الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٢٦ من سورة النور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال ابن عباس : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول .
والطيبات من القول ، للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من القول .
قال : ونزلت في عائشة وأهل الإفك .
وهكذا روي عن مجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، والحسن بن أبي الحسن البصري ، وحبيب بن أبي ثابت ، والضحاك .
واختاره ابن جرير ، ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس ، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس ، فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به ، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم; ولهذا قال : ( أولئك مبرءون مما يقولون ) .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء .
وهذا - أيضا - يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم ، أي : ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة; لأنه أطيب من كل طيب من البشر ، ولو كانت خبيثة لما صلحت له ، لا شرعا ولا قدرا; ولهذا قال : ( أولئك مبرءون مما يقولون ) أي : هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان ، ( لهم مغفرة ) أي : بسبب ما قيل فيهم من الكذب ، ( ورزق كريم ) أي : عند الله في جنات النعيم .
وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن مسلم ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن يزيد بن عبد الرحمن ، عن الحكم ، عن يحيى بن الجزار قال : جاء أسير بن جابر إلى عبد الله فقال : لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم بكلام أعجبني .
فقال عبد الله : إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة غير طيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها ، فيسمعها رجل عنده يتلها فيضمها إليه .
وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها ، فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه ، ثم قرأ عبد الله : ( الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ) .
ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعا : " مثل الذي يسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشر ما سمع ، كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم ، فقال : أجزرني شاة .
فقال : اذهب فخذ بأذن أيها شئت .
فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم " وفي الحديث الآخر : " الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها " .
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ) يقول: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول.
وقوله: ( وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ ) يقول: الطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، نـزلت في الذين قالوا في زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان، ويقال: الخبيثات للخبيثين: الأعمال الخبيثة تكون للخبيثين: والطيبات من الأعمال تكون للطيبين.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، في قول الله: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) قال: الطيبات: القول الطيب، يخرج من الكافر والمؤمن فهو للمؤمن، والخبيثات: القول الخبيث يخرج من المؤمن والكافر فهو للكافر ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) وذلك أنه برأ كليهما مما ليس بحقّ من الكلام.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) يقول: الخبيثات والطيبات: القول السيئ والحسن، للمؤمنين الحسن وللكافرين السيئ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) وذلك بأنه ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين، كلّ بريء مما ليس بحقّ من الكلام.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ) قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام.
حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مثله.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ )...
الآية، يقول: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، فهذا في الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الخبيثون، والطيبون هم المبرّءون مما قال الخبيثون.
حدثنا أبو زرعة، قال ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة، يعني ابن نبيط الأشجعي، عن الضحاك: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ) قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس.
قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح وعثمان بن الأسود، عن مجاهد: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
قال: ثنا سفيان عن خصيف، عن سعيد بن جبير، قال: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.
قال: ثني محمد بن بكر بن مقدم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، يعني ابن أبي سليمان، عن القاسم بن أبي بزّة، عن سعيد بن جبير، عن مجاهد: ( وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ) قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس.
قال: ثنا عباس بن الوليد النرسي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) يقول: الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والعمل.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، قال: الطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، قال: الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول، والخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء.
*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) قال: نـزلت في عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفرية، فبرأها الله من ذلك.
وكان عبد الله بن أُبيّ هو خبيث، وكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبا، وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، وكان أولى أن يكون لها الطيب ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) قال: هاهنا برّئت عائشة ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ).
وأولى هذه الأقوال في تأويل الآية قول من قال: عنى بالخبيثات: الخبيثات من القول، وذلك قبيحه وسيئه للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، هم بها أولى؛ لأنهم أهلها.
والطيبات من القول، وذلك حسنه وجميله للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول; لأنهم أهلها وأحقّ بها.
وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل الآية؛ لأن الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خصهم به على إفكهم، فكان ختم الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به، أشبه من الخبر عن غيرهم.
وقوله: ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ ) يقول: الطيبون من الناس مبرّءون من خبيثات القول، إن قالوها فإن الله يصفح لهم عنها، ويغفرها لهم، وإن قيلت فيهم؛ ضرّت قائلها ولم تضرّهم، كما لو قال الطيب من القول الخبيث من الناس لم ينفعه الله به، لأن الله لا يتقبله، &; 19-145 &; ولو قيلت له لضرّته؛ لأنه يلحقه عارها في الدنيا، وذلها في الآخرة.
كما حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) فمن كان طيبا فهو مبرأ من كل قول خبيث، يقول يغفره الله، ومن كان خبيثا فهو مبرأ من كل قول صالح، فإنه يردّه الله عليه لا يقبله منه، وقد قيل: عُني بقوله: ( أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ) عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت به، فعلى هذا القول قيل " أُولئِكَ" فجمع، والمراد ذانك، كما قيل: ( وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً ) والمراد أخَوان.
وقوله: ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) يقول لهؤلاء الطيبين من الناس مغفرة من الله لذنوبهم، والخبيث من القول إن كان منهم ( وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) يقول: ولهم أيضا مع المغفرة عطية من الله كريمة، وذلك الجنة، وما أعدّ لهم فيها من الكرامة.
كما حدثنا أبو زرعة، قال: ثنا العباس بن الوليد النرسي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة: ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ): مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في الجنة.
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريمقال ابن زيد : المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، وكذا الخبيثون للخبيثات ، وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات .
وقال مجاهد ، وابن جبير ، وعطاء ، وأكثر المفسرين : المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال ، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول ، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من القول .
قال النحاس في كتاب معاني القرآن : وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية .
ودل على صحة هذا القول أولئك مبرءون مما يقولون أي عائشة ، وصفوان مما يقول الخبيثون والخبيثات .
وقيل : إن هذه الآية مبنية على قوله : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة الآية ؛ فالخبيثات الزواني ، والطيبات العفائف ، وكذا الطيبون والطيبات .
واختار هذا القول النحاس أيضا ، وهو معنى قول ابن زيد .
أولئك مبرءون مما يقولون يعني به الجنس .
وقيل : عائشة ، وصفوان فجمع كما قال : فإن كان له إخوة والمراد أخوان ؛ قاله الفراء .
و ( مبرءون ) يعني منزهين مما رموا به .
قال بعض أهل التحقيق : إن يوسف - عليه السلام - لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد ، وإن مريم لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه ، وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن ؛ فما رضي لها ببراءة صبي ولا نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان .
وروي عن علي بن زيد بن جدعان ، عن جدته ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة : لقد نزل جبريل - عليه السلام - بصورتي في راحته حين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوجني ولقد تزوجني بكرا ، وما تزوج بكرا غيري ، ولقد توفي - صلى الله عليه وسلم - وإن رأسه لفي حجري ، ولقد قبر في بيتي ، ولقد حفت الملائكة بيتي ، وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه ، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما يبينني عن جسده ، وإني لابنة خليفته وصديقه ، ولقد نزل عذري من السماء ، ولقد خلقت طيبة وعند طيب ، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما ؛ تعني قوله تعالى : لهم مغفرة ورزق كريم وهو الجنة .
{ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ } أي: كل خبيث من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للخبيث، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، وكل طيب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للطيب، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته، أن الأنبياء -خصوصا أولي العزم منهم، خصوصا سيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو أفضل الطيبين من الخلق على الإطلاق لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة رضي الله عنها بهذا الأمر قدح في النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المقصود بهذا الإفك، من قصد المنافقين، فمجرد كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم، يعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح.
فكيف وهي هي؟\" صديقة النساء وأفضلهن وأعلمهن وأطيبهن، حبيبة رسول رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها، ثم صرح بذلك، بحيث لا يبقى لمبطل مقالا، ولا لشك وشبهة مجالا، فقال: { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } والإشارة إلى عائشة رضي الله عنها أصلا، وللمؤمنات المحصنات الغافلات تبعا { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } تستغرق الذنوب { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة صادر من الرب الكريم.
قوله - عز وجل - : ( الخبيثات للخبيثين ) قال أكثر المفسرين : الخبيثات من القول والكلام للخبيثين من الناس .
( والخبيثون ) من الناس ، ( للخبيثات ) من القول ، [ والكلام ] ، ( والطيبات ) من القول ، ( للطيبين ) من الناس ، ( والطيبون ) من الناس ، ( للطيبات ) من القول ، والمعنى : أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس والطيب لا يليق إلا بالطيب من الناس ، فعائشة لا يليق بها الخبيثات من القول لأنها طيبة رضي الله عنها فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن [ وما يليق بها ] .
وقال الزجاج : معناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء ، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة ، ومدح للذين برؤوها بالطهارة .
وقال ابن زيد : معناه الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء [ أمثال عبد الله بن أبي والشاكين في الدين ] ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء .
يريد عائشة طيبها الله لرسوله الطيب - صلى الله عليه وسلم - .
( أولئك مبرءون ) يعني : عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى : " فإن كان له إخوة " ( النساء - 11 ) أي : إخوان .
وقيل : " أولئك مبرؤون " يعني الطيبين والطيبات منزهون ، ( مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ) فالمغفرة هي العفو عن الذنوب ، والرزق الكريم : الجنة .
وروي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها ، منها أن جبريل أتى بصورتها في سرقة من حرير ، وقال هذه زوجتك .
وروي أنه أتى بصورتها في راحته وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج بكرا غيرها ، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأسه في حجرها ، ودفن في بيتها ، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه ، ونزلت براءتها من السماء ، وأنها ابنة خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصديقه ، وخلقت طيبة ، ووعدت مغفرة ورزقا كريما .
وكان مسروق إذا روى عن عائشة يقول : حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبرأة من السماء .
«الخبيثات» من النساء ومن الكلمات «للخبيثين» من الناس «والخبيثون» من الناس «للخبيثات» مما ذكر «والطيبات» مما ذكر «للطيبين» من الناس «والطيبون» منهم «للطيبات» مما ذكر أي اللائق بالخبيث مثله وبالطيب مثله «أولئك» الطيبون والطيبات من النساء ومنهم عائشة وصفوان «مبرؤون مما يقولون» أي الخبيثون من الرجال والنساء فيهم «لهم» للطيبين والطيبات «مغفرة ورزق كريم» في الجنة وقد افتخرت عائشة بأشياء منها أنها خلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً.
كل خبيث من الرجال والنساء والأقوال والأفعال مناسب للخبيث وموافق له، وكل طيِّب من الرجال والنساء والأقوال والأفعال مناسب للطيب وموافق له، والطيبون والطيبات مبرؤون مما يرميهم به الخبيثون من السوء، لهم من الله مغفرة تستغرق الذنوب، ورزق كريم في الجنة.
ثم ختم - سبحانه - الآيات التى نزلت فى حديث الإفك بتقرير سنته الإلهية ، التى نشاهدها فى واقع الناس - وهى : أن شبيه الشىء منجذب إليه ، وأن الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف .
وما تناكر منها اختلف " - كما جاء فى الحديث الشريف - فقال - تعالى - : " الخبيثات للخبيثين " أى : الخبيثات من النساء ، مختصات بالخبيثين من الرجال " والخبيثون " من الرجال مختصون " بالخبيثات " من النساء ، " والطيبات " منهن " للطيبين " منهم ." والطيبون " - أيضا - منهم " للطيبات " منهن .وهكذا يألف الشكل كله ، والطيور على أشكالها تقع ، وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم هو أطيب الطيبين ، فلا يمكن أن تكون زوجاته صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهن عائشة ، إلا من أطيب الطيبات من النساء ، وأطهر الطاهرات منهن .ثم جاءت شهادة الله - تعالى - وهى تغنى عن كل شهادة - بما يثبت براءة عائشة - رضى الله عنها - من كل ما افتراه عليها المفترون ، جاء قوله - سبحانه - ( أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) .أى : أولئك ، الطيبون والطيبات ، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته .
وعلى رأس أهل بيته عائشة - رضى الله عنها - مبرءون مما يقولون أى : مما يقوله الخبيثون والخبيثات فى شأنهم .وألوئك الطيبون والطيبات " لهم مغفرة " عظيمة من الله - تعالى - ولهم " رزق كريم " هو جنة عرضها السموات والأرض ، جزاء إيمانهم وعملهم الصالح وصبرهم على الأذى .هذا هو حديث القرآن عن حديث الإفك ، الذى أشاعه الفاسقون عن السيدة عائشة - رضى الله عنها - وكان مقصدهم الأكبر من وراء ذلك هو الطعن فى نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم .
ولكن الله - تعالى - رد عليهم بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم .هذا ، ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة جملة من الأحكام والآداب من أهمها ما يأتى :1 - غيرة الله - تعالى - على حرمة نبيه صلى الله عليه وسلم ودفاعه - سبحانه - عن أوليائه ، ورده لكيد المنافقين فى نحورهم .قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : " هذه الآيات نزلت فى شأن عائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها - حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين .
بما قالوه من الكذب البحث والفرية التى غار الله - تعالى - لها ولنبيه - صلوات الله وسلامه عليه - فأنزل الله - سبحانه - براءتها ، صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم " .2 - تسلية الله - تعالى - لعباده المؤمنين ، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث المفترى على الصديقة بنت الصديق - رضى الله عنهما - ، وقد ظل هذا الحديث يتردد فى جنبات المدينة ، حتى نزلت هذه الآية الكريمة ، لإحقاق الحق وإبطال الباطل .ومن مظاهر هذه التسلية قوله - تعالى - ( لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ .
.
.
) قال صاحب الكشاف : ومعنى كونه خيرا لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم ، لأنه كان بلاء ..
.
ومحنة ظاهرة .
وأنه نزلت فيه ثمانى عشرة آية ، كل واحدة منها مستقلة ، بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له .
وتنزيه لأم المؤمنين - رضوان الله عليها - وتطهير لأهل البيت .
وتهويل لمن تكلم فى ذلك ، أو سمع به فلم تمجه أذناه ، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة .
وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها " .3 - إرشاد المؤمنين إلى أن من أنجع الوسائل لمحاربة الإشاعات الكاذبة ، أن يحسن بعضهم الظن ببعض ، وأن يكتموا هذه الإشاعات حتى تموت فى مهدها ، وأن يزجروا من يتفوه بها .
أو من يعمل بعلى ترويجها .
وأن يظهروا له احتقارهم ، ونفورهم من مجرد سماعها .وهذا الإرشاد الحكيم ، نراه فى آيات متعددة من هذه القصة ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ ) ( ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) .4 - بيان جانب من مظاهر فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده المؤمنين ، الذين سبقتهم ألسنتهم بالخوص فى حديث الإفك ، أو فى سماعه .
.
.
ثم تابوا بعد ذلك مما وقعوا فيه .ويتجلى هذا الفضل العظيم ، فى قوله - تعالى - : ( وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدنيا والآخرة لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) ( وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَآءُ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) 5 - تحذير المؤمنين تحذيرا شديدا ، عن مغبة الوقوع مرة أخرى .
فيما وقع فيه بعضهم من الخوض فى حديث الإفك ، وفيما يشبهه من أحداث ، وبيان أن ما حدث من بعضهم يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان ، ومع آداب الإسلام .ومن الآيات التى وردت فى هذا التحذير قوله - تعالى - : ( يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) 6 - تهديد الذين افتروا حديث الإفك بخبث وبسوء نية ، وبإصرار على نشر قالة السوء فى صفوف المؤمنين .
.
.
تهديدهم بأشد ألوان العذاب فى الدنيا والآخرة ، ووصفهم بأقبح الصفات التى تدعو إلى نبذهم والبعد عنهم .ومن الآيات التى وردت فى ذلك قوله - تعالى : ( لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون ) وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنيا والآخرة ) وقوله - عز وجل - : ( إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين ) .قال صاحب الكشاف - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصه : " ولو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة ، لم تر الله - تعالى - قد غلظ فى شىء تغليظه فى الإفك على عائشة - رضوان الله عليها .
وأنزل - سبحانه - من الآيات القوارع ، المشحونة بالوعيد الشديد .
ما أنزل فى حديث الإفك ، ولو لم ينزل الله إلى هذه الثلاث - يعنى قوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات .
.
.
) إلى قوله - سبحانه - ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين ) لكفى بها .
حيث جعل القذفة ملعونين فى الدارين جميعا ، وبأن جوارحهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا .
.
.
.
فأوجز - سبحانه - فى ذلك وأشبع ، وفصل وأجمل ، وأكد وكرر .
.
.
.
وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسوله صلى الله عليه وسلم ونفى التهمة عن حرمته .
.
.
" .7 - توجيه المؤمنين الصادقين إلى العفو والصفح ، عمن شارك فى حديث الإفك بالقول ، أو بالسماع ، أو بالرضا به ، ما دام هؤلاء المشاركون قد تابوا أو ندموا على ما وقع منهم ، ندما يدل على حسن توبتهم ، كأن يعترفوا بخطئهم أو يعتذروا عما فرط منهم .ويشهد لهذا التوجيه قوله - تعالى - فى شأن أبى بكر الصديق ، بعد أن اقسم أن لا ينفق على مسطح - ( وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) 8 - تكريم السيدة عائشة - رضى الله عنها - تكريما يظل ملازما لها إلى أن يرث الله - تعالى - الأرض ومن عليها .
فقد برأها - سبحانه - مما افتراه عليها المفترون ، وشهد بحصانتها وغفلتها عن السوء ، وقوة إيمانها ، وطيب عنصرها ، وأنزل فى شأنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ، ويكفيها فخرا قوله - تعالى - : ( أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) .وقد ساق بعض العلماء كثيرا من الأحاديث التى تدل على فضلها وعلى حب النبى صلى الله عليه وسلم لها ، فقال ما ملخصه : " وفى الجملة فإن أهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة .
وعلى محبة النبى صلى الله عليه وسلم لها ، ففى الصحيح عن عمرو بن العاص قال : " قلت يا رسول الله .
أى النساء أحب إليك؟
قال : " عائشة " " .وثبت فى الصحيح - أيضاً - " أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة لما يعلمون من محبته صلى الله عليه وسلم إياها .
.
.
وكان فى مرضه الذى مات فيه يقول : أين أنا اليوم؟
استبطاء ليوم عائشة .
ثم استأذن نساءه - رضى الله عنهن - أن يُمَرَّض فى بيتها ، وفيه توفى فى حجرها " .هذه بعض الأحكام والآداب التى تؤخذ من هذه الآيات ، ومن أرد المزيد فليرجع إلى أمهات كتب التفسير ، ففيها ما يشبع وينفع .
اعلم أن الخبيثات يقع على الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك، ويقع أيضاً على الكلام الذي هو كالذم واللعن، ويكون المراد من ذلك لا نفس الكلمة التي هي من قبل الله تعالى، بل المراد مضمون الكلمة، ويقع أيضاً على الزواني من النساء، وفي هذه الآية كل هذه الوجوه محتملة، فإن حملناها على القذف الواقع من أهل الإفك كان المعنى الخبيثات من قول أهل الإفك للخبيثين من الرجال، وبالعكس والطيبات من قول منكري الإفك للطيبين من الرجال وبالعكس، وإن حملناها على الكلام الذي هو كالذم واللعن، فالمعنى أن الذم واللعن معدان للخبيثين من الرجال، والخبيثون منهم معرضون للعن والذم.
وكذا القول في الطيبات وأولئك إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرءون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلمات، وإن حملناه حملناه على الزواني فالمعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال وبالعكس، على معنى قوله تعالى: ﴿ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والمعنى أن مثل ذلك الرمي الواقع من المنافقين لا يليق إلا بالخبيثات والخبيثين لا بالطيبات والطيبين، كالرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه.
فإن قيل فعلى هذا الوجه يلزم أن لا يتزوج الرجل العفيف بالزانية والجواب: ما تقدم في قوله: ﴿ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ وقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ ﴾ يعني الطيبات والطيبين مما يقوله أصحاب الإفك، سوى قول من حمله على الكلمات فكأنه قال الطيبون مبرءون مما يقوله الخبيثون، ومتى حمل أولئك على هذا الوجه كان لفظه كمعناه في أنه جمع، ومتى حملته على عائشة وصفوان وهما اثنان فكيف يعبر عنهما بلفظ الجمع؟
فجوابه من وجهين: الأول: أن ذلك الرمي قد تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعائشة وصفوان فبرأ الله تعالى كل واحد منهم من التهمة اللائقة به الثاني: أن المراد به كل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنه تعالى برأهن من هذا الإفك.
لكن لا يقدح فيهن أحد كما أقدموا على عائشة، ونزه الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عن أمثال هذا الأمر وهذا أبين كأنه تعالى بين أن الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، ولا أحد أطيب ولا أطهر من الرسول، فأزواجه إذن لا يجوز أن يكن إلا طيبات، ثم بين تعالى أن: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ يعني براءة من الله ورسوله ورزق كريم في الآخرة، ويحتمل أن يكون ذلك خبراً مقطوعاً به، فيعلم بذلك أن أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام هن معه في الجنة، وقد وردت الأخبار بذلك ويحتمل أن يكون المراد بشرط اجتناب الكبائر والتوبة، والأول أولى لأنا إنما نحتاج إلى الشرط إذا لم يمكن حمل الآية عليه، أما إذا أمكن فلا وجه لطلب الشرط، وهذا يدل على أن عائشة رضي الله عنها تصير إلى الجنة بخلاف مذهب الرافضة الذين يكفرونها بسبب حرب يوم الجمل فإنهم يردون بذلك نص القرآن فإن قيل القطع بأنها من أهل الجنة إغراء لها بالقبيح.
قلنا أليس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلمه الله تعالى بأنه من أهل الجنة ولم يكن ذلك إغراء له بالقبيح، وكذا العشرة المبشرة بالجنة فكذا هاهنا، والله أعلم تمت قصة أهل الإفك.
<div class="verse-tafsir"
أي ﴿ الخبيثات ﴾ من القول تقال أو تعدّ ﴿ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ من الرجال والنساء ﴿ والخبيثون ﴾ منهم يتعرضون ﴿ للخبيثات ﴾ من القول، وكذلك الطيبات والطيبون.
و ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الطيبين، وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم، وهو كلام جار مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب.
ويجوز أن يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أهل البيت، وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك، وأن يراد بالخبيثات والطيبات: النساء، أي: الخبائث يتزوّجن الخباث، والخباث الخبائث.
وكذلك أهل الطيب.
وذكر الرزق الكريم ها هنا مثله في قوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ﴾ [الأحزاب: 31] وعن عائشة: لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتهنّ امرأة: لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيني، وإنّ الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ﴾ أيِ الخَبائِثُ يَتَزَوَّجْنَ الخَباثَ وبِالعَكْسِ وكَذَلِكَ أهْلُ الطَّيِّبِ فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ بَيْتِ النَّبِيِّ أوِ الرَّسُولَ وعائِشَةَ وصَفْوانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.
﴿ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ ﴾ إذْ لَوْ صَدَقَ لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يُقَرَّرْ عَلَيْها، وقِيلَ الخَبِيثاتُ والطَّيِّباتُ مِنَ الأقْوالِ والإشارَةُ إلى «الطَّيِّبِينَ» والضَّمِيرُ في ﴿ يَقُولُونَ ﴾ لِلْآفِكِينَ، أيْ مُبَرَّؤُونَ مِمّا يَقُولُونَ فِيهِمْ أوْ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثاتِ أيْ مُبَرَّؤُونَ مِن أنْ يَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ.
﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ، ولَقَدْ بَرَّأ اللَّهُ أرْبَعَةً بِأرْبَعَةٍ: بَرَّأ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشاهِدٍ مِن أهْلِها، ومُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ فِيهِ بِالحَجَرِ الَّذِي ذَهَبَ بِثَوْبِهِ، ومَرْيَمَ بِإنْطاقِ ولَدِها، وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ مَعَ هَذِهِ المُبالَغَةِ، وما ذَلِكَ إلّا لِإظْهارِ مَنصِبِ الرَّسُولِ وإعْلاءِ مَنزِلَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{الخبيثات} من القول تقال {لِلْخَبِيثِينَ} من الرجال والسناء {والخبيثون} منهم يتعرضون {للخبيثات} من القول وكذلك {والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون} إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرءون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم وهو كلام جار مجرى المثل لعائشة رضى الله عنها وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب ويجوز أن يكون إشارة إلى هل البيت وأنهم مبرءون مما يقول أهل الإفك وأن يراد بالخبيثات والطيبات النساء الخبائث يتزوجن الخباث والخباث تتزوج الخبائث وكذا أهل الطيب {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} مستأنف أو خبر بعد خبر {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} في الجنة ودخل ابن عباس رضى الله عنهما على عائشة رضى الله عنها في مرضها وهي خائفة من القدوم على الله تعالى فقال لا تخافي لأنك لا تقدمين إلا على مغفرة ورزق كريم وتلا الآية فغشي عليها فرحاً بما تلا وقالت عائشة رضى الله عنها لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتهن امرأة نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر
عليه السلام ورأسه في حجري وقبر في بيتي وينزل عليه الوحي وأنا في لحافه وأنا ابنة خليفته وصديقه ونزل عذري من السماء وخلقت طيبة عند طيب ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً وقال حسان متعذرا في حقها
حصانٌ رزانٌ ما تزن بريبة
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل ...
حليلة خير الناس ديناً ومنصباً
نبي الهدى والمكرمات الفواضل ...
عقيلة حيّ من لؤي بن غالب
كرام المساعي مجدها غير زائل ...
مهذبة قد طيب الله خيمها
وطهرها من كل شين وباطل
النور (٣٠ - ٢٧)
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الخَبِيثاتُ ﴾ إلَخْ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُؤَسَّسٌ عَلى السُّنَّةِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ عَلى مُوجَبِ أنَّ لِلَّهِ تَعالى مَلِكًا يَسُوقُ الأهْلَ إلى الأهْلِ، وقَوْلُ القائِلِ: «إنَّ الطُّيُورَ عَلى أشْباهِها تَقَعُ» أيِ الخَبِيثاتِ مِنَ النِّساءِ ﴿ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ مِنَ الرِّجالِ أيْ مُخْتَصّاتٍ بِهِمْ لا يَتَجاوَزْنَهم إلى غَيْرِهِمْ عَلى أنَّ اللّامَ لِلِاخْتِصاصِ ﴿ والخَبِيثُونَ ﴾ أيْضًا ﴿ لِلْخَبِيثاتِ ﴾ لِأنَّ المُجانِسَةَ مِن دَواعِي الِانْضِمامِ ﴿ والطَّيِّباتُ ﴾ مِنهُنَّ ﴿ لِلطَّيِّبِينَ ﴾ مِنهم ﴿ والطَّيِّبُونَ ﴾ أيْضًا ﴿ لِلطَّيِّباتِ ﴾ مِنهُنَّ بِحَيْثُ لا يَتَجاوَزُونَهُنَّ إلى مَن عَداهُنَّ وحَيْثُ كانَ رَسُولُ اللَّهِ أطْيَبَ الأطْيَبِينَ وخِيرَةَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ تَبَيَّنَ كَوْنُ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن أطْيَبِ الطَّيِّباتِ بِالضَّرُورَةِ واتَّضَحَ بُطَلانُ ما قِيلَ فِيها مِنَ الخُرافاتِ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ ﴾ عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى أهْلِ البَيْتِ النَّبَوِيِّ رِجالًا ونِساءً ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: إلى رَسُولِ اللَّهِ والصِّدِيقَةُ وصَفْوانُ وقالَ الفِراءُ: إشارَةٌ إلى الصِّدِّيقَةِ وصَفْوانَ والجَمْعُ يُطْلَقُ عَلى ما زادَ عَلى الواحِدِ.
وفِي الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ تَغْلِيبٌ أيْ أُولَئِكَ مُنَزَّهُونَ مِمّا يَقُولُهُ أهْلُ الإفْكِ في حَقِّهِمْ مِنَ الأكاذِيبِ الباطِلَةِ.
وجَعَلَ المَوْصُوفَ لِلصِّفاتِ المَذْكُورَةِ النِّساءَ والرِّجالَ حَسْبَما سَمِعْتَ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ضِمْنَ خَبَرٍ طَوِيلٍ ورَواهُ الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ والجِبائِيُّ وجَماعَةٌ وهو الأظْهَرُ عِنْدِي وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَها الطَّبَرانِيُّ أيْضًا وابْنُ مَرْدُويَهٍ وغَيْرُهُما أنَّ ( الخَبِيثاتُ والطَّيِّباتُ ) صِفَتانِ لِلْكَلِمِ ( والخَبِيثُونَ والطَّيِّبُونَ ) صِفَتانِ لِلْخَبِيثَيْنِ مِنَ النّاسِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ والحَسَنِ ( والخَبِيثُونَ ) عَلَيْهِ شامِلٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ وكَذا ( الطَّيِّبُونَ ) و ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الطَّيِّبِينَ وضَمِيرُ ﴿ يَقُولُونَ ﴾ لِلْخَبِيثَيْنِ، وقِيلَ لِلْآفِكِينَ أيِ الخَبِيثاتِ مِنَ الكَلِمِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ أيْ مُخْتَصَّةٍ ولاصِقَةٍ بِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ تُقالَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ وكَذا الخِبِّيثُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أحِقّاءٌ بِأنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ خَبائِثُ الكَلِمِ والطَّيِّباتُ مِنَ الكَلِمِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُخْتَصَّةٌ وحَقِيقَةٌ بِهِمْ وهم أحِقّاءٌ بِأنْ يُقالَ في شَأْنِهِمْ طَيِّباتُ الكَلِمِ أُولَئِكَ الطَّيِّبُونَ مُبَرَّؤُونَ عَنِ الِاتِّصافِ مِمّا يَقُولُ الخِبِّيثُونَ وقِيلَ الآفِكُونَ في حَقِّهِمْ فَمَآلُهُ تَنْزِيهُ الصَّدِيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أيْضًا.
وقِيلَ: المُرادُ الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ مُخْتَصَّةٌ بِالخَبِيثِينَ مِن فَرِيقَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ لا تَصْدُرُ عَنْ غَيْرِهِمْ والخِبِّيثُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُخْتَصُّونَ بِالخَبِيثاتِ مِنَ القَوْلِ مُتَعَرِّضُونَ لَها والطَّيِّباتُ مِنَ القَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أيْ مُخْتَصَّةٍ بِهِمْ لا تَصْدُرُ عَنْ غَيْرِهِمْ والطَّيِّبُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مُخْتَصُّونَ بِالطَّيِّباتِ مِنَ القَوْلِ لا يَصْدُرُ عَنْهم غَيْرُها أُولَئِكَ الطَّيِّبُونَ مُبَرَّؤُونَ مِمّا يَقُولُ الخِبِّيثُونَ أيْ لا يَصْدُرُ عَنْهم مِثْلُ ذَلِكَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ إلى ما، ومَآلُهُ الحَطُّ عَلى الآفِكِينَ وتَنْزِيهُ القائِلِينَ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ عَظِيمَةٌ لِما لا يَخْلُو البَشَرُ عَنْهُ مِنَ الذَّنْبِ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ ﴿ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ هو الجَنَّةُ كَما قالَهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأحْزابِ في أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ﴿ وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِهِ ثَمَّتُ الجَنَّةِ بِقَرِينَةِ ( أعْتَدْنا ) والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وفي هَذِهِ الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقَةِ ما فِيها، ولَوْ قَلَّبْتَ القُرْآنَ كُلَّهُ وفَتَّشَتْ عَمّا أُوعِدَ بِهِ العُصاةُ لَمْ تَرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ غَلَّظَ في شَيْءٍ تَغْلِيظَهُ في الإفْكِ وهو دالٌّ عَلى فَضْلِها أيْضًا، وكانَتْ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها تَتَحَدَّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها بِنُزُولِ ذَلِكَ في شَأْنِها.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْها أنَّها قالَتْ: خِلالٌ فِيَّ لَمْ تَكُنْ في أحَدٍ مِنَ النّاسِ إلّا ما آتى اللَّهُ تَعالى مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ واللَّهِ ما أقُولُ هَذا أنِّي أفْتَخِرُ عَلى صَواحِباتِي قِيلَ: وما هُنَّ؟
قالَتْ: نَزَلَ المَلِكُ بِصُورَتِي وتَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ لِسَبْعِ سِنِينَ وأهْدَيْتُ لَهُ لِتِسْعِ سِنِينَ وتُزَوَّجَنِي بِكْرًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيَّ أحَدٌ مِنَ النّاسِ وأتاهُ الوَحْيُ وأنا وإيّاهُ في لِحافٍ واحِدٍ وكُنْتُ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ ونَزَلَ فِيَّ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ كادَتِ الأُمَّةُ تَهْلَكُ فِيهِنَّ ورَأيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِن نِسائِهِ غَيْرِي وقُبِضَ في بَيْتِي لَمْ يَلِهِ أحَدٌ غَيْرُ المَلِكِ وأنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ ولَقَدْ خُلِقَتْ طَيِّبَةً عِنْدَ طَيِّبٍ ولَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ بِناءً عَلى شُمُولِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها رَدَّ عَلى الرّافِضَةِ القائِلِينَ بِكُفْرِها ومَوْتِها عَلى ذَلِكَ وحاشاها لِقِصَّةِ وقْعَةِ الجَمَلِ مَعَ أشْياءَ افْتَرَوْها ونَسَبُوها إلَيْها، ومِمّا يَرِدُ زَعْمُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ في خُطْبَتِهِ حِينَ بَعَثَهُ الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَسْتَنْفِرانِ أهْلَ المَدِينَةِ وأهْلَ الكُوفَةِ: إنِّي لَأعْلَمُ أنَّها زَوْجَةُ نَبِيِّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاكم لِيَعْلَمَ أتُطِيعُونَهُ أمْ تُطِيعُونَها، ومِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ ما رَأيْتُهُ في بَعْضِ كُتُبِ الشِّيعَةِ مِن أنَّها خَرَجَتْ مِن أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ تِلْكَ الوَقْعَةِ لِأنَّ النَّبِيَّ قالَ لِلْأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: قَدْ أذِنْتُ لَكَ أنْ تَخْرُجَ بَعْدَ وفاتِي مِنَ الزَّوْجِيَّةِ مَن شِئْتَ مِن أزْواجِي فَأخْرَجَها كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن ذَلِكَ لِما صَدَرَ مِنها مَعَهُ ما صَدَرَ، ولَعَمْرِي إنَّ هَذا مِمّا يَكادُ يُضْحِكُ الثَّكْلى، وفي حُسْنِ مُعامَلَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إيّاها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بَعْدَ اسْتِيلائِهِ عَلى العَسْكَرِ الَّذِي صَحِبَها الثّابِتُ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ ما يُكَذِّبُ ذَلِكَ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ في فَضْلِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِهَذِهِ الآياتِ ولِما جاءَ في مَدْحِها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ سِوى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَّةٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ «إنَّ فَضْلَ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ»» لَكِنِّي مَعَ هَذا لا أقُولُ بِأنَّها أفْضَلُ مِن بِضْعَتِهِ الكَرِيمَةِ فاطِمَةَ الزَّهْراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها والوَجْهُ لا يَخْفى، وفي هَذا المَقامِ أبْحاثٌ تُطْلَبُ مِن مَحَلِّها، ثُمَّ إنَّ الَّذِي أراهُ أنَّ إنْزالَ هَذِهِ الآياتِ في أمْرِها لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِجَبْرِ قَلْبِ صاحِبِهِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَذا قَلْبُ زَوْجَتِهِ أمِّ رُومانَ فَقَدِ اعْتَراهُما مِن ذَلِكَ الإفْكُ ما اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ.
ولِمَزِيدِ انْقِطاعِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ فَضْلِها وطَهارَتِها في نَفْسِها.
وقَدْ جاءَ في خَبَرٍ غَرِيبٍ ذَكَرَهُ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ بِسَنَدِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لَأقَرَّ عَيْنَها بِالبَراءَةِ وهي تَبْكِي فَقالَتْ: هَجَرَنِي القَرِيبُ والبَعِيدُ حَتّى هَجَرَتْنِي الهِرَّةُ وما عُرِضَ عَلَيَّ طَعامٌ ولا شَرابٌ فَكُنْتُ أرْقُدُ وأنا جائِعَةٌ ظامِئَةٌ فَرَأيْتُ في مَنامِي فَتًى فَقالَ لِي: ما لَكِ؟
فَقُلْتُ: حَزِينَةٌ مِمّا ذَكَرَ النّاسُ فَقالَ: اِدْعِي بِهَذِهِ الدَّعَواتِ يُفَرِّجُ اللَّهُ تَعالى عَنْكِ فَقُلْتُ: وما هِيَ؟
فَقالَ قَوْلِي: يا سابِغَ النِّعَمِ ويا دافِعَ النِّقَمِ ويا فارِجَ الغَمَمِ ويا كاشِفَ الظُّلَمِ يا أعْدَلَ مَن حَكَمَ يا حَسَبَ مَن ظَلَمَ يا ولِيَّ مَن ظُلِمَ يا أوَّلُ بِلا بِدايَةٍ ويا آخَرُ بِلا نِهايَةٍ يا مَن لَهُ اسْمٌ بِلا كُنْيَةٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي مِن أمْرِي فَرَجًا ومَخْرَجًا قالَتْ: فانْتَبَهْتُ وأنا رَيّانَةٌ شَبْعانَةٌ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فَرَجِي، ويُسَمّى هَذا الدُّعاءُ دُعاءَ الفَرَجِ فَلْيُحْفَظْ ولِيُسْتَعْمَلْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، يعني: العفائف الْغافِلاتِ، يعني: عن الزنى والفواحش.
الْمُؤْمِناتِ، يعني: المصدقات بالألسن والقلوب، لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وأصل اللعن: هو الطرد والبعد، ويقال للشيطان: اللعين، لبعده عن الرحمة.
وروي في الخبر: «أن يوم القيامة تكون هذه الأمة شاهدة على الأمم الأولين، إلا الذين تجري على لسانهم اللعنة» .
وروي عن رسول الله أنه سمع رجلاً يلعن بعيره، فقال: «أَتَلْعَنُهَا وَتَرْكَبُهَا؟» فنزل عنها، ولم يركبها أحد «3» .
قوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يعني: شديد يوم القيامة.
وذكر أن حسان بن ثابت ذهب بصره في آخر عمره، فدخل يوماً على عائشة ا، فجلس عندها ساعة، ثم خرج، فقيل لها: إن الله تعالى قال: لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدنيا والآخرة.
فقالت عائشة: أو ليس هذا أعظم؟
يعني: ذهاب بصره.
ويقال: عَذابٌ عَظِيمٌ إن لم يتوبوا.
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ، أي بِمَا تكلموا.
ثم قال: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، يعني: يوفيهم جزاء أعمالهم.
قرأ حمزة والكسائي يَشْهَدُ بالياء بلفظ المذكر، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن الفعل مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث.
وقرأ مجاهد الحق بضم القاف، فيكون الحق نعت لله، وتكون قراءة أبي بن كعب شاهدة له، كأنه يقول: يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم، وقراءة العامة: الْحَقَّ بالنصب.
وإنما يكون نصباً لنزع الخافض، يعني: يوفيهم الله ثواب دينهم بالحق، أي بالعدل.
وجه أخر: أن يكون الحق نعتاً للدين، ويكون كقوله: حَقًّا ثم يدخل عليه الألف واللام.
ثم قال: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، يعني: عبادة الله هي الحق المبين.
ويقال: ويعلمون أن ما قال الله عزّ وجلّ هو الحق.
ثمّ قال: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ قال الكلبي: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال، يعني: عبد الله بن أبي، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من الكلام على معنى التكرار والتأكيد.
ويقال: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، مثل عبد الله بن أبي تكون له زوجة خبيثة زانية، وامرأة النبيّ لا تكون زانية خبيثة.
ويقال: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ يعني: لا يتكلم بكلام الخبيث إلا الخبيث، ولا يليق إلا بالخبيث.
ويقال: الكلمات الخبيثات إنما تليق بالخبيثين من الرجال.
ثم قال: وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، يعني: الطَّيِّباتُ من الكلام لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، ويقال الطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ على معنى التكرار والتأكيد.
ثم قال: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ، يعني: عائشة وصفوان مما يقولون من الفرية، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، يعني: رزقاً في الجنة كثيراً، ويقال: كَرِيمٌ يعني: حسن.
وذكر ابن عباس أنه دخل على عائشة ا في مرضها الذي ماتت فيه، فذكرت ما كان منها من الخروج في يوم الجمل وغيره، فقال لها ابن عباس: «أبشري، فإن الله تعالى يقول: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، والله تعالى ينجز وعده» .
فسري بذلك عنها.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : وتصريف الفعل يأْبَى أَنْ يكون من أنس، وقرأ أُبَيُّ وابن عباس «٢» :
«حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا» وصورة الاستئذان أَنْ يقول الإنسان: السلام عليكم، أأدخل؟
فإن أُذِنَ له دَخَل، وإنْ أُمِرَ بالرجوع انصرف، وإنْ سُكِتَ عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف، جاءت في هذا كله آثار، والضمير في قوله: تَجِدُوا فِيها: للبيوت التي هي بيوتُ الغير، وأسند الطبريُّ «٣» عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبتُ عمري كُلَّه هذه الآيةَ فما أدركتها أن أستأذنَ على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مُغْتَبِطٌ «٤» لقوله تعالى: هُوَ أَزْكى لَكُمْ.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تَوَعُّدٌ لأهل التجسّس.
وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ...
الآية: أباح سبحانه في هذه الآية رفعَ الاستئْذان في كُلِّ بيت لا يسكنه أحد لأَنَّ العِلَّةَ في الاستئذان خوفُ الكشفة على المُحَرِّمَاتِ، فإذا زالت العِلَّةُ زال الحكم، وباقي الآية بَيِّنٌ ظاهر التوعد، وعن مالك رحمه الله: أَنه بلغه أَنَّهُ كان يُسْتَحَبُّ إذا دخل البيتَ غيرَ المسكون، أن يقول
الذي يدخله: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ، انتهى، أخرجه «١» في «المُوَطَّإِ» .
وقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أظهر ما في مِنْ أَنْ تكون للتبعيض، لأَنَّ أول نظرة لا يملكها الإنسانُ وإنَّما يَغُضُّ فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج إذ حفظُها عامٌّ لها، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذيرُ منه، وحفظُ الفرج هو عن الزنا وعن كشفه حيث لا يحل.
قلت: النواظر «٢» صوارمُ مشهورة فاغمدها في غِمْدِ الغَضِّ والحياء مِنْ نظر المولى وإلاَّ جرحك بها عَدُوُّ الهوى، لا ترسلْ بريد النظر فيجلبَ لقلبك رَدِيءَ الفكر، غُضُّ البصرِ يُورِثُ القلب نوراً، وإطلاقُه يَقْدَحُ في القلب ناراً.
انتهى من «الكَلِمِ الفارقيَّة فِي الحِكَمِ الحقيقيَّة» .
قال ابن العربيِّ»
في «أحكامه» : قوله تعالى: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ يريد: أطهر وأنمى، يعني: إذا غَضَّ بصره كان أطهرَ له من الذنوب وأَنمى لعمله في الطاعة.
قال ابن العربي «٤» : ومِنْ غَضَّ البصر: كَفُّ التطلع إلى المُبَاحَاتِ من زينة الدنيا وجمالِها كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ٣٧ ب زَهْرَةَ الْحَياةِ/ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه: ١٣١] .
يريد ما عند الله تعالى، انتهى.
وقوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ...
الآية: أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بِغَضِّ البصر عن كل ما يُكْرَهُ- من جهة الشرع- النظرُ إليه، وفي حديث أُمِّ سلمةَ قالت: كُنْتُ أنا وعائشة عند النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فدخل ابن أمّ مكتوم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم:
«احتجبن، فقلن: إنّه أعمى!
فقال صلى الله عليه وسلّم: «أفعمياوان أنتما» «٥» ومِنْ الكلام فيها كالتي قبلها.
قال ابن العربي في «أحكامه» «١» : وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أَنْ تنظر إلى الرجلِ، فإنَّ عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به، وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أُمِّ سلمة المتقدم، انتهى.
وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ، ثم أَمر تعالى بأَلاَّ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما يظهر من الزينة قال ابن مسعود «٢» : ظاهر الزينة: هو الثياب.
وقال ابن جبير وغيره «٣» : الوجه والكَفَّانِ والثيابُ.
وقيل: غير هذا.
قال زينتها ع «٤» ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أَنَّ المرأة مأمورة بأَلاَّ تبديَ، وأَنْ تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المَعفُوُّ عنه، وذكر أبو عمر: الخلاف في تفسير الآية كما تقدم قال: ورُوِيَ عن أبي هريرة في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها قال: القلب والفتخة.
قال جرير بن حازم: القُلْبُ: السِّوَارُ، والفتخة: الخاتم، انتهى من «التمهيد» .
وقوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ.
قال ابن العربي «١» : الجيب هو الطَّوْقُ، والخمار: هو المِقْنَعَة، انتهى.
قال ع «٢» : سبب الآية أَنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غَطَّيْنَ رؤوسهنَّ بالأخمرة سَدَلْنَهَا من وراء الظهر فيبقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنَانِ لا سِتْرَ على ذلك، فأمر الله تعالى بِلَيِّ الخمار على الجيوب، وهَيْئَةُ ذلك يستر جميعَ ما ذكرناه، وقالت عائشة- رضي الله عنها- رُحِمَ اللهُ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ لمَّا نزلت هذه الآية عَمَدْنَ إلى أكثف المروط «٣» فشققنها أخمرةً، وضربن بها على الجيوب «٤» .
وقوله سبحانه: أَوْ نِسائِهِنَّ يعني جميع المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين، وكتب عمر إلى أبي عبيدةَ بن الجراح أَنْ يمنع نساءَ أهل الذِّمَّةِ أَنْ يدخلنَ الحَمَّامَ مع نساء المسلمين فامتثل «٥» .
وقوله سبحانه: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ يدخل فيه الإماءُ الكتابِيَّاتُ والعبيد.
وقال ابن عباس وجماعة «٦» : لا يدخل العبد على سَيِّدته فيرى شعرها إلاَّ أن يكون وغْداً.
وقوله تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ يريد الأتباع لِيُطْعَمُوا، وهم فُسُولُ الرجال الذين لا إرْبَةَ لهم في الوَطْءِ، ويدخل في هذه الصنيفة: المَجْبُوبُ، والشيخ الفاني، وبعضُ المَعْتُوهِينَ، والذي لا إرْبَةَ له من الرجال قليلٌ، والإربة: الحاجة إلى الوطء، والطفل اسم جنس،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ لا يَتَكَلَّمُ بِها إلّا الخَبِيثُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، والكَلِماتُ الطَّيِّباتُ لا يَتَكَلَّمُ.
بِها إلّا الطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ.
والثّانِي: الكَلِماتُ الخَبِيثاتُ إنَّما تُلْصَقُ بِالخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، فَأمّا الطَّيِّباتُ والطَّيِّبُونَ، فَلا يَصْلُحُ أنْ يُقالَ في حَقِّهِمْ إلّا الطَّيِّباتُ.
والثّالِثُ: الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والطَّيِّباتُ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ.
والرّابِعُ: الخَبِيثاتُ مِنَ الأعْمالِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النّاسِ، والخَبِيثُونَ مِنَ النّاسِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الأعْمالِ، وكَذَلِكَ الطَّيِّباتُ.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ يَعْنِي: عائِشَةَ وصَفْوانَ ﴿ مُبَرَّءُونَ ﴾ أيْ مُنَزَّهُونَ ﴿ مِمّا يَقُولُونَ ﴾ مِنَ الفِرْيَةِ ﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ في الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَوْصُوفِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَبِيثِ والطَيِّبِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ، وقَتادَةُ: هي الأقْوالُ والأفْعالُ، ثُمُ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: الكَلِماتُ والفِعْلاتُ الخَبِيثاتُ لا يَقُولُها ويَرْضاها إلّا الخَبِيثاتُ مِنَ الناسِ، فَهي لَهم وهم لَها بِهَذا الوَجْهِ، وكَذَلِكَ الطَيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: الكَلِماتُ والفِعْلاتُ الخَبِيثاتُ لا تَلِيقُ ولا تَلْصَقُ عِنْدَ رَمْيِ الرامِي وقَذْفِ القاذِفِ إلّا بِالخَبِيثِينَ مِنَ الناسِ، فَهي لَهم وهم لَها بِهَذا الوَجْهِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَوْصُوفُ بِالخَبِيثِ والطَيِّبِ النِساءُ والرِجالُ، وإنَّما الآيَةُ عَلى نَحْوِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الزانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً ﴾ ، فَمَعْنى هَذِهِ: التَفْرِيقُ بَيْنَ حُكْمِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأشْباهِهِ وبَيْنَ حُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وفُضَلاءِ الصَحابَةِ رَضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ وأُمَّتِهِ، أيْ: إنِ النَبِيَّ طَيِّبٌ فَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ إلّا كُلَّ طِيبَةٍ، وأُولَئِكَ خِبِّيثُونَ فَهم أهْلُ النِساءِ الخَبِيثاتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذِهِ الآيَةِ قِيلَ لِأزْواجِ النَبِيِّ : الطَيِّباتُ المُبْرَآتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى "الطَيِّبِينَ" في قَوْلِهِ: ﴿ والطَيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ﴾ .
وقالَ النِقاشَ: الإشارَةُ بِـ ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ ﴾ إلى صَفْوانَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وجَمَعَهُما في الضَمِيرِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ ﴾ والمُرادُ: أخَوانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَمْثِيلِ بِآيَةِ الأُخُوَةِ نَظَرٌ، وبِحَسْبَ هَذِهِ المَعانِي يَتَقَدَّرُ المُرادُ بِالضَمِيرِ في "يَقُولُونَ"، فَتَأمَّلَهُ.
ثُمْ وعَدَ اللهُ تَعالى الطَيِّبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالمَغْفِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ، وبِالرِزْقِ الكَرِيمِ في الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن برأ الله عائشة رضي الله عنها مما قال عصبة الإفك ففضحهم بأنهم ما جاؤا إلا بسيء الظن واختلاق القذف وتوعدهم وهددهم ثم تاب على الذين تابوا أنحى عليهم ثانية ببراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تكون له أزواج خبيثات لأن عصمته وكرامته على الله يأبى الله معها أن تكون أزواجه غير طيبات.
فمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم كافية في الدلالة على براءة زوجه وطهارة أزواجه كلهن.
وهذا من الاستدلال على حال الشيء بحال مقارنه ومماثله.
وفي هذا تعريض بالذين اختلقوا الإفك بأن ما أفكوه لا يليق مثله إلا بأزواجهم، فقوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ تعريض بالمنافقين المختلقين للإفك.
والابتداء بذكر ﴿ الخبيثات ﴾ لأن غرض الكلام الاستدلال على براءة عائشة وبقية أمهات المؤمنين.
واللام في قوله: ﴿ للخبيثين ﴾ لام الاستحقاق.
والخبيثات والخبيثون والطيبات والطيبون أوصاف جرت على موصوفات محذوفة يدل عليها السياق.
والتقدير في الجميع: الأزواج.
وعطف ﴿ والخبيثون للخبيثات ﴾ إطناب لمزيد العناية بتقرير هذا الحكم ولتكون الجملة بمنزلة المثل مستقلة بدلالتها على الحكم وليكون الاستدلال على حال القرين بحال مقارنه حاصلاً من أي جانب ابتدأه السامع.
وذكر ﴿ والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ﴾ إطناب أيضاً للدلالة على أن المقارنة دليل على حال القرينين في الخير أيضاً.
وعطف ﴿ والطيبون للطيبات ﴾ كعطف ﴿ والخبيثون للخبيثات ﴾ .
وتقدم الكلام على الخبيث والطيب عند قوله تعالى: ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب ﴾ في سورة الأنفال (37) وقوله: ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ في سورة آل عمران (38) وقوله: ﴿ ويحرّم عليهم الخبائث ﴾ في سورة الأعراف (157).
وغلب ضمير التذكير في قوله: ﴿ مبرءون ﴾ وهذه قضية كلية ولذلك حق لها أن تجري مجرى المثل وجعلت في آخر القصة كالتذييل.
والمراد بالخبث: خبث الصفات الإنسانية كالفواحش.
وكذلك المراد بالطيب: زكاء الصفات الإنسانية من الفضائل المعروفة في البشر فليس الكفر من الخبث ولكنه من متمماته.
وكذلك الإيمان من مكملات الطيب فلذلك لم يكن كفر امرأة نوح وامرأة لوط ناقضاً لعموم قوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ فإن المراد بقوله تعالى: ﴿ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما ﴾ [التحريم: 10] أنهما خانتا زوجيهما بإبطان الكفر.
ويدل لذلك مقابلة حالهما بحال امرأة فرعون ﴿ إذ قالت رب ابْننِ لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونجني من القوم الظالمين ﴾ [التحريم: 11].
والعدول عن التعبير عن الإفك باسمه إلى ﴿ ما يقولون ﴾ إلى أنه لا يعدو كونه قولاً، أي أنه غير مطابق للواقع كقوله تعالى: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ [مريم: 80] لأنه لا مال له ولا ولد في الآخرة.
والرزق الكريم: نعيم الجنة.
وتقدم أن الكريم هو النفيس في جنسه عند قوله: ﴿ درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ﴾ في سورة الأنفال (4).
وبهذه الآيات انتهت زواجر قصة الإفك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ النِّساءِ، والطَّيِّباتِ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ النِّساءِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: الخَبِيثاتُ مِنَ الأعْمالِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النّاسِ والخَبِيثُونَ مِنَ النّاسِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الأعْمالِ والطَّيِّباتُ مِنَ الأعْمالِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الأعْمالِ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: الخَبِيثاتُ مِنَ الكَلامِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ النّاسِ، والخَبِيثُونَ مِنَ النّاسِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ الكَلامِ، والطَّيِّباتُ مِنَ الكَلامِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ النّاسِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ النّاسِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ الكَلامِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.
وَتَأوَّلَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ: الخَبِيثاتِ الدُّنْيا، والطَّيِّباتِ الآخِرَةَ.
﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ عائِشَةَ وصَفْوانَ مُبَرَّآنِ مِنَ الإفْكِ المَذْكُورِ فِيهِما، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ مُبَرَّآتٌ مِنَ الفَواحِشِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّالِثُ: أنَّ الطَّيِّبِينَ والطَّيِّباتِ مُبَرَّؤُونَ مِنَ الخَبِيثِينَ والخَبِيثاتِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الخبيثات ﴾ قال من الكلام ﴿ للخبيثين ﴾ قال: من الرجال ﴿ والخبيثون ﴾ من الرجال ﴿ للخبيثات ﴾ من الكلام ﴿ والطيبات ﴾ من الكلام ﴿ للطيبين ﴾ من الناس ﴿ والطيبون ﴾ من الناس ﴿ للطيبات ﴾ من الكلام.
نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد في قوله: ﴿ الخبيثات ﴾ قال من الكلام ﴿ للخبيثين ﴾ من الناس ﴿ والخبيثون ﴾ من الناس ﴿ للخبيثات ﴾ من الكلام ﴿ والطيبات ﴾ من الكلام ﴿ للطيبين ﴾ من الناس ﴿ والطيبون ﴾ من الناس ﴿ للطيبات ﴾ من الكلام ﴿ أولئك مبرأون مما يقولون ﴾ قال: من كان طيباً فهو مبرأ من كل قول خبيث لقوله يغفر الله له.
ومن كان خبيثاً فهو مبرأ من كل قول صالح يقوله يرده الله عليه لا يقبله منه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والطبراني عن قتادة في قوله: ﴿ الخبيثات ﴾ قال: من القول والعمل ﴿ للخبيثين ﴾ من الناس ﴿ والخبيثون ﴾ من الناس ﴿ للخبيثات ﴾ من القول والعمل ﴿ والطيبات ﴾ من القول والعمل ﴿ للطيبين ﴾ من الناس ﴿ والطيبون ﴾ من الناس ﴿ للطيبات ﴾ من القول والعمل ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ ورزق كريم ﴾ هو الجنة.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ للخبيثات ﴾ قال: من الكلام ﴿ والطيبات ﴾ من الكلام ﴿ للطيبين ﴾ من الناس ﴿ والطيبون ﴾ من الناس ﴿ للطيبات ﴾ من الكلام وهؤلاء ﴿ مبرأون مما ﴾ يقال لهم من السوء يعني عائشة.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير عن الضحاك وإبراهيم.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ الخبيثات ﴾ قال: من القول ﴿ للخبيثين ﴾ من الناس ﴿ والخبيثون ﴾ من الناس ﴿ للخبيثات ﴾ من القول ﴿ والطيبات ﴾ من القول ﴿ للطيبين ﴾ من الناس ﴿ والطيبون ﴾ من الناس ﴿ للطيبات ﴾ من القول.
ألا ترى أنك تسمع بالكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول غفر الله لفلان ما هذا من خلقه، ولا من شيمه، ولا مما يقول.
قال الله: ﴿ أولئك مبرأون مما يقولون ﴾ أن يكون ذلك من شيمهم، ولا من أخلاقهم، ولكن الزلل قد يكون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى الجزار قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد الله فقال: قد سمعت الوليد بن عقبة اليوم تكلم بكلام اعجبني فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن يكون في فيه الكلمة غير طيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها رجل عنده مثلها، فيضمها إليها.
وان الرجل الفاجر تكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الذي عنده مثلها، فيضمها إليها.
ثم قرأ عبد الله ﴿ الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن زيد في قوله: ﴿ الخبيثات للخبيثين ﴾ قال: نزلت عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفرية فبرأها الله من ذلك، وكان عبد الله بن أبي هو الخبيث، فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً، وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، فكانت أولى أن يكون لها الطيب، وفي قوله: ﴿ أولئك مبرأون مما يقولون ﴾ قال: هاهنا برئت عائشة.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: لقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة وأجراً عظيماً.
وأخرج الطبراني عن ذكوان حاجب عائشة قال: دخل ابن عباس على عائشة فقال: ابشري ما بينك وبين أن تلقي محمداً والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله، ولم يكن يحب رسول الله إلا طيباً، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء، فأنزل الله أن ﴿ تيمموا صعيداً طيباً ﴾ [ النساء: 43] وكان ذلك بسببك، وما أنزل الله لهذه الأمة من الرخصة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء بها الروح الأمين فأصبح وليس مسجد من مساجد الله يذكر الله فيه إلا هي تتلى فيه آناء الليل وآناء النهار قالت: دعني منك يا ابن عباس، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إذا كان يوم القيامة حد الله الذين قذفوا عائشة ثمانين ثمانين على رؤوس الخلائق، فيستوهب ربي المهاجرين منهم، فاستأمرك يا عائشة، فسمعت عائشة الكلام وهي في البيت فبكت ثم قالت: والذي بعثك بالحق نبياً، لَسُرُورُكَ أحب إليّ من سروري، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً وقال: إنها ابنة أبيها» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» .
وأخرج الحاكم عن الزهري قال: «إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» .
وأخرج الحاكم عن الزهري قال: لو جمع علم الناس كلهم، ثم علم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لكانت عائشة أوسعهم علماً.
وأخرج الحاكم عن عروة قال ما رأيت أحداً أعلم بالحلال والحرام والعلم والشعر والطب من عائشة رضي الله عنها.
وأخرج الحاكم عن موسى بن طلحة قال: ما رأيت أحداً أفصح من عائشة رضي الله عنها.
وأخرج أحمد في الزهد والحاكم عن الأحنف قال: سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والخطباء هلم جرا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من عائشة رضي الله عنها.
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم عن مسروق أنه سئل أكانت عائشة تحسن الفرائض؟
فقال: لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض.
وأخرج الحاكم عن عطاء قال: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مسلم البطين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عائشة زوجتي في الجنة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: خلال فيَّ سبع لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتى الله مريم بنت عمران.
والله ما أقول هذا لكي أفتخر على صواحبي قيل: وما هن؟
قالت: نزل الملك بصورتي، وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبع سنين، وأهديت إليه وأنا بنت تسع سنين، وتزوجني بكراً لم يشركه فيَّ أحدٌ من الناس، وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه، ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن، ورأيت جبريل لم يره أحد من نسائه غيري، وقبض لم يله أحد غير الملك وأنا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «إن جبريل يقرأ عليك السلام قالت عائشة: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته» .
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد من طريق أبي بكر محمد بن عمر البغدادي الحنبلي عن أبيه، ثنا محمد بن الحسن الكاراني، حدثني إبراهيم الخرجي قال: ضاق بي شيء من أمور الدنيا، فدعوت بدعوات يقال لها دعاء الفرج فقلت: وما هي؟
فقال: حدثني أبو عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل، حدثني سفيان بن عيينة، ثنا محمد بن واصل الأنصاري، عن أبيه عن جده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند أم المؤمنين عائشة لأقر عينيها بالبراءة وهي تبكي فقالت: والله قد هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة، وما عرض عليَّ طعام ولا شراب، فكنت أرقد وأنا جائعة ظامئة، فرأيت في منامي فتى فقال لي: ما لك فقلت: حزينة مما ذكر الناس فقال: ادعي بهذه يفرج عنك فقلت: وما هي؟
فقال: قولي يا سابغ النعم، ودافع النقم، ويا فارج الغمم، ويا كاشف الظلم، يا أعدل من حكم، يا حسيب من ظلم.
يا ولي من ظلم، يا أول بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، يا من له اسم بلا كنية، اللهم اجعل لي من أمري فرجاً، ومخرجاً، قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة، وقد أنزل الله منه فرجي قال ابن النجار: خبر غريب.
<div class="verse-tafsir"
قوله -عز وجل-: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ قال مجاهد (١) (٢) ﴿ الْخَبِيثَاتُ ﴾ من الكلام والقول ﴿ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ من الناس، ﴿ وَالْخَبِيثُونَ ﴾ من الناس ﴿ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ من الكلام، ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ ﴾ من الكلام ﴿ لِلطَّيِّبِينَ ﴾ من الناس، ﴿ وَالطَّيِّبُونَ ﴾ من الناس ﴿ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ من الكلام.
وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن معنى الآية: الخبيثات من القول إنما يليق بالخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس يليق بهم الخبيثات من القول (٣) يعني أنّ كلّ (٤) (٥) ا لا يليق بها الخبيثات من الكلام، فلا يصدق فيها؛ لأنها طيبة فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها.
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ الْخَبِيثَاتُ ﴾ يعني قذف عائشة ﴿ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ من الرجال (٦) ﴿ وَالْخَبِيثُونَ ﴾ من الرجال والنساء [ ﴿ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ يعني السيئ (٧) ﴿ الطَّيِّبَاتُ ﴾ يعني الحسن من الكلام ﴿ لِلطَّيِّبِينَ ﴾ من الرجال والنساء،] (٨) ﴿ وَالطَّيِّبُونَ ﴾ من الرجال والنساء ﴿ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ يعني: الحسن (٩) (١٠) وعلى هذا المعنى (١١) والكاشف لهذا ما ذكره الزجاج فقال: أي لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، قال: ويجوز أن يكون معنى هذا (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وهذا (١٧) (١٨) وقال الحكم (١٩) (٢٠) ﴿ الْخَبِيثَاتُ ﴾ من النساء ﴿ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ من الرجال ﴿ وَالْخَبِيثُونَ ﴾ من الرجال ﴿ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ من النساء ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ ﴾ من النساء ﴿ لِلطَّيِّبِينَ ﴾ من الرجال ﴿ وَالطَّيِّبُونَ ﴾ من الرجال ﴿ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ من النساء.
وهذا معنى قول ابن عباس -في رواية عطاء- قال: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ يعني يريد أمثال عبد الله بن أبيّ ومن يشك في الله تعالى، ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ ﴾ يريد عائشة طيبها الله -عز وجل- لرسول الله (٢١) - أتاه بها جبريل في سرَقَة (٢٢) (٢٣) (٢٤) - وقرّ بها عينًا ﴿ لِلطَّيِّبِينَ ﴾ يريد رسول الله - - طيّبه الله لنفسه، وجعله سيد ولد آدم ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ يريد لعائشة.
انتهى كلامه (٢٥) وفي هذا ذمّ للمنافقين وأزواجهم بالخبث ومدح لرسول الله - - وعائشة بالطهارة، وكأنه قيل: المنافقون والمنافقات هم الذين بالصفّة التي رَمَوا (٢٦) -.
قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ قال مقاتل: يعني الطيبات والطيبون مبرؤون مما يقول (٢٧) (٢٨) قال الفراء: يعني عائشة وصفوان فذكر الاثنين بلفظ الجمع كقوله ﴿فَإِن (٢٩) (٣٠) ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴾ يريد داود وسليمان (٣١) وقال الزَّجَّاج: كل من قُذف من المؤمنين والمؤمنات مبرؤن مما يقول أهل الخبث القاذفون (٣٢) وهذا معنى ما ذكرنا من قول مقاتل.
و ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارة إلى الطيبين والطيبات.
وعلى قول الفراء إشارة إلى عائشة وصفوان.
وهذان هما الوجهان الصحيحان في معنى الآية.
وذُكر قولان (٣٣) أحدهما: رواه ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ قال: فمن كان طيبًا فهو مبرأ من كل قول (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وعلى هذا الإشارة بقوله ﴿ أُولَئِكَ ﴾ تعود إلى (٣٩) ﴿ يَقُولُونَ ﴾ خبرٌ عنهم لا عن غيرهم.
القول الثاني: رواه طلحة بن عمرو، عن عطاء موقوفًا عليه (٤٠) (٤١) ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ : ألا ترى أنّك تسمع الكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول: غفر الله لفلان ما (٤٢) ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ أن يكون ذلك من أخلاقهم ومن شيمتهم (٤٣) وعلى هذا الإشارة بقوله ﴿ أُولَئِكَ ﴾ تعود إلى الطيب من الفريقين، والمعنى: نفي الكلمة الخبيثة عنهم، وإنْ بدرت منهم بادرة (٤٤) قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ قال ابن عباس (٤٥) (٤٦) (١) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 55، والطبري 18/ 107، وابن أبي حاتم 7/ 30 أ، والطبراني في "الكبير" 23/ 157 - 158.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 167، وزاد نسبته لعبد بن حميد والفريابي، وابن المنذر.
(٢) انظر: "الطبري" 18/ 106 - 108، وابن أبي حاتم 7/ 29 ب، 30 أب، والثعلبي 3/ 75 ب، وابن كثير 3/ 276، و"الدر المنثور" 6/ 167 - 168.
(٣) في (ع): (الكلام).
(٤) (كل) ساقطة من (ظ).
(٥) في (ظ): (من).
(٦) في "تفسير مقاتل" زيادة: والنساء.
(٧) في (ع): (للشيء)، والمثبت من (أ)، و"تفسير مقاتل".
(٨) ساقطة من (ظ).
(٩) في (أ)، (ع): (للحسن)، والمثبت من (ظ)، و"تفسير مقاتل".
(١٠) "تفسير مقاتل" 2/ 37 أ.
(١١) (المعنى) ساقطة من (ظ)، (ع).
(١٢) في (ظ)، و"معاني الزجاج": (هذه)، فتكون العبارة هذه الكلمات.
(١٣) عند الزجاج: شيء.
(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 37.
(١٥) (هو) ساقطة من (ط).
(١٦) (قول) ساقطة من (أ).
(١٧) في (أ)، (ع): (هذا).
(١٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 248، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 515.
(١٩) هو: الحكم بن عتيبة، ولم أجد من ذكره عنه.
(٢٠) ذكره عند الثعلبي 7/ 75 ب بهذا اللفظ.
ورواه عنه الطبري 18/ 108، وابن أبي حاتم 7/ 30 أ، 31 أ، والطبراني في "الكبير" 23/ 156 بمعناه.
(٢١) في (أ)، (ع): (لرسوله).
(٢٢) سَرَقَة: قطعة من جيِّد الحرير، وجمعها سَرَق.
وقيل هي البيضاء خاصة من الحرير.
"لسان العرب" 10/ 156 - 157 (سرق).
(٢٣) هكذا في (أ)، والطبراني.
وفي (ظ)، (ع)، "الدر المنثور": (الجنَّة).
(٢٤) في (أ): (عن)، والمثبت من باقي النسخ والطبراني و"الدر المنثور".
(٢٥) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 155 - 156 من رواية عطاء، عن ابن عباس.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 152 وعزاه للطبراني.
ومجيء جبريل بعائشة في سرقة من حرير رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: النكاح- باب: النظر إلى المرأة قبل التزويج 9/ 180، ومسلم في "صحيحه" كتاب: فضائل الصحابة- باب: في فضل عائشة 4/ 1889 - 1890 من حديث عائشة - ا- قال: قال لي رسول الله - -: "أريتك في المنام يجيء بك الملك في سرقة من حرير".
ورواه ابن حبان "الإحسان" 9/ 111 من وجه آخر عن عائشة بلفظ: جاء بي جبريل إلى رسول الله - - في خرقة حرير فقال: "هذه زوجتك في الدنيا والآخرة" (٢٦) في (أ): (رضوا).
(٢٧) في (أ): (يقولون).
(٢٨) "تفسير مقاتل" 2/ 37 أ.
(٢٩) في جميع النسخ: (وإن).
(٣٠) في (أ): (يريدون).
(٣١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 249 (٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 38.
(٣٣) في (ظ)، (ع): (قولاً).
(٣٤) قول: ساقط من (أ)، (ظ).
(٣٥) في (أ): (يغفر).
(٣٦) ساقط من (ظ).
(٣٧) في (ظ)، (ع): (لا يقبله).
(٣٨) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 55، والطبري 18/ 109، وابن أبي حاتم 7/ 31 ب، والطبراني في "الكبير" 23/ 161 من طريق ابن أبي نجيح.
وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 167، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد والفريابي وابن المنذر.
(٣٩) (إلى): ساقطة من (ظ).
(٤٠) رواه أبو الشيخ بن حيّان في كتاب "التوبيخ والتنبيه" باب: ما روي في قول الله -عز وجل- "الخبيثات للخبيثين" الآية ص 197 من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء موقوفًا عليه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 168 عن عطاء موقوفًا عليه وعزاه لعبد بن حميد.
(٤١) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 159 من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء مرفوعًا إلى ابن عباس.
وسنده ضعيف جدًا؛ لأن فيه طلحة وقد تقدم بيان حاله.
(٤٢) في (أ): (فما).
(٤٣) في "التوبيخ": شيمهم.
(٤٤) في (أ): (وإن ندرت منهم نادرة).
(٤٥) رواه الطبراني في "الكبير" 23/ 161 من طريق عطاء عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 152 ونسبه للطبراني.
(٤٦) "تفسير مقاتل" 2/ 37 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ ﴾ الآية: معناها أن الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وأن الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، ففي ذلك ردّ على أهل الأفك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أطيب الطيبين فزوجته أطيب الطيبات، وقيل: المعنى أن الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس، ففيه أيضاً ردّ على أهل الإفك، وقيل: معناه أن الخبيثات من الأقوال للخبيثين من الناس، والإشارة بذلك إلى أهل الإفك: أي أن أقوالهم الخبيثة لا يقولها إلا خبيث مثلهم ﴿ أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ الإشارة بأولئك إلى الطيبين والطيبات والضمير في يقولون للخبيثات والخبيثين، والمراد تبرئة عائشة رضي الله عنها مما رميت به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كبره ﴾ بضم الكاف: يعقوب.
﴿ إذ سمعتموه ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة غير خلف ورجاء والعجلي ﴿ إذ تلقونه ﴾ بالإظهار وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ولا يتأل ﴾ من التألي: يزيد ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة.
﴿ يوم يشهد ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف.
والباقون بتاء التأنيث.
الوقوف: ﴿ عصبة منكم ﴾ ط ﴿ شراً لكم ﴾ ط ﴿ خير لكم ﴾ ط ﴿ من الإثم ﴾ ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ خيراً ﴾ لا للعطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ج للشرط معنى مع الفاء ﴿ الكاذبون ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال أن يكون "إذ" ظرف قوله ﴿ لمسكم ﴾ أو ﴿ أفضتم ﴾ واحتمال كونه منصوباً باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن قوله { } من جملة مفعول ﴿ قلتم ﴾ ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ج لاتفاق الجملتين مع تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية ﴿ الايات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ط ﴿ والمنكر ﴾ ط ﴿ ابداً ﴾ لا لتعلق لكن ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط والوصل أولى للعطف ﴿ وليصفحوا ﴾ ط ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ص ﴿ عظيم ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ للخبيثات ﴾ ج للعطف مع التضاد ﴿ للطيبات ﴾ ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف ﴿ يقولون ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصدّيقة وما قذفها به أهل النفاق.
روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن ابي وقاص وكلهم رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة.
قال الزهري: هي غزوة المريسيع.
وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة.
قال: وهي غزوة المريسيع أيضاً.
فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله ، فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلاً ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي لمست صدري فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه.
وأقبل الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست وقلت: يعودون في طلبي فنمت.
وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع أمتعته فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني وقال: ما خلفك عن الناس؟
فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري.
فبيناهم في ذلك هجمت عليهم فتكلم القوم فيّ وقدم رسول الله المدينة ومكثت شهراً أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ﴾ إلى أن نزل فيّ ﴿ إن الذين جاؤا بالإفك ﴾ إلى آخر الآيات.
وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول.
وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء.
وقيل: هو البهتان.
والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين.
والتركيب يدل على الاجتماع ومنه العصابة.
قال المفسرون.
هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم.
ومعنى ﴿ منكم ﴾ أنهم كانوا من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهراً.
أما الخطاب في قوله ﴿ لا تحسبوه شراً لكم ﴾ فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله وأبا بكر وعائشة وصفوان.
ومعنى كونه خيراً لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن الرسول وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب العقلية.
وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها.
وقيل: الخطاب للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة.
وضعف هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله ﴿ لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما اكتسب من إثم الخوض.
﴿ والذي تولى كبره ﴾ أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله مع امرأة من قريش، والشهر أنه عبد الله راس النفاق.
ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟
فقالوا: عائشة.
فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها.
ويروى أن عائشة ذكرت حساناً وقالت: أرجو له الجنة.
فقيل: أليس هو الذي تولى كبره؟
فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول رجوت له الجنة.
وفي رواية أخرى قالت: واي عذاب أشد من العمى.
ثم علم أدباً حسناً في مثل هذه الواقعة فقال ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن ﴾ فصل بين "لولا" التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف مالا يتسع في غيره تنزيلاً للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف.
والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم ومثله ﴿ ولولا إذ سمعتموه قلتم ﴾ ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم هذا إفك.
ومعنى بأنفسكم بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحاً ببراءة ساحته ﴿ هذا إفك مبين ﴾ وذلك أن المؤمن معه من العقل والدين ما يهديه إلى الاصلح ويؤخره عن الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: كلام العدى ضرب من الهذيان.
فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يزيد فيه.
روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟
فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءاً؟
قال: لا.
قلت: لو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله فعائشة خير مني وصفوان خير منك.
وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة.
ومن هنا قال أيضاً: إذ باع درهماً وديناراً بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز.
ومثله إذا باع سيفاً محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف.
وإذا وجدنا امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملاً لعقود المسلمين وتصرفاتهم على الجواز والصحة.
وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على النكاح.
وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع على أن الذي قيل فيها إفك صريح.
قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن المنفرات ألبتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر للكفرة.
قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.
قيل: في تفسيره الكشخان الذي تحبب امرأته الرجال إلى نفسها.
ويقال: كشخنته أي قلت له ياكشخان.
ثم بالغ في زجرهم عن حديث الإفك بقوله ﴿ لولا جاؤا ﴾ وهي أيضاً تحضيضية والمراد التفصيل بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا العدد وكل فرد منه منتفٍ في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون.
وهذا القدر كافٍ في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفاً.
ثم زاد في التهديد والزجر بقوله ﴿ ولولا فضل الله ﴾ هي "لولا" الامتناعية.
قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك.
وعن مقاتل أن في الآية تقديماً وتأخيراً والمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة ﴿ لمسكم في ما ﴾ انفعتم ﴿ فيه عذاب عظيم ﴾ في الدنيا والآخرة معاً.
وتلقي الإفك أخذه من أفواه القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرئ به.
كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ما وراءك؟
فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر.
وفي زيادة قوله ﴿ بأفواهكم ﴾ إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ولا حقيقة لمؤداه في الواقع.
والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف زوجة النبي وخاصة نبينا فلهذا قال ﴿ وهو عند الله عظيم ﴾ عن بعضكم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم.
وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير.
وصفهم في الاية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكداً لعظمه.
وفيه أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون عند الله من الكبائر.
ثم علمهم أدباً آخر ومعنى ﴿ ما يكون لنا ﴾ لا ينبغي ولا يصح لنا.
ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر وذلك أنه يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل متعجب منه.
والفرق بين هذه الآية وبين قوله ﴿ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ﴾ هو أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته ﴿ يعظكم الله ﴾ بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة ﴿ أن تعودوا ﴾ أو في شأن أن تعودوا ﴿ لمثله ابداً ﴾ أي مدة حياتكم.
ولا دلالة للمعتزلة في قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار ﴿ ويبين الله لكم ﴾ أي لانتفاعكم ﴿ الآيات ﴾ الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده ﴿ والله عليم حكيم ﴾ هما صفتان مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية للتأكيد المحض.
والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث.
ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثبت ولا يعاقب.
استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن واعظاً ولا مبيناً آياته لانتفاعهم ولا حكيماً لا يفعل القبائح.
ولا جواب للاشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا اعتراض عليه.
ثم بين بقوله ﴿ إن الذين يحبون ﴾ أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب.
والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئاً من المضار والأذيات.وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص ما يحب شيوع الفاحشة بعبد الله بن أبي.
وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق العطن إلا أن يساعده نقل صحيح.
وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله عبد الله بن ابي وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره.
وعذاب الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار.
عن رسول الله "إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم" وعن أنس أن النبي قال " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" من الخير وأما قوله ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ ففي نهاية حسن الموقع لأن الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله .
وإنما نعرف نحن شيئاً منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا يجتهد في أن يكون قلبه سليماً من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على الملكات ترتبه على الأحوال فافهم.
قال أبو حنيفة: المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع عنها.
وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه غير خالق للكفر ولا مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة.
ولقائل أن يقول: قياس الغائب على الشاهد فاسد.
ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتميكن من التلافي وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم.
وجواب "لولا" محذوف على نسق ما مر.
وقيل: جوابه ما يدل على ذلك في قوله ﴿ ما زكى منكم ﴾ وهو بعيد.
عن ابن عباس أن الخطاب لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم.
ثم نهى عن اتباع آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة الفحشاء وارتكاب مال تنكره العقول وتأباه.
وقوله ﴿ فإنه يأمر بالفحشاء ﴾ من وضع السبب مقام المسبب والمراد ضل.
قالت الاشاعرة: في قوله ﴿ ما زكى ﴾ بالتشديد والضمير لله وكذا في قوله ﴿ ولكن الله يزكي ﴾ دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار.
وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله ﴿ من يشاء ﴾ ينافي قولكم إن خلق الألطاف واجب عيه.
ثم علم أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يأتل ﴾ وهو افتعل من الألية أي لا يحلف على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيراً فهي كقراءة من قرأ ﴿ ولا يأتل ﴾ وقيل: هو من قولهم "ما ألوت جهداً" إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئاً اي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين.
قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة ابي بكر الصديق فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه.
فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه فنزلت فقرأها رسول الله على أبي بكر، فلما وصل إلى قوله ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبداً.
قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الاية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الاية لا يراد به السعة في المال والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل على الإطلاق.
تركنا العمل به في حق النبي بالاتفاق فيبقى في الغير معمولاً به.
وأيضاً ذكره الله في الآية بلفظ الجمع وإنه مشعر بالتعظيم.
وأيضاً قد قيل: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد امره الله بالصفح عنه، وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسن ذلك.
وأيضاً في تسميته أولي الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من أن تقابل إنساناً بسوء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن يقطع برك عمن اساء إليك.
وأيضاً أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال لنبيه ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في الأخلاق.
وأيضاً علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة ألبتة في الحال وفي الاستقبال لقوله ﴿ أن يغفر ﴾ فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصياً والعاصي في النار.
وليس النهي في قوله ﴿ ولا يأتل ﴾ نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى والأفضل وهو العفو.
عن النبي "أفضل أخلاق المسلمين العفو" وعنه "لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحاً كان مذنباً لأنه أتى بالقذف أو رضي به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله .
وأجمعوا ايضاً على أنه من البدريين وقد ورد فيهم الخبر الصحيح "لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" فكيف الجمع بين الأمرين؟
أجابوا أنه ليس المراد من قوله "اعملوا ما شئتم" أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلاً أو كثيراً فقد أعطيتكم الدرجات العليات في الجنة، أو اراد حسن حالهم في العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة.
قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين دليل على أن ثواب كونه مهاجراً لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول بالمحابطة باطلاً.
استدل جمهور الفقهاء بالاية في قول من فسر الائتلاء بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه.
ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله ﴿ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ﴾ وهو عام في جانب الخير وفي غيره.
ومثله ما ورد في قصة أيوب { ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ﴾ ولو كان الحنث كفارة لو يؤمر بضرب الضغث عيها.
وقال بعض العلماء: إنه يأتي بالذي هو خير وذلك كفارته لقوله في حديث آخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته" ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولو يوجب عليه كفارة.
وأجيب بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقاً للحديث الآخر "من حلف عليّ يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة.
قوله ﴿ أن الذين يرمون المحصنات ﴾ قد مر تفسير المحصنة.
وأما الغافلات فهن السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال.
قال الأصوليون: خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم.
ومنهم من قال: عائشة مع سائر أزواج النبي .
ومنهم من قال: هي أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان والغفلة والإيمان.
وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير استثناء.
وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة.
وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أن كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة.
ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر.
أما شهادة الجوارح فلا إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطاً في الحياة فيجوز أن يخلق الله في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً.
وقالت المعتزلة: المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من الله .
ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله.
ومعنى ﴿ دينهم الحق ﴾ الجزاء المستحق.
وقال في الكشاف: معنى قوله ﴿ هو الحق المبين ﴾ العادل الظاهر العدل.
وقال غيره: سمي حقاً لأنه حق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه فوجوده مستعار زائل.
والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات.
فالحصال أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره.
ثم ختم الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله ﴿ الخبيثات ﴾ يعني الكلمنات التي تخبث مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن وهو يستكره طبعاً وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله طيباً.
وعلى الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الرجال.
والحاصل أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الصنفين للخبيثات من القول وكذلك الطيبات والطيبون ﴿ أولئك ﴾ الطيبون ﴿ مبرؤن مما ﴾ يقول الخبيثون من خبيثات الكلم.
قال جار الله: هو كلام جارٍ مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أهل البيت عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك.
وفي الآية قول آخر وهو أن يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين الرجال الذين هم أشكال لهن فيكون أول الآية نظير قوله ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ وكذلك الكلام في أهل الطيب ولا أطيب من رسول الله فيكون أزواجه مثله فلذلك أخبر عن حالهن بقوله ﴿ لهم مغفرة ورزق كريم ﴾ وقد مر تفسير الرزق الكريم في "الحج" نظيره قوله في الأحزاب ﴿ وأَعتدنا لها رزقاً كريماً ﴾ وفي الآية دلالة على أن عائشة من أهل الجنة.
وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت.
عن عائشة: لقد أعطيت تسعاً من أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر النبي أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.
وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين.
التأويل: إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، وأن النبي لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟
قال: عائشة فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة.
وقالت عائشة: إني أحبك وأحب قربك فالله حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته حتى قالت حين ظهرت براءة ساحتها "بحمد الله لا بحمدك".
وقيل: الملامة مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس ﴿ يوم تشهد عليهم ﴾ شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله { ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: عيناك قد حكتا مبيتك *** كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتك *** مبيت صاحبها عياناً وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله.
وعند الحكماء تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: ﴿ الخبيثات ﴾ وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي ﴿ للخبيثين ﴾ وهم أمثالهن ﴿ والطيبات ﴾ من لوث الحدوث ﴿ للطيبين ﴾ وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ نهى المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان، ولم يبين ما خطوات الشيطان، لكنه قال: ﴿ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ فجوابه أن يقول: فإن خطواته كذا، ولم يقل أيضاً: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفاحشة، ولكنه قال: ﴿ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، لكن جوابه ما قال في آية أخرى: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ...
﴾ الآية [البقرة: 168-169] أخبر [أن] من اتبعه أمره بالفحشاء.
والخطوات: من الخُطْوة والخَطْوة وهما من رفع القدم ووضعه، وأصله نَهْي عن اتباع آثاره.
وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ التزكية تحتمل التوفيق، والعصمة؛ يزكون بما أعطى لهم من التوفيق والعصمة.
أو يزكون بما أرسل إليهم من الكتب والرسل والعصمة، [وهو] أشبه.
وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أن من زكا إنما يزكو بفضله ورحمته، وهم يقولون: لو فعل بهم غير الذي فعل كان جائزاً عندهم فعلى قولهم ليس بمفضل ولكن عادل؛ لأنه فعل ما عليه أن يفعل؛ فعلى قولهم لا يكون مفضلا، ولكن عادلا؛ إذ لم يسم في الشاهد من فعل ما عليه أن يفعل: مفضلا؛ وعلى قولهم: إنه قد أعطى كلا ما به يزكون ويصلحون، لكنهم لم يزكوا هم؛ فعلى قولهم لم يزك من زكا به، ولكنه إنما زكا بما أعطاه له، فقد أخبر أن من زكا إنما زكا به، وأنه قد أبقى عنده ما لو أعطاهم ذلك لزكوا، وقد أعطى ذلك من زكا وصلح، ولم يعط من لم يزك.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: سميع لأقوالهم وعليم لأفعالهم، وأصله ما ذكر: يعلم ما يسرون وما يعلنون.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ ﴾ أي: ولا يحلف، وهو (يفتعل) من الإيلاء.
وقال أبو عوسجة: لا يأتل، أي: لا يعجز، ولا يقصر، يقال: ائتلى يأتلي، وألا يألو ألواً، وهو التقصير، وترك المبالغة.
ثم يحتمل قوله: ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ أي: من له الفضل والسعة.
ويحتمل ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ ﴾ من له الأفضال والمعروف وبر أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله.
ذكر أهل التأويل أن أبا بكر كان حلف ألا ينفع مسطحا بنافعة وكان قريبه بما تكلم في عائشة؛ فأنزل الله النهي عن ذلك فقال: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ .
لكن الآية وإن نزلت في أمر ومعنى كان من أبي بكر، فإن غيره من الناس يشترك في معنى ذلك، وفي ذلك النهي، وكذلك ما قال في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...
﴾ ، ذكر أن قوماً كانوا يحلفون ألا يبروا الناس، ولا يصلحوا بذلك أن يكون حلفهم في ذلك عذراً لهم في ترك الإنفاق عليهم؛ والتعاون، والإصلاح بين الناس، فنهوا عن ذلك، وذلك اليمين لهم، ولمن كان في معناهم، ليس لهم خاصة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ...
﴾ الآية، وإن كان في أبي بكر فهو فيه وفي الذين في معناه.
وإن كان حلف هذا بترك الإنفاق لإساءة كانت منهم إليهم، والأول على الابتداء لإساءة كانت منهم إليهم، وكذلك هذه الآيات نزلت لنازلة كانت في عائشة وصفوان فإنما نزلت لتلك النازلة لمعنى لا نزلت لأنها كانت عائشة أو أبو بكر، لكن لمعنى بكل من وجد ذلك المعنى فيه شرك في ذلك، ويجعل كأن هذه الآيات كلها نزلت فيه، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ فكل محصنة مؤمنة غافلة بريئة مما رميت به دخلت في الآية، وكل رامٍ محصن مؤمن غافل بريء مما رمي به في الآية؛ لوجود المعنى الذي نزلت الآية.
وعلى ذلك القرآن إذا نزل بسبب المرء أو نازلة لمعنى، يشترك من وجد فيه ذلك المعنى فيه شرك في ذلك الحكم؛ فعلى ذلك ما نزل في أبي بكر من النهي بترك الإنفاق، وما عوده من اصطناع المعروف إليه لما كان منه إليه من الإساءة، ثم أمره بالعفو والصفح، وهو قوله: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ ﴾ ، أي: اعفوا عن إساءته واصفحوا أي: لا تذكروا عفوكم إياه عن إساءة، ولا تذكروا زلته أيضاً؛ لأن ذكر العفو يخرج مخرج الامتنان كقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ ﴾ ؛ لأن المن والأذى يبطل الصدقة، وذكر الزلة يخرج مخرج التعيير والتوبيخ، فأمره بالعفو وهو ظاهر والصفح ما ذكرنا من ترك ذكر العفو والزلة والإساءة جميعاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: قد تحبون أن يغفر الله لكم ما كان منكم إليه من الإساءة، فإن أحببتم ذلك فاعفوا عمن أساء إليكم، والله غفور رحيم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ : قد ذكرنا أن المحصنات هاهنا: هن الحرائر، والغافلات: هن بريئات من الفاحشة، والمؤمنات ظاهر.
وقوله: ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ كأن الآية نزلت في المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس؛ لذلك ذكر فيهم اللعن؛ فهو كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ والمؤمن لا يحب أن تشيع الفواحش في المؤمنين، إنما ذلك عادة المنافقين.
ثم اللعن في الدنيا هو الحدّ الذي ضرب، وفي الآخرة العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وعظيم كأنه ذكر اللعن والعذاب الأليم إذا لم يتوبوا، وماتوا على النفاق، فعند ذلك يكون لهم ما ذكر؛ ويدل لما ذكرنا أن الآية في المنافقين قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...
﴾ الآية، وإنما تشهد هذه الجوارح على الكافر لإنكاره باللسان، وأمّا المؤمن فإنه مقر بذلك كله لا يحتاج إلى أن تشهد عليه الجوارح، وهو ما قال: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ...
﴾ الآية [يس: 65] ونحوه، كأنهم ينكرون ذلك في الآخرة كما أنكروا في الدنيا كقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ ﴾ أخبر أنهم يحلفون لله في الآخرة كما كانوا يحلفون لرسول الله في الدنيا، فجائز: أن ألسنتهم تشهد عليهم بعد ما أنكروا، وتشهد عليهم سائر الجوارح إذا أنكروا، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...
﴾ الآية [فصلت: 20].
{ ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا...
﴾ الآية [فصلت: 21] تكون شهادة الألسن بعد ما أنكروا هم ذلك، وحلفوا؛ فعند ذلك تشهد عليهم ألسنتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ ﴾ يؤمنون به جميعاً يومئذ، ويقرون بالحق، لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا ﴾ ، ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد الله، والإقرار بالربوبية له والألوهية هو الحق المبين، أي: تبين ذلك، والحق المبين: ما يبين ما يؤتى وما يتقى، وما يحل مما يحرم.
وقوله: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: الخبيثات من الكلمات والقول [للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلمات والقول]، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات.
وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ للكافرين.
وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، [و] نحوه من الكلام.
ثم قال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ﴾ يعني: عائشة وصفوان.
﴿ مُبَرَّءُونَ ﴾ مما يقول أولئك القذفة.
﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: حسن؛ فابن عباس صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول.
وقال بعضهم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعاً ووجوداً، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ﴾ ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو الشرع.
وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول الله، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كنّ طيبات لكن لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، والله أعلم.
وعن عبد الله بن مسعود - - قال: "إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير.
ثم تلا عبد الله ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ...
﴾ الآية".
وجائز أن يكون الخبيثات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا في الدنيا أعمالا طيبة، فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في الدنيا، والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي في الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ أنزلت في المنافقين الذين قذفوا عائشة: عبد الله بن أبي وأصحابه، وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذكرنا لم يقصدوا به قذفها، ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة، وأمّا المنافقون فقد قصدوا به القذف والفرية؛ فأوجب للمنافقين الحدّ واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وأمّا المؤمنون فقال لهم: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .
وقال بعضهم: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن، أي: لولا ذلك لعذبكم كما عذب أولئك.
ثم قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس نحو ما ذكر أولئك إلا أنه زاد فيه من القول والعمل، وذلك كله قريب بعضه ببعض، والله أعلم بذلك.
وقال: إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء فيقول القائل: قال فلان: كذا وكذا، فيقول الآخر: ما هذا من كلام فلان.
وروي عن كعب بمثل قِيلِ عبد الله [بن مسعود] فقال: إن الكلمة الخبيثة تخرج من لسان العبد فتصعد إلى السماء فلا يفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى الأرض فلا تجد لها مستقرّاً، وتذهب إلى البحور فلا تجد لها فيها مكاناً، فتقول: ما أجد لي موضعاً أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها.
ثم تلا كعب هذه الآية: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ...
﴾ الآية.
<div class="verse-tafsir"
كلّ خبيث من الرجال والنساء والأقوال والأفعال مناسب وموافق لما هو خبيث، وكل طيب من ذلك مناسب وموافق لما هو طيب، أولئك الطيبون والطيبات مُبَرَّؤون مما يقوله عنهم الخبيثون والخبيثات، لهم مغفرة من الله يغفر بها ذنوبهم، ولهم رزق كريم وهو الجنّة.
<div class="verse-tafsir" id="91.kx9br"