الآية ٢٢ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٢٢ من سورة النور

وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ولا يأتل ) من الألية ، [ وهي : الحلف ] أي : لا يحلف ( أولو الفضل منكم ) أي : الطول والصدقة والإحسان ) والسعة ) أي : الجدة ( أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ) أي : لا تحلفوا ألا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين .

وهذه في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام; ولهذا قال : ( وليعفوا وليصفحوا ) أي : عما تقدم منهم من الإساءة والأذى ، وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم .

وهذه الآية نزلت في الصديق ، حين حلف ألا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال ، كما تقدم في الحديث .

فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة ، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت ، وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك ، وأقيم الحد على من أقيم عليه - شرع تبارك وتعالى ، وله الفضل والمنة ، يعطف الصديق على قريبه ونسيبه ، وهو مسطح بن أثاثة ، فإنه كان ابن خالة الصديق ، وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر ، رضي الله عنه ، وكان من المهاجرين في سبيل الله ، وقد ولق ولقة تاب الله عليه منها ، وضرب الحد عليها .

وكان الصديق ، رضي الله عنه ، معروفا بالمعروف ، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب .

فلما نزلت هذه الآية إلى قوله : ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) أي : فإن الجزاء من جنس العمل ، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك ، وكما تصفح نصفح عنك .

فعند ذلك قال الصديق : بلى ، والله إنا نحب - يا ربنا - أن تغفر لنا .

ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا ، في مقابلة ما كان قال : والله لا أنفعه بنافعة أبدا ، فلهذا كان الصديق هو الصديق [ رضي الله عنه وعن بنته ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ولا يحلف بالله ذوو الفضل منكم، يعني: ذوي التفضل والسَّعة، يقول: وذوو الجِدَه.

واختلف القرّاء في قراءة قوله: ( ولا يَأْتَلِ ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار.( وَلا يَأْتَلِ ) بمعنى: يفتعل من الألَيَّة، وهي القسم بالله، سوى أبي جعفر وزيد بن أسلم، فإنه ذكر عنهما أنهما قرآ ذلك " وَلا يَتألّ" بمعنى: يتفعل، من الألِية.

&; 19-136 &; والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ( ولا يَأْتَلِ ) بمعنى: يفتعل من الألية، وذلك أن ذلك في خطّ المصحف كذلك، والقراءة الأخرى مخالفة خطّ المصحف، فاتباع المصحف مع قراءة جماعة القرّاء وصحّة المقروء به أولى من خلاف ذلك كله، وإنما عُنِي بذلك أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه في حلفه بالله لا ينفق على مِسْطَح، فقال جلّ ثناؤه: ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون بالله ألا يُعْطُوا ذَوي قَرابتهم، فيصلوا به أرحامهم، كمِسْطح، وهو ابن خالة أبي بكر ( والمسَاكِين ) يقول: وذوي خَلَّة الحاجة، وكان مِسْطح منهم؛ لأنه كان فقيرا محتاجا( وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم في جهاد أعداء الله، وكان مِسْطَح منهم; لأنه كان ممن هاجر من مكة إلى المدينة، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا( وَلْيَعْفُوا ) يقول: وليعفوا عما كان منهم إليهم من جُرم، وذلك كجرم مِسطَح إلى أبي بكر في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك ، ( وَلْيَصْفَحُوا ) يقول: وليتركوا عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الإفضال عليهم ، ( أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ) يقول: ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها( واللهُ غَفُورٌ ) لذنوب من أطاعه واتبع أمره، ( رَحِيمٌ ) بهم أن يعذبهم مع اتباعهم أمره، وطاعتهم إياه على ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها، وتابوا إليه من فعلها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عَلقمة بن وقاص الليثيّ، وعن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة، قال: وثني ابن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، قال: وثني ابن إسحاق، قال: ثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: لما نـزل هذا، يعني قوله: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ في عائشة، وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا، ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، وأدخل عليها ما أدخل، قالت: فأنـزل الله في ذلك ( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ )...

الآية.

قالت: فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجَّع إلى مسطح نفقته التي كان يُنْفِق عليه، وقال: والله لا أنـزعها منه أبدا.

حدثني عليّ، قال ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ) يقول: لا تقسموا ألا تنفعوا أحدا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ )...

إلى آخر الآية، قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رَمَوا عائشة بالقبيح، وأفشَوا ذلك وتكلموا به، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيهم أبو بكر، ألا يتصدّق على رجل تكلم بشيء من هذا ولا يصله، فقال: لا يُقْسِم أولو الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك.

فأمر الله أن يُغْفَر لهم وأن يُعْفَى عنهم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ) : لما أنـزل الله تعالى ذكره عذر عائشة من السماء، قال أبو بكر وآخرون من المسلمين، والله لا نصل رجلا منهم تكلم بشيء من شأن عائشة ولا ننفعه، فأنـزل الله ( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ) يقول: ولا يحلف.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى ) قال: كان مِسْطَح ذا قرابة.( وَالْمَسَاكِينَ ) قال: كان مسكينا( والمهاجرين في سبيل الله ) كان بدْريا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ) قال: أبو بكر حلف أن لا ينفع يتيما في حِجْره كان أشاع ذلك، فلما نـزلت هذه الآية قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، فلأكوننّ ليتيمي خيرَ ما كنت له قطُّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة الآية .

المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة - رضي الله عنه - ومسطح بن أثاثة .

وذلك أنه كان ابن بنت خالته ، وكان من المهاجرين البدريين المساكين .

وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف .

وقيل : اسمه عوف ، ومسطح لقب .

وكان أبو بكر - رضي الله عنه - ينفق عليه لمسكنته وقرابته ؛ فلما وقع أمر الإفك ، وقال فيه مسطح ما قال ، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ، ولا ينفعه بنافعة أبدا ، فجاء مسطح فاعتذر ، وقال : إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول .

فقال له أبو بكر : لقد ضحكت ، وشاركت فيما قيل ؛ ومر على يمينه ، فنزلت الآية .

وقال الضحاك ، وابن عباس : إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك ، وقالوا : والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة ؛ فنزلت الآية في جميعهم .

والأول أصح ؛ غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بألا يغتاظ ذو فضل وسعة فيحلف ألا ينفع من هذه صفته غابر الدهر .

روي في الصحيح أن الله تبارك وتعالى لما أنزل : إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم العشر آيات ، قال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ؛ فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة إلى قوله : ألا تحبون أن يغفر الله لكم .

قال عبد الله بن المبارك : هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى ؛ فقال أبو بكر : والله إني لأحب أن يغفر الله لي ؛ فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : لا أنزعها منه أبدا .في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرا لا يحبط الأعمال ؛ [ ص: 192 ] لأن الله تعالى وصف مسطحا بعد قوله بالهجرة والإيمان ؛ وكذلك سائر الكبائر ؛ ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله ، قال الله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك .من حلف على شيء لا يفعله فرأى فعله أولى منه أتاه وكفر عن يمينه ، أو كفر عن يمينه وأتاه ؛ كما تقدم في ( المائدة ) .

ورأى الفقهاء أن من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوبا وأبد ذلك أنها جرحة في شهادته ؛ ذكره الباجي في المنتقى .قوله تعالى : ولا يأتل أولوا الفضل ولا يأتل معناه يحلف ؛ وزنها يفتعل ، من الألية وهي اليمين ؛ ومنه قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم وقد تقدم في ( البقرة ) .

وقالت فرقة : معناه يقصر ؛ من قولك : ألوت في كذا إذا قصرت فيه ؛ ومنه قوله تعالى : لا يألونكم خبالا .قوله تعالى : ألا تحبون أن يغفر الله لكم تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم ؛ وينظر إلى هذا المعنى قوله - عليه السلام - : من لا يرحم لا يرحم .قال بعض العلماء : هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى ، من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ .

وقيل .

أرجى آية في كتاب الله - عز وجل - قوله تعالى : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا .

وقد قال تعالى في آية أخرى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ؛ فشرح الفضل الكبير في هذه الآية ، وبشر به المؤمنين في تلك .

ومن آيات الرجاء قوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم .

وقوله تعالى : الله لطيف بعباده .

وقال بعضهم : أرجى آية في كتاب الله - عز وجل - : ولسوف يعطيك ربك فترضى ؛ وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار .[ ص: 193 ] السابعة والعشرون : قوله تعالى : أن تؤتوا أي ألا يؤتوا ، فحذف ( لا ) ؛ كقول القائل [ امرؤ القيس ] :فقلت يمين الله أبرح قاعدا [ ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي ]ذكره الزجاج .

وعلى قول أبي عبيدة لا حاجة إلى إضمار ( لا ) .

وليعفوا من عفا الربع أي درس ، فهو محو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَا يَأْتَلِ } أي: لا يحلف { أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } كان من جملة الخائضين في الإفك " مسطح بن أثاثة " وهو قريب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان مسطح فقيرا من المهاجرين في سبيل الله، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، لقوله الذي قال.

فنزلت هذه الآية، ينهاهم عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه، ويحثه على العفو والصفح، ويعده بمغفرة الله إن غفر له، فقال: { أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } إذا عاملتم عبيده، بالعفو والصفح، عاملكم بذلك، فقال أبو بكر - لما سمع هذه الآية-: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح، وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - ( ولا يأتل ) أي : ولا يحلف ، وهو يفتعل من الألية وهي القسم ، وقرأ أبو جعفر : " يتأل " بتقديم التاء وتأخير الهمزة ، وهو يتفعل من الألية .

( أولو الفضل منكم والسعة ) يعني أبا بكر الصديق ( أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ) يعني مسطحا ، وكان مسكينا مهاجرا بدريا ابن خالة أبي بكر ، حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه ، ( وليعفوا وليصفحوا ) عنهم خوضهم في أمر عائشة ، ( ألا تحبون ) يخاطب أبا بكر ، ( أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) فلما قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر قال : بلى أنا أحب أن يغفر الله لي ، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا .

وقال ابن عباس والضحاك : أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم ، فأنزل الله هذه الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا يأتل» يحلف «أولوا الفضل» أصحاب الغنى «منكم والسعة أن» لا «يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله» نزلت في أبي بكر حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالته مسكين مهاجر بدري لما خاض في الإفك بعد أن كان ينفق عليه، وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدقوا على من تكلم بشيء من الإفك «وليعفوا وليصفحوا» عنهم في ذلك «ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم» للمؤمنين قال أبو بكر: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا يحلف أهل الفضل في الدين والسَّعَة في المال على ترك صلة أقربائهم الفقراء والمحتاجين والمهاجرين، ومنعهم النفقة؛ بسبب ذنب فعلوه، ولْيتجاوزوا عن إساءتهم، ولا يعاقبوهم.

ألا تحبون أن يتجاوز الله عنكم؟

فتجاوزوا عنهم.

والله غفور لعباده، رحيم بهم.

وفي هذا الحثُّ على العفو والصفح، ولو قوبل بالإساءة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حض - عز وجل - أصحاب النفوس النقية الطاهرة ، على المواظبة على ما تعودوه من سخاء وسماحة ، فقال : ( وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .وقد صح أن هذه الآية الكريمة نزلت فى شأن أبى بكر - رضى الله عنه - عندما أقسم أن لا يعطى مسطح بن أثاثة شيئا من النفقة أو الصدقة .وكان مسطح قريبا لأبى بكر .

وكان من الفقراء الذين تعهد - أبو بكر رضى الله عنه - بالإنفاق عليهم لحاجتهم وهجرتهم وقرابتهم منه .وقوله : ( وَلاَ يَأْتَلِ ) أى : ولا يحلف .

يقال : آلى فلان وائتلى .

إذا حلف ومنه قوله - تعالى - : ( لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ .

.

.

) أى : يحلفون .أى : ولا يحلف " أولوا الفضل منكم والسعة " أى أصحاب الزيادة منكم فى قوة الدين .

وفى سعة المال " أن يؤتوا أولى القربى .

.

" أى : على أن لا يعطوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله ، شيئا من أموالهم .فالكلام فى قوله : " أن يؤتوا " على تقدير حرف الجر ، أى : لا يحلفوا على أن لا يؤتوا ، وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من أن وصلتهما مطرد ، ومفعول " يؤتوا " الثانى محذوف .

أى : أن يؤتوا أولى القرى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله ، النفقة التى تعودوا أن يقدموها لهم .وقوله - تعالى - : ( وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا ) تحريض على العفو والصفح .والعفو معناه : التجاوز عن خطأ المخطىء ونسيانه ، مأخوذ من عفت الريح الأثر ، إذا طمسته وأزالته .والصفح : مقابلة الإساءة بالإحسان ، فهو أعلى درجة من العفو .أى : قابلوا - أيها المؤمنون - إساءة المسىء بنسيانها ، وبمقابلتها بالإحسان .وقوله : ( أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ) أى : ألا تحبون - أيها المؤمنون أن يغفر الله لكم ذنوبكم ، بسبب عفوكم وصفحكم عمن أساء إليكم؟فالجملة الكريمة ترغيب فى العفو والصفح بأبلغ أسلوب ، وقد صح أن أبا بكر - رضى الله عنه - لما سمع الآية قال : بلى والله يا ربنا ، إنا لنحب أن تغفر لنا ، وأعاد إلى مسطح نفقته ، وفى رواية : أنه - رضى الله عنه - ضاعف لمسطح نفقته .قال الآلوسى : " وفى الآية من الحث على مكارم الأخلاق ما فيها .

واستدل بها على فضل الصديق - رضى الله عنه - لأنه داخل فى أولى الفضل قطعا ، لأنه وحده أو مع جماعة سبب النزول ، ولا يضر فى ذلك الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر .

.

.

" .ثم ختم - سبحانه - الأية الكريمة بما يرفع من شأن العفو والصفح فقال : ( والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .أى : والله - تعالى - كثيرة المغفرة ، وواسع الرحمة بعباده ، فكونوا - أيها المؤمنون - أصحاب عفو وصفح عمن أساء إليكم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره، فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبداً، قال المفسرون: نزلت الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر، وقد كان يتيماً في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته، فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن عليَّ أحد منكم، فقال مسطح أنشدك الله والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكت!

فقال قد كان ذلك تعجباً من قول حسان فلم يقبل عذره، وقال انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذراً ولا فرجاً، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بأن الله تعالى قد أنزل علي كتاباً ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية عليه فلما وصل إلى قوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي، وقد تجاوزت عما كان، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه، وقال قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم، أما إذا عفا عنكم فمرحباً بكم، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ ﴾ وجهين: الأول: وهو المشهور أنه من ائتلى إذا حلف، افتعل من الألية، والمعنى لا يحلف، قال أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف على ترك الإعطاء، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب وجعل المنهي عنه مأموراً به؛ وثانيهما: أنه قلما يوجد في الكلام افتعلت مكان أفعلت، وإنما يوجد مكان فعلت، وهنا آليت من الألية افتعلت.

فلا يقال أفعلت كما لا يقال من ألزمت التزمت ومن أعطيت اعتطيت، ثم قال في يأتل إن أصله يأتلي ذهبت الياء للجزم لأنه نهى وهو من قولك ما آلوت فلاناً نصحاً، ولم آل في أمري جهداً، أي ما قصرت ولا يأل ولا يأتل واحداً، فالمراد لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم ويوجد كثيراً افتعلت مكان فعلت تقول كسبت واكتسبت وصنعت واصطنعت ورضيت وارتضيت، فهذا التأويل هو الصحيح دون الأول، ويروى هذا التأويل أيضاً عن أبي عبيدة.

أجاب الزجاج عن السؤال الأول بأن (لا) تحذف في اليمين كثيراً قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم أَن تَبَرُّواْ  ﴾ يعني أن لا تبروا، وقال امرؤ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا *** ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي أي لا أبرح، وأجابوا عن السؤال الثاني، أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم فسروا اللفظة باليمين وقول كل واحد منهم حجة في اللغة فكيف الكل، ويعضده قراءة الحسن ولا يتأل.

المسألة الثانية: أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: ﴿ أُوْلُواْ الفضل ﴾ أبو بكر، وهذه الآية تدل على أنه رضي الله عنه كان أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الفضل المذكور في هذه الآية إما في الدنيا وإما في الدين، والأول باطل لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له، والمدح من الله تعالى بالدنيا غير جائز، ولأنه لو كان كذلك لكان قوله: ﴿ والسعة ﴾ تكريراً فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين، فلو كان غيره مساوياً له في الدرجات في الدين لم يكن هو صاحب الفضل لأن المساوي لا يكون فاضلاً، فلما أثبت الله تعالى له الفضل مطلقاً غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق ترك العمل به في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فيبقى معمولاً به في حق الغير، فإن قيل نمنع إجماع المفسرين على اختصاص هذه الآية بأبي بكر، قلنا كل من طالع كتب التفسير والأحاديث علم أن اختصاص هذه الآية بأبي بكر بالغ إلى حد التواتر، فلو جاز منعه لجاز منع كل متواتر، وأيضاً فهذه الآية دالة على أن المراد منها أفضل الناس، وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو علي، فإذا بينا أنه ليس المراد علياً تعينت الآية لأبي بكر، وإنما قلنا إنه ليس المراد منه علياً لوجهين: الأول: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يتعلق بابنة أبي بكر فيكون حديث علي في البين سمجاً الثاني: أنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة، وإن علياً لم يكن من أولي السعة في الدنيا في ذلك الوقت، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعاً، واعلم أن الله تعالى وصف أبا بكر في هذه الآية بصفات عجيبة دالة على علو شأنه في الدين أحدها: أنه سبحانه كنى عنه بلفظ الجمع والواحد إذا كنى عنه بلفظ الجمع دل على علو شأنه كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ ، ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر  ﴾ فانظر إلى الشخص الذي كناه الله سبحانه مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه!.

وثانيها: وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدل على أنه رضي الله عنه كما كان فاضلاً على الإطلاق كان مفضلاً على الإطلاق.

وثالثها: أن الإفضال إفادة ما ينبغي لا لعوض، فمن يهب السكين لمن يقتل نفسه لا يسمى مفضلاً لأنه أعطى مالاً ينبغي، ومن أعطى ليستفيد منه عوضاً إما مالياً أو مدحاً أو ثناء فهو مستفيض والله تعالى قد وصفه بذلك فقال: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى  ٱلَّذِى يُؤْتِى مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ  وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ  إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ  ﴾ وقال في حق علي: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا  إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا  ﴾ فعلي أعطى للخوف من العقاب، وأبو بكر ما أعطى إلا لوجه ربه الأعلى، فدرجة أبي بكر أعلى فكانت عطيته في الإفضال أتم وأكمل.

ورابعها: أنه قال: ﴿ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ ﴾ فكلمة من للتمييز، فكأنه سبحانه ميزه عن كل المؤمنين بصفة كونه أولي الفضل، والصفة التي بها يقع الامتياز يستحيل حصولها في الغير، وإلا لما كانت مميزة له بعينه، فدل ذلك على أن هذه الصفة خاصة فيه لا في غيره ألبتة.

وخامسها: أمكن حمل الفضل على طاعة الله تعالى وخدمته وقوله: ﴿ والسعة ﴾ على الإحسان إلى المسلمين، فكأنه كان مستجمعاً للتعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله وهما من أعلى مراتب الصديقين، وكل من كان كذلك كان الله معه لقوله: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ ولأجل اتصافه بهاتين الصفتين قال له: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا  ﴾ .

وسادسها: إنما يكون الإنسان موصوفاً بالسعة لو كان جواداً بذولاً، ولقد قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من ينفع الناس» فدل على أنه خير الناس من هذه الجهة، ولقد كان رضي الله عنه جواداً بذولاً في كل شيء، ومن جوده أنه لما أسلم بكرة اليوم جاء بعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلموا على يده، وكان جوده في التعليم والإرشاد إلى الدين والبذل بالدنيا كما هو مشهور، فيحق له أن يوصف بأنه من أهل السعة، وأيضاً فهب أن الناس اختلفوا في أنه هل كان إسلامه قبل إسلام علي أو بعده، ولكن اتفقوا على أن علياً حين أسلم لم يشتغل بدعوة الناس إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم وأن أبا بكر اشتغل بالدعوة فكان أبو بكر أول الناس اشتغالاً بالدعوة إلى دين محمد، ولا شك أن أجل المراتب في الدين هذه المرتبة فوجب أن يكون أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر من هذه الجهة ولأنه عليه السلام قال: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فوجب أن يكون لأبي بكر مثل أجر كل من يدعو إلى الله، فيدل على الأفضلية من هذه الجهة أيضاً.

وسابعها: أن الظلم من ذوي القربى أشد، قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند وأيضاً فالإنسان إذا أحسن إلى غيره فإذا قابله ذلك الغير بالإساءة كان ذلك أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من الأجنبي، والجهتان كانتا مجتمعتين في حق مسطح ثم إنه آذى أبا بكر بهذا النوع من الإيذاء الذي هو أعظم أنواع الإيذاء، فانظر أين مبلغ ذلك الضرر في قلب أبي بكر، ثم إنه سبحانه أمره بأن لا يقطع عنه بره وأن يرجع معه إلى ما كان عليه من الإحسان، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات، ولا شك أن هذا أصعب من مقاتلة الكفار لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكافر ومجاهدة النفس أشق، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».

وثامنها: أن الله تعالى لما أمر أبا بكر بذلك لقبه بأولي الفضل وأولي السعة كأنه سبحانه يقول أنت أفضل من أن تقابل إساءته بشيء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً، فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ما صدر منه من الإساءة، ومعلوم أن مثل هذا الخطاب يدل على نهاية الفضل والعلو في الدين.

وتاسعها: أن الألف واللام يفيدان العموم فالألف واللام في الفضل والسعة يدلان على أن كل الفضل وكل السعة لأبي بكر كما يقال فلان هو العالم يعني قد بلغ في الفضل إلى أن صار كأنه كل العالم وما عداه كالعدم، وهذا وأيضاً منقبة عظيمة.

وعاشرها: قوله: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ ﴾ وفيه وجوه: منها: أن العفو قرينة التقوى وكل من كان أقوى في العفو كان أقوى في التقوى، ومن كان كذلك كان أفضل لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  ﴾ ومنها: أن العفو والتقوى متلازمان فلهذا السبب اجتمعا فيه، أما التقوى فلقوله تعالى: ﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى  ﴾ وأما العفو فلقوله تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ ﴾ وحادي عاشرها: أنه سبحانه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاعف عَنْهُمْ واصفح  ﴾ وقال في حق أبي بكر ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ ﴾ فمن هذا الوجه يدل على أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأخلاق حتى في العفو والصفح وثاني عشرها: قوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ فإنه سبحانه ذكره بكناية الجمع على سبيل التعظيم، وأيضاً فإنه سبحانه علق غفرانه له على إقدامه على العفو والصفح فلما حصل الشرط منه وجب ترتيب الجزاء عليه، ثم قوله: ﴿ يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ بصيغة المستقبل وأنه غير مقيد بشيء دون شيء فدلت الآية على أنه سبحانه قد غفر له في مستقبل عمره على الإطلاق فكان من هذا الوجه ثاني اثنين للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  ﴾ ودليلاً على صحة إمامته رضي الله عنه فإن إمامته لو كانت على خلاف الحق لما كان مغفوراً له على الإطلاق ودليلاً على صحة ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في خبر بشارة العشرة بأن أبا بكر في الجنة وثالث عشرها: أنه سبحانه وتعالى لما قال: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً، والغفور مبالغة في الغفران فعظم أبا بكر حيث خاطبه بلفظ الجمع الدل على التعظيم، وعظم نفسه سبحانه حيث وصفه بمبالغة الغفران، والعظيم إذا عظم نفسه ثم عظم مخاطبه فالعظمة الصادرة منه لأجله لابد وأن تكون في غاية التعظيم، ولهذا قلنا بأنه سبحانه لما قال: ﴿ إِنَّا أعطيناك الكوثر  ﴾ وجب أن تكون العطية عظيمة، فدلت الآية على أن أبا بكر ثاني اثنين للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المنقبة أيضاً ورابع عشرها: أنه سبحانه لما وصفه بأنه أولوا الفضل والسعة على سبيل المدح وجب أن يقال إنه كان خالياً عن المعصية، لأن الممدوح إلى هذا الحد لا يجوز أن يكون من أهل النار، ولو كان عاصياً لكان كذلك لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا  ﴾ وإذا ثبت أنه كان خالياً عن المعاصي فقوله: ﴿ يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ لا يجوز أن يكون المراد غفران معصية لأن المعصية التي لا تكون لا يمكن غفرانها وإذا ثبت أنه لا يمكن حمل الآية على ذلك وجب حملها على وجه آخر، فكأنه سبحانه قال والله أعلم: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ لأجل تعظيمكم هؤلاء القذفة العصاة، فيرجع حاصل الآية إلى أنه سبحانه قال يا أبا بكر إن قبلت هؤلاء العصاة فأنا أيضاً أقبلهم وإن رددتهم، فأنا أيضاً أردهم فكأنه سبحانه أعطاه مرتبة الشفاعة في الدنيا، فهذا ما حضرنا في هذه الآية والله أعلم فإن قيل: هذه الآية تقدح في فضيلة أبي بكر من وجه آخر وذلك لأنه نهاه عن هذا الحلف فدل على صدور المعصية منه قلنا الجواب: عنه من وجوه: أحدها: أن النهي لا يدل على وقوعه، قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  ﴾ ولم يدل ذلك على أنه عليه الصلاة والسلام أطاعهم بل دلت الأخبار الظاهرة على صدور هذا الحلف منه، ولكن على هذا التقدير لا تكون الآية دالة على قولكم.

وثانيها: هب أنه صدر عنه ذلك الحلف، فلم قلتم إنه كان معصية، وذلك لأن الامتناع من التفضل قد يحسن خصوصاً فيمن يسيء إلى من أحسن إليه أو في حق من يتخذه ذريعة إلى الأفعال المحرمة لا يقال فلو لم تكن معصية لما جاز أن ينهى الله عنه بقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل ﴾ لأنا نقول هذا النهي ليس نهي زجر وتحريم بل هو نهي عن ترك الأولى كأنه سبحانه قال لأبي بكر اللائق بفضلك وسعة همتك أن لا تقطع هذا فكان هذا إرشاداً إلى الأولى لا منعاً عن المحرم.

المسألة الثالثة: أجمعوا على أن المراد من قوله: ﴿ أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله ﴾ مسطح لأنه كان قريباً لأبي بكر وكان من المساكين وكان من المهاجرين، واختلفوا في الذنب الذي وقع منه فقال بعضهم قذف كما فعله عبدالله بن أبي فإنه عليه الصلاة والسلام حده وأنه تاب عن ذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما كان تاركاً للنكر ومظهراً للرضا، وأي الأمرين كان فهو ذنب.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان المحابطة وقالوا إنه سبحانه وصفه بكونه من المهاجرين في سبيل الله بعد أن أتى بالقذف، وهذه صفة مدح، فدل على أن ثواب كونه مهاجراً لم يحبط بإقدامه على القذف.

المسألة الخامسة: أجمعوا على أن مسطحاً كان من البدريين وثبت بالرواية الصحيحة أنه عليه الصلاة والسلام قال: لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم فكيف صدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدرياً؟

والجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد منه افعلوا ما شئتم من المعاصي فيأمر بها أو يقيمها لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقياً عليهم لو حملناه على ذلك لاقتضى زوال التكليف عنهم، ولأنه لو كان كذلك لما جاز أن يحد مسطح على ما فعل ويلعن، فوجب حمله على أحد أمرين: الأول: أنه تعالى اطلع على أهل بدر وقد علم توبتهم وإنابتهم فقال افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل أو كثير فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة الثاني: يحتمل أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة فذكر حالهم في الوقت وأراد العاقبة.

المسألة السادسة: العفو والصفح عن المسيء حسن مندوب إليه، وربما وجب ذلك ولو لم يدل عليه إلا هذه الآية لكفي، ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ فعلق الغفران بالعفو والصفح وعنه عليه الصلاة والسلام: «من لم يقبل عذراً لمتنصل كاذباً كان أو صادقاً فلا يرد على حوضي يوم القيامة» وعنه عليه الصلاة والسلام: «أفضل أخلاق المسلمين العفو» وعنه أيضاً: «ينادي مناد يوم القيامة ألا من كان له على الله أجر فليقم فلا يقوم إلا أهل العفو، ثم تلا فمن عفا وأصلح فأجره على الله» وعنه عليه الصلاة والسلام أيضاً: «لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه».

المسألة السابعة: في هذه الآية دلالة على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة، وإنما تجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.

المسألة الثامنة: مذهب الجمهور الفقهاء أنه من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها أنا ينبغي له أن يأتي الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه، وقال بعضهم إنه يأتي بالذي هو خير، وذلك كفارته واحتج ذلك القائل بالآية والخبر، أما الآية فهي أن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة، وأما الخبر فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وذلك كفارته».

وأما دليل قول الجمهور فأمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان  ﴾ فكفارته وقوله: ﴿ ذلك كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ  ﴾ وذلك عام في الحانث في الخير وغيره.

وثانيها: قوله تعالى في شأن أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ  ﴾ وقد علمنا أن الحنث كان خيراً من تركه وأمره الله بضرب لا يبلغ منها، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها بل كان يحنث بلا كفارة.

وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» أما الجواب: عما ذكره أولاً فهو أنه تعالى لم يذكر أمر الكفارة في قصة أبي بكر لا نفياً ولا إثباتاً لأن حكمه كان معلوماً في سائر الآيات والجواب: عما ذكره ثانياً في قوله: «وليأت الذي هو خير وذلك كفارته» فمعناه تكفير الذنب لا الكفارة المذكورة في الكتاب، وذلك لأنه منهي عن نقض الأيمان فأمره هاهنا بالحنث والتوبة، وأخبر أن ذلك يكفر ذنبه الذي ارتكبه بالحلف.

المسألة التاسعة: روى القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أنها: قالت فضلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعشر خصال تزوجني رسول صلى الله عليه وسلم بكراً دون غيري، وأبواي مهاجران، وجاء جبريل عليه السلام بصورتي في حريرة وأمره أن يتزوج بي، وكنت أغتسل معه في إناء واحد، وجبريل عليه السلام ينزل عليه بالوحي وأنا معه في لحاف واحد، وتزوجني في شوال وبنى بي في ذلك الشهر، وقبض بين سحري ونحري، وأنزل الله تعالى عذري من السماء، ودفن في بيتي وكل ذلك لم يساوني غيري فيه وقال بعضهم برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف عليه السلام بلسان الشاهد، وشهد شاهد من أهلها، وبرأ موسى عليه السلام من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، وروي أنه لما قربت وفاة عائشة جاء ابن عباس يستأذن عليها، فقالت: يجيء الآن فيثني علي، فخبره ابن الزبير فقال ما أرجع حتى تأذن لي، فأذنت له فدخل فقالت عائشة: أعوذ بالله من النار، فقال ابن عباس يا أم المؤمنين مالك والنار قد أعاذك الله منها، وأنزل براءتك تقرأ في المساجد وطيبك فقال: ﴿ الطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون للطيبات  ﴾ كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يحب صلى الله عليه وسلم إلا طيباً وأنزل بسببك التيمم فقال: ﴿ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً  ﴾ وروي أن عائشة وزينب تفاخرتا، فقالت زينب: أنا التي أنزل ربي تزويجي، وقالت عائشة أنا التي برأني ربي حين حملني ابن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: ما قلت حين ركبتيها؟

قالت قلت: حسبي الله ونعم الوكيل.

فقالت قلت كلمة المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وهو من ائتلى إذا حلف: افتعال من الألية.

وقيل: من قولهم: ما ألوت جهداً، إذا لم تدخر منه شيئاً.

ويشهد للأول قراءة الحسن: ولا يتأل.

والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان.

أو لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها، فليعودوا عليهم بالعفو والصفح، وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل بهم ربهم، مع كثرة خطاياهم وذنوبهم، نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وكان فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه، فلما فرط منه ما فرط: آلى أن لا ينفق عليه، وكفى به داعياً إلى المجاملة وترك الاشتغال بالمكافأة للمسيء.

ويروى: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها على أبي بكر، فقال: بلى أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته وقال: والله لا أنزعها أبداً.

وقرأ أَبو حيوة وابن قطيب: ﴿ أن تؤتوا ﴾ ، بالتاء على الالتفات.

ويعضده قوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا يَأْتَلِ ﴾ ولا يَحْلِفْ، افْتِعالٌ مِنَ الألْيَةِ، أوْ ولا يُقَصِّرْ مِنَ الألْوِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ ولا «يَتَألَّ» .

وَأنَّهُ نَزَلَ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَدْ حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ بَعْدُ وكانَ ابْنَ خالَتِهِ وكانَ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ.

﴿ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ في الدِّينِ.

﴿ والسَّعَةِ ﴾ في المالِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ وشَرَفِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ أنْ يُؤْتُوا ﴾ عَلى أنْ لا يُؤْتُوا، أوْ في أنْ يُؤْتُوا.

وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ.

﴿ أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ صِفاتٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ، أيْ ناسًا جامِعِينَ لَها لِأنَّ الكَلامَ فِيمَن كانَ كَذَلِكَ، أوْ لِمَوْصُوفاتٍ أُقِيمَتْ مَقامَها فَيَكُونُ أبْلَغَ في تَعْلِيلِ المَقْصُودِ.

﴿ وَلْيَعْفُوا ﴾ عَمّا فَرَطَ مِنهم.

﴿ وَلْيَصْفَحُوا ﴾ بِالإغْماضِ عَنْهُ.

﴿ ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ عَلى عَفْوِكم وصَفْحِكم وإحْسانِكم إلى مَن أساءَ إلَيْكم.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ فَتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ.

رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرَأها عَلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: بَلى أُحِبُّ ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ نَفَقَتَهُ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ يَأْتَلِ} ولا يحلف من ائتلى إذا حلف افتعال من الألية أولا يقصر من الألو {أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ} في الدين {والسعة} فى الدنيا {أن يؤتوا} إن كان من الألية {أُوْلِى القربى والمساكين والمهاجرين فِى سَبِيلِ الله} أي لا يحلفوا على أن لا يحسنوا

إلى المستحقين للاحسان أولا يقتصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ} العفو الستر والصفح الاعراض أى ولنجاوزوا عن الجفاء وليعرضوا عن العقوبة {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ} فليفعلوا بهم ما يرجون أن يفعل بهم ربهم مع كثرة خطاياهم {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فتأدبوا بأدب الله واغفروا وارحموا نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضى الله عنه حين حلف أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لخوضه فى عائشة رضى الله عنها وكان مسكيناً بدرياً مهاجراً ولما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال بلى أحب أن يغفر الله لي ورد إلى مسطح نفقته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا يَأْتَلِ ﴾ أيْ لا يَحْلِفُ افْتِعالَ مِنَ الآلِيَّةِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا يُقَصِّرُ مِنَ الألْوِ بِوَزْنِ الدَّلْوِ والألْوُ بِوَزْنِ العُتُوِّ، قِيلَ: والأوَّلُ أوْفَقُ بِسَبَبِ النُّزُولِ وذَلِكَ أنَّهُ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ وغَيْرِها أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَلَفَ لِما رَأى بَراءَةَ ابْنَتِهِ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مُسَطَّحٍ شَيْئًا أبَدًا وكانَ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا وكانَ ابْنَ خالَتِهِ، وقِيلَ: ابْنُ أُخْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنَزَلَتْ ﴿ ولا يَأْتَلِ ﴾ إلَخْ وهَذا هو المَشْهُورُ.

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّ أبا بَكْرٍ حَلَفَ لا يُنْفِقُ عَلى رَجُلَيْنِ كانا يَتِيمَيْنِ في حِجْرِهِ حَيْثُ خاضا في أمْرِ عائِشَةَ أحَدُهُما مُسَطَّحٌ فَنَزَلَتْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ أنَّهُ قَطَعَ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَنافِعَهم عَمَّنْ قالَ في الإفْكِ وقالُوا: واللَّهِ لا نَصِلُ مَن تَكَلَّمَ فِيهِ فَنَزَلَتْ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ وأبُو جَعْفَرٍ مَوْلاهُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ «يَتالُ» مُضارِعُ تالى بِمَعْنى حَلَفَ، قالَ الشّاعِرُ: تالى ابْنُ أوْسٍ حَلْفَةً لِيَرُدَّنِي إلى نِسْوَةٍ لِي كَأنَّهُنَّ مَقائِدُ وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيِّدُ المَعْنى الأوَّلِ لِيَأْتِلِ ﴿ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ أيِ الزِّيادَةِ في الدِّينِ ﴿ والسَّعَةِ ﴾ أيْ في المالِ ﴿ أنْ يُؤْتُوا ﴾ أيْ عَلى أنْ لا يُؤْتُوا أوْ كَراهَةَ أنْ يُؤْتُوا أوْ لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُؤْتُوا.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ قَطِيبٍ وأبُو البَرْهَسِمِ «تُؤْتُوا» بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ.

﴿ أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ صِفاتٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ بِناءً عَلى ما عَلِمْتُ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى الصَّحِيحِ بِسَبَبِ حَلْفِ أبِي بَكْرٍ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مُسَطَّحٍ وهو مُتَّصِفٌ كَما سَمِعْتَ بِها فالعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ المَوْصُوفاتِ، والجَمْعُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا لِقَصْدِ العُمُومِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِصِفَةٍ لِلْمُبالَغَةِ في إثْباتِ اسْتِحْقاقِ مُسَطَّحٍ ونَحْوِهِ الإيتاءِ فَإنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِواحِدَةٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ إذا اسْتَحَقَّهُ فَمَن جَمَعَها بِالطَّرِيقِ الأُولى، وقِيلَ: هي لِمَوْصُوفاتٍ أُقِيمَتْ هي مَقامَها وحَذَفَ المَفْعُولَ الثّانِي لِغايَةِ ظُهُورِهِ أيْ أنْ يُؤْتُوهم شَيْئًا ﴿ ولْيَعْفُوا ﴾ ما فَرَّطَ مِنهم ﴿ ولْيَصْفَحُوا ﴾ بِالإغْضاءِ عَنْهُ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ وسُفْيانُ بْنُ الحُسَيْنِ وأسْماءُ بِنْتُ يَزِيدَ «ولْتَعْفُو ولْتَصْفَحُوا» بِتاءِ الخِطابِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ بِمُقابَلَةِ عَفْوِكم وصَفْحِكم وإحْسانِكم إلى مَن أساءَ إلَيْكم ﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ مُبالَغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى المُؤاخَذَةِ وكَثْرَةِ ذُنُوبِ العِبادِ الدّاعِيَةِ إلَيْها، وفِيهِ تَرْغِيبٌ عَظِيمٌ في العَفْوِ ووَعْدٍ كَرِيمٍ بِمُقابَلَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم فَهَذا مِن مُوجِباتِهِ، وصَحَّ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا سَمِعَ الآيَةَ قالَ: بَلى واللَّهِ يا رَبَّنا إنّا لَنُحِبُّ أنْ تَغْفِرَ لَنا وأعادَ لَهُ نَفَقَتَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ صارَ يُعْطِيهِ ضَعْفَيْ ما كانَ يُعْطِيهِ أوَّلًا، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ بَعْدَ أنْ أقْبَلَ مُسَطَّحٌ إلى أبِي بَكْرٍ مُعْتَذِرًا فَقالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ تَعالى فَداكَ واللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ  ما قَذَفْتُها وما تَكَلَّمْتُ بِشَيْءٍ مِمّا قِيلَ لَها أيْ خالٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ ولَكِنْ قَدْ ضَحِكْتَ وأعْجَبَكَ الَّذِي قِيلَ فِيها فَقالَ مُسَطَّحٌ لَعَلَّهُ يَكُونُ قَدْ كانَ بَعْضَ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ مِنَ الحَثِّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ ما فِيها.

واسْتَدَلَّ بِها عَلى فَضْلِ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ داخِلٌ في أُولِي الفَضْلِ قَطْعًا لِأنَّهُ وحْدَهُ أوْ مَعَ جَماعَةٍ سَبَبَ النُّزُولِ، ولا يُضَرُّ في ذَلِكَ عُمُومَ الحُكْمِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ كَما هو الظّاهِرُ، ولا حاجَةَ إلى دَعْوى أنَّها فِيهِ خاصَّةً والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ مَخْصُوصًا بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَرْدُودٌ عَلى أنَّ فِيها مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ ما فِيها، وأجابَ الرّافِضَةُ بِأنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ الزِّيادَةُ في المالِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والسَّعَةِ ﴾ وادَّعى الإمامُ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّدِيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أفْضَلُ جَمِيعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وبَيْنَ ذَلِكَ بِما هو بَعِيدٌ عَنْ فَضْلِهِ، وذَكَرَ أيْضًا دَلالَتَها عَلى وُجُوهِ مَن مَدَحَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأكْثَرَها لِلْبَحْثِ فِيها مَجالٌ، واسْتَدَلَّ بِها عَلى أنْ ما لا يَكُونُ رِدَّةً مِنَ المَعاصِي لا يُحْبِطُ العَمَلَ وإلّا لَما سَمّى اللَّهُ تَعالى مُسَطَّحًا مُهاجِرًا مَعَ أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ ما صَدَرَ، وعَلى أنَّ الحَلِفَ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ تَعالى نَهى عَنْهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا يَأْتَلِ ﴾ ومَعْناهُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ سَبَبُ النُّزُولِ لا يَحْلِفُ، وظاهِرُ هَذا حَمْلُ النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ، وقِيلَ: هو لِلْكَراهَةِ، وقِيلَ: الحَقُّ أنَّ الحَلْفَ عَلى تَرْكِ الطّاعَةِ قَدْ يَكُونُ حَرامًا، وقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، فالنَّهْيُ هُنا لِطَلَبِ التَّرْكِ مُطْلَقًا وفِيهِ بَحْثٌ.

وذَكَرَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ أنَّهُ «إذا حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وقالَ بَعْضُهم.

«إذا حَلَفَ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وذَلِكَ كَفّارَتُهُ» كَما جاءَ في حَدِيثٍ آخَرَ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الكَفّارَةِ في ذَلِكَ الحَدِيثِ تَكْفِيرُ الذَّنْبِ لا الكَفّارَةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هي بِإحْدى الخِصالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، يعني: لا تتبعوا تزيين الشيطان ووساوسه بقذف المؤمنين والمؤمنات، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ.

وفي الآية مضمر، ومعناه: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ وقع في الفحشاء والمنكر.

فَإِنَّهُ، يعني: به الشيطان يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ يعني: المعاصي وَالْمُنْكَرِ ما لا يعرف في شريعة ولا سنة.

وروي عن أبي مجلز قال: خُطُواتِ الشَّيْطانِ، النذور في معصية الله تعالى.

ثم قال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ، يعني: ما ظهر وما صلح منكم مِنْ أَحَدٍ أَبَداً، يعني: أحداً ومَنْ صلة.

وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي، يعني: يوفق للتوحيد مَنْ يَشاءُ، ويقال: ما زكى، أي ما وحد وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي: أي يطهر.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِمَقالتهم، عَلِيمٌ بهم.

ثم قال عز وجل: وَلا يَأْتَلِ، يعني: لا يحلف، وهو يفتعل من الألية وهي اليمين.

قرأ أبو جعفر المدني، وزيد بن أسلم ولا يتألّ على معنى يتفعل، ويقال: معناه ولا يدع أن ينفق ويتصدق، وهو يتفعل من ألوت أني أصنع كذا.

ويقال: ما ألوت جهدي، أي ما تركت طاقتي.

وذلك أن أبا بكر كان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره، فلما تكلم بما تكلم به، حلف أبو بكر  إن لا ينفق عليه، فنزلت هذه الآية: أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ يعني: أُولُوا الْفَضْلِ في دين الله، لأنه كان أفضل الناس بعد رسول الله  .

وَالسَّعَةِ يعني السعة في المال.

وهذا من مناقب أبي بكر  حيث سماه الله أُولُوا الْفَضْلِ في الإسلام.

ويقال: وَلا يَأْتَلِ يعني: ولا يحلف أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ، يعني: أولو الغنى والسعة في المال، والأول أشبه، لكي لا يكون حمل الكلام على التكرار.

أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى، يعني: لا يحلف أن لا يعطي ولا ينفق على أُولِي الْقُرْبى يعني: على ذوي القربى وهو مسطح وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وكان مسطح من فقراء المهاجرين ومن أقرباء أبي بكر (١) وَلْيَعْفُوا، يقول: ليتركوا وَلْيَصْفَحُوا يعني: وليتجاوزوا.

أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، فقال أبو بكر: أنا أحب أن يغفر الله لي، فقد تجاوزت عن قرابتي، ويقال: إن النبيّ  قال لأبي بكر: «أَلاَ تُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكَ» ؟

قال: نعم.

فقرأ  هذه الآية، وأمره بأن ينفق على مسطح «2» .

وفي الآية دليل: على أن من حلف على أمر فرأى الحنث أفضل منه، فله أن يحنث ويكفر عن يمينه، ويكون له ثلاثة أجور: أحدها: ائتماره بأمر الله تعال والثاني: أجر بره وذلك صلته في قرابته، والثالث: أجر التكفير.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يعني: غَفُورٌ لذنوبكم رَحِيمٌ بالمؤمنين.

(١) عزاه السيوطي: 6/ 162 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(2، 3) عزاه السيوطي: 6/ 162 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

نُصْرَتَهُ» ، انتهى «١» ، ثم ذكر تعالى أَنَّه يزكى مَنْ شاء مِمَّنْ سبقت له السعادة، وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له.

وقوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...

الآية: المشهورُ من الروايات أَنَّ هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر رضي الله عنه ومِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وكان من قرابة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه، لمسكَنَتِهِ، فلما وقع أمر الإفك بلغ أبا بكر أَنَّه: وقع مِسْطَحٌ مع مَنْ وقع فحلف أبو بكر: لا ينفق عليه، ولا ينفعه بنافعة أبدا، فجاء مسطح معتذرا/ ٣٦ ب وقال: إنَّما كُنْتُ أسمع ولا أقول، فنزلتِ الآية، والفضل: الزيادة في الدِّينِ، والسعة هنا:

هي المال، ثم قال تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ...

الآية، أي: كما تحبون عفوَ الله لكم عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، فيروى أنَّ أبا بكر قال: بلى، إنِّي أُحِبُّ أَنْ يغفر الله لي، ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ ما كان يُجْرِي عليه من النفقة والإحسان «٢» .

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» : وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الحنث إذا رآه الإنسان خيراً هو أولى من البر، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: «فَرَأَى غَيْرُهَا خَيْراً مِنْها، فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» انتهى «٣» .

وقال بعض الناس: هذه أرجى آيةٌ في كتاب الله عز وجل من

حيث لطفه سبحانه بالقَذَفَةِ العُصَاةِ بهذا اللفظ.

قال ع «١» : وإنَّما تعطى الآية تفضلاً من الله تعالى في الدنيا، وإنَّما الرجاءُ في الآخرة، أما أنَّ الرجاءَ في هذه الآية بقياسٍ، أي: إذا أُمِرَ أُولِي الفضل والسعة بالعفو، فطرد هذا التفضل بسعة رحمته سبحانه لا رَبَّ غيره، وإنَّما آيات الرجاء: قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] .

وقوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْتَلِ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ولا يَتَألَّ " بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَيْنَ التّاءِ واللّامِ وتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى وزْنِ يَتَعَلَّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِيقَ كانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ لِقَرابَتِهِ وفَقْرِهِ، فَلَمّا خاضَ في أمْرِ عائِشَةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: واللَّهِ لا أُنْفِقُ عَلَيْهِ [شَيْئًا] أبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

فَأمّا الفَضْلُ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو التَّفَضُّلُ، والسَّعَةُ: الجِدَّةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِهِ: أبُو بَكْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُؤْتُوا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناهُ: أنْ لا يُؤْتُوا، فَحَذَفَ " لا " .

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ أُولِي القُرْبى ﴾ فَإنَّهُ يَعْنِي مِسْطَحًا، وكانَ ابْنَ خالَةِ أبِي بَكْرٍ، وكانَ مِسْكِينًا، وكانَ مُهاجِرًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا سَمِعَ أبُو بَكْرٍ ﴿ ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالَ: بَلى يا رَبِّ، وأعادَ نَفَقَتَهُ عَلى مِسْطَحٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهِ لَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ المَشْهُورُ مِنَ الرِواياتِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ ابْنِ أبِي قُحافَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ ومِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ ابْنَ بِنْتِ خالَتِهِ، وكانَ مِنَ المُهاجِرِينَ البَدْرِيِّينَ المَساكِينِ، وهو مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ المُطَّلِبِ، بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وقِيلَ: اسْمُهُ عَوْفٌ، ومِسْطَحٌ لَقَبٌ، وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ لِمَسْكَنَتِهِ، فَلَمّا وقَعَ أمْرُ الإفْكِ وقالَ مِسْطَحٌ ما قالَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ألّا يُنْفِقَ عَلَيْهِ ولا يَنْفَعَهُ بِنافِعَةٍ أبَدًا، فَجاءَ مِسْطَحٌ فاعْتَذَرَ وقالَ: إنَّما كُنْتُ أغْشى مَجْلِسَ حَسانَ فَأسْمَعُ ولا أقُولُ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَقَدْ ضَحِكْتَ وشارَكْتَ فِيما قِيلَ، ومَرَّ عَلى يَمِينِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ الضَحاكُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ جَماعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ قَطَعُوا مَنافِعَهم عن كُلِّ مَن قالَ في الإفْكِ وقالُوا: واللهِ لا نَصِلُ مَن تَكَلَّمَ في شَأْنِ عائِشَةَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في جَمِيعِهِمْ.

والأوَّلُ أصَحُّ، غَيْرَ أنَّ الآيَةَ تَتَناوَلُ الأُمَّةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِألا يَغْتاظَ ذُو فَضْلٍ وسَعَةٍ فَيَحْلِفُ ألّا يَنْفَعَ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ غابِرَ الدَهْرِ.

ورَأى الفُقَهاءُ أنَّ مِن حَلَفَ ألّا يَفْعَلَ سُنَّةً مِنَ السُنَنِ أو مَندُوبًا وأبَّدَ ذَلِكَ أنَّها جُرْحَةٌ في شَهادَتِهِ، ذَكَرَهُ البَلْخِيُّ في المُنْتَفى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «أيُّكُمُ المُتَألِّي عَلى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ»؟

و"يَأْتَلِ" مَعْناهُ: يَحْلِفُ، وزَنُها يَفْتَعِلُ، مِنَ الألْيَةِ وهي اليَمِينُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يُقَصِّرُ، مِن قَوْلِكَ: ألَوْتُ في كَذا إذا قَصَّرْتَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا  ﴾ ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "وَلا يَتَألَّ"، وهَذا وزْنُهُ يَتَفَعَّلُ مِنَ الألْيَةِ بِلا خِلافٍ، وهي في المُصْحَفِ "ياءٌ تاءٌ لامٌ" فَلِذَلِكَ ساغَ هَذا الخِلافُ لِأبِي جَعْفَرٍ وزَيْدٍ فَرَوَياهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ مَعَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ، فَظاهِرُ قَوْلِهِ إنَّ ثُمْ ألِفًا قَبْلَ التاءِ.

و"الفَضْلُ والسَعَةُ" هُنا: المالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تُحِبُّونَ" الآيَةُ تَمْثِيلٌ وحُجَّةٌ، أيْ: كَما تُحِبُّونَ غُفْرانَ اللهِ لَكم عن ذُنُوبِكم فَكَذَلِكَ أغْفِرُ لِمَن دُونُكُمْ، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : «مَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ»، فَرُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّهُ قالَ: إنِّي لَأُحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ النَفَقَةَ والإحْسانَ الَّذِي كانَ يَجْرِي عَلَيْهِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: وكَفَّرَ عن يَمِينِهِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "وَلْتَعْفُوا ولْتَصْفَحُوا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  .

وقالَ بَعْضُ الناسِ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثُ لُطْفُ اللهِ تَعالى فِيها بِالقَذَفَةِ العُصاةِ بِهَذَهِ اللَفْظَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما تُعْطِي الآيَةُ تَفَضُّلًا مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في الدُنْيا، وإنَّما الرَجاءُ في الآخِرَةِ، أمّا إنَّ الرَجاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقِياسٍ، أيْ إذا أمَرَ أُولِي السَعَةِ بِالعَفْوِ، فَطَرَدَ هَذا التَفَضُّلَ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ لا رَبَّ سِواهُ، وإنَّما آياتُ الرَجاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ  ﴾ ، وسَمِعْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى عِنْدِي قَوْلُهُ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا  ﴾ ، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ  ﴾ فَشَرَحَ الفَضْلَ الكَبِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ وبَشَّرَ بِها المُؤْمِنِينَ في تِلْكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ، أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى قَوْلُهُ: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى  ﴾ ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  لا يَرْضى بِبَقاءِ أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ في النارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ لا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ [النور: 21] عطف خاص على عام للاهتمام به لأنه قد يخفى أنه من خطوات الشيطان فإن من كيد الشيطان أن يأتي بوسوسة في صورة خواطر الخير إذا علم أن الموسوس إليه من الذين يتوخون البر والطاعة، وأنه ممن يتعذر عليه ترويج وسوسته إذا كانت مكشوفة.

وإن من ذيول قصة الإفك أن أبا بكر رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة المُطَّلبي إذ كان ابن خالة أبي بكر الصديق وكان من فقراء المهاجرين فلما علم بخوضه في قضية الإفك أقسم أن لا ينفق عليه.

ولما تاب مسطح وتاب الله عليه لم يزل أبو بكر واجداً في نفسه على مسطح فنزلت هذه الآية.

فالمراد من أولي الفضل ابتداء أبو بكر، والمراد من أولي القربى ابتداء مسطح بن أثاثة، وتعم الآية غيرهما ممن شاركوا في قضية الإفك وغيرهم ممن يشمله عموم لفظها فقد كان لمسطح عائلة تنالهم نفقة أبي بكر.

قال ابن عباس: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: والله لا نصل مَن تكلَّم في شأن عائشة.

فنزلت الآية في جميعهم.

ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية إلى قوله: ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي.

ورجّع إلى مسطح وأهله ما كان ينفق عليهم.

قال ابن عطية: وكفّر أبو بكر عن يمينه، رواه عن عائشة.

وقرأ الجمهور: ﴿ ولا يأتل ﴾ .

والايتلاء افتعال من الإلية وهي الحلف وأكثر استعمال الإلية في الحلف على امتناع، يقال: آلى وائتلى.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ في سورة البقرة (226).

وقرأه أبو جعفر ﴿ ولا يتألّ ﴾ من تألّى تفعّل من الأليّة.

والفضل: أصله الزيادة فهو ضد النقص، وشاع إطلاقه على الزيادة في الخير والكمال الديني وهو المراد هنا.

ويطلق على زيادة المال فوق حاجة صاحبه وليس مراداً هنا لأن عطف ﴿ والسعة ﴾ عليه يبعد ذلك.

والمعنيّ من أولي الفضل ابتداء أبو بكر الصديق.

والسعة: الغنى.

والأوصاف في قوله: ﴿ أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ﴾ مقتضية المواساة بانفرادها، فالحلف على ترك مواساة واحد منهم سد لباب عظيم من المعروف وناهيك بمن جمع الأوصاف كلها مثل مسطح الذي نزلت الآية بسببه.

والاستفهام في قوله: ﴿ ألا تحبون ﴾ إنكاري مستعمل في التحضيض على السعي فيما به المغفرة وذلك العفو والصفح في قوله: ﴿ وليعفوا وليصفحوا ﴾ .

وفيه إشعار بأنه قد تعارض عن أبي بكر سبب المعروف وسبب البر في اليمين وتجهم الحنث وأنه أخذ بجانب البر في يمينه وترك جانب ما يفوته من ثواب الإنفاق ومواساة القرابة وصلة الرحم وكأنه قدم جانب التأثم على جانب طلب الثواب فنبهه الله على أنه يأخذ بترجيح جانب المعروف لأن لليمين مخرجاً وهو الكفارة.

وهذا يؤذن بأن كفارة اليمين كانت مشروعة من قبل هذه القصة ولكنهم كانوا يهابون الإقدام على الحنث كما جاء في خبر عائشة.

أن لا تكلم عبد الله بن الزبير حين بلغها قوله: إنه يحجر عليها لكثرة إنفاقها المال.

وهو في «صحيح البخاري» في كتاب الأدب باب الهجران.

وعُطف ﴿ والله غفور رحيم ﴾ على جملة: ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ زيادة في الترغيب في العفو والصفح وتطميناً لنفس أبي بكر في حنثه وتنبيها على الأمر بالتخلق بصفات الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ ﴾ وقُرِئَ ولا يَتَألَّ وفي اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما مُتَقارِبٌ واحِدٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ لا يَقْتَصِرُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ لا ألَوْتَ أيْ لا قَصَرْتَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: لا يَحْلِفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الألِيَّةِ وهي اليَمِينُ.

- والقَوْلُ الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ فَمَعْنى يَأْتَلِ أيْ يَأْلُو أوْ يُقْصِرُ، ومَعْنى يَتَألَّ أيْ يَحْلِفُ.

﴿ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا يَحْلِفُوا ألّا يَبَرُّوا هَؤُلاءِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ فَلَمّا خاضَ في الإفْكِ ونَشَرَهُ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ ألّا يَبِرَّهُ، وكانَ ابْنُ خالَتِهِ فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ يَمِينِهِ ونَدَبَهُ إلى بِرِّهِ مَعَ إساءَتِهِ.

وَهَذا مَعْنى لا يَأْلُو جُهْدًا فالمُنْهى عَنْهُ فِيها التَّوَقُّفُ عَنْ بِرِّ مَن أساءَ وأنْ نُقابِلَهُ بِالتَّعَطُّفِ والإغْضاءِ، فَقالَ: ﴿ وَلْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ﴾ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَفْوَ عَنِ الأفْعالِ والصَّفْحَ عَنِ الأقْوالِ.

الثّانِي: أنَّ العَفْوَ سَتْرُ الذَّنْبِ مِن غَيْرِ مُؤاخَذَةٍ والصَّفْحَ الإغْضاءُ عَنِ المَكْرُوهِ.

﴿ ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ كَما تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم ذُنُوبَكم فاغْفِرُوا لِمَن أساءَ إلَيْكم، فَلَمّا سَمِعَ أبُو بَكْرٍ هَذا قالَ: بَلى يا رَبِّ وعادَ إلى بِرِّهِ وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل ﴾ يقول: لا تقسموا أن لا تنفقوا على أحد.

وأخرج ابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان مسطح بن اثاثة ممن تولى كبره من أهل الإِفك، وكان قريباً لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينيله خيراً أبداً، فأنزل الله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ﴾ قالت: فأعاده أبو بكر إلى عياله وقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا تحللتها، وأتيت الذي هو خير.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم....

﴾ قال: «نزلت هذه الآية في رجل من قريش يقال له مسطح، كان بينه وبين أبي بكر قرابة، وكان يتيماً في حجره، وكان ممن أذاع على عائشة ما أذاع، فلما أنزل الله براءتها وعذرها، تألى أبو بكر لا يرزؤه خيراً، فأنزل الله هذه الآية.

فذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر، فتلاها عليه فقال: ألا تحب أن يغفر الله لك؟

قال: بلى قال: فاعف عنه وتجاوز فقال أبو بكر: لا جرم...

والله لا أمنعه معروفاً كنت أوليه قبل اليوم» .

وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: كان ذو قرابة لأبي بكر ممن كثر على عائشة، فحلف أبو بكر لا يصله بشيء وقد كان يصله قبل ذلك، فلما نزلت هذه الآية ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة...

﴾ إلى آخر الآية فصار أبو بكر يضعف له بعد ذلك بعدما نزلت هذه الآية ضعفي ما كان يعطيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: حلف أبو بكر لا ينفع مسطح بن أثاثة، ولا يصله، وكان بينه وبين أبي بكر قرابة من قبل النساء، فأقبل إلى أبي بكر يعتذر فقال مسطح: جعلني الله فداءك والله الذي أنزل على محمد ما قذفتها، وما تكلمت بشيء مما قيل لها أي خالي- وكان أبو بكر خاله- قال أبو بكر: ولكن قد ضحكت وأعجبك الذي قيل فيها قال: لعله يكون قد كان بعض ذلك، فأنزل الله في شأنه ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل...

﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن محمد بن سيرين قال: حلف أبو بكر في يتيمين كانا في حجره، كانا فيمن خاض في أمر عائشة؛ أحدهما مسطح بن اثاثة قد شهد بدراً، فحلف لا يصلهما ولا يصيبا منه خيراً.

فنزلت هذه الآية ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة....

﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة...

﴾ قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رموا عائشة بالقبيح، وأفشوا ذلك، وتكلموا فيها، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر، أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من هذا ولا يصلوه قال: لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك، فأمر الله أن يغفر لهم وأن يعفو عنهم.

وأخرج ابن المنذر عن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة قط.

تصدقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عزا.

فاعفوا يعزكم الله، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله له باب فقر.

إلا أن العفة خير» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، والخرائطي في مكارم الأخلاق، والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن أبي وائل قال: رأيت عبد الله أتاه رجل برجل نشوان فأقام عليه الحد ثم قال للرجل الذي جاء به: ما أنت منه؟

قال: عمه.

قال: ما أحسنت الأدب ولا سترته ﴿ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم....

﴾ ثم قال عبد الله: إني لأذكر أول رجل قطعه النبي صلى الله عليه وسلم أتى رجل فلما أمر به لتقطع يده كأنما سف وجهه رماداً فقيل: يا رسول الله كان هذا شق عليك قال: «لا ينبغي أن تكونوا للشيطان عوناً على أخيكم، فإنه لا ينبغي للحاكم إذا انتهى إليه حد إلا أن يقيمه، وإن الله عفو يحب العفو، ثم قرأ ﴿ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) قليل الألايا حافظ ليمينه ...

فإن سبقت منه الألية برَّت والفعل: آلى يؤلي (٥) (٦) (٧) وقد مرَّ عند قوله: ﴿ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ  ﴾ وهذا قول العامة (٨) (٩) وما (١٠) (١١) (١٢) نصيح على تعذاله غير مؤتل (١٣) ﴿ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾ يعني: أولو الغنى والسعة في المال وهو أبو بكر الصدّيق -  - في قول جميع المفسرين (١٤) قال مجاهد: حلف أبو بكر أن لا ينفع يتيمًا كان في حجره أشاع ذلك الحديث (١٥) (١٦) وقال مقاتل بن سليمان: كان مسطح بن أثاثة -وأمه أسماء بنت جندل بن نهشل (١٧) (١٨) ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ  ﴾ (١٩) ﴿ أَنْ يُؤْتُوا ﴾ قال الزَّجَّاج (٢٠) (٢١) وعلى قول أبي عبيدة (٢٢) ﴿ أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يعني مسطحًا ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾ يعني وليتركوا وليتجاوزوا عن مسطح (٢٣) قال ابن عباس: يريد فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله وصلة الرحم، فتعطف على مسطح، فله قرابة، وله هجرة، وله مسكنة، ومشاهد رضيتها منه يوم بدر (٢٤) ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قال مقاتل بن سليمان: فقال النبي -  - لأبي بكر: "أما تحب أن يغفر الله لك"؟

قال: بلى.

قال: "فاعف واصفح".

فقال أبو بكر: قد عفوت وصفحت لا أمنعه معروفًا بعد اليوم، قد جعلت له مثلي ما كان قبل اليوم (٢٥) وقال مقاتل بن حيان: حلف أبو بكر وأناس معه من أصحاب النبي -  - بالله الذي لا إله إلا هو لا ينفع رجلاً من الذين قالوا لعائشة ما قالوا، ولا نصلهم ولا نبرهم، وكان مسطح بينه وبين أبي بكر قرابة من قبل النساء، فأقبل مسطح إلى أبي بكر ليعتذر فقال: جعلني الله فداك، والله الذي أنزل الكتاب على محمد ما قذفتها ولا تكلمت بشيء مما قيل لها أي خال -وكان أبو بكر خاله- فقال أبو بكر: قد أعجبك الذي قيل لها!

قال: قد كان (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال الكلبي: كان مسطح وأصحابه من ذوي قرابة أبي بكر، فأقبلوا إليه ليصيبوا من طعامه، ويأووا إليه كما كانوا يفعلون فيما مضى، فقال لهم أبو بكر: قوموا عني (٢٩) (٣٠) (٣١) (١) رواه الطبراني 13/ 123 من رواية عطاء، عن ابن عباس.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 وعزاه الطبراني وقد روى الطبري 18/ 102، وابن أبي حاتم 7/ 26 ب من طريق علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس قال: لا تقسموا.

(٢) رواه الطبراني 18/ 102 - 103 وابن أبي حاتم 7/ 26 ب، "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 162 - 163.

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهرى 5/ 430 (ألى)، "الصحاح" للجوهري 6/ 2271 (ألا)، "لسان العرب" لابن منظور 14/ 40 (ألا).

(٤) هو: كثير، والبيت من قصيدة يرثي بها عبد العزيز بن مروان.

وهو في "ديوانه" ص 325، و"الحماسة" لابن الشجري ص 97.

ومن غير نسبة في "الصحاح" 6/ 2271 (ألا)، و"لسان العرب" 14/ 40 (ألا).

(٥) في (أ): (أولى).

(٦) (يتألى) ساقط من (ع).

(٧) من قوله: (والفعل ..

إلى هنا) نقلاً عن "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 430 (ألى).

(٨) انظر: "الطبري" 18/ 101 - 102، الثعلبي 3/ 75 أ.

(٩) في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 65: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) مجازه: ولا يفتعل من آليت: أقسمت، وله موضع آخر من ألوت بالواو.

وفي "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 431 (ألى): وقال أبو عبيدة: (ولا يأتل أولوا الفضل) من ألوت، أي: قصرت.

(١٠) في (أ): (وأمّا).

(١١) في (أ): (ما أقصروا).

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 431 (ألى)، "الصحاح" 2/ 2270 (ألا).

(١٣) هذا عجز بيت لامرئ القيس وهو من معلقته وصدره: ألا ربَّ خصم فيك ألوى رددته وهو في "ديوانه" ص 18.

قال ابن الأنباري في "شرح المعلقات السبع" ص 73 - 74: الألوى: الشديد الخصومة ..

والتعذال: العذل.

وقوله: "غير مؤتل" معناه: غير تارك نصحي بجهده.

يقال: من ألوت وما أليت أي: ما قصرت.

اهـ.

(١٤) انظر: "الطبري" 18/ 102 - 103، ابن أبي حاتم 7/ 26 ب، الثعلبي 3/ 75 أ، "الدر المنثور" 6/ 162 - 163.

قال القرطبي 12/ 207 بعد أن ذكر هذا القول وصحَّحه-: غير أن الآية تتناول الأمّة إلى يوم القيامة بألَّا يغتاظ ذو فضل وسعة فيحلت ألَّا ينفع من هذه صفته غابر الدهر.

(١٥) في (أ): في الحديث.

(١٦) رواه الطبري 18/ 103، والطبرياني في "الكبير" 23/ 149.

(١٧) هكذا ذكرها بهذا الاسم مقاتل بن سليمان في "تفسيره" (ج 2 ل 36 ب).

وقال آخرون: أم مسطح بنت أبي رُهم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمَّها ريطة بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة، تزوّجها أثاثة بن عبّاد بن المطلب بن عبد مناف، فولدت له مسطحًا وهندًا، وأسلمت أم مِسْطح فحسن إسلامها.

قال ابن حجر: يقال: اسمها سلمى، ويقال: ريطة.

وهي مشهورة بكنيتها.

انظر: "طبقات ابن سعد" 8/ 228، "صحيح البخاري" كتاب: المغازي- باب: حديث الإفك 7/ 432، "أسد الغابة" لابن الأثير 5/ 618، "الإصابة" لابن حجر 4/ 472.

(١٨) في (ع): أنَّه.

(١٩) "تفسير مقاتل" (ج2 ل 36 ب).

ومقاتل بن سليمان لا يعتمد عليه في رواية.

وقد روى البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير- تفسير سورة النور 8/ 455، ومسلم في "صحيحه" كتاب: التوبة- باب: في حديث الإفك 4/ 2136 وغيرهما == من حديث عائشة  ا خبر الإفك، وفيه: "فلمّا أنزل الله براءتي قال أبو بكر الصديق -  - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال.

فأنزل الله ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا".

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 36.

(٢١) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 302.

(٢٢) أن معنى (يأتل): يقصر.

(٢٣) انظر: "الطبري" 18/ 102، وابن أبي حاتم 7/ 27 ب، و "تفسير مقاتل" 2/ 36 ب.

(٢٤) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 149 من طريق عطاء، عن ابن عباس.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 151 وعزاه للطبراني، وتصحفت فتعطف في "الدر" إلى: فتسخط.

(٢٥) "تفسير مقاتل" 2/ 36 ب.

ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 27 ب، والطبراني في "الكبير" 23/ 150 - 151 من طريق ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، بمثله إلى قوله: بعد اليوم.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 79: وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف.

وقوله: "قد جعلت له مثلي ما كان قبل اليوم" روى الطبراني 23/ 125 - 129 نحوه من حديث ابن عمر في خبر الإفك وفيه: "فلما قال: (ألا تحبّون أن يغفر الله لكم) بكى أبو بكر فقال: أما إذ نزل القرآن بأمري فيك لأضاعفن لك النفقة".

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 240: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، وهو كذّاب.

وروى ابن المنذر كما في "الدر المنثور" 6/ 163 عن الحسن: أن أبا بكر صار يضعف له بعد ذلك، بعد ما نزلت هذه الآية ضعفي ما كان يعطيه.

والذي في "صحيح البخاري" وغيره من حديث عائشة: "فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه".

والله أعلم.

(٢٦) عند ابن أبي حاتم: لعله يكون قد كان بعض ذلك.

(٢٧) في (ظ)، (ع): (لا).

(٢٨) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 26 ب إلى قوله: أن ينفقوا على مسطح.

ولم أجد من ذكر باقيه عن مقاتل بن حيّان.

(٢٩) (عنّي) ساقطة من (ظ)، (ع).

(٣٠) في (ظ): (فلستم منّي ولست منكم في شيء).

(٣١) لم أجد من ذكر هذه الرواية عن الكلبي.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى ﴾ معنى يأتل يحلف، فهو من قولك: آليت إذا حلفت، وقيل معناه: يقصر فهو من قولك: ألوت أي قصرت، ومنه ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ [آل عمران: 118] والفضل هنا يحتمل أن يريد به الفضل في الدين، أو الفضل في المال، وهو أن يفضل له عن مقدار ما يكفيه، والسعة هي اتساع المال، ونزلت الآية بسبب أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق على مسطح، لما تكلم في حديث الإفك، وكان ينفق عليه لمسكنته؛ ولأنه قريبه، وكان ابن بنت خالته، فلما نزلت الآية رجع إلى مسطح النفقة والإحسان، وكفر عن يمينه قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن، لأن الله أوصى بالإحسان إلى القاذف، ثم إن لفظ الآية على عمومه في أن لا يحلف أحد على ترك عمل صالح ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ﴾ أي كما تحبون أن يغفر الله لكم، كذلك اغفروا أنتم لمن أساء إليكم، ولما نزلت قال أبو بكر رضي الله عنه: إني لأحب أن يغفر الله لي، ثم ردّ النفقة إلى مسطح.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ كبره ﴾ بضم الكاف: يعقوب.

﴿ إذ سمعتموه ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة غير خلف ورجاء والعجلي ﴿ إذ تلقونه ﴾ بالإظهار وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ولا يتأل ﴾ من التألي: يزيد ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة.

﴿ يوم يشهد ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف.

والباقون بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ عصبة منكم ﴾ ط ﴿ شراً لكم ﴾ ط ﴿ خير لكم ﴾ ط ﴿ من الإثم ﴾ ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ لا للعطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ج للشرط معنى مع الفاء ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال أن يكون "إذ" ظرف قوله ﴿ لمسكم ﴾ أو ﴿ أفضتم ﴾ واحتمال كونه منصوباً باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن قوله {  } من جملة مفعول ﴿ قلتم ﴾ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية ﴿ الايات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ ابداً ﴾ لا لتعلق لكن ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط والوصل أولى للعطف ﴿ وليصفحوا ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ص ﴿ عظيم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ للخبيثات ﴾ ج للعطف مع التضاد ﴿ للطيبات ﴾ ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف ﴿ يقولون ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصدّيقة وما قذفها به أهل النفاق.

روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن ابي وقاص وكلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله  إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة.

قال الزهري: هي غزوة المريسيع.

وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة.

قال: وهي غزوة المريسيع أيضاً.

فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله  ، فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه.

وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست وقلت: يعودون في طلبي فنمت.

وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع أمتعته فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني وقال: ما خلفك عن الناس؟

فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري.

فبيناهم في ذلك هجمت عليهم فتكلم القوم فيّ وقدم رسول الله  المدينة ومكثت شهراً أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون  ﴾ إلى أن نزل فيّ ﴿ إن الذين جاؤا بالإفك ﴾ إلى آخر الآيات.

وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول.

وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء.

وقيل: هو البهتان.

والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه العصابة.

قال المفسرون.

هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ أنهم كانوا من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهراً.

أما الخطاب في قوله ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله  وأبا بكر وعائشة وصفوان.

ومعنى كونه خيراً لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن الرسول  وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب العقلية.

وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها.

وقيل: الخطاب للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة.

وضعف هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما اكتسب من إثم الخوض.

﴿ والذي تولى كبره ﴾ أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله  مع امرأة من قريش، والشهر أنه عبد الله راس النفاق.

ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟

فقالوا: عائشة.

فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها.

ويروى أن عائشة ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة.

فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟

فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول  رجوت له الجنة.

وفي رواية أخرى قالت: واي عذاب أشد من العمى.

ثم علم أدباً حسناً في مثل هذه الواقعة فقال ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن ﴾ فصل بين "لولا" التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف مالا يتسع في غيره تنزيلاً للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف.

والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم ومثله ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم  ﴾ ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك.

ومعنى بأنفسكم بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحاً ببراءة ساحته ﴿ هذا إفك مبين ﴾ وذلك أن المؤمن معه من العقل والدين ما يهديه إلى الاصلح ويؤخره عن الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: كلام العدى ضرب من الهذيان.

فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يزيد فيه.

روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟

فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟

قال: لا.

قلت: لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله  فعائشة خير مني وصفوان خير منك.

وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة.

ومن هنا قال أيضاً: إذ باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز.

ومثله إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف.

وإذا وجدنا امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملاً لعقود المسلمين وتصرفاتهم على الجواز والصحة.

وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على النكاح.

وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع على أن الذي قيل فيها إفك صريح.

قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن المنفرات ألبتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر للكفرة.

قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.

قيل: في تفسيره الكشخان الذي تحبب امرأته الرجال إلى نفسها.

ويقال: كشخنته أي قلت له ياكشخان.

ثم بالغ في زجرهم عن حديث الإفك بقوله ﴿ لولا جاؤا ﴾ وهي أيضاً تحضيضية والمراد التفصيل بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا العدد وكل فرد منه منتفٍ في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون.

وهذا القدر كافٍ في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفاً.

ثم زاد في التهديد والزجر بقوله ﴿ ولولا فضل الله ﴾ هي "لولا" الامتناعية.

قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك.

وعن مقاتل أن في الآية تقديماً وتأخيراً والمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة ﴿ لمسكم في ما ﴾ انفعتم ﴿ فيه عذاب عظيم ﴾ في الدنيا والآخرة معاً.

وتلقي الإفك أخذه من أفواه القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرئ به.

كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟

فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر.

وفي زيادة قوله ﴿ بأفواهكم ﴾ إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ولا حقيقة لمؤداه في الواقع.

والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف زوجة النبي وخاصة نبينا  فلهذا قال ﴿ وهو عند الله عظيم ﴾ عن بعضكم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.

وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير.

وصفهم في الاية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكداً لعظمه.

وفيه أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون عند الله من الكبائر.

ثم علمهم أدباً آخر ومعنى ﴿ ما يكون لنا ﴾ لا ينبغي ولا يصح لنا.

ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر وذلك أنه يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل متعجب منه.

والفرق بين هذه الآية وبين قوله ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ هو أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته ﴿ يعظكم الله ﴾ بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة ﴿ أن تعودوا ﴾ أو في شأن أن تعودوا ﴿ لمثله ابداً ﴾ أي مدة حياتكم.

ولا دلالة للمعتزلة في قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار ﴿ ويبين الله لكم ﴾ أي لانتفاعكم ﴿ الآيات ﴾ الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده ﴿ والله عليم حكيم ﴾ هما صفتان مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية للتأكيد المحض.

والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث.

ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثبت ولا يعاقب.

استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن واعظاً ولا مبيناً آياته لانتفاعهم ولا حكيماً لا يفعل القبائح.

ولا جواب للاشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا اعتراض عليه.

ثم بين بقوله ﴿ إن الذين يحبون ﴾ أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب.

والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئاً من المضار والأذيات.وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص ما يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أبي.

وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق العطن إلا أن يساعده نقل صحيح.

وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله  عبد الله بن ابي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره.

وعذاب الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار.

عن رسول الله  "إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم" وعن أنس أن النبي  قال " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" من الخير وأما قوله ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ ففي نهاية حسن الموقع لأن الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله  .

وإنما نعرف نحن شيئاً منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا يجتهد في أن يكون قلبه سليماً من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على الملكات ترتبه على الأحوال فافهم.

قال أبو حنيفة: المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع عنها.

وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه  غير خالق للكفر ولا مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة.

ولقائل أن يقول: قياس الغائب على الشاهد فاسد.

ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتميكن من التلافي وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم.

وجواب "لولا" محذوف على نسق ما مر.

وقيل: جوابه ما يدل على ذلك في قوله ﴿ ما زكى منكم ﴾ وهو بعيد.

عن ابن عباس أن الخطاب لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم.

ثم نهى عن اتباع آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفحشاء وارتكاب مال تنكره العقول وتأباه.

وقوله ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء ﴾ من وضع السبب مقام المسبب والمراد ضل.

قالت الاشاعرة: في قوله ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والضمير لله وكذا في قوله ﴿ ولكن الله يزكي ﴾ دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله ﴿ من يشاء ﴾ ينافي قولكم إن خلق الألطاف واجب عيه.

ثم علم أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يأتل ﴾ وهو افتعل من الألية أي لا يحلف على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيراً فهي كقراءة من قرأ ﴿ ولا يأتل ﴾ وقيل: هو من قولهم "ما ألوت جهداً" إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئاً اي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين.

قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة ابي بكر الصديق فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه.

فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه فنزلت فقرأها رسول الله  على أبي بكر، فلما وصل إلى قوله ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبداً.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الاية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الاية لا يراد به السعة في المال والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل على الإطلاق.

تركنا العمل به في حق النبي  بالاتفاق فيبقى في الغير معمولاً به.

وأيضاً ذكره الله  في الآية بلفظ الجمع وإنه مشعر بالتعظيم.

وأيضاً قد قيل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد امره الله  بالصفح عنه، وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسن ذلك.

وأيضاً في تسميته أولي الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من أن تقابل إنساناً بسوء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن يقطع برك عمن اساء إليك.

وأيضاً أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال لنبيه ﴿ فاعف عنهم واصفح  ﴾ فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في الأخلاق.

وأيضاً علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة ألبتة في الحال وفي الاستقبال لقوله ﴿ أن يغفر ﴾ فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصياً والعاصي في النار.

وليس النهي في قوله ﴿ ولا يأتل ﴾ نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى والأفضل وهو العفو.

عن النبي  "أفضل أخلاق المسلمين العفو" وعنه  "لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحاً كان مذنباً لأنه أتى بالقذف أو رضي به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله  .

وأجمعوا ايضاً على أنه من البدريين وقد ورد فيهم الخبر الصحيح "لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فكيف الجمع بين الأمرين؟

أجابوا أنه ليس المراد من قوله "اعملوا ما شئتم" أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلاً أو كثيراً فقد أعطيتكم الدرجات العليات في الجنة، أو اراد حسن حالهم في العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة.

قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين دليل على أن ثواب كونه مهاجراً لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول بالمحابطة باطلاً.

استدل جمهور الفقهاء بالاية في قول من فسر الائتلاء بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.

ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله  ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان  ﴾ وهو عام في جانب الخير وفي غيره.

ومثله ما ورد في قصة أيوب { ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به  ﴾ ولو كان الحنث كفارة لو يؤمر بضرب الضغث عيها.

وقال بعض العلماء: إنه يأتي بالذي هو خير وذلك كفارته لقوله  في حديث آخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته" ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولو يوجب عليه كفارة.

وأجيب بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقاً للحديث الآخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة.

قوله ﴿ أن الذين يرمون المحصنات ﴾ قد مر تفسير المحصنة.

وأما الغافلات فهن السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال.

قال الأصوليون: خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم.

ومنهم من قال: عائشة مع سائر أزواج النبي  .

ومنهم من قال: هي أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان والغفلة والإيمان.

وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير استثناء.

وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة.

وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أن كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة.

ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله  عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر.

أما شهادة الجوارح فلا إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطاً في الحياة فيجوز أن يخلق الله  في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً.

وقالت المعتزلة: المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من الله  .

ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله.

ومعنى ﴿ دينهم الحق ﴾ الجزاء المستحق.

وقال في الكشاف: معنى قوله ﴿ هو الحق المبين ﴾ العادل الظاهر العدل.

وقال غيره: سمي حقاً لأنه حق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه فوجوده مستعار زائل.

والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات.

فالحصال أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره.

ثم ختم الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله ﴿ الخبيثات ﴾ يعني الكلمنات التي تخبث مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن وهو يستكره طبعاً وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله  طيباً.

وعلى الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الرجال.

والحاصل أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الصنفين للخبيثات من القول وكذلك الطيبات والطيبون ﴿ أولئك ﴾ الطيبون ﴿ مبرؤن مما ﴾ يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.

قال جار الله: هو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أهل البيت عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك.

وفي الآية قول آخر وهو أن يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين الرجال الذين هم أشكال لهن فيكون أول الآية نظير قوله ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ وكذلك الكلام في أهل الطيب ولا أطيب من رسول الله  فيكون أزواجه مثله فلذلك أخبر عن حالهن بقوله ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد مر تفسير الرزق الكريم في "الحج" نظيره قوله في الأحزاب ﴿ وأَعتدنا لها رزقاً كريماً  ﴾ وفي الآية دلالة على أن عائشة من أهل الجنة.

وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت.

عن عائشة: لقد أعطيت تسعاً من أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل  بصورتي في راحته حين أمر النبي أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿ وشهد شاهد من أهلها  ﴾ وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين.

التأويل: إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، وأن النبي  لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟

قال: عائشة فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة.

وقالت عائشة: إني أحبك وأحب قربك فالله  حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته حتى قالت حين ظهرت براءة ساحتها "بحمد الله لا بحمدك".

وقيل: الملامة مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس ﴿ يوم تشهد عليهم ﴾ شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله { ﴿ تعرفهم بسيماهم  ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: عيناك قد حكتا مبيتك *** كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتك *** مبيت صاحبها عياناً وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله.

وعند الحكماء تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: ﴿ الخبيثات ﴾ وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي ﴿ للخبيثين ﴾ وهم أمثالهن ﴿ والطيبات ﴾ من لوث الحدوث ﴿ للطيبين ﴾ وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ نهى المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان، ولم يبين ما خطوات الشيطان، لكنه قال: ﴿ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ فجوابه أن يقول: فإن خطواته كذا، ولم يقل أيضاً: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفاحشة، ولكنه قال: ﴿ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، لكن جوابه ما قال في آية أخرى: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ...

﴾ الآية [البقرة: 168-169] أخبر [أن] من اتبعه أمره بالفحشاء.

والخطوات: من الخُطْوة والخَطْوة وهما من رفع القدم ووضعه، وأصله نَهْي عن اتباع آثاره.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ التزكية تحتمل التوفيق، والعصمة؛ يزكون بما أعطى لهم من التوفيق والعصمة.

أو يزكون بما أرسل إليهم من الكتب والرسل والعصمة، [وهو] أشبه.

وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أن من زكا إنما يزكو بفضله ورحمته، وهم يقولون: لو فعل بهم غير الذي فعل كان جائزاً عندهم فعلى قولهم ليس بمفضل ولكن عادل؛ لأنه فعل ما عليه أن يفعل؛ فعلى قولهم لا يكون مفضلا، ولكن عادلا؛ إذ لم يسم في الشاهد من فعل ما عليه أن يفعل: مفضلا؛ وعلى قولهم: إنه قد أعطى كلا ما به يزكون ويصلحون، لكنهم لم يزكوا هم؛ فعلى قولهم لم يزك من زكا به، ولكنه إنما زكا بما أعطاه له، فقد أخبر أن من زكا إنما زكا به، وأنه قد أبقى عنده ما لو أعطاهم ذلك لزكوا، وقد أعطى ذلك من زكا وصلح، ولم يعط من لم يزك.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: سميع لأقوالهم وعليم لأفعالهم، وأصله ما ذكر: يعلم ما يسرون وما يعلنون.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ ﴾ أي: ولا يحلف، وهو (يفتعل) من الإيلاء.

وقال أبو عوسجة: لا يأتل، أي: لا يعجز، ولا يقصر، يقال: ائتلى يأتلي، وألا يألو ألواً، وهو التقصير، وترك المبالغة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ أي: من له الفضل والسعة.

ويحتمل ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ ﴾ من له الأفضال والمعروف وبر أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله.

ذكر أهل التأويل أن أبا بكر كان حلف ألا ينفع مسطحا بنافعة وكان قريبه بما تكلم في عائشة؛ فأنزل الله النهي عن ذلك فقال: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ .

لكن الآية وإن نزلت في أمر ومعنى كان من أبي بكر، فإن غيره من الناس يشترك في معنى ذلك، وفي ذلك النهي، وكذلك ما قال في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...

 ﴾ ، ذكر أن قوماً كانوا يحلفون ألا يبروا الناس، ولا يصلحوا بذلك أن يكون حلفهم في ذلك عذراً لهم في ترك الإنفاق عليهم؛ والتعاون، والإصلاح بين الناس، فنهوا عن ذلك، وذلك اليمين لهم، ولمن كان في معناهم، ليس لهم خاصة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ...

﴾ الآية، وإن كان في أبي بكر فهو فيه وفي الذين في معناه.

وإن كان حلف هذا بترك الإنفاق لإساءة كانت منهم إليهم، والأول على الابتداء لإساءة كانت منهم إليهم، وكذلك هذه الآيات نزلت لنازلة كانت في عائشة وصفوان فإنما نزلت لتلك النازلة لمعنى لا نزلت لأنها كانت عائشة أو أبو بكر، لكن لمعنى بكل من وجد ذلك المعنى فيه شرك في ذلك، ويجعل كأن هذه الآيات كلها نزلت فيه، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ فكل محصنة مؤمنة غافلة بريئة مما رميت به دخلت في الآية، وكل رامٍ محصن مؤمن غافل بريء مما رمي به في الآية؛ لوجود المعنى الذي نزلت الآية.

وعلى ذلك القرآن إذا نزل بسبب المرء أو نازلة لمعنى، يشترك من وجد فيه ذلك المعنى فيه شرك في ذلك الحكم؛ فعلى ذلك ما نزل في أبي بكر من النهي بترك الإنفاق، وما عوده من اصطناع المعروف إليه لما كان منه إليه من الإساءة، ثم أمره بالعفو والصفح، وهو قوله: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ ﴾ ، أي: اعفوا عن إساءته واصفحوا أي: لا تذكروا عفوكم إياه عن إساءة، ولا تذكروا زلته أيضاً؛ لأن ذكر العفو يخرج مخرج الامتنان كقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ  ﴾ ؛ لأن المن والأذى يبطل الصدقة، وذكر الزلة يخرج مخرج التعيير والتوبيخ، فأمره بالعفو وهو ظاهر والصفح ما ذكرنا من ترك ذكر العفو والزلة والإساءة جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: قد تحبون أن يغفر الله لكم ما كان منكم إليه من الإساءة، فإن أحببتم ذلك فاعفوا عمن أساء إليكم، والله غفور رحيم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ : قد ذكرنا أن المحصنات هاهنا: هن الحرائر، والغافلات: هن بريئات من الفاحشة، والمؤمنات ظاهر.

وقوله: ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ كأن الآية نزلت في المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس؛ لذلك ذكر فيهم اللعن؛ فهو كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ والمؤمن لا يحب أن تشيع الفواحش في المؤمنين، إنما ذلك عادة المنافقين.

ثم اللعن في الدنيا هو الحدّ الذي ضرب، وفي الآخرة العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وعظيم كأنه ذكر اللعن والعذاب الأليم إذا لم يتوبوا، وماتوا على النفاق، فعند ذلك يكون لهم ما ذكر؛ ويدل لما ذكرنا أن الآية في المنافقين قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية، وإنما تشهد هذه الجوارح على الكافر لإنكاره باللسان، وأمّا المؤمن فإنه مقر بذلك كله لا يحتاج إلى أن تشهد عليه الجوارح، وهو ما قال: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ...

﴾ الآية [يس: 65] ونحوه، كأنهم ينكرون ذلك في الآخرة كما أنكروا في الدنيا كقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ  ﴾ أخبر أنهم يحلفون لله في الآخرة كما كانوا يحلفون لرسول الله في الدنيا، فجائز: أن ألسنتهم تشهد عليهم بعد ما أنكروا، وتشهد عليهم سائر الجوارح إذا أنكروا، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20].

{ ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا...

﴾ الآية [فصلت: 21] تكون شهادة الألسن بعد ما أنكروا هم ذلك، وحلفوا؛ فعند ذلك تشهد عليهم ألسنتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ ﴾ يؤمنون به جميعاً يومئذ، ويقرون بالحق، لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا  ﴾ ، ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد الله، والإقرار بالربوبية له والألوهية هو الحق المبين، أي: تبين ذلك، والحق المبين: ما يبين ما يؤتى وما يتقى، وما يحل مما يحرم.

وقوله: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: الخبيثات من الكلمات والقول [للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلمات والقول]، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات.

وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ للكافرين.

وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، [و] نحوه من الكلام.

ثم قال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ﴾ يعني: عائشة وصفوان.

﴿ مُبَرَّءُونَ ﴾ مما يقول أولئك القذفة.

﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: حسن؛ فابن عباس صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول.

وقال بعضهم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعاً ووجوداً، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو الشرع.

وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول الله، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كنّ طيبات لكن لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، والله أعلم.

وعن عبد الله بن مسعود -  - قال: "إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير.

ثم تلا عبد الله ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ...

﴾ الآية".

وجائز أن يكون الخبيثات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا في الدنيا أعمالا طيبة، فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في الدنيا، والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي في الدنيا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ أنزلت في المنافقين الذين قذفوا عائشة: عبد الله بن أبي وأصحابه، وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذكرنا لم يقصدوا به قذفها، ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة، وأمّا المنافقون فقد قصدوا به القذف والفرية؛ فأوجب للمنافقين الحدّ واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وأمّا المؤمنون فقال لهم: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن، أي: لولا ذلك لعذبكم كما عذب أولئك.

ثم قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس نحو ما ذكر أولئك إلا أنه زاد فيه من القول والعمل، وذلك كله قريب بعضه ببعض، والله أعلم بذلك.

وقال: إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء فيقول القائل: قال فلان: كذا وكذا، فيقول الآخر: ما هذا من كلام فلان.

وروي عن كعب بمثل قِيلِ عبد الله [بن مسعود] فقال: إن الكلمة الخبيثة تخرج من لسان العبد فتصعد إلى السماء فلا يفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى الأرض فلا تجد لها مستقرّاً، وتذهب إلى البحور فلا تجد لها فيها مكاناً، فتقول: ما أجد لي موضعاً أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها.

ثم تلا كعب هذه الآية: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا يحلف أهل الفضل في الدين وأصحاب السعة في المال على ترك إعطاء أقربائهم المحتاجين -لما هم عليه من الفقر، من المهاجرين في سبيل الله- لذنب ارتكبوه، وليعفوا عنهم، وليصفحوا عنهم، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم إذا عفوتم عنهم وصفحتم؟!

والله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم، فليتأسّ به عباده.

نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق  لما حلف على ترك الإنفاق على مِسْطَح لمشاركته في الإفك.

<div class="verse-tafsir" id="91.EZGw6"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله