايها الناس ﴾ وهو نداء الكفرة في قول ابن عباس.

قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم ﴿ أفلم يسيروا ﴾ ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا.

قالت الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها.

والأولان واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفراناً فبقي الثالث ويلزم منه عفو صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم فإما أن يكون أمراً سلبياً وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ثبوتياً وهو أن يكون رزقاً كثيراً دائماً خالصاً عن شوائب الضرر مقروناً بالتعظيم والإجلال ﴿ والذين سعوا في آياتنا ﴾ أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها كمن يسعى سعياً أي يمشي سريعاً.

قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه.

والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم.

ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر فقال ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ خصص أولاً ثم عمم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهراً وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة.

"عن النبي  أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قيل: فكم الرسل منهم؟

قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً" .

قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه  لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم.

وكان ذات يوم جالساً في نادٍ من أنديتهم وقد نزل عليه سورة { ﴿ والنجم إذا هوى  ﴾ فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى  ﴾ وكان ذلك التمني في نفسه فجرى على لسانه "تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى" فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله  في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله  وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله  هذه الآية.

واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول.

أما القرآن فكقوله ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ وقوله ﴿ وما ينطق عن الهوى  ﴾ وقوله { ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن  ﴾ نفى القرب من الركون فكيف به؟

وأما السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وقد صنف فيه كتاباً وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي.

هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم.

وقد روى البخاري في صحيحه أنه  قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق.

وأما المعقول فهو أن النبي  بعث لنفي الأوثان فكيف يثبتها؟

وأيضاً إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما في محفل غاص.

وايضاً إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر فيخروا سجداً قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر.

وأيضاً منع الشيطان من اصله أولى من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه.

وايضاً لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ولناقض قوله ﴿ بلغ ما أنزل إليك  ﴾ وحال الزيادة في الوحي كحال النقصان منه.

إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن التمني بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله ﴿ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني  ﴾ وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه يجوز أن يسهو النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله "تلك الغرانيق العلى".

وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها.

وكيف وقعت؟

ذهبت جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد.

وقيل: إن شيطان الجن ألقاها في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول.

وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي.

قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله  ﴿ فينسخ الله ما يلقي الشيطان ﴾ وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في إثناء وقفاته.

وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهواً كما روي عن قتادة ومقاتل أنه  كان يصلي عند المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان.

وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها في النعاس.

وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله  ﴿ إِنه ليس له سلطان على الذين آمنوا  ﴾ وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختياراً.

ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما اول ففيه طريقان: أحدهما قول ابن عباس في رواية أن "شيطاناً" يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني.

وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ثم رجع عنها.

والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا يفرق بين الملك والمعصوم والشيطان الخبيث.

والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائناً في الوحي.

وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه اراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان قرآناً منزلاً في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته.

أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإِثبات ههنا النفي كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ قال الجوهري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد والجمع غرانق بالفتح والغرانيق.

القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمراً من الأمور وسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى مالا ينبغي، ثم إن الله  ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ما هو الحق.

وما تلك الوسوسة؟

قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده.

وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة هي إنزال الوحي على وفق الحوادث.

وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير مراد، وكان رد الله  إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات.

وقيل: معناه إذا أراد فعلاً يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله  يثبته على ذلك نظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ ﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله  ﴾ واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟

وأجيب بأنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسبه فيصير ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي.

والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون به لصدوره عن علم وذلك هو المحكم.

وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان.

ووجه النظم بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكاً بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من الأنبياء وأقوى حالاً منهم.

وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر أمتة ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في أمنيتك حتى سبق لسانك.

فقلت "تلك الغرانيق" الخ.

وسبب التمكين إرادة امتحان من حولهم والله  له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين.

فهذه جملة أقوال المفسرين في الآية.

وأما قوله ﴿ فينسخ الله ﴾ فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله ﴿ ثم يحكم الله آياته ﴾ فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد معمول به عند الأمة.

ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة الأحكام الشرعية.

وقوله ﴿ وإن الظالمين ﴾ أراد المنافقين والمشركين المذكورين إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق البعيد والمعاداة الكاملة.

وأعلم أنه  ذكر لتمكين الشيطان من الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق والشرك وذلك قوله ﴿ وليجعل ﴾ الآية.

وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله وصفاته وهو قوله ﴿ وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن.

وعن الكلبي: أي النسخ.

قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء قلت: أما عند الأشاعرة فلأن المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير.

﴿ فتخبت ﴾ تخضع وتطمئن ﴿ له قلوبهم ﴾ بناء على أصلي الفريقين.

والصراط المستقيم ههنا فسروه بالتأويلات الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول.

قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ضائر.

ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن والرسول واليوم العقيم.

قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم "ريح عقيم" إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأن يوم الحرب يقال له "العقيم" من حيث أن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرون كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال لهم "أبناء الحرب" فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء.

وعن الضحاك أنه يوم القيامة لأنهم لا يرون فيه خيراً، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة.

ولا تكرار على هذا القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير.

واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم في مرية بعد يوم بدر أيضاً.

ويمكن أن يقال: "أو" للعطف على أول الآية فيكون المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد.

سلمنا أنه للعطف على ﴿ تأتيهم ﴾ إلا أن اللام في ﴿ الذين كفروا ﴾ للجنس فيقع على الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة.

ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز بين أهل الجنة وأهل النار.

ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد التشريف.

يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله  قالوا: يا نبي الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟

فأنزل الله عز وجل ﴿ والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ﴾ قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.

وقال بعضهم: هم الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر.

ولا يبعد حمل الآية على الفريقين.

والرزق الحسن نعيم الجنة.

وعن الكلبي: هو الغنيمة لأنها حلال.

وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب ﴿ ورزقني منه رزقاً حسناً  ﴾ وضعف الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت.

قال العلماء: وإنما تظهر هذه الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما في حق غيرهم.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من الشرائط الوجودية والعدمية.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل وهو الرزق.

ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض والتقدير.

وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في الوعد.

وقد يستدل على التسوية بما روي عن أنس أن رسول الله  قال "المقتول في سبيل الله والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان" فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية.

وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم.

قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف صراع.

وقال أبو القاسم القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم.

وقال ابن عباس: يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولاً ﴿ وإن الله لعليم ﴾ بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ﴿ حليم ﴾ عن تفريط المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة.

ثم بين أنه مع إكرامه لهم في الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال ﴿ ذلك ﴾ قال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصةً إذا قتلوا أو ماتوا.

عن مقاتل: أن قوماً من المشركين لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ﴿ ومن عاقب ﴾ أي قاتل ﴿ بمثل ما عوقب به ﴾ أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللمبلابسة من حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي ثم كان المجازي مبغياً عليه أي مظلوماً.

ومعنى "ثم" تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما قيل "البادي أظلم" وهو موجب لتنصرته ظاهراً إلا أن كونه في نفس الأمر مظلوماً هو السبب الأصلي في النصرة.

وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي في القصاص والجراحات.

واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص فقال: من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه.

وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله  ﴾ وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام وطلب إكثار ما هو أولى به فإِني عفوّ غفور.

ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح.

ومنها أن دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة.

ثم بين أن ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران.

وفيه أن خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات خيراً أو شراً إنصافاً أو بغياً وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن الله سميع بصير ﴾ يسمع أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم.

ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال ﴿ ذلك ﴾ أي الوصف بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان.

ويعلم مما ذكر أنه لا شيء أعلى منه شاناً وأكبر سلطاناً.

وإنما قال ههنا ﴿ من دونه هو الباطل ﴾ بزيادة هو وفي "لقمان" ﴿ من دونه الباطل  ﴾ لأن هذا وقع بين عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضاً زيدت اللام في قوله ﴿ وإن الله لهو الغني الحميد ﴾ بخلاف ما في "لقمان" وأيضاً يمكن أن يقال: تقدم في هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف "لقمان" فإنه لم يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر ههنا.

ثم ذكر أنواعاً أخر من دلائل قدرته ونعمته فقال ﴿ الم تر ﴾ قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء أو اخضرار النبات من المبصرات.

وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم لم يعتد بها.

وفي قوله ﴿ فتصبح ﴾ دون أن يقول فأصبحت مناسباً لـ ﴿ أنزل ﴾ إشارة إلى بقاء أثر المطر زماناً طويلاً وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول نظيره قول القائل: "أنعم فلان عليّ عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له".

ولو قال: "فرحت وغدوت" لم يقع ذلك الموقع.

وإنما لم ينصب ﴿ فتصبح ﴾ جواباً للاستفهام لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: الم تراني أنعمت عليك فتشكر.

إن نصبته أو همت أنك نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم: ﴿ إن الله لطيف خبير ﴾ قال الكلبي: لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير بكيفية خلقه.

وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط "الأنعام".

ثم بين أن كل ما في السموات والأرض ملكه وملكه لاي متنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات وإنعاماً عليها.

وإذا كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه كان مستحقاً للحمد بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

التأويل: ﴿ وكأين من قرية ﴾ قالب ﴿ أهلكناها ﴾ بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة.

﴿ وبئر معطلة ﴾ هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف والحقائق ﴿ وقصر مشيد ﴾ وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس السليمة ﴿ أفلم يسيروا ﴾ في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن يصلوا إلى مقام القلب ﴿ فتكون لهم قلوب يعقلون بها ﴾ الرحمن بذاته ﴿ أو آذان ﴾ قلوب ﴿ يسمعون بها ﴾ أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله.

وإذا صح وصف القلب بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام السر كقوله "إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن" وكقول يعقوب ﴿ إني لأجد ريح يوسف  ﴾ ﴿ ولن يخلف الله وعده ﴾ ليس خلفه في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق قوله "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة ﴾ قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه متهيئة يحصل في يوم بإرادته مالا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين ﴿ أمليت لها ﴾ فيه انه  يمهل ولنه لا يهمل ﴿ لهم مغفرة ﴾ أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر عليه أعماله الصالحة صيانة له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: لا تنكرن جحدي هواك فإنما *** ذاك الجحود عليك ستر مسبل ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري" ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني.

والرزق الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم ﴿ إلا إذا تمنى ﴾ فيه أن النبي  بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه ببلاء مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأولية ويزيل الخاطر الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تاثير في نور يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ذلك الدخان يزيدها كدورة وريناً حتى تأتيه ساعة سلب الاستعداد بالكلية، ﴿ أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ﴾ هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلى بعدها ﴿ والذين هاجروا ﴾ عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ﴿ ثم قتلوا ﴾ بسيف الصدق والرياضة حتى تزكوا أنفسهم ﴿ أو ماتوا ﴾ عن أوصاف البشرية ﴿ ليرزقهم الله رزقاً حسناً ﴾ فرزق القلوب حلاوة العرفان.

ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق الأرواح مكاشفات الجلال.

﴿ وإن الله لهو خير الرازقين ﴾ لأنه يرزق من أوصاف ربوبيته كما قال  "ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ ومن عاقب ﴾ بالمجاهدة نفسه ﴿ بمثل ﴾ ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ﴿ ثم بغي عليه ﴾ أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها ﴿ لينصرنه الله ﴾ باستئصال النفس وتمحيق صفاتها ﴿ إن الله لعفوّ ﴾ لما سلف ﴿ غفور ﴾ لما بقي في نفوس الطالبين من الأنانية.

﴿ يولج ﴾ ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس ﴿ أنزل من ﴾ سماء القلب ماء الحكمة ﴿ فتصبح ﴾ أرض البشرية ﴿ مخضرة ﴾ بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ...

﴾ الآية.

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما أخبرت لهم وذكرت من التمكين، والثبوت على الدين، ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، أو وعدوا لهم بنصر، أو نحوه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ ﴾ في الرسالة وفيما تخبر عن الله من الأخبار، يصبر رسوله: لست أنت بأول رسول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا قبلك رسلهم في الرسالة، وهو ما قال: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...

﴾ الآية [هود: 120].

وقوله: ﴿ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ أي: لم يعاقب الله قوماً كذبوا رسلهم وقت تكذيبهم الرسل، بل أمهلهم حتى اغتروا بتأخير العذاب عنهم، وزاد لهم تكذيباً وعناداً، فعند ذلك أخذوا، وعوقبوا بالتكذيب، وهو ما أخبر عنهم، وهو كقوله: ﴿ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ  ﴾ .

قال الحسن: إن الله لم يهلك قوماً بأول التكذيب، ولكن أمهلهم قرناً فقرنا، وقوما بعد قوم، ورسولا بعد رسول، فعند ذلك إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم، وإن كان يعلم في الأزل من يؤمن منهم ومن لا يؤمن حتى يعلم على ظهور وعلم ابتلاء أنهم لا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ علم ظهور في الخلق، وإن كان يعلم علم باطن وخفي.

وقوله: ﴿ فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ ، لم يهلك الله  أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك، كقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ  ﴾ ، وأمثاله كثير، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان فهي خاوية على عروشها.

وقال بعضهم: خاوية: خربة، ساقطة حيطانها على سقوفها.

وقال الحسن: العريش: كل ما ارتفع من الأرض وعلا، يقال: عرش، وعروش جمع، وهكذا كان ما أهلك الله من القرى: منها: ما أهلك أهلها وترك القرى والبنيان على حالها لأوليائها، من ذلك فرعون وقومه، وغيره من الأقوام.

ومنها: ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئاً، من نحو قريات لوط وثمود وهؤلاء.

وقال بعضهم: العرش: هي أجذام الشجر، وكأنها أسطوانة، وأصل الخاوية: خلاؤها عن الأهل، وكذلك قوله: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ عطلها أهلها، ليس بها أحد، لا أنها خربت على [ما] ذكرنا من إهلاك أهلها.

وقوله: ﴿ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : مجصص، والشيد: الجصّ.

وقال بعضهم: ﴿ مَّشِيدٍ ﴾ : أي: مرتفع، والمُشَيَّد - بالتشديد -: المطول المرتفع.

قال القتبي: المشِيد: المبني بالشيد، وهو الجصّ، والمشَيَّد: المطول، ويقال: هما سواء، وهو مطول.

وكذلك قال أبو عوسجة أو قريباً، وكأنه ذكر هذا لأهل مكة لوجهين: أحدهما: أن كانت لهم قرية فيها قصور مشيدة محصّنة يتحصنون بها، يخبر أن من كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا، فلما كذبوا رسلهم لم ينفعهم ذلك، ولكن نزل بهم العذاب، فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك.

أو أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين، فقال: إن أولئك قد كانوا آمنين مطمئنين في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل، فأنتم وإن كنتم آمنين فينزل بكم ما نزل بأولئك، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً...

﴾ الآية [النحل: 112]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هلا ساروا في الأرض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها فينظروا؛ ليعرفوا ما حلّ بأولئك بالتكذيب؛ فيمتنعون عنه، ﴿ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ أي: يسيروا فيستمعوا إلى الأخبار التي فيها ذكر هلاكهم، وما نزل بهم بالتكذيب والعناد؛ لأن ما حل بالأولين إنما يعرف ذلك بأحد أمرين: إما بالمعاينة بالنظر إليهم، وإمّا بالسماع من الأخبار.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم تكن لهم قلوب - عقول أو أفهام - يعقلون بها ما نزل بأولئك بالتكذيب فيعتبروا بذلك، ولا كانت لهم آذان يستمعون ما حل بهم، أي: كانت لهم عقول يعقلون بها لو نظروا حق النظر، وآذان يسمعون بها لو سمعوا حق السّماع، لكنهم لما لم ينتفعوا بعقولهم وأسماعهم نفى ذلك عنهم، وهو ما قال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ ﴾ الظاهرة، ﴿ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ وهو ما نفى عنهم السمع والبصر؛ لتركهم الانتفاع بها ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: هذه الآية في شأن عبد الله بن زائدة ابن أم مكتوم الأعمى، معناه: أن العمى عمى القلب، ليس عمى البصر، وهو كان أعمى البصر، لا أعمى القلب، هذا معناه إن ثبت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: لن يخلف الله وعده الذي وعد في نزول العذاب، أي: ينزل بهم، لا يتقدم ولا يتأخر عن ميعاده.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل - نحو ابن عباس والضحاك ومجاهد وهؤلاء -: إنها هي الأيام التي خلق الله فيها الدنيا وجعلها أجلا لها، يعدّ كل يوم من تلك الأيام كألف سنة، وإلى هذا صرف عامة أهل التأويل، فلا نعلم لذلك وجهاً.

وقال بعضهم: وإن يوماً عند ربكّ من عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدّون في الدنيا، اليوم الواحد ألف سنة.

ووجه هذا: أن الوقت القصير القليل يجوز أن يصير مديداً طويلا؛ لشدّة العذاب والبلاء، نحو ما قيل لهم: ﴿ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ قصر مقامهم في الدنيا؛ لشدة ما عاينوا من العذاب، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وجائز أن يكون هذا لا للتوقيت والمدّة؛ إذ الآخرة ممّا لا غاية لانتهائها، وكل شيء لا غاية لانتهائه، فذكر الوقت له يخرج مخرج التمثيل لا التوقيت، كقوله: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقال: ﴿ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ  ﴾ ليس على التحديد لها والتوقيت، ولكن على ما خرج عن الأوهام ذكر ذلك ومثلها به، فعلى ذلك الاوّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾ أي ﴿ أَمْلَيْتُ لَهَا ﴾ : لم آخذها وقت ظلمهم ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهَا ﴾ من بعد ﴿ وَإِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ هو ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم ومعاصيهم ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ قال بعضهم: سماه رزقا كريماً؛ لأن من رزق ذلك وأعطي يكرم ويعظم قدره.

وقال بعضهم: سماه: كريماً؛ لأن الكريم هو الذي يقضى عنده الحوائج والحاجات؛ فعلى ذلك هو الرزق من ناله وأصابه قضى عنده الحوائج؛ لذلك سمي: كريماً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ في بعض القرآن: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : مثبِّطين مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع الشيء.

والأشبه - عندنا - أن يكون قوله: ﴿ مُعَاجِزِينَ ﴾ : سابقين فائتين، لكنه على الإضمار، كأنّه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ على ظن منهم أنّهم سابقون فائتون عن عذابه ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما أكثر القرى التي أمهلتها بالعذاب وهي ظالمة لكفرها, ولم أعاجلها به استدراجًا لها، ثم أخذتها بعذاب مُسْتَأصِل، وإليّ وحدي مرجعهم يوم القيامة، فأجازيهم على كفرهم بالعذاب الدائم.

<div class="verse-tafsir" id="91.wo6j2"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر