الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ١١ من سورة النور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 247 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله تعالى لها ولنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه ، فأنزل [ الله عز وجل ] براءتها صيانة لعرض الرسول ، عليه أفضل الصلاة والسلام فقال : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة ) أي : جماعة منكم ، يعني : ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة ، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، فإنه كان يجمعه ويستوشيه ، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين ، فتكلموا به ، وجوزه آخرون منهم ، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر ، حتى نزل القرآن ، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فبرأها الله ، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها ، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا ، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني ، وبعض حديثهم يصدق بعضا : ذكروا أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ، فخرج فيها سهمي ، وخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعدما أنزل الحجاب ، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا ، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري ، فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي ، فحبسني ابتغاؤه .
وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب - وهم يحسبون أني فيه - قالت : وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهن ولم يغشهن اللحم ، إنما يأكلن العلقة من الطعام .
فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فتيممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي .
فبينا أنا جالسة في منزلي ، غلبتني عيني فنمت - وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش - فادلج فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني .
وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما كلمني كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته ، فوطئ على يدها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة .
فهلك من هلك في شأني ، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول .
فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمنا شهرا ، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ، ولا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ، ثم يقول : " كيف تيكم؟
" فذلك يريبني ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع - وهو متبرزنا - ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه ، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا .
فانطلقت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ، وأمها ابنة صخر بن عامر ، خالة أبي بكرالصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب - فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : " تعس مسطح " .
فقلت لها : بئسما قلت ، تسبين رجلا [ قد ] شهد بدرا؟
قالت : أي هنتاه ، ألم تسمعي ما قال؟
قلت : وماذا قال؟
فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضا إلى مرضي .
فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : " كيف تيكم؟
" قلت : أتأذن لي أن آتي أبوي؟
- قالت : وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما - فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت أبوي فقلت لأمي : يا أمتاه ، ما يتحدث الناس؟
فقالت : أي بنية هوني عليك ، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة ، عند رجل يحبها ، ولها ضرائر إلا أكثرن عليها .
قالت : فقلت : سبحان الله أوقد تحدث الناس بهذا؟
قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت ، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، ثم أصبحت أبكي .
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ، يستشيرهما في فراق أهله ، قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم في نفسه له من الود ، فقال : يا رسول الله ، هم أهلك ، ولا نعلم إلا خيرا .
وأما علي بن أبي طالب فقال : لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر .
قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ، فقال : " أي بريرة ، هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟
" فقالت له بريرة : والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها ، أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن فتأكله ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول .
قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : " يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي " .
فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج ، أمرتنا ففعلنا أمرك .
قالت : فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج ، وكان رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية - فقال لسعد بن معاذ : لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله .
فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن عبادة : كذبت!
لعمر الله لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين .
فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم [ قائم على المنبر .
فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ] يخفضهم حتى سكتوا وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : وبكيت يومي ذلك ، لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم ، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي .
قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي ، استأذنت علي امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس - قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل [ لي ] ما قيل ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء - قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ، ثم قال : أما بعد يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب ، تاب الله عليه .
قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال : والله ما أدري ما أقول للرسول .
فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله .
فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله .
قالت : فقلت - وأنا جارية حديثة السن ، لا أحفظ كثيرا من القرآن - : [ إني ] والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا ، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ، ولئن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني [ بذلك .
ولئن اعترفت لكم بأمر والله عز وجل يعلم أني بريئة تصدقوني ] ، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) [ يوسف : 18 ] .
قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ، قالت : وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة ، وأن الله مبرئي ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى .
ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها .
قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه ، ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتى أنزل الله على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي ، حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات ، من ثقل القول الذي أنزل عليه .
قالت : فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، كان أول كلمة تكلم بها أن قال : " أبشري يا عائشة ، أما الله فقد برأك .
فقالت لي أمي : قومي إليه .
فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل ، هو الذي أنزل براءتي وأنزل الله عز وجل : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) عشر آيات .
فأنزل الله هذه الآيات في براءتي قالت : فقال أبو بكر ، رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره - : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة .
فأنزل الله عز وجل : ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة ) إلى قوله ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) [ النور : 22 ] فقال أبو بكر : والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه .
وقال : لا أنزعها منه أبدا .
قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - ، عن أمري : يا زينب ، ما علمت ، أو ما رأيت [ أو ما بلغك ] ؟
فقالت يا رسول الله ، أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيرا .
قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فعصمها الله تعالى بالورع .
وطفقت أختهاحمنة بنت جحش تحارب لها ، فهلكت فيمن هلك .
قال ابن شهاب : فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط .
أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، من حديث الزهري .
وهكذا رواه ابن إسحاق ، عن الزهري كذلك ، قال : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة .
وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ، عن عمرة ، عن عائشة بنحو ما تقدم ، والله أعلم .
ثم قال البخاري : وقال أبو أسامة ، عن هشام بن عروة قال : أخبرني أبي ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا ، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : " أما بعد ، أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي ، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء ، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ، ولا غبت في سفر إلا غاب معي " .
فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : ائذن يا رسول الله أن نضرب أعناقهم ، فقام رجل من الخزرج - وكانت أم حسان [ بن ثابت ] من رهط ذلك الرجل - فقال : كذبت ، أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم .
حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد ، وما علمت .
فلما كان مساء ذلك اليوم ، خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ، فعثرت فقالت : تعس مسطح ، فقلت : أي أم ، أتسبين ابنك؟
وسكتت ، ثم عثرت الثانية فقالت : تعس مسطح .
فقلت لها : أي أم ، تسبين ابنك؟
ثم عثرت الثالثة فقالت : تعس مسطح .
فانتهرتها فقالت : والله ما أسبه إلا فيك ، فقلت : في أي شأني؟
قالت : فبقرت لي الحديث .
فقلت : وقد كان هذا؟
قالت : نعم والله .
فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ، ووعكت ، وقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني إلى بيت أبي .
فأرسل معي الغلام ، فدخلت الدار ، فوجدت أم رومان في السفل ، وأبا بكر فوق البيت يقرأ ، فقالت [ لي ] أمي : ما جاء بك يا بنية؟
فأخبرتها ، وذكرت لها الحديث ، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني ، [ فقالت : يا بنية ، خفضي عليك الشأن; فإنه - والله - لقلما كانت امرأة حسناء ، عند رجل يحبها ، لها ضرائر إلا حسدنها ، وقيل فيها وإذا هو لم يبلغ منها ما بلغ مني ، فقلت : وقد علم به أبي؟
قالت : نعم .
قلت : ورسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت : نعم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ] .
فاستعبرت وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتي ، وهو فوق البيت يقرأ ، فنزل فقال لأمي : ما شأنها؟
قالت : بلغها الذي ذكر من شأنها .
ففاضت عيناه وقال : أقسمت عليك - أي بنية - إلا رجعت إلى بيتك فرجعت ، ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي ، فسأل عني خادمي فقالت : لا والله ما علمت عليها عيبا ، إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها - أو : عجينها - وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لها به ، فقالت : سبحان الله .
والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر .
وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له ، فقال : سبحان الله .
والله ما كشفت كنف أنثى قط - قالت عائشة : فقتل شهيدا في سبيل الله - قالت : وأصبح أبواي عندي ، فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر ، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي ، عن يميني وعن شمالي ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " أما بعد يا عائشة ، إن كنت قارفت سوءا أو ظلمت فتوبي إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده " .
قالت : وقد جاءت امرأة من الأنصار ، فهي جالسة بالباب ، فقلت : ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا؟
فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالتفت إلى أبي ، فقلت له : أجبه .
قال : فماذا أقول؟
فالتفت إلى أمي فقلت : أجيبيه .
قالت : أقول ماذا؟
فلما لم يجيباه ، تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ، ثم قلت : أما بعد ، فوالله لئن قلت لكم إني لم أفعل - والله عز وجل يشهد إني لصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم ، لقد تكلمتم به ، وأشربته قلوبكم ، وإن قلت : إني قد فعلت - والله يعلم أني لم أفعل - لتقولن : قد باءت به على نفسها ، وإني - والله - ما أجد لي ولكم مثلا - والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه - إلا أبا يوسف حين قال : ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) [ يوسف : 18 ] ، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من ساعته ، فسكتنا ، فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه ، وهو يمسح جبينه ويقول : " أبشري يا عائشة ، فقد أنزل الله براءتك " قالت : وكنت أشد ما كنت غضبا ، فقال لي أبواي : قومي [ إليه ] فقلت : لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي ، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه ، وكانت عائشة تقول : أما زينب بنت جحش فقد عصمها الله بدينها ، فلم تقل إلا خيرا .
وأما أختها حمنة بنت جحش ، فهلكت فيمن هلك .
وكان الذي يتكلم به مسطح وحسان بن ثابت .
وأما المنافق عبد الله بن أبي بن سلول فهو الذي [ كان ] يستوشيه ويجمعه ، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة .
قالت : وحلف أبو بكر ألا ينفع مسطحا بنافعة أبدا ، فأنزل الله : ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة ) إلى آخر الآية ، يعني : أبا بكر ، ( والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ) يعني : مسطحا ، إلى قوله : ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) [ النور : 22 ] .
فقال أبو بكر : بلى والله يا ربنا ، إنا لنحب أن تغفر لنا وعاد له بما كان يصنع .
هكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أسامة [ أحد الأئمة الثقات .
وقد رواه ابن جرير في تفسيره ، عن سفيان بن وكيع ، عن أبي أسامة ] به مطولا مثله أو نحوه .
ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج ، عن أبي أسامة ، ببعضه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : لما نزل عذري من السماء ، جاءني النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني بذلك ، فقلت : نحمد الله لا نحمدك .
وقال الإمام أحمد : حدثني ابن أبي عدي ، عن محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك ، وتلا القرآن ، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم .
وأخرجه أهل السنن الأربعة ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن .
ووقع عند أبي داود تسميتهم : حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش .
فهذه طرق متعددة ، عن أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها .
وقد روي من حديث أمها أم رومان ، رضي الله عنها ، فقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن عاصم ، أخبرنا حصين ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن أم رومان قالت : بينا أنا عند عائشة ، إذ دخلت عليها امرأة من الأنصار فقالت : فعل الله - بابنها - وفعل .
فقالت عائشة : ولم؟
قالت : إنه كان فيمن حدث الحديث .
قالت عائشة : وأي حديث؟
قالت : كذا وكذا .
قالت : وقد بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت : نعم ، وبلغ أبا بكر؟
قالت : نعم ، فخرت عائشة ، رضي الله عنها ، مغشيا عليها ، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض .
قالت : فقمت فدثرتها ، قالت : وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ما شأن هذه؟
" قلت : يا رسول الله ، أخذتها حمى بنافض .
قال : فلعله في حديث تحدث به " .
قالت : فاستوت له عائشة قاعدة فقالت : والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني ، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني ، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه ( والله المستعان على ما تصفون ) [ يوسف : 18 ] قالت : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عذرها ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم معه أبو بكر ، [ فدخل فقال : " يا عائشة ، إن الله تعالى قد أنزل عذرك " .
فقالت : بحمد الله لا بحمدك .
فقال لها أبو بكر : تقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت : نعم .
قالت : فكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعولهأبو بكر ] فحلف أبو بكر ألا يصله ، فأنزل الله : ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة ) إلى آخر الآية [ النور : 22 ] ، قال أبو بكر : بلى ، فوصله .
تفرد به البخاري دون مسلم ، من طريق حصين وقد رواه البخاري ، عن موسى بن إسماعيل ، عن أبي عوانة - وعن محمد بن سلام - ، عن محمد بن فضيل ، كلاهما عن حصين ، به وفي لفظ أبي عوانة : حدثتني أم رومان .
وهذا صريح في سماع مسروق منها ، وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ ، منهم الخطيب البغدادي ، وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الخطيب : وقد كان مسروق يرسله فيقول : " سئلت أم رومان " ، ويسوقه ، فلعل بعضهم كتب " سئلت " بألف ، فاعتقد الراوي أنها " سألت " ، فظنه متصلا .
قال الخطيب : " وقد رواه البخاري كذلك ، ولم تظهر له علته " .
كذا قال ، والله أعلم .
فقوله : ( إن الذين جاءوا بالإفك ) أي : بالكذب والبهت والافتراء ، ( عصبة ) أي : جماعة منكم ، ( لا تحسبوه شرا لكم ) أي : يا آل أبي بكر ( بل هو خير لكم ) أي : في الدنيا والآخرة ، لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة ، وإظهار شرف لهم باعتناء الله بعائشة أم المؤمنين ، حيث أنزل الله تعالى براءتها في القرآن العظيم الذي ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) [ فصلت : 42 ] ولهذا لما دخل عليها ابن عباس ، رضي الله عنه وهي في سياق الموت ، قال لها : أبشري فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يحبك ، ولم يتزوج بكرا غيرك ، وأنزل براءتك من السماء .
وقال ابن جرير في تفسيره : حدثني محمد بن عثمان الواسطي ، حدثنا جعفر بن عون ، عن المعلى بن عرفان ، عن محمد بن عبد الله بن جحش قال : تفاخرت عائشة وزينب ، رضي الله عنهما ، فقالت زينب : أنا التي نزل تزويجي [ من السماء ] قال : وقالت عائشة : أنا التي نزل عذري في كتابه ، حين حملني ابن المعطل على الراحلة .
فقالت لها زينب : يا عائشة ، ما قلت حين ركبتيها؟
قالت : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل .
قالت : قلت كلمة المؤمنين .
وقوله : ( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) أي : لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، بشيء من الفاحشة ، نصيب عظيم من العذاب .
( والذي تولى كبره ) قيل : ابتدأ به .
وقيل : الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه ، ( له عذاب عظيم ) أي : على ذلك .
ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي بن سلول - قبحه الله ولعنه - وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث ، وقال ذلك مجاهد وغير واحد .
وقيل : بل المراد به حسان بن ثابت ، وهو قول غريب ، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة ، فإنه من الصحابة الذين كان لهم فضائل ومناقب ومآثر ، وأحسن محاسنه أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ بشعره ] ، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هاجهم وجبريل معك " وقال الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : كنت عند عائشة ، رضي الله عنها ، فدخل حسان بن ثابت ، فأمرت فألقي له وسادة ، فلما خرج قلت لعائشة : ما تصنعين بهذا؟
يعني : يدخل عليك - وفي رواية قيل لها : أتأذنين لهذا يدخل عليك ، وقد قال الله : ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ؟
قالت : وأي عذاب أشد من العمى - وكان قد ذهب بصره - لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم .
ثم قالت : إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها [ شعرا ] يمتدحها به ، فقال : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت : أما أنت فلست كذلك .
وفي رواية : لكنك لست كذلك .
وقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن قزعة ، حدثنا سلمة بن علقمة ، حدثنا داود ، عن عامر ، عن عائشة أنها قالت : ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان ، ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة ، قوله لأبي سفيان - يعني ابن [ الحارث ] بن عبد المطلب - : هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ، ولست له بكفء؟
فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء فقيل : يا أم المؤمنين ، أليس هذا لغوا؟
قالت : لا إنما اللغو ما قيل عند النساء .
قيل : أليس الله يقول ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ، قالت : أليس قد أصابه [ عذاب ] عظيم؟
[ أليس ] قد ذهب بصره وكنع بالسيف؟
تعني : الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل [ السلمي ] ، حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك ، فعلاه بالسيف ، وكاد أن يقتله .
يقول تعالى ذكره: إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان ( عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) يقول: جماعة منكم أيها الناس.( لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) يقول: لا تظنوا ما جاءوا به من الإفك شرّا لكم عند الله وعند الناس، بل ذلك خير لكم عنده وعند المؤمنين، وذلك أن الله يجعل ذلك كفارة للمرمي به ويظهر براءته مما رمي به، ويجعل له منه مخرجا.
وقيل: إن الذي عنى الله بقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) : جماعة، منهم حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
كما حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة: أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبت إليّ تسألني في الذين جاءوا بالإفك، وهم كما قال الله: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) وأنه لم يسمّ منهم أحد إلا حسان بن ثابت، ومسْطَح بن أثاثة، وَحَمْنة بنت جَحْش، وهو يقال في آخرين لا علم لي بهم; غير أنهم عصبة كما قال الله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، قوله: ( جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) هم أصحاب عائشة، قال ابن جريج: قال ابن عباس: قوله: ( جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ )...
الآية، الذين افتروا على عائشة: عبد الله بن أُبيّ، وهو الذي تولى كبره، وحسان بن ثابت، ومسطح، وحمنة بنت جحش.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) الذين قالوا لعائشة الإفك والبهتان.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) قال: الشرّ لكم بالإفك الذي قالوا، الذي تكلَّموا به، كان شرّا لهم، وكان فيهم من لم يقله، إنما سمعه، فعاتبهم الله، فقال أول شيء: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) ثم قال: ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
وقوله: ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ ) يقول: لكل امرئ من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما اجترم من الإثم، بمجيئه بما جاء به، من الأولى عبد الله.
وقوله: ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ) يقول: والذي تحمل معظم ذلك الإثم والإفك منهم هو الذي بدأ بالخوض فيه.
كما حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ) يقول: الذي بدأ بذلك.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) قال: أصحاب عائشة عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، ومسطح، وحسان.
قال أبو جعفر: له من الله عذاب عظيم يوم القيامة.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( كِبْرهُ ) فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار: ( كِبْرَهُ ) بكسر الكاف، سوى حميد الأعرج، فإنه كان يقرؤه " كُبْرهُ" بمعنى: والذي تحمل أكبره.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: القراءة التي عليها عوامّ القرّاء، وهي كسر الكاف، لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وأن الكبر بالكسر: مصدر الكبير من الأمور، وأن الكبر بضم الكاف إنما هو من الولاء والنسب من قولهم: هو كُبر قومه، والكبر في هذا الموضع: هو ما وصفناه من معظم الإثم والإفك.
فإذا كان ذلك كذلك، فالكسر في كافه هو الكلام الفصيح دون ضمها، وإن كان لضمها وجه مفهوم.
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ) الآية، فقال بعضهم: هو حسان بن ثابت.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، قال: ثنا داود، عن عامر، أن عائشة قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان: هَجَـــوْتَ مُحَــمَّدًا فَـأَجَبْتُ عَنْـهُ وَعِنْــدَ اللــه فــي ذاكَ الجَـزَاءُ فــإنَّ أبـــي وَوَالِــدَهُ وَعِـرْضي لِعِــرْضِ مُحــمّدٍ مِنْكُــمْ وقــاءُ أتَشْــتُمُهُ وَلَسْــتَ لَــهُ بكُــفءٍ فَشَـــرُّكُما لِخَيْرِكُمـــا الفِـــداءُ لســانِي صَـــارمٌ لا عَيْــبَ فِيـه وبَحْـــري لا تُكَـــدّرهُ الــدّلاءُ (1) فقيل: يا أم المؤمنين، أليس هذا لغوا؟
قالت; لا إنما اللَّغو ما قيل عند النساء.
قيل: أليس الله يقول: ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم، أليس قد ذهب بصره، وكُنِّع بالسيف (2) .
قال: ثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت عند عائشة، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت، فألقي له وسادة; فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا، وقد قال الله ما قال؟
فقالت: قال الله: ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) وقد ذهب بصره، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم: ذهاب بصره.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة، فشبَّب بأبيات له، فقال: وتصبح غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِل (3) فقالت عائشة: أما إنك لست كذلك، فقلت: تدعين هذا الرجل يدخل عليك، وقد أنـزل الله فيه: ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ) الآية؟
فقالت: وأيّ عذاب أشدّ من العمى، وقالت: إنه كان يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا جعفر بن عون، عن المُعَلَّى بن عرفان، عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: تفاخرت عائشة وزينب، قال: فقالت زينب: أنا التي نـزل تزويجي من السماء قال: وقالت عائشة: أنا التي نـزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطّل على الراحلة، فقالت لها زينب: يا عائشة، ما قلت حين ركبتيها، قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت كلمة المؤمنين.
وقال آخرون: هو عبد الله بن أُبَي ابن سلول.
*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أُبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره، ومسطح، وحسان بن ثابت.
حدثنا سفيان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقاص وغيره أيضا، قالوا: قالت عائشة: كان الذي تولى كبره: الذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أُبي ابن سلول.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان الذي تولى كبره: عبد الله بن أُبي.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا ) الآية، الذين افتروا على عائشة: عبد الله بن أُبي، وهو الذي تولى كبره، وحسان، ومسطح، وحمنة بنت جحش.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة في الذين جاءوا بالإفك، يزعمون أنه كان كِبْرُ ذلك عبد الله بن أُبي ابن سلول، أحد بني عوف بن الخزرج، وأخبرت أنه كان يحدّث به عنهم، فيقرّه ويسمعه ويستوشيه.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أما الذي تولى كبره منهم، فعبد الله بن أُبي ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقود بها.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والذي تولى كبره هو عبد الله بن أُبي ابن سلول، وهو بدأه.
وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: الذي تولى كبره من عصبة الإفك، كان عبد الله بن أُبي، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، أن الذي بدأ بذكر الإفك، وكان يجمع أهله ويحدثهم، عبد الله بن أُبي ابن سلول، وفعله ذلك على ما وصفت كان توليه كبر ذلك الأمر.
وكان سبب مجيء أهل الإفك، ما حدَّثنا به ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدّق بعضا: زعموا أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها.
قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعد ما أنـزل الحجاب، وأنا أحمل في هودجي وأنـزل فيه فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل إلى المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جَزْع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يُهَبِّلْهُن ولم يَغْشَهن اللحم، إنما يأكلن العُلْقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منـزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني ويرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منـزلي، غلبتني عيني، فنمت حتى أصبحت.
وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منـزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمت بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نـزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أُبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: " كيف تيكم؟
" فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت مع أمّ مسطح قبل المناصع، وهو متبرّزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنـزه (4) وكنا نتأذّى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأمّ مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت!
أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟
فقالت: أي هنتاه، أولم تسمعي ما قال؟
قلت: وما قال؟
فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى منـزلي، ودخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: " كيف تيكم؟
" فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟
قال: " نعم "، قالت: وأنا (5) حينئذ أريد أن أستثبت الخبر من قِبَلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبويّ، فقلت لأمي: أي أمتاه، ماذا يتحدّث الناس؟
فقالت: أي بنية، هوّني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها.
قالت: قلت: سبحان الله، أو قد تحدّث الناس بهذا وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت: نعم، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدخل عليّ أبو بكر وأنا أبكي، فقال لأمي: ما يبكيها؟
قالت: لم تكن علمت ما قيل لها، فأكبّ يبكي، فبكى ساعة، ثم قال: اسكتي يا بنية، فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلي المقبل لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى ظن أبواي أن البكاء سيفلق كبدي.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب، وأُسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أُسامة، فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الود فقال: يا رسول الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرا.
وأما عليّ فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، يعني: بريرة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بَرِيرة، فقال: " هَلْ رأيْت منْ شَيء يَرِيبُكِ مِنْ عائِشَةَ؟
" قالت له بريرة: والذي بعثك بالحقّ، ما رأيت عليها أمرا قطّ أغمصه عليها، أكثر من أنها حديثة السنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " مَنْ يَعْذُرُني مِمَّنْ قَدْ بَلَغني أذَاهُ في أهْلِي؟
" يعني عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر أيضا: " يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَني أذَاهُ فِي أهْلِي؟
فَوَاللهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلا ما عَلِمْتُ عَلَيْه إلا خَيْرًا، وما كانَ يَدْخُل على أهْلِي إلا مَعي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك؛ فقام سعد بن عبادة، فقال، وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال: أي سعد بن معاذ لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عمة سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله &; 19-123 &; صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في بيت أبويّ، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي; قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحَى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: " أمَّا بَعْدُ يَا عائشَةُ، فإنَّهُ بَلَغَني عَنْكِ كَذَا وكَذَا، فإنْ كُنْت بَرِيئَةً فَسَيُبَرئُكِ اللهُ، وإن كُنْتِ ألمَمْتِ بِذَنْبٍ، فاسْتَغْفِري اللهَ، وَتُوبِي إلَيْهِ، فإنَّ العَبْدَ إذَا اعْتَرَف بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ، تابَ اللهُ عَلَيْهِ".
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي، حتى ما أحسّ منه دمعة، قلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إني والله قد عرفت أن قد سمعتم بهذا، حتى استقرّ في أنفسكم، حتى كدتم أن تصدِّقوا به، فإن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف (6) فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ثم تولّيت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلمُ أني بريئة، وأن الله سيبرّئني ببراءتي، ولكني والله ما كنت أظنّ أن ينـزل في شأني وحي يُتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام رؤيا يبرّئني الله بها، قالت: والله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من البيت أحد حتى أنـزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي، من ثقل القول الذي أُنـزل عليه، قالت: فلما سُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، كان أوّل كلمة تكلم بها أن قال: " أبْشِرِي يا عائِشَةُ، إنَّ اللهَ قَدْ برَّأك!" فقالت لي أمي، قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنـزل براءتي.
فأنـزل الله: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ) عشر آيات، فأنـزل هذه الآيات براءة لي.
قالت: فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، قالت: فأنـزل الله: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ حتى بلغ: غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال أبو بكر: إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنـزعها منه أبدا.
قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، وما رأت، وما سمعت، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما رأيت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب، فهلكت فيمن هلك.
قال الزهري بن شهاب: هذا الذي انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، وعن علقمة بن وقاص الليثي، عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، قال الزهري: كلّ قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان له أوعى من بعض.
قال: وقد جمعت لك كل الذي قد حدثني.
وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة; قال: وثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قال: وثني عبد الله بن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: وكل قد اجتمع في حديثه قصة خبر عائشة عن نفسها، حين قال أهل الإفك فيها ما قالوا، وكله قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا، ويحدث بعضهم ما لم يحدث بعض، وكلّ كان عنها ثقة، وكلّ قد حدّث عنها ما سمع.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزاة بني المصطلق، أقرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهنّ، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق، لم يهيجهن اللحم فيثقلن؛ &; 19-125 &; قالت: وكنت إذا رحل بعيري جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون بي بعيري ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج يرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فينطلقون به؛ قالت: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك، وجه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة، نـزل منـزلا فبات بعض الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل.
فلما ارتحل الناس، خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي من جزع ظَفَار، فلما فرغت انسلّ من عنقي وما أدري; فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، قالت: فرجعت عَوْدِي إلى بَدْئي، إلى المكان الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون بي البعير.
ثم ذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا وما علمت فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " أمَّا بَعْدُ أشِيرُوا عَلَيَّ في أُناسٍ أبَنُوا أهْلِي، واللهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي سُوءًا قَطُّ، وأبَنوهُم بمَنْ واللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ سُوءًا قَطُّ، ولا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إلا وأنا حاضِرٌ، ولا أغِيبُ في سَفَرٍ إلا غَابَ مَعِي" فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، نرى أن نضرب أعناقهم، فقام رجل من الخزرج، وكانت أمّ حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت، أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج في المسجد شر، وما علمت به، فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي ومعي أمّ مسطح، فعثرت، فقالت: تعس مسطح، فقلت علام تسبين ابنك فسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطح، قلت: علام تسبين ابنك؟
فسكتت، ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح فانتهرتها وقلت: علام تسبين ابنك؟
قالت: والله ما أسبه إلا فيك، قلت: في أيّ شأني، فبقرت (7) لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟
قالت: نعم والله، قالت: فرجعت إلى بيتي فكأن الذي خرجتُ له لم أخرج له، ولا أجد منه قليلا ولا كثيرا، ووعكت، فقلت: يا رسول الله، أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فإذا أنا بأمي أمّ رومان، قالت: ما جاء بك يا بُنية؟
فأخبرتها، فقالت: خفِّضي عليك الشأن، &; 19-126 &; فإنه والله ما كانت امرأة جميلة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا حسدنها وقلن فيها، قلت: وقد علم بها أبي؟
قالت: نعم.
قلت: ورسول الله؟
قالت: نعم، فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنـزل فقال لأمي: ما شأنها؟
قالت: بلغها الذي ذكر من أمرها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك إلا رجعت إلى بيتك.
فرجعت ، فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا عندي حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بعد العصر، وقد اكتنفني أبواي، عن يميني، وعن شمالي، فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: " أمَّا بَعْدُ يا عائِشَةُ، إن كُنْتِ قَارفتِ سُوءًا أوْ ألمَمْتِ فَتُوبِي إلى الله، فإنَّ الله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِه " وقد جاءت امرأة من الأنصار وهي جالسة، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تقول شيئا؟
فقلت لأبي: أجبه، فقال: أقول ماذا؟
قلت لأمي: أجيبيه، فقالت: أقول ماذا؟
فلما لم يجيباه تشهدت، فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد، فوالله لئن قلت لكم إني لم أفعل، والله يعلم إني لصادقة ما ذا بنافعي عندكم، لقد تكلم به وأشربته قلوبكم، وإن قلت إني قد فعلت، والله يعلم أني لم أفعل، لتقولنّ قد باءت به على نفسها، وأيم الله، ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وأنـزل الله على رسوله ساعتئذ، فرفع عنه، وإني لأتبين السرور في وجهه، وهو يمسح جبينه يقول: " أبْشِرِي يا عائِشَةُ، فَقَدْ أنـزلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ" فكنت أشدّ ما كنت غضبا، فقال لي أبواي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده ولا أحمدكما، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، ولكني أحمد الله الذي أنـزل براءتي.
ولقد جاء رسول الله بيتي، فسأل الجارية عني، فقالت: والله ما أعلم عليها عيبا، إلا أنها كانت تنام حتى كانت تدخل الشاة فتأكل حصيرها أو عجينها، فانتهرها بعض أصحابه، وقال لها: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عروة: فعتب على من قاله، فقال: لا والله ما أعلم عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وبلغ ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله ما كشفت كنف أنثى قطّ، فقتل شهيدا في سبيل الله، قالت عائشة: فأما زينب بنت جحش فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة أختها، فهلكت فيمن هلك، وكان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أُبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره، ومسطحا، وحسان بن ثابت، فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة، فأنـزل الله: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ .
يعني أبا بكر، أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ يعني: مسطحا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال أبو بكر: بلى والله، إنا لنحبّ أن يغفر الله لنا، وعاد أبو بكر لمسطح بما كان يصنع به.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقاص وغيره أيضا، قال: خرجت عائشة تريد المذهب (8) ومعها أمّ مسطح، وكان مسطح بن أثاثة ممن قال ما قال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل ذلك، فقال: " كَيْفَ تَرَوْنَ فِيمَنْ يُؤْذِيني فِي أهْلِي ويَجْمَعُ في بَيْتِهِ مَنْ يُؤْذِيني؟
" فقال سعد بن معاذ: أي رسول الله، إن كان منا معشر الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا فأطعناك، فقال سعد بن عبادة: يا بن معاذ، والله ما بك نصرة رسول الله، ولكنها قد كانت ضغائن في الجاهلية، وإحن لم تحلل لنا من صدوركم بعد، فقال ابن معاذ: الله أعلم ما أردت، فقام أسيد بن حضير فقال: يا بن عبادة، إن سعدا ليس شديدا، ولكنك تجادل عن المنافقين، وتدفع عنهم، وكثر اللغط في الحيين في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على المنبر، فما زال النبيّ صلى الله عليه وسلم يومئ بيده إلى الناس هاهنا وهاهنا، حتى هدأ الصوت.
وقالت عائشة: كان الذي تولى كبره، والذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أُبي ابن سلول، قالت: فخرجت إلى المذهب ومعي أمّ مسطح، فعثرت، فقالت: تعس مسطح، فقلت: غفر الله لك، أتقولين هذا لابنك ولصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت ذلك مرّتين، وما شعرت بالذي كان، فحُدثت، فذهب عني الذي خرجت له، حتى ما أجد منه شيئا، ورجعت على أبويّ: أبي بكر، وأمّ رومان فقلت: أما اتقيتما الله في وما وصلتما رحمي؟
قال النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي قال، وتحدّث الناس بالذي تحدثوا به ولم تعلماني، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: أي بنية، والله لقلما أحبّ رجل قطّ امرأته إلا قالوا لها نحو الذي قالوا لك، أي بنية ارجعي إلى بيتك حتى نأتيك فيه، فرجعت وارتكبني صالب من حمى، فجاء أبواي فدخلا وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على سريري وجاهي، فقالا أي بنية، إن كنت صنعت ما قال الناس فاستغفري الله، وإن لم تكوني صنعتيه فأخبري رسول الله بعذرك، قلت: ما أجد لي ولكم إلا كأبي يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ قالت: فالتمست اسم يعقوب فما قدرت، أو فلم أقدر عليه، فشخص بصر رسول الله إلى السقف، وكان إذا نـزل عليه وجد قال الله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا فوالذي هو أكرمه، وأنـزل عليه الكتاب ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورا، ثم مسح عن وجهه، فقال: " يا عائشَةُ أبْشرِي، قد أنـزل اللهُ عُذْرَك " قلت: بحمد الله لا بحمدك، ولا بحمد أصحابك، قال الله: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ )...
حتى بلغ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ وكان أبو بكر حلف أن لا ينفع مسطحا بنافعة، وكان بينهما رحم، فلما أنـزلت: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...
حتى بلغ: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال أبو بكر: بلى، أي ربّ، فعاد إلى الذي كان لمسطح إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ...
حتى بلغ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قالت عائشة: والله ما كنت أرجو أن ينـزل فيّ كتاب ولا أطمع به، ولكن أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا تذهب ما في نفسه، قالت: وسأل الجارية الحبشية فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله، قال: فعجب الناس من فقهها.
-------------------------- الهوامش : (1) هذه الأبيات الأربعة لحسان بن ثابت الأنصاري ، شاعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، يهجو بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شاعر قريش قبل إسلامه .
وهي من قصيدته التي مطلعها : : " عفت ذات الأصابع فالجواء " .
والأبيات قرب نهاية القصيدة ، وقبلها .
ألا أبلـــغ أبــا ســفيان عنــي مغلغلـــة فقــد بــرح الخفــاء = ( وانظر القصيدة في سيرة ابن هشام طبعة الحلبي ج 4 : 64 - 66 ) وقد استشهد بها المؤلف على أن حسان كان ممن خاض في حديث الإفك الذي رميت به أم المؤمنين عائشة المبرأة ، رضي الله عنها (2) كنع بالسيف : ضرب به حتى يبس جلده ( اللسان ) (3) هذا عجز بيت لحسان بن ثابت ، من أبيات له في مدح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه بعد أن نزلت براءتها في سورة النور ، من الإفك الذي خاض فيه بعض الصحابة ، وكان حسان من أشدهم خوضًا فيه ، حتى إذا حصحص الحق ، وظهرت براءة أم المؤمنين ندم حسان واعتذر ، وقال يمدحها في أبيات له .
وصدر البيت * حصـان رزان مـا تـزن بريبة * والحصان : العفيفة والرزان : الرزينة الثابتة التي لا يستخفها الطيش .
وتزن ترمي وتتهم .
والريبة : التهمة والشك .
وغرثى : جائعة ، يريد لا تغتاب النساء ، والغوافل : جمع غافلة ، وهي التي غفل قلبها عن الشر ( وانظر سيرة ابن هشام طبعة الحلبي 3 : 319 ، 320 ) (4) كذا رواه الإمام مسلم في صحيحه ( 17 : 106 ) بشرح النووي .
وفي صحيح البخاري طبعة الحلبي ( 5: 150 ) : البرية قبل الغائط ، في مكان : التنزه (5) هذه رواية مسلم .
وفي صحيح البخاري ( 5 : 150 ) : قالت : أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن ..
.
إلخ (6) لم تذكر أم المؤمنين رضي الله عنها اسم النبي يعقوب أبي يوسف عليهما السلام ، لأنها كانت جارية حديثة السن ، ولم تقرأ كثيرًا من القرآن بعد (7) بقرت لي الحديث : أخبرتني به مفصلا (8) المذهب : مكان التبرز في الخلاء
قوله تعالى : إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم عصبة خبر إن .
ويجوز نصبها على الحال ، ويكون الخبر لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم .
وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة - رضوان الله عليها - ، وهو خبر صحيح مشهور ، أغنى اشتهاره عن ذكره ، وسيأتي مختصرا .
وأخرجه البخاري تعليقا ، وحديثه أتم .
قال : وقال أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، وأخرجه أيضا ، عن محمد بن كثير ، عن أخيه سليمان من حديث مسروق ، عن أم رومان أم عائشة أنها قالت : لما رميت عائشة خرت مغشيا عليها .
وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال : حدثني مسروق بن الأجدع ، قال : حدثتني أم رومان وهي أم عائشة ، قالت : بينا أنا قاعدة أنا ، وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار ، فقالت : فعل الله بفلان وفعل ، فقالت أم رومان : وما ذاك ؟
قالت : ابني فيمن حدث الحديث ، قالت : وما ذاك ؟
قالت : كذا وكذا .
قالت عائشة : سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
قالت : نعم .
قالت : وأبو بكر ؟
قالت : نعم ، فخرت مغشيا عليها ؛ فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض ، فطرحت عليها ثيابها ، فغطيتها ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما شأن هذه ؟
فقلت : يا رسول الله ، أخذتها الحمى بنافض .
قال : فلعل في حديث تحدث به ، قالت : نعم .
فقعدت عائشة فقالت : والله ، لئن حلفت لا تصدقوني !
ولئن قلت لا تعذروني !
مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه والله المستعان على ما تصفون .
قالت : وانصرف ولم يقل شيئا ؛ فأنزل الله عذرها .
قالت : بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك .
قال أبو عبد الله الحميدي : كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول الإرسال في هذا الحديث أبين ، واستدل على ذلك بأن أم رومان توفيت في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومسروق لم يشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا خلاف .
وللبخاري من حديث عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة كانت تقرأ إذ تلقونه بألسنتكم وتقول : الولق الكذب .
قال ابن أبي مليكة : وكانت أعلم بذلك من غيرها لأنه نزل فيها .
قال البخاري : وقال معمر بن راشد ، عن الزهري : كان حديث الإفك في غزوة المريسيع .
قال ابن إسحاق : وذلك سنة ست .
وقال موسى بن عقبة : سنة أربع .
وأخرج البخاري من حديث معمر ، عن [ ص: 182 ] الزهري قال : قال لي الوليد بن عبد الملك : أبلغك أن عليا كان فيمن قذف ؟
قال : قلت لا ، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما : كان علي مسلما في شأنها .
وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من حديث معمر ، عن الزهري ، وفيه : قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال : الذي تولى كبره منهم علي بن أبي طالب ؟
فقلت : لا ، حدثني سعيد بن المسيب ، وعروة ، وعلقمة ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلهم يقول سمعت عائشة تقول : والذي تولى كبره عبد الله بن أبي .
وأخرج البخاري أيضا من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : والذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي .الثانية : قوله تعالى : ( بالإفك ) الإفك الكذب .
والعصبة ثلاثة رجال ؛ قاله ابن عباس .
وعنه أيضا من الثلاثة إلى العشرة .
ابن عيينة : أربعون رجلا .
مجاهد : من عشرة إلى خمسة عشر .
وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض .
والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره .
والشر ما زاد ضره على نفعه .
وإن خيرا لا شر فيه هو الجنة .
وشرا لا خير فيه هو جهنم .
فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير ؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا ، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى .
فنبه الله تعالى عائشة وأهلها وصفوان ، إذ الخطاب لهم في قوله لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ؛ لرجحان النفع والخير على جانب الشر .الثالثة : لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعائشة معه في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع ، وقفل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل قامت حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش ، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرحل فلمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع ، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه ، فوجدته وانصرفت ، فلما لم تجد أحدا ، وكانت شابة قليلة اللحم ، فرفع الرجال هودجها ، ولم يشعروا بنزولها منه ؛ فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها ، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول [ ص: 183 ] صفوان بن المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون ؛ وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة .
وقيل : إنها استيقظت لاسترجاعه ، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة ، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة ؛ فوقع أهل الإفك في مقالتهم ، وكان الذي يجتمع إليه فيه ، ويستوشيه ، ويشعله عبد الله بن أبي بن سلول المنافق ، وهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة ، فقال : والله ما نجت منه ، ولا نجا منها ، وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل .
وكان من قالته حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش .
هذا اختصار الحديث ، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ، ومسلم ، وهو في مسلم أكمل .
ولما بلغ صفوان قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال :تلق ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت ليس بشاعرفأخذ جماعة حسان ولببوه وجاءوا به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأهدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرح حسان واستوهبه إياه .
وهذا يدل على أن حسان ممن تولى الكبر ؛ على ما يأتي والله أعلم .وكان صفوان هذا صاحب ساقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزواته لشجاعته ، وكان من خيار الصحابة .
وقيل : كان حصورا لا يأتي النساء ؛ ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة .
وقيل : كان له ابنان ؛ يدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابنيه : لهما أشبه به من الغراب بالغراب .
وقوله في الحديث : والله ما كشفت كنف أنثى قط ؛ يريد بزنا .
وقتل شهيدا - رضي الله عنه - في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر ، وقيل : ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية .الرابعة : قوله تعالى : لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم يعني ممن تكلم بالإفك .
ولم يسم من أهل الإفك إلا حسان ، ومسطح ، وحمنة ، وعبد الله ؛ وجهل الغير ؛ قاله [ ص: 184 ] عروة بن الزبير ، وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان ، وقال : إلا أنهم كانوا عصبة ؛ كما قال الله تعالى .
وفي مصحف حفصة ( عصبة أربعة ) .الخامسة : قوله تعالى : والذي تولى كبره منهم وقرأ حميد الأعرج ويعقوب ( كبره ) بضم الكاف .
قال الفراء : وهو وجه جيد ؛ لأن العرب تقول : فلان تولى عظم كذا وكذا ؛ أي أكبره .
روي عن عائشة أنه حسان ، وأنها قالت حين عمي : لعل العذاب العظيم الذي أوعده الله به ذهاب بصره ؛ رواه عنها مسروق .
وروي عنها أنه عبد الله بن أبي ؛ وهو الصحيح ، وقاله ابن عباس .
وحكى أبو عمر بن عبد البر أن عائشة برأت حسان من الفرية ، وقالت : إنه لم يقل شيئا .
وقد أنكر حسان أن يكون قال شيئا من ذلك في قوله :حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافلحليلة خير الناس دينا ومنصبا نبي الهدى والمكرمات الفواضلعقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائلمهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطلفإن كان ما بلغت أني قلته فلا رفعت سوطي إلي أنامليفكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافلله رتب عال من الناس فضلها تقاصر عنها سورة المتطاولوقد روي أنه لما أنشدها : حصان رزان ؛ قالت له : لست كذلك ؛ تريد أنك وقعت في الغوافل .
وهذا تعارض ، ويمكن الجمع بأن يقال : إن حسان لم يقل ذلك نصا وتصريحا ، ويكون عرض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه ؛ والله أعلم .وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا ؟
وهل جلد الحد أم لا ؟
فالله أعلم أي ذلك كان ، وهي مسألة :السادسة : فروى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد في الإفك رجلين وامرأة : مسطحا ، وحسان ، وحمنة ، وذكره الترمذي .
وذكر القشيري عن ابن عباس قال : جلد [ ص: 185 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن أبي ثمانين جلدة ، وله في الآخرة عذاب النار .
قال القشيري : والذي ثبت في الأخبار أنه ضرب ابن أبي ، وضرب حسان ، وحمنة ، وأما مسطح فلم يثبت عنه قذف صريح ، ولكنه كان يسمع ويشيع من غير تصريح .
قال الماوردي وغيره : اختلفوا هل حد النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحاب الإفك ؟
على قولين : أحدهما أنه لم يحد أحدا من أصحاب الإفك لأن الحدود إنما تقام بإقرار ، أو ببينة ، ولم يتعبده الله أن يقيمها بإخباره عنها ؛ كما لم يتعبده بقتل المنافقين ، وقد أخبره بكفرهم .قلت : وهذا فاسد مخالف لنص القرآن ؛ فإن الله - عز وجل - يقول : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء أي على صدق قولهم : فاجلدوهم ثمانين جلدة .والقول الثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حد أهل الإفك عبد الله بن أبي ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش ؛ وفي ذلك قال شاعر من المسلمين :لقد ذاق حسان الذي كان أهله وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطحوابن سلول ذاق في الحد خزية كما خاض في إفك من القول يفصحتعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحواوآذوا رسول الله فيها فجللوا مخازي تبقى عمموها وفضحوافصب عليهم محصدات كأنها شآبيب قطر من ذرى المزن تسفحقلت : المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ، ومسطح ، وحمنة ، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي .
روى أبو داود ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لما نزل عذري قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك ، وتلا القرآن ؛ فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم ، وسماهم : حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش .
وفي كتاب [ ص: 186 ] الطحاوي ( ثمانين ثمانين ) .
قال علماؤنا .
وإنما لم يحد عبد الله بن أبي لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما ؛ فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة - رضي الله عنها - وبكذب كل من رماها ؛ فقد حصلت فائدة الحد ، إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف ؛ كما قال الله تعالى : فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون .
وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة ، وقد قال : صلى الله عليه وسلم - في الحدود إنها كفارة لمن أقيمت عليه ؛ كما في حديث عبادة بن الصامت .
ويحتمل أن يقال : إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه ، واحتراما لابنه ، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك ، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه ؛ كما في صحيح مسلم .
والله أعلم .
لما ذكر فيما تقدم، تعظيم الرمي بالزنا عموما، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة، التي وقعت على أشرف النساء، أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذه الآيات، نزلت في قصة الإفك المشهورة، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد.
وحاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض غزواته، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق، فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها، فلم يفقدوها، ثم استقل الجيش راحلا، وجاءت مكانهم، وعلمت أنهم إذا فقدوها، رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم، وكان صفوان بن المعطل السلمي، من أفاضل الصحابة رضي الله عنه، قد عرس في أخريات القوم ونام، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها، فأناخ راحلته، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال، أشاع ما أشاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين، وصاروا يتناقلون هذا الكلام، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة، فحزنت حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات، ووعظ الله المؤمنين، وأعظم ذلك، ووصاهم بالوصايا النافعة.
فقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ } أي: الكذب الشنيع، وهو رمي أم المؤمنين { عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } أي: جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين، منهم المؤمن الصادق [في إيمانه ولكنه اغتر بترويج المنافقين] ومنهم المنافق.
{ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة، فكل هذا خير عظيم، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا، ولذلك جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدح في أنفسهم، ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، واجتماعهم على مصالحهم، كالجسد الواحد، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، فكما أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه، فليكره من كل أحد، أن يقدح في أخيه المؤمن، الذي بمنزلة نفسه، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة، فإنه من نقص إيمانه وعدم نصحه.
{ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ } وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك، وأنهم سيعاقبون على ما قالوا من ذلك، وقد حد النبي صلى الله عليه وسلم منهم جماعة، { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ } أي: معظم الإفك، وهو المنافق الخبيث، عبد الله بن أبي بن سلول -لعنه الله- { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ألا وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار.
قوله - عز وجل - : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) الآيات سبب نزول هذه الآية ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله أخبرنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال : حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا .
قالوا : قالت عائشة : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه وأيهن خرج سهمها خرج بها النبي - صلى الله عليه وسلم - معه قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه .
قالت : وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه ، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها ، فقمت إليها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول .
قالت : فهلك من هلك ، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول ، قال عروة أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه .
وقال عروة أيضا : لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة ، كما قال الله تعالى ( والذي تولى كبره ) قال : عبد الله بن أبي ابن سلول قال عروة : كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول : إنه الذي قال : فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء قالت عائشة : فقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمت شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسلم ثم يقول كيف تيكم ؟
ثم ينصرف ، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت ، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط ، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا .
قالت : فانطلقت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا ؟
فقالت : أي هنتاه أولم تسمعي ما قال ؟
قالت فقلت : ما قال ؟
فأخبرتني بقول أهل الإفك ، قالت فازددت مرضا على مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال : كيف تيكم ؟
فقلت له : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟
قالت : وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ، قالت : فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت لأمي : يا أمتاه ماذا يتحدث الناس ؟
فقالت : يا بنية هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط رضية عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها .
قالت فقلت : سبحان الله أولقد تحدث الناس بهذا ؟
قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل [ بنوم ] ، ثم أصبحت أبكي .
قالت : ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه ، فقال أسامة : أهلك ولا نعلم إلا خيرا ، وأما علي فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك ، قالت : فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة ، فقال : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك ؟
قالت له بريرة : والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمضه أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله .
قالت : فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ من يومه ] فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر ، فقال : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي ، قالت : فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل ، فقال أنا يا رسول الله أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، قالت : وقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، قالت : وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل ، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين ، قالت : فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على المنبر ، قالت : فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخفضهم حتى سكتوا وسكت .
قالت : فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم [ قالت وأصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ] ولا يرقأ لي دمع حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينا أبواي جالسان عندي ، وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها ، فجلست تبكي معي .
قالت : فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا فسلم ثم جلس ، قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ، قالت : فتشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه .
قالت : فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته فاض دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي أجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت لأمي : أجيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال ، فقالت أمي : والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا : إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني ، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني ، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف حين قال : " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " ( يوسف - 18 ) ثم تحولت واضطجعت على فراشي وأنا أعلم والله يعلم أني حينئذ بريئة ، وأن الله مبرئي ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله بها ، فوالله ما رام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان ، وهو في يوم شات ، من ثقل القول الذي أنزل عليه ، قالت : فسري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال : يا عائشة أما والله فقد برأك الله ، قالت : فقالت لي أمي : قومي إليه فقلت : والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله ، قالت : وأنزل الله تعالى : " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم " العشر الآيات ، فلما أنزل الله في براءتي قال أبو بكر الصديق ، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال ، فأنزل الله : ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة ) إلى قوله ( غفور رحيم ) قال أبو بكر الصديق : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا .
قالت عائشة : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال لزينب : ماذا علمت أو رأيت ؟
فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيرا ، قالت عائشة وهي التي تساميني من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فعصمها الله بالورع ، قالت : وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك .
قال ابن شهاب : فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط ، قالت عائشة : والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول : سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط .
قالت : ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله .
ورواه محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير ، أخبرنا الليث عن يونس عن ابن شهاب بإسناد مثله ، وقال : وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ، إلى قوله : فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك .
ورواه أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : ولقد جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيتي فسأل عني خادمتي ، فقالت : لا والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها ، فانتهرها بعض أصحابه ، فقال : اصدقي رسول الله حتى أسقطوا لهابه ، فقالت : سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر ، وفيه قالت : وأنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول : أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك فقال لي أبواي : قومي إليه فقلت : لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمد أحدا ولكن أحمد الله الذي برأني لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه .
أما تفسير قوله : ( إن الذين جاءوا بالإفك ) بالكذب ، والإفك : أسوأ الكذب ، سمي إفكا لكونه مصروفا عن الحق ، من قولهم : أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه ، وذلك أن عائشة كانت تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف فمن رماها بالسوء قلب الأمر عن وجهه ، ( عصبة منكم ) أي : جماعة منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش ، زوجة طلحة بن عبيد الله ، وغيرهم ، ( لا تحسبوه شرا لكم ) يا عائشة ويا صفوان ، وقيل : هو خطاب لعائشة ولأبويها وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ولصفوان ، يعني : لا تحسبوا الإفك شرا لكم ، ( بل هو خير لكم ) لأن الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم .
( لكل امرئ منهم ) يعني من العصبة الكاذبة ( ما اكتسب من الإثم ) أي : جزاء ما اجترح من الذنب على قدر ما خاض فيه ، ( والذي تولى كبره ) أي : تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه ، قرأ يعقوب " كبره " بضم الكاف ، وقرأ العامة بالكسر ، قال الكسائي : هما لغتان .
قال الضحاك : قام بإشاعة الحديث ، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول .
وروى الزهري عن عروة عن عائشة ( والذي تولى كبره منهم ) قالت : عبد الله بن أبي ابن سلول ، والعذاب الأليم هو النار في الآخرة .
وقد روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة في حديث الإفك قالت : ثم ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين ، وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس ، فقال عبد الله بن أبي ، رئيسهم : من هذه ؟
قالوا : عائشة قال : والله ما نجت منه وما نجا منها ، وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها .
وشرع في ذلك أيضا حسان ، ومسطح ، وحمنة ، فهم الذين تولوا كبره .
وقال قوم : هو حسان بن ثابت .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا بشر بن خالد ، أخبرنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن أبي الضحى عن مسروق قال : دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشد شعرا يشبب بأبيات له ، وقال : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت له عائشة : لكنك لست كذلك ، قال مسروق فقلت لها : لم تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله تعالى : ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) قالت : وأي عذاب أشد من العمى ، وقالت : إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا الحد جميعا ثمانين ثمانين .
(إن الذين جاءوا بالإفك) أسوأ الكذب على عائشة رضي الله عنها، أم المؤمنين بقذفها (عصبة منكم) جماعة من المؤمنين قالت: حسان بن ثابت، وعبد الله بن أبي، ومسطح، وحمنة بنت جحش (لا تحسبوه) أيها المؤمنون غير العصبة (شرا لكم بل هو خير لكم) يأجركم الله به، ويظهر براءة عائشة ومن جاء معها منه وهو صفوان، فإنها قالت: " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بعدما أنزل الحجاب، ففرغ منها ورجع ودنا من المدينة، وآذن بالرحيل ليلة فمشيت وقضيت شأني وأقبلت إلى الرحل فإذا عقدي انقطع ـ هو بكسر المهملة: القلادة ـ فرجعت ألتمسه، وحملوا هودجي ـ هو ما يركب فيه ـ على بعيري يحسبونني فيه، وكانت النساء خفافا إنما يأكلن العلقة ـ هو بضم المهملة وسكون اللام من الطعام: أي القليل ـ ووجدت عقدي وجئت بعدما ساروا فجلست في المنزل الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي فغلبتني عيناي فنمت وكان صفوان قد عرس من وراء الجيش فأدلج ـ هما بتشديد الراء والدال أي نزل من آخر الليل للاستراحة ـ فسار منه فأصبح في منزله فرأى سواد إنسان نائم ـ أي شخصه ـ فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باست
إن الذين جاؤوا بأشنع الكذب، وهو اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة، جماعة منتسبون إليكم - معشر المسلمين- لا تحسبوا قولهم شرًّا لكم، بل هو خير لكم، لما تضمن ذلك مِن تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها والتنويه بذكرها، ورفع الدرجات، وتكفير السيئات، وتمحيص المؤمنين.
لكل فرد تكلم بالإفك جزاء فعله من الذنب، والذي تحمَّل معظمه، وهو عبد الله بن أُبيِّ ابن سلول كبير المنافقين- لعنه الله- له عذاب عظيم في الآخرة، وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار.
وبعد أن بين - سبحانه - حكم القذف بالنسبة للمحصنات .
وبالنسبة للزوجات ، أتبع - عز وجل - ذلك بإيراد مثل لما قاله المنافقون فى شأن السيدة عائشة - رضى الله عنها - .
ولما كان يجب على المؤمنين أن يفعلوه فى مثل هذه الأحوال ، فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين .
.
.
) .قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : " هذه الآيات نزلت فى شأن السيدة عائشة - رضى الله عنها - حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين ، بما قالوه من الكذب البحت ، والفرية التى غار الله - تعالى - لها ولنبيه صلى الله عليه وسلم فأنزل براءتها صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم .جاء فى الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه .
فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى - وكان ذلك فى غزوة بنى المصطلق على الأرجح - ، فخرجت مع النبى صلى الله عليه وسلم ، وذلك بعدما أُنزل الحجاب ، وأنا أُحمل فى هودج وأنزل فيه .فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك ، وقفل ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، حتى جاوزت الجيش .فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الراحلة ، فلمست صدرى ، فإذا عقد لى قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدى فاحتبسنى ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى ، فاحتملوا هودجى ، فرحلوه على بعيرى .
وهم يحسبون أنى فيه .
وكان النساء إذ ذاك خفافا ، لم يثقلهن اللحم ، فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج ، فاحتملوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدى بعد ما سار الجيش .
فجئت منزلهم ، وليس فيه أحد منهم فيممت منزلى الذى كنت فيه .
وظننت أن القوم سيفقدوننى فيرجعون إلى .فبينا أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عيناى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ، قد عرَّس - أى تأخر - من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم ، فأتانى فعرفنى حين رآنى .
وقد كان يرانى قبل أن يُضْرَب علينا الحجاب .فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفنى .
فخمرت وجهى بجلبابى ، والله ما كلمنى كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حين أناخ راحلته ، فوطىء على يديها فركبتها ، فانطلق يقود بى الراحلة .
حتى أتينا الجيش ، بعدما نزلوا فى نحو الظهيرة .
فهلك من هلك فى شأنى ، وكان الذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول .
.
.
" .وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ) .والإفك : أشنع الكذب وأفحشه ، يقال أفِكَ فلان - كضرب وعلم - أَفْكاً ، أى : كذب كذبا قبيحا .والعصبة : الجماعة من العشرة إلى الأربعين ، من العصب وهو الشد ، لأن كل وأحد منها يشد الآخر ويؤازره .أى : إن الذين قالوا ما قالوا من كذب قبيح ، وبهتان شنيع ، على السيدة عائشة - رضى الله عنها - هم جماعة ينتسبون إليكم - أيها المسلمون - بعضهم قد استزلهم الشيطان .- كمسطح بن أثاثة - وبعضهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق - كعبد الله بن أبى بن سلول - وأتباعه .وفى التعبير بقوله - تعالى - ( عُصْبَةٌ ) : إشعار بأنهم جماعة لها أهدافها الخبيثة ، التى تواطئوا عل نشرها ، وتكاتفوا على إشاعتها ، بمكر وسوء نية .وقوله - سبحانه - : ( لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ .
.
) تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين الصادقين ، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح .أى : لا تظنوا - أيها المؤمنون - أن حديث الإفك هذا هو شر لكم ، بل هو خير لكم ، لأنه كشف عن قوى الإيمان من ضعيفة .
كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبى صلى الله عليه وسلم ولأهل بيته ، وللمؤمنين ، كما أنكم قد نلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى .ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الخائضين فى حديث الإفك من عقاب فقال : ( لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم ) .أى لكل واحد من هؤلاء الذين اشتركوا فى إشاعة حديث الإفك العقاب الذى يستحقه بسبب ما وقع فيه من آثام ، وما اقترفه من سيئات .وقوله - تعالى - : ( والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) بيان لسوء عاقبة من تولى معظم إشاعة هذا الحديث الكاذب .والكبر - بكسر الكاف وضمها - مصدر لمعظم الشىء وأكثره .أى : والذى تولى معظم الخوض فى هذا الحديث الكاذب ، وحرض على إشاعته ، له عذاب عظيم لا يقادر قدره من الله - تعالى - .والمقصود بهذا الذى تولى كبره .
عبد الله بن أبى بن سلول ، رأس المنافقين وزعيمهم ، فهو الذى قاد حملته ، واضطلع بالنصيب الأكبر لإشاعته .روى أنه لما جاء صفوان بن المعطل يقود راحلته وعليها عائشة - رضى الله عنها - قال عبد الله بن أبى لمن حوله : من هذه؟
قالوا عائشة فقال - لعنه الله - : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها ، والله ما نجت منه وما نجا منها .وقال ابن جرير : " والأولى بالصواب قول من قال ، الذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول ، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير ، وأن الذى بدأ بذكر الإفك .
وكان يجمع أهله ويحدثهم به ، هو عبد الله بن ابى بن سلول " .وقال الآلوسى : " والذى تولى كبره .
.
.
كما فى صحيح البخارى عن الزهرى عن عروة عن عائشة : هو عبد الله بن أبى - عليه اللعنة - وقد سار على ذلك أكثر المحدثين .أخرج الطبرانى وابن مردويه عن ابن عمر ، أنه بعد نزول هذه الآيات فى براءة السيدة عائشة دعا الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ، ثم تلاها عليهم .ثم بعث إلى عبد الله بن أبى .
فجىء به فضربه حدين ، ثم بعث إلى حسان بن ثابت ، ومسطح .
وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا .
.
.
وقيل إن ابن أبى لم يحد أصلا ، لأنه لم يقر ، ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيرا لجزائه إلى يوم القيامة " .
الحكم الخامس: قصة الإفك: الكلام في هذه الآية من وجهين: أحدهما: تفسيره والثاني: سبب نزوله: أما التفسير فاعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أشياء: أولها: أنه حكى الواقعة وهو قوله: ﴿ إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك عُصْبَةٌ مّنْكُمْ ﴾ والإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وقيل هو البهتان وهو الأمر الذي لا تشعر به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه، وأجمع المسلمون على أن المراد ما أفك به على عائشة، وإنما وصف الله تعالى ذلك الكذب بكونه إفكاً لأن المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه: أحدها: أن كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم يمنع من ذلك.
لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم، فوجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم وكون الإنسان بحيث تكون زوجته مسافحة من أعظم المنفرات، فإن قيل كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة وأيضاً فلو لم يجز ذلك لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ذلك لما ضاق قلبه، ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة قلنا الجواب عن الأول أن الكفر ليس من المنفرات، أما كونها فاجرة فمن المنفرات والجواب: عن الثاني أنه عليه السلام كثيراً ما كان يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد تلك الأقوال، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ فكان هذا من هذا الباب.
وثانيها: أن المعروف من حال عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به.
وثالثها: أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم، وقد عرف أن كلام العدو المفترى ضرب من الهذيان، فلمجموع هذه القرائن كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي.
أما العصبة فقيل إنها الجماعة من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة واعصوصبوا اجتمعوا، وهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.
أما قوله: ﴿ مّنكُمْ ﴾ فالمعنى أن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون، لأن عبدالله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهراً.
ورابعها: أنه سبحانه شرح حال المقذوفة ومن يتعلق بها بقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ والصحيح أن هذا الخطاب ليس مع القاذفين، بل مع من قذفوه وآذوه، فإن قيل هذا مشكل لوجهين: أحدهما: أنه لم يتقدم ذكرهم والثاني: أن المقذوفين هما عائشة وصفوان فكيف تحمل عليهما صيغة الجمع في قوله: ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ ﴾ ، والجواب عن الأول: أنه تقدم ذكرهم في قوله: ﴿ مّنكُمْ ﴾ وعن الثاني: أن المراد من لفظ الجمع كل من تأذى بذلك الكذب واغتم، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم تأذى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به، فإن قيل فمن أي جهة يصير خيراً لهم مع أنه مضرة في العاجل؟
قلنا لوجوه: أحدها: أنهم صبروا على ذلك الغم طلباً لمرضاة الله تعالى فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم.
وثانيها: أنه لولا إظهارهم للإفك كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر.
وثالثها: أنه صار خيراً لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة وشهد الله تعالى بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم وهذا غاية الشرف والفضل.
ورابعها: صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها فإن الله تعالى لما نص على كون تلك الواقعة إفكاً وبالغ في شرحه فكل من يشك فيه كان كافراً قطعاً وهذه درجة عالية، ومن الناس من قال قوله تعالى: ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ ﴾ خطاب مع القاذفين وجعله الله تعالى خيراً لهم من وجوه: أحدها: أنه صار ما نزل من القرآن مانعاً لهم من الاستمرار عليه فصار مقطعة لهم عن إدامة هذا الإفك.
وثانيها: صار خيراً لهم من حيث كان هذا الذكر عقوبة معجلة كالكفارة.
وثالثها: صار خيراً لهم من حيث تاب بعضهم عنده، واعلم أن هذا القول ضعيف لأنه تعالى خاطبهم بالكاف، ولما وصف أهل الإفك جعل الخطاب بالهاء بقوله تعالى: ﴿ لِكُلّ امرئ مّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم ﴾ ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة، فالمراد لهم جزاء ما اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا، والمعنى أن قدر العقاب يكون مثل قدر الخوض.
أما قوله: ﴿ والذى تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ كبره بالضم والكسر وهو عظمه.
المسألة الثانية: قال الضحاك: الذي تولى كبره حسان ومسطح فجلدهما صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عذرها.
وجلد معهما امرأة من قريش، وروي أن عائشة رضي الله عنها ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة، فقيل أليس هو الذي تولى كبره؟
فقالت إذا سمعت شعره في مدح الرسول رجوت له الجنة وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يؤيد حساناً بروح القدس في شعره» وفي رواية أخرى وأي عذاب أشد من العمى ولعل الله جعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، والأقرب في الرواية أن المراد به عبدالله بن أبي بن سلول فإنه كان منافقاً يطلب ما يكون قدحاً في الرسول عليه السلام، وغيره كان تابعاً له فيما كان يأتي، وكان فيهم من لا يتهم بالنفاق.
المسألة الثالثة: المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئاً بذلك القول، فلا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» وقيل سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة وهو قول أبي مسلم.
المسألة الرابعة: قال الجبائي قوله تعالى: ﴿ لِكُلّ امرئ مّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم ﴾ أي عقاب ما اكتسب، ولو كانوا لا يستحقون على ذلك عقاباً لما جاز أن يقول تعالى ذلك، وفيه دلالة على أن من لم يتب منهم صار إلى العذاب الدائم في الآخرة، لأن مع استحقاق العذاب لا يجوز استقاق الثواب والجواب: أن الكلام في المحابطة قد مر غير مرة فلا وجه للإعادة، والله أعلم.
أما سبب النزول فقد روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبدالله بن عقبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه، قالت فأقرع بيننا في غزوة غزاها قبل غزوة بني المصطلق فخرج فيها اسمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد نزول آية الحجاب فحملت في هودج فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي، فإني كنت جارية حديث السن، فظنوا أني في الهودج وذهبوا بالبعير، فلما رجعت لم أجد في المكان أحداً فجلست وقلت لعلهم يعودون في طلبي فنمت، وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في العسكر يتتبع أمتعة الناس فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء فلما رآني عرفني، وقال ما خلفك عن الناس؟
فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وماج الناس في ذكري، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فتكلم الناس وخاضوا في حديثي، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولحقني وجع، ولم أر منه عليه السلام ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول كيف تيكمفذاك الذي يريبني، ولا أشعر بعد بما جرى حتى نقهت فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح لمهم لنا، ثم أقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح، فأنكرت ذلك وقلت أتسبين رجلاً شهد بدراً!
فقالت وما بلغك الخبر!
فقلت وما هو فقال (ت) أشهد أنك من المؤمنات الغافلات، ثم أخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي فرجعت أبكي، ثم دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «كيف تيكم؟» فقلت: ائذن لي أن آتي أبوي فأذن لي فجئت أبوي وقلت لأمي يا أمه ماذا يتحدث الناس؟
قالت يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، ثم قالت ألم تكوني علمت ما قيل حتى الآن؟
فأقبلت أبكي فبكيت تلك الليلة ثم أصبحت أبكي فدخل علي أبي وأنا أبكي فقال لأمي ما يبكيها؟
قالت لم تكن علمت ما قيل فيها حتى الآن فأقبل يبكي ثم قال اسكتي يا بنية، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام وأسامة بن زيد واستشارهما في فراق أهله فقال أسامة يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وسألها عن أمري قالت بريرة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله، قالت فقام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً على المنبر، فقال يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي يعني عبدالله بن أبي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ فقال أعذرك يارسول الله منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلاً صالحاً ولكن أخذته الحمية فقال لسعد بن معاذ كذبت والله لا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ وقال كذبت لعمر الله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، قالت ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل ولقد لبث شهراً لا يوحي الله إليه في شأني شيئاً، ثم قال: «أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا تاب تاب الله عليه» قالت فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، فاض دمعي ثم قلت لأبي أجب عني رسول الله، فقال والله ما أدري ما أقول، فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله فقالت والله لا أدري ما أقول، فقلت وأنا جارية حديثة السن ما أقرأ من القرآن كثيراً إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقوني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ ﴾ قالت ثم تحولت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرئني ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحياً يتلى فشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها.
قالت فوالله ما قام رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله الوحي على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي حتى إنه ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي، فسجى بثوب ووضعت وسادة تحت رأسه فوالله ما فرغت ولا باليت لعلمي ببراءتي، وأما أبواي فوالله ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن نفسي أبوي ستخرجان فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس، فلما سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «ابشري يا عائشة أما والله لقد برأك الله».
فقلت بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك، فقالت أمي قومي إليه، فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحداً إلا الله أنزل براءتي، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك عُصْبَةٌ مّنْكُمْ ﴾ العشر آيات، فقال أبو بكر والله لا أنفق على مسطح بعد هذا وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع النفقة على مسطح قالت فلما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل ضرب عبدالله بن أبي ومسطحاً وحمنة وحسان الحد.
<div class="verse-tafsir"
الإفك: أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء.
وقيل: هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك.
وأصله: الأفك، وهو القلب؛ لأنه قول مأفوك عن وجهه.
والمراد: ما أُفك به على عائشة رضي الله عنها.
والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة.
واعصو صبوا: اجتمعوا، وهم عبد الله بن أبيّ رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم.
وقرئ: ﴿ كبره ﴾ بالضم والكسر، وهو عِظَمه.
والذي تولاه عبد الله، لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهازه الفرص، وطلبه سبيلاً إلى الغميزة.
أي يصيب كل خائض في حديث الإفك من تلك العصبة نصيبه من الإثم على مقدار خوضه.
والعذاب العظيم لعبد الله، لأنّ معظم الشرّ كان منه.
يحكى أن صفوان رضي الله عنه مرّ بهودجها عليه وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟
فقالوا: عائشة رضي الله عنها، فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها.
والخطاب في قوله: ﴿ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ لمن ساءه ذلك من المؤمنين، وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعائشة، وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم.
ومعنى كونه خيراً لهم: أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم؛ لأنه كان بلاء مبيناً ومحنة ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية، وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ ﴾ بِأبْلَغِ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ، مِنَ الإفْكِ، وهو الصَّرْفُ لِأنَّهُ قَوْلٌ مَأْفُوكٌ عَنْ وجْهِهِ، والمُرادُ ما أُفِكَ بِهِ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.
وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَصْحَبَها في بَعْضِ الغَزَواتِ فَأذِنَ لَيْلَةً في القُفُولِ بِالرَّحِيلِ، فَمَشَتْ لِقَضاءِ حاجَةٍ ثُمَّ عادَتْ إلى الرَّحْلِ فَلَمَسَتْ صَدْرَها فَإذا عِقْدٌ مِن جَزْعِ ظَفارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعَتْ لِتَلْتَمِسَهُ فَظَنَّ الَّذِي كانَ يُرَحِّلُها أنَّها دَخَلَتِ الهَوْدَجَ فَرَحَلَهُ عَلى مَطِيَّتِها وسارَ، فَلَمّا عادَتْ إلى مَنزِلِها لَمْ تَجِدْ ثَمَّةَ أحَدًا فَجَلَسَتْ كَيْ يَرْجِعَ إلَيْها مُنْشِدٌ، وكانَ صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ عَرَّسَ وراءَ الجَيْشِ فَأدْلَجَ فَأصْبَحَ عِنْدَ مَنزِلِها فَعَرَفَها فَأناخَ راحِلَتَهُ فَرَكِبْتَها فَقادَها حَتّى أتَيا الجَيْشَ فاتُّهِمَتْ بِهِ.
﴿ عُصْبَةٌ مِنكُمْ ﴾ جَماعَةٌ مِنكم وهي مِنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ وكَذَلِكَ العِصابَةُ، يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وزَيْدَ بْنَ رِفاعَةَ، وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ، ومِسْطَحَ بْنَ أُثاثَةَ، وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ومَن ساعَدَهم، وهي خَبَرٌ إنَّ وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ مُسْتَأْنَفٌ والخِطابُ لِلرَّسُولِ وأبِي بَكْرٍ وعائِشَةَ وصَفْوانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والهاءُ لِلْإفْكِ.
﴿ بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ لِاكْتِسابِكم بِهِ الثَّوابَ العَظِيمَ وظُهُورَ كَرامَتِكم عَلى اللَّهِ بِإنْزالِ ثَمانِي عَشْرَةَ آيَةً في بَراءَتِكم، وتَعْظِيمَ شَأْنِكم وتَهْوِيلَ الوَعِيدِ لِمَن تَكَلَّمَ فِيكم والثَّناءَ عَلى مَن ظَنَّ بِكم خَيْرًا.
﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ ﴾ لِكُلِّ جَزاءٍ ما اكْتَسَبَ بِقَدْرِ ما خاضَ فِيهِ مُخْتَصًّا بِهِ.
﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ﴾ مُعْظَمَهُ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالضَّمِّ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
﴿ مِنهُمْ ﴾ مَنِ الخائِضِينَ وهو ابْنُ أُبَيٍّ فَإنَّهُ بَدَأ بِهِ وأذاعَهُ عَداوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ، أوْ هو وحَسّانُ ومِسْطَحٌ فَإنَّهُما شايَعاهُ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ والَّذِي بِمَعْنى الَّذِينَ.
﴿ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا بِأنْ جُلِدُوا وصارَ ابْنُ أُبَيٍّ مَطْرُودًا مَشْهُورًا بِالنِّفاقِ، وحَسّانُ أعْمى أشَلَّ اليَدَيْنِ، ومِسْطَحٌ مَكْفُوفَ البَصَرِ.
<div class="verse-tafsir"
{إن الذين جاؤوا بالإفك} هو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وأصله
النور (١٢ - ١١)
الأفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه والمراد ما أفك به على عائشة رضى الله عنها قالت عائشة فقدت عقداً في غزوة بني المصطلق فتخلفت ولم يعرف خلو الهودج لخفتي فلما ارتحلوا أناخ لي صفوان بن المعطل بعيره وساقه حتى أتاهم بعد ما نزلوا فهلك فى من هلك فاعللت شهرا وكان عليه الصلاة والسلام يسأل كيف أنت ولا أرى منه لطفاً كنت أراه حتى عثرت خالة أبي أم مسطح فقالت تعس مسطح فأنكرت عليها فأخبرتني بالإفك فلما سمعت ازددت مرضاً وبت عند أبوي لا يرقأ لي دمع وما أكتحل بنوم وهما يظنان أن الدمع فالق كبدي حتى قال عليه الصلاة والسلام ابشري يا حميراء فقد أنزل الله براءتك فقلت بحمد الله لا بحمدك {عُصْبَةٌ} جماعة من العشرة إلى الأربعين واعصو صبوا اجتمعوا وهم عبد الله بن أبي رأس النفاق وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم {مّنكُمْ} من جماعة المسلمين وهم ظنوا أن الإفك وقع من الكفار دون من كان من المؤمنين {لاَ تَحْسَبُوهُ} أي الإفك {شَرّاً لَّكُمْ} عند الله {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لأن الله أثابكم عليه وأنزل في البراءة منه ثماني عشرة آية والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة وصفوان ومن ساءه ذلك من المؤمنين {لكل امرئ مّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم} أي على كل امرئ من العصبة جزاء أئمة على مقدار خوضه فيه وكان بعضهم ضحك وبعضهمم تكلم فيه وبعضهم سكت {والذى تولى كِبْرَهُ} أي عظمه
عبد الله بن أبيّ {مِنْهُمْ} أي من العصبة {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي جهنم يحكى أن صفوان مر بهودجا عليه وهو في ملأ من قومه فقال من هذه فقالوا عائشة فقال والله ما نجت منه ولا نجا منها ثم وبخ الخائضين فقال
﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ ﴾ أيْ بِأبْلَغِ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ والِافْتِراءِ وكَثِيرًا ما يُفَسَّرُ بِالكَذِبِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هو البُهْتانُ لا تَشْعُرُ بِهِ حَتّى يَفْجَأُكَ، وجَوَّزَ فِيهِ فَتَحَ الهَمْزَةِ والفاءِ وأصْلُهُ مِنَ الأفْكِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهو القَلْبُ والصَّرْفُ لِأنَّ الكَذِبَ مَصْرُوفٌ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ، والمُرادُ بِهِ ما أفَكَ بِهِ الصَّدِيقَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلى أنَّ اللّامَ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وجَوَّزَ حَمْلَهُ عَلى الجِنْسِ قِيلَ فَيُفِيدُ القَصْرَ كَأنَّهُ لا إفْكَ إلّا ذَلِكَ الإفْكُ، وفي لَفْظِ المَجِيءِ إشارَةٌ إلى أنَّهم أظْهَرُوهُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ، وتَفْصِيلُ القِصَّةِ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا أرادَ أنْ يَخْرُجَ أقْرَعَ بَيْنَ أزْواجِهِ فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها رَسُولُ اللَّهِ مَعَهُ.
قالَتْ عائِشَةُ.
فَأقْرَعُ بَيْنَنا في غَزْوَةٍ غَزاها فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ ما نَزَلَ الحِجابُ فَأنا أُحْمَلُ في هَوْدَجِي وأنْزِلُ فِيهِ فَسِرْنا حَتّى إذا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ مِن تِلْكَ وقَفَلَ ودَنَوْنا مِنالمَدِينَةِ قافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتّى جاوَزْتُ الجَيْشَ فَلَمّا قَضَيْتُ شَأْنِي أقْبَلْتُ إلى رَحْلِي فَإذا عَقَدَ لِي مِن جِزْعِ ظَفارٍ قَدِ انْقَطَعَ فالتَمَسْتُ عِقْدِي وحَبَسَنِي ابْتِغاؤُهُ وأقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كانُوا يَرْحَلُونَ لِي فاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَّلُوهُ عَلى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ وهم يَحْسَبُونَ أنِّي فِيهِ وكانَ النِّساءُ إذْ ذاكَ خِفافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ إنَّما نَأْكُلُ العَلَقَةَ مِنَ الطَّعامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ الهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وكُنْتُ جارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الجَمَلَ وسارُوا فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمَرَّ الجَيْشُ فَجِئْتُ مَنازِلَهم ولَيْسَ بِها داعٍ ولا مُجِيبٌ فَأمَمْتُ مَنزِلَيِ الَّذِي كُنْتُ بِهِ وظَنَنْتُ أنَّهم سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ فَبَيْنا أنا جالِسَةٌ في مَنزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ وكانَ صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ السِّلْمِيُّ ثُمَّ الذَّكَوانِيُّ مِن وراءِ الجَيْشِ فَأدْلَجَ فَأصْبَحَ عِنْدَ مَنزِلِي فَرَأى سَوادَ إنْسانٍ نائِمٍ فَأتانِي فَعَرَفَنِي وكانَ يَرانِي قَبْلَ الحِجابِ فاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي فَخَمَرْتُ وجْهِي بِجِلْبابِي واللَّهِ ما كَلَّمَنِي كَلِمَةً ولا سَمِعْتُ مِنهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجاعِهِ حِينَ أناخَ راحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلى يَدَيْها فَرُكْبَتِها فانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرّاحِلَةَ حَتّى أتَيْنا الجَيْشَ بَعْدَ ما نَزَلُوا مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ فِيَّ مَن هَلَكَ وكانَ الَّذِي تَوَلّى الإفْكَ عَبَدُ اللَّهِ بِنُ أبِيّ ابْنُ سَلُولٍ فَقَدِمْنا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا والنّاسُ يُفِيضُونَ في قَوْلِ أصْحابِ الإفْكِ لا أشْعُرُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ وهو يُرِيبُنِي في وجَعِي أنِّي لا أعْرِفُ مِن رَسُولِ اللَّهِ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أرى مِنهُ حِينَ أشْتَكِي إنَّما يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟
ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَذاكَ الَّذِي يُرِيبُنِي ولا أشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتّى خَرَجْتُ بَعْدَ ما نَقِهْتُ فَخَرَجَتْ مَعِي أمُّ مُسَطَّحٍ قَبْلَ المُناصِعِ وهو مُتَبَرِّزُنا وكُنّا لا نَخْرُجُ إلّا لَيْلًا إلى لَيْلٍ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكَنَفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنا وأمْرُنا أمْرَ العَرَبِ الأوَّلِ في التَّبَرُّزِ قَبْلَ الغائِطِ فَكُنّا نَتَأذّى بِالكَنَفِ أنْ نَتَّخِذَها عِنْدَ بُيُوتِنا فانْطَلَقْتُ أنا وأُمُّ مُسَطَّحٍ وهي ابْنَةُ أبِي رِهَمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وأُمُّها بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عامِرٍ خالَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وابْنُها مُسَطَّحُ بْنُ أثاثَةَ فَأقْبَلْتُ أنا وأُمُّ مُسَطَّحٍ قَبْلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنا مِن شَأْنِنا فَعَثَرَتْ أمُّ مُسَطَّحٍ في مَرْطِها فَقالَتْ: تَعِسَ مُسَطَّحٌ فَقُلْتُ لَها: بِئْسَ ما قُلْتِ أتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟
قالَتْ: أيُّ هَنْتاهَ أوْلَمَ تَسْمَعِي ما قالَ؟
قالَتْ: قُلْتُ وما قالَ؟
فَأخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أهْلِ الإفْكِ فازْدَدْتُ مَرَضًا عَلى مَرَضِي فَلَمّا رَجَعَتُ إلى بَيْتِي ودَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟
فَقُلْتُ: أتَأْذَنُ لِي أنْ آتِيَ أبَوَيَّ؟
قالَتْ: وأنا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أنْ أسَتَيْقَنُ الخَبَرَ مِن قَبْلِهِما قالَتْ: فَأذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ فَجِئْتُ أبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي: يا أمَتاهُ ما يَتَحَدَّثُ النّاسُ؟
قالَتْ: يا بِنْيَةِ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَواللَّهِ لَقَلَّما كانَتِ امْرَأةً قَطُّ وضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ ولَها ضَرائِرُ إلّا كَثُرْنَ عَلَيْها قالَتْ: فَقُلْتُ سُبْحانَ اللَّهِ ولَقَدْ تَحَدَّثَ النّاسُ بِهَذا قالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتّى أصْبَحَتْ لا يَرْقا لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حَتّى أصْبَحْتُ أبْكِي فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُما في فِراقِ أهْلِهِ قالَتْ: فَأمّا أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأشارَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِن بَراءَةِ أهْلِهِ وبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهم في نَفْسِهِ مِنَ الوِدِّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أهْلُكَ وما نَعْلَمُ إلّا خَيْرًا وأمّا عَلَيَّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ والنِّساءُ سِواها كَثِيرٌ وإنْ تَسْألِ الجارِيَةَ تُصَدِّقُكَ قالَتْ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ بِرَيْرَةَ فَقالَ: أيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأيْتِ مِن شَيْءٍ يُرِيبُكِ؟
قالَتْ بِرَيْرَةُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنْ رَأيْتُ عَلَيْها أمْرًا أغْمِصُهُ عَلَيْها أكْثَرَ مِن أنَّها جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنامُ عَنْ عَجِينِ أهْلِها فَتَأْتِي الدّاجِنَ فَتَأْكُلُهُ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ فاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِّيٍ ابْنِ سَلُولٍ قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ وهو عَلى المِنبَرِ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ مَن يَعْذُرُنِي مِن رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أذاهُ في أهْلِ بَيْتِي؟
فَواللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا ولَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا وما كانَ يَدْخُلُ عَلى أهْلِي إلّا مَعِي فَقامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ الأنْصارِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنا أعْذُرُكَ مِنهُ إنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وإنْ كانَ مِن إخْوانِنا مِنَ الخَزْرَجِ أمَرْتَنا فَفَعَلْنا أمْرَكَ قالَتْ: فَقامَ سَعْدُ بْنُ عِبادَةَ وهو سَيِّدُ الخَزْرَجِ وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صالِحًا ولَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فَقالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرِ اللَّهُ لا تَقْتُلُهُ ولا تَقْدِرُ عَلى قَتْلِهِ فَقامَ أسَيْدُ بْنُ حَضِيرٍ وهو ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ فَقالَ لِسَعْدِ بْنِ عِبادَةَ: كَذِبْتَ لَعَمْرِ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ تُجادِلُ عَنْ المُنافِقِينَ فَثارَ الحَيّانِ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَتّى هَمُّوا أنْ يَقْتَتِلُوا ورَسُولُ اللَّهِ قائِمٌ عَلى المِنبَرِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ يَخْفِضُهم حَتّى سَكَتُوا وسَكَتَ قالَتْ: فَمَكَثْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لا يَرْقا لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ قالَتْ: فَأصْبَحَ أبَوايَ عِنْدِي قَدْ وبَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ ويَوْمًا لا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ولا يَرْقا لِي دَمْعٌ يَظُنّانِي أنَّ البُكاءَ فالِقُ كَبِدِي قالَتْ: فَبَيْنَما هُما جالِسانِ عِنْدِي وأنا أبْكِي فاسْتَأْذَنْتُ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ فَأذِنَتْ لَها فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي قالَتْ: فَبَيْنا نَحْنُ عَلى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قالَتْ: ولَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ فِيَّ ما قِيلَ قَبْلَها وقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحى إلَيْهِ في شَأْنِي قالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ يا عائِشَةُ فَإنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذا وكَذا فَإنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ وإنْ كُنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وتُوبِي إلَيْهِ فَإنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ إلى اللَّهِ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قالَتْ: فَلَمّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ مَقالَتَهُ قَلَّصَ دَمْعِي حَتّى ما أحَسُّ مِنهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لِأبِي: أجِبْ رَسُولَ اللَّهِ فِيما قالَ قالَ: واللَّهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ فَقُلْتُ لِأُمِّي: أجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ قالَتْ: ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ قالَتْ: فَقُلْتُ وأنا جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لا أقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ: إنِّي واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أنَّكم سَمِعْتُمْ هَذا الحَدِيثَ حَتّى اسْتَقَرَّ في أنْفُسِكم وصَدَّقْتُمْ بِهِ فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إنِّي بَرِيَّةٌ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي بَرِيَّةٌ لا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكم بِأمْرٍ واللَّهُ يَعْلَمُ أنِّي مِنهُ بَرِيَّةٌ لَتُصَدِّقَنِي واللَّهُ لا أجِدُ لِي ولَكم مَثَلًا إلّا قَوْلُ أبِي يُوسُفَ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ فاضْطَجَعَتْ عَلى فِراشِي وأنا حِينَئِذٍ أعْلَمُ أنِّي بَرِيَّةٌ وأنَّ اللَّهَ مُبَرِّئُنِي بِبَراءَتِي ولَكِنْ ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ اللَّهَ مَنزِّلٌ في شَأْنِي وحْيًا يُتْلى ولِشَأْنِي في نَفْسِي كانَ أحْقَرَ مِن أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأمْرٍ يُتْلى ولَكِنْ كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرى رَسُولَ اللَّهِ في النَّوْمِ رُؤْيا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِها قالَتْ: فَواللَّهِ ما رامَ رَسُولُ اللَّهِ ولا خَرَجَ أحَدٌ مِن أهْلِ البَيْتِ حَتّى أنْزَلَ عَلَيْهِ فَأخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحاءِ حَتّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرَ مِنهُ مِثْلَ الجُمّانِ مِنَ العَرَقِ وهو في يَوْمٍ شاتٍ مِن ثِقَلِ القَوْلِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ قالَتْ: فَلَمّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ سُرِّيَ عَنْهُ وهو يَضْحَكُ فَكانَ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها: يا عائِشَةُ أمّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأكِ فَقالَتْ أُمِّي: قُومِي إلَيْهِ فَقُلْتُ: واللَّهُ لا أقُومُ ولا أحْمَدُ إلّا اللَّهَ وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ ﴾ العَشْرُ الآياتُ كُلُّها،» والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ عُصْبَةٌ مِنكُمْ ﴾ خَبَرُ إنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ «جاؤُوا» والخَبَرُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ والتَّقْدِيرُ إنْ فَعَلَ الَّذِينَ وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ يَكُونَ ﴿ عُصْبَةٌ ﴾ الخَبَرُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلَّفَ، والفائِدَةُ في الإخْبارِ عَلى الأوَّلِ قِيلَ: التَّسْلِيَةُ بِأنَّ الجائِينَ بِذَلِكَ الإفْكِ فِرْقَةٌ مُتَعَصِّبَةٌ مُتَعاوِنَةٌ وذَلِكَ مِن أماراتِ كَوْنِهِ إفْكًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ تَكُونَ التَّسْلِيَةَ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ بَلْ جاءَ بِهِ شِرْذِمَةٌ مِنكُمْ، وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ بِوَصْفِ العُصْبَةِ بِكَوْنِها مِنهم أفادَ الخَبَرَ، وفِيهِ نَظَرٌ.
والخِطابُ في ﴿ مِنكُمْ ﴾ عَلى ما أمِيلُ إلَيْهِ لِمَن ساءَهُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَدْخُلُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ وأمُّ رُومانٍ وعائِشَةُ وصَفْوانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ العُصْبَةِ الفِرْقَةُ المُتَعَصِّبَةُ قُلْتُ أوْ كَثُرَتْ وكَثُرَ إطْلاقُها عَلى العَشْرَةِ فَما فَوْقَها إلى الأرْبَعِينَ وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ في الصِّحاحِ، وتُطْلَقُ عَلى أقَلِّ مِن ذَلِكَ فَفي مُصْحَفِ حَفْصَةَ عُصْبَةٌ أرْبَعَةٌ.
وقَدْ صَحَّ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَدَّتِ المُنافِقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَّيِّ ابْنِ سَلُولٍ وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أُخْتَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وزَوْجَةَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ومُسَطَّحَ بْنَ أثاثَةَ.
وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ، ومِنَ النّاسِ مَن بَرَّأ حَسّانَ وهو خِلافُ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ.
نَعَمِ الظّاهِرُ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ عَنْ صَمِيمِ قَلْبٍ وإنَّما نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ أُبِيّ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ جاءَ أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اعْتَذَرَ عَمّا نُسِبَ إلَيْهِ في شَأْنِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقالَ: حِصانٌ رَزانِ ما تَزِنَّ بِرَيْبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ حَلِيلَةُ خَيْرِ النّاسِ دِينًا ومَنصِبًا ∗∗∗ نَبِيُّ الهُدى ذِي المُكَرَّماتِ الفَواضِلِ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِن لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ ∗∗∗ كِرامُ المَساعِي مَجْدُهم غَيْرُ زائِلٍ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيَمَها ∗∗∗ وطَهَّرَها مِن كُلِّ سُوءٍ وباطِلٍ فَإنْ كُنْتَ قَدْ قُلْتَ الَّذِي قَدْ زَعَمْتُمُو ∗∗∗ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أنامِلِي وكَيْفَ ووُدِّي ما حَيَيْتُ ونُصْرَتِي ∗∗∗ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنُ المَحافِلِ لَهُ رُتَبٌ عالٍ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ ∗∗∗ تَقاصَرَ عَنْهُ سُورَةُ المُتَطاوِلِ فَإنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلائِطٍ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ قَوْلُ امْرِئٍ بِي ماحَلَ وكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها تُكْرِمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وتُذَكِّرُهُ بِخَيْرٍ وإنَّ صَحَّ أنَّها قالَتْ لَهُ حِينَ أنْشَدَها أوَّلَ هَذِهِ الأبْياتِ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها كانَتْ تَأْذَنُ لِحَسّانٍ وتَدْعُو لَهُ بِالوِسادَةِ وتَقُولُ: لا تُؤْذُوا حَسّانًا فَإنَّهُ كانَ يَنْصُرُ رَسُولَ اللَّهِ بِلِسانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْها أنَّها قالَتْ: ما سَمِعْتُ بِشَيْءٍ أحْسَنَ مِن شِعْرِ حَسّانٍ وما تَمَثَّلْتُ بِهِ إلّا رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ قَوْلُهُ لِأبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وأجَبْتُ عَنْهُ ∗∗∗ وعِنْدَ اللَّهِ في ذاكَ الجَزاءُ فَإنَّ أبِي ووالِدَتِي وعَرْضِي ∗∗∗ لِعَرْضِ مُحَمَّدٍ مِنكم وِقاءٌ أتَشْتُمُهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ∗∗∗ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ لِسانِي صارِمٌ| لا عَيْبَ فِيهِ ∗∗∗ وبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ وعْدُ بَعْضِهِمْ مَعَ الأرْبَعَةِ المَذْكُورِينَ زَيْدِ بْنِ رَفاعَةَ ولَمْ نَرَ فِيهِ نَقْلًا صَحِيحًا، وقِيلَ إنَّهُ خَطَأٌ، ومَعْنى «مِنكُمْ» مِن أهْلِ مِلَّتِكم ومِمَّنْ يَنْتَمِي إلى الإسْلامِ سَواءً كانَ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ أمْ لا فَيَشْمَلُ ابْنُ أبِيّ لِأنَّهُ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى الإسْلامِ ظاهِرًا وإنْ كانَ كافِرًا في نَفْسِ الأمْرِ: وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِنكُمْ ﴾ خارِجَ مَخْرَجِ الأغْلَبِ وأغْلَبُ أُولَئِكَ العُصْبَةِ مُؤْمِنُونَ مُخْلِصُونَ، وكَذا الخِطابُ في ﴿ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ وقِيلَ: الخِطابُ في الأوَّلِ لِلْمُسْلِمِينَ وفي هَذا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ رَسُولِ اللَّهِ ولِأبِي بَكْرٍ وعائِشَةَ وصَفْوانٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الخِطابَ في الثّانِي لِعائِشَةَ وصَفْوانٍ، وأبْعَدُ عَنِ الحَقِّ مِن زَعَمَ أنَّهُ لِلَّذِينِ جاؤُوا بِالإفْكِ وتَكَلَّفَ لِلْخَيْرِيَّةِ ما تَكَلَّفَ، ولَعَلَّ نِسْبَتَهُ إلى الحَسَنِ لا تَصِحُّ، والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الغائِبِ في ﴿ لا تَحْسَبُوهُ ﴾ عائِدٌ عَلى الإفْكِ.
وجَوَّزَ أنْ يَعُودَ عَلى القَذْفِ وعَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿ جاءُوا ﴾ وعَلى ما نالَ المُسْلِمِينَ مِنَ الغَمِّ والكُلُّ كَما تَرى، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ يَعُودُ عَلى المَحْذُوفِ المُضافِ إلى اسْمِ إنَّ الَّذِي هو الِاسْمُ في الحَقِيقَةِ ونُهُوا عَنْ حُسْبانِ ذَلِكَ شَرًّا لَهم إراحَةً لِبالِهِمْ بِإزاحَةِ ما يُوجِبُ اسْتِمْرارَ بِلِبالِهِمْ، وأرْدَفَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالإضْرابِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ اعْتِناءً بِأمْرِ التَّسْلِيَةِ، والمُرادُ بَلْ هو خَيْرٌ عَظِيمٌ لَكم لِنَيْلِكم بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ الثَّوابُ العَظِيمُ وظُهُورِ كَرامَتِكم عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِإنْزالِ ما فِيهِ تَعْظِيمُ شَأْنِكم وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ فِيمَن تَكَلَّمَ بِما أحْزَنَكُمْ، والآياتُ المُنَزَّلَةُ في ذَلِكَ عَلى ما سَمِعْتَ آنِفًا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَشْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ ثَمانِي عَشْرَةَ آيَةً مُتَوالِياتٍ بِتَكْذِيبِ مَن قَذَفَ عائِشَةَ وبَراءَتِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أنْزَلَ فِيها خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً مِن سُورَةِ النُّورِ ثُمَّ قَرَأ حَتّى بَلَغَ ﴿ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ وكَأنَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في رُؤُوسِ الآيِ، وفي كِتابِ العَدَدِ لِلدّانِي ما يُوافِقُ المَرْوِيَّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ جاؤُوا بِالإفْكِ ﴿ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ ﴾ أيْ جَزاءِ ما اكْتَسَبَ وذَلِكَ بِقَدْرِ ما خاضَ فِيهِ فَإنَّ بَعْضَهم تَكَلَّمَ وبَعْضُهم ضَحِكَ كالمُعْجَبِ الرّاضِي بِما سَمِعَ وبَعْضُهم أكْثَرُ وبَعْضُهم أقَلُّ.
﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ﴾ بِكَسْرِ الكافِ.
وقَرَأ الحَسَنُ والزَّهْرِيُّ وأبُو رَجاءَ ومُجاهِدٌ والأعْمَشُ وأبُو البَرْهَسَمِ وحَمِيدُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ ويَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ ويَعْقُوبُ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ وعُمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وسُورَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرِو «كُبَرُهُ» بِضَمُ الكافِ وهو ومَكْسُورُها مَصْدَرانِ لِكِبَرِ الشَّيْءِ عَظَّمَ ومَعْناهُما واحِدٌ، وقِيلَ: الكِبَرُ بِالضَّمِ المُعْظَّمِ وبِالكَسْرِ البَداءَةُ بِالشَّيْءِ، وقِيلَ: الإثْمُ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ أيْ والَّذِي تَحْمِلُ مُعْظَمَهُ ﴿ مِنهُمْ ﴾ أيْ مِنَ الجائِينَ بِهِ ﴿ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ في الآخِرَةِ فَقَطْ، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَوْصُولِ وتَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَنْكِيرِ العَذابِ ووَصْفِهِ بِالعَظْمِ مِن تَهْوِيلِ الخَطْبِ ما لا يَخْفى، والمُرادُ بِالَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ الزَّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ المُحَدِّثِينَ.
وكانَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى يَجْمَعُ النّاسَ عِنْدَهُ ويَذْكُرُ لَهم ما يَذْكُرُ مِنَ الإفْكِ وهو أوَّلُ مَنِ اخْتَلَقَهُ وأشاعَهُ لِإمْعانِهِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، وعَذابُهُ في الآخِرَةِ بَعْدَ جَعْلِهِ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ لا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وأمّا في الدُّنْيا فَوَسَمَهُ بِمِيسَمِ الذُّلِّ وإظْهارِ نِفاقِهِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ وحْدَهُ حَدَّيْنِ عَلى ما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن «أنَّهُ بَعْدَ أنْ نَزَلَتِ الآياتُ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ فَدَعا أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ فَجَمَعَ النّاسَ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَراءَةِ لِعائِشَةَ وبَعَثَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِيّ فَجِيءَ بِهِ فَضَرَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَدَّيْنِ وبَعَثَ إلى حَسّانٍ ومُسَطَّحٍ وحَمْنَةَ فَضُرِبُوا ضَرْبًا وجِيعًا ووُجِئُوا في رِقابِهِمْ، وقِيلَ: حَدَّ حَدًّا واحِدًا،» فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَ العَذابَ في الدُّنْيا بِجَلْدِ رَسُولِ اللَّهِ إيّاهُ ثَمانِينَ جَلْدَةً وعَذابُهُ في الآخِرَةِ بِمَصِيرِهِ إلى النّارِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَحُدَّ أصْلًا لِأنَّهُ لَمْ يُقِرَّ ولَمْ يَلْتَزِمْ إقامَةَ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ تَأْخِيرًا لِجَزائِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما أنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ إقامَةَ البَيِّنَةِ عَلى نِفاقِهِ وصُدُورِ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ لِذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَحُدَّ مُسَطَّحٌ، وآخَرُونَ أنَّهُ لَمْ يَحُدَّ أحَدًا مِمَّنْ جاءَ بِالإفْكِ إذْ لَمْ يَكُنْ إقْرارٌ ولَمْ يَلْتَزِمْ إقامَةً بَيِّنَةً.
وفي البَحْرِ أنَّ المَشْهُورَ حَدُّ حَسّانٍ ومُسَطَّحٍ وحَمْنَةَ، وقَدْ أخْرَجَهُ البَزّارُ وابْنُ مَرْدُويَهٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في أبْياتٍ ذَكَرَها ابْنُ هِشامٍ في مُلَخَّصِ السِّيرَةِ لِابْنِ إسْحاقَ وهِيَ: لَقَدْ ذاقَ حَسّانٌ الَّذِي كانَ أهْلُهُ ∗∗∗ وحَمْنَةُ إذْ قالُوا هَجِيرًا ومُسَطَّحُ تَعاطَوْا بِرَجْمِ الغَيْبِ أمْرَ نَبِيِّهِمْ ∗∗∗ وسَخْطَةُ ذِي العَرْشِ الكَرِيمِ فَأنْزَحُوا وآذَوْا رَسُولَ اللَّهِ فِيها فَجَلَّلُوا ∗∗∗ مَخازِيَ بَغْيِ يَمْحُوها وفَضَحُوا وصَبَّ عَلَيْهِمْ مُحْصِداتٍ كَأنَّها ∗∗∗ شَآبِيبُ قُطْرٍ مِن ذُرى المُزْنِ تَسْفَحُ وقِيلَ: الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ حَسّانٌ واسْتَدَلَّ بِما في صَحِيحِ البُخارِيِّ أيْضًا عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلَ حَسّانٌ عَلى عائِشَةَ فَشَبَّبَ وقالَ: حِصانُ «البَيْتِ» قالَتْ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ قُلْتُ: تَدَّعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَقالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدَّ مِنَ العَمى، وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّها قِيلَ لَها: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ﴾ الآيَةُ؟
فَقالَتْ: ألَيْسَ أصابَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ألَيْسَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ وكَسَعَ بِالسَّيْفِ؟
تَعْنِي الضَّرْبَةَ الَّتِي ضَرَبَها إيّاهُ صَفْوانُ حِينَ بَلَغَهُ عَنْهُ أنَّهُ يَتَكَلَّمُ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلى رَأْسِهِ لِذَلِكَ والأبْياتُ عَرَضَ فِيها بِهِ وبِمَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ مِن مُضَرٍ وأنْشَدَ: تَلَقٍّ ذُبابُ السَّيْفِ مِنِّي فَإنَّنِي ∗∗∗ غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْتَ بِشاعِرٍ ولَكِنَّنِي أحْمِي حِمايَ وأتَّقِي ∗∗∗ مِنَ الباهِتِ الرَّأْيِ البَرِيءِ الظَّواهِرِ وكادَ يَقْتُلُهُ بِتِلْكَ الضَّرْبَةِ.
فَقَدْ رَوى ابْنُ إسْحاقَ «أنَّهُ لَمّا ضَرَبَهُ وثَبَ عَلَيْهِ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ فَجَمَعَ يَدَيْهِ إلى عُنُقِهِ بِحَبَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إلى دارِ بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ فَقالَ: ما هَذا؟
قالَ: أما أعْجَبَكَ ضَرْبُ حَسّانٍ بِالسَّيْفِ واللَّهِ ما أراهُ إلّا قَدْ قَتَلَهُ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هَلْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ وبِما صَنَعْتَ؟
قالَ: لا واللَّهِ قالَ: لَقَدِ اجْتَرَأتْ أطْلِقِ الرَّجُلَ فَأطْلَقَهُ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَدَعا حَسّانَ وصَفْوانَ فَقالَ صَفْوانُ: يا رَسُولَ اللَّهِ آذانِي وهَجانِي فاحْتَمَلَنِي الغَضَبُ فَضَرَبْتُهُ فَقالَ : يا حَسّانُ أتَشَوَّهَتْ عَلى قَوْمِي بَعْدَ أنْ هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى لِلْإسْلامِ ثُمَّ قالَ: أحْسِنْ يا حَسّانُ في الَّذِي أصابَكَ فَقالَ: هي لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَعَوَّضَهُ رَسُولُ اللَّهِ مِنها بِيَرْحاءَ وكانَ أبُو طَلْحَةَ بْنُ سَهْلٍ أعْطاها إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ووَهَبَهُ أيْضًا سِيرِينَ أمَةً قِبْطِيَّةً فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسّانَ» .
وفِي رِوايَةٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ في ( الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم ) هو أيِ المُنافِقِ ابْنُ أبِيّ وحِمْنَةُ، وقِيلَ: هو وحَسّانُ ومِسْطَحٌ، وعَذابُ المُنافِقِ الطَّرْدُ وظُهُورُ نِفاقِهِ وعَذابُ الأخِيرَيْنِ بِذَهابِ البَصَرِ، ولا يَأْبى إرادَةَ المُتَعَدِّدِ إفْرادَ المَوْصُولِ لِما في الكَشْفِ مِن أنَّ الَّذِي يَكُونُ جَمْعًا وإفْرادَ ضَمِيرِهِ جائِزٌ بِاعْتِبارِ إرادَةِ الجَمْعِ أوِ الفَوْجِ أوِ الفَرِيقِ أوْ نَظَرًا إلى أنَّ صُورَتَهُ صُورَةَ المُفْرَدِ، وقَدْ جاءَ إفْرادُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ ﴾ وجَمْعُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ﴾ والمَشْهُورُ جَوازُ اسْتِعْمالِ «الَّذِي» جَمْعًا مُطْلَقًا.
واشْتَرَطَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ لا جَمْعَ مَخْصُوصٍ فَإنْ أُرِيدَ الخُصُوصُ قَصُرَ عَلى الضَّرُورَةِ هَذا ولا يَخْفى أنَّ إرادَةَ الجَمْعِ هُنا لا تَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والَّذِي اخْتارَهُ إرادَةَ الواحِدِ وأنَّ ذَلِكَ الواحِدَ هو عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ ابْنُ أبِيّ، وقَدْ رَوى ذَلِكَ الزَّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وعَلْقَمَةَ بْنِ أبِي وقاصٍّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وكُلُّهم سَمِعَ عائِشَةَ تَقُولُ: ( الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وقَدْ تَظافَرَتْ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ عَلى ذَلِكَ، والذّاهِبُونَ إلَيْهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ أكْثَرُ مِنَ الذّاهِبِينَ مِنهم إلى غَيْرِهِ.
ومِنَ الإفْكِ النّاشِئِ مِنَ النَّصْبِ قَوْلُ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المِلْكِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ حِينَ سُئِلَ الزَّهْرِيُّ عَنْ ( الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ) فَقالَ لَهُ: هو ابْنُ أبِيّ كَذَبْتَ هو عَلَيٌّ.
يَعْنِي بِهِ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وقَدْ رَوى ذَلِكَ عَنْ هِشامٍ البُخارِيِّ والطَّبَرانِيِّ وابْنِ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيِّ في الدَّلائِلِ، ولا بِدَعَ مِنَ امَوِيّ الِافْتِراءِ عَلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ورَضِيَ عَنْهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قُصارى ما رُوِيَ عَنِ الأمِيرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ قالَ لِأخِيهِ وابْنِ عَمِّهِ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ اسْتَشارَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ والنِّساءُ سِواها كَثِيرٌ وإنْ تَسْألِ الجارِيَةَ تُصَدِّقُكَ.
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قالَ النّاسُ وقَدْ حَلَّ لَكَ طَلاقُها،» وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ضَرَبَ بِرَيْرَةَ وقالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ » ولَيْسَ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِمّا يَصْلُحُ مُسْتَنِدًا لِذَلِكَ الأُمَوِيِّ النّاصِبِيِّ، وجُلَّ غَرَضِ الأمِيرِ مِمّا ذَكَرَ أنَّ يُسْرِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ما هو فِيهِ مِنَ الغَمِّ غايَةَ ما في البابِ أنَّهُ لَمْ يَسْلُكْ في ذَلِكَ مَسْلَكَ أُسامَةَ وهو أمْرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، ومَن دَقَّقَ النَّظَرَ عَرَفَ مَغْزى الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأنَّهُ بَعِيدٌ عَمّا يَزْعُمُهُ النَّواصِبُ بُعْدَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَلْيَتَدَبَّرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ، يعني: قالوا بالكذب، وقال الأخفش: الإفك أسوأ الكذب، وهذه الآية نزلت ببراءة عائشة ا.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله أخبرني الثقة بإسناده، عن عائشة ا أنها قالت: «كان رسول الله إذا أراد أن يخرج في سفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه.
قالت: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ، وذلك بعد ما نزلت آية الحجاب، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق.
قالت: فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه في مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته وقفل ودنونا من المدينة، أذن ليلة بالرحيل، فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش.
فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل فلمست صدري، فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فحملوا هودجي ورحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه.
قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم.
إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه.
وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا.
ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب.
قالت: فجلست مكاني، فظننت أن القوم يستفقدونني فيرجعون إلي.
فبينما أنا جالسة في منزلي، إذ غلبني النوم، فنمت وقد كان صفوان بن المعطل السلمي يمكث في المعسكر، إذا ارتحل الناس يتبع ما يقع من الناس من أمتعتهم فيحمله إلى المنزل الآخر، فيعرفه فتجيء الناس ويأخذون أمتعتهم.
وكان لا يكاد يذهب من العسكر شيء، فأصبح صفوان عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب عليَّ الحجاب.
فاسترجع، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي.
فو الله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فركبتها فانطلق بي يقود بي الراحلة.
قالت: وكان عبد الله بن أبي إذا نزل في العسكر، نزل في أقصى العسكر، فيجتمع إليه ناس فيحدثهم ويتحدثون.
قالت: وكان معه في مجلسه يومئذ حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، فافتقد الناس عائشة حين نزلوا صحوة، وهاج الناس في ذكرها: أن عائشة قد فقدت، ودخل علي بن أبي طالب على النبيّ ، فأخبر أن عائشة قد فقدت.
فبينما الناس كذلك، إذ دنا صفوان بن المعطل، فتكلم عبد الله بن أبيّ بما تكلم، وحسان بن ثابت وسائرهم، وأفشوه في العسكر، وخاض أهل العسكر فيه، فجعل يرويه بعضهم عن بعض، ويحدث بعضهم بعضاً.
قالت: وقدم رسول الله المدينة والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل ويسلم ثم يقول: «كَيْفَ تِيكُمْ» ؟
فذلك يُريبُني ولا أشعر بالسر.
فلما رأيت ذلك، قلت: يا رسول الله، لو أذنت لي فانقلبت إلى أبويّ يمرضاني.
قال: «لا بَأْس عَلَيْكِ» ، وإنما قلت ذلك لما رأيت من جفائه.
قالت: فانقلبت إلى أمي، ولا علم لي بشيء مما كان، حتى قمت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة.
قالت: وكانوا لا يتخذون الكنف في بيوتهم، إنما كانوا يذهبون في فسح المدينة.
قالت: فخرجت في بعض الليل ومعي أم مسطح، حتى فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح، فقالت: تعس مسطح.
فقلت لها: بئس ما قلت، تسبين رجلاً وقد شهد بدرا؟
فقالت: أَوَ لَمْ تَسْمَعِي ما قال؟
قلت: وماذا قال؟
قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي، وأخذتني الحمى مكاني، فرجعت أبكي.
ثم قلت لأمي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به، ولا تذكرين لي منه شيئاً.
فقالت: هوني عليك، فو الله لقلَّ ما كانت امرأة قط رضية عند رجل يحبها ولها ضرائر، إلا كثرن عليها.
قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم.
ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول الله علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد ما حيث استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله.
فأما علي بن أبي طالب ، فقال: «لم يضيق الله عليك، والنساء كثير فاستبدل» .
وأما أسامة بن زيد ، فأشار عليه بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود.
فقال: «يا رسول الله، ما علمت منها إلا خيراً، فلا تعجل وانظر واسأل أهلك» .
قالت: فسأل حفصة بنت عمر عنها، فقالت: «يا رسول الله، ما رأيت عليها سوءاً قط» .
وسأل زينب بنت جحش، فقالت مثل ذلك، وسأل بَرِيرَةُ: «هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يُرِيبُكِ مِنْ أَمْرِ عَائِشَةَ؟» قالت له بريرة: «والذي بعثك بالحق نبياً، ما رأيت عليها أمراً قط أغمضه عليها، غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله» .
قالت: فأقبل رسول الله حتى دخل علي، وعندي أبواي، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «يا عَائِشَةُ، لَقَدْ بَلَغَكِ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَإنْ كَانَ مَا يَكُونُ مِنْكِ زلّة ممّا يَكُونُ مِنَ النَّاسِ، فَتُوبي إلى الله تَعَالَى، فإنَّ الله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، فَإنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ الله عَلَيْهِ» .
فانتظرت أبويَّ أن يجيبا عني فلم يفعلا، فقلت: يا أبت أجبه، فقال: ماذا أقول؟
فقلت: يا أماه أجيبيه.
فقالت: ماذا أقول؟
ثم استعبرت فبكيت، فقلت: لا والله لا أتوب مما ذكروني به، وإني لأعلم أنني لو أقررت بما يقول الناس لقلت وأنا منه بريئة، ولا أقول فيما لم يكن حقاً.
ولئن أنكرت، فلا تصدقني.
قالت: ثم أنسيت اسم يعقوب، فلم أذكره، فقلت: ولكني أقول كما قال العبد الصالح أبو يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ [يوسف: 18] قالت: فو الله ما برح رسول الله ، حتى تغشاه من الله ما كان يغشاه.
قالت: أنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله عز وجل يبرئني ببراءتي، ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل الله في شأني وحياً يتلى، ولساني كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى فيَّ بقرآن يقرأ به في المساجد، ولكنني كنت أرجو أن يرى النبي في منامه شيئاً ببراءتي فلما سري عن رسول الله ، وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها أن قال: «يا عَائِشَةُ أبْشِرِي، أَمَا والله فَقَدْ بَرَّأَكِ الله تَعَالَى» .
فقالت لي أمي: قومي إليه.
فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله تعالى، هو الذي أنزل براءتي» (١) وفي رواية قالت: «أحمد الله تعالى وأذمكم.
قالت: فخرج رسول الله ، فصعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «يا أيُّها النَّاسُ مَنْ يُعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي برَجُلٍ ما رَأَيْتُ عَلَيْهِ سُوءاً قَطُّ، وَلا دَخَلَ على أهْلِي إلاَّ وأنَا مَعَهُ» .
فقام سعد بن معاذ، فقال: أخبرنا يا رسول الله من هو؟
فإن يكن من الأوس نقتله، وإن يكن من الخزرج نرى فيه رأياً، أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن حملته الحمية، فقال: كلا ولكنها عداوتك للخزرج.
قال: فاسْتَبَّا، فقام أسيد بن حضير الأوسي، وقال: يا سعد بن عبادة، أتقول هذا؟
كلا والله ولكنك منافق تحب المنافقين، فاستب حي هذا وحي هذا، فلما رأى رسول الله اللغط، نزل وتركهم، وقد تلا عليهم ما أنزل الله تعالى عليه في أمر عائشة ا إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ يعني جماعة منكم، وهو ما قال عبد الله بن أبيّ وأصحابه: ما برئت عائشة من صفوان، وما برىء عنها صفوان، والعصبة عشرة، فما فوقها، كما قال الكلبي.
لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، يعني: عائشة ومن كان ينسبها، والنبي وأبا بكر، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنه لو لم يكن قولهم، لم يظهر فضل عائشة ا وإنما ظهر فضل عائشة بما صبرت على المحنة، فنزل بسببها سبع عشرة آية من القرآن من قوله: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ إلى قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ووجه آخر: بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنه يؤخذ من حسناتهم ويوضع في ميزانه، يعني: عائشة وصفوان، وهذا خير له.
ثم قال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، يعني: لكل واحد منهم العقوبة بمقدار ما شرع في ذلك الأمر، لأن بعضهم قد تكلم بذلك، وبعضهم ضحك، وبعضهم سكت، فكل واحد منهم ما اكتسب من الإثم بقدر ذلك.
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، يعني: الذي تكلم بالقذف مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ، يعني: الحد في الدنيا.
فأقام النبيّ الحدّ، وكان حميد يقرأ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ بضم الكاف، يعني: عظمه.
قال أبو عبيد: والقراءة عندنا بالكسر، وإنما الكبر في النسب وفي الولاء.
(١) حديث عائشة في قصة الأفك: أخرجه البخاري (2661) و (4141) و (4750) ومسلم (2770) وأحمد: 6/ 194- 197 والبيهقي: 7/ 302.
<div class="verse-tafsir"
وإنِّي في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة: وأنّ لعنة الله علي إنْ كنتُ من الكاذبين، وأَمَّا في لعان نفي الحمل فيقول: ما هذا الولدُ مِنِّي، وتقول المرأة: أشهدُ بالله ما زنيتُ، وأَنَّهُ في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول: غَضِبَ الله عَلَيَّ إنْ كان من الصادقين، فإنْ مَنَعَ جَهْلُهُمَا من ترتيب هذه الألفاظ، وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، ومشهور المذهب: أَنَّ نفسَ تمام اللعان بينهما فُرْقَةٌ، ولا يحتاج معها إلى تفريق حاكم، وتحريم اللعان أَبَدِيٌّ باتفاق فيما أحفظ من مذهب مالك، وجواب لَوْلا محذوف تقديره: لكشف الزناةَ بأيسر من هذا، أو لأخذهم بعقابه ونحو هذا.
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣)
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ ...
الآية: نزلت في شأن أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها ففي «البخاريِّ» في غزوة بَنِي المُصْطَلِقِ عن عائشة رضي الله عنها قالت: وأَنْزَلَ اللهُ العَشْرَ الآياتِ في براءتي: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ ...
الآيات:
والإفك: الزُّورُ والكذب، وحديث الإفك في «البخاريّ» و «مسلم» وغيرهما مُسْتَوْعَبٌ، والعُصْبَةُ: الجماعة من العشرة إلى الأربعين.
وقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبُوهُ خطاب لِكُلِّ مَنْ ساءه ذلك من المؤمنين.
وقوله تعالى: بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ معناه: أَنَّه تَبْرِئَةٌ في الدنيا، وترفيعٌ من الله تعالى في أنْ نَزَّلَ وَحْيَهُ بالبراءة من ذلك، وأجرٌ جزيلٌ في الآخرة، وموعظةٌ للمؤمنين في غابر الدهر، واكْتَسَبَ: مستعملة في المآثم، والإشارة بقوله تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ هي إلى: عبد الله بن أُبَيِّ ابن سلولَ وغيره من المنافقين، وكِبْرَهُ: مصدر كَبُرَ الشيء وعَظُمَ ولكنِ استعملتِ العربُ ضَمَّ الكاف في السِّنِّ.
وقوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ...
الآية:
الخطاب للمؤمنين حاشا مَنْ تولى كِبْرَهُ، وفي هذا عتابٌ للمؤمنين، أي: كان الإنكارُ واجباً عليهم، ويقيس فُضَلاَءُ المؤمنين الأمر على أنفسهم، فإذا كان ذلك يَبْعُدُ فيهم فَأُمُّ المؤمنين أبعد، لفضلها، ووقع هذا النّظر السديد من أبي أَيُّوبَ وامرأته وذلك أَنَّهُ دَخَلَ عليها فقالت له: «يا أبا أيوبَ، أَسَمِعْتَ ما قيل؟
فقال: نعم، وذلك الكذبُ أكنتِ أنت يا أمّ أيّوب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ ﴾ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ؛ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما يَتَعَلَّقُ بِها بَعْدَها نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَةَ.
وفي حَدِيثِ الإفْكِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى عَشْرِ آياتٍ نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَة.
وقَدْ ذَكَرْنا حَدِيثَ الإفْكِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي كِتابِ " المُغَنِي في التَّفْسِيرِ " فَلَمْ نُطِلْ بِذِكْرِهِ، لِأنَّ غَرَضَنا اخْتِصارُ هَذا الكِتابِ لِيُحْفَظَ.
فَأمّا الإفْكُ، فَهو الكَذِبُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ.
ورَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ هم أرْبَعَةٌ: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيِّ [بْنِ سَلُولٍ]، ومِسْطَحُ بْنُ أثاثَةٍ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وكَذَلِكَ عَدَّهم مُقاتِلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خِطابٌ لِعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ وأبِي بَكْرٍ وعائِشَةَ؛ والمَعْنى: إنَّكم تُؤَجَرُونَ فِيهِ، ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ ﴿ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ ﴾ أيْ: جَزاءُ ما اجْتَرَحَ مِنَ الذَّنْبِ عَلى قَدْرِ خَوْضِهِ فِيهِ، ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ: " كُبْرَهُ " بِضَمِّ الكافِ.
قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كِبْرُ الشَّيْءَ: مُعْظَمُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ.
قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَذْكُرُ امْرَأةً: تَنامُ عَنْ كِبَرِ شَأْنِها فَإذا قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْعَرِفُ وَفِي المُتَوَلِّي لِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الَّذِي أشاعَ الحَدِيثَ، فَلَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ بِالنّارِ.
وقالَ الضَّحّاكُ هو الَّذِي بَدَأ بِذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُ حَسّانٌ؛ رَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: ما سَمِعَتُ أحْسَنَ مِن شِعْرِ حَسّانٍ، وما تَمَثَّلْتُ بِهِ إلّا رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ؛ فَقِيلَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ؟
ورَوى عَنْها مَسْرُوقُ أنَّها قالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ العَذابَ العَظِيمَ ذَهابَ بَصَرِهِ، تَعْنِي حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْكَرَ عَلى الخائِضِينَ في الإفْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ أيَّتُها العُصْبَةُ الكاذِبَةُ قَذْفَ عائِشَةَ ﴿ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ ﴾ مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ، وهم حَسّانُ ومِسْطَحٌ ﴿ والمُؤْمِناتُ ﴾ وهِيَ: حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ﴿ بِأنْفُسِهِمْ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بِأُمَّهاتِهِمْ.
والثّانِي: بِأخَواتِهِمْ.
والثّالِثُ: بِأهْلِ دِينِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ﴿ وَقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: كَذِبٌ بَيِّنٌ.
وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أبا أيُّوبٍ الأنْصارِيَّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في أمْرِ عائِشَةَ؟!
فَقالَ: هَذا إفْكٌ مُبِينٌ، أكُنْتِ يا أُمّاهُ فاعِلَتَهُ؟
قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا جاءُوا ﴾ أيْ: هَلّا جاءَتِ العُصْبَةُ الكاذِبَةُ عَلى قَذْفِهِمْ [عائِشَةَ] ﴿ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ ﴾ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بِأرْبَعَةٍ " مُنَوَّنَةٍ؛ والمَعْنى: يَشْهَدُونَ بِأنَّهم عايَنُوا ما رَمَوْها بِهِ ﴿ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ ﴿ هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ القاذِفِينَ فَقالَ: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ أيْ: لَوْلا ما مَنَّ [اللَّهُ] بِهِ عَلَيْكُمْ، ﴿ لَمَسَّكُمْ ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿ فِي ما أفَضْتُمْ ﴾ أيْ: أخَذْتُمْ وخُضْتُمْ ﴿ فِيهِ ﴾ مِنَ الكَذِبِ والقَذْفِ ﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الَّذِي لَوْلا فَضْلُهُ لَأصابَهم فِيهِ العَذابُ فَقالَ: ﴿ إذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: بَلَغَنِي كَذا، فَيَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: " إذْ تُلْقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ وإسْكانِ اللّامِ وقافٍ مَنقُوطَةٍ بِنُقْطَتَيْنِ مَرْفُوعَةٍ خَفِيفَةٍ؛ وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا التّاءَ والقافَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " تَتَلَقَّوْنَهُ " بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مَعَ نَصْبِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، ومُجاهِدُ، وأبُو حَيْوَةَ: " تَلِقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ اللّامِ ورَفْعِ القافِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: " تُلْقُونَهُ ": يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتُلْقُونَهُ؛ ومَعْناهُ: إذْ تُسْرِعُونَ بِالكَذِبِ، يُقالُ: ولَقَ يَلْقَ: إذا أسْرَعَ في الكَذِبِ وغَيْرِهِ، قالَ الشّاعِرُ: جاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُّ أيْ: تُسْرِعُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " تُلْقُونَهُ " أيْ: تَقْبَلُونَهُ، ومَن قَرَأ: " تُلْقُونَهُ " أخَذَهُ مِنَ الوَلْقِ، وهو الكَذِبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ تَعْلَمُوا أنَّهُ حَقٌّ ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ القَذْفَ ﴿ هَيِّنًا ﴾ أيْ: سَهْلًا لا إثْمَ فِيهِ ﴿ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ في الوِزْرِ.
ثُمَّ زادَ عَلَيْهِمْ في الإنْكارِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا ﴾ أيْ: ما يَحِلُّ وما يَنْبَغِي لَنا ﴿ أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ ﴾ وهو يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ والتَّعَجُّبَ.
ورَوَتْ عائِشَةُ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَتْ لَهُ: ألَمْ تَسْمَعْ ما يَتَحَدَّثُ النّاسُ؟!
فَقالَ: ﴿ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا ﴾ ...
الآيَةُ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ.
وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا أنَّ أُمَّهُ ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ.
ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِلنّاسِ: هَلّا قُلْتُمْ كَما قالَ سَعْدٌ؟!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ ﴿ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ ﴾ أيْ: إلى مِثْلِهِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ لِأنَّ مِن شَرْطِ الإيمانِ تَرْكَ قَذْفِ المُحْصَنَةِ.
﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ في الأمْرِ والنَّهْىِ.
ثُمَّ هَدَّدَ القاذِفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ ﴾ أيْ يُحِبُّونَ أنْ يَفْشُوَ القَذْفُ بِالفاحِشَةِ، وهي الزِّنا ﴿ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي: الجَلْدَ ﴿ والآخِرَةِ ﴾ عَذابَ النّارِ.
ورَوَتْ عُمْرَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى المِنبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ، وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أُمِرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ، فَضُرِبُوا حَدَّهم.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومِسْطَحَ بْنَ أُثاثَةَ، وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ، وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأمّا الثَّلاثَةُ فَتابُوا، وأمّا عَبْدُ اللَّهِ فَماتَ مُنافِقًا،» وبَعْضُ العُلَماءِ يُنْكِرُ صِحَّةَ هَذا، ويَقُولُ: لَمْ يَضْرِبْ أحَدًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ شَرَّ ما خُضْتُمْ فِيهِ وما يَتَضَمَّنُ مِن سَخَطِ اللَّهِ ﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ، ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَعاقَبَكم فِيما قُلْتُمْ لِعائِشَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِسْطَحًا، وحَسّانَ، وحَمْنَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها إلى سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً أُنْزِلَتْ في عائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها وما اتَّصَلَ بِذَلِكَ مِن أمْرِ الإفْكِ، وفي البُخارِيِّ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: وأنْزَلَ اللهُ تَعالى العَشْرَ الآياتِ، ثُمْ أنْزَلَ اللهُ هَذا في بَراءَتِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّها عَدَّتْ ما تَخْتَصُّ بِها.
و"الإفْكُ": الزُورُ والكَذِبُ، والأفّاكُ الكَذّابُ، و"الإفْكُ" قَلْبُ الحَقِيقَةِ عن حالِها بِالأقْوالِ وصَرْفُها عن جِهَةِ الصَوابِ، وبِذَلِكَ شَبَهُ الكَذِبِ.
واخْتِصارُ حَدِيثِ "الإفْكِ" أنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها مَعَهُ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وهي غَزْوَةُ المُرَيْسِيعِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وقالَ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ: كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ، فَضاعَ لَها هُناكَ عِقْدٌ، فَلَمّا انْصَرَفَتْ إلى الرَحْلِ شَعَرَتْ بِضَياعِهِ فَرَجَعَتْ تَطْلُبُهُ، وسارَ الناسُ حِينَئِذٍ، فَوَجَدَتْهُ وانْصَرَفْتْ فَلَمْ تَجِدْ أحَدًا، وكانَتْ شابَّةً قَلِيلَةَ اللَحْمِ رَفَعَ الرِجالُ هَوْدَجَها ولَمْ يَشْعُرُوا بِزَوالِها، فَلَمّا لَمْ تَجِدْ أحَدًا اضْطَجَعَتْ في مَكانِها رَجاءَ أنْ تُفْتَقَدَ فَيُرْجَعَ إلَيْها، فَنامَتْ في المَوْضِعِ ولَمْ يُوقِظْها إلّا قَوْلُ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، وذَلِكَ أنَّهُ تَخَلَّفَ وراءَ الجَيْشِ لِحِفْظِ الساقَةِ، وقِيلَ: اتِّفاقًا، فَلَمّا مَرَّ بِسَوادِها قَرُبَ مِنها فَعَرَفَها فاسْتَرْجَعَ وقالَ: ظَعِينَةُ رَسُولِ اللهِ خُلِّفَتْ هاهُنا؟
ونَزَلَ عن ناقَتِهِ وتَنَحّى عنها حَتّى رَكِبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، وأخَذَ يَقُودُها حَتّى بَلَغَ بِها الجَيْشَ في نَحْرِ الظَهِيرَةِ، فَوَقْعَ أهْلُ الإفْكِ في مَقالَتِهِمْ، وكانَ الَّذِي يَجْتَمِعُ إلَيْهِ فِيهِ ويَسْتَوْشِيهِ ويُشْعِلُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ المُنافِقُ، وكانَ مِن أهْلِ قالَتِهِ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، هَذا اخْتِصارُ الحَدِيثِ، وهو بِكَمالِهِ وإتْقانِهِ في البُخارِيِّ ومُسْلِمْ، وهو في مُسْلِمْ أكْمَلُ.
وكانَ صَفْوانُ صاحِبَ ساقَةِ رَسُولِ اللهِ في غَزَواتِهِ لِشَجاعَتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَحابَةِ، قالَ لَمّا سَمِعَ ما قالَ الناسُ فِيهِ: سُبْحانَ اللهِ، واللهِ ما كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثى قَطُّ، أرادَ: بِزِنًى، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُهُ المَرْوِيُّ مَعَ امْرَأتِهِ، وقَوْلُ النَبِيِّ في ابْنَيْهِ: «لَهُما أُشْبَهُ بِهِ مِنَ الغُرابِ بِالغُرابِ»، وقِيلَ: كانَ حَصُورًا لا يَأْتِي النِساءَ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ مِن طَرِيقِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وقُتِلَ شَهِيدًا رَضِيَ اللهُ عنهُ في غَزْوَةِ أرْمِينِيَّةَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: في بِلادِ الرُومِ سَنَةَ ثَمانٍ وخَمْسِينَ في زَمَنِ مُعاوِيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عُصْبَةٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "جاءُوا"، وخَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لا تَحْسَبُوهُ"، والتَقْدِيرُ: إنْ فِعْلَ الَّذِينَ، وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ تَكُونَ "عُصْبَةٌ" خَبَرًا، و"العُصْبَةُ": الجَماعَةُ مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، قالَهُ يَعْقُوبُ وغَيْرُهُ، ولا يُقالُ عُصْبَةٌ لِأقَلَّ مِن عَشْرَةٍ، ولَمْ يُسَمَّ مِن أهْلِ الإفْكِ إلّا حَسّانُ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنَةُ، وعَبْدُ اللهِ، وجُهِلَ الغَيْرُ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وقَدْ سَألَهُ عن ذَلِكَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ، وقالَ: إلّا إنَّهم كانُوا عُصْبَةً كَما قالَ اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لا تَحْسَبُوهُ" خِطابٌ لِكُلٍّ مَن ساءَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يُرِيدُ أنَّهُ تَبْرِئَةٌ في الدُنْيا، وتَرْفِيعٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في أنْ نَزَلَ وحْيُهُ بِالبَراءَةِ مِن ذَلِكَ، وأجْرٌ جَزِيلٌ في الآخِرَةِ، ومَوْعِظَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في غابِرِ الزَمَنِ، ونِقْمَةٌ مِنَ المُفْتَرِينَ في الدُنْيا والآخِرَةِ فَفي ذَلِكَ شِفاءٌ وخَيْرٌ، وهَذِهِ خَمْسَةُ وُجُوهٍ.
وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى العُصْبَةِ المَذْكُورَةِ، و"اكْتَسَبَ" مُسْتَعْمَلَةٌ في المَآثِمْ ونَحْوَها لَأنَّها تَدُلُّ عَلى اعْتِمالٍ وقَصْدٍ فَهو أبْلَغُ في التَرْتِيبِ، و"كَسَبَ" مُسْتَعْمَلٌ في الخَيْرِ، وذَلِكَ أنَّ حُصُولَهُ مُغْنٍ عَنِ الدَلالَةِ عَلى اعْتِمالٍ فِيهِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ "كَسَبَ" في الوَجْهَيْنِ، ومِثْلُهُ: .....................
فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ ﴾ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، والعَذابُ المُتَوَعِّدُ بِهِ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ دَخَلَ عَلَيْها يَوْمًا وقَدْ عَمِيَ فَأنْشَدَها مَدْحَهُ فِيها: حَصانٌ رَزانٌ ما تَزِنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، تُرِيدُ أنَّهُ وقَعَ في الغَوافِلِ فَأنْشَدَ: فَإنْ كانَ ما قَدْ قِيلَ عَنِّي قُلْتُهُ ∗∗∗ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أنامِلِي فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَها مَسْرُوقٌ: أيَدْخُلُ هَذا عَلَيْكِ وقَدْ قالَ ما قالَ وتَوَعَّدَهُ اللهُ بِالعَذابِ عَلى تَوَلِّيهِ كِبَرَ الإفْكِ؟
فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: أيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى وضَرْبِ الحَدِّ؟
وفي رِوايَةٍ: وضَرْبَةٍ بِالسَيْفِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا قَوْلُهُ عَنِ الحَدِّ فَإنَّ حَسّانَ ومِسْطَحًا وحَمْنَةَ حُدُّوا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ، وذَكَرَهُ التِرْمِذِيُّ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ حُدَّ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عن عَبْدِ اللهِ الرَمْيُ، قالَ عُرْوَةُ في البُخارِيِّ: "أُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُشاعُ ويَتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ ويَسْتَمِعُهُ ويَسْتَوْشِيهِ".
وأمّا ضَرْبُهُ بِالسَيْفِ فَإنَّ صَفْوانَ بْنَ المُعَطَّلِ لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ حَسّانَ في الإفْكِ جاءَ فَضَرَبَهُ بِالسَيْفِ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ، وقالَ: تَلَقَّ ذُبابَ السَيْفِ عَنِّي فَإنَّنِي ∗∗∗ غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشاعِرِ فَأخَذَ جَماعَةٌ صَفْوانَ ولَبَّبُوهُ وجاؤُوا بِهِ رَسُولَ اللهِ ، فَأهْدَرَ رَسُولُ اللهِ جُرْحَ حَسّانَ واسْتَوْهَبَهُ إيّاهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ حَسّانَ مِمَّنْ تَوَلّى الكِبْرَ.
وقَدْ قالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بِـ "الَّذِي" إلى البادِئِ بِهَذِهِ الفِرْيَةِ والَّذِي اخْتَلَقَها، فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ، ولِلْبادِئِ المُفْتَرِي عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو -عَلى هَذا- غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وهَذا قَوْلُ الضِحاكِ، والحُسْنِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كِبْرَهُ" بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ حَمِيدٌ الأعْرَجُر، ويَعْقُوبُ الزُهْرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "كُبْرَهُ" بِضَمِّ الكافِ، وهُما مَصْدَرانِ، مَن كِبَرِ الشَيْءِ وعِظَمِهِ، ولَكِنِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ ضَمَّ الكافِ في السِنِّ، تَقُولُ: هَذا كُبْرُ القَوْمِ، أيْ كَبِيرُهم سِنًّا ومَكانَةً، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ في قِصَّةِ حُوَيْصَةَ ومُحَيْصَةَ: الكُبْرُ» ومِنَ اسْتِعْمالِهِ في المَعْنى الثانِي قَوْلُ ابْنِ الحَطِيمِ: ؎ تَنامُ عن كِبْرِ شَأْنِها فَإذا ∗∗∗ قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْغَرِفُ <div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي فإن هذه الآيات العشر إلى قوله تعالى: ﴿ والله سميع عليم ﴾ [النور: 21] نزلت في زمن بعيد عن زمن نزول الآيات التي من أول هذه السورة كما ستعرفه.
والإفك: اسم يدل على كذب لا شبهة فيه فهو بهتان يفجأ الناس.
وهو مشتق من الأفك بفتح الهمزة وهو قلب الشيء، ومنه سمي أهل سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم قرى قوم لوط أصحاب المؤتفكة لأن قراهم ائتفكت، أي قُلبت وخسف بها فصار أعلاها أسفلها فكان الإخبار عن الشيء بخلاف حالته الواقعية قلباً له عن حقيقته فسمي إفكاً.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ في سورة الأعراف (117).
و ﴿ جاءو بالإفك ﴾ معناه: قصدوا واهتموا.
وأصله: أن الذي يخبر بخبر غريب يقال له: جاء بخبر كذا، لأن شأن الأخبار الغريبة أن تكون مع الوافدين من أسفار أو المبتعدين عن الحي قال تعالى: ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ [الحجرات: 6]؛ فشبه الخبر بقدوم المسافر أو الوافد على وجه المكنية وجعل المجيء ترشيحاً وعدي بباء المصاحبة تكميلاً للترشح.
والإفك: حديث اختلقه المنافقون وراج عند المنافقين ونفر من سذج المسلمين إما لمجرد اتباع النعيق وإما لإحداث الفتنة بين المسلمين.
وحاصل هذا الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة بني المصطلق من خزاعة، وتسمى غزوة المريسيع ولم تبق بينه وبين المدينة إلا مرحلة.
آذن بالرحيل آخر الليل.
فلما علمت عائشة بذلك خرجت من هودجها وابتعدت عن الجيش لقضاء شأنها كما هو شأن النساء قبل الترحل فلما فرغت أقبلت إلى رحلها فافتقدت عقداً من جَزْع ظَفَارِ كان في صدرها فرجعت على طريقها تلتمسه فحبسها طلبه وكان ليل.
فلما وجدته رجعت إلى حيث وضع رحلها فلم تجد الجيش ولا رحلها، وذلك أن الرجال الموكلين بالترحل قصدوا الهودج فاحتملوه وهم يحسبون أن عائشة فيه وكانت خفيفة قليلة اللحم فرفعوا الهودج وساروا فلما لم تجد أحداً اضطجعت في مكانها رجاء أن يفتقدوها فيرجعوا إليها فنامت وكان صفوان بن المعطِّل (بكسر الطاء) السُّلمي (بضم السين وفتح اللام نسبة إلى بني سليم وكان مستوطناً المدينة من مهاجرة العرب) قد أوكل إليه النبي صلى الله عليه وسلم حراسة ساقة الجيش، فلما علم بابتعاد الجيش وأمن عليه من غدر العدو ركب راحلته ليلتحق بالجيش فلما بلغ الموضع الذي كان به الجيش بصُر بسواد إنسان فإذا هي عائشة وكان قد رآها قبل الحجاب فاسترجع، واستيقظت عائشة بصوت استرجاعه ونزل عن ناقته وأدناها منها وأناخها فركبتها عائشة وأخذ يقودها حتى لحق بالجيش في نحر الظهيرة وكان عبد الله بن أبي بن سلول رأسُ المنافقين في الجيش فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، فراج قوله على حسان بن ثابت ومِسْطح بن أثاثة (بكسر ميم مسطح وفتح طائه وضم همزة أثاثة) وحَمنة بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين حملتها الغيرة لأختها ضرة عائشة وساعدهم في حديثهم طائفة من المنافقين أصحاب عبد الله بن أبي.
فالإفك: علم بالغلبة على ما في هذه القصة من الاختلاق.
والعصبة: الجماعة من عشرة إلى أربعين كذا قال جمهور أهل اللغة.
وقيل العصبة: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة وروي عن ابن عباس.
وقيل في مصحف حفصة «عصبة أربعة منكم».
وهم اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويقال: عصابة.
وقد تقدم في أول سورة يوسف (8).
﴿ وعصبة ﴾ بدل من ضمير ﴿ جاءو ﴾ .
وجملة: ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ خبر ﴿ إن ﴾ .
والمعنى: لا تحسبوا إفكهم شراً لكم، لأن الضمير المنصوب من ﴿ تحسبوه ﴾ لما عاد إلى الإفك وكان الإفك متعلقاً بفعل ﴿ جاءو ﴾ صار الضمير في قوة المعرف بلام العهد.
فالتقدير: لا تحسبوا الإفك المذكور شراً لكم.
ويجوز أن يكون خبر ﴿ إن ﴾ قوله: ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ وتكون جملة ﴿ لا تحسبوه ﴾ معترضة.
ويجوز جعل ﴿ عصبة ﴾ خبر ﴿ إن ﴾ ويكون الكلام مستعملاً في التعجيب من فعلهم مع أنهم عصبة من القوم أشد نكراً، كما قال طرفة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند وذكر ﴿ عصبة ﴾ تحقير لهم ولقولهم، أي لا يعبأ بقولهم في جانب تزكية جميع الأمة لمن رموهما بالإفك.
ووصف العصبة بكونهم ﴿ منكم ﴾ يدل على أنهم من المسلمين، وفي ذلك تعريض بهم بأنهم حادوا عن خلق الإسلام حيث تصدوا لأذى المسلمين.
وقوله: ﴿ لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم ﴾ لإزالة ما حصل في نفوس المؤمنين من الأسف من اجتراء عصبة على هذا البهتان الذي اشتملت عليه القصة فضمير ﴿ تحسبوه ﴾ عائد إلى الإفك.
والشر المحسوب: أنه أحدث في نفر معصية الكذب والقذف والمؤمنون يودون أن تكون جماعتهم خالصة من النقائص (فإنهم أهل المدينة الفاضلة).
فلما حدث فيهم هذا الاضطراب حسبوه شراً نزل بهم.
ومعنى نفي أن يكون ذلك شراً لهم لأنه يضيرهم بأكثر من ذلك الأسف الزائل وهو دون الشر لأنه آيل إلى توبة المؤمنين منهم فيتمحض إثمه للمنافقين وهم جماعة أخرى لا يضر ضلالهم المسلمين.
وقال أبو بكر ابن العربي: حقيقة الخير ما زاد نفعه على ضره وحقيقة الشر ما زاد ضره على نفعه.
وأن خيراً لا شر فيه هو الجنة وشراً لا خير فيه هو جهنم.
فنبه الله عائشة ومن ماثلها ممن ناله همّ من هذا الحديث أنه ما أصابهم منه شر بل هو خير على ما وضع الله الشر والخير عليه في هذه الدنيا من المقابلة بين الضر والنفع ورجحان النفع في جانب الخير ورجحان الضر في جانب الشر اه.
وتقدم ذكر الخير عند قوله تعالى: ﴿ أينما يوجهه لا يأت بخير ﴾ في سورة النحل (76).
وبعد إزالة خاطر أن يكون ذلك شراً للمؤمنين أثبت أنه خير لهم فأتى بالإضراب لإبطال أن يحسبوه شراً، وإثبات أنه خير لهم لأن فيه منافع كثيرة؛ إذ يميز به المؤمنون الخلص من المنافقين، وتشرع لهم بسببه أحكام تردع أهل الفسق عن فسقهم، وتتبين منه براءة فضلائهم، ويزداد المنافقون غيظاً ويصبحون محقرين مذمومين، ولا يفرحون بظنهم حزن المسلمين، فإنهم لما اختلقوا هذا الخبر ما أرادوا إلا أذى المسلمين، وتجيء منه معجزات بنزول هذه الآيات بالإنباء بالغيب.
قال في «الكشاف»:...
وفوائد دينية وآداب لا تخفى على متأملها اه.
وعدل عن أن يعطف ﴿ خيراً ﴾ على ﴿ شراً ﴾ بحرف (بل) فيقال: بل خيراً لكم، إيثاراً للجملة الاسمية الدالة على الثبات والدوام.
والإثم: الذنب وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ في سورة البقرة (219) وعند قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ في سورة الأنعام (120).
وتولي الأمر: مباشرة عمله والتهمم به.
﴿ والكِبر ﴾ بكسر الكاف في قراءة الجمهور، ويجوز ضم الكاف.
وقرأ به يعقوب وحده، ومعناه: أشد الشيء ومعظمه، فهما لغتان عند جمهور أيمة اللغة.
وقال ابن جني والزجاج: المكسور بمعنى الإثم، والمضموم: معظم الشيء.
﴿ والذي تولى كبره ﴾ هو عبد الله بن أبي بن سلول وهو منافق وليس من المسلمين.
وضمير ﴿ منهم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين جاءو بالإفك ﴾ .
وقيل: الذي تولى كبره حسان ابن ثابت لما وقع في «صحيح البخاري»: «عن مسروق قال: دخل حسان على عائشة فأنشد عندها أبياتاً منها: حصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبة *** وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت له عائشة: لكن أنت لست كذلك.
قال مسروق فقلت: تَدَعِين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى: ﴿ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾ فقالت: أي عذاب أشد من العمى».
والوعيد بأن له عذاباً عظيماً يقتضي أنه عبد الله بن أبي بن سلول.
وفيه إنباء بأنه يموت على الكفر فيعذب العذاب العظيم في الآخرة وهو عذاب الدرك الأسفل من النار، وأما بقية العصبة فلهم من الإثم بمقدار ذنبهم.
وفيه إيماء بأن الله يتوب عليهم إن تابوا كما هو الشأن في هذا الدين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ ﴾ في الإفْكِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإثْمُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ الكَذِبُ.
قالَ الشّاعِرُ: شَهِيدٌ عَلى الإفْكِ غَيْرِ الصَّوابِ وما شاهِدُ الإفْكِ كالأحْنَفِ ﴿ عُصْبَةٌ مِنكُمْ ﴾ وهم زُعَماءُ الإفْكِ، حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ وزَيْدُ بْنُ رِفاعَةَ وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وسَبَبُ الإفْكِ «أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها كانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ سَنَةَ سِتٍّ فَضاعَ عِقْدٌ لَها مِن جَزْعِ أطْفارٍ وقَدْ تَوَجَّهَتْ لِحاجَتِها فَعادَتْ في طَلَبِهِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِن مَنزِلِهِ فَرُفِعَ هَوْدَجُها ولَمْ يُشْعَرْ بِها أنَّها لَيْسَتْ فِيهِ لِخِفَّتِها وعادَتْ فَلَمْ تَرَ في المَنزِلِ أحَدًا فَأدْرَكَها صَفْوانُ بْنُ المُعَطَّلِ فَحَمَلَها عَلى راحِلَتِهِ وألْحَقَها بِرَسُولِ اللَّهِ ، فَتَكَلَّمَ فِيها وفي صَفْوانَ مَن تَكَلَّمَ وقَدِمَتِ المَدِينَةَ وانْتَشَرَ الإفْكُ وهي لا تَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ عَلِمَتْ فَأخَذَها مِن ذَلِكَ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى أنْ أنْزَلَ اللَّهُ بَراءَتَها بَعْدَ سَبْعَةٍ وثَلاثِينَ يَوْمًا مِن قُدُومِ المَدِينَةِ هَذِهِ الآيَةَ.
وَ ﴿ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أيْ لا تَحْسَبُوا ما ذُكِرَ مِنَ الإفْكِ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكم لِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأ مِنهُ وأبانَ عَلَيْهِ» .
وَفِي المُرادِ بِهَذا القَوْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَقْصُودَ بِهِ عائِشَةُ وصَفْوانُ لِأنَّهُما قُصِدا بِالإفْكِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ بِهِ النَّبِيُّ وأبُو بَكْرٍ وعائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ ﴾ أيْ لَهُ عِقابُ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ بِقَدْرِ إثْمِهِ.
﴿ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهُمْ ﴾ الآيَةَ قُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ وضَمِّها، وفي الفَرْقِ بَيْنَما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ كُبْرَهُ بِالضَّمِّ مُعْظَمُهُ وبِالكَسْرِ مَأْثَمُهُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِالضَّمِّ في النَّسَبِ وبِالكَسْرِ في النَّفْسِ.
وَفِي مُتَوَلِّي كِبْرِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والعَذابُ العَظِيمُ جَهَنَّمُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ المُسَيِّبِ.
الثّانِي: أنَّهُ مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، والعَذابَ العَظِيمَ ذَهابُ بَصَرِهِ في الدُّنْيا: حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه.
قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل فدنونا من المدينة قافلين.
آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي.
فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة واحدة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها، فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك.
وكان الذي تولى الإِفك عبدالله بن أبي ابن سلول.
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإِفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟
ثم ينصرف.
فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهي متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط.
فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد أشرعنا من ثيابنا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت اتسبين رجلاً شهد بدراً!
قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال!؟
قلت: وما قال..؟
فأخبرتني بقول أهل الإِفك، فازددت مرضاً على مرضي.
فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: «كيف تيكم» ؟
فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟
قالت:- وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما- قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت لأبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس؟
قالت يا بينة هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت- سبحان الله- ولقد تحدث الناس بهذا؟
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، حين استبلث الوحي يستأمرهما في فراق أهله.
فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله: أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله: لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وان تسأل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: «أي بريرة هل رأيت شيئاً يريبك» ؟
قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق ان رأيت عليها أمراً أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبدالله بن أبي فقال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟
فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله ما تقتله ولا تقدر على قتله.
فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين.
فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت.
فبكيت يومي ذلك فلا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقا لي دمع، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي.
فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، فَتَشَهَّدْ حين جلس ثم قال: «أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا..
فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم !
فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم !
فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم- وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني برئية- والله يعلم أني برئية- لا تصدقوني ولئن اعترف لكم بأمر- والله يعلم أني منه بريئة- لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ﴾ [ يوسف: 18] .
ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: «ابشري يا عائشة أما الله فقد برأك» فقالت أمي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي.
وأنزل الله: ﴿ إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم ﴾ العشر الآيات كلها.
فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ﴾ [ النور: 22] إلى قوله: ﴿ رحيم ﴾ قال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً قالت عائشة: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال: «يا زينب ماذا عملت أو رأيت» ؟
فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيراً قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإِفك.
وأخرج البخاري والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به.
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد أشيروا عليَّ في أناس أنبوا أهلي- وأيم الله- ما علمت على أهلي سوء، وأنبوهم بمن- والله- ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي» ، فقام سعد بن معاذ فقال: ائذن لي يا رسول الله أن تضرب أعناقهم، وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال: كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شرقي المسجد وما علمت.
فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت: تعس مسطح فقلت: أي أم تسبين ابنك؟
فسكتت ثم عثرت الثانية فقالت: تعس مسطح فقلت لها: أي أم تسبين ابنك؟
ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فانتهرتها فقالت: والله لم أسبه إلا فيك فقلت: في أي شأني؟!
فقرأت لي الحديث.
فقلت وقد كان هذا!
قالت: نعم.
والله..
فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووعكت فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ.
فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟
فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني.
فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه- والله- لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدتها وقيل فيها.
قلت: وقد علم به أبي؟
قالت: نعم.
قلت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت: نعم.
فاستعبرت، وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق بيت يقرأ، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟
قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه فقال: أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت.
ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمي فقالت: لا والله ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة، فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لهابه فقالت- سبحان الله- ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، فبلغ إلى ذلك الرجل الذي قيل له فقال- سبحان الله- والله ما كشفت كنف أنثى قط قالت: فقتل شهيداً في سبيل الله قالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد يا عائشة ان كنت قارفت سوءاً، أو ظلمت، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده» .
قالت: وقد جاءت إمرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئاً، فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت: أجبه قال: ماذا أقول؟
فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه قالت: أقول ماذا؟
فلما لم يجيباه تشهدت، فحمدت الله وأثنيت عليه، ثم قلت: أما بعد- فوالله- لئن قلت لكم أني لم أفعل- والله يشهد أني لصادقة- ما ذاك بنافعي عندكم، وقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم.
وإن قلت: إني فعلت- والله يعلم أني لم أفعل- لتقولن قد باءت به على نفسها وأني- والله- لا أجد لي ولكم مثلاً.
والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال: ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ﴾ [ يوسف: 18] .
وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته فسكتنا، فرفع عنه.
وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: «ابشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك» قالت: وقد كنت أشد مما كنت غضباً فقال لي أبواي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي.
لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيراً، وأما أختها حمنة، فهلكت فيمن هلك، وكان الذي تكلم فيها مسطح، وحسان بن ثابت، والمنافق عبدالله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي كان تولى كبره منهم، هو وحمنة قالت: فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً، فأنزل الله ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم ﴾ [ النور: 22] ..
إلى آخر الآية.
يعني أبا بكر.
﴿ والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ﴾ يعني مسطحاً.
إلى قوله: ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ﴾ قال أبو بكر: بلى والله إنا نحب أن يغفر الله لنا، وعاد له كما كان يصنع.
وأخرج أحمد والبخاري وسعيد بن منصور وابن منذر وابن مردويه عن أم رومان قالت: بينا أنا عند عائشة، إذا دخلت عليها امرأة فقالت: فعل الله بابنها وفعل فقالت عائشة: ولم؟
قالت: إنه كان فيمن حدث الحديث قالت عائشة: وأي حديث؟
قالت: كذا وكذا قلت: وقد بلغ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت: نعم..
قلت: وأبا بكر؟
قالت: نعم..
فخرت عائشة مغشياً عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فقمت فزبرتها، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأن هذه؟
قلت: يا رسول الله أخذتها حمى بنافض قال: فلعله من حديث تحدث به.
قالت واستوت عائشة قاعدة فقالت: والله لئن حلفت لا تصدقوني.
ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلى ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه، ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم معه أبو بكر فدخل فقال: يا عائشة إن الله قد أنزل عذرك فقالت: بحمد الله لا بحمدك فقال لها أبو بكر: أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قالت نعم..
قالت: وكان فيمن حدث الحديث رجل كان يعوله أبو بكر، فحلف أبو بكر أن لا يصلح، فأنزل الله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة..
﴾ إلى آخر الآية قال أبو بكر: بلى..
فوصله.
وأخرج البزار وابن مردويه بسند حسن عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق، فلما كان في جوف الليل انطلقت عائشة لحاجة فانحلت قلادتها، فذهبت في طلبها، وكان مسطح يتيماً لأبي بكر وفي عياله، فلما رجعت عائشة لم تَرَ العسكر، وكان صفوان بن المعطل السلمي يتخلف عن الناس، فيصيب القدح والجراب والاداوة فيحمله، فنظر فإذا عائشة، فغطى وجهه عنها ثم أدنى بعيره منها، فانتهى إلى العسكر فقالوا قولاً؛ وقالوا فيه قال: ثم ذكر الحديث حتى انتهى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء، فيقوم على الباب فيقول: «كيف تيكم؟» حتى جاء يوماً فقال: ابشري يا عائشة قد أنزل الله عذرك فقالت: بحمد الله لا بحمدك وأنزل في ذلك عشر آيات ﴿ إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم ﴾ فحد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطحاً، وحمنة، وحسان.
وأخرج ابن مردويه بسنده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر جاء ببعض نسائه.
وسافر بعائشة وكان لها هودج، وكان الهودج له رجال يحملونه.
ويضعونه، فعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وخرجت عائشة للحاجة فباعدت، فلم يعلم بها، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والناس قد ارتحلوا، وجاء الذين يحملون الهودج، فحملوه فلم يعلموا إلا أنها فيه، فساروا، وأقبلت عائشة فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم والناس قد ارتحلوا، فجلست مكانها، فاستيقظ رجل من الأنصار يقال له صفوان بن المعطل، وكان لا يقرب النساء، فتقرب منها ومعه بعير له، فلما رآها وكان قد عرفها وهي صغيرة قال: أم المؤمنين!
ولوى وجهه، وحملها ثم أخذ بخطام الجمل، وأقبل يقوده حتى لحق الناس.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد نزل وفقد عائشة، فأكثروا القول وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فشق عليه حتى اعتزلها، واستشار فيها زيد بن ثابت وغيره فقال: يا رسول الله دعها لعل الله أن يحدث أمره فيها فقال علي بن أبي طالب: النساء كثير.
وخرجت عائشة ليلة تمشي في نساء فعثرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح قالت عائشة: بئس ما قلت فقالت: إنك لا تدري ما يقول فأخبريها.
فسقطت عائشة مغشياً عليها، ثم أنزل الله: ﴿ إن الذين جاءُوا بالإِفك..
﴾ الآيات.
وكان أبو بكر يعطي مسطحاً ويصله ويبره، فحلف أبو بكر لا يعطيه، فنزل ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم...
﴾ فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيها ويبشرها، فجاء أبو بكر فأخبرها بعذرها، وما أنزل الله فيها فقالت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسنده عن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ثلاثاً، فمن أصابته القرعة خرج بها معه، فلما غزا بني المصطلق، أقرع بينهن، فأصابت عائشة، وأم سلمة، فخرج بهما معه، فلما كانوا في بعض الطريق، مال رحل أم سلمة، فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة، فلما أبركوا إبلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي.
قالت فنزلت من الهودج ولم يعلموا بنزولي.
فأتيت خربة، فانقطعت قلادتي، فاحتبست في جمعها ونظامها، وبعث القوم إبلهم ومضوا وظنوا أني في الهودج، فخرجت ولم أر أحداً، فاتبعتهم حتى أعييت.
فقلت في نفسي: إن القوم سيفقدوني ويرجعون في طلبي، فقمت على بعض الطريق، فمر بي صفوان بن المعطل وكان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله على الساقة فجعله.
وكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم، فما سقط منهم من شيء حمله حتى يأتي به أصحابه قالت عائشة: فلما مر بي ظن أني رجل فقال: يا نومان قم فإن الناس قد مضوا فقلت: إني لست رجلاً، أنا عائشة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم أناخ بعيره، فعقل يديه، ثم ولى عني، فقال يا أمه: قومي فاركبي، فإذا ركبت فآذنيني قالت: فركبتُ، فجاء حتى خلَّ العقال ثم بعث جمله فأخذ بخطام الجمل قال عمر: فما كلمها كلاماً حتى أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عبدالله بن أبي ابن سلول للناس: فجربها ورب الكعبة.
وأعانه على ذلك حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة، وشاع ذلك في العسكر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في قلب النبي صلى الله عليه وسلم مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة، وأشاع عبدالله بن أبي هذا الحديث في المدينة، واشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت عائشة: فدخلت ذات يوم أم مسطح، فرأتني وأنا أريد المذهب، فحملت معي السطل وفيه ماء، فوقع السطل منها فقالت: تعس مسطح قالت لها عائشة- سبحان الله- تسبين رجلاً من أهل بدر وهو ابنك؟
قالت لها أم مسطح: أنه سال بك السيل وأنت لا تدرين وأخبرتها بالخبر.
قالت: فلما أخبرتني أخذتني الحمى بنافض مما كان، ولم أجد المذهب.
قالت عائشة: وقد كنت أرى من النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك جفوة، ولم أدر من أي شيء هو، فلما حدثتني أم مسطح علمت أن جفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذاك، فلما دخل عليَّ قلت: تأذن لي أن أذهب إلى أهلي؟
قال: اذهبي، فخرجت عائشة حتى أتت أباها فقال لها: ما لك؟
قلت: اخرجني رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته قال لها أبو بكر: فأخرجك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته وآويك أنا، والله لا آويك حتى يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤويها فقال لها أبو بكر: والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط فكيف وقد أعزنا الله بالإِسلام؟
فبكت عائشة، وأمها أم رومان، وأبو بكر، وعبد الرحمن، وبكى معهم أهل الدار.
وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه فقال: «أيها الناس من يعذرني ممن يؤذيني» ؟
فقام إليه سعد بن معاذ، فسل سيفه وقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه؟
إن يكن من الأوس أتيتك برأسه، وإن يكن من الخزرج أمرتنا بأمرك فيه، فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت والله ما تقدر على قتله، إنما طبتنا بذحول كانت بيننا وبينكم في الجاهلية فقال هذا: يال الأوس وقال هذا: يال الخزرج.
فاضطربوا بالنعال والحجارة فتلاطموا، فقام أسيد بن حضير فقال: فيم الكلام؟
هذا رسول الله يأمرنا بأمره فنفعله عن رغم أنف من رغم.
ونزل جبريل وهو على المنبر، فلما سري عنه، تلا عليهم ما نزل به جبريل ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا..
﴾ [ الحجرات: 9] إلى آخر الآيات فصاح الناس: رضينا بما أنزل الله وقام بعضهم إلى بعض، وتلازموا، وتصايحوا، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم عن المنبر.
وأبطأ الوحي في عائشة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وبريرة، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يعد علياً، وأسامة بن زيد، بعد موت أبيه زيد فقال لعلي: «ما تقول في عائشة فقد أهمني ما قال الناس» ؟
قال: يا رسول الله قد قال الناس، وقد حل لك طلاقها، وقال لأسامة: «ما تقول أنت» ؟
قال- سبحان الله- ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.
فقال لبريرة: «ما تقولين يا بريرة» ؟
قالت والله يا رسول الله ما علمت على أهلك إلا خيراً، إلا أنها امرأة نؤم تنام حتى تجيء الداجن، فتأكل عجينها وإن كان شيء من هذا ليخبرنك الله.
فخرج صلى الله عليه وسلم حتى أتى منزل أبي بكر، فدخل عليها فقال: «يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله لك» فقالت: والله لا أستغفر الله منه أبداً.
إن كنت قد فعلته فلا غفر الله لي، وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف، اذهب اسم يعقوب من الأسف قال: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ [ يوسف: 86] .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمها إذ نزل جبريل بالوحي، فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم نعسة، فسري وهو يبتسم فقال: «يا عائشة إن الله قد أنزل عذرك» فقالت: بحمد الله لا بحمدك.
فتلا عليها سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إلى عذرها وبراءتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قومي إلى البيت فقامت» .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح، فجمع الناس، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة، وبعث إلى عبدالله بن أبي، فجيء به، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم حدين، وبعث إلى حسان، ومسطح، وحمنة، فضربوا ضرباً وجيعاً ووجيء في رقابهم قال ابن عمر: إنما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي حدين لأنه من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعليه حدان.
فبعث أبو بكر إلى مسطح لا وصلتك بدرهم أبداً، ولا عطفت عليك بخير أبداً، ثم طرده أبو بكر وأخرجه من منزله.
ونزل القرآن ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم ﴾ إلى آخر الآية.
فقال أبو بكر: أما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لأضاعفن لك.
وكانت امرأة عبدالله بن أبيّ منافقَةً معه، فنزل القرآن ﴿ الخبيثات ﴾ يعني امرأة عبدالله ﴿ للخبيثين ﴾ يعني عبدالله ﴿ والخبيثون للخبيثات ﴾ عبدالله وامرأته ﴿ والطيبات ﴾ يعني عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ للطيبين ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي اليسر الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: يا عائشة قد أنزل الله عذرك قالت: بحمد الله لا بحمدك.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند عائشة، فبعث إلى عبدالله بن أبي، فضربه حدين، وبعث إلى مسطح، وحمنة، فضربهم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس ﴿ إن الذين جاءُوا بالإِفك عصبة منكم ﴾ يريد أن الذين جاءوا بالكذب على عائشة أم المؤمنين أربعة منكم ﴿ لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم ﴾ يريد خيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبراءة لسيدة نساء المؤمنين، وخير لأبي بكر، وأم عائشة، وصفوان بن المعطل ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإِثم والذي تولى كبره منهم ﴾ يريد إشاعته منهم يريد عبدالله بن أبي بن سلول ﴿ له عذاب عظيم ﴾ يريد في الدنيا جلده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الآخرة مصيره إلى النار ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين ﴾ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار فيها بريرة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: خير وقالوا: هذا كذب عظيم ﴿ لولا جاءُوا عليه بأربعة شهداء ﴾ لكانوا هم والذين شهدوا كاذبين ﴿ فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ﴾ يريد الكذب بعينه ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ يريد ولولا ما من الله به عليكم وستركم ﴿ هذا بهتان عظيم ﴾ يريد البهتان الافتراء مثل قوله في مريم بهتاناً عظيماً ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله ﴾ يريد مسطحاً، وحمنة، وحسان ﴿ ويبين الله لكم الآيات ﴾ التي أنزلها في عائشة والبراءة لها ﴿ والله عليم ﴾ بما في قلوبكم من الندامة فيما خضتم به ﴿ حكيم ﴾ في القذف ثمانين جلدة ﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ﴾ يريد بعد هذا ﴿ في الذين آمنوا ﴾ يريد المحصنين والمحصنات من المصدقين ﴿ لهم عذاب أليم ﴾ وجيع في الدنيا يريد الحد، وفي الآخرة العذاب في النار ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ ما دخلتم فيه وما فيه من شدة العذاب وأنتم لا تعلمون شدة سخط الله على من فعل هذا.
﴿ ولولا فضل الله عليكم ﴾ يريد لولا ما تفضل الله به عليكم ﴿ ورحمته ﴾ يريد مسطحاً، وحمنة، وحسان ﴿ وإن الله رؤوف رحيم ﴾ يريد من الرحمة رؤوف بكم حيث ندمتم ورجعتم إلى الحق ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ يريد صدقوا بتوحيد الله ﴿ لا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ يريد الزلات ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ﴾ يريد بالفحشاء عصيان الله، والمنكر كل ما يكره الله تعالى ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ يريد ما تفضل الله به عليكم ورحمكم ﴿ ما زكى منكم من أحد أبداً ﴾ يريد ما قبل توبة أحد منكم أبداً ﴿ ولكن الله يزكي من يشاء ﴾ فقد شئت أن يتوب عليكم ﴿ والله سميع عليم ﴾ يريد سميع لقولكم عليم بما في أنفسكم من الندامة.
﴿ ولا يأتل ﴾ يريد ولا يحلف ﴿ أولوا الفضل منكم والسعة ﴾ يريد ولا يحلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح ﴿ أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ﴾ فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله، فسخطت يا أبا بكر على مسطح فله قرابة، وله هجرة، ومسكنة، ومشاهد رضيتها منه يوم بدر ﴿ ألا تحبون ﴾ يا أبا بكر ﴿ أن يغفر الله لكم ﴾ يريد فاغفر لمسطح ﴿ والله غفور رحيم ﴾ يريد فإني غفور لمن أخطأ، رحيم بأوليائي.
﴿ إن الذين يرمون المحصنات ﴾ يريد العفائف ﴿ الغافلات المؤمنات ﴾ يريد المصدقات بتوحيد الله وبرسله وقد قال حسان بن ثابت في عائشة: حصان رزان ما تزن بريبة ** وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت عائشة: لكنك لست كذلك ﴿ لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ﴾ يقول أخرجهم من الإِيمان مثل قوله في سورة الأحزاب للمنافقين ﴿ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتِّلوا تقتيلاً ﴾ [ الأحزاب: 61] .
﴿ والذي تولى كبره ﴾ يريد كبر القذف وإشاعته عبدالله بن أبي الملعون ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴾ يريد أن الله ختم على ألسنتهم فشهدت الجوارح، وتكلمت على أهلها بذلك، وذلك أنهم قالوا تعالوا نحلف بالله ما كنا مشركين، فختم الله على ألسنتهم، فتكلمت الجوارح بما عملوا، ثم شهدت ألسنتهم عليهم بعد ذلك.
﴿ يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ﴾ يريد يجازيهم بأعمالهم بالحق، كما يجازي أولياءه بالثواب، كذلك يجازي أعداءه بالعقاب، كقوله في الحمد ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يريد يوم الجزاء ﴿ ويعلمون ﴾ يريد يوم القيامة ﴿ أن الله هو الحق المبين ﴾ وذلك أن عبدالله بن أبي كان يشك في الدنيا، وكان رأس المنافقين فذلك قوله: ﴿ يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ﴾ ويعلم ابن سلول ﴿ إن الله هو الحق المبين ﴾ يريد انقطع الشك واستيقن حيث لا ينفعه اليقين.
﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ يريد أمثال عبدالله بن أبي، ومن شك في الله ويقذف مثل سيدة نساء العالمين ﴿ والطيبات للطيبين ﴾ عائشة طيبها الله لرسوله.
أتى بها جبريل في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له: عائشة بنت أبي بكر زوجتك في الدنيا، وزوجتك في الجنة عوضاً من خديجة، وذلك عند موتها بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقر بها عيناه.
﴿ والطيبون للطيبات ﴾ يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبه الله لنفسه، وجعله سيد ولد آدم ﴿ والطيبات ﴾ يريد عائشة ﴿ أولئك مبرأون مما يقولون ﴾ يريد برأها الله من كذب عبدالله بن أبي ﴿ لهم مغفرة ﴾ يريد عصمة في الدنيا ﴿ ومغفرة ﴾ في الآخرة ﴿ ورزق كريم ﴾ يريد الجنة وثواب عظيم.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير ﴿ إن الذين جاءوا بالإِفك ﴾ الكذب ﴿ عصبة منكم ﴾ يعني عبدالله بن أبي المنافق، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ يقول لعائشة وصفوان: لا تحسبوا الذي قيل لكم من الكذب ﴿ شراً لكم بل هو خير لكم ﴾ لأنكم تؤجرون على ذلك ﴿ لكل امرئ منهم ﴾ يعني ممن خاض في أمر عائشة ﴿ ما اكتسب من الإِثم ﴾ على قدر ما خاض فيه من أمرها ﴿ والذي تولى كبره ﴾ يعني خطه منهم يعني القذفة وهو ابن أبي رأس المنافقين، وهو الذي قال: ما برئت منه، وما برئ منها ﴿ له عذاب عظيم ﴾ وفي هذه الآية عبرة عظيمة لجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة فمن أعان عليها بفعل، أو كلام، أو عرض لها، أو أعجبه ذلك، أو رضي، فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منه، وإذا كان خطيئة بين المسلمين فمن شهد وكره فهو مثل الغائب، ومن غاب ورضي فهو مثل شاهد.
﴿ لولا إذ سمعتموه ﴾ قذف عائشة وصفوان ﴿ ظن المؤمنون والمؤمنات ﴾ لأن منهم حمنة بنت جحش هلا كذبتم به ﴿ بأنفسهم خيراً ﴾ هلا ظن بعضهم ببعض خيراً أنهم لم يزنوا ﴿ وقالوا هذا إِِفك مبين ﴾ الا قالوا هذا القذف كذب بين ﴿ لولا جاءوا عليه ﴾ يعني على القذف ﴿ بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ﴾ يعني الذين قذفوا عائشة ﴿ عند الله هم الكاذبون ﴾ في قولهم ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة ﴾ من تأخير العقوبة ﴿ لمسكم فيما أفضتم فيه ﴾ يعني فيما قلتم من القذف ﴿ عذاب عظيم، إذ تلقونه بألسنتكم ﴾ وذلك حين خاضوا في أمر عائشة فقال بعضهم: سمعت فلاناً يقول كذا وكذا وقال بعضهم: بل كان كذا وكذا فقال: ﴿ تلقونه بألسنتكم ﴾ يقول: يرويه بعضكم عن بعض ﴿ وتقولون بأفواهكم ﴾ يعني بألسنتكم من قذفها ﴿ ما ليس لكم به علم ﴾ يعني من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف حق ﴿ وتحسبونه هيناً ﴾ تحسبون أن القذف ذنب هين ﴿ وهو عند الله عظيم ﴾ يعني من الزور ﴿ لولا إذ سمعتموه ﴾ يعني القذف ﴿ قلتم ما يكون ﴾ يعني ألا قلتم ما يكون ﴿ ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا ﴾ ولم تره أعيننا ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ يعني ألا قلتم هذا كذب عظيم مثل ما قال سعد بن معاذ الأنصاري: وذلك أن سعداً لما سمع قول من قال في أمر عائشة قال: ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ والبهتان الذي يبهت فيقول ما لم يكن.
﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً ﴾ يعني القذف ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني مصدقين ﴿ ويبين الله لكم الآيات ﴾ يعني ما ذكر من المواعظ ﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ﴾ تفشوا ويظهر الزنا ﴿ لهم عذاب أليم في الدنيا ﴾ بالحد ﴿ وفي الآخرة عذاب النار ﴾ .
﴿ ولولا فضل الله ﴾ لعاقبكم بما قلتم لعائشة ﴿ وإن الله رؤوف رحيم ﴾ حين عفا عنكم فلم يعاقبكم ﴿ ومن يتبع خطوات الشيطان ﴾ يعني تزيينه ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء ﴾ يعني بالمعاصي ﴿ والمنكر ﴾ ما لا يعرف مثل ما قيل لعائشة ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ يعني نعمته ﴿ ما زكا ﴾ ما صلح ﴿ ولكن الله يزكي ﴾ يصلح ﴿ من يشاء ﴾ .
فلما أنزل الله عذر عائشة، وبرأها، وكذب الذين قذفوها، حلف أبو بكر أن لا يصل مسطح بن أثاثة بشيء أبداً، لأنه كان فيمن ادعى على عائشة من القذف، وكان مسطح من المهاجرين الأولين، وكان ابن خالة أبي بكر، وكان يتيماً في حجره فقيراً، فلما حلف أبو بكر أن لا يصله نزلت في أبي بكر ﴿ ولا يأتل ﴾ أي ولا يحلف ﴿ أولوا الفضل منكم ﴾ يعني في الغنى أبا بكر الصديق ﴿ والسعة ﴾ يعني في الرزق ﴿ أن يؤتوا أولي القربى ﴾ يعني مسطح بن أثاثة قرابة أبي بكر وابن خالته ﴿ والمساكين ﴾ يعني أن مسطحاً كان فقيراً ﴿ والمهاجرين في سبيل الله ﴾ يعني أن مسطحاً كان من المهاجرين ﴿ وليعفوا وليصفحوا ﴾ يعني ليتجاوزوا عن مسطح ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أما تحب أن يغفر الله لك قال: بلى يا رسول الله قال: فاعف واصفح فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت لا أمنعه معروفاً بعد اليوم.
﴿ إن الذين يرمون المحصنات ﴾ يعني يقذفون بالزنا الحافظات لفروجهن العفائف ﴿ الغافلات ﴾ يعني عن الفواحش يعني عائشة ﴿ المؤمنات ﴾ يعني الصادقات ﴿ لعنوا ﴾ يعني جلدوا ﴿ في الدنيا والآخرة ﴾ يعذبون بالنار يعني عبدالله بن أبي لأنه منافق له عذاب عظيم.
﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم ﴾ يعني من قذف عائشة يوم القيامة ﴿ يومئذ ﴾ يعني في الآخرة ﴿ يوفيهم الله دينهم الحق ﴾ حسابهم العدل لا يظلمهم ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين ﴾ يعني العدل المبين ﴿ الخبيثات ﴾ يعني السيء من الكلام قذف عائشة ﴿ للخبيثين ﴾ من الرجال والنساء يعني الذين قذفوها ﴿ والخبيثون ﴾ يعني من الرجال والنساء ﴿ للخبيثات ﴾ يعني السيء من الكلام لأنه يليق بهم الكلام السيء ﴿ والطيبات ﴾ يعني الحسن من الكلام ﴿ للطيبين ﴾ من الرجال والنساء يعني الذين ظنوا بالمؤمنين والمؤمنات خيراً ﴿ والطيبون ﴾ من الرجال والنساء ﴿ للطيبات ﴾ للحسن من الكلام لأنه يليق بهم الكلام الحسن ﴿ أولئك ﴾ يعني الطيبين من الرجال والنساء ﴿ مبرأون مما يقولون ﴾ هم براء من الكلام السيء ﴿ لهم مغفرة ﴾ يعني لذنوبهم ﴿ ورزق كريم ﴾ يعني حسنا في الجنة فلما أنزل الله عذر عائشة ضمها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه وهي من أزواجه في الجنة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أنزل الله عذري وكادت الأمة تهلك في سببي، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج الملك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «اذهب إلى ابنتك، فاخبرها أن الله قد أنزل عذرها من السماء» قالت: فأتاني أبي وهو يعدو يكاد أن يعثر فقال: ابشري يا بنية بأبي وأمي، فإن الله قد أنزل عذرك قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك الذي أرسلك، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتناول ذراعي فقال بيده هكذا، فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني بها، فمنعته أمي، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقسمت لا تفعل.
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما كنت أرجو أن ينزل فيّ كتاب الله، ولا أطمع فيه، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فيذهب ما في نفسه وقد سأل الجارية الحبشية فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، ولكنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، والله لئن كان ما يقول الناس حقاً ليخبرنك الله.
فعجب الناس من فقهها.
وأخرج الطبراني عن الحكم ابن عتيبة قال: «لما خاض الناس في أمر عائشة، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة فقال: يا عائشة ما يقول الناس؟
فقالت: لا أعتذر من شيء قالوه حتى ينزل عذري من السماء.
فأنزل الله فيها خمس عشرة آية من سورة النور، ثم قرأ حتى بلغ ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: نزلت ثمان عشرة آية متواليات بتكذيب من قذف عائشة وببراءتها.
وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة قالت: لما رميت بما رميت به، هممت أن آتي قليباً فاطرح نفسي فيه.
وأخرج البزار بسند صحيح عن عائشة: أنه لما نزل عذرها قبَّل أبو بكر رأسها فقالت: الا عذرتني؟
فقال: أي أسماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم.
وأخرج أحمد عن عائشة قالت: لما نزل عذري من السماء، جاءني النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرني بذلك، فقلت: بحمد الله لا بحمدك.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: لما نزل عذري، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل.
.
أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدين.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي وقالت عائشة: وأنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطل فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت حين ركبتيها؟
قالت: قلت حسبي الله ونعم الوكيل قالت: قلتِ كلمة المؤمنين.
وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن عباس: أنه دخل على عائشة قبل موتها وهي مغلوبة فقال: كيف تجدينك؟
قالت: بخير إن اتقيت قال: فأنت بخير.
زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكح بكراً غيرك، ونزل عذرك من السماء.
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: خلال فيَّ تسع لم تكن لأحد إلا ما آتى الله مريم، جاء الملك بصورتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوجني وأنا ابنة سبع سنين، وأهديت إليه وأنا ابنة تسع، وتزوّجني بكراً، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه، ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك إلا انا.
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: فضلت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعشر.
قيل ما هن يا أم المؤمنين؟
قالت: لم ينكح بكراً قط غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وجاءه جبريل بصورتي من السماء في حريرة وقال تزوّجها فإنها امرأتك، وكنت أغتسل أنا وهو من اناء واحد ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي ولم يكن ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري، ومات في الليلة التي كان يدور عليَّ فيها، ودُفِنَ في بيتي.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن مجاهد في قوله: ﴿ إن الذين جاءُوا بالإفك عصبة منكم ﴾ قال: أصحاب عائشة عبد الله بن أبي ابن سلول، ومسطح، وحسان.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الذين افتروا على عائشة حسان، ومسطح، وحمنة بنت جحش، وعبد الله بن أبي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة: أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن الذين جاءوا بالإِفك، فكتب إليه أنه لم يسم منهم إلا حسان، ومسطح، وحمنة بنت جحش، في آخرين لا علم لي بهم.
وأخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي.
فقلت: لا.
حدثني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمع عائشة تقول: الذي تولى كبره عبد الله بن أبي قال: فقال لي فما كان جرمه؟
قلت: حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئاً في أمري.
وقال يعقوب بن شبة في مسنده: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا الشافعي، ثنا عمي قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له: يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟
قال: عبد الله بن أبي قال: كذبت وهو علي.
قال أمير المؤمنين أعلم بما يقول فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟
فقال له: ابن أبي قال: كذبت.
هو عليّ قال: أنا أكذب- لا أبا لك- لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت.
حدثني عروة، وسعيد، وعبيد الله، وعلقمة، عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن مسروق قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة رضي الله عنها فشبب وقال: حصان رزان ما تزن بريبة ** وتصبح غرثي من لحوم الغوافل قالت: لكنك لست كذلك قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله: ﴿ والذي تولى كبره منهم لهم عذاب عظيم ﴾ قالت: وأي عذاب أشد من العمى؟!
ولفظ ابن مردويه أو ليس في عذاب قد كف بصره؟
وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة.
قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هشام: هجوت محمداً وأجبت عنه ** وعند الله في ذاك الجزاء فان أبي ووالده وعرضي ** لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفء ** فشركما لخير كما الفداء لساني صارم لا عيب فيه ** وبحري لا تكدره الدلاء فقيل: يا أم المؤمنين أليس هذا لغو؟
قالت: لا إنما اللغو ما قيل عند النساء قيل: أليس الله يقول ﴿ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾ ؟
قالت: أليس قد أصابه عذاب أليم؟
أليس قد أصيب بصره، وكسع بالسيف، وتعني الضربة التي ضربها إياه صفوان بن المعطل حين بلغه عنه أنه تكلم في ذلك فعلاه بالسيف وكاد يقتله؟؟
وأخرج محمد بن سعد عن محمد بن سيرين؛ أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابت، وتدعو له بالوسادة وتقول: لا تؤذوا حسان فإنه كان ينصر رسول الله بلسانه وقال الله: ﴿ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾ وقد عمي، والله قادر أن يجعل ذلك العذاب العظيم عماه.
وأخرج ابن جرير وابن ابي حاتم عن الضحاك ﴿ والذي تولى كبره منهم ﴾ يقول: الذي بدأ بذلك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد ﴿ والذي تولى كبره ﴾ قال: عبد الله بن أبي ابن سلول يذيعه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن الذي تولى كبره رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما من قريش، والآخر من الأنصار؛ عبد الله بن أبي ابن سلول ولم يكن شرٌ قطُّ إلا وله قادة ورؤساء في شرهم.
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين؛ أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابت، وتلقي له الوسادة وتقول: لا تقولوا لحسان إلا خيراً، فإنه كان يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله: ﴿ والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ﴾ وقد عمي، والعمى عذاب عظيم، والله قادر على أن يجعله ذلك، ويغفر لحسان، ويدخله الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عم مسروق قال في قراءة عبد الله ﴿ والذي تولى كبره منهم له عذاب أليم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) ا-.
قال المبرد: الإفك أسوأ الكذب وأقبحه.
وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه (٣) ومعنى القلب في هذا الحديث أن عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف السبب والنسب لا الرمي والقذف، فالذين رموها بالسوء قد (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ أي: جماعة منكم أيها المؤمنون.
والذين ذكروا منهم مسمَّى في الآثار (٨) (٩) (١٠) ذكرت عائشة ا هؤلاء (١١) فقال ابن عباس: أربعة منكم (١٢) (١٣) وقوله: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ﴾ لا تحسبوا الإفك شرًا لكم.
قال مقاتل: لأنكم تؤجرون على ما قيل لكم من الأذى (١٤) ﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ لأن الله يأجركم ويُظهر (١٥) والمخاطب بقوله (١٦) (١٧) (١٨) وقال أبو إسحاق: قوله (لَّكُمْ) يعني هي وصفوان ومن بسببها (١٩) - وأبي بكر (٢٠) ويكون الخطاب لكل من رُمي بسبب، وذلك أن من سبّ عائشة فقد سبَّ النبي - - وسب أبا بكر.
وهذا هو قول ابن عباس في رواية عطاء فقال: يريد خيرٌ لرسول الله، وبراءة لسيدة النساء أم المؤمنين، وخير لأبي بكر الصديق - - وأم عائشة (٢١) (٢٢) وقوله ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ﴾ يعني من العصبة الكاذبة ﴿ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ﴾ جزاء ما اجترح من الذنب (٢٣) قال مقاتل: على قدر ما خاض فيه من أمر عائشة وصفوان (٢٤) وقوله ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ﴾ قال الفراء (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) قال الأزهري: قاس (٢٩) (٣٠) تنام عن كبر شأنها فإذا ...
قامت رويدًا تكادُ تنغرف (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) ونحو هذا قال أبو عمرو بن العلاء، وخطَّأ من (ضمَّ) الكاف (٣٦) وقال الكسائي: الذي سمعناه بكسر الكاف، وأظن الضَّم لغة (٣٧) وقال أبو عبيدة: الكِبْر -بالكسر-: مصدر الكبير، وكبره معظمه.
وبالضم مصدر الكبير في السن، فرقوا بينهما فقالوا: كبر قومه بالضم.
وجعلها قوم بالضَّم (٣٨) وقال الليث: الكِبْر: الإثم الكبير، وكبر كل شيء عظمه (٣٩) فمن قرأ (كبره) قال: إثمه وخطاه، ومن قرأ بالضم قال: عظم هذا القذف (٤٠) واختار الزَّجَّاج هذا القول وحكاه (٤١) ﴿ تَوَلَّى كِبْرَهُ ﴾ استبد بمعظمه وانفرد به.
قال الضحاك: قام بإشاعة الحديث وإذاعته (٤٢) (٤٣) (٤٤) والذي تولى كبره مختلف فيه: فقال عطاء، عن ابن عباس: هو عبد الله بن أبي (٤٥) وهو قول مجاهد (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) وقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ يعني من العصبة الكاذبة.
﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا الجلد.
جلده رسول الله - - ثمانين جلدة وفي الآخرة يُصيره الله إلى النار (٥١) وقال قوم الذي تولى كبره هو (٥٢) (٥٣) روي عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسان بن ثابت فألقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليكم وقد قال ما قال وأنزل الله -عز وجل- فيه ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ !
فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟
ولعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره.
وقالت: إنّه كان يدفع عن رسول الله - - (٥٤) والقول هو الأول؛ لما روي عن الشَّعبي: أنه قيل لعائشة: إن حسان بن ثابت هو الذي تولى كبره؟.
فقالت (٥٥) (٥٦) - يقول (٥٧) (٥٨) (١) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 130 من طريق عبد الغني بن سعيد الثقفي، عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
وقد تقدم في المقدمة بيان بطلان هذا الطريق وذكرنا هناك كلام ابن حبان وابن حجر.
(٢) انظر: "الطبري" 18/ 86 - 87، الثعلبي 3/ 73 ب.
(٣) ذكر هذا المعني الزمخشري 3/ 52، والبغوي 6/ 22 من غير نسبة لأحد.
قال ابن فارس في "مقاييس اللغة" 1/ 118 (أفك): الهمزة والفاء والكاف أصل واحد يدل على قلب الشيء وصرفه عن جهته، وأفك الرجل إذا كذب، والإفك: الكذب، وأفكت الرجل عن الشيء، إذا صرفته عنه.
اهـ.
وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 396 - 397 (أفك)، و"الصحاح" للجوهري 4/ 1572 - 1573 (أفك).
(٤) في جميع النسخ: (فقد).
(٥) ذكر البغوي 6/ 22 هذا المعنى ولم ينسبه لأحد.
(٦) في جميع النسخ: (هو)، والتصويب من "الوسيط" للواحدي.
(٧) من قوله: (والعرب إلى هنا)، ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 396 "أفك" من رواية أبي عبيد عن الكسائي مع تقدم وتأخير.
(٨) انظر في ذلك: الطبري 18/ 86 - 87، ابن أبي حاتم 7/ 22 أ - ب "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 156 - 157.
(٩) هو: مسطح بن أثاثة بن عبَّاد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، المطلبي، المهاجري، البدري.
كان اسمه عوفًا وأما مسطح فهو لقبه.
شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - -.
توفي سنة 34 هـ وهو ابن ست وخمسين سنة.
"طبقات ابن سعد" 3/ 53، "الاستيعاب" 4/ 1472، "أسد الغابة" 4/ 354، "سير أعلام النبلاء" 1/ 187، "الإصابة" 3/ 388.
(١٠) هي: حمنة بنت جحش بن رياب الأسدية، أخت أم المؤمنين زينب، أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله - -.
كانت من المبايعات وشهدت أحدًا فكانت تسقي العطشى وتحمل الجرحى وتداويهم.
وقتل عنها يوم أحد زوجها مصعب بن عمير، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له أولادًا منهم محمد بن طلحة المعروف بالسَّجَّاد.
"طبقات ابن سعد" 8/ 241، "الاستيعاب" 4/ 1813، "أسد الغابة" 5/ 428، "الإصابة" 4/ 266.
(١١) ذكرتهم عائشة في الحديث الذي رواه عنها البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير - باب: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ الآية، 8/ 452 - 453، ومسلم في "صحيحه" كتاب: التوبة - باب: في حديث الإفك 4/ 2129 - 2138 وغيرهما.
(١٢) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 130 من رواية عطاء.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 وعزاه للطبراني.
وروى الطبري 18/ 86 من طريق ابن جريج عن ابن عباس ذكر هؤلاء الأربعة بأسمائهم وفيه انقطاع.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 157 ونسبه أيضًا لابن المنذر.
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 35 ب ووقع فيه: وجميلة بنت جحش.
وهو تصحيف.
(١٤) "تفسير مقاتل" 2/ 35 ب.
(١٥) في (أ): (وتظهر).
(١٦) في (أ): (لقول له).
(١٧) هو: صفوان بن المعطل السلمي، الذكواني، أبو عمرو.
أول مشاهده المريسيع، وكان في الساقة يومئذ، وكان من سادات المسلمين، قتل - - شهيدًا في غزو الروم سنة 60 هـ.
انظر: "الاستيعاب" 2/ 725،"أسد الغابة" 3/ 26، "سير أعلام النبلاء" 1/ 545، "البداية والنهاية" 8/ 146، "الإصابة" 2/ 184.
(١٨) ذكره الثعلبي 3/ 73 ب.
ورواه ابن أبي حاتم 7/ 22 أعن سعيد بن جبير.
وذكره الماوردي 4/ 79 وعزاه ليحيى بن سلام، وذكره ابن الجوزي 6/ 18 وعزاه للمفسرين.
(١٩) في (أ): (إلى)، والمثبت من باقي النسخ والزَّجاج.
(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 34.
وليس فيه ذكر صفوان.
(٢١) هي: أم رُومان بنت عامر بن عويمر الكنانية.
واختلف في اسمها، فقيل: زينب، وقيل: دَعْد.
أسلمت أم رومان قديمًا وبايعت وهاجرت إلى المدينة.
وهي أم عبد الرحمن وعائشة.
وكانت امرأة صالحة.
توفيت في عهد النبي - - سنة ست من الهجرة، وقيل بعد ذلك.
"طبقات ابن سعد" 8/ 276، "الاستيعاب" 4/ 1935، "أسد الغابة" 5/ 483، "الإصابة" 4/ 432.
(٢٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" 23/ 130 من رواية عطاء.
(٢٣) الثعلبي 3/ 73 ب، والطبري 18/ 87.
(٢٤) "تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.
(٢٥) (الفراء) ساقط من (ظ)، (ع).
(٢٦) ذكر هذه القراءة عن حميد: ابن خالويه في "الشواذ" ص 101، وابن جني في "المحتسب" 2/ 103 - 104، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 73 ب - 74 أ، وابن عطية في "المحرر" 10/ 457، والقرطبي 12/ 200، وأبو حيان 6/ 437.
وبها قرأ يعقوب الحضرمي.
انظر: "إرشاد المبتدئ وتذكرة المنتهي في القراءات العشر" للقلانسي ص 1460، "المبسوط في القراءات العشر" لابن مهران ص 266، "النشر" لابن الجزري 2/ 331.
(٢٧) في (ع): (لكبره).
(٢٨) "معاني القرآن" للفراء 2/ 247.
(٢٩) في (ع): (قال).
(٣٠) المنشد هو ابن السكيت كما في "تهذيب اللغة" للأزهري.
(٣١) البيت في "ديوانه" ص 57، و"المفضَّليات" ص 788، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 209، و "جمهرة اللغة" لابن دريد 2/ 394، و"لسان العرب" 5/ 129 (كبر).
قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 199: وصف امرأة نشأت بين رفاهية ونعمة، فهي تنام لجلالة شأنها وأن لها من يكفيها المؤنة، فإذا قامت قامت في سكون وضعف، وكادت تنغرف؛ لرقة خصرها وثقل ردفها.
اهـ.
ومعنى تنغرف: قيل تَتَثَنَّى، وقيل: تنقصف من ذفّة خصرها.
وانغرف العظم: انكسر.
"لسان العرب" لابن منظور 9/ 264 (غرف).
(٣٢) القائل هو ابن السكيت.
(٣٣) في (أ)، (ع): (أكثر)، والمثبت من (ظ)، "تهذيب اللغة".
(٣٤) في (أ): (وكذا).
(٣٥) "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 214 (كبر) مع تصرف وزيادة.
(٣٦) ذكر الثعلبي 3/ 74 أقول أبي عمرو وتخطئته.
وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 509: قيل لأبي عمرو بن العلاء: أنقرأ "والذي تولى كبْره"؟
فقال: لا.
إنَّما الكبر في النسب.
(٣٧) روى الأزهري هذا القول في "تهذيب اللغة" 10/ 210 (كبر) عن المنذري، عن ابن اليزيدي، عن أبي زيد في قوله "والذي تولى كبره"، فذكره بنحوه.
وقبل هذه الرواية ذكر الأزهري نصًا عن الكسائي، وبعد الرواية ذكر نصًا آخر عن الكسائي من رواية أبي عبيد.
فاحتمال خطأ الواحدي في نسبة هذا القول وارد.
والله أعلم.
وقد ذكر الثعلبي 3/ 74 أعن الكسائي أنه قال: هما لغتان.
يعني الضم والكسر.
(٣٨) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 64 مع اختلاف يسير وتصرّف.
(٣٩) قول الليث فى "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 214 كبر.
وهو في "العين" 5/ 361 (كبر) بنصّه.
(٤٠) انظر: "المحتسب" لابن جني 2/ 105، "البحر المحيط" 6/ 437، "الدر المصون" 8/ 389.
(٤١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 34 - 35.
(٤٢) ذكره عنه البغوي 6/ 22.
وروى الطبري 18/ 87، وابن أبي حاتم 7/ 22 أ، عنه قال: الذي بدأ بذلك.
وانظر: "الدر المنثور" 6/ 158.
(٤٣) (معني) ساقطة من (أ).
(٤٤) روى الطبري في "الكبير" 23/ 130 من طريق عطاء، عن ابن عباس، قال في قوله "والذي تولى كبره" قال: إشاعته.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 وعزاه للطبراني.
(٤٥) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 130 من رواية عطاء عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 150 للطبراني.
(٤٦) رواه الطبري في "تفسيره" 18/ 89، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 22 أ، و"الطبراني الكبير" 23/ 138.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 158 ونسبه أيضًا للفريابي وعبد بن حميد.
(٤٧) "تفسير مقاتل" 2/ 36 أ.
(٤٨) ذكره عنه ابن الجوزي في "زاد المسير" 6/ 19.
(٤٩) منتبذين: يعني متُنَحِّين.
"لسان العرب" لابن منظور 3/ 512 (نبذ).
(٥٠) ذكر الثعلبي 3/ 74 أهذه الرواية -بهذا اللفظ- من رواية ابن أبي مليكة، عن عروة، عن عائشة ا.
(٥١) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 137 من رواية عبد الغني بن سعيد الثقفي، عن موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
وهذه الرواية باطلة كما تقدم.
وروى الطبراني في "الكبير" 23/ 124 - 129 من حديث ابن عمر وأبي اليسر الأنصاري أن رسول الله - - ضرب عبد الله بن أبي حدّين.
لكن قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 240 عن حديث ابن عمر: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذّاب.
وقال أيضًا عن حديث أبي اليسر 6/ 280: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذَّاب.
وذكر ابن حجر في "الفتح" 8/ 479 أثرين آخرين في حدّ عبد الله بن أبي، لكنَّهما مرسلان.
وذهب آخرون إلى أنَّه لم يحدّ، قال القرطبي في "تفسيره" 12/ 201: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أنَّ الذي حدَّ حسان ومسطح وحمنة، ولم يُسمع بحدِّ لعبد الله بن أبيّ.
اهـ.
وبهذا القول قال القاضي عياض وابن القيم وجماعة.
قال ابن القيم في "زاد المعاد" 3/ 263: ولم يحدّ الخبيث عبد الله بن أبي مع أنَّه == رأس أهل الإفك، فقيل: لأنَّ الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلًا لذلك، وقد وعده الله العذاب العظيم، فيكفيه ذلك عن الحدّ.
وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه، ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه.
وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة وهو لم يقر بالقذف، ولا شهد به عليه أحد، فإنه إنّما كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم يكن يذكره بين المؤمنين.
وقيل: بل ترك حدّه لمصلحة هي أعظم من إقامته، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه، وتكلّمه بما يوجب قلته مرارًا، وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام، فإنَّه كان مطاعًا فيهم، رئيسًا عليهم، فلم تؤمن الفتنة في حدِّه.
ولعله ترك لهذه الوجوه كلها.
اهـ.
ولعل أقرب الوجوه هو الأخير، يدل عليه ما في "صحيح البخاري" كتاب "التفسير" 8/ 453 - 454 من حديث عائشة في قصة الإفك وفيه أن النبي - - قام على المنبر فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟
..
الحديث.
فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله.
فقام رجل فقال لسعد: كذبت لعمر الله لنقتلنّه ..
فتساور الحيّان الأوس والخزرج حتى همُّوا أن يقتتلوا، ورسول الله - - قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله - - يخفضّهم حتى سكتوا وسكت.
(٥٢) في (أ): (فهو)، وهي ساقطة من (ع).
(٥٣) قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 272: وهو قول غريب، ولولا أنّه وقع في "صحيح البخاري" يعنى الرواية التي سيسوقها الواحدي بعد ذكره لهذا القول.
ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة.
فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنَّه كان يذب عن رسول الله - -.
(٥٤) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 74 أبهذا اللفظ من رواية أبي الضحى، عن مسروق.
ورواه بنحوه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 158 أ)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 8/ 515، والبخاري في التفسير سورة النور 8/ 85 ومسلم في الفضائل باب: فضائل حسان بن ثابت - - ج 4/ 1932، والطبري في "تفسيره" 18/ 88، وابن أبي حاتم 7/ 22 ب، والطبراني في "المعجم الكبير" 23/ 135، 136 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 157 - 158 ونسبه أيضًا لابن المنذر وابن مردويه.
(٥٥) في (أ)، (ع): (قالت).
(٥٦) ساقط من (ع).
(٥٧) (يقول) ساقط من (أ).
(٥٨) لم أجده بهذا اللفظ.
لكن أخرج الطبري في "تفسيره" 18/ 88 من طريق الشعبي عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة ..
وفيه.
قيل: أليس الله يقول: ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ؟
قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟
قالت: "أليس قد ذهب بصره، وكنّع بالسيف".
وقد أخرج أبو داود في "سننه" كتاب: الأدب- باب: ما جاء في الشعر 13/ 357، والترمذي في "جامعه" كتاب: الأدب - باب: ما جاء في إنشاد الشعر 8/ 137 واللفظ له، والحاكم في "مستدركه" 3/ 487 من حديث عروة، عن عائشة ا قالت: قال رسول الله - -: "إن الله يؤيد حسَّان بروح القدس ما يفاخر -أو ينافح- عن رسول الله - - ".
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ﴾ الإفك: أشدّ الكذب، ونزلت هذه الآية وما بعدها إلى تمام ست عشرة آية في شأن سيدتنا عائشة رضي الله عنها وفي براءتها مما رماها به أهل الإفك، وذلك أن الله برأ أربعة بأربعة برأ يوسف بشهادة الشاهد من أهلها، وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه وبرأ مريم بكلام ولدها في حجرها، وبرأ عائشة من الإفك بإنزال القرآن في شأنها، ولقد تضمنت هذه الآيات الغاية القصوى في الاعتناء بها، والكرامة لها والتشديد على من قذفها.
وقد خرج حديث الإفك البخاري ومسلم وغيرهما، واختصاره «أن عائشة خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، فضاع لها عقد فتأخرت على التماسه حتى رحل الناس، فجاء رجل يقال له صفوان بن المعطل، فرآها فنزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش، فقال أهل الإفك في ذلك ما قالوا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بال رجال رموا أهلي والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وسأل جارية عائشة، فقالت: والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر» .
والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولم يذكر في الحديث من أهل الإفك إلا أربعة، وهم: عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت، قيل: إن حسّان لم يكن منهم وارتفاع عصبة لأنه خبر إن، واختبار ابن عطية أن يكون عصبة بدلاً من الضمير في جاؤوا، ويكون الخبر ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ ﴾ على تقدير: إن حديث الذين جاؤوا بالإفك، والأول أظهر ﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ خطاب للمسلمين، والخير في ذلك من خمسة أوجه: تبرئة أم المؤمنين، وكرامة الله لها بإنزال الوحي في شأنها، والأجر الجزيل لها في الفرية عليها، وموعظة المؤمنين، والانتقام من المفترين ﴿ والذي تولى كِبْرَهُ ﴾ هو عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وقيل الذي بدأ بهذه الفرية غير معين، والعذاب العظيم هنا يحتمل أن يراد به الحدّ أو عذاب الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كبره ﴾ بضم الكاف: يعقوب.
﴿ إذ سمعتموه ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة غير خلف ورجاء والعجلي ﴿ إذ تلقونه ﴾ بالإظهار وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ولا يتأل ﴾ من التألي: يزيد ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة.
﴿ يوم يشهد ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف.
والباقون بتاء التأنيث.
الوقوف: ﴿ عصبة منكم ﴾ ط ﴿ شراً لكم ﴾ ط ﴿ خير لكم ﴾ ط ﴿ من الإثم ﴾ ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ لا للعطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ج للشرط معنى مع الفاء ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال أن يكون "إذ" ظرف قوله ﴿ لمسكم ﴾ أو ﴿ أفضتم ﴾ واحتمال كونه منصوباً باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن قوله { } من جملة مفعول ﴿ قلتم ﴾ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية ﴿ الايات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ ابداً ﴾ لا لتعلق لكن ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط والوصل أولى للعطف ﴿ وليصفحوا ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ص ﴿ عظيم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ للخبيثات ﴾ ج للعطف مع التضاد ﴿ للطيبات ﴾ ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف ﴿ يقولون ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصدّيقة وما قذفها به أهل النفاق.
روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن ابي وقاص وكلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة.
قال الزهري: هي غزوة المريسيع.
وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة.
قال: وهي غزوة المريسيع أيضاً.
فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله ، فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه.
وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست وقلت: يعودون في طلبي فنمت.
وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع أمتعته فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني وقال: ما خلفك عن الناس؟
فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري.
فبيناهم في ذلك هجمت عليهم فتكلم القوم فيّ وقدم رسول الله المدينة ومكثت شهراً أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ﴾ إلى أن نزل فيّ ﴿ إن الذين جاؤا بالإفك ﴾ إلى آخر الآيات.
وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول.
وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء.
وقيل: هو البهتان.
والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين.
والتركيب يدل على الاجتماع ومنه العصابة.
قال المفسرون.
هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.
ومعنى ﴿ منكم ﴾ أنهم كانوا من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهراً.
أما الخطاب في قوله ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله وأبا بكر وعائشة وصفوان.
ومعنى كونه خيراً لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن الرسول وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب العقلية.
وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها.
وقيل: الخطاب للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة.
وضعف هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما اكتسب من إثم الخوض.
﴿ والذي تولى كبره ﴾ أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله مع امرأة من قريش، والشهر أنه عبد الله راس النفاق.
ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟
فقالوا: عائشة.
فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها.
ويروى أن عائشة ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة.
فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟
فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول رجوت له الجنة.
وفي رواية أخرى قالت: واي عذاب أشد من العمى.
ثم علم أدباً حسناً في مثل هذه الواقعة فقال ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن ﴾ فصل بين "لولا" التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف مالا يتسع في غيره تنزيلاً للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف.
والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم ومثله ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم ﴾ ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك.
ومعنى بأنفسكم بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحاً ببراءة ساحته ﴿ هذا إفك مبين ﴾ وذلك أن المؤمن معه من العقل والدين ما يهديه إلى الاصلح ويؤخره عن الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: كلام العدى ضرب من الهذيان.
فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يزيد فيه.
روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟
فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟
قال: لا.
قلت: لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله فعائشة خير مني وصفوان خير منك.
وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة.
ومن هنا قال أيضاً: إذ باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز.
ومثله إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف.
وإذا وجدنا امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملاً لعقود المسلمين وتصرفاتهم على الجواز والصحة.
وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على النكاح.
وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع على أن الذي قيل فيها إفك صريح.
قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن المنفرات ألبتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر للكفرة.
قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.
قيل: في تفسيره الكشخان الذي تحبب امرأته الرجال إلى نفسها.
ويقال: كشخنته أي قلت له ياكشخان.
ثم بالغ في زجرهم عن حديث الإفك بقوله ﴿ لولا جاؤا ﴾ وهي أيضاً تحضيضية والمراد التفصيل بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا العدد وكل فرد منه منتفٍ في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون.
وهذا القدر كافٍ في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفاً.
ثم زاد في التهديد والزجر بقوله ﴿ ولولا فضل الله ﴾ هي "لولا" الامتناعية.
قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك.
وعن مقاتل أن في الآية تقديماً وتأخيراً والمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة ﴿ لمسكم في ما ﴾ انفعتم ﴿ فيه عذاب عظيم ﴾ في الدنيا والآخرة معاً.
وتلقي الإفك أخذه من أفواه القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرئ به.
كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟
فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر.
وفي زيادة قوله ﴿ بأفواهكم ﴾ إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ولا حقيقة لمؤداه في الواقع.
والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف زوجة النبي وخاصة نبينا فلهذا قال ﴿ وهو عند الله عظيم ﴾ عن بعضكم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.
وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير.
وصفهم في الاية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكداً لعظمه.
وفيه أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون عند الله من الكبائر.
ثم علمهم أدباً آخر ومعنى ﴿ ما يكون لنا ﴾ لا ينبغي ولا يصح لنا.
ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر وذلك أنه يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل متعجب منه.
والفرق بين هذه الآية وبين قوله ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ هو أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته ﴿ يعظكم الله ﴾ بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة ﴿ أن تعودوا ﴾ أو في شأن أن تعودوا ﴿ لمثله ابداً ﴾ أي مدة حياتكم.
ولا دلالة للمعتزلة في قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار ﴿ ويبين الله لكم ﴾ أي لانتفاعكم ﴿ الآيات ﴾ الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده ﴿ والله عليم حكيم ﴾ هما صفتان مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية للتأكيد المحض.
والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث.
ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثبت ولا يعاقب.
استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن واعظاً ولا مبيناً آياته لانتفاعهم ولا حكيماً لا يفعل القبائح.
ولا جواب للاشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا اعتراض عليه.
ثم بين بقوله ﴿ إن الذين يحبون ﴾ أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب.
والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئاً من المضار والأذيات.وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص ما يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أبي.
وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق العطن إلا أن يساعده نقل صحيح.
وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله عبد الله بن ابي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره.
وعذاب الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار.
عن رسول الله "إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم" وعن أنس أن النبي قال " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" من الخير وأما قوله ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ ففي نهاية حسن الموقع لأن الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله .
وإنما نعرف نحن شيئاً منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا يجتهد في أن يكون قلبه سليماً من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على الملكات ترتبه على الأحوال فافهم.
قال أبو حنيفة: المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع عنها.
وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه غير خالق للكفر ولا مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة.
ولقائل أن يقول: قياس الغائب على الشاهد فاسد.
ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتميكن من التلافي وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم.
وجواب "لولا" محذوف على نسق ما مر.
وقيل: جوابه ما يدل على ذلك في قوله ﴿ ما زكى منكم ﴾ وهو بعيد.
عن ابن عباس أن الخطاب لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم.
ثم نهى عن اتباع آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفحشاء وارتكاب مال تنكره العقول وتأباه.
وقوله ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء ﴾ من وضع السبب مقام المسبب والمراد ضل.
قالت الاشاعرة: في قوله ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والضمير لله وكذا في قوله ﴿ ولكن الله يزكي ﴾ دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله ﴿ من يشاء ﴾ ينافي قولكم إن خلق الألطاف واجب عيه.
ثم علم أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يأتل ﴾ وهو افتعل من الألية أي لا يحلف على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيراً فهي كقراءة من قرأ ﴿ ولا يأتل ﴾ وقيل: هو من قولهم "ما ألوت جهداً" إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئاً اي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين.
قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة ابي بكر الصديق فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه.
فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه فنزلت فقرأها رسول الله على أبي بكر، فلما وصل إلى قوله ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبداً.
قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الاية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الاية لا يراد به السعة في المال والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل على الإطلاق.
تركنا العمل به في حق النبي بالاتفاق فيبقى في الغير معمولاً به.
وأيضاً ذكره الله في الآية بلفظ الجمع وإنه مشعر بالتعظيم.
وأيضاً قد قيل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد امره الله بالصفح عنه، وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسن ذلك.
وأيضاً في تسميته أولي الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من أن تقابل إنساناً بسوء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن يقطع برك عمن اساء إليك.
وأيضاً أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال لنبيه ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في الأخلاق.
وأيضاً علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة ألبتة في الحال وفي الاستقبال لقوله ﴿ أن يغفر ﴾ فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصياً والعاصي في النار.
وليس النهي في قوله ﴿ ولا يأتل ﴾ نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى والأفضل وهو العفو.
عن النبي "أفضل أخلاق المسلمين العفو" وعنه "لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحاً كان مذنباً لأنه أتى بالقذف أو رضي به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله .
وأجمعوا ايضاً على أنه من البدريين وقد ورد فيهم الخبر الصحيح "لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فكيف الجمع بين الأمرين؟
أجابوا أنه ليس المراد من قوله "اعملوا ما شئتم" أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلاً أو كثيراً فقد أعطيتكم الدرجات العليات في الجنة، أو اراد حسن حالهم في العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة.
قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين دليل على أن ثواب كونه مهاجراً لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول بالمحابطة باطلاً.
استدل جمهور الفقهاء بالاية في قول من فسر الائتلاء بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.
ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ وهو عام في جانب الخير وفي غيره.
ومثله ما ورد في قصة أيوب { ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ﴾ ولو كان الحنث كفارة لو يؤمر بضرب الضغث عيها.
وقال بعض العلماء: إنه يأتي بالذي هو خير وذلك كفارته لقوله في حديث آخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته" ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولو يوجب عليه كفارة.
وأجيب بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقاً للحديث الآخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة.
قوله ﴿ أن الذين يرمون المحصنات ﴾ قد مر تفسير المحصنة.
وأما الغافلات فهن السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال.
قال الأصوليون: خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم.
ومنهم من قال: عائشة مع سائر أزواج النبي .
ومنهم من قال: هي أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان والغفلة والإيمان.
وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير استثناء.
وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة.
وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أن كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة.
ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر.
أما شهادة الجوارح فلا إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطاً في الحياة فيجوز أن يخلق الله في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً.
وقالت المعتزلة: المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من الله .
ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله.
ومعنى ﴿ دينهم الحق ﴾ الجزاء المستحق.
وقال في الكشاف: معنى قوله ﴿ هو الحق المبين ﴾ العادل الظاهر العدل.
وقال غيره: سمي حقاً لأنه حق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه فوجوده مستعار زائل.
والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات.
فالحصال أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره.
ثم ختم الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله ﴿ الخبيثات ﴾ يعني الكلمنات التي تخبث مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن وهو يستكره طبعاً وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله طيباً.
وعلى الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الرجال.
والحاصل أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الصنفين للخبيثات من القول وكذلك الطيبات والطيبون ﴿ أولئك ﴾ الطيبون ﴿ مبرؤن مما ﴾ يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.
قال جار الله: هو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أهل البيت عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك.
وفي الآية قول آخر وهو أن يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين الرجال الذين هم أشكال لهن فيكون أول الآية نظير قوله ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ وكذلك الكلام في أهل الطيب ولا أطيب من رسول الله فيكون أزواجه مثله فلذلك أخبر عن حالهن بقوله ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد مر تفسير الرزق الكريم في "الحج" نظيره قوله في الأحزاب ﴿ وأَعتدنا لها رزقاً كريماً ﴾ وفي الآية دلالة على أن عائشة من أهل الجنة.
وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت.
عن عائشة: لقد أعطيت تسعاً من أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر النبي أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.
وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين.
التأويل: إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، وأن النبي لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟
قال: عائشة فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة.
وقالت عائشة: إني أحبك وأحب قربك فالله حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته حتى قالت حين ظهرت براءة ساحتها "بحمد الله لا بحمدك".
وقيل: الملامة مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس ﴿ يوم تشهد عليهم ﴾ شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله { ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: عيناك قد حكتا مبيتك *** كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتك *** مبيت صاحبها عياناً وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله.
وعند الحكماء تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: ﴿ الخبيثات ﴾ وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي ﴿ للخبيثين ﴾ وهم أمثالهن ﴿ والطيبات ﴾ من لوث الحدوث ﴿ للطيبين ﴾ وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ ﴾ .
أي: بالكذب.
﴿ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ﴾ .
أي: جماعة منكم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ .
قال قائلون: كانوا من أصحاب عائشة رموها بما ذكر في الآية.
وقال بعضهم: كانوا منافقين، من نحو: عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وحسان ابن ثابت، وغيرهما.
وقال بعضهم: كان ذلك من الفريقين جميعاً: من أصحاب أبي بكر وأقربائه، والمنافقين أيضاً.
فإن كان ذلك من أصحاب عائشة - ا - وقراباتها فذلك يخرج منهن على الغفلة والعثرة، ليس على الانتقام والحقد؛ لأن القرابات والمتصلين بالرحم لا يقصد بعضهم ببعض الانتقام والحقد بمثله؛ فإذا كان كذلك فيخرج ذلك منهم إن كان مخرج الغفلة والزلة لا مخرج الانتقام.
وإن كان ذلك من المنافقين فهو على الانتقام وطلب الشين منهم لها، وكأن في ظاهر الآية دلالة افتراء الإفك من المنافقين، ثم تسامع المؤمنون بعد ذلك، ويتلقى بعضهم من بعض؛ حيث قال: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ؛ فإن كان ذلك فهو على ما وصفنا: أن ذلك من المؤمنين غفلة وزلّة وعثرة، ومن المنافقين انتقام وطلب شين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
قال بعضهم: لا تحسبوه شرّاً لكم؛ لأنكم تؤجرون وتثابون على ما قيل فيكم من الفحش والقذف بما قرفوا به؛ بل هو خير لكم في الآخرة؛ على ما ذكرنا من الأجر.
ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ في الدنيا؛ لما برأه الله مما قرفوا به، ودفع عنهم تمكين ما قرفوا به، ووعد لهم الجنة بقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ، وكان قبل نزول هذه الآية موهوم عند الناس فيها متمكن احتمال ذلك الفعل؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ...
﴾ الآية [الأحزاب: 31] كانت كالمؤمنات جميعاً موهوم عنهن عند الناس، محتمل ذلك؛ فلما قرفت - رفع الله ما كان موهوماً عند الناس قبل ذلك، ووعد لهم الأجر الكريم والرزق الحسن بقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ : فلا شك أن ذلك خير لهم في الدنيا وشر لأولئك الذين رموها حتى لم يتجاسر أحد بعد ذلك، ولا اجترأ أن يظن فيها ظن السوء، فضلا عن أن يقول فيها سوءاً، وقصّة عائشة - ا - طويلة، لكنا نذكر ما كان بنا إلى ذلك حاجة.
أو أن يقال: بل هو خير لكم لما أنزل الله - - فيهم آيات فيها براءتهم عما قرفوا به تتلى تلك الآيات إلى يوم القيامة، وذلك خير لهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ ﴾ .
إثمه: ما قرفها به.
﴿ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
هو ذلك المنافق الذي ألقى ذلك في الناس، ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : فيه دلالة أنه يموت على نفاقه، وكذلك مات على نفاقه؛ فلحقه ذلك الوعيد، قيل: هو عبد الله بن أبي ابن سلول، والله أعلم.
وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ ﴾ ، أي عظمه من المعصية، يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ لأنه كان منافقاً.
وقوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ .
قال بعضهم: هلا إذ سمعتموه قذف عائشة - ا - بصفوان كذبتم أنتم أولئك القذفة، يقول: ألا ظن بعضهم ببعض خيرا، وهلا قالوا: ﴿ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴾ ، يقول الله: هلا قالوا: القذف كذب مبين، وعلى هذا يخرج - أيضاً - قوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، أي: هلا قالوا لهم: جيئوا بأربعة شهداء على قذفكم إياهم؛ فإذا هم ﴿ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: لولا إذ سمعتموه ظننتم بهم ظنا: ما يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا دون أن قالوا: إفك مبين.
أو أن يكون التأويل: إن لم يظن أحد منكم بنفسه إذا كان مع أزواج رسول الله [ذلك]، فكيف ظن بصفوان ذلك إذا كان هو مع أزواجه؟!
أو أن يقال: إذا لم يكن يظن أحد منكم بأمهاته ومحارمه ذلك، فكيف ظنّ بأزواج رسول الله وهن أمّهاتكم وأمّهات جميع المؤمنين؟!
والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ .
أي: لم يكن لهم بما قذفوا شهداء، ولا يجدون على ذلك شهداء.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَّوْلاَ ﴾ ، أي: لم يكن؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ ﴾ ، أي: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
وإلا على تأويل (هَلا) يبعد؛ لأنّه لم يكن لهم شهداء على ذلك؛ فكيف يأتون؟!
وقوله: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .
وإن أتوا بالشهداء على أمر عائشة كانوا كاذبين أيضا؛ فدل أن تأويل قوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، أي: لم يكن شهداء؛ فكيف قذفوها؟!
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: [أحدهما]: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ : حيث أنزل في قذفكم عائشة بصفوان آيات في براءتهما حتى تبتم عن ذلك، وإلا لمسّكم العذاب في الآخرة بذلك.
والثاني: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لمسكم العذاب، ولعاقبكم بما قلتم في عائشة في الدنيا؛ على هذا التأويل: العذاب الموعود: في الدنيا، وعلى التأويل الأول: الوعيد في الآخرة، لكن بفضله ورحمته دفع عنكم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ ﴾ ، أي: خضتم فيه.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، أي: بأمثالهم خيراً، تأويله: لولا ظن المؤمنون بأمثالهم خيرا دون أن يظنوا بهم شرا.
وفيما عظم الله - عز وجل - أمر القذف وشدد فيه ما لم يشدد في غيره ولم يعظم وجوه: أحدها: قطع طمع أهل الفجور والريبة فيهن، لئلا يطمع أحد منهم في المحصنات وأولاد الكرام ذلك الفضل، فقطع طمعهم بما شدّد فيه؛ لئلا يقرفن بذلك، ولا يطمع فيهن ذلك.
والثاني: بترك الناس الرغبة في مناكحة المحصنات وأولاد الكرام، ويرغبون فيمن دونهن، ويحدث أيضاً الضغائن والعداوة بين القذفة وبين المتصلين بالمقذوفات.
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لكان كذا: هذا من الله على الإيجاب، أي: قد كان منه ذلك، وإذا كان مضافاً إلى الخلق فهو على أنه لم يكن ذلك؛ ولذلك تأولوه: هلا.
وعن ابن عباس أنّه قال في قوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ ﴾ ، يقول: قال للمؤمنين: ﴿ لَّوْلاۤ ﴾ : هلا إذ بلغكم عن عائشة وصفوان ﴿ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، يقول: فظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم، وعلمتم أن أمكم لا تفعل ذلك، وكذلك المؤمنة لا تفعل ذلك، وقلتم: هذا إفك مبين.
﴿ لَّوْلاۤ ﴾ : هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء على قولهم، ويصدّقوهم على مقالتهم، فإذا لم يأتوا بالشهداء كذبتموهم؛ فأولئك عند الله هم الكاذبون، وهو قريب مما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ بالتشديد، أي: تقبلونه، وتلقونه - بالتخفيف - أي: تأخذونه من الولق، وهو الكذب، وكذلك قرأت عائشة.
وقال أبو عوسجة: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ ، أي: تقولونه، قال: تلقيت الكلام، ولقنت وتلقنت: واحد.
وقوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾ من غيركم.
﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ فيما بينكم.
وجائز أن يكونا جميعاً واحداً، أي: تتكلمون بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ﴿ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: من غير أن تعلموا أن الّذي قلتم من القذف قد كان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ﴾ قال بعضهم: تحسبون القذف ذنباً هيناً.
﴿ وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ في الوزر.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ﴾ : في الّدين؛ لأن القذف يحدث نقصاناً في الدين، والنقصان في الدين عظيم عند الله وتحسبونه أنتم هيناً.
ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال: ﴿ وَلَوْلاَ ﴾ يقول: [هلا] ﴿ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ أي: القذف، ﴿ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ ﴾ أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الأمر، وهلا قلتم: ﴿ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ لعظم ما قالوا فيها، والبهتان: الذي يبهت، فيقول: ما لم يكن من قذف أو غيره.
وقال أبو عوسجة: البهتان: الكذب، يقال: بهت أي: كذب.
﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ أي: القذف أبداً.
﴿ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ ﴾ في بيان ذلك وبراءتهم، أو يبين أوامره ونواهيه.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: عليم بكل شيء من قول أو فعل، حكيم يضع كل شيء موضعه.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ كان أصل النفاق هم الذين أحبوا أن تشيع الفاحشة، وإلا أهل الإسلام لا يحبون ذلك في المؤمنين ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الآخرة؛ لنفاقهم وقرف عائشة.
وأما في المؤمنين فهو ما قال: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
وروي عن عمرة عن عائشة قالت: "لما نزل عذري قام رسول الله على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم" .
وعن ابن عباس أن رسول الله ضرب عبد الله بن أبي، وحسان، ومسطح بن أثاثة الحد، وفي بعض الأخبار: وامرأة أيضاً، وقيل: خمسة، لكل واحد ثمانين جلدة.
ثم ما ذكر من قذف عائشة أنه بهتان عظيم وقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ ﴾ ﴿ وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه فجائز أن يكون في قذف كل محصنة بريئة دون أن يكون ذلك خصوصا لعائشة، وهو كما ذكر في قذف المحصنات ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يشيعون الفاحشة ويذيعونها في الذين آمنوا هم الذين تولوا إشاعتها وإذاعتها فيهم لهم ما ذكر من العذاب الأليم.
والثاني: يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ ليكون ذلك ذريعة لهم في المؤمنين فيقولون: إن دينكم لم يمنعكم عن الفواحش والمنكر.
﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ لأنهم كانوا منافقين [و] منهم كان أول بدء القذف، وبهم شاع؛ لذلك كان لهم هذا الوعيد.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: والله يعلم حقائق الأشياء وأنتم لا تعلمون حقائقها.
وفيه دلالة تعليق الحكم بالظواهر دون تعليقه بالحقائق.
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ لم يذكر جواب قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ ، فجوابه ما ذكر في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾ بفضله يزكو من زكا، وبرحمته يصلح من صلح، لا يصنع من نفسه.
<div class="verse-tafsir"
إن الذين جاؤوا بالبُهْتَان (وهو رمي أم المؤمنين عائشة - ا - بالفاحشة) جماعة تنتسب إليكم -أيها المؤمنون- لا تظنوا أن ما افتروه شر لكم، بل هو خير لما فيه من الثواب والتمحيص للمؤمنين، ولما يصحبه من تبرئة أم المؤمنين، لكل واحد شارك في رميها بالفاحشة جزاء ما اكتسبه من الإثم لتكلّمه بالإفك، والذي تحمّل معظم ذلك ببدئه به له عذاب عظيم، والمقصود به رأس المنافقين عبد الله بن بن ابن سَلُول.
<div class="verse-tafsir" id="91.yzWAK"