الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٢٨ من سورة النور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 119 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ) ، وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه ، فإن شاء أذن ، وإن شاء لم يأذن ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) أي : إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ( فارجعوا هو أزكى لكم ) أي : رجوعكم أزكى لكم وأطهر ( والله بما تعملون عليم ) .
وقال قتادة : قال بعض المهاجرين : لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها : أن أستأذن على بعض إخواني ، فيقول لي : " ارجع " ، فأرجع وأنا مغتبط [ لقوله ] ، ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ) .
وقال سعيد بن جبير : ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) أي : لا تقفوا على أبواب الناس .
يقول تعالى ذكره: فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا، يأذن لكم بالدخول إليها، فلا تدخلوها، لأنها ليست لكم، فلا يحلّ لكم دخولها إلا بإذن أربابها، فإن أذن لكم أربابها أن تدخلوها فادخلوها( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ) يقول: وإن قال لكم أهل البيوت التي تستأذنون فيها: ارجعوا فلا تدخلوها، وارجعوا عنها ولا تدخلوها;( هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ) يقول: رجوعكم عنها إذا قيل لكم ارجعوا، ولم يؤذن لكم بالدخول فيها، أطهر لكم عند الله.
وقوله: ( هُوَ ) كناية من اسم الفعل (1) أعني من قوله: ( فارْجِعُوا ).
وقوله: ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) يقول جلّ ثناؤه: والله بما تعملون من رجوعكم بعد استئذانكم في بيوت غيركم إذا قيل لكم ارجعوا، وترك رجوعكم عنها وطاعتكم الله فيما أمركم ونهاكم في ذلك وغيره من أمره ونهيه- ذو علم محيط بذلك كله، محص جميعه عليكم، حتى يجازيكم على جميع ذلك.
وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا ) قال: إن لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا بإذن ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ).
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
قال: ثنا الحسن، قال: ثنا هاشم بن القاسم المزني، عن قَتادة، قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها، أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي ارجع، فأرجع وأنا مغتبط، لقوله ( وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ )وهذا القول الذي قاله مجاهد في تأويل قوله: ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا ) بمعنى: إن لم يكن لكم فيها متاع، قول بعيد من مفهوم كلام العرب; لأن العرب لا تكاد تقول: ليس بمكان كذا أحد، إلا وهي تعني ليس بها أحد من بني آدم.
وأما الأمتعة وسائر الأشياء غير بني آدم، ومن كان سبيله سبيلهم، فلا تقول ذلك فيها.
------------------------ الهوامش: (1) يريد باسم الفعل : المصدر ؛ لأنه اسم الحدث ، ولا يريد ما اصطلح النحاة علي تسميته اسم فعل كصه وأف.
قوله تعالى : فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليمفيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : فإن لم تجدوا فيها أحدا الضمير في تجدوا فيها للبيوت التي هي بيوت الغير .
وحكى الطبري ، عن مجاهد أنه قال : معنى قوله : فإن لم تجدوا فيها أحدا أي لم يكن لكم فيها متاع .
وضعف الطبري هذا التأويل ، وكذلك هو في غاية الضعف ؛ وكأن مجاهدا رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون إذن إذا كان للداخل فيها متاع .
ورأى لفظة ( المتاع ) متاع البيت ، الذي هو البسط والثياب ؛ وهذا كله ضعيف .
والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها والأحاديث ؛ التقدير : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ، فإن أذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا ؛ كما فعل - عليه السلام - مع سعد ، وأبو موسى مع عمر - رضي الله عنهما - .
فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوها حتى تجدوا إذنا .
وأسند الطبري ، عن قتادة قال : قال رجل من المهاجرين : لقد طلبت عمري هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط ؛ لقوله تعالى : هو أزكى لكم .الثانية : سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا ؛ لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه ، بل يجب عليه أن يأتي الباب ويحاول الإذن على صفة لا يطلع منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه .
فقد روى علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( من ملأ عينيه من قاعة بيت فقد فسق ) وروي في الصحيح عن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدرى يرجل به رأسه ؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الله الإذن من أجل البصر .
وروي عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح .[ ص: 204 ] الثالثة : إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز من الصغير والكبير .
وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم - رضي الله عنهم - .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى .الرابعة : والله بما تعملون عليم توعد لأهل التجسس على البيوت ، وطلب الدخول على غفلة للمعاصي ، والنظر إلى ما لا يحل ولا يجوز ، ولغيرهم ممن يقع في محظور .
أي: فلا تمتنعوا من الرجوع، ولا تغضبوا منه، فإن صاحب المنزل، لم يمنعكم حقا واجبا لكم، وإنما هو متبرع، فإن شاء أذن أو منع، فأنتم لا يأخذ أحدكم الكبر والاشمئزاز من هذه الحال، { هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } أي: أشد لتطهيركم من السيئات، وتنميتكم بالحسنات.
{ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فيجازي كل عامل بعمله، من كثرة وقلة، وحسن وعدمه، هذا الحكم في البيوت المسكونة، سواء كان فيها متاع للإنسان أم لا، وفي البيوت غير المسكونة، التي لا متاع فيها للإنسان، وأما البيوت التي ليس فيها أهلها، وفيها متاع الإنسان المحتاج للدخول إليه، وليس فيها أحد يتمكن من استئذانه، وذلك كبيوت الكراء وغيرها
قوله - عز وجل - : ( فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها ) أي : إن لم تجدوا في البيوت أحدا يأذن لكم في دخولها فلا تدخلوها ، ( حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ) يعني : إذا كان في البيت قوم فقالوا : ارجع فليرجع ولا يقف على الباب ملازما ، ( هو أزكى لكم ) يعني : الرجوع أطهر وأصلح لكم ، قال قتادة : إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب فإن للناس حاجات ، وإذا حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز .
وكان ابن عباس يأتي باب الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج ، ولا يستأذن ، فيخرج الرجل ويقول : يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني ، فيقول : هكذا أمرنا أن نطلب العلم وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردودا : أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو الحسين بن بشران ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، أخبرنا أحمد بن منصور ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري ، عن سهل بن سعد الساعدي أن رجلا اطلع على النبي - صلى الله عليه وسلم - من ستر الحجرة وفي يد النبي - صلى الله عليه وسلم - مدرى ، فقال : " لو علمت أن هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمدرى في عينيه ، وهل جعل الاستئذان إلا من أجل البصر " .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح " .
قوله تعالى : ( والله بما تعملون عليم ) من الدخول بالإذن وغير الإذن .
ولما نزلت آية الاستئذان قالوا : كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق ، ليس فيها ساكن ؟
فأنزل الله - عز وجل - :
«فإن لم تجدوا فيها أحدا» يأذن لكم «فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم» بعد الاستئذان «ارجعوا فارجعوا هو» أي الرجوع «أزكى» أي خير «لكم» من القعود على الباب «والله بما تعملون» من الدخول بإذن وغير إذن «عليم» فيجازيكم عليه.
فإن لم تجدوا في بيوت الآخرين أحدًا فلا تدخلوها حتى يوجد مَن يأذن لكم، فإن لم يأذن، بل قال لكم: ارجعوا فارجعوا، ولا تُلحُّوا، فإن الرجوع عندئذ أطهر لكم؛ لأن للإنسان أحوالا يكره اطلاع أحد عليها.
والله بما تعملون عليم، فيجازي كل عامل بعمله.
ثم بين - سبحانه - حالة أخرى توجب عليهم الاستئذان ، فقال : ( فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمْ .
.
) .أى : فإن لم تجدوا فى هذه البيوت أحدا ، بأن كانت خالية من سكانها لظرف من الظروف ، فلا يصح لكم - أيضا - أن تدخلوها ، حتى يؤذن لكم فى دخولها ممن يملك الإذن بذلك .قال صاحب الكشاف : " وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر - أى الداخل بغير إذن - على عورة ، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط ، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التى يطويها الناس فى العادة عن غيرهم ، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ، ولأنه تصرف فى ملك غيرك ، فلا بد من أن يكون برضاه ، وإلا أشبه الغصب والتغلب " .فالآية الأولى لبيان حكم دخول البيوت المسكونة بأهلها ، وهذه لبيان حكم دخول البيوت الخالية من سكانها .وقوله - تعالى - : ( وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا هُوَ أزكى لَكُمْ ) بيان لما يجب عليهم فى حالة عدم الإذن لهم بالدخول .أى : وإن قيل لكم من جهة أهل البيت ارجعوا ولا تدخلوا ، فارجعوا ولا تلحوا فى طلب الدخول ، فإن هذا الرجوع هو أطهر لأخلاقكم ، وأبقى لمرءوتكم .
من الإلحاح فى الاستئذان ، ومن الوقوف على أبوابٍ أصحابُها قد تكون أحوالهم لا تسمح لكم بالدخول عليهم .وقوله - سبحانه - : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) تذييل قصد به التحذير من مخالفة ما أمر الله - تعالى - به ، وما نهى - سبحانه - عنه .أى : والله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، فأصلحوها ، والتزموا باتباع ما أمركم به ، وما نهاكم عنه ، فإنه - سبحانه - سيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب .فالمقصود من هذا الإخبار : إفادة لازمه وهو المجازاة على هذه الأعمال .
الحكم السادس: في الاستئذان: اعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمي والقذف وما يتعلق بهما من الحكم إلى ما يليق به لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت كأنها طريق التهمة، فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع التهمة، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخ وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: الاستئناس عبارة عن الأنس الحاصل من جهة المجالسة، قال تعالى: ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ ، وإنما يحصل ذلك بعد الدخول والسلام فكان الأولى تقديم السلام على الاستئناس فلم جاء على العكس من ذلك؟
والجواب: عن هذا من وجوه: أحدها: ما يروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير، إنما هو حتى تستأذنوا فأخطأ الكاتب، وفي قراءة أبي: حتى تستأذنوا لكم والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور، وهو الدخول بغير إذن واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب، وفي الحديث من سبقت عينه استئذانه فقد دمر واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل.
وثانيها: ما روي عن الحسن البصري أنه قال إن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا، وذلك لأن السلام مقدم على الاستئناس، وفي قراءة عبدالله: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وهذا أيضاً ضعيف لأنه خلاف الظاهر.
وثالثها: أن تجري الكلام على ظاهره.
ثم في تفسير الاستئناس وجوه: الأول: حتى تستأنسوا بالإذن وذلك لأنهم إذا استأذنوا وسلموا أنس أهل البيت، ولو دخلوا بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم الثاني: تفسير الاستئناس بالاستعلام والاستكشاف استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم.
ومنه قولهم استأنس هل ترى أحداً، واستأنست فلم أر أحداً أي تعرفت واستعلمت، فإن قيل وإذا حمل على الأنس ينبغي أن يتقدمه السلام كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول: السلام عليكم أأدخل قلنا المستأذن ربما لا يعلم أن أحداً في المنزل فلا معنى لسلامه والحالة هذه، والأقرب أن يستعلم بالاستئذان هل هناك من يأذن، فإذا أذن ودخل صار مواجهاً له فيسلم عليه والثالث: أن يكون اشتقاق الاستئناس من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان، ولا شك أن هذا مقدم على السلام والرابع: لو سلمنا أن الاستئناس إنما يقع بعد السلام ولكن الواو لا توجب الترتيب، فتقديم الاستئناس على السلام في اللفظ لا يوجب تقديمه عليه في العمل.
السؤال الثاني: ما الحكم في إيجاب تقديم الاستئذان؟
والجواب: تلك الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ فدل بذلك على أن الذي لأجله حرم الدخول إلا على هذا الشرط هو كون البيوت مسكونة، إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه غيرهم من الأحوال، وهذا من باب العلل المنبه عليها بالنص، ولأنه تصرف في ملك الغير فلابد وأن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب.
السؤال الثالث: كيف يكون الاستئذان؟
الجواب: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أألج؟
فقال عليه الصلاة والسلام لامرأة يقال لها روضة: «قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أأدخل» فسمعها الرجل فقالها، فقال ادخل فدخل وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء وكان يجيب، فقال هل في العلم ما لا تعلمه، فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد آتاني الله خيراً كثيراً وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله»، وتلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخره وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته حييتم صباحاً وحييتم مساء، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصدق الله تعالى عن ذلك وعلم الأحسن والأجمل، وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح، وقال عكرمة هو التسبيح والتكبير ونحوه.
السؤال الرابع: كم عدد الاستئذان الجواب: روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون، وبالثانية يستصلحون، وبالثالثة يأذنون أو يردون» وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً، فلم يؤذن له فليرجع» وعن أبي سعيد الخدري قال: كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له ما أفزعك؟
فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي فرجعت، فقال ما منعك أن تأتيني؟
فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع» فقال لتأتيني على هذا بالبينة، أو لأعاقبنك.
فقال أبي لا يقوم معك إلا أصغر القوم، قال فقام أبو سعيد فشهد له وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأولى يسمع الحي، والثاني ليتأهبوا والثالث إن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا ردوا، واعلم أن هذا من محاسن الآداب، لأن في أول مرة ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن، وفي المرة الثانية ربما كان هناك ما يمنع أو يقتضي المنع أو يقتضي التساوي، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع ثابت، وربما أوجب ذلك كراهة قربه من الباب فلذلك يسن له الرجوع، ولذلك يقول يجب في الاستئذان ثلاثاً، أن لا يكون متصلاً، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت، فأما قرع الباب بعنف والصياح بصاحب الدار، فذاك حرام لأنه يتضمن الإيذاء والإيحاش، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله تعالى: ﴿ إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .
السؤال الخامس: كيف يقف على الباب الجواب: روي أن أبا سعيد استأذن على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل الباب، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب».
وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول السلام عليكم وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور.
السؤال السادس: أن كلمة (حتى) للغاية والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها فقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ ﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن فما قولكم فيه؟
الجواب: من وجوه: أحدها: أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان.
وثانيها: أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه فإن ذلك مما يسوءه، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن، علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافياً.
وثالثها: أن قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ ﴾ فحظر الدخول إلا بإذن، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى، فإن قيل إذا ثبت أنه لابد من الإذن فهل يقوم مقامه غيره أم لا؟
قلنا روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رسول الرجل إلى الرجل إذنه».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن».
وهذا الخبر يدل على معنيين أحدهما: أن الإذن محذوف من قوله: ﴿ حتى تَسْتَأْنِسُواْ ﴾ وهو المراد منه والثاني: أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى استئذن ثان، وقال بعضهم إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان.
السؤال السابع: ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟
الجواب: قال الشافعي رحمه الله: لو فقئت عينه فهي هدر، وتمسك بما روى سهل بن سعد قال: اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدري يحك بها رأسه فقال: «لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك إنما الاستئذان قبل النظر» وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه» قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر يرد لوروده على خلاف قياس الأصول، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً وكان عليه القصاص إن كان عامداً والأرش إن كان مخطئاً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق، فإن صح فمعناه: من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي، ثم جاء إنسان ففقأ عينه، فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى: ﴿ العين * بالعين ﴾ إلى قوله: ﴿ والجروح قِصَاصٌ ﴾ واعلم أن التمسك بقوله تعالى: ﴿ والعين بالعين ﴾ في هذه المسألة ضعيف، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة، فإنها لو كانت مستحقة لم يلزم القصاص، فلم قلت: إن من اطلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة؟
وهذا أول المسألة.
أما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقء عينه، فكذا إذا نظر قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ هاهنا في الزجر حسماً لباب هذه المفسدة، وبالجملة فرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا القدر من الكلام غير جائز.
السؤال الثامن: لما بينتم أنه لابد من الإذن فهل يكفي الإذن كيف كان أو لابد من إذن مخصوص؟
الجواب: ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقاً سواء كان الآذان صبياً أو امرأة أو عبداً أو ذمياً فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات الشهادة وكذلك قبول أخبار هؤلاء في الهدايا ونحوها.
السؤال التاسع: هل يعتبر الاستئذان على المحارم؟
والجواب: نعم، عن عطاء بن يسار: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أستأذن على أختي؟
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم أتحب أن تراها عريانة» وسأل رجل حذيفة أستأذن على أختي، فقال إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك، وقال عطاء سألت ابن عباس رضي الله عنهما استأذن على أختي ومن أنفق عليها؟
قال نعم إن الله تعالى يقول: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ولم يفرق بين من كان أجنبياً أو ذا رحم محرم.
واعلم أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز إلا أنه أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء.
والتحقيق فيه أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا دخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلاً بأمر يكره إطلاع الغير عليه وجب أن يعم في الكل، حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن.
السؤال العاشر: إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر فهل يجب الاستئذان؟
الجواب: كل ذلك مستثنى بالدليل فهذا جملة الكلام في الاستئذان، وأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها، وأمان للقوم وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس، فقال الحمد لله، فحمد الله بإذن الله، فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة، وهم ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك» وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست؛ يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له بالغيب، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات» وعن ابن عمر قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن سركم أن يسل الغل من صدوركم فأفشوا السلام بينكم».
أما قوله تعالى: ﴿ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ فالمعنى فيه ظاهر، إذ المراد أن فعل ذلك خير لكم وأولى لكم من الهجوم بغير إذن ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي لكي تتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به، ثم قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا ﴾ أي في البيوت أحداً ﴿ فَلاَ تَدْخُلُوهَا ﴾ لأن العلة في الصورتين واحدة وهي جواز أن يكون هناك أحوال مكتومة يكره إطلاع الداخل عليها، ثم قال: ﴿ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا ﴾ وذلك لأنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار فكذا الوقوف على الباب قد يكرهه، فلا جرم كان الأولى والأزكى له أن يرجع إزالة للإيحاش والإيذاء، ولما ذكر الله تعالى حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور التي هي غير مسكونة، فقال: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ وذلك لأن المانع من الدخول إلا بإذن زائل عنها واختلف المفسرون في المراد من قوله: ﴿ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ على أقوال: أحدها: وهو قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة، كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع، يروى أن أبا بكر قال يا رسول الله إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجارتنا فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟
فنزلت هذه الآية.
وثانيها: أنها الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز.
وثالثها: الأسواق.
ورابعها: أنها الحمامات، والأولى أن يقال إنه لا يمتنع دخول الجميع تحت الآية فيحمل على الكل، والعلة في ذلك أنها إذا كانت كذلك فهي مأذون بدخولها من جهة العرف، فكذلك نقول إنها لو كانت غير مسكونة ولكنها كانت مغصوبة، فإنه لا يجوز للداخل أن يدخل فيها لكن الظاهر من حال الخانات أنها موضوعة لدخول الداخل.
وأما قوله: ﴿ والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ فهو وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.
<div class="verse-tafsir"
يحتمل ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً ﴾ من الآذنين ﴿ فَلاَ تَدْخُلُوهَا ﴾ واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم.
ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلاّ بإذن أهلها، وذلك أنّ الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنّه تصرف في ملك غيرك فلا بدّ من أن يكون برضاه، وإلاّ أشبه الغصب والتغلب ﴿ فارجعوا ﴾ أي لا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب، ولا تقفوا على الأبواب منتظرين؛ لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصاً إذا كانوا ذوي مروءة ومرتاضين بالآداب الحسنة وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها: من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذّب من أكثر الناس، وعن أبي عبيد: والله ما قرعت باباً على عالم قط.
وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله: ﴿ إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ [الحجرات: 4] .
فإن قلت: هل يصحّ أن يكون المعنى: وإن لم يؤذن لكم وأمرتم بالرجوع فامتثلوا، ولا تدخلوا مع كراهتهم؟
قلت: بعد أن جزم النهي عن الدخول مع فقد الإذن وحده من أهل الدار حاضرين وغائبين، لم تبق شبهة في كونه منهياً عنه مع انضمام الأمر بالرجوع إلى فقد الإذن، فإن قلت: فإذا عرض أمر في دار: من حريق، أو هجوم سارق، أو ظهور منكر يجب إنكاره؟
قلت: ذاك مستثنى بالدليل ﴿ هو أزكى لكم ﴾ أي: الرجوع أطيب لكم وأطهر، لما فيه من سلامة الصدور والبعد من الريبة، أو أنفع وأنمى خيراً.
ثم أوعد المخاطبين بذلك بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا ﴾ يَأْذَنُ لَكم.
﴿ فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ حَتّى يَأْتِيَ مَن يَأْذَنُ لَكم فَإنَّ المانِعَ مِنَ الدُّخُولِ لَيْسَ الِاطِّلاعُ عَلى العَوْراتِ فَقَطْ بَلْ وعَلى ما يُخْفِيهِ النّاسُ عادَةً مَعَ أنَّ التَّصَرُّفَ في مُلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَحْظُورٌ، واسْتَثْنى ما إذا عَرَضَ فِيهِ حَرْقٌ أوْ غَرَقٌ أوْ كانَ فِيهِ مُنْكَرٌ ونَحْوَها.
﴿ وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا ﴾ ولا تُلِحُّوا.
﴿ هُوَ أزْكى لَكُمْ ﴾ الرُّجُوعُ أطْهَرُ لَكم عَمّا لا يَخْلُو الإلْحاحُ والوُقُوفُ عَلى البابِ عَنْهُ مِنَ الكَراهَةِ وتَرْكِ المُرُوءَةِ، أوْ أنْفَعُ لِدِينِكم ودُنْياكم.
﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَأْتُونَ وما تَذْرُوَنَ مِمّا خُوطِبْتُمْ بِهِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ كالرُّبُطِ والحَوانِيتِ والخاناتِ والخانَقاتِ.
﴿ فِيها مَتاعٌ ﴾ اسْتِمْتاعٌ.
﴿ لَكُمْ ﴾ كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الأمْتِعَةِ والجُلُوسِ لِلْمُعامَلَةِ، وذَلِكَ اسْتِثْناءٌ مِنَ الحُكْمِ السّابِقِ لِشُمُولِهِ البُيُوتَ المَسْكُونَةَ وغَيْرَها.
﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ ﴾ وعِيدٌ لِمَن دَخَلَ مَدْخَلًا لِفَسادٍ أوْ تَطَلُّعٍ عَلى عَوْراتٍ.
<div class="verse-tafsir"
{فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا} في البيوت {أَحَدًا} من الآذنين {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى
يُؤْذَنَ لَكُمُ} حتى تجدوا من يأذن لكم أو فإن لم تجدوا فيها أحدا من أهلها ولكك فيها حاجة فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها لأن التصرف في ملك الغير لا بد من أن يكون برضاه {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا} أي إذا كان فيه قوم فقالوا ارجعوا {فارجعوا} ولا تلحوا في إطلاق الإذن ولا تلجوا في تسهيل الحجاب ولا تقفوا على الأبواب لأن هذا مما يجلب الكراهة فإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك وعن أبي عبيد ما قرعت باباً على عالم قط {هُوَ أزكى لَكُمْ} أي الرجوع أطيب وأطهر لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة أو أنفع وأنمى خيراً {والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وعيد للمخاطبين بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه
﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا ﴾ بِأنْ كانَتْ خالِيَةً مِنَ الأهْلِ ﴿ فَلا تَدْخُلُوها ﴾ واصْبِرُوا ﴿ حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ مِن جِهَةِ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ عِنْدَ وِجْدانِكم إيّاهُ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الدُّخُولَ في البُيُوتِ الخالِيَةِ مِن غَيْرِ إذْنٍ سَبَبٌ لِلْقِيلِ والقالِ، وفِيهِ تَصَرُّفٌ بِمِلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ رِضاهُ وهو يُشْبِهُ الغَضَبَ، وهَذِهِ الآيَةُ لِبَيانِ حُكْمِ البُيُوتِ الخالِيَةِ عَنْ أهْلِها كَما أنَّ الآيَةَ الأُولى لِبَيانِ حُكْمِ البُيُوتِ الَّتِي فِيها أهْلُها.
وجَوَّزَ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الِاسْتِئْناسِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ والأمْرُ دائِرٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا مِنَ الآذِنِينَ أيْ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ فَلا تَدْخُلُوها إلَخْ ويُفِيدُ هَذا حُرْمَةَ دُخُولِ ما فِيهِ مَن لا يَمْلِكُ الإذْنَ كَعَبْدٍ وصَبِيٍّ مِن دُونِ إذْنِ مَن يَمْلِكُهُ، ومَنِ اخْتارَ الأوَّلَ قالَ: إنْ حُرْمَةَ ما ذَكَرَ ثابِتَةً بِدَلالَةِ النَّصِّ فَتَأمَّلْ.
وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا ﴾ إلى آخِرِهِ دُونَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ لِأنَّ المُعْتَبِرَ وجَدَ أنَّها خالِيَةٌ مِنَ الأهْلِ مُطْلَقًا أوْ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ الإذْنَ سَواءً كانَ فِيها أحَدٌ في الواقِعِ أمْ لَمْ يَكُنْ كَذا قِيلَ: وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِمْ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ، بِأنْ كانَتْ خالِيَةً كَوْنُها خالِيَةً بِحَسْبِ الِاعْتِقادِ، وكَذا يُقالُ في نَظِيرِهِ فَلا تَغْفُلْ، ثُمَّ إنْ ما أفادَتْهُ الآيَتانِ مِنَ الحُكْمِ قَدْ خَصَّصَهُ الشَّرْعُ فَجَوَّزَ الدُّخُولَ لِإزالَةِ مُنْكَرٍ تَوَقَّفَتْ عَلى الدُّخُولِ مِن غَيْرِ إذْنِ أهْلِ البَيْتِ والدُّخُولُ في البَيْتِ الخالِي لِإطْفاءِ حَرِيقٌ فِيهِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ السُّوَرَ الَّتِي فِيها الدُّخُولُ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ فَلْتُراجِعْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإذْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ ما يَعُمُّ الإذْنَ دَلالَةً وشَرْعًا ولِذا وقَعَ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ وفِيهِ خَفاءٌ ﴿ وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا ﴾ أيْ إنْ أُمِرْتُمْ مِن جِهَةِ أهْلِ البَيْتِ بِالرُّجُوعِ سَواءً كانَ الآمِرُ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ أمْ لا فارْجِعُوا ولا تُلِحُّوا ﴿ هُوَ ﴾ أيِ الرُّجُوعِ ﴿ أزْكى لَكُمْ ﴾ أيْ أطْهَرَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ اللَّجُّ والعِنادُ والوُقُوفُ عَلى الأبْوابِ بَعْدَ القَوْلِ المَذْكُورِ مِن دَنَسِ الدَّناءَةِ والرَّذالَةِ أوْ أنَفَعَ لِدِينِكم ودُنْياكم عَلى أنْ ﴿ أزْكى ﴾ مِنَ الزَّكاةِ بِمَعْنى النُّمُوِّ.
والظّاهِرُ أنَّ صِيغَةَ أفْعَلَ في الوَجْهَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَيَّدْنا الوُقُوفَ عَلى الأبْوابِ بِما سَمِعْتَ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَناءَةٌ مُطْلَقًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَأْتِي دُورَ الأنْصارِ لِطَلَبِ الحَدِيثِ فَيَقْعُدُ عَلى البابِ ولا يَسْتَأْذِنُ حَتّى يَخْرُجَ إلَيْهِ فَإذا خَرَجَ ورَآهُ قالَ: يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ لَوْ أخْبَرَتْنِي بِمَكانِكَ فَيَقُولُ: هَكَذا أمَرَنا أنْ نَطْلُبَ العِلْمَ، وكَأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَدَّ ذَلِكَ مِنَ التَّواضُعِ وهو مِن أقْوى أسْبابِ الفُتُوحِ لِطالِبِ العِلْمِ، وقَدْ أعْطانِي اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ نَصِيبًا وافِيًا مِنهُ فَكُنْتُ أكْثَرَ التَّلامِذَةِ تَواضُعًا وخِدْمَةً لِلْمَشايِخِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَأْتُونَ وما تَذْرُونَ مِمّا كَلَّفْتُمُوهُ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ، يعني: بيوتاً ليست لكم حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا، يعني: حتى تستأذنوا.
وروي عن سعيد بن جبير: أن عبد الله بن عباس كان يقرأ: حتى تستأذنوا ويقول: تستأذنوا خطأ من الكاتب.
وروي عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أخطأ الكاتب في قوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا، وقراءة العامة حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وقال القتبي: الاستئناس أن تعلم من في الدار، يقال: استأنست فما رأيت أحداً، أي استعلمت وتعرفت، ومنه.
قوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء: 6] ، أي علمتم.
وروي، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار قال: جاءت امرأة إلى النبيّ ، فقالت: «يا رسول الله، إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، فكيف أصنع؟
قال: «ارجعي» .
فنزلت هذه الآية (١) التسليم والاستئذان خير لكم من أن تدخلوا بغير إذن وسلام، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أن التسليم والاستئذان خير لكم.
قال عز وجل: فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً، يعني: إن لم تجدوا في البيوت أحدا يأذن لكم في الدخول، فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ في الدخول، وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا، ولا تقيموا على أبواب الناس، فلعل لهم حوائج.
هُوَ أَزْكى لَكُمْ، يعني: الرجوع، أصلح لكم من القيام والقعود على أبواب الناس.
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، يعني: إذا دخلتم بإذن أو بغير إذن.
ثم رخص لهم في البيوت على طريق الناس مثل الرباطات والخانات، وذلك أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله، فكيف بالبيوت التي بين الشام ومكة والمدينة التي على ظهر الطريق ليس لها ساكن (٢) (١) عزاه السيوطي: 6/ 171 إلى الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار.
(٢) عزاه السيوطي: 6/ 176 إلى ابن أبي حاتم.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : وتصريف الفعل يأْبَى أَنْ يكون من أنس، وقرأ أُبَيُّ وابن عباس «٢» :
«حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا» وصورة الاستئذان أَنْ يقول الإنسان: السلام عليكم، أأدخل؟
فإن أُذِنَ له دَخَل، وإنْ أُمِرَ بالرجوع انصرف، وإنْ سُكِتَ عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف، جاءت في هذا كله آثار، والضمير في قوله: تَجِدُوا فِيها: للبيوت التي هي بيوتُ الغير، وأسند الطبريُّ «٣» عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبتُ عمري كُلَّه هذه الآيةَ فما أدركتها أن أستأذنَ على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مُغْتَبِطٌ «٤» لقوله تعالى: هُوَ أَزْكى لَكُمْ.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تَوَعُّدٌ لأهل التجسّس.
وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ...
الآية: أباح سبحانه في هذه الآية رفعَ الاستئْذان في كُلِّ بيت لا يسكنه أحد لأَنَّ العِلَّةَ في الاستئذان خوفُ الكشفة على المُحَرِّمَاتِ، فإذا زالت العِلَّةُ زال الحكم، وباقي الآية بَيِّنٌ ظاهر التوعد، وعن مالك رحمه الله: أَنه بلغه أَنَّهُ كان يُسْتَحَبُّ إذا دخل البيتَ غيرَ المسكون، أن يقول
الذي يدخله: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ، انتهى، أخرجه «١» في «المُوَطَّإِ» .
وقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أظهر ما في مِنْ أَنْ تكون للتبعيض، لأَنَّ أول نظرة لا يملكها الإنسانُ وإنَّما يَغُضُّ فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج إذ حفظُها عامٌّ لها، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذيرُ منه، وحفظُ الفرج هو عن الزنا وعن كشفه حيث لا يحل.
قلت: النواظر «٢» صوارمُ مشهورة فاغمدها في غِمْدِ الغَضِّ والحياء مِنْ نظر المولى وإلاَّ جرحك بها عَدُوُّ الهوى، لا ترسلْ بريد النظر فيجلبَ لقلبك رَدِيءَ الفكر، غُضُّ البصرِ يُورِثُ القلب نوراً، وإطلاقُه يَقْدَحُ في القلب ناراً.
انتهى من «الكَلِمِ الفارقيَّة فِي الحِكَمِ الحقيقيَّة» .
قال ابن العربيِّ»
في «أحكامه» : قوله تعالى: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ يريد: أطهر وأنمى، يعني: إذا غَضَّ بصره كان أطهرَ له من الذنوب وأَنمى لعمله في الطاعة.
قال ابن العربي «٤» : ومِنْ غَضَّ البصر: كَفُّ التطلع إلى المُبَاحَاتِ من زينة الدنيا وجمالِها كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ٣٧ ب زَهْرَةَ الْحَياةِ/ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه: ١٣١] .
يريد ما عند الله تعالى، انتهى.
وقوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ...
الآية: أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بِغَضِّ البصر عن كل ما يُكْرَهُ- من جهة الشرع- النظرُ إليه، وفي حديث أُمِّ سلمةَ قالت: كُنْتُ أنا وعائشة عند النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فدخل ابن أمّ مكتوم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم:
«احتجبن، فقلن: إنّه أعمى!
فقال صلى الله عليه وسلّم: «أفعمياوان أنتما» «٥» ومِنْ الكلام فيها كالتي قبلها.
قال ابن العربي في «أحكامه» «١» : وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أَنْ تنظر إلى الرجلِ، فإنَّ عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به، وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أُمِّ سلمة المتقدم، انتهى.
وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ، ثم أَمر تعالى بأَلاَّ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما يظهر من الزينة قال ابن مسعود «٢» : ظاهر الزينة: هو الثياب.
وقال ابن جبير وغيره «٣» : الوجه والكَفَّانِ والثيابُ.
وقيل: غير هذا.
قال زينتها ع «٤» ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أَنَّ المرأة مأمورة بأَلاَّ تبديَ، وأَنْ تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المَعفُوُّ عنه، وذكر أبو عمر: الخلاف في تفسير الآية كما تقدم قال: ورُوِيَ عن أبي هريرة في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها قال: القلب والفتخة.
قال جرير بن حازم: القُلْبُ: السِّوَارُ، والفتخة: الخاتم، انتهى من «التمهيد» .
وقوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ.
قال ابن العربي «١» : الجيب هو الطَّوْقُ، والخمار: هو المِقْنَعَة، انتهى.
قال ع «٢» : سبب الآية أَنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غَطَّيْنَ رؤوسهنَّ بالأخمرة سَدَلْنَهَا من وراء الظهر فيبقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنَانِ لا سِتْرَ على ذلك، فأمر الله تعالى بِلَيِّ الخمار على الجيوب، وهَيْئَةُ ذلك يستر جميعَ ما ذكرناه، وقالت عائشة- رضي الله عنها- رُحِمَ اللهُ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ لمَّا نزلت هذه الآية عَمَدْنَ إلى أكثف المروط «٣» فشققنها أخمرةً، وضربن بها على الجيوب «٤» .
وقوله سبحانه: أَوْ نِسائِهِنَّ يعني جميع المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين، وكتب عمر إلى أبي عبيدةَ بن الجراح أَنْ يمنع نساءَ أهل الذِّمَّةِ أَنْ يدخلنَ الحَمَّامَ مع نساء المسلمين فامتثل «٥» .
وقوله سبحانه: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ يدخل فيه الإماءُ الكتابِيَّاتُ والعبيد.
وقال ابن عباس وجماعة «٦» : لا يدخل العبد على سَيِّدته فيرى شعرها إلاَّ أن يكون وغْداً.
وقوله تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ يريد الأتباع لِيُطْعَمُوا، وهم فُسُولُ الرجال الذين لا إرْبَةَ لهم في الوَطْءِ، ويدخل في هذه الصنيفة: المَجْبُوبُ، والشيخ الفاني، وبعضُ المَعْتُوهِينَ، والذي لا إرْبَةَ له من الرجال قليلٌ، والإربة: الحاجة إلى الوطء، والطفل اسم جنس،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى حالٍ لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ، فَلا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ نُزُولِها: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَرَأيْتَ الخاناتِ والمَساكِنَ الَّتِي لَيْسَ فِيها ساكِنٌ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ.
.
﴾ الآيَةُ.» ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ أيْ: بُيُوتًا لَيْسَتْ لَكم.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في باءِ البُيُوتِ، فَقَرَأ بَعْضُهم بِضَمِّها، وبَعْضُهم بِكَسْرِها.
وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في (البَقَرَةِ: ١٨٩ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: حَتّى تُسَلِّمُوا وتَسْتَأْنِسُوا.
قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿ تَسْتَأْنِسُوا ﴾ في اللُّغَةِ، بِمَعْنى تَسْتَأْذِنُوا، وكَذَلِكَ هو في التَّفْسِيرِ، والِاسْتِئْذانُ: الِاسْتِعْلامُ، تَقُولُ: آذَنْتُهُ بِكَذا، أيْ: أعْلَمْتُهُ وآنَسْتُ مِنهُ كَذا، أيْ: عَلِمْتُ مِنهُ، ومِثْلُهُ: ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ أيْ: عَلِمْتُمْ.
فَمَعْنى الآيَةِ: حَتّى تَسْتَعْلِمُوا، يُرِيدُ أهْلَها أنْ تَدْخُلُوا، أمْ لا قالَ المُفَسِّرُونَ: وصِفَةُ الِاسْتِعْلامِ أنْ تَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ؟
ولا يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ بَيْتَ غَيْرِكَ إلّا بِالِاسْتِئْذانِ، لِهَذِهِ الآيَةِ، ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ مِن أنْ تَدْخُلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ أنَّ الِاسْتِئْذانَ خَيْرٌ فَتَأْخُذُونَ بِهِ، قالَ عَطاءُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي وأُخْتِي ونَحْنُ في بَيْتٍ واحِدٍ؟
قالَ: أيَسُرُّكَ أنْ تَرى مِنهُنَّ عَوْرَةً؟
قُلْتُ: لا، قالَ: فاسْتَأْذِنْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا ﴾ أيْ: إنْ وجَدْتُمُوها خالِيَةً ﴿ فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكم ارْجِعُوا فارْجِعُوا ﴾ أيْ: إنْ رَدُّوكم فَلا تَقِفُوا عَلى أبْوابِهِمْ وتُلازِمُوها، ﴿ هُوَ أزْكى لَكُمْ ﴾ يَعْنِي: الرُّجُوعُ خَيْرٌ لَكم وأفْضَلُ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الدُّخُولِ بِإذْنٍ وغَيْرِ إذَنٍ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ * فَصْلٌ وَهَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ، أمْ لا؟
فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ حُكْمَها عامٌّ في جَمِيعِ البُيُوتِ، ثُمَّ نُسِخَتْ مِنها البُيُوتُ الَّتِي لَيْسَ لَها أهْلٌ يَسْتَأْذِنُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ ، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّ الآيَتَيْنِ مَحْكَمَتانِ، فالِاسْتِئْذانُ شَرْطٌ في الأُولى إذا كانَ لِلدّارِ أهْلٌ، والثّانِيَةُ ورَدَتْ في بُيُوتٍ لا ساكِنَ لَها، والإذْنُ لا يُتَصَوَّرُ مِن غَيْرِ آذِنٍ، فَإذا بَطُلَ الِاسْتِئْذانُ، لَمْ تَكُنِ البُيُوتُ الخالِيَةُ داخِلَةً في الأُولى، وهَذا أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الخاناتُ والبُيُوتُ المُبَيَّنَةُ لِلسّابِلَةِ لِيَأْوُوا إلَيْها، ويُؤْوُوا أمْتِعَتَهم قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها البُيُوتُ الخَرِبَةُ، والمَتاعُ: قَضاءُ الحاجَةِ فِيها مِنَ الغائِطِ والبَوْلِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: أنَّها بُيُوتُ مَكَّةَ، قالَهُ مُحَمَّدٌ بْنُ الحَنَفِيَّةِ.
والرّابِعُ: حَوانِيتُ التُّجّارِ الَّتِي بِالأسْواقِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: أنَّها جَمِيعُ البُيُوتِ الَّتِي لا ساكِنَ لَها، لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ إنَّما جُعِلَ لِأجْلِ السّاكِنِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
فَيَخْرُجُ في مَعْنى " المَتاعِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: الأمْتِعَةُ الَّتِي تُباعُ وتُشْتَرى.
والثّانِي: إلْقاءُ الأذى مِنَ الغائِطِ والبَوْلِ.
والثّالِثُ: الِانْتِفاعُ بِالبُيُوتِ لِاتِّقاءِ الحَرِّ والبَرْدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكم وإنْ قِيلَ لَكم ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن عُدَيِّ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أكُونُ في مَنزِلِي عَلى الحالِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي أحَدٌ عَلَيْها والِدَ ولا ولَدَ، وإنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي وأنا عَلى تِلْكَ الحالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ثُمْ هي عامَّةٌ في الأُمَّةِ غابِرَ الدَهْرِ مِن حَيْثُ هَذِهِ النازِلَةِ تَخْتَصُّ بِكُلِّ أحَدٍ في نَفْسِهِ، وبَيْتُ الإنْسانِ هو البَيْتُ الَّذِي لا أحَدَ مَعَهُ فِيهِ، أوِ البَيْتُ الَّذِي فِيهِ زَوْجَتُهُ وأمَتَهُ، وما عَدا هَذا فَهو غَيْرُ بَيْتِهِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ ألّا يَدْخُلَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ أُمُّهُ إلّا بَعْدَ الِاسْتِئْناسِ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، اسْتَأْذِنَ عَلى أُمِّي؟
قالَ: نَعَمْ.
قالَ: إنَّما هي أُمِّي ولا خادِمْ لَها غَيْرِي، قالَ: أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟
قالَ: لا، قالَ: فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها»، وكَذَلِكَ كَلُّ ذاتِ مَحْرَمٍ مِنهُ لَأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَراهُنَ عارِياتِ، وقالَتْ زَيْنَبُ امْرَأةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذا جاءَ بَيْتَهُ تَنَحْنَحَ مَخافَةَ أنْ يَهْجُمْ عَلى ما يَكْرَهُ.
و"تَسْتَأْنِسُوا" مَعْناهُ: تَسْتَعْمِلُوا، أيْ: تَسْتَعْلِمُوا مَن في البَيْتِ وتَسْتَبْصِرُوا، تَقُولُ: آنَسْتُ إذا عَلِمْتَ عن حِسٍّ وإذا أبْصَرْتَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا ﴾ ، وقَوْلُهُ: " آنَسْتُ نارًا "، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اُنْظُرْ خَلِيلِيَّ بِبابِ جَلِّقٍ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مَن أحَدِ وقَوْلُ الحارِثِ: آنَسْتُ نَبْأةً....
البَيْتُ ∗∗∗.........................
ووَزْنُ آنَسُ: أفْعَلُ، واسْتَأْنَسَ وزْنُهُ: اسْتَفْعَلَ، فَكَأنَّ المَعْنى في "تَسْتَأْنِسُونَ": تَطْلُبُونَ ما يُؤْنِسُكم ويُؤْنِسُ أهْلَ البَيْتِ مِنكُمْ، وإذا طَلَبَ الإنْسانُ أنْ يَعْلَمَ أمْرَ البَيْتِ الَّذِي يُرِيدُ دُخُولَهُ فَذَلِكَ يَكُونُ بِالِاسْتِئْذانِ عَلى مَن فِيهِ، أو بِأنْ يَتَنَحْنَحَ ويَشْعُرَ بِنَفْسِهِ بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَهُ، ويَتَأنّى قَدْرَ ما يَتَحَفَّظُ، ويَدْخُلَ إثْرَ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الطَبَرِيُّ في "تَسْتَأْنِسُوا" إلى أنَّهُ بِمَعْنى: حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ مِن أنْفُسِكم بِالتَنَحْنُحِ والِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهُ، وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَعْلَمُوا أنْ قَدْ شُهِّرَ بِكم.
وتَصْرِيفُ الفِعْلِ يَأْبى أنْ يَكُونَ مِن آنَسَ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: "حَتّى تَسْتَأْذِنُوا وتُسَلِّمُوا"، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وحَكاها أبُو حاتِمْ "حَتّى تُسَلِّمُوا وتَسْتَأْذِنُوا"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَسْتَأْنِسُوا" خَطَأٌ أو وهْمٌ مِنَ الكُتّابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَصاحِفُ الإسْلامِ كُلُّها قَدْ ثَبَتَ فِيها "تَسْتَأْنِسُوا"، وصَحَّ الإجْماعُ فِيها مِن لَدُنْ مُدَّةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَهي الَّتِي لا يَجُوزُ خِلافُها، والقِراءَةُ "يَسْتَأْذِنُوا" ضَعِيفَةٌ، وإطْلاقُ الخَطَأِ والوَهْمِ عَلى الكُتّابِ في لَفْظٍ أجْمَعَ الصَحابَةُ عَلَيْهِ قَوْلٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والأشْبَهُ أنْ يَقَعَ "تَسْتَأْذِنُوا" عَلى التَفْسِيرِ، وظاهِرُ ما حَكى الطَبَرِيُّ أنَّها قِراءَةٌ، ولَكِنْ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما أنَّهُ قالَ: "تَسْتَأْنِسُوا" بِمَعْنى: تَسْتَأْذِنُوا، ومِمّا يَنْفِي هَذا القَوْلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنْ "تَسْتَأْنِسُوا" مُتَمَكِّنَةٌ في المَعْنى، بَيِّنَةُ الوَجْهِ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ «قالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: أسْتَأْنِسُ يا رَسُولَ اللهِ؟
وعُمَرُ واقِفٌ عَلى بابِ الغُرْفَةِ...» الحَدِيثُ المَشْهُورُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ طَلَبَ الأُنْسَ بِهِ ، فَكَيْفَ يُخَطِّئُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أصْحابَ الرَسُولِ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذا؟
وحَكى الطَبَرِيُّ أيْضًا بِسَنَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهم قالُوا: نُسِخَ واسْتُثْنِيَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ ، وهَذا أيْضًا لا يَتَرَتَّبُ فِيهِ نَسْخٌ ولا اسْتِثْناءٌ؛ لَأنَّ الآيَةَ الأُولى في البُيُوتِ المَسْكُونَةِ والمَقْصُورَةِ، والآيَةَ الثانِيَةَ في المُباحَةِ، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى الِاسْتِثْناءِ رَأى الأُولى عامَّةً.
وصُورَةُ الِاسْتِئْذانِ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخَلُ؟
فَإنْ أُذِنَ لَهُ دَخَلَ، وإنَّ أُمِرَ بِالرُجُوعِ انْصَرَفَ، وإنْ سَكَتَ عنهُ اسْتَأْذَنَ ثَلاثًا ثُمْ يَنْصَرِفُ بَعْدَ الثَلاثِ، فَأمّا ثُبُوتُ ما ذَكَرْتُهُ مِن صُورَةِ الِاسْتِئْذانِ فَرَوى الطَبَرِيُّ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى بَيْتِ النَبِيِّ فَقالَ: ألِجُ؟
أو أنَلِجُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ لِأمَةٍ لَهُ يُقالُ لَها رَوْضَةٌ: "قَوْلِي لِهَذا: يَقُولُ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُلُ؟"، فَسَمِعَهُ الرَجُلُ فَقالَها، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : "ادْخُلْ"».
ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما آذَتْهُ الرَمْضاءُ يَوْمًا فَأتى فُسْطاطَ امْرَأةٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُلُ؟
فَقالَتِ المَرْأةُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ، فَأعادَ فَأعادَتْ، فَقالَ لَها: قُولِي: ادْخُلْ، فَقالَتْ ذَلِكَ فَدَخَلَ، فَكَأنَّهُ تَوَقَّفَ لَمّا قالَتْ: بِسَلامٍ؛ لِاحْتِمالِ اللَفْظِ أنْ تُرِيدَ: ادْخُلْ بِسَلامِكَ لا بِشَخْصِكَ.
ثُمْ لِكُلِّ قَوْمٍ في الِاسْتِئْذانِ عُرْفُهم في العِبارَةِ.
وأمّا ثُبُوتُ الرُجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا فَلِحَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ مَعَ عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وشَهِدَ بِهِ لِأبِي مُوسى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ثُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ..
الحَدِيثُ المَشْهُورُ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الِاسْتِئْذانُ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذا.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: «رَسُولُ الرَجُلِ إذْنُهُ»، أيْ: إذا أرْسَلَ في أحَدٍ فَقَدْ أذِنَ لَهُ في الدُخُولِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ ﴾ مَعْناهُ: فَعَلْنا ذَلِكَ بِكم ونَبَّهْناكم لَعَلَّكم.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها ﴾ لِلْبُيُوتِ الَّتِي هي بُيُوتُ الغَيْرِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا ﴾ : إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم فِيها مَتاعٌ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا التَأْوِيلَ، وكَذَلِكَ هو في غايَةِ الضَعْفِ، وكَأنَّ مُجاهِدًا رَأى أنَّ البُيُوتَ غَيْرَ المَسْكُونَةِ إنَّما تُدْخَلُ دُونَ إذْنٍ إذا كانَ فِيها لِلدّاخِلِ مَتاعٌ، ورَأى لَفْظَةَ "المَتاعِ" مَتاعِ البَيْتِ الَّذِي هو البُسُطُ والثِيابُ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَما أدْرَكَتُها، أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي فَيَقُولُ لِي: ارْجِعْ، فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا هو أزْكى لَكم ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ تَوَعُّدٌ لِأهْلِ التَجَسُّسِ عَلى البُيُوتِ وطَلَبِ الدُخُولِ عَلى غَفْلَةٍ لِلْمَعاصِي والنَظَرِ إلى ما لا يَحِلُّ، ولِغَيْرِهِمْ مِمّا يَقَعُ في مَحْظُورٍ.
<div class="verse-tafsir"
ذكرنا أن من أكبر الأغراض في هذه السورة تشريع نظام المعاشرة والمخالطة العائلية في التجاور.
فهذه الآيات استئناف لبيان أحكام التزاور وتعليم آداب الاستئذان، وتحديد ما يحصل المقصود منه كيلا يكون الناس مختلفين في كيفيته على تفاوت اختلاف مداركهم في المقصود منه والمفيد.
وقد كان الاستئذان معروفاً في الجاهلية وصدر الإسلام، وكان يختلف شكله باختلاف حال المستأذن عليه من ملوك وسوقة فكان غير متماثل.
وقد يتركه أو يقصر فيه من لا يهمه إلا قضاء وطره وتعجيل حاجته، ولا يبعد بأن يكون ولوجه محرجاً للمزور أو مثقلاً عليه فجاءت هذه الآيات لتحديد كيفيته وإدخاله في آداب الدين حتى لا يفرط الناس فيه أو في بعضه باختلاف مراتبهم في الاحتشام والأنفة واختلاف أوهامهم في عدم المؤاخذة أو في شدتها.
وشرع الاستئذان لمن يزور أحداً في بيته لأن الناس اتخذوا البيوت للاستتار مما يؤذي الأبدان من حرّ وقرّ ومطر وقتام، ومما يؤذي العرض والنفس من انكشاف ما لا يحب الساكن اطلاع الناس عليه، فإذا كان في بيته وجاءه أحد فهو لا يدخله حتى يصلح ما في بيته وليستر ما يحب أن يستره ثم يأذن له أو يخرج له فيكلمه من خارج الباب.
ومعنى ﴿ تستأنسوا ﴾ تطلبوا الأنس بكم، أي تطلبوا أن يأنس بكم صاحب البيت، وأنسه به بانتفاء الوحشة والكراهية.
وهذا كناية لطيفة عن الاستئذان، أي أن يستأذن الداخل، أي يطلب إذناً من شأنه أن لا يكون معه استيحاش رب المنزل بالداخل.
قال ابن وهب قال مالك: الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان.
يريد أنه المراد كناية أو مرادفة فهو من الأنس، وهذا الذي قاله مالك هو القول الفصل.
ووقع لابن القاسم في «جامع العتيبة» أن الاستئناس التسليم.
قال ابن العربي: وهو بعيد.
وقلت: أراد ابن القاسم السلام بقصد الاستئذان فيكون عطف ﴿ وتسلموا ﴾ عطف تفسير.
وليس المراد بالاستئناس أنه مشتق من آنس بمعنى علم لأن ذلك إطلاق آخر لا يستقيم هنا فلا فائدة في ذكره وذلك بحسب الظاهر فإنه إذا أذن له دل إذنه على أنه لا يكره دخوله وإذا كره دخوله لا يأذن له والله متولي علم ما في قلبه فلذلك عُبر عن الاستئذان بالاستئناس مع ما في ذلك من الإيماء إلى علة مشروعية الاستئذان.
وفي ذلك من الآداب أن المرء لا ينبغي أن يكون كلاًّ على غيره، ولا ينبغي له أن يعرض نفسه إلى الكراهية والاستثقال، وأنه ينبغي أن يكون الزائر والمزور متوافقين متآنسين وذلك عون على توفر الأخوة الإسلامية.
وعطف الأمر بالسلام على الاستئناس وجعل كلاهما غاية للنهي عن دخول البيوت تنبيهاً على وجوب الإتيان بهما لأن النهي لا يرتفع إلا عند حصولهما.
وعن ابن سيرين: " أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أأدخل؟
فأمر النبي رجلاً عنده أو أَمَةً اسمها روضة فقال: إنه لا يحسن أن يستأذن فليقُل: السلام عليكم أأدخل.
فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل.
فقال: ادْخلْ "، وروى مطرف عن مالك عن زيد بن أسلم: «أنه استأذن على عبد الله بن عمر فقال: أألج.
فأذن له ابن عمر، فلما دخل قال له ابن عمر: ما لك واستئذان العرب؟
(يريد أهل الجاهلية) إذا استأذنت فقل: السلام عليكم.
فإذا رد عليك السلام فقل: أأدخل، فإن أذن لك فادخل».
وظاهر الآية أن الاستئذان واجب وأن السلام واجب غير أن سياق الآية لتشريع الاستئذان.
وأما السلام فتقررت مشروعيته من قبل في أول الإسلام ولم يكن خاصاً بحالة دخول البيوت فلم يكن للسلام اختصاص هنا وإنما ذكر مع الاستئذان للمحافظة عليه مع الاستئذان لئلا يلهي الاستئذان الطارقَ فينسى السلام أو يحسب الاستئذان كافياً عن السلام.
قال المازري في كتاب «المعلم على صحيح مسلم»: الاستئذان مشروع.
وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» قال جماعة: الاستئذان فرض والسلام مستحب.
وروي عن عطاء: الاستئذان واجب على كل محتلم.
ولم يفصح عن حكم الاستئذان سوى فقهاء المالكية.
قال الشيخ أبو محمد في «الرسالة»: الاستئذان واجب فلا تدخُلْ بيتاً فيه أحد حتى تستأذن ثلاثاً فإن أذن لك وإلا رجعت.
وقال ابن رشد في «المقدمات»: الاستئذان واجب.
وحكى أبو الحسن المالكي في «شرح الرسالة» الإجماع على وجوب الاستئذان.
وقال النووي في «شرح صحيح مسلم»: الاستئذان مشروع.
وهي كلمة المازري في «شرح مسلم».
وأقول: ليس قرن الاستئذان بالسلام في الآية بمقتض مساواتَهما في الحكم إذا كانت هنالك أدلة أخرى تفرق بين حكميهما وتلك أدلة من السنة، ومن المعنى فإن فائدة الاستئذان دفع ما يكره عن المطروق المزور وقطع أسباب الإنكار أو الشتم أو الإغلاظ في القول مع سد ذرائع الريب وكلها أو مجموعها يقتضي وجوب الاستئذان.
وأما فائدة السلام مع الاستئذان فهي تقوية الألفة المتقررة فلا تقتضي أكثر من تأكد الاستحباب.
فالقرآن أمر بالحالة الكاملة وأحال تفصيل أجزائها على تبيين السنة كما قال تعالى: ﴿ لتبين للناس ما نزل إليهم ﴾ [النحل: 44].
وقد أجملت حكمة الاستئذان في قوله تعالى: ﴿ ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ﴾ أي ذلكم الاستئذان خير لكم، أي فيه خير لكم ونفع فإذا تدبرتم علمتم ما فيه من خير لكم كما هو المرجو منكم.
وقد جمعت الآية الاستئذان والسلام بواو العطف المفيد التشريك فقط فدلت على أنه إن قدم الاستئذان على السلام أو قدم السلام على الاستئذان فقد جاء بالمطلوب منه، وورد في أحاديث كثيرة الأمر بتقديم السلام على الاستئذان فيكون ذلك أولى ولا يعارض الآية.
وليس للاستئذان صيغة معينة.
وما ورد في بعض الآثار فإنما محمله على أنه المتعارف بينهم أو على أنه كلام أجمع من غيره في المراد.
وقد بينت السنة أن المستأذن إن لم يؤذن له بالدخول يكرره ثلاث مرات فإذا لم يؤذن له انصرف.
وورد في هذا حديث أبي موسى الأشعري مع عمر بن الخطاب في «صحيح البخاري» وهو ما روي: «عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور قال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يأذن لي فرجعت (وفسره في رواية أخرى بأن عمر كان مشتغلاً ببعض أمره ثم تذكر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟
قالوا: استأذن ثلاثاً ثم رجع) فأرسل وراءه فجاء أبو موسى فقال عمر: ما منعك؟
قال قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت.
" وقال رسول الله: إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع " فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة.
قال أبو موسى: أمنكم أحد سمعه من النبي؟
فقال أبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا فكنت أصغرهم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي قال ذلك.
فقال عمر: خفِي عليّ هذا من أمر رسول الله ألهاني الصفق بالأسواق.
وقد علم أن الاستئذان يقتضي إذناً ومنعاً وسكوتاً فإن أذن له فذاك وإن منع بصريح القول فذلك قوله تعالى: ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ﴾ .
والضمير عائد إلى الرجوع المفهوم من ﴿ ارجعوا ﴾ كقوله: ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].
ومعنى ﴿ ازكى لكم ﴾ أنه أفضل وخير لكم من أن يأذنوا على كراهية.
وفي هذا أدب عظيم وهو تعليم الصراحة بالحق دون المواربة ما لم يكن فيه أذى.
وتعليم قبول الحق لأنه أطمن لنفس قابله من تلقي ما لا يدري أهو حق أم مواربة، ولو اعتاد الناس التصارح بالحق بينهم لزالت عنهم ظنون السوء بأنفسهم.
وأما السكوت فهو ما بيّن حكمه حديث أبي موسى.
وفعل ﴿ تسلموا ﴾ معناه تقولوا: السلام عليكم، فهو من الأفعال المشتقة من حكاية الأقوال الواقعة في الجمل مثل: رحّب وأهّل، إذا قال: مرحباً وأهلاً، وحيّا، إذا قال: حيَّاك الله، وجزّأ إذ قال له: جزاك الله خيراً.
وسهَّل، إذا قال: سهلاً، أي حللت سهلاً.
قال البعيث بن حريث: فقلت لها أهلاً وسهلاً ومرحباً *** فردت بتأهيل وسهل ومرحبِ وفي الحديث: " تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ".
وهي قريبة من النحت مثل: بسمل، إذا قال: باسم الله، وحسبل، إذا قال: حسبنا الله.
و ﴿ على أهلها ﴾ يتعلق ب ﴿ تسلموا ﴾ لأنه أصله من بقية الجملة التي صيغ منها الفعل التي أصلها: السلام عليكم، كما يعدى رحَّب به، إذا قال: مرحباً بك، وكذلك أهّل به وسهّل به.
ومنه قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ [الأحزاب: 56].
وصيغة التسليم هي: السلام عليكم.
وقد علمها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ونهى أبا جُزَي الهجيمي عن أن يقول: عليك السلام.
وقال له: إن عليك السلام تحية الميت ثلاثاً، أي الابتداء بذلك.
وأما الرد فيقول: وعليك السلام بواو العطف وبذلك فارقت تحية الميت ورحمة الله.
أخرج ذلك الترمذي في كتاب الاستئذان.
وتقدم السلام في قوله تعالى: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ في سورة [الأنعام: 54].
وأما قوله: ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ إلخ للاحتراس من أن يظن ظان أن المنازل غير المسكونة يدخلها الناس في غيبة أصحابها بدون إذن منهم توهماً بأن علة شرع الاستئذان ما يَكره أهل المنازل من رؤيتهم على غير تأهب بل العلة هي كراهتهم رؤية ما يحبون ستره من شؤونهم.
فالشرط هنا يشبه الشرط الوصلي لأنه مراد به المبالغة في تحقيق ما قبله ولذلك ليس له مفهوم مخالفة.
والغاية في قوله: ﴿ حتى يؤذن لكم ﴾ لتأكيد النهي بقوله: ﴿ فلا تدخلوها ﴾ أي حتى يأتي أهلها فيأذنوا لكم.
وقوله: ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ تذييل لهذه الوصايا بتذكيرهم بأن الله عليم بأعمالهم ليزدجر أهل الإلحاح عن إلحاحهم بالتثقيل، وليزدجر أهل الحيل أو التطلع من الشقوق ونحوها.
وهذا تعريض بالوعيد لأن في ذلك عصياناً لما أمر الله به.
فعلمه به كناية عن مجازاته فاعليه بما يستحقون.
وخطاب ﴿ لا تدخلوا ﴾ يعم وهو مخصوص بمفهوم قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴾ [النور: 58] كما سيأتي.
ولذا فإن المماليك والأطفال مخصصون من هذا العموم كما سيأتي.
وقرأ الجمهور: ﴿ بيوتاً ﴾ حيثما وقع بكسر الباء.
وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء.
وقد تقدم في سورة آل عمران.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْطَأ الكاتِبُ فِيهِ فَكَتَبَ تَسْتَأْنِسُوا وكانَ يَقْرَأُ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا.
وَقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ مُؤْنِسٌ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِئْناسِ، ولَيْسَ فِيهِ خَطَأٌ مِن كاتِبٍ ولا قارِئٍ.
الثّانِي: مَعْناهُ حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ بِالتَّنَحْنُحِ فَيَعْلَمُوا بِقُدُومِكم عَلَيْهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنْ تَسْتَأْنِسُوا يَعْنِي أنْ تَعْلَمُوا فِيها أحَدًا اسْتَأْذِنُوهُ فَتُسَلِّمُوا عَلَيْهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا ﴾ أيْ عَلِمْتُمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ الِاسْتِئْناسُ الِاسْتِثْمارُ، والإيناسُ اليَقِينُ.
والإذْنُ يَكُونُ بِالقَوْلِ والإشارَةِ.
فَإنْ جاهَرَ فَسُؤالٌ، فَقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «رَسُولُ الرَّجُلِ إذْنُهُ فَإنِ اسْتَأذَنَ ثَلاثًا ولَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ولّى فَلَمْ يُراجِعْ في الِاسْتِئْذانِ» رَوى الحَسَنُ البَصْرِيُّ «أنَّ [أبا مُوسى] الأشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: ما رَدَّكَ؟
فَقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : (مَنِ اسْتَأذَنَ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ) فَقالَ عُمَرُ: لِتَجِيئَنِي عَلى بَيِّنَةٍ أوْ لِأجْعَلُنَّكَ نَكالًا فَأتى طَلْحَةُ فَشَهِدَ لَهُ» قالَ الحَسَنُ: الأُولى إذْنٌ، والثّانِيَةُ مُؤامَرَةٌ، والثّالِثَةُ: عَزْمَةٌ، إنْ شاءُوا أذِنُوا وإنْ شاءُوا رَدُّوا.
وَلا يَسْتَأْذِنُ وهو مُسْتَقْبِلٌ البابَ إنْ كانَ مَفْتُوحًا، وإنْ أُذِنَ لِأوَّلِ القَوْمِ فَقَدْ أُذِنَ لِآخِرِهِمْ، ولا يَقْعُدُوا عَلى البابِ بَعْدَ الرَّدِّ فَإنَّ لِلنّاسِ حاجاتٍ.
﴿ وَتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ﴾ والسَّلامُ نَدْبٌ والِاسْتِئْذانُ حَتْمٌ.
وَفي السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَسْنُونٌ بَعْدَ الإذْنِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ مِن تَقْدِيمِ الإذْنِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: مَسْنُونٌ قَبْلَ الإذْنِ وإنْ تَأخَّرَ في التِّلاوَةِ فَهو مُقَدَّمٌ في الحُكْمِ وتَقْدِيرُ الكَلامِ حَتّى تُسَلِّمُوا وتَسْتَأْذِنُوا لِما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: أأدْخُلُ؟
فَقالَ النَّبِيُّ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: (قُمْ فَعَلِّمْ هَذا كَيْفَ يَسْتَأْذِنُ فَإنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ) فَسَمِعَها الرَّجُلُ فَسَلَّمَ واسْتَأْذَنَ» .
وَأوْلى مِن إطْلاقِ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ أنْ يَنْظُرَ فَإنْ وقَعَتِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ قَبْلَ الإذْنِ فالأوْلى تَقْدِيمُ السَّلامِ، وإنْ لَمْ تَقَعِ العَيْنُ عَلى العَيْنِ قَبْلَ الإذْنِ فالأوْلى تَقْدِيمُ الِاسْتِئْذانِ عَلى السَّلامِ.
فَأمّا الِاسْتِئْذانُ عَلى مَنازِلِ الأهْلِ فَإنْ كانُوا غَيْرَ ذِي مَحارِمَ لَزِمَ الِاسْتِئْذانُ عَلَيْهِمْ كالأجانِبِ، وإنْ كانُوا ذَوِي مَحارِمَ وكانَ المَنزِلُ مُشْتَرَكًا هو فِيهِ وهم ساكِنُونَ لَزِمَ في دُخُولِهِ إنْذارُهم إمّا بِوَطْءٍ.
أوْ نَحْنَحَةٍ مُفْهِمَةٍ إلّا الزَّوْجَةَ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ في حَقِّها بِحالٍ لِارْتِفاعِ العَوْرَةِ بَيْنَهُما.
وَإنْ لَمْ يَكُنِ المَنزِلُ مُشْتَرَكًا فَفي الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها النَّحْنَحَةُ والحَرَكَةُ.
الثّانِي: القَوْلُ كالأجانِبِ.
وَرى صَفْوانُ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ : (أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي ؟) فَقالَ: (نَعَمْ) فَقالَ: إنِّي أخْدُمُها فَقالَ: (اسْتَأْذِنْ عَلَيْها) فَعاوَدَهُ ثَلاثًا: فَقالَ: (أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً) قالَ: لا قالَ: (فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها) .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا ﴾ يَعْنِي يَأْذَنُ لَكم.
﴿ فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ ولا يَجُوزُ التَّطَلُّعُ إلى المَنزِلِ لِيَرى مَن فِيهِ فَيَسْتَأْذِنَهُ إذا كانَ البابُ مُغْلَقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ : « (إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ لِأجْلِ البَصَرِ»، إلّا أنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا فَيَجُوزُ إذا كانَ خارِجًا أنْ يَنْظُرَ لِأنَّ صاحِبَهُ بِالفَتْحِ قَدْ أباحَ النَّظَرَ).
﴿ وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ ﴾ وهُنا يَنْظُرُ فَإنْ كانَ بَعْدَ الدُّخُولِ عَنْ إذْنٍ لَزِمَ الِانْصِرافُ وحَرُمَ اللُّبْثُ، وإنْ كانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهو رَدُّ الإذْنِ ومُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ.
وَلا يُلْزِمُهُ الِانْصِرافُ عَنْ مَوْقِفِهِ مِنَ الطَّرِيقِ إلّا أنْ يَكُونَ فَناءُ البابِ المانِعَ فَيَكْفِي عَنْهُ، قالَ قَتادَةُ: لا تَقْعُدْ عَلى بابِ قَوْمٍ رَدُّوكَ فَإنَّ لِلنّاسِ حاجاتٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخاناتُ المُشْتَرَكَةُ ذَواتُ البُيُوتِ المَسْكُونَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّها حَوانِيتُ التُّجّارِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها مُنازِلُ الأسْفارِ ومُناخاتُ الرِّجالِ الَّتِي يَرْتَفِقُ بِها مارَّةُ الطَّرِيقِ في أسْفارِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّها الخَراباتُ العاطِلاتُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّها بُيُوتُ مَكَّةَ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ مالِكٍ.
﴿ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عُرُوضُ الأمْوالِ الَّتِي هي مَتاعُ التُّجّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها الخَلاءُ والبَوْلُ سُمِّيَ مَتاعًا لِأنَّهُ إمْتاعٌ لَهُمْ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المَنافِعُ كُلُّها، قالَهُ قَتادَةُ، فَلا يَلْزَمُ الِاسْتِئْذانُ في هَذِهِ المَنازِلِ كُلِّها.
قالَ الشَّعْبِيُّ: حَوانِيتُ التُّجّارِ إذْنُهم أنَّهم جاءُوا بِبُيُوتِهِمْ فَجَعَلُوها فِيها وقالُوا لِلنّاسِ: هَلُمَّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: قالت امراة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد لا ولد ولا والد، فيأتيني الآتي فيدخل علي، فكيف أصنع؟
ولفظ ابن جرير: وانه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ الآية.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة من طرق ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ﴾ قال: أخطأ الكاتب إنما هي حتى تستأذنوا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن إبراهيم قال: في مصحف عبد الله ﴿ حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ﴾ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: هي في قراءة أبي ﴿ حتى تسلموا وتستأذنوا ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ حتى تستأنسوا ﴾ قال: حتى تستأذنوا.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الاستئناس.
الاستئذان.
وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم والترمذي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال: قلت يا رسول الله أرأيت قول الله: ﴿ حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ﴾ هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس؟
قال: يتكلم الرجل بتسبيحة، وتكبيرة، وتحميدة، ويتنحنح، فيؤذن أهل البيت.
وأخرج الطبراني عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الاستئناس.
أن تدعو الخادم حتى يستأنس أهل البيت الذين يسلم عليهم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ حتى تستأنسوا ﴾ قال: تنحنحوا وتنخموا.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والبيهقي في سننه من طريق ربعي قال: «حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال: أألج؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقيل له: قل السلام عليكم.
أأدخل؟» .
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن سعد الثقفي «أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أألج؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن فقولي له يقول السلام عليكم.
أأدخل؟» .
وأخرج ابن سعيد وأحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق كلدة؛ «أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبن وجداية وضغابيس والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي قال: فدخلت عليه ولم أسلم، ولم استأذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل السلام عليكم.
أأدخل؟» .
وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: استأذن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم.
أيدخل عمر؟
وأخرج ابن وهب في كتاب المجالس وابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر فجئته فقلت: أألج؟
فقال: ادخل.
فلما دخلت قال: مرحباً يا ابن أخي لا تقل أألج؟
ولكن قل السلام عليكم، فإذا قالوا وعليك فقل: أأدخل؟
فإن قالوا ادخل فأدخل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أم أياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة فقلت: ندخل فقالت: لا.
فقالت واحدة: السلام عليكم.
أندخل؟
قالت: ادخلوا ثم قالت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ﴾ .
وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السلام قبل الكلام» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن أبي هريرة؛ فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام.
وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة قال: إذا دخل ولم يقل السلام عليكم فقل: لا..
حتى تأتي بالمفتاح.
واخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس تكلم ورفع صوته.
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم واخواتكم.
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل البصر فلا اذن له» .
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستئذان في البيوت فقال: «من دخلت عينه قبل أن يستأذن ويسلم فقد عصى الله، ولا أذن له» .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأنس ويسلم، فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في شعب الإِيمان عن هذيل قال: «جاء سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن، فقام على الباب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هكذا عنك فإنما الإِستئذان من النظر» .
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود عن عبد الله بن بشر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه.
ولكن من ركنه الأيمن أو الايسر، ويقول: السلام عليكم السلام عليكم، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن سهل بن سعد قال: «اطلع رجل من جحر في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال» لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر وفي لفظ: «إنما جعل الله الإِذن من أجل البصر» .
وأخرج الطبراني عن سعد بن عبادة قال: «جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فقمت مقابل الباب استأذنت، فأشار إليَّ أن تباعد وقال: هل الاستئذان إلا من أجل النظر» .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الايمان عن قتادة في قوله: ﴿ حتى تستأنسوا ﴾ قال: هو الاستئذان قال: وكان يقال الاستئذان ثلاث، فمن لم يؤذن له فيهن فليرجع.
أما الأولى فيسمع الحي.
وأما الثانية فيأخذوا حذرهم.
واما الثالث فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤوا ردوه.
وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعاً، فقلنا له: ما أفزعك؟
قال: أمرني عمر أن آتيه، فأتيته فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتيني قلت: قد جئت، فاستأذنت ثلاثاً، فلم يؤذن لي وقد «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع» قال: لتأتيني على هذا بالبينة فقالوا: لا يقوم إلا أصغر القوم، فقام أبو سعيد معه فشهد له فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ يعني بيوتاً ليست لكم ﴿ حتى تستأنسوا وتسلموا ﴾ فيها تقديم يعني حتى تسلموا ثم تستأذنوا، والسلام قبل الاستئذان، ﴿ ذلكم ﴾ يعني الاستئذان والتسليم ﴿ خير لكم ﴾ يعني أفضل من أن تدخلوا من غير إِذن، ان لا تأثموا، ويأخذ أهل البيت حذرهم ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ﴾ يعني في الدخول ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ﴾ يعني لا تقعدوا ولا تقوموا على أبواب الناس ﴿ هو أزكى لكم ﴾ يعني الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ يعني بما يكون عليم ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ لا حرج عليكم ﴿ أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة ﴾ يعني ليس بها ساكن.
وهي الخانات التي على طرق الناس للمسافر، لا جناح عليكم أن تدخلوها بغير استئذان ولا تسليم ﴿ فيها متاع لكم ﴾ يعني منافع من البرد والحر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ يقول: إن لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا بإذن، وفي قوله: ﴿ ليس عليكم جناح....
﴾ قال: كانوا يضعون بطرق المدينة أقتاباً وامتعات في بيوت ليس فيها أحد، فأحلت لهم أن يدخلوها بغير إذن.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ بيوتاً غير مسكونة ﴾ قال: هي بالبيوت التي منزلها السفر، لا يسكنها أحد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن الحنفية في قوله: ﴿ بيوتاً غير مسكونة ﴾ قال: هي هذه الخانات التي في الطرق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ فيها متاع لكم ﴾ قال: الخلاء والبول.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ بيوتاً غير مسكونة ﴾ قال: هي البيوت الْخَرِبَةُ لقضاء الحاجة.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ فيها متاع لكم ﴾ يعني الخانات.
ينتفع بها من المطر والحر والبرد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ بيوتاً غير مسكونة ﴾ قال: هي البيوت التي ينزلها الناس في أسفارهم لا أحد فيها وفي قوله: ﴿ فيها متاع لكم ﴾ قال: بلغة ومنفعة.
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه عن أنس قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها؛ أن استأذن على بعض اخواني فيقول لي: ارجع.
فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه يقول: حييت صباحاً، وحييت مساء.
وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت.
فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في ستر وعفة فقال: ﴿ لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ فلما نزلت آية التسليم في البيوت والاستئذان فقال أبو بكر: يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس، ولهم بيوت معلومة على الطريق، فكيف يستأذنون ويسلمون، وليس فيهم سكان؟
فرخص الله في ذلك.
فأنزل الله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة ﴾ بغير اذن.
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود في الناسخ وابن جرير عن ابن عباس قال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ﴾ ففسح واستثنى من ذلك فقال: ﴿ ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ﴾ ظاهر التفسير إلى قوله: ﴿ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ﴾ .
قال مقاتل: يقول (١) ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ إن دخلتم بإذن أو بغير إذن، فمن دخل بيتًا بغير إذن أهله قال له ملكاه (٢) (٣) - للنبي - -: فكيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟
فأنزل الله: (١) يقول: ساقطة من (ظ).
(٢) في (ظ): الملكان.
(٣) في (أ): (عصوت).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا ﴾ هذه الآية أمر بالاستئذان في غير بيت الداخل، فيعم بذلك بيوت الأقارب وغيرهم، وقد جاء في الحديث الأمر بالاستئذان على الأم خيفة أن يراها عُريانة، ومعنى ﴿ تَسْتَأْنِسُواْ ﴾ : تستأذنوا وهو مأخوذ من قولك: آنست للشيء إذا علمته، فالاستئناس: أن يستعلم هل يريد أهل الدار الدخول أم لا؟
وقيل هو مأخوذ من الأنس ضد الوحشة؛ وقرأ ابن عباس حتى تستأذنوا، والاستئذان واجب، وأما السلام فلا ينتهي إلى الوجوب، واختلف أيهما يقدّم، فقيل يقدّم السلام ثم يستأذن فيقول: السلام عليكم، ثم يقول أأدخل، وقيل يقدم الاستئذان لتقديمه في الآية، وليس في الآية عدد الاستئذان، وجاء في الحديث أن يستأذن ثلاث مرات، وهو تفسير الآية: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ سبب هذه الآية أنه لما نزلت آية الاستئذان تعمق قوم فكانوا يأتون المواضع غير المسكونة فيسلمون ويستأذنون، فأباحت هذه الآية دخولها بغير استئذان، واختلف في البيوت غير المسكونة في هذه الآية، فقيل: هي الفنادق التي في الطرق ولا يسكنها أحد، بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل، والمتاع على التمتع بالنزول فيها والمبيت وغير ذلك، وقيل هي الخرب التي تدخل للبول والغائط، والمتاع على هذا حاجة الإنسان، وقيل: هي حوانيت القيسارية، والمتاع على هذا الثياب والبسط وشبهها، وهذا القول خطأ لأن الاستئذان في الحوانيت واجب بإجماع.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ وليضربن ﴾ بكسر اللام على الأصل: عياش ﴿ جيوبهن ﴾ بضم الجيم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وهشام وعاصم غير الأعشى والبزي والعواس من طريق الهاشمي.
وفي رواية خلف عن حمزة بإشمام الجيم الضم ثم يشير إلى الكسر وبضم الياء.
الآخرون: بالسكر الخالص.
﴿ غير ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالكسر على الوصف ﴿ آية المؤمنون ﴾ بضم الهاء في الحالين: ابن عامر.
وقرأ ابو عمرو وعلي وابن كثير بألف في الوقف.
الباقون بفتح الهاء بغير ألف في الوقف وبالف في الوصل.
الوقوف: ﴿ أهلها ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ يؤذن لكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ أزكى لكم ﴾ ط عليمر ه ﴿ متاع لكم ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ فروجهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ ما يصنعون ﴾ ه ﴿ جيوبهن ﴾ صل ﴿ عورات النساء ﴾ ص ﴿ زينتهن ﴾ ط ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وإمائكم ﴾ ط ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ق قد قيل: والوصل أوجه للعطف.
﴿ آتاكم ﴾ ط للعدول إلى حكم آخر الدنيا ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه.
التفسير: الحكم الرابع الاستئذان: لما كانت الخلوة طريقاً إلى التهمة ولذلك وجد أهل الإفك سبيلاً إلى إفكهم شرع أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان.
وفي الآية أسئلة: الأول الاستئناس هو الأنس الحاصل بعد المجانسة قال الله ﴿ ولا مستأنسين لحديث ﴾ ولا يكون ذلك في الأغلب إلا بعد الدخول والسلام، فلم عكس هذا الترتيب في الآية؟
جوابه بعد تسليم أن الواو للترتيب، هو أن الاستئناس طلب الأنس وأنه مقدم على السلام.
وقال جار الله: هو من باب الكفاية والإرداف لأن الأنس الذي هو خلاف الوحشة يردف الإذن فوضع موضع الإذن كأنه قيل: حتى يؤذن لكم.
أو هو استفعال من آنس إذا أبصر، فالمراد حتى تستكشفوا الحال ويبين هل يراد دخولكم أم لا.
أو هو من الإنس بالكسر وهو أن يتعرف هل ثمَّ إنسان لأنه لا معنى للسلام ما لم يعلم أفي البيت إنسان أم لا.
وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو "حتى تستأذنوا" فأخطأ الكاتب ولا يخفى ضعف هذه الرواية لأنها توجب الطعن في المتواتر وتفتح باب القدح في القرآن كله نعوذ بالله منه.
الثاني: ما الحكمة في شرع الاستئذان؟
الجواب: كيلا يطلع الداخل على عورات، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه، ولئلا يوقف على الأحوال التي تخفيها الناس في العادة، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ولذلك قال ﴿ ذلكم ﴾ يعني الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور اي الدخول من غير إذن.
قال "من سبقت عينه استئذانه فقد دمر" واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ أي أنزل عليكم.
أو قيل لكم: هذا إرادة أن تتعظوا أو تعملوا به.
الثالث: كيف يكون الاستئذان؟
جوابه: استأذن رجل على رسول الله فقال: ألج.
فقال: لامرأة يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أدخل" فسمع الرجل فقالها فقال: ادخل.
ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ﴾ وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً وحييتم مساء ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فمنع الله عن ذلك وعلم الأدب الأحسن.
وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ونحوه.
وقال عكرمة: هو التسبيح والتكبير وقرع الباب بعنف والتصبيح بصاحب الدار منهي عنه وكذا كل ما يؤدي على الكراهية وينبئ عن الثقل.
الرابع: كم عدد الاستئذان؟
الجواب روى أبو هريرة أن النبي قال "الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون" ومثله عن أبي موسى الأشعري وقصته مع عمر مشهورة في ذلك.
وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأول يسمع الحي: الثاني ليتهيأ.
والثالث إن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا.
وينبغي أني كون بين المرات فاصلة وإلا كان الكل في حكم واحد.
الخامس: كيف يقف على الباب؟
جوابه أنه كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكنه يقف من ركنه الأيمن أو الأيسر، فإن كان للباب ستر كانت الكراهية أخف.
السادس: قوله ﴿ حتى تستأنسوا وتسلموا ﴾ يدل على أنه يجوز الدخول بعد الاستئذان والتسليم وإن لم يكن ثمة إذن أو من يأذن لأن "حتى" للغاية والحكم بعد الغاية يكون خلاف ما قبلها جوابه.
سلمنا المخالفة لكن لا نسلم المناقضة، وذلك أن قبل الاستئذان لا يجوز الدخول مطلقاً وبعده فيه تفصيل، وهو أنه إن لم يجد فيها أحداً من الآذنين مطلقاً أو من يعتبر إذنه شرعاً فليس له الدخول وذلك قوله ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ اي على الإطلاق أو ممن له الإذن ﴿ فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ﴾ اي حتى تجدوا من يأذن لكم أو من يعتبر إذنه، وإن وجد فيها من له الإذن فإن أذن دخل وإن لم يأذن وقال ارجع رجع وهو قوله ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ﴾ أي الرجوع أطيب ﴿ لكم وأطهر ﴾ لما فيه من سلامة الصدر والبعد من الريبة.
وفي قوله ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ نوع زجر للمكلف فعليه أن يحتاط كيف يدخل ولأي غرض يدخل وكيف يخرج.
وهل يقوم غير الإذن مقام الإذن؟
عن أبي هريرة أن النبي قال "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وفي رواية أخرى "إذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" وقيل: إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان.
والجمهور على أن إذن الصبي والعبد والمرأة معتبر وكذلك الهدايا لأجل الضرورة.
وهل يعتبر الاستئذان على المحارم؟
"روي أن رجلاً قال للنبي : استأذن على أمي؟
قال: نعم.
قال: إنها ليس لها خادم غيري أستأذن عليها كلما دخلت عليها.
قال: أتحب أن تراها عريانة؟
قال الرجل: لا.
قال: فاستأذن" .
قال العلماء: إن كان المنع من الهجوم على الغير لأجل أنه لا يراه منكشف الأعضاء فتستثنى منه الزوجة وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه لا يراه مشغولاً بما يكره الاطلاع عليه فالمنع عام إلا إذا عرض ما يبيح هتك الستر كحريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره.
التاسع: ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟
الجواب: قال الشافعي: لو فقأ عينه فهي هدر وتمسك بما روى سهل بن سعد "أنه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي ومع النبي مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك، إنما الاستئذان من النظر" .
وعن أبي هريرة أنه قال "من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه" قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مردود لوروده على خلاف الأصول، فلا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه ضامناً وعليه القصاص إن كان عامداً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع.
فمعنى الحديث لو صح أنه من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم ثم منع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، وأجيب بالفرق فإنه إذا علم القوم دخوله عليهم احترزوا عنه وتستروا فأما إذا نظر على حين غفلة منهم اطلع على ما لا يراد الاطلاع عليه فلا يبعد في حكمة الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسماً لمادة هذه المفسدة.
جميع هذه الأحكام فيما إذا كانت الدار مسكونة فإن لم تكن مسكونة فذلك قوله ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الآية.
وللمفسرين فيه أقوال: الأول: قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرجال والسلع والبيع والشراء.
يروى أن ابا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن فنزلت.
وقيل: هي الخربات يتبرز فيها الوتاع التبرز.
وقيل: الأسواق.
والأولى العموم.
وإنما لم يحتج إلى الإذن دفعاً للحرج، ولأنها ماذون في دخولها من جهة العرف.
ثم ختم الآية بوعيد مثل ما تقدم الحكم الخامس، غض البصر وحفظ الفرج عما لا يحل.
وتخصيص المؤمنين بهذا التكليف عند من لا يجعل الكفار مكلفين بفروع الإسلام ظاهر، وأما عند من يجعلهم مكلفين بالفروع أيضاً فالتخصيص للتشريف، أو نزل فقدان مقدمة التكليف منزلة فقدان التكليف وإن كان حالهم في الحقيقة كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها.
قال أكثر النحويين: "من" للتبعيض والمراد غض شيء من البصر لأن غض كله كالمعتذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق.
وجوز الأخفش أن تكون "من" مزيدة.
وقيل: صلة للغض أي ينقصوا من نظرهم.
يقال: غضضت من فلان إذا انقضت من قدره.
فالنظر إذا لم يكن من عمله فهو معفو موضوع عنه.
وإعراب قوله ﴿ يغضوا ﴾ كما مر في سورة إبراهيم في قوله ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا ﴾ قال الفقهاء: العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وبالعكس.
أما الرجل مع الرجل فيجوز أن ينظر إلى جميع بدنه إلا إلى عورته، وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة.
وعند أبي حنيفة: الركبة عورة.
قال مالك: الفخذ ليست بعورة وهو خلاف ما روي "أنه قال لعلي:لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي وميت." فإن كان في نظره إلى وجه الرجل أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه.
ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان واحد منهما في جانب الفراش لرواية أبي سعيد الخدري أنه قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" ويكره المعانقة وتقبيل الوجه.
إلا لولده شفقة.
وتستحب المصافحة والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، ولا يجوز عند خوف الفتنة، ولا تجوز المضاجعة أيضاً لما مر في الحديث.
والصح أن الذمية لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة لأنها أجنبية في الدين والله تعالى يقول ﴿ أو نسائهن ﴾ أما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجيمع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والإعطاء.
ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين.
وقيل: ظهر الكف عورة.
وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ﴾ ولقوله "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفها.
روى أبو هريرة "أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله :انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً." ومنها إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.
ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة.
ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به.
ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى بدن الأجنبية للمعالجة كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ضرورة.
وكما يجوز أن ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع.
فإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور قال "العينان تزنيان" وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً.
ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها.
وإن كانت الأجنبية أمة فالأصح أن عورتها ما بين السرة والركبة لما روي "أنه قال في الرجل يشتري الأمة لا باس أن ينظر إليها إلا إلى العورة وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها" وقيل: إلا ما تبدي المهنة فيخرج منه أن رأسها وعنقها وساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف.
وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة ولا يجوز لمسها ولا لها مسه لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطر.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه، وأما إن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجل.
وعند أبي حنيفة: عورتها مالا يبدو عند المهنة، فإن كانت مستمتعاً له كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها جاوز له أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذا إلى فرج نفسه لما روي أن يورث الطمس.
وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، فإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو مزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية.
روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" وأما عورة الرجل مع المرأة فإن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة.
وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه.
والأصح هو الأول لأن بدن المرأة في نفسه عورة بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه.
ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي " عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله وميمونه إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل فقال :احتجبا منه.فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟
فقال:أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟" وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها.
ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته لأنه سئل عن ذلك فقال: "الله أحق أن يستحي منه." وعنه "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله" ولما كان النظر بريد الزنا ورائد الفجور أمر بغض الأبصار أولاً ثم بحفظ الفروج عن الزنا والفجور ثانياً.
وعن أبي العالية أن كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلاّ هذا فإنه أراد الاستثناء وأن لا ينظر إلى الفروج أحد، وعلى هذا ففائدة التخصيص بعد التعميم أن يعلم أن أمر الفرج أضيق.
وحين خص الخطاب في أول الآية بالمؤمنين ذكر أن ذلك الذي أمر به من غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم لأنهم يتطهرون بذلك من دنس الآثام، ويستحقون الثناء والمدح، وهذا لا يليق بالكافر.
وفي قوله ﴿ إن الله خبير بما يصنعون ﴾ ولا ثاني له في القرآن إشارة إلى وجوب الحذر في كل حركة وسكون.
وتفسير قوله ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ﴾ يعلم من التفصيل المتقدم.
أما قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فمن الأحكام التي تختص بالنساء في الأغلب.
وقد يحرم على الرجل إبداء زينته للنساء الأجنبيات إذا كان هناك فتنة.
قال أكثر المفسرين: الزينة ههنا أريد بها أمور ثلاثة: أحدها الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والحمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها.
وثانيها الحلي كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلائد والإكليل والوشاح والقرط.
وثالثها الثياب.
وقال: آخرون: الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله وعلى ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلي وغير ذلك.
يدل على ذلك أن كثيراً من النساء يتفردن بخلقهن عن سائر ما يعدّ زينة.
وفي قوله ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ إشارة إلى ذلك وكأنه منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها بالخمار.
قال القفال: بناء على هذا القول معنى قوله ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند المهنة.
وفي صوتها خلاف، الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي يروين الأخبار للرجال.
وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فذهبوا إلى أنه إنما حرم النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة لأجل المبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة إلا ما ظهر من هذه الزينة كالثياب مطللقاً إذا لم تصف البدن لرقتها، وكالحمرة والوسمة في الوجه، وكالخضاب والخواتيم في اليدين، وما سوى ذلك يحرم النظر إليه.
ولهذا قال ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ والخمر جمع الخمار وهي كالمقنعة.
قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام وساعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمر أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستتر بذلك أعناقهن ونحورهن وما حواليها من شعر وزينة.
وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء شبيه الإلصاق.
وعن عائشة: ما رأيت نساء خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الاية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرن فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان.
ثم بين أن الزينة الخفية يحل إبداؤها لاثنتي عشرة فرقة: الأولى بعولتهن أي أزواجهن والتاء لتأكيد الجمع كصقورة.
الثانية: آباؤهن وإن علوا من جهة الأب والأم.
الثالثة: آباء بعولتهن وإن علوا.
الرابعة: أبناؤهن وإن سفلوا الخامسة: أبناء بعولتهن وإن سفلوا ايضاً.
السادسة: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما.
السابعة: بنو إخوانهن.
الثامنة: بنو أخواتهن وحكم أولاد الأولاد حكم اولاد فيهما.
وهؤلاء كلهم محارم وترك من المحارم العم والخال، فعن الحسن البصري أنهما كسائر المحارم في جواز النظر.
وقد يذكر البعض لينبه على الجملة ولهذا لم يذكر المحارم من الرضاع في هذه الآية، وكذا في سورة الأحزاب قال ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن ﴾ إلى آخر الآية.
ولم يذكر البعولة ولا أبناءهم.
وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله لئلا يصفها العم عند ابنه والخال عند ابنه، وذلك أن العم والخال يفارقان سائر المحارم في أوان أبناءهما ليسوا من المحارم، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم ومعرفة الوصف قريب من النظر، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط في التستر.
وإنما أبيح إبداء الزينة الخفية لهؤلاء المذكورين لاحتياجهن إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولا سيما في السفار للنزول والركوب.
وأيضاً لقلة وقوع الفتنة من جهاتهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب الأقارب.
التاسعة: قوله ﴿ أو نسائهن ﴾ فذهب أكثر السلف على أن المراد أهل أديانهن ومن هنا قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها.
وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات.
وقال آخرون: والعمل عليه إن المراد جميع النساء وقول السلف محمول على الأولى والأحب.
العاشرة: قوله ﴿ أو ما ملكت ايمانهن ﴾ وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء ويؤيده ما روى أنس أنه أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك،" وعن عائشة أنها قالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر.
وعنها أنها كانت تمشط والعبد ينظر إليها.
وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد ينظر إلى شعر مولاته وهو قول أبي حنيفة إذ ليس ملكها للعبد كملكه للأمة فلا خلاف أنها لا تستبيح بملك العبد شيئً من التمتع منه كما يملك الرجل من الأمة.
وتحريم تزوج العبد لمولاته عارض غير مؤبد كمن عنده أربع نسوة لا يجوز له التزوج بغيرهن، فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب خصياً كان العبد او فحلاً.
وأورد على هذا القول لزوم التكرار ضرورة أن الإماء من حملة نسائهن.
وأجيب بأنه أراد بالنساء الحرائر كما أراد بالرجال الأحرار في قوله ﴿ شهيدين من رجالكم ﴾ الحادية عشرة قوله ﴿ أو التابعين غير أولي الإربة ﴾ وهي الحاجة وهم البله.
وأهل العنة الذين لا يعرفون شيئاً من أمور النساء إنما يتبعون الناس ليصيبوا من فضل طعامهم أو شيوخ صلحاء لا حاجة بهم إلى النساء لعفة أو عنانة.
"عن زينب بنت أم سلمة أن النبي دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة وقال: يا عبد الله إن فتح الله لكم الطائف أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان عنى عكن بطنها.
فقال :لا يدخلن عليكم هذا." فأباح النبي دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة فحجبه.
الثانية عشر قوله ﴿ أو الطفل ﴾ وهو جنس يقع على الواحد والجمع وهو المراد ههنا.
قال ابن قتيبة معنى ﴿ لم يظهروا ﴾ لم يطلعوا ﴿ على عورات النساء ﴾ والعورة سوأة الإنسان وكل مايستحيا منه.
وقال الفراء والزجاج: هو من قولهم "ظهر على كذا" إذا قوي عليه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء.
فعلى الأول يجب الاحتجاب ممن ظهر فيه داعية الحكاية، وعلى الثاني إنما يجب الاحتجاب من المراهق الذي ظهرت فيه مبادي الشهوة، قال الحسن: هؤلاء الفرق وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الظاهرة فهم على أقسام ثلاثة: فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والثاني الأب والابن والأخ والجد وأبو الزوج وكل محرم من الرضاع أو النسب كل يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك.
والثالث التابعون غير أولي الإربة، وكذا المملوك لا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً ولا يصح للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب.
فهذا ضبط هذه المراتب ثم علمهن أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ﴾ قال ابن عباس: كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال.
وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين.
وفي النهي عن إظهار صوت الحلي بعد نهيهن عن إظهار الحلي مبالغة فوق مبالغة ليعلم أن كل ما يجر إلىالفتنة يجب الاحتراز عنه، فإن الرجل الذي تغلب عليه الشهوة إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعياً له إلى مشاهدتهن، ومنه يعلم وجوب إخفاء صوتهن إذا لم يؤمن الفتنة ولهذا كرهوا أذان النساء، ثم ختم الآية بالأمر بالدوام على التوبة والاستغفار لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يكاد يقدر على رعاية الأوامر والنواهي كما يجب.
قال العلماء: إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكر أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه عز وجل.
وعن ابن عباس: اراد توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة.
قال جار الله: من قرأ ﴿ آيه المؤمنون ﴾ بضم الهاء فوجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها.
الحكم السادس: النكاح وذلك أنه حين أمر بغض الأبصار وحفظ الفروج ارشد بعد ذلك إلى طريق الحل فيما تدعو إليه الشهوة.
وأصل الأيامى أيايم فقلب الواحد أيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة.
قال النضر بن شميل: الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك يقول: زوِّجوا أياماكم بعضهم من بعض.
وقد آم وآمت وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين.
قال: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت افتى منكم أتأيم.
وظاهر الأمر الوجوب إلا أن الجمهور حملوه على الندب لأنه لو كان واجباً لشاع في عصر الرسول وانتشر، ولو انتشر لنقل لعموم الحاجة إليه.
وقد ورد في الأخبار التصريح بكونه سنة كقوله "النكاح سنتي" وكقوله "من أحب فطرتي فليستسن بسنتي وهي النكاح" وقد أجمعوا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه.
واتفقوا على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده أو أمته.
نعم قد يجب في بعض الصور كما إذا التمست التزويج من الولي فعليه الإجابة إذا كان الخاطب كفؤاً.
استدل الشافعي بعموم الآية على جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها وإعترض أبو بكر الرازي بأن الأيامى شامل للرجال والنساء وحين لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم فكذا في النساء ويؤيده ما روي أنه قال "البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" وأجيب بأن تخصيص النص لا يقدح في كونه حجة في الباقي.
والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده بخلاف المرأة فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها أظهر، على أنا لا نسلم أن لفظ الأيامى عند الإطلاق يتناول الرجال، وفي تخصيص الآية بخبر الواحد أيضاً نزاع.
واستدل ابو حنيفة بعموم الآية أيضاً على أن العم والأخ يليان تزويج الثيب الصغيرة ونوقش فيه.
قال الشافعي: من تاقت نفسه إلى النكاح استحب له أن ينكح إذا وجد أهبة النكاح وإلا فليكسر شهوته بالصوم لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فإن الصوم له وجاء" والذي جاء لا تتوق نفسه إلى النكاح لكبر أو مرض أو عجز أو كان غير قادر على النفقة يكره له أن ينكح لأنه يلتزم مالا يمكنه القيام بحقه، وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له أن ينكح لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله .
وقال أبو حنيفة: النكاح افضل.
حجة الشافعي أنه تعالى مدح يحيى بقوله ﴿ وسيداً وحصوراً ﴾ والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن.
وقال النبي "أفضل أعمالكم الصلاة" وقال "أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن" وقال "أحب المباحات إلى الله النكاح" والمباح ما استوى طرفاه، والمندوب ما ترجح فعله ولو كان النكاح عبادة لم يصح من الكافر.
والنكاح فيه شهوة النفس والعبادة فيها مشقة النفس والإقبال على الله فأين أحدهما من الآخر! ولو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب لم تكن النوافل مشروعة لأن الطريق المؤدي إلى المطلوب مع بقاء اللذة وعدم التعب أولى بالسلوك، وإن كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لأنه سبب لبقاء الأشخاص ونظام العالم.
فالاشتغال بالزراعة أيضاً أولى من النافلة للعلة المذكورة.
وقد وقع الإجماع على أن واجب العبادة مقدم على واجب النكاح، فكذا مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب.
وعن النبي "إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال" وعنه "يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة" حجة أبي حنيفة أن النكاح يتضمن صوت النفس من ضرر الزنا ودفع الضرر أهم من جلب النفع.
وأيضاً النكاح يتضمن العدل.
وقد ورد في الحديث "لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة" وقال "النكاح سنتي" وقال في الصلاة "إنها خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل" ثم إن الأيامى جمع مستغرق لكنهم أجمعوا على أنه لا بد من شروط ذكرنا بعضها في سورة النساء في قوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ ومعنى ﴿ منكم ﴾ أي من حرائركم قاله كثير من المفسرين لأن حكم العبيد والإماء يعقب ذلك.
ومنهم من قال: أراد من يكون تحت ولاية المأمور من الولد والقريب.
ومنهم من قال: الإضافة لا تفيد الحرية والإسلام.
ثم امر السادة أن يزوجوا أرقاءهم الصالحين.
واتفقوا على أنه للإباحة والترغيب لأن في تزويج العبد التزام مؤنة زوجته وتعطل خدمته واستفادة المهر وسقوط النفقة في تزويج الأمة ليس قبوله بلازم على السيد أيضاً، وتخصيص الصالحين بالذكر عناية من الله بحالهم ليتحصن دينهم ويتحفظ عليهم صلاحهم.
وأيضاً الصالحون من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم ويهتمون بشأنهم حتى ينزلوهم منزلة الأولاد.
ويجوز أن يراد بالصلاح القيام بحقوق النكاح، ومن جملة ذلك أن لا يكون في غاية الصغر بحيث لا يحتاج إلى النكاح.
وإذن السيد لهم أن يزوجوا أنفسهم ينوب عن تزويج السيد.
أما قوله ﴿ إن يكونوا فقراء ﴾ فالأصح أن هذا ليس وعداً من الله بإغناء من يتزوج حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف، فرب غني يفقره النكاح ولكن المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح.
على أن مثل هذا الوعد قد جاء مشروطاً بالمشيئة في قوله ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ﴾ فالمُطلق محمول على المقيد.
وقيل: أراد بالغنى نفس العفاف بتملك البضع الذي يغنيه عن الوقوع في الزنا.
وعن طائفة من الصحابة أن هذا وعد.
وعن أبي بكر قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى.
وعن ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح.
"وشكا رجل إلى رسول الله الحاجة فقال:عليك بالباءة." وقد يستدل بالآية على أن العبد والأمة يملكان وإلا لم يتصور فقرهما وغناهما.
والمفسرون قالوا: الضمير عائد إلى الأحرار خاصة وهم الأيامى، وإن فسر الغني بالعفاف فلا بعد في رجوعه إلى الكل ﴿ والله واسع ﴾ إفضاله ولكنه ﴿ عليم ﴾ يبسط الرزق كما يريد وعلى ما ينبغي.
وفيه إشارة إلى قيد المشيئة في الوعد المذكور.
ثم ذكر حال العاجزين عن القيام بمؤن النكاح بقوله ﴿ وليستعفف ﴾ أي ليطلب العفة من نفسه والمضاف محذوف أي لا يجدون استطاعة نكاح ولا يقدرون عليه، أو النكاح يراد به ما ينكح بوساطته وهو المال ولا محذوف.
وفي قوله ﴿ حتى يغنيهم ﴾ نوع تأميل للمستعففين.
وفيه أن فضله من أهل الصلاح والعفاف قريب.
الحكم السابع: المكاتبة: وحين رغب السادة في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشدهم إلى الطريق الذي به ينخرط العبيد في سلك الأحرار مع عدم الإضرار بالسادة فقال ﴿ والذين يبتغون ﴾ ومحله إما رفع والخبر ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وإما نصب بفعل مضمر تفسيره ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء للإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها كقوله { ﴿ وربك فكبر ﴾ والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، والتركيب يدل على الضم والجمع لما فيه من ضم النجوم بعضها إلى بعض.
وقال الأزهري: هو من الكتابة ومعناه كتبت لك على نفس أن تعتق مني إذا وفيت المال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليَّ العتق، وقيل: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل واجباً عند الشافعي وندباً عند أبي حنيفة كما تجيء.
والأجل يستدعي الكتابة لقوله { ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه ﴾ قال محي السنة: الكتابة أن تقول لمملوكك كاتبتك على كذا ويسمى مالا يؤديه في نجمين أو أكثر ويعين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر وينوي ذلك بقلبه.
ويقول العبد: قبلت وفي هذا الضبط أبحاث: الأول قال الشافعي: إن لم يقل بلسانه إذا أديت ذلك المال فأنت حر ولم ينوِ بقلبه ذلك لم يعتق لأن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، فإن ما في يد العبد فهو ملك لاسيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بعين ملكه.
فقوله "كاتبتك" كناية في العتق فلا بد فيه من لفظ العتق ونيته.
وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا حاجة إلى ذلك لإطلاق قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع.
الثاني: لا تجوز الكتابة عند الشافعي إلا مؤجلة لأن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال.
وجوز أبو حنيفة الحلول لإطلاق الآية، ولأنه يجوز العتق على مال في الحال بالاتفاق، فالكتابة ايضاً مثله.
الثالث: قال الشافعي: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين.
روي ذلك عن علي وعمر وعثمان وابن عمر.
وذلك أنه عقد إرفاق ومن تمام الإرفاق التنجيم، وجوز أبو حنيفة على نجم واحد لإطلاق الآية وللقياس على سائر العقود.
الرابع: جوز أبو حنيفة كتابة الصبي قال: ويقبل عنه المولى.
وذهب الشافعي إلى أنه يجب أن يكون عاقلاً بالغاً لأنه قال ﴿ والذين يبتغون ﴾ والصبي لا يتصور منه الطلب.
الخامس: جوز أبو حنيفة أن يكاتب الصبي بإذن الولي وشرط الشافعي كونه مكلفاً مطلقاً، لأن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ خطاب فلا يتناول إلا العاقل هذا وللمفسرين خلاف في أن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ أمر إيجاب أو استحباب، فقال قائلون ومنهم عمرو بن دينار وعطاء وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى وجوب الكتابة إذا طلبها المملوك بقيمته أو بأكثر وعلم السيد فيه خيراً، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه وأكدوه بما روي في سبب النزول أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت.
ويروى أن عمر أمر إنساناً بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين، فأبى فضربه بالدرة ولم ينكر أحد من الصحابة عليه.
وذهب أكثر العلماء منهم ابن عباس والحسن والشعبي ومالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري إلى أنه ندب لقوله "لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب من قلبه" ولأن طلب الكتابة كطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة فلا تجب الإجابة، وهذه طريقة المعاوضات أجمع.
قال العلماء: إذا أدى مال الكتابة عتق وكان ولاؤه لمولاه لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، ومن هنا يكسب مولاه الثواب.
أما قوله ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال عطاء: الخير هو المال كقوله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ قال: بلغني ذلك عن ابن عباس.
وضعف بأنه لا يقال في فلان مال وإنما يقال له أو عنده مال، وبأن العبد لا مال له بل المال لسيده، وعن ابن سيرين: اراد إذا صلى.
وعن النخعي: وفاء وصدقاً.
وقال الحسن: صلاحاً في الدين.
والأقرب أنه شيء يتعلق بالكتابة هكذا فسره الشافعي بالأمانة والقوة على الكسب.
ويروى مثله مرفوعاً إلى النبي .
وذلك أن مقصود الكتابة لا يحصل إلا بالكسب ثم بالأمانة كيلا يضيع ما يكسبه.
واختلفوا أيضاً في المخاطب بقوله ﴿ وآتوهم ﴾ فعن الحسن والنخعي وابن عباس في رواية عطاء وهو مذهب أبي حنيفة، أنهم المسلمون والمراد أعطوهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، ولا بعد في كون المخاطب في أحد المعطوفين غير الآخر ولا في كون أحد الأمرين للاستحباب والآخر للإيجاب.
والسهم الذي يأخذه المكاتب له صدقة ولسيده عوض كما قاله في حديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" وعن كثير من الصحابة وهو مذهب الشافعي أن المخاطب هو الموالي والأمر أمر إيجاب فيجب عليهم أن يبذلوا للمكاتبين شيئاً من أموالهم، أو يحطوا عنهم جزءاً من مال الكتابة.
ثم اختلفوا في قدره فعن علي أنه كان يحط الربع ومثله ما روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك ربع مكاتبته وعن ابن عمر أنه كاتب عبداً له بخمسة وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف وهو السبع.
والأكثرون على أنه غير مقدر ويحصل الامتثال بأقل متمول.
عن ابن عباس: يضع له من كتابته شيئاً.
وعن عمر أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام، فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمرو وقال: استعن به على مكاتبتك.
فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا أدرك ذلك، وهذا الحط عند الأولين على وجه الندب فلا يجبر المولى عليه وأكدوه بما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أنه قال "أَيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلاّ عشر أواق فهو عبد" فلو كان الحط واجباً لأسقط عنه بقدره، ومثله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
وايضاً لو كان الحط واجباً فإن كان معلوماً لزم عتقه إذا بقي ذلك القدر وليس ذلك بالاتفاق، ولو كان مجهولاً لكان ما بقي وهو مال الكتابة مجهولاً فلا تصح الكتابة.
وأيضاً أمر بالإيتاء من مال الله الذي أتاهم ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه يصدر العجز عنه فلا يستحق ذلك المال هذا الوصف فصح أن هذا أمر من الله بذلك للناس، أولهم وللسادة أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم قال "من أعان مكاتباً في فك رقبته أظله الله في ظل عرشه" الحكم الثامن: المنع من إكراه الإماء على الزنا: كان لعبد الله بن ابيّ راس النفاق ست جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرهن على البغاء - أي الزنا- فشكت ثنتان منهن معاذة ومسيكة إلى رسول الله .
وحد الإكراه قد مر في سورة النحل في قوله { ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أنهم أجمعوا على أن حال الحرائر أيضاً كذلك.
والسؤال المشهور في الآية هو أن المعلق بكلمة أن على الشيء يفهم منه عدمه عند عدم ذلك الشيء فتدل الآية على جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن.
والجواب بعد تسليم أن مفهوم الخطاب حجة هو أن الإكراه مع عدم غرادة التحصن والتعفف مما لا يجتمعان، فهذا المفهوم قد خرج عن كونه دليلاً لامتناعه في ذاته.
وقد يقال: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما مر في قوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ وقيل: "إن" بمعنى "إذ" لأن سبب النزول وارد على ذلك.
قال جار الله: أوثرت كلمة "أن" على "إذ" إيذاناً بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من قبيل الشاذ والنادر.
وللآية مفهوم آخر وهو أن للسادة إكراههن على النكاح وليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها.
و ﴿ عرض الحياة الدنيا ﴾ كسبهن وأولادهن ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ لهم على الإطلاق أو بشرط التوبة على أصل الأشاعرة والمعتزلة، أو غفور لهن لأن الإكراه قد لا يكون على حد المعتبر في الشرع من التخويف الشديد فتكون آثمة حينئذ.
وحين فرغ من الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: ألأولى الآيات المبينات أي الموضحات أو الواضحات في معاني الحدود والأحكام وغيرها ولا سيما الآيات التي ثبتت في هذه السورة.
الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا أي قصة عجيبة من قصصهم فإن العجب في قصة عائشة ليس باقل من العجب في قصة يوسف ومريم ومااتهما به.
وعن الضحاك أنه أراد بالمثل شبه ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود.
وعن مقاتل: اراد شبيه ما حل بهم من العقاب إذا عصوا.
الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة.
التأويل: لا تدخلوا بيوت عالم القرار التي هي غير بيوتكم من دار القرار حتى تتعرفوا أحوالها ﴿ وتسلموا على أهلها ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ فإن صرتم بحيث فتنتم عن حظوظ الدنيا وشهواتها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بالتصرف فيها بالحق للحق ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ فارجعوا ﴾ ثم أشار إلى أن التصرف في الدنيا لأجل البلاغ وبحسب الضرورة جائز إذا لم تكن النفس تطمئن إليها فقال ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الاية.
ثم أمر بغض بصر النفس عن مشتهيات الدنيا، وبصر القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة، بصر السر عن الدرجات والقربات، وبصر الروح عن الالتفات غلى ما سوى الله، وبصر الهمة عن العلل بأن لا يرى نفسه أهلاً لشهود الحق تنزيهاً له وإجلالاً، ولهذا أمر بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه.
ثم أمر النساء بمثل ما أمر به الرجال تنبيهاً على أن النساء بالصورة قد يكن رجالاً في المعنى.
ثم نهى عن إظهار ما زين الله به سرائرهم وأحوالهم إلا ماظهر على صفحات أحوالهم من غير تكلف منهم.
ثم اباح لهم إظهار بعض الأسرار إلى شيوخهن أو إخوانهن في الدين والحال، أو المريدين الذين هم تحت تربيتهم وتصرفهم بمنزلة النساء والمماليك ومن لا خبر عندهم من عالم المعنى كالبله والأطفال، ففيه نفثة مصدور من غير ضرب.
﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً ﴾ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فتوبة المبتدئ من الحرام وتوبة المتوسط من الحلال وتوبة المنتهي مما سوى الله ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ فيه أمر بطلب شيخ كامل يودع في رحم القلب من صلب الولاية نطفة استعداد قبول الفيض الأعلى وهو الولادة الثانية المستديعة للولوج في ملكوت السماء والأرض، وقد اشار إلى إفاضة هذا الاستعداد بقوله ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وليستعفف ﴾ ليحفظ الذين لا يجدون شيخاً في الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان حتى يدلهم الله على شيخ كامل كما دل موسى على الخضر ، أو يخصهم بجذبة ﴿ الله يجتبي ﴾ ﴿ والذين يبتغون ﴾ فيه أن المريد إذا طلب الخلاص عن قيد الرياضة لزم إجابته إن علم فيه الصلاح ووجب أن يؤتى بعض ما خص الله الشيخ به من المواهب ﴿ ولا تكرهوا ﴾ فيه أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا وإن كان بالحق لم تكره عليه فإن أصحاب الخلوة غير أرباب الجلوة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ روي عن عبد الله بن عباس أنه كان يقرؤها: (حتى تسـتأذنوا وتسلموا على أهلها).
وقال: ﴿ تَسْتَأْنِسُواْ ﴾ وهم من الكاتب.
وقال بعضهم: الاستئناس: الاستئذان.
وقال بعضهم: الاستئناس: الاستعلام، وهو أن يطلب من أهل البيت الإذن بالدخول، والاستئذان هو طلب الإذن منهم للدخول.
وروي عن أبي أيوب قال: "قلنا: يا رسول الله، هذا السلام قد عرفناه فما الاستئذان؟
قال: أن يرفع صوته بالتحميد أو بالتسبيح أو بالتكبير ليؤذن للدخول" .
فإن ثبت هذا فهو إلى الاستعلام أقرب وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ أي: علمتم.
ثم قال بعضهم: قوله: (حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها) على التقديم والتأخير، أي: حتى تسلموا وتستأنسوا، وهو أن يبدأ فيقول: السلام عليكم ورحمة الله!
أدخل أو لا؟
ثم يستأذن، وهو ما روي: "السلام قبل الكلام" ولكن عندنا أن الاستئذان للدخول فإذا أذن بالدخول فدخل فعند ذلك يسلم عليهم كقوله: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً ﴾ فإنما أمر بالسلام بعد الدخول؛ فعلى ذلك هذا يستأذن للدخول فإذا أذن له فدخل فبعد الدخول يسلم عليهم؛ لأنه لو سلم أولا ثم استأذن احتاج إلى أن يسلم ثانياً إذا دخل؛ فهذا الذي ذكرنا أشبه بعمل الناس وظاهر الآية، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ لم يرجع إلى المساجد ونحوه بل يرجع ذلك إلى بيوت مسكونة؛ فذلك يدل لقولنا: إن من حلف ألا يدخل بيتاً فدخل المسجد لم يحنث.
وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: ذلك الاستئذان والتسليم خير لكم من ترك الاستئذان؛ لأنه ترك التأدب بما أدبه الله وعلمه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: تتعظون بأدب الله، وروي في بعض الأخبار: "أن من دخل بيتاً بغير إذن قال له الملك الموكل به: عصيت وآذيت فيسمع صوته الخلق كله غير الثقلين، ويصعد صوته إلى السماء الدنيا، فيقول ملائكة السماء: إن فلاناً عصى ربه وأذى" وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ هذا يدل على أن الاستئذان وطلب الإذن لا لحيث أنفسهم خاصة ولكن لأنفسهم ولما لهم في البيوت من الأموال؛ لأنه قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا ﴾ لم يأذن لهم بالدخول فيها وإن لم يكن فيها أحد حتى يأذن أرباب الأموال والمنازل بالدخول فيها؛ ليعلم أن النهي عن الدخول للأنفس والأموال جميعاً؛ لأن الناس يتخذون البيوت والمنازل صوناً للأنفس والأموال جميعاً، فكما يكرهون اطلاع غيرهم على أنفسهم وعيالاتهم فلا يطيب أنفسهم أيضاً [باطلاع غيرهم] على أموالهم وأمتعتهم فلا يدخل إلا بإذن من أهلها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ﴾ ذكر في بعض الأخبار أن الاستئذان ثلاث من لم يأذن له فيهن فليرجع؛ أما الأولى: فيستمع الحي، وأمّا الثانية: فيأخذون حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا.
وقيل: لا تقعدن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أعذر بالعذر.
وفي بعضها: وما تنقم من شيء بابن آدم هو أزكى لكم.
وقوله: ﴿ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ﴾ ؛ لأنه إذا لم يؤذن بالدخول فقعدوا على بابهم ولم يرجعوا، أورث ذلك معاني تكره: أحدها: تهمة على أهل الدار على ما يقعد على أبواب أهل التهم من الشرطي وغيره فذلك مكروه عند الناس.
والثاني: يكون للناس أشغال وحاجات في منازلهم وخارج المنازل، فإن انتظر عقد وقعد على بابهم ضاق بذلك ذرعهم وشغل قلوبهم ذلك فلعل حاجاتهم لا تلتئم لشغلهم به؛ لذلك كان الرجوع أزكى لهم وخيراً لهم من القعود على الباب والانتظار، والله أعلم.
وروي عن النبي قال: "الاستذانُ ثلاثٌ فإِنْ أُذِنَ لكَ فيهن وإلا فَارْجِعْ" وقال بعضهم: معنى ﴿ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ : يقول: إن سكت عنكم فلم يؤذن لكم فقد قيل لكم: ارجعوا، وإن لم يقولوا بألسنتهم: ارجعوا.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وعيد؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ .
ثم الاستئذان على محارمه لازم، وإن كان يجوز له أن ينظر إلى شعر ذات محرمه ووجهها فإنه منهي عن النظر إلى ما سوى ذلك من عورتها؛ لما يخشى أن يبدو من عورة المرأة إن دخل عليها بدون إذن.
"روي أن رجلاً سأل نبي الله فقال: أنا أخدم أمي وأفرشتها أستأذن عليها؟
قال: نعم.
فسأله ثلاثاً؛ فقال له: أيسرك أن تراها عريانة؟!
قال: لا قال: فاستأذن عليها" وكذلك روي عن حذيفة "أن رجلا سأله فقال: أستأذن على أختي؟
فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك" .
وكذلك قال ابن مسعود وابن عباس عن أحدهما في الأم وعن الآخر في الأخت.
لكن أمره في الاستئذان على هؤلاء أسهل وأيسر من أمر الأجنبي؛ إذ كان مطلقاً له أن ينظر إلى شعر محرمه ووجهها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ وجهين: أحدهما: بيوتاً غير محتملة للسكنى، وهي الخربات، والمواضع التي يقضى فيها الحوائج، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (بيوتاً غير معمورة لكم فيها منافع).
والثاني: بيوتاً مسكونة محتملة للسكنى إلا أن أهلها لم يسكنوها؛ لنزول الناس فيها، وهي نحو الخانات والرباط التي تكون للمارة، وعلى ذلك روي في الخبر أنه لما نزلت آية الاستئذان قال أبو بكر: يا رسول الله، فكيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة وبين المدينة والشام ليس فيها مساكن؟
فأنزل الله - -: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ .
وذكر في حرف ابن مسعود: (ليس عليكم جناح في بيت ليس فيه ساكن أن تدخلوه).
وقوله: ﴿ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ إن كان ذلك البيوت الخانات والبيوت التي ينزل فيها أهل السفر فيكون قوله: ﴿ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ أي: فيها منفعة لكم من الدفء في الشتاء، والظل في الصيف، ودفع الحرّ في أيام الحرّ، ودفع البرد في أيام البرد.
وإن كان البيوت هي الخربات وقباب وأمتعات التي كانوا يضعون في الطهور لقضاء الحوائج، فيكون قوله: ﴿ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ أي: الخلاء والبول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ قال: ما تبدون من السلام، وما تخفون منه، أو في كل شيء؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ يذكر هذا لنكونن أبداً على حذر وخوف، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن لم تجدوا في تلك البيوت أحدًا فلا تدخلوها حتَّى يؤذن لكم في دخولها ممن يملك الإذن، وإن قال لكم أربابها: (ارجعوا) فارجعوا ولا تدخلوها، فإنه أطهر لكم عند الله، والله بما تعملون عليم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.Qjp8L"