الآية ٣٦ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٣٦ من سورة النور

فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 198 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ضرب الله تعالى [ مثل ] قلب المؤمن ، وما فيه من الهدى والعلم ، بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب ، وذلك كالقنديل ، ذكر محلها وهي المساجد ، التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض ، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد ، فقال : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) أي : أمر الله تعالى برفعها ، أي : بتطهيرها من الدنس واللغو ، والأفعال والأقوال التي لا تليق فيها ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) ) قال : نهى الله سبحانه عن اللغو فيها .

وكذا قال عكرمة ، وأبو صالح ، والضحاك ، ونافع بن جبير ، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة وسفيان بن حسين ، وغيرهم من علماء المفسرين .

وقال قتادة : هي هذه المساجد ، أمر الله ، سبحانه ، ببنائها ورفعها ، وأمر بعمارتها وتطهيرها .

وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول : إن في التوراة مكتوبا : " ألا إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ، ثم زارني في بيتي أكرمته ، وحق على المزور كرامة الزائر " .

رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره .

وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد ، واحترامها وتوقيرها ، وتطييبها وتبخيرها .

وذلك له محل مفرد يذكر فيه ، وقد كتبت في ذلك جزءا على حدة ، ولله الحمد والمنة .

ونحن بعون الله تعالى نذكر هاهنا طرفا من ذلك ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلان : فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله ، بنى الله له مثله في الجنة " .

أخرجاه في الصحيحين .

وروى ابن ماجه ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله ، بنى الله له بيتا في الجنة " .

وللنسائي عن عمرو بن عبسة مثله .

والأحاديث في هذا كثيرة جدا .

وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور ، وأن تنظف وتطيب .

رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي .

ولأحمد وأبي داود ، عن سمرة بن جندب نحوه .

وقال البخاري : قال عمر : ابن للناس ما يكنهم ، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس .

وروى ابن ماجه عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم " .

وفي إسناده ضعف .

وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أمرت بتشييد المساجد " .

قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى وعن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " .

رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي وعن بريدة أن رجلا أنشد في المسجد ، فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا وجدت ، إنما بنيت المساجد لما بنيت له " .

رواه مسلم .

وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن البيع والابتياع ، وعن تناشد الأشعار في المساجد .

رواه أحمد وأهل السنن ، وقال الترمذي : حسن .

وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه سلم : قال : " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد ، فقولوا : لا أربح الله تجارتك .

وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد ، فقولوا : لا رد الله عليك " .

رواه الترمذي ، وقال : حسن غريب .

وقد روى ابن ماجه وغيره ، من حديث ابن عمر مرفوعا ، قال : " خصال لا تنبغي في المسجد : لا يتخذ طريقا ، ولا يشهر فيه سلاح ، ولا ينبض فيه بقوس ، ولا ينثر فيه نبل ، ولا يمر فيه بلحم نيء : ولا يضرب فيه حد ، ولا يقتص فيه من أحد ، ولا يتخذ سوقا " .

وعن واثلة بن الأسقع ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم ، وشراءكم وبيعكم ، وخصوماتكم ورفع أصواتكم ، وإقامة حدودكم وسل سيوفكم ، واتخذوا على أبوابها المطاهر ، وجمروها في الجمع " .

ورواه ابن ماجه أيضا وفي إسنادهما ضعف .

أما أنه " لا يتخذ طريقا " فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه .

وفي الأثر : " إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه " .

وأما أنه " لا يشهر فيه بسلاح .

ولا ينبض فيه بقوس ، ولا ينثر فيه نبل .

فلما يخشى من إصابة بعض الناس به ، لكثرة المصلين فيه; ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر أحد بسهام أن يقبض على نصالها; لئلا يؤذي أحدا ، كما ثبت في الصحيح .

وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه ، فلما يخشى من تقاطر الدم منه ، كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث .

وأما أنه " لا يضرب فيه حد ولا يقتص " ، فلما يخشى من إيجاد نجاسة فيه من المضروب أو المقطوع .

وأما أنه " لا يتخذ سوقا " ، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه ، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد : " إن المساجد لم تبن لهذا ، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها " .

ثم أمر بسجل من ماء ، فأهريق على بوله .

وفي الحديث الثاني : " جنبوا مساجدكم صبيانكم " ، وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم ، وقد كان عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ، ضربهم بالمخفقة - وهي الدرة - وكان يعس المسجد بعد العشاء ، فلا يترك فيه أحدا .

" ومجانينكم " يعني : لأجل ضعف عقولهم ، وسخر الناس بهم ، فيؤدي إلى اللعب فيها ، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ، ونحو ذلك .

" وبيعكم وشراءكم " كما تقدم .

" وخصوماتكم " يعني : التحاكم والحكم فيه; ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد ، بل يكون في موضع غيره; لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه; ولهذا قال بعده : " ورفع أصواتكم " .

وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن قال : حدثني يزيد بن خصيفة ، عن السائب بن يزيد الكندي قال : كنت قائما في المسجد ، فحصبني رجل ، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقال : اذهب فأتني بهذين .

فجئته بهما ، فقال : من أنتما؟

أو : من أين أنتما؟

قالا من أهل الطائف .

قال : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما : ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال النسائي : حدثنا سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال : أتدري أين أنت؟

وهذا أيضا صحيح .

وقوله : " وإقامة حدودكم ، وسل سيوفكم " : تقدما .

وقوله : " واتخذوا على أبوابها المطاهر " يعني : المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة .

وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم آبار يستقون منها ، فيشربون ويتطهرون ، ويتوضئون وغير ذلك .

وقوله : " وجمروها في الجمع " يعني : بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ .

وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا عبيد الله ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن عبد الله بن عمر ، عن نافع عن ابن عمر ; أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جمعة .

إسناده حسن لا بأس به والله أعلم .

وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه ، خمسا وعشرين ضعفا .

وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة ، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه : اللهم صل عليه ، اللهم ارحمه ، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة " وعند الدارقطني مرفوعا : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " .

وفي السنن : " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة " .

والمستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى ، وأن يقول كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال : أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم ، من الشيطان الرجيم " [ قال : أقط؟

قال : نعم ] .

قال : فإذا قال ذلك قال الشيطان : حفظ مني سائر اليوم .

وروى مسلم بسنده عن أبي حميد - أو : أبي أسيد - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك " .

ورواه النسائي عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم [ مثله ] .

وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا دخل أحدكم المسجد ، فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك .

وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل : اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم " .

ورواه ابن ماجه ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا ليث بن أبي سليم ، عن عبد الله بن حسن .

عن أمه فاطمة بنت حسين ، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم ، ثم قال : " اللهم ، اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك " .

وإذا خرج صلى على محمد وسلم ثم قال : " اللهم ، اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب فضلك " .

ورواه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن وإسناده ليس بمتصل; لأن فاطمة بنت الحسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى .

فهذا الذي ذكرناه ، مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك لحال الطول .

كله داخل في قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) .

وقوله : ( ويذكر فيها اسمه ) أي : اسم الله ، كقوله : ( يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) [ الأعراف : 31 ] ، وقوله ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ) [ الأعراف : 29 ] ، وقوله ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) [ الجن : 18 ] .

قال ابن عباس : ( ويذكر فيها اسمه ) يعني : يتلى فيها كتابه .

وقوله : ( يسبح له فيها بالغدو والآصال ) أي : في البكرات والعشيات .

والآصال : جمع أصيل ، وهو آخر النهار .

وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : كل تسبيح في القرآن هو الصلاة .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني بالغدو : صلاة الغداة ، ويعني بالآصال : صلاة العصر ، وهما أول ما افترض الله من الصلاة ، فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده .

وكذا قال الحسن ، والضحاك : ( يسبح له فيها بالغدو والآصال ) يعني : الصلاة .

ومن قرأ من القرأة " يسبح له فيها بالغدو والآصال " - بفتح الباء من " يسبح " على أنه مبني لما لم يسم فاعله - وقف على قوله : ( والآصال ) وقفا تاما ، وابتدأ بقوله : ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) وكأنه مفسر للفاعل المحذوف ، كما قال الشاعر .

ليبك يزيد ، ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح كأنه قال : من يبكيه؟

قال : هذا يبكيه .

وكأنه قيل : من يسبح له فيها؟

قال : رجال .

وأما على قراءة من قرأ : ( يسبح ) - بكسر الباء - فجعله فعلا وفاعله : ( رجال ) فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل; لأنه تمام الكلام .

فقوله : ( رجال ) فيه إشعار بهممهم السامية ، ونياتهم وعزائمهم العالية ، التي بها صاروا عمارا للمساجد ، التي هي بيوت الله في أرضه ، ومواطن عبادته وشكره ، وتوحيده وتنزيهه ، كما قال تعالى : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) [ الأحزاب : 23 ] .

فأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن; لما رواه أبو داود ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين ، حدثني عمرو ، عن أبي السمح ، عن السائب مولى أم سلمة عن أم سلمة - رضي الله عنها ، - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير مساجد النساء [ قعر ] بيوتهن " .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا هارون ، أخبرني عبد الله بن وهب ، حدثنا داود بن قيس ، عن عبد الله بن سويد الأنصاري ، عن عمته أم حميد - امرأة أبي حميد الساعدي - أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أحب الصلاة معك قال : " قد علمت أنك تحبين الصلاة معي ، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي " .

قال : فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه ، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله ، عز وجل .

لم يخرجوه .

هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال ، بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " .

رواه البخاري ومسلم ، ولأحمد وأبي داود : " وبيوتهن خير لهن " وفي رواية : " وليخرجن وهن تفلات " أي : لا ريح لهن .

وقد ثبت في صحيح مسلم ، عن زينب - امرأة ابن مسعود - قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا " .

وفي الصحيحين عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ، ما يعرفن من الغلس .

وفي الصحيحين أيضا عنها أنها قالت : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره بقوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المشكاة التي فيها الفتيلة التي فيها المصباح، قال: المصابيح في بيوت أذن الله أن ترفع.

قال أبو جعفر: قد يحتمل أن تكون " من " في صلة " توقد "، فيكون المعنى: توقد من شجرة مباركة ذلك المصباح في بيوت أذن الله أن ترفع، وعنى بالبيوت المساجد.

وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم بالذي قلنا في ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا ثنا حكام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قول الله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: المساجد.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) وهي المساجد تكرم، ونهى عن اللغو فيها.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) يعني: كل مسجد يصلي فيه، جامع أو غيره.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: مساجد تبنى.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: في المساجد.

قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: أدركت أصحاب رسول الله وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وإنه حقّ على الله أن يكرم من زاره فيها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سالم بن عمر في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: هي المساجد.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: المساجد.

وقال آخرون: عنى بذلك البيوت كلها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأودي، قالا حدثنا حكَّام بن سلم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرِمة ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: هي البيوت كلها.

إنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك؛ لدلالة قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) على أنها بيوت بنيت للصلاة، فلذلك قلنا هي المساجد.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) فقال بعضهم: معناه: أذن الله أن تبنى.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عصام، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) قال: تبنى.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله.

وقال آخرون: معناه: أذن الله أن تعظم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: ( أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ) يقول: أن تعظم لذكره.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناء، كما قال جلّ ثناؤه: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية.

وقوله: ( وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) يقول: وأذن لعباده أن يذكروا اسمه فيها.

وقد قيل: عني به أنه أذن لهم بتلاوة القرآن فيها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: ثم قال: ( وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) يقول: يتلى فيها كتابه.

وهذا القول قريب المعنى مما قلناه في ذلك؛ لأن تلاوة كتاب الله من معاني ذكر الله، غير أن الذي قلنا به أظهر معنييه، فلذلك اخترنا القول به.

وقول: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) .

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ ) فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار ( يُسَبِّحُ لَهُ ) بضم الياء وكسر الباء، بمعنى يصلي له فيها رجال، ويجعل يسبح فعلا للرجال، وخبرا عنهم، وترفع به الرجال، سوى عاصم وابن عامر، فإنهما قرأا ذلك: " يُسَبَّحُ لَهُ" بضمّ الياء وفتح الباء، على ما لم يسمّ فاعله، ثم يرفعان الرجال بخبر ثان مضمر، كأنهما أرادا: يُسَبَّحُ الله في البيوت التي أذن الله أن ترفع، فسبَّح له رجال، فرفعا الرجال بفعل مضمر، والقراءة التي هي أولاهما بالصواب، قراءة من كسر الباء، وجعله خبرا للرجال وفعلا لهم.

وإنما كان الاختيار رفع الرجال بمضمر من الفعل لو كان الخبر عن البيوت، لا يتمّ إلا بقوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ) ، فأما والخبر عنها دون ذلك تامّ، فلا وجه لتوجيه قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ ) إلى غيره أي (1) غير الخبر عن الرجال.

وعني بقوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) يصلي له في هذه البيوت بالغُدُوات والعشيات رجال.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن سفيان، عن عمار الدهني (2) عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: كلّ تسبيح في القرآن فهو صلاة.

حدثني عليّ، قال ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: ثم قال: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) يقول: يصلي له فيها بالغداة والعشيّ، يعني بالغدو: صلاة الغداة، ويعني بالآصال صلاة العصر وهما أوّل ما افترض الله من الصلاة، فأحبّ أن يذكرهما، ويذكر بهما عبادته.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ ) أذن الله أن تبنى، فيصلي فيها بالغدوّ والآصال.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول في قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) يعني الصلاة المفروضة.

------------------------ الهوامش: (1) في الأصل : إلى غير.

ولعله تحريف.

(2) هو عمار بن معاوية الدهني بضم المهملة ، الكوفي ، وثقه أحمد مات سنة 133 ، ا ه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاةفيه :الأولى : قوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع الباء في بيوت تضم وتكسر ؛ وقد تقدم .

واختلف في الفاء من قوله : في فقيل : هي متعلقة ب ( مصباح ) .

وقيل : ب ( يسبح له ) ؛ فعلى هذا التأويل يوقف على ( عليم ) .

قال ابن الأنباري : سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب ؛ كأنه قال وهي في بيوت .

وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي : في بيوت منفصل ، كأنه يقول : الله في بيوت أذن الله أن ترفع ؛ وبذلك جاءت الأخبار أنه ( من جلس في المسجد فإنه يجالس ربه ) .

وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى عن التوراة ( أن المؤمن إذا مشى إلى المسجد قال الله تبارك اسمه عبدي زارني وعلي قراه ولن أرضى له قرى دون الجنة ) .

قال ابن الأنباري : إن جعلت ( في ) متعلقة ب ( يسبح ) أو رافعة للرجال حسن الوقف على قوله : والله بكل شيء عليم .

وقال الرماني : هي متعلقة ب ( يوقد ) وعليه فلا يوقف على ( عليم ) .

فإن قيل : فما الوجه إذا كان البيوت متعلقة ب ( يوقد ) في توحيد [ ص: 246 ] المصباح والمشكاة وجمع البيوت ، ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد .

قيل : هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع ؛ كقوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ونحوه .

وقيل : رجع إلى كل واحد من البيوت .

وقيل : هو كقوله تعالى : وجعل القمر فيهن نورا وإنما هو في واحدة منها .

واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة أقوال : الأول - أنها المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة ، وأنها تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض ؛ قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن .

الثاني : هي بيوت بيت المقدس ؛ عن الحسن أيضا .

الثالث : بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ عن مجاهد أيضا .

الرابع : هي البيوت كلها ؛ قاله عكرمة .

وقوله : يسبح له فيها بالغدو والآصال يقوي أنها المساجد .

وقول خامس : أنها المساجد الأربعة التي لم يبنها إلا نبي : الكعبة ، وبيت أريحا ، ومسجد المدينة ، ومسجد قباء ؛ قاله ابن بريدة .

وقد تقدم ذلك في ( براءة ) .قلت : الأظهر القول الأول ؛ لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من أحب الله - عز وجل - فليحبني ، ومن أحبني فليحب أصحابي ومن أحب أصحابي ، فليحب القرآن ومن أحب القرآن فليحب المساجد ، فإنها أفنية الله أبنيته ، أذن الله في رفعها ، وبارك فيها ، ميمونة ميمون أهلها ، محفوظة محفوظ أهلها ، هم في صلاتهم والله - عز وجل - في حوائجهم ، هم في مساجدهم والله من ورائهم .الثانية : قوله تعالى : أذن الله أن ترفع ( أذن ) معناه أمر وقضى .

وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر ؛ فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ كان أقوى .

و ( ترفع ) قيل : معناه تبنى وتعلى ؛ قاله مجاهد ، وعكرمة .

ومنه قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وقال : صلى الله عليه وسلم - : من بنى مسجدا من ماله بنى الله له بيتا في الجنة .

وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحض على بنيان المساجد .

وقال الحسن البصري وغيره : معنى ( ترفع ) تعظم ، ويرفع شأنها ، وتطهر من الأنجاس والأقذار ؛ ففي الحديث أن المسجد لينزوي من النجاسة كما ينزوي الجلد من النار .

وروى ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال : قال [ ص: 247 ] رسول الله : من أخرج أذى من المسجد بنى الله له بيتا في الجنة .

وروي عن عائشة قالت : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتخذ المساجد في الدور وأن تطهر وتطيب .الثالثة : إذا قلنا : إن المراد بنيانها فهل تزين وتنقش ؟

اختلف في ذلك ؛ فكرهه قوم وأباحه آخرون .

فروى حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، وقتادة ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تقوم الساعة حتى تتباهى الناس في المساجد .

أخرجه أبو داود .

وفي البخاري - وقال أنس : يتباهون بها ، ثم لا يعمرونها إلا قليلا .

وقال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود ، والنصارى .

وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث أبي الدرداء قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا زخرفتم مساجدكم ، وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم .

احتج من أباح ذلك بأن فيه تعظيم المساجد ، والله تعالى أمر بتعظيمها في قوله : في بيوت أذن الله أن ترفع يعني تعظم .

وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالساج وحسنه .

قال أبو حنيفة : لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب .

وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبالغ في عمارته وتزيينه ، وذلك في زمن ولايته قبل خلافته ، ولم ينكر عليه أحد ذلك .

وذكر أن الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشأم ثلاث مرات .

وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام بنى مسجد بيت المقدس وبالغ في تزيينه .الرابعة : ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة ، والأقوال السيئة وغير ذلك على ما نبينه ؛ وذلك من تعظيمها .

وقد صح من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن [ ص: 248 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في غزوة تبوك : من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يأتين المساجد .

وفي حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أكل من هذه البقلة الثوم ، وقال مرة : من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم .

وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في خطبته : ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم ، لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا .

خرجه مسلم في صحيحه .

قال العلماء : وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيها عليهم ، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته ، أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه .

وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة حتى تزول .

وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم والولائم وما أشبهها ، من أكل الثوم وما في معناه ، مما له رائحة كريهة تؤذي الناس .

ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث ، وأخبر أن ذلك مما يتأذى به .

قال أبو عمر بن عبد البر : وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام رحمه الله أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فشوور فيه ؛ فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه ، وألا يشاهد معهم الصلاة ؛ إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه ، فذاكرته يوما أمره وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك وراجعته فيه القول ؛ فاستدل بحديث الثوم ، وقال : هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم ، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد .قلت : وفي الآثار المرسلة ( إن الرجل ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك من نتن ريحه ) .

فعلى هذا يخرج من عرف منه الكذب والتقول بالباطل فإن ذلك يؤذي .الخامسة : أكثر العلماء على أن المساجد كلها سواء ؛ لحديث ابن عمر .

وقال بعضهم : إنما خرج النهي على مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل جبريل - عليه السلام - ونزوله فيه ؛ ولقوله في حديث جابر : فلا يقربن مسجدنا .

والأول أصح ، لأنه ذكر الصفة في الحكم وهي [ ص: 249 ] المسجدية ، وذكر الصفة في الحكم تعليل .

وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجائب بيض ، قوائها من العنبر ، وأعناقها من الزعفران ، ورءوسها من المسك وأزمتها من الزبرجد الأخضر ، وقوامها والمؤذنون فيها يقودونها وأئمتها يسوقونها ، وعمارها متعلقون بها فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف ، فيقول أهل الموقف هؤلاء ملائكة مقربون وأنبياء مرسلون ، فينادى ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء ، ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي التنزيل : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله .

وهذا عام في كل مسجد .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان إن الله تعالى يقول : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ) .

وقد تقدم .السادسة : وتصان المساجد أيضا عن البيع والشراء وجميع الاشتغال ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر : لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له .

أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى قام رجل فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر ؟

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له .

وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار ، وقراءة القرآن .

وكذا جاء مفسرا من حديث أنس قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مه مه ؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تزرموه دعوه .

فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن .

أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال : فأمر [ ص: 250 ] رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه .

خرجه مسلم .

ومما يدل على هذا من الكتاب قوله الحق : ويذكر فيها اسمه .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاوية بن الحكم السلمي : إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن .

أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

الحديث بطوله ، خرجه مسلم في صحيحه ، وحسبك !

وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صوت رجل في المسجد فقال : ما هذا الصوت ؟

أتدري أين أنت !

وكان خلف بن أيوب جالسا في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه ؛ فقيل له في ذلك فقال : ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا ، فكرهت أن أتكلم اليوم .السابعة : روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد ، وعن البيع والشراء فيه ، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة .

قال : وفي الباب عن بريدة ، وجابر ، وأنس حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن .

قال محمد بن إسماعيل : رأيت محمدا ، وإسحاق ، وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب .

وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد ؛ وبه يقول أحمد ، [ ص: 251 ] وإسحاق .

وروي أن عيسى ابن مريم عليهما السلام أتى على قوم يتبايعون في المسجد فجعل رداءه مخراقا ، ثم جعل يسعى عليهم ضربا ويقول : يا أبناء الأفاعي ، اتخذتم مساجد الله أسواقا !

هذا سوق الآخرة .قلت : وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد ، ورأى أنه من باب البيع .

وهذا إذا كان بأجرة ، فلو كان بغير أجرة لمنع أيضا من وجه آخر ، وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والوسخ ؛ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد ، وقد أمر - صلى الله عليه وسلم - بتنظيفها وتطييبها فقال : جنبوا مساجدكم صبيانكم ، ومجانينكم ، وسل سيوفكم ، وإقامة حدودكم ، ورفع أصواتكم ، وخصوماتكم ، وأجمروها في الجمع ، واجعلوا على أبوابها المطاهر .

في إسناده العلاء بن كثير الدمشقي مولى بني أمية ، وهو ضعيف عندهم ؛ ذكره أبو أحمد بن عدي الجرجاني الحافظ .

وذكر أبو أحمد أيضا من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين فرأى خياطا في ناحية المسجد فأمر بإخراجه ؛ فقيل له : يا أمير المؤمنين ، إنه يكنس المسجد ، ويغلق الأبواب ، ويرش أحيانا .

فقال عثمان : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( جنبوا صناعكم من مساجدكم ) .

هذا حديث غير محفوظ ، في إسناده محمد بن مجيب الثقفي ، وهو ذاهب الحديث .قلت : ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقه لينا فهو صحيح معنى ؛ يدل على صحته ما ذكرناه قبل .

قال الترمذي : وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين رخصة في البيع والشراء في المسجد .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد .قلت : أما تناشد الأشعار فاختلف في ذلك ، فمن مانع مطلقا ، ومن مجيز مطلقا .

والأولى التفصيل ، وهو أن ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضي الثناء على الله - عز وجل - أو على رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو الذب عنهما كما كان شعر حسان ، أو يتضمن الحض على الخير ، والوعظ ، والزهد في الدنيا والتقلل منها ، فهو حسن في المساجد وغيرها ؛ كقول القائل :طوفي يا نفس كي أقصد فردا صمدا وذريني لست أبغي غير ربي أحدا [ ص: 252 ] فهو أنسي وجليسي ودعي الناسفما إن تجدي من دونه ملتحداوما لم يكن كذلك لم يجز ؛ لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل ، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر ، والمساجد منزهة عن ذلك ؛ لقوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع .

وقد يجوز إنشاده في المسجد ؛ كقول القائل :كفحل العداب الفرد يضر به الندى تعلى الندى في متنه وتحدراوقول الآخر :إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابافهذا النوع وإن لم يكن فيه حمد ولا ثناء يجوز ؛ لأنه خال عن الفواحش والكذب وسيأتي ذكر الأشعار الجائزة وغيرها بما فيه كفاية في الشعراء إن شاء الله تعالى .

وقد روى الدارقطني من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : ذكر الشعراء عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح .

وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ذكره في السنن .قلت : وأصحاب الشافعي يأثرون هذا الكلام عن الشافعي وأنه لم يتكلم به غيره ؛ وكأنهم لم يقفوا على الأحاديث في ذلك .

والله أعلم .الثامنة : وأما رفع الصوت فإن كان مما يقتضي مصلحة للرافع صوته دعي عليه بنقيض قصده ؛ لحديث بريرة المتقدم ، وحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد ، فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا .

وإلى هذا [ ص: 253 ] ذهب مالك وجماعة ، حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره .

وأجاز أبو حنيفة ، وأصحابه ، ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت في الخصومة والعلم ؛ قالوا : لأنهم لا بد لهم من ذلك .

وهذا مخالف لظاهر الحديث ، وقولهم : لا بد لهم من ذلك ممنوع ، بل لهم بد من ذلك لوجهين : أحدهما : بملازمة الوقار والحرمة ، وبإحضار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه .

والثاني : أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتخذ لذلك موضعا يخصه ، كما فعل عمر حيث بنى رحبة تسمى البطيحاء ، وقال : من أراد أن يلغط أو ينشد شعرا - يعني في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليخرج إلى هذه الرحبة .

وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد ، ولذلك بنى البطيحاء خارجه .التاسعة : وأما النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة من الغرباء ومن لا بيت له فجائز ؛ لأن في البخاري - وقال أبو قلابة ، عن أنس : قدم رهط من عكل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا في الصفة ، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : كان أصحاب الصفة فقراء .

وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - .

لفظ البخاري : وترجم ( باب نوم المرأة في المسجد ) وأدخل حديث عائشة في قصة السوداء التي اتهمها أهلها بالوشاح ، قالت عائشة : وكان لها خباء في المسجد أو خفش .

.

.

الحديث .

ويقال : كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة .العاشرة : روى مسلم ، عن أحمد ، أو عن أبي أسيد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا دخل أحدكم المسجد ، فليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك .

خرجه أبو داود كذلك ؛ إلا أنه زاد بعد قوله : إذا دخل أحدكم المسجد : فليسلم وليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ليقل : اللهم افتح لي .

.

.

الحديث .

وروى ابن ماجه ، عن فاطمة [ ص: 254 ] بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد قال : باسم الله والسلام على رسول الله ، اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج قال : باسم الله ، والصلاة على رسول الله ، اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك .

وروى عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل : اللهم افتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل : اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم .

وخرج أبو داود ، عن حيوة بن شريح ، قال : لقيت عقبة بن مسلم فقلت له : بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا دخل المسجد قال : أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ، قال : نعم .

قال : فإذا قال ذلك قال الشيطان : حفظ مني سائر اليوم .الحادية عشرة : روى مسلم ، عن أبي قتادة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ، وعنه قال : دخلت المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس بين ظهراني الناس ، قال فجلست ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس ؟

فقلت : يا رسول الله ، رأيتك جالسا والناس جلوس .

قال : فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين .

قال العلماء : فجعل - صلى الله عليه وسلم - للمسجد مزية يتميز بها عن سائر البيوت ، وهو ألا يجلس حتى يركع .

وعامة العلماء على أن الأمر بالركوع على الندب والترغيب .

وقد ذهب داود ، وأصحابه إلى أن ذلك على الوجوب ؛ وهذا باطل ، ولو كان الأمر على ما قالوه لحرم دخول المسجد على المحدث الحدث الأصغر حتى يتوضأ ، ولا قائل به فيما أعلم ، والله أعلم .

فإن قيل : فقد روى إبراهيم ، بن يزيد ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير [ ص: 255 ] عن أبي سلمة ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين ، وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين فإن الله جاعل من ركعتيه في بيته خيرا ، وهذا يقتضي التسوية بين المسجد والبيت .

قيل : هذه الزيادة في الركوع عند دخول البيت لا أصل لها ؛ قال ذلك البخاري .

وإنما يصح في هذا حديث أبي قتادة الذي تقدم لمسلم ، وإبراهيم هذا لا أعلم روى عنه إلا سعد بن عبد الحميد ، ولا أعلم له إلا هذا الحديث الواحد ؛ قاله أبو محمد عبد الحق .الثانية عشرة : روى سعيد بن زبان ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي هند - رضي الله عنه - قال : حمل تميم - يعني الداري - من الشأم إلى المدينة قناديل ، وزيتا ، ومقطا ، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاما يقال له أبو البزاد فقام فنشط المقط ، وعلق القناديل ، وصب فيها الماء ، والزيت ، وجعل فيها الفتيل ؛ فلما غربت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها ، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد ، فإذا هو بها تزهر ؛ فقال : من فعل هذا ؟

قالوا : تميم الداري يا رسول الله ؛ فقال : نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة ، أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها .

قال نوفل بن الحارث : لي ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل فافعل بها ما أردت ؛ فأنكحه إياها .

زبان ( بفتح الزاي والباء وتشديدها بنقطة واحدة من تحتها ) ينفرد بالتسمي به سعيد وحده ، فهو أبو عثمان سعيد بن زبان بن قائد بن زبان بن أبي هند ، وأبو هند هذا مولى ابن بياضة حجام النبي - صلى الله عليه وسلم - .

والمقط : جمع المقاط ، وهو الحبل ، فكأنه مقلوب القماط .

والله أعلم .

وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال : أول من أسرج في المساجد تميم الداري .

وروي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من أسرج في مسجد سراجا ، لم تزل الملائكة وحملة العرش يصلون عليه ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه ، وإن كنس غبار المسجد نقد الحور العين .

قال العلماء : ويستحب أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ونصب الشموع فيه ، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد .الثالثة عشرة : قوله تعالى : يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبحين ؛ فقيل : هم المراقبون أمر الله ، الطالبون رضاءه ، الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا .

وقال كثير من الصحابة : نزلت هذه الآية في [ ص: 256 ] أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا .

ورأى سالم بن عبد الله أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال : هؤلاء الذين أراد الله بقوله : لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله .

وروي ذلك عن ابن مسعود .

وقرأ عبد الله بن عامر ، وعاصم في رواية أبي بكر ، عنه ، والحسن ( يسبح له فيها ) بفتح الباء على ما لم يسم فاعله .

وكان نافع ، وابن عمر ، وأبو عمرو ، وحمزة يقرءون ( يسبح ) بكسر الباء ؛ وكذلك روى أبو عمرو ، عن عاصم .

فمن قرأ ( يسبح ) بفتح الباء كان على معنيين : أحدهما أن يرتفع رجال بفعل مضمر دل عليه الظاهر ؛ بمعنى يسبحه رجال ؛ فيوقف على هذا على الآصال .

وقد ذكر سيبويه مثل هذا .وأنشد :ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائحالمعنى : يبكيه ضارع .

وعلى هذا تقول : ضرب زيد عمرو ؛ على معنى ضربه عمرو .

والوجه الآخر : أن يرتفع رجال بالابتداء ، والخبر في بيوت ؛ أي في بيوت أذن الله أن ترفع رجال .

و يسبح له فيها حال من الضمير في ( ترفع ) ؛ كأنه قال : أن ترفع ؛ مسبحا له فيها ، ولا يوقف على الآصال على هذا التقدير .

ومن قرأ ( يسبح ) بكسر الباء لم يقف على الآصال ؛ لأن ( يسبح ) فعل للرجال ، والفعل مضطر إلى فاعله ولا إضمار فيه .

وقد تقدم القول في ( الغدو والآصال ) في آخر ( الأعراف ) والحمد لله وحده .الرابعة عشرة : يسبح له فيها قيل : معناه يصلي .

وقال ابن عباس : كل تسبيح في القرآن صلاة ؛ ويدل عليه قوله : بالغدو والآصال ، أي بالغداة والعشي .

وقال أكثر المفسرين : أراد الصلاة المفروضة ؛ فالغدو صلاة الصبح ، والآصال صلاة الظهر ، والعصر والعشائين ؛ لأن اسم الآصال يجمعها .الخامسة عشرة : روى أبو داود ، عن أبي أمامة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة ، فأجره كأجر الحاج المحرم ، ومن خرج إلى تسبيح الضحا لا ينصبه إلا إياه ، فأجره كأجر المعتمر ، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين .

وخرج عن بريدة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة .[ ص: 257 ] وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من غدا إلى المسجد أو راح ، أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح .

في غير الصحيح من الزيادة كما أن أحدكم لو زار من يحب زيارته لاجتهد في كرامته ؛ ذكره الثعلبي .

وخرج مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من تطهر في بيته ، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ، ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة ، والأخرى ترفع درجة .

وعنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته ، وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة ، وذلك أن أحدهم إذا توضأ ، فأحسن الوضوء ، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة ، لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه ، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون : اللهم ارحمه ، اللهم اغفر له ، اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه .

في رواية : ما يحدث ؟

قال : يفسو ، أو يضرط .

وقال حكيم بن زريق : قيل لسعيد بن المسيب : أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد ؟

فقال : من صلى على جنازة فله قيراط ، ومن شهد دفنها فله قيراطان ؛ والجلوس في المسجد أحب إلي ، لأن الملائكة تقول : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، اللهم تب عليه .

وروي عن الحكم بن عمير صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كونوا في الدنيا أضيافا ، واتخذوا المساجد بيوتا ، وعودوا قلوبكم الرقة ، وأكثروا التفكر ، والبكاء ، ولا تختلف بكم الأهواء ، تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون ، وتؤملون ما لا تدركون .

وقال أبو الدرداء لابنه : ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن المساجد بيوت المتقين ، ومن كانت [ ص: 258 ] المساجد بيته ضمن الله تعالى له الروح ، والراحة ، والجواز على الصراط .

وكتب أبو صادق الأزدي إلى شعيب بن الحبحاب : أن عليك بالمساجد فالزمها ؛ فإنه بلغني أنها كانت مجالس الأنبياء .

وقال أبو إدريس الخولاني : المساجد مجالس الكرام من الناس .

وقال مالك بن دينار : بلغني أن الله تبارك وتعالى يقول : ( إني أهم بعذاب عبادي فأنظر إلى عمار المساجد ، وجلساء القرآن ، وولدان الإسلام فيسكن غضبي ) .

وروي عنه - عليه السلام - أنه قال : سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا وحبها فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة .

وقال ابن المسيب : من جلس في مسجد فإنما يجالس ربه ، فما حقه أن يقول إلا خيرا .

وقد مضى من تعظيم المساجد وحرمتها ما فيه كفاية .

وقد جمع بعض العلماء في ذلك خمس عشرة خصلة ، فقال : من حرمة المسجد أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوسا ، وإن لم يكن في المسجد أحد قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس ، وألا يشتري فيه ولا يبيع ، ولا يسل فيه سهما ، ولا سيفا ، ولا يطلب فيه ضالة ، ولا يرفع فيه صوتا بغير ذكر الله تعالى ، ولا يتكلم فيه بأحاديث الدنيا ، ولا يتخطى رقاب الناس ، ولا ينازع في المكان ، ولا يضيق على أحد في الصف ، ولا يمر بين يدي مصل ، ولا يبصق ، ولا يتنخم ، ولا يتمخط فيه ، ولا يفرقع أصابعه ، ولا يعبث بشيء من جسده ، وأن ينزه عن النجاسات ، والصبيان ، والمجانين ، وإقامة الحدود ، وأن يكثر ذكر الله تعالى ولا يغفل عنه .

فإذا فعل هذه الخصال فقد أدى حق المسجد ، وكان المسجد حرزا له وحصنا من الشيطان الرجيم .

وفي الخبر ( أن مسجدا ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا ) .

وروى الدارقطني ، عن عامر الشعبي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلا ، فيقال لليلتين ، وأن تتخذ المساجد [ ص: 259 ] طرقا ، وأن يظهر موت الفجأة .

هذا يرويه عبد الكبير بن المعافى ، عن شريك ، عن العباس بن ذريح ، عن الشعبي ، عن أنس .

وغيره يرويه عن الشعبي ، مرسلا ، والله أعلم .

وقال أبو حاتم : عبد الكبير بن معافى ثقة كان يعد من الأبدال .

وفي البخاري عن أبي موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من مر في شيء من مساجدنا ، أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا يعقر بكفه مسلما .

وخرج مسلم ، عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها .

وعن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها ، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن .

وخرج أبو داود ، عن الفرج بن فضالة ، عن أبي سعد الحميري قال : رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على الحصير ، ثم مسحه برجله ؛ فقيل له : لم فعلت هذا ؟

قال : لأني رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يفعله .

فرج بن فضالة ضعيف ، وأيضا فلم يكن في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصر .

والصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما بصق على الأرض ودلكه بنعله اليسرى ، ولعل واثلة إنما أراد هذا فحمل الحصير عليه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: يتعبد لله { فِي بُيُوتٍ } عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه، وهي المساجد.

{ أَذِنَ اللَّهُ } أي: أمر ووصى { أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله.{ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } يدخل في ذلك الصلاة كلها، فرضها، ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وغيره من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه، والمذاكرة فيها، والاعتكاف، وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد، ولهذا كانت عمارة المساجد على قسمين: عمارة بنيان، وصيانة لها، وعمارة بذكر اسم الله، من الصلاة وغيرها، وهذا أشرف القسمين، ولهذا شرعت الصلوات الخمس والجمعة في المساجد، وجوبا عند أكثر العلماء، أو استحبابا عند آخرين.

ثم مدح تعالى عمارها بالعبادة فقال: { يُسَبِّحُ لَهُ } إخلاصا { بِالْغُدُوِّ } أول النهار { وَالْآصَالِ } آخره خص هذين الوقتين لشرفهما ولتيسر السير فيهما إلى الله وسهولته.

ويدخل في ذلك، التسبيح في الصلاة وغيرها، ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء وأورادهما عند الصباح والمساء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله : ( في بيوت أذن الله ) أي : ذلك المصباح في بيوت .

وقيل : يوقد في بيوت ، والبيوت : هي المساجد ، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : " المساجد بيوت الله في الأرض ، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض " .

وروى صالح بن حيان عن ابن بريدة في قوله تعالى " " في بيوت أذن الله " ، قال : إنما هي أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي : الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة ، وبيت المقدس بناه داود وسليمان ، ومسجد المدينة بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله : ( أن ترفع ) قال مجاهد : أن تبنى ، نظيره قوله تعالى : " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " ( البقرة - 127 ) ، قال الحسن : أي تعظم أي لا يذكر فيه الخنا من القول .

( ويذكر فيها اسمه ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : يتلى فيها كتابه ، ( يسبح ) قرأ ابن عامر وأبو بكر " يسبح " بفتح الباء على غير تسمية الفاعل ، والوقف على هذه القراءة عند قوله " " والآصال " ، وقرأ الآخرون بكسر الباء ، جعلوا التسبيح فعلا للرجال ، ( يسبح له ) أي : يصلي ، ( له فيها بالغدو والآصال ) أي بالغداة والعشي .

قال أهل التفسير : أراد به الصلوات المفروضات .

فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح ، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما .

وقيل : أراد به صلاة الصبح والعصر .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني ، حدثنا محمد بن يحيى ، أخبرنا عبد الله بن رجاء ، أخبرنا همام بن أبي حمزة ، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس حدثه عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من صلى البردين دخل الجنة " .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : التسبيح بالغدو صلاة الضحى .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن السمعان ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا الهيثم بن حميد ، أخبرني يحيى بن الحارث ، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم ، ومن مشى إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر ، وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«في بيوت» متعلق بيسبح الآتي «أذن الله أن ترفع» تعظم «ويذكر فيها اسمه» بتوحيده «يسبَّح» بفتح الموحدة وكسرها: أي يُصلِي «له فيها بالغدو» مصدر بمعنى الغدوات: أي البُكر «والآصال» العشايا من بعد الزوال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا النور المضيء في مساجد أَمَرَ الله أن يُرْفع شأنها وبناؤها، ويُذْكر فيها اسمه بتلاوة كتابه والتسبيح والتهليل، وغير ذلك من أنواع الذكر، يُصلِّي فيها لله في الصباح والمساء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بنوره ، فقال - تعالى - : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ) .وقوله ( فِي بُيُوتٍ ) متعلق بقوله : ( يُسَبِّحُ ) .

والمراد بهذه البيوت : المساجد كلها ، وعلى رأسها المسجد الحرام ، والمسجد النبوى ، والمسجد الأقصى .و " أذن " بمعنى أمر وقضى ، وفاعل " يسبح " قوله " رجال " .والغدو والغداة : من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، والآصال جمع أصيل ، وهو ما بين العصر وغروب الشمس .أى : هذا هو نور الله - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده ، وعلى رأس أولئك العباد الذين هداهم الله - سبحانه - إلى ما يحبه ويرضاه ، هؤلاء الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه فى تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتشييدها وتعظيم قدرها ، وصيانتها من كل سوء أو نجس ، إنهم يسبحونه وينزهونه عن كل نقص ، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات .

فى تلك المساجد فى أول النهار وفى آخرة ، وفى غير ذلك من الأوقات .وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر ، لشرفها وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله ﴾ يقتضي محذوفاً يكون فيها وذكروا فيه وجوه: أحدها: أن التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله وهو اختيار كثير من المحققين، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه من وجهين: الأول: أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح في بيوت أذن الله لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة الثاني: أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحداً كقوله: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ وقوله: ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وقوله: ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ وقوله: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ  ﴾ ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت والجواب عن الأول أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل وعن الثاني: أنه لما كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في زجاجة تتوقد من الزيت، وتكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى، ولو أن رجلاً قال الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته لكان وإن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره الله سبحانه في هذه الآية.

وثانيها: التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع.

وثالثها: وهو قول أبي مسلم أنه راجع إلى قوله: ﴿ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ أي ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن الله أن ترفع، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين والبيوت المساجد، وقد اقتص الله أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أماكنهم فسماها محاريب بقوله: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب  ﴾ و ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب  ﴾ فيقول: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات، وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء والمؤمنين في بيوت أذن الله أن ترفع.

ورابعها: قول الجبائي إنه كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم والتقدير صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع.

وخامسها: وهو قول الفراء والزجاج إنه لا حذف في الآية بل فيه تقديم وتأخير كأنه قال يسبح في بيوت أذن الله أن ترفع رجال صفتهم كيت وكيت، وأما قول أبي مسلم فقد اعترض عليه القاضي من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ المراد منه خلا من المكذبين للرسل لتعلقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا فلا يليق ذلك بوصف هذه البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه الثاني: أن هذه الآية صارت منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض  ﴾ وأما قول الجبائي فقيل الإضمار لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة وعلى التأويل الذي ذكره الفراء والزجاج لا حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال أيضاً لأن على قوله يصير المعنى في بيوت أذن الله يسبح له فيها فيكون قوله فيها تكراراً من غير فائدة، فلم قلتم إن تحمل هذه الزيادة أولى من تحمل مثل ذلك النقصان؟

قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى.

المسألة الثانية: أكثر المفسرين قالوا المراد من قوله: ﴿ فِى بُيُوتٍ ﴾ المساجد وعن عكرمة ﴿ فِى بُيُوتٍ ﴾ قال هي البيوت كلها والأول أولى لوجهين: الأول: أن في البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن الله تعالى أذن أن ترفع الثاني: أنه تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة وذلك لا يليق إلا بالمساجد ثم للقائلين بأن المراد هو المساجد قولان: أحدهما: أن المراد أربع مساجد الكعبة بناها إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، ومسجد المدينة بناه النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء الذي أسس على التقوى بناه النبي صلى الله عليه وسلم وعن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل والثاني: أن المراد هو جميع المساجد والأول ضعيف لأنه تخصيص بلا دليل فالأول حمل اللفظ على جميع المساجد، قال ابن عباس رضي الله عنهما المساجد بيوت الله في الأرض وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض.

المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد من قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ على أقوال أحدها: المراد من رفعها بناؤها لقوله: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَىٰهَا  رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت  ﴾ وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي المساجد أمر الله أن تبنى.

وثانيها: ترفع أي تعظم وتطهر عن الأنجاس وعن اللغو من الأقوال عن الزجاج.

وثالثها: المراد مجموع الأمرين.

والقول الثاني أولى لأن قوله: ﴿ فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ ﴾ ظاهره أنها كانت بيوتاً قبل الرفع فأذن الله أن ترفع.

المسألة الرابعة: اختلفوا في المراد من قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه ﴾ فالقول الأول: أنه عام في كل ذكر والثاني: أن يتلى فيها كتابه عن ابن عباس والثالث: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي والأول أولى لعموم اللفظ.

المسألة الخامسة: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ يُسَبّحُ ﴾ بفتح الباء والباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى يكون القول ممتداً إلى آخر الظروف الثلاثة أعني له فيها بالغدو والآصال، ثم قال الزجاج ﴿ رِجَالٌ ﴾ مرفوع لأنه لما قال: ﴿ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ فكأنه قيل من يسبح؟

فقيل يسبح رجال.

المسألة السادسة: اختلفوا في هذا التسبيح فالأكثرون حملوه على نفس الصلاة، ثم اختلفوا فمنهم من حمله على كل الصلوات الخمس ومنهم من حمله على صلاتي الصبح والعصر فقال كانتا واجبتين في ابتداء الحال ثم زيد فيهما، ومنهم من حمله على التسبيح الذي هو تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله، واحتج عليه بأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا الوجه أظهر.

المسألة السابعة: الآصال جمل أُصُل والأصُل جميع أصيل وهو العشي وإنما وجد الغدو لأنه في الأصل مصدر لا يجمع والأصيل اسم جمع، قال صاحب الكشاف بالغدو أي بأوقات الغدو أي بالغدوات وقرئ ﴿ والإيصال ﴾ وهو الدخول في الأصيل يقال آصل كأعتم وأظهر، قال ابن عباس رحمهما الله إن صلاة الضحى لفي كتاب الله تعالى مذكورة وتلا هذه الآية وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه إلا وله عند الله نزل يعد له في الجنة» وفي رواية سهل بن سعد مرفوعًا: «من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيراً أو ليتعلمه كما كمثل المجاهد في سبيل الله يرجع غانماً».

المسألة الثامنة: اختلفوا في قوله تعالى: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة ﴾ فقال بعضهم نفى كونهم تجاراً وباعة أصلاً، وقال بعضهم بل أثبتهم تجاراً وباعة وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم عنها شاغل من ضروب منافع التجارات، وهذا قول الأكثرين، قال الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون، ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء فقاموا بالصلاة والزكاة، وعن سالم نظر إلى قوم من أهل السوق تركوا بياعاتهم وذهبوا إلى الصلاة فقال هم الذين قال تعالى فيهم: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة ﴾ ، وعن ابن مسعود مثله، واعلم أن هذا القول أولى من الأول، لأنه لا يقال إن فلاناً لا تلهيه التجارة عن كيت وكيت إلا وهو تاجر، وإن احتمل الوجه الأول وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: لما قال: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة ﴾ دخل فيه البيع فلم أعاد ذكر البيع؟

قلنا الجواب عنه من وجوه: الأول: أن التجارة جنس يدخل تحت أنواع الشراء والبيع إلا أنه سبحانه خص البيع بالذكر لأنه في الإلهاء أدخل، لأن الربح الحاصل في البيع يقين ناجز، والربح الحاصل في الشراء شك مستقبل الثاني: أن البيع يقتضي تبديل العرض بالنقد، والشراء بالعكس والرغبة في تحصيل النقد أكثر من العكس الثالث: قال الفراء: التجارة لأهل الجلب، يقال: اتجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده، والبيع ما باعه على يديه.

السؤال الثاني: لم خص الرجال بالذكر؟

والجواب: لأن النساء لسن من أهل التجارات أو الجماعات.

المسألة التاسعة: اختلفوا في المراد بذكر الله تعالى، فقال قوم: المراد الثناء على الله تعالى والدعوات، وقال آخرون: المراد الصلوات، فإن قيل فما معنى قوله: ﴿ وإقام الصلاة ﴾ ؟

قلنا عنه جوابان: أحدهما: قال ابن عباس رضي الله عنهما المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها والثاني: يجوز أن يكون قوله: ﴿ وإقام الصلاة ﴾ تفسيراً لذكر الله فهم يذكرون الله قبل الصلاة وفي الصلاة.

المسألة العاشرة: قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة (3) في قوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصلاة ﴾ أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها، والوجه في حذف الهاء ما قاله الزجاج، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواماً، ولكن قلبت الواو ألفاً فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي أقمت الصلاة إقاماً، فأدخلت الهاء عوضاً من المحذوف وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة، قال وهذا إجماع من النحويين.

المسألة الحادية عشرة: اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال هي الفرائض، ومنهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس، والأول أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه المعروف في الشرع المسمى بذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد من الزكاة طاعة الله تعالى والإخلاص، وكذا في قوله: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكواة  ﴾ وقوله: ﴿ مَا زكى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ  ﴾ وقوله: ﴿ تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا  ﴾ وهذا ضعيف لما تقدم ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من حقوق المال.

المسألة الثانية عشرة: أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر الله والطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال: ﴿ يخافون يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار ﴾ وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته.

واختلفوا في المراد بتقلب القلوب والأبصار على أقوال: فالقول الأول أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر  ﴾ الثاني: أنها تتغير أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تبصر، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن، ومن الظن إلى اليقين، ومن اليقين إلى المعاينة، لقوله: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ  ﴾ .

الثالث: أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعاً في النجابة وحذراً من الهلاك والأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم، أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال؟

ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم من قبل الشمائل؟

والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل، فإنهم قالوا إن أهل الثواب لا خوف عليهم ألبتة في ذلك اليوم، وأهل العقاب لا يرجون العفو، لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة الرابع: أن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر، والأبصار تصير زرقاً، قال الضحاك: يحشر الكافر وبصره حديد وتزرق عيناه ثم يعمى، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصاً حتى يقع في الحنجرة فهو قوله: ﴿ إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كاظمين  ﴾ .

الخامس: قال الجبائي المراد بتقلب القلوب والأبصار تغير هيئاتهما بسبب ما ينالها من العذاب، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ومرة بهيئة ما احترق، قال ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ .

المسألة الثالثة عشرة: قوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله ويثيبهم على أحسن ما عملوا، وفيه وجوه: الأول: المراد بالأحسن الحسنات أجمع، وهي الطاعات فرضها ونفلها، قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم.

الثاني: أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشراً إلى سبعمائة الثالث: قال القاضي: المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم وإنما يجزيهم الله تعالى بأحسن الأعمال، وهذا مستقيم على مذهبه في الإحباط والموازنة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال ولا يقتصر على قدر استحقاقهم بل يزيدهم من فضله على ما ذكره تعالى في سائر الآيات من التضعيف، فإن قيل فهذا يدل على أن لفعل الطاعة أثراً في استحقاق الثواب، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل وأنتم لا تقولون بذلك، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئاً، قلنا نحن نثبت الاستحقاق لكن بالوعد فذاك القدر هو المستحق والزائد عليه هو الفضل ثم قال: ﴿ والله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ نبه به على كمال قدرته وكمال جوده ونفاذ مشيئته وسعة إحسانه، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة، ومع ذلك يكونون في نهاية الخوف، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِى بُيُوتٍ ﴾ يتعلق بما قبله.

أي: كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد، كأنه قيل: مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت.

أو بما بعده، وهو يسبح، أي: يسبح له رجال في بيوت.

وفيها تكرير، كقولك: زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف كقوله: ﴿ في تسع آيات ﴾ [النمل: 27] أي سبحوا في بيوت.

والمراد بالإذن: الأمر.

ورفعها: بناؤها، كقوله: ﴿ بناها رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ [النازعات: 27- 28]، ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد ﴾ [البقرة: 127] وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي المساجد، أمر الله أن تبنى، أو تعظيمها والرفع من قدرها.

وعن الحسن رضي الله عنه: ما أمر الله أن ترفع بالبناء، ولكن بالتعظيم ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه ﴾ أوفق له، وهو عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: وأن يتلى فيها كتابه.

وقرئ: ﴿ يسبح ﴾ على البناء للمفعول، ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني: ﴿ لَهُ فِيهَا بالغدو ﴾ ، و ﴿ رِجَالٌ ﴾ مرفوع بما دلّ عليه ﴿ يُسَبّحُ ﴾ وهو يسبح له، وتسبح، بالتاء وكسر الباء.

وعن أبي جعفر رضي الله عنه بالتاء وفتح الباء.

ووجهها أن يسند إلى أوقات الغدوّ والآصال على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحة.

والمراد ربها، كصيد عليه يومان.

والمراد وحشهما.

والآصال: جمع أصل وهو العشي.

والمعنى: بأوقات الغدوّ، أي: بالغدوات.

وقرئ: ﴿ والإيصال ﴾ وهو الدخول في الأصيل.

يقال: آصل، كأظهر وأعتم.

التجارة: صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، فإما أن يريد: لا يشغلهم نوع من هذه الصناعة، ثم خصّ البيع لأنه في الإلهاء أدخل.

من قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكلية من صناعته: ألهته ما لا يلهيه شراء شيء يتوقع فيه الربح في الوقت الثاني، لأن هذا يقين وذاك مظنون، وإمّا أن يسمى الشراء تجارة، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع، كما تقول: رزق فلان تجارة رابحة، إذا اتجه له بيع صالح أو شراء.

وقيل: التجارة لأهل الجلب، اتجر فلان في كذا: إذا جلبه.

التاء في إقامة، عوض من العين الساقطة للإعلال، والأصل: ﴿ إقوام ﴾ فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض، فأسقطت، ونحوه: وِأَخْلَفُوكَ عِدَ الأمرِ الَّذِي وَعَدُوا وتقلب القلوب والأبصار: إما أن تتقلب وتتغير في أنفسها: وهو أن تضطرب من الهول والفزع وتشخص، كقوله: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ﴾ [الأحزاب: 10] .

وإما أن تتقلب أحوالها وتتغير فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه، وتبصر الأبصار بعد أن كانت عمياً لا تبصر ﴿ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي أحسن جزاء أعمالهم، كقوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى ﴾ [يونس: 26] والمعنى يسبحون ويخافون، ليجزيهم ثوابهم مضاعفاً ويزيدهم على الثواب تفضلاً.

وكذلك معنى قوله: ﴿ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26] المثوبة وزيادة عليها من التفضل.

وعطاء الله تعالى: إما تفضل وإما ثواب، وإما عوض ﴿ والله يَرْزُقُ ﴾ ما يتفضل به ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فأما الثواب فله حساب لكونه على حسب الاستحقاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ أيْ كَمِشْكاةٍ في بَعْضِ بُيُوتٍ، أوْ تُوقَدُ في بَعْضِ بُيُوتٍ فَيَكُونُ تَقْيِيدٌ لِلْمُمَثَّلِ بِهِ بِما يَكُونُ تَحْبِيرًا ومُبالَغَةً فِيهِ فَإنَّ قَنادِيلَ المَساجِدِ تَكُونُ أعْظَمَ، أوْ تَمْثِيلًا لِصَلاةِ المُؤْمِنِينَ أوْ أبْدانِهِمْ بِالمَساجِدِ، ولا يُنافِي جَمْعُ البُيُوتِ وحِدَّةَ المِشْكاةِ إذِ المُرادُ بِها ما لَهُ هَذا الوَصْفُ بِلا اعْتِبارِ وحْدَةٍ ولا كَثْرَةٍ أوْ بِما بَعْدَهُ وهو يُسَبِّحُ، وفِيها تَكْرِيرٌ مُؤَكَّدٌ لا بِيُذْكَرُ لِأنَّهُ مِن صِلَةِ أنْ لا فَلا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ مِثْلَ سَبَّحُوا في بُيُوتٍ، والمُرادُ بِها المَساجِدُ لِأنَّ الصِّفَةَ تُلائِمُها.

وقِيلَ المَساجِدُ الثَّلاثَةُ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.

﴿ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ﴾ بِالبِناءِ أوِ التَّعْظِيمِ.

﴿ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ عامٌّ فِيما يَتَضَمَّنُ ذِكْرُهُ حَتّى المُذاكَرَةِ في أفْعالِهِ والمُباحَثَةِ في أحْكامِهِ.

﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ يُنَزِّهُونَهُ أيْ يُصَلُّونَ لَهُ فِيها بِالغَدَواتِ والعَشِيّاتِ، والغُدُوُّ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ لِلْوَقْتِ ولِذَلِكَ حَسُنَ اقْتِرانُهُ بِالآصالِ وهو جَمْعُ أصِيلٍ، وقُرِئَ «والإيصالِ» وهو الدُّخُولُ في الأصِيلِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ «يُسَبَّحُ» بِالفَتْحِ عَلى إسْنادِهِ إلى أحَدِ الظُّرُوفِ الثَّلاثَةِ ورَفْعُ رِجالٍ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقُرِئَ ( تُسَبِّحُ ) بِالتّاءِ مَكْسُورًا لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ ومَفْتُوحًا عَلى إسْنادِهِ إلى أوْقاتِ الغُدُوِّ.

﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ﴾ لا تَشْغَلُهم مُعامَلَةٌ رابِحَةٌ.

﴿ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ مُبالَغَةٌ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ إنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المُعارِضَةِ، أوْ بِإفْرادِ ما هو الأهَمُّ مِن قِسْمَيِ التِّجارَةِ فَإنَّ الرِّبْحَ يَتَحَقَّقُ بِالبَيْعِ ويُتَوَقَّعُ بِالشِّراءِ، وقِيلَ المُرادُ بِالتِّجارَةِ الشِّراءُ فَإنَّهُ أصْلُها ومَبْدَؤُها، وقِيلَ الجَلْبُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيها ومِنهُ يُقالُ تَجَرَ في كَذا إذا جَلَبَهُ وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهم تُجّارٌ.

﴿ وَإقامِ الصَّلاةِ ﴾ عَوَّضَ فِيهِ الإضافَةَ مِنَ التّاءِ المُعَوِّضَةِ عَنِ العَيْنِ السّاقِطَةِ بِالإعْلالِ كَقَوْلِهِ: وأخْلَفُوكَ عِدَ الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا ﴿ وَإيتاءِ الزَّكاةِ ﴾ ما يَجِبُ إخْراجُهُ مِنَ المالِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ.

﴿ يَخافُونَ يَوْمًا ﴾ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الذِّكْرِ والطّاعَةِ.

﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ تَضْطَرِبُ وتَتَغَيَّرُ مِنَ الهَوْلِ، أوْ تَتَقَلَّبُ أحْوالُها فَتَفْقَهُ القُلُوبُ ما لَمْ تَكُنْ تَفْقَهُ وتُبْصِرُ الأبْصارُ ما لَمْ تَكُنْ تُبْصِرُ، أوْ تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ مَعَ تَوَقُّعِ النَّجاةِ وخَوْفِ الهَلاكِ والأبْصارِ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ ويُؤْتى كِتابُهم.

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُسَبِّحُ أوْ لا تُلْهِيهِمْ أوْ يَخافُونَ.

﴿ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ أحْسَنَ جَزاءِ ما عَمِلُوا المَوْعُودَ لَهم مِنَ الجَنَّةِ.

﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ أشْياءَ لَمْ يَعِدْهم بِها عَلى أعْمالِهِمْ ولَمْ تَخْطُرْ بِبالِهِمْ.

﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلزِّيادَةِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ ونَفاذِ المَشِيئَةِ وسِعَةِ الإحْسانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فِى بُيُوتٍ} يتعلق بمشكاة أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد كأنه قيل مثل نوره كما يرى فى المسجد له رجال فى بيوت وفيها تكرير فيه توكيد نحو زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف أي سبحوا في بيوت {أَذِنَ الله} أي أمر {أَن تُرْفَعَ} تبنى كقوله بناها رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَإِذْ يرفع إبراهيم القواعد أو تعظم من

الرفعة وعن الحسن ما أمر الله أن نرفع بالبناء ولكن بالتعظيم {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه} يتلى فيها كتابه أو هو عام في كل ذكر {يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال} أي يصلي له فيها بالغداة صلاة الفجر وبالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين وإنما وحد الغدو لأن صلاته صلاته صلاة واحدة وفي الآصال صلوات والآصال جمع أصل جمع أصيل وهو العشي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ رِجالٌ ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ مَن حَصَلَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ لِذَلِكَ النُّورِ وذَكَرَ بَعْضَ أعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةَ والقالَبِيَّةَ، فالجارُّ والمَجْرُورُ- أعْنِي مُتَعَلِّقَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ بِيُسَبِّحُ وفِيها تَكْرِيرٌ لِذَلِكَ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ والتَّذْكِيرِ بِما بَعُدَ في الجُمْلَةِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ دُونَ الحَصْرِ، ومِثْلُ ما ذَكَرَ في التَّكْرِيرِ لِلتَّأْكِيدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ وقَوْلُكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِهِ، وبَعْضُ النُّحاةِ أعْرَبَ نَحْوَ ذَلِكَ بَدَلًا كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وفي المُغْنِي هو مِن تَوْكِيدِ الحَرْفِ بِإعادَةِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مُضْمَرًا ولَيْسَ الجارَّ والمَجْرُورَ تَوْكِيدًا لِلْجارِّ والمَجْرُورِ لِأنَّ الظّاهِرَ لِكَوْنِهِ أقْوى لا يُؤَكَّدُ بِالضَّمِيرِ، ولَيْسَ المَجْرُورُ بَدَلًا بِإعادَةِ الجارِ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ مُضْمَرٌ مِن مَظْهَرٍ وإنَّما جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ قِياسًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ المَجْمُوعَ بَدَلٌ أوْ تَوْكِيدٌ، وأُتِيَ بِالظّاهِرِ هَرَبًا مِنَ التَّكْرارِ، ( ورِجالٌ ) فاعِلٌ ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَنِ الظُّرُوفِ لِأنَّ في وصْفِهِ نَوْعُ طُولٍ فَيُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِحُسْنِ الِانْتِظامِ وقالَ الرُّمّانِيُّ ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُوقَدُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمِشْكاةٍ، وقِيلَ هو صِفَةٌ لِمِصْباحٍ، وقِيلَ صِفَةٌ لِزُجاجَةٍ، وهو عَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ تَقْيِيدٌ لِلْمُمَثِّلِ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ، والتَّنْوِينُ في المَوْصُوفِ لِلنَّوْعِيَّةِ لا لِلْفَرْدِيَّةِ لِيُنافِيَ ذَلِكَ في جَمْعِ البُيُوتِ.

وأوْرَدَ عَلى ما ذَكَرَ أنَّ شَيْئًا مِنهُ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ كَيْفَ لا وأنَّ ما بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ﴾ عَلى ما هو الحَقُّ أوْ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ عَلى ما قِيلَ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ كَلامٌ مُتَعَلِّقٌ بِالمُمَثِّلِ قَطْعًا فَتَوْسِيطِهِ بَيْنَ أجْزاءِ التَّمْثِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن قُبَيْلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرَةِ ولِحائِهِ بِالأجْنَبِيِّ يُؤَدِّي إلى كَوْنِ ذِكْرِ حالِ المُنْتَفِعِينَ بِالتَّمْثِيلِ المَهْدِيِّينَ لِنُورِهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ والِاسْتِطْرادِ مَعَ كَوْنِ بَيانِ حالِ أضْدادِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ ومِثْلُ هَذا مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في كَلامِ النّاسِ فَضْلًا أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الكَلامَ المُعْجِزَ.

وتَعَقَّبَهُ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ زُخْرُفٌ مِنَ القَوْلِ إذْ لا فَصْلَ فِيهِ وما قَبْلَهُ إلى هُنا مِنَ المَثَلِ، والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّمْثِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ﴾ وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِسَبِّحُوا أوْ نَحْوِهِ مَحْذُوفًا، وتِلْكَ الجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى ما قَبْلِها وتَرْكُ الفاءِ لِلْعِلْمِ بِهِ كَما في نَحْوِ قُمْ يَدْعُوكَ، ومَنَعُوا تَعَلُّقَهُ بِيَذْكُرُ لِأنَّهُ مِن صِلَةِ أنْ فَلا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالبُيُوتِ المَساجِدُ كُلُّها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقَتادَةِ ومُجاهِدٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما هي أرْبَعُ مَساجِدَ لَمْ يَبْنِهُنَّ إلّا نَبِيٌّ، الكَعْبَةُ بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ عَلَيْهِما السَّلامُ ومَسْجِدُ المَدِينَةِ ومَسْجِدُ قَباءٍ بَناهُما رَسُولُ اللَّهِ  ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها بَيْتُ المَقْدِسِ والجَمْعُ مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ مَواضِعَ يَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ وبِرَيْدَةَ قالَ: ««قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  : هَذِهِ الآيَةَ ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ إلَخْ فَقامَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَجُلٌ فَقالَ: أيُّ بُيُوتٍ هَذِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ  : «بُيُوتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقامَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا البَيْتُ مِنها لَبَيْتُ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: نَعَمْ مِن أفاضِلِها»» وهَذا إنْ صَحَّ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّها مُطْلَقَةٌ تُصَدِّقُ عَلى المَساجِدِ والبُيُوتِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الصَّلاةُ والعِلْمُ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِها صَلاةُ المُؤْمِنِينَ أوْ أبْدانِهِمْ بِأنَّ تَشَبُّهَ صَلاتِهِمُ الجامِعَةُ لِلْعِباداتِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ أوْ أبْدانِهِمُ المُحِيطَةِ بِالأنْوارِ بِالبُيُوتِ المَذْكُورَةِ- أعْنِي المَساجِدَ- ثُمَّ يُسْتَعارُ اسْمُها لِذَلِكَ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا حُسْنَ فِيما ذَكَرَ وأظُنُّكَ لا تَكْتَفِي بِهَذا المِقْدارِ مِنَ الجُرْحِ، والمُرادُ بِالإذْنِ الأمْرُ وبِالرَّفْعِ التَّعْظِيمُ أيْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِتَعْظِيمِ قَدْرِها، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ ولا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِها المَساجِدُ فَتَعْظِيمُ قَدْرِها يَكُونُ بِأشْياءَ شَتًّى كَصِيانَتِها عَنْ دُخُولِ الجُنُبِ والحائِضِ والنُّفَساءِ ولَوْ عَلى وجْهِ العُبُورِ وقَدْ قالُوا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وإدْخالٍ بِحاسَّةٍ فِيها يَخافُ مِنها التَّلْوِيثُ ولِذا قالُوا: يَنْبَغِي لِمَن أرادَ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ أنْ يَتَعاهَدَ النَّعْلَ والخُفَّ عَنِ النَّجاسَةِ ثُمَّ يَدْخُلُ فِيهِ احْتِرازًا عَنْ تَلْوِيثِ المَسْجِدِ، ومَنعُ إدْخالِ المَيِّتِ فِيها ومَنعُ إدْخالِ الصِّبْيانِ والمَجانِينِ وهو حَرامٌ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسَهم وإلّا فَهو مَكْرُوهٌ، وقَدْ جاءَ الأمْرُ بِتَجْنِيبِهِمْ عَنِ المَساجِدِ مُطْلَقًا.

أخْرَجَ ابْنُ ماجَّةٍ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: «جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكم وشِراءَكم وبَيْعَكم وخُصُوماتِكم ورَفْعَ أصْواتِكم وإقامَةَ حُدُودِكم وسُلَّ سُيُوفِكم واتَّخِذُوا عَلى أبْوابِها المَطاهِرَ وجَمَرُوها في الجَمْعِ ومَنَعَ إنْشادَ الضّالَّةِ وإنْشادَ الأشْعارِ»، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مِندَهٍ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: ««مَن رَأيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْرًا في المَسْجِدِ فَقُولُوا فَضَّ اللَّهُ تَعالى فاكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ ومَن رَأيْتُمُوهُ يَنْشُدُ ضالَّةً في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا وجَدْتَها ثَلاثَ مَرّاتٍ»» الحَدِيثُ .

ويَنْبَغِي أنْ يُقَيَّدَ المَنعُ مِن إنْشادِ الشِّعْرِ بِما إذا كانَ فِيهِ شَيْءٌ مَذْمُومٌ كَهَجْوِ المُسْلِمِ وصِفَةِ الخَمْرِ وذِكْرِ النِّساءِ والمُرِدّانِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْمُومٌ شَرْعًا، وأمّا إذا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى مَدْحِ النُّبُوَّةِ والإسْلامِ أوْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةٍ أوْ باعِثًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ والزُّهْدِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الخَيْرِ فَلا بَأْسَ بِإنْشادِهِ فِيها، ومَنعُ إلْقاءِ القَمْلَةِ فِيهِ بَعْدَ قَتْلِها وهو مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، ويَنْدُبُ أنْ لا تُلْقى حَيَّةٌ في المَسْجِدِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««إذا وجَدَ أحَدُكُمُ القَمْلَةَ في المَسْجِدِ فَلْيَصِرْها في ثَوْبِهِ حَتّى يُخْرِجَها»» ومَنَعَ البَوْلَ فِيها ولَوْ في إناءٍ وقَدْ صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ، وفي الأشْباهِ وأمّا الفَصْدُ في المَسْجِدِ في إناءٍ فَلَمْ أرَهُ، ويَنْبَغِي أنْ لا فَرْقَ أيْ لِأنَّ كُلًّا مِنَ البَوْلِ والدَّمِ نَجِسٌ مُغَلَّظٌ، ومَنَعَ إلْقاءَ البُصاقِ فِيها.

وفِي البَدائِعِ يُكَرِّهُ التَّوَضِّي في المَسْجِدِ لِأنَّهُ مُسْتَقْذِرٌ طَبْعًا فَيَجِبُ تَنْزِيهُ المَسْجِدِ عَنْهُ كَما يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنِ المُخاطِ والبَلْغَمِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ««أنَّ النَّبِيَّ  رَأى في قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخامَةً فَقامَ إلَيْها فَحَكَّها بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ  ثُمَّ دَعا بِخَلُوقٍ فَلَطَّخَ مَكانَها»» فَقالَ الشَّعْبِيُّ: هو سُنَّةٌ، وذَكَرُوا أنَّ إلْقاءَ النُّخامِ فَوْقَ الحَصِيرِ أخَفُّ مِن وضْعِها تَحْتَهُ فَإنِ اضْطُرَّ إلَيْهِ دَفَنَها، وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ««التُّفْلُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وكَفّارَتُهُ أنْ يُوارِيَهُ»» ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا نَحْوَهُ، ومَنعُ الوَطْءِ فِيها وفَوْقَها كالتَّخَلِّي وصَرَّحُوا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ، ومَنعُ دُخُولِ مَن أكَلَ ذا رائِحَةٍ كَرِيهَةٍ فِيها كالثُّومِ والبَصَلِ والكُرّاثِ وأكْلِ الفِجْلِ إذا تَجَشَّأ كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ الرَّجُلُ في زَمانِ النَّبِيِّ  إذا وُجِدَ مِنهُ رِيحُ الثُّومِ يُؤْخَذُ بِيَدِهِ ويُخْرَجُ إلى البَقِيعِ، والظّاهِرِ أنَّ الأبْخَرَ أوْ مَن بِهِ صُنانٍ مُسْتَحْكِمٍ حُكْمُهُ حُكْمَ آكِلِ الثُّومِ والبَصَلِ، وكَذا حُكِمَ مِن رائِحَةِ ثِيابِهِ كَرِيهَةً كَثِيابِ الزَّيّاتِينَ والدَّبّاغِينَ، وعَنْ مالِكٍ أنَّ الزَّيّاتِينَ يَتَأخَّرُونَ ولا يَتَقَدَّمُونَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ ويَقْعُدُونَ في أُخْرَياتِ النّاسِ، ومُنِعَ الثُّومُ والأكْلُ فِيها لِغَيْرِ مُعْتَكِفٍ، ومُنِعَ الجُلُوسُ فِيها لِلْمُصِيبَةِ أوْ لِلتَّحَدُّثِ بِكَلامِ الدُّنْيا، ومُنِعَ اتِّخاذُها طَرِيقًا وهو مَكْرُوهٌ أوْ حَرامٌ، وقَدْ جاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ في حَدِيثٍ رَواهُ ابْنُ ماجَّةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ اتِّخاذَها طَرِيقًا مِن أشْراطِ السّاعَةِ وفي القِنْيَةِ مُعْتادُ ذَلِكَ يَأْثَمُ ويَفْسُقُ، نَعَمْ إنْ كانَ هُناكَ عُذْرٌ لَمْ يُكْرَهِ المُرُورُ، ومِن تَعْظِيمِها رَشُّها وقُمْها، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ المَسْجِدُ يَرُشُّ ويَقُمُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وأخْرَجَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَتْبَعُ غُبارَ المَسْجِدِ بِجَرِيدَةٍ» وكَذا تَعْلِيقُ القَنادِيلِ فِيها وفَرْشُها بِالآجِرِ والحَصِيرِ، وفي مِفْتاحِ السَّعادَةِ ولِأهْلِ المَسْجِدِ أنْ يَفْرِشُوا المَسْجِدَ بِالآجِرِ والحَصِيرِ ويُعَلِّقُوا القَنادِيلَ لَكِنَّ مَن مالَ أنْفُسُهم لا مَن مالَ المَسْجِدُ إلّا بِأمْرِ الحاكِمِ، ولَعَلَّ مَحَلُّ ذَلِكَ ما لَمْ يُعَيَّنِ الواقِفُ شَيْئًا مِن رَيْعِ الوَقْفِ لِذَلِكَ، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إيقادُ القَنادِيلِ الكَثِيرَةِ فِيها في لَيالٍ مَعْرُوفَةٍ مِنَ السَّنَةِ كَلَيْلَةِ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ المُوجِبِ لِاجْتِماعِ الصِّبْيانِ وأهْلِ البِطالَةِ ولَعِبِهِمْ ورَفْعِ أصْواتِهِمْ وامْتِهانِهِمْ بِالمَساجِدِ بِدْعَةً مُنْكَرَةً، وكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فَرْشُها بِالقَطائِفِ المَنقُوشَةِ الَّتِي تُشَوِّشُ عَلى المَصْلَيْنِ وتُذْهِبُ خُشُوعَهم كَذَلِكَ، ومِنَ التَّعْظِيمِ أيْضًا تَقْدِيمُ الرِّجْلِ اليُمْنى عِنْدَ دُخُولِها واليُسْرى عِنْدَ الخُرُوجِ مِنها، وصَلاةُ الدّاخِلِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الجُلُوسِ إذا كانَ دُخُولُهُ لِغَيْرِ الصَّلاةِ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي قَتادَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: ««أعْطُوا المَساجِدَ حَقَّها: قِيلَ وما حَقُّها؟

قالَ: رَكْعَتانِ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ»» ومِن ذَلِكَ أيْضًا بِناؤُها رَفِيعَةً عالِيَةً لا كَسائِرَ البُيُوتِ لَكِنْ لا يَنْبَغِي تَزْيِينُها بِما يُشَوِّشُ عَلى المَصْلَيْنِ، وفي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَّةٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ مَرْفُوعًا «أنَّها لا تُبْنى بِالتَّصاوِيرِ ولا تُزَيَّنُ بِالقَوارِيرِ».

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرَّفْعَ بِبِنائِها رَفِيعَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ  ﴾ والأوْلى عِنْدِي تَفْسِيرُهُ بِما سَبَقَ وجَعْلُ بِنائِها كَذَلِكَ داخِلًا في العُمُومِ ويَدْخُلُ فِيهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا وقَدْ ذَكَرَها الفُقَهاءُ وأطالُوا الكَلامَ فِيها.

زَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ إسْنادَ الرَّفْعِ إلَيْها مَجازٌ، والمُرادُ تَرْفَعُ الحَوائِجَ فِيها إلى اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: تَرْفَعُ الأصْواتَ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيها، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الآمِرِ بِالإذْنِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ اللّائِقَ بِحالِ المَأْمُورِ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى المَأْمُورِ بِهِ قَبْلَ الآمِرِ بِهِ ناوِيًا لِتَحْقِيقِهِ كَأنَّهُ مُسْتَأْذِنٌ في ذَلِكَ فَيَقَعُ الأمْرُ بِهِ مَوْقِعَ الأمْرِ فِيهِ، والمُرادُ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى شَأْنُهُ ما يَعُمُّ جَمِيعَ أذْكارِهِ تَعالى، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ المَباحِثِ العِلْمِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المُرادُ بِهِ تَوْحِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ وهو قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهَ، وعَنْهُ أيْضًا المُرادُ تِلاوَةُ كِتابِهِ سُبْحانَهُ.

وقِيلَ: ذِكْرُ أسْمائِهِ تَعالى الحَسَنى.

والظّاهِرُ ما قَدَّمَنا، وعَطَفَ الذِّكْرَ عَلى الرَّفْعِ مِن قُبَيْلِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ فَإنَّ ذِكْرَ اسْمِهِ تَعالى فِيها مِن أنْواعِ تَعْظِيمِها، ولَيْسَ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ في شَيْءٍ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ، والتَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ والتَّقْدِيسُ ويُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ وبِدُونِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى  ﴾ والمُرادُ بِهِ إمّا ظاهِرُهُ أوِ الصَّلاةُ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كُلُّ تَسْبِيحٍ في القُرْآنِ صَلاةٌ، وأيَّدَ إرادَةَ الصَّلاةِ هُنا تَعْيِينُ الأوْقاتِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ والغُدُوُّ جَمْعُ غَداةٍ كَفَتًى وفَتاةٍ أوْ مَصْدَرِ أطْلَقَ عَلى الوَقْتِ الغُدُوُّ، وأيَّدَ بِأنَّ أبا مُجَلَّزٍ قَرَأ «والإيصالُ» مَصْدَرًا أيِ الدُّخُولِ في وقْتِ الأصِيلِ، ( والآصالِ ) كَما قالَ الجَوْهَرِيُّ جَمْعُ أصِيلٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، واخْتارَهُ جَماعَةٌ مَعَ أنَّ جَمْعَ فَعِيلٍ عَلى أفْعالٍ لَيْسَ بِقِياسِيٍّ.

واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ أصْلٍ كَعُنُقِ وأعْناقِ والأصْلُ كالأصِيلِ العَشِيُّ وهو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ فَيَشْمَلُ الأوْقاتِ ماعَدا الغَداةُ وهي مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى الزَّوالِ ويُطْلَقانِ عَلى أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وإفْرادُهُما بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِما وكَوْنِهِما أشْهَرُ ما يَقَعُ فِيهِ المُباشِرَةُ لِلْأعْمالِ والِاشْتِغالُ بِالأشْغالِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَمَلَ الغَداةَ عَلى وقْتِ الضُّحى وهو مُقْتَضى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: «إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي القُرْآنِ وما يَغُوصُ عَلَيْها الأغْواصُ وتَلا الآيَةَ حَتّى بَلَغَ الآصالَ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ والبُحْتُرِيُّ عَنْ حَفْصٍ ومَحْبُوبٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو والمُنْهالُ عَنْ يَعْقُوبَ والمُفَضَّلِ وأبانَ «يُسَبِّحُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ والبَنّاءُ لِلْمَفْعُولِ ونائِبُ الفاعِلِ ﴿ لَهُ ﴾ أوْ ﴿ فِيها ﴾ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ بِهِ أوْ ﴿ بِالغُدُوِّ ﴾ والأوَّلِيَّةُ لِلْأوَّلِ لِأنَّهُ ولِي الفِعْلُ والإسْنادُ إلَيْهِ حَقِيقِيٌّ دُونَ الأخِيرَيْنِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ فِيما ذَكَرَ نائِبَ الفاعِلِ والجارُ فِيهِ زائِدًا، وفِيهِ ارْتِكابٌ لِما لا داعِيَ إلَيْهِ، ورَفْعُ «رِجالٍ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما في البَحْرِ أيْ يُسَبِّحُ لَهُ أوِ المَسْبَحِ لَهُ رِجالٌ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ.

وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ: لِيَبْكِ يَزِيدُ ضارَعَ لِخُصُومَةٍ مُتَخَبِّطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وهُوَ قِياسِيٌّ عِنْدَ الكَثِيرِ فَيَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يُقالَ: ضَرَبَتْ هِنْدٌ زَيْدٌ بِتَقْدِيرِ ضَرْبِها أوْ ضارِبُها زِيدٌ.

ولَيْسَ هَذا كَذِكْرِ الفاعِلِ تَمْيِيزًا بَعْدَ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ نَحْوُ ضَرْبُ أخُوكِ رَجُلًا المُصَرَّحُ بِعَدَمِ جَوازِهِ ابْنُ هِشامٍ في البابِ الخامِسِ مِنَ المُغْنِي وإنْ أوْهَمَتِ العِلَّةُ أنَّهُ مِثْلُهُ فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ وثّابٍ «تُسَبِّحُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبَنّاءِ لِلْفاعِلِ وهو «رِجالٌ» والتَّأْنِيثُ لِأنَّ جَمْعَ التَّكْثِيرِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ «تَسْبِيحٌ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبَنّاءِ لِلْمَفْعُولِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ والإسْنادُ مَجازِيٌّ بِجَعْلِ الأوْقاتِ المُسَبِّحِ فِيها رَبُّها مِسْبَحَةٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ إلى ضَمِيرِ التَّسْبِيحَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ «تُسَبِّحُ» أيْ تُسَبِّحُ هي أيِ التَّسْبِيحَةَ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ قَوْمًا  ﴾ عَلى قِراءَةِ مَن بَنى يَجْزِي لِلْمَفْعُولِ أيْ لِيَجْزِيَ هو أيِ الجَزاءِ.

قالَ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: وهَذا أوْلى مِنَ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ إذْ لَيْسَ هُنا مَفْعُولٌ صَرِيحٌ.

وضَعَّفَهُ بَعْضُهم هُنا بِأنَّ الوَحْدَةَ لا تُناسِبُ المَقامَ، وأُجِيبَ بِالتِزامِ كَوْنِ الوَحْدَةِ جِنْسِيَّةً.

وأيًّا ما كانَ فَرَفْعُ «رِجالٍ» عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أوِ الخَبَرِيَّةِ كَما سَمِعْتَ آنِفًا.

والتَّنْوِينُ فِيهِ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ لِلتَّفْخِيمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ تَبَتُّلِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ كائِنًا ما كانَ.

وتَخْصِيصُ الرِّجالِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ الأحِقّاءُ بِالمَساجِدِ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ««خَيْرُ مَساجِدِ النِّساءِ قَعْرُ بِيُوتِهِنَّ»» وتَخْصِيصُ التِّجارَةِ الَّتِي هي المُعاوَضَةُ مُطْلَقًا بِذَلِكَ لِكَوْنِها أقْوى الصَّوارِفِ عِنْدَهم وأشْهَرَها أيْ لا يَشْغَلُهم نَوْعٌ مِن أنْواعِ التِّجارَةِ ﴿ ولا بَيْعٌ ﴾ أيْ ولا فَرْدَ مِن أفْرادِ البِياعاتِ وإنْ كانَ في غايَةِ الرِّيحِ.

وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ التِّجارَةِ لِلْإيذانِ بِإنافَتِهِ عَلى سائِرِ أنْواعِها لِأنَّ رِبْحَهُ مُتَيَقِّنٌ ناجِزٌ ورِبْحُ ما عَداهُ مُتَوَقَّعٌ في ثانِي الحالِ عِنْدَ البَيْعِ فَلَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ إلْهاءِ ما عَداهُ نَفْيَ إلْهائِهِ ولِذَلِكَ كَرَّرَ كَلِمَةً لا لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتِّجارَةِ المُعاوَضَةِ الرّابِحَةِ بِالبَيْعِ المُعاوَضَةَ مُطْلَقًا فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدَها مِن بابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِلْمُبالَغَةِ، ونُقِلَ عَنِ الواقِدِيِّ أنَّ المُرادَ بِالتِّجارَةِ هو الشِّراءُ لِأنَّهُ أصْلُها ومَبْدَؤُها فَلا تَخْصِيصَ ولا تَعْمِيمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتِّجارَةِ الجَلْبُ لِأنَّهُ الغالِبُ فِيها فَهو لازِمٌ لَها عادَةً.

ومِنهُ يُقالُ: تَجُرُّ في كَذا أيْ جَلْبِهِ.

ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ في هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ: «هُمُ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى».

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وفي ذَلِكَ أيْضًا ما يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا تُجّارًا وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ لِأنَّهُ لا يُقالُ فُلانٌ لا تُلْهِيهِ التِّجارَةُ إلّا إذا كانَ تاجِرًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ كانُوا تُجّارًا فَلَمْ تَكُنْ تِجارَتُهم ولا بَيْعُهم يُلْهِيهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَكُونُوا تُجّارًا والنَّفْيُ راجِعٌ لِلْقَيْدِ والمُقَيَّدِ كَما في قَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تِجارَةَ لَهم ولا بَيْعَ فَيُلْهِيهِمْ فَإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن فَرَغَ عَنِ الدُّنْيا كَأهْلِ الصُّفَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ عَلى الأوَّلِ المُؤَيِّدِ بِما سَمِعْتَ أمْدَحُ ولَمْ نَجِدْ لِنُزُولِها فِيمَن فَرَغَ عَنِ الدُّنْيا سَنَدًا قَوِيًّا أوْ ضَعِيفًا ولا يُكْتَفى في هَذا البابِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمالِ ﴿ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ ونَحْوَهُما ﴿ وإقامِ الصَّلاةِ ﴾ أيْ إقامَتِها لِمَواقِيتِها مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ.

والأصْلُ أقْوامُ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ لِما قَبْلِها فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتْ فَقِيلَ: إقامُ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَ لِاجْتِماعِ ألِفَيْنِ.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لا داعِيَ إلى قَلْبِها ألِفا مَعَ فَقْدِ شَرْطِهِ وهو أنْ لا يَسْكُنَ ما بَعْدَها.

وأوْجَبَ الفِراءُ لِجَوازِ هَذا الحَذْفِ تَعْوِيضَ التّاءِ فَيُقالُ: إقامَةٌ أوِ الإضافَةُ كَما هُنا.

وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: إنَّ الخَلِيطَ أجْدَوُا البَيْنَ وانْجَرَدُوا ∗∗∗ وأخْلَفُوكَ عَدا الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا فَإنَّهُ أرادَ عِدَّةَ الأمْرِ.

وتَأوَّلَ خالِدُ بْنُ كُلْثُومٍ ما في البَيْتِ عَلى أنَّ عَدا جَمْعُ عَدْوَةٍ بِمَعْنى ناحِيَةٍ كَأنَّ الشّاعِرَ أرادَ نَواحِيَ الأمْرِ وجَوانِبَهُ.

ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ جَوازُ الحَذْفِ مِن غَيْرِ تَعْوِيضِ التّاءِ أوِ الإضافَةِ ﴿ وإيتاءِ الزَّكاةِ ﴾ أيِ المالِ الَّذِي فُرِضَ إخْراجُهُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

ويَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِ الزَّكاةِ بِذَلِكَ دُونَ الفِعْلِ ظاهِرُ إضافَةِ الإيتاءِ إلَيْها.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ إيتاءِ الزَّكاةِ بِإخْلاصِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ بُعْدٌ كَما تَرى، وإيرادُ هَذا الفِعْلِ هاهُنا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُفْعَلُ في البُيُوتِ لِكَوْنِهِ قَرِينَةً لا تُفارِقُ إقامَةَ الصَّلاةِ في عامَّةِ المَواضِعِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَحاسِنَ أعْمالِهِمْ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما يَقَعُ في المَساجِدِ.

وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخافُونَ ﴾ إلى آخِرِهِ فَإنَّهُ صِفَةٌ أُخْرى لِرِجالٍ أوْ حالٍ مِن مَفْعُولٍ ﴿ لا تُلْهِيهِمْ ﴾ أوِ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ لِلتَّعْلِيلِ.

وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ خَوْفُهم مَقْصُورًا عَلى كَوْنِهِمْ في المَساجِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمًا ﴾ مَفْعُولٌ لِيَخافُونِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عِقابِ يَوْمٍ وهو لَهُ أوْ بِدُونِهِ وجَعَلَهُ ظَرْفًا لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ بَعِيدٍ.

وأمّا جَعْلُهُ ظَرْفًا لِيَخافُونَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا إذِ المُرادُ أنَّهم يَخافُونَ في الدُّنْيا يَوْمًا ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ لا أنَّهم يَخافُونَ شَيْئًا في ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ تَتَقَلَّبُ فِيهِ إلَخْ، والمُرادُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ومَعْنى تَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ فِيهِ اضْطِرابُها وتَغَيُّرُها أنْفُسُها فِيهِ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ  ﴾ أوْ تَغَيُّرُ أحْوالِها بِأنَّ تَفَقُّهَ القُلُوبِ ما لَمْ تَكُنْ تَفْقَهُ وتُبْصِرُ الأبْصارُ ما لَمْ تَكُنْ تُبْصِرُ أوْ بِأنْ تَتَوَقَّعَ القُلُوبُ النَّجاةَ تارَةً وتَخافَ الهَلاكَ أُخْرى وتَنْظُرَ الأبْصارُ يَمِينًا تارَةً وشِمالًا أُخْرى لِما أنَّ أغْلَبَ أهْلِ الجَمْعِ لا يَدْرُونَ مِن أيِّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ ولا مِن أيِّ وُجْهَةٍ يُؤْتُونَ كُتُبُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ تَقَلُّبٌ فِيهِ القُلُوبِ والأبْصارِ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الجِبائِيِّ: إنَّ المُرادَ تَنْتَقِلُ مِن حالٍ إلى حالٍ فَتَلْفَحُها النّارُ ثُمَّ تُنْضِجُها ثُمَّ تَحْرِقُها، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «تَنْقَلِبُ» بِإسْكانِ التّاءِ الثّانِيَةِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، يعني: ما ذكر من القنديل المضيء هو في المساجد.

ثم وصف المساجد، ويقال: هذا ابتداء القصة، وفيه معنى التقديم، يعني: أذن الله أن ترفع البيوت وهي المساجد أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، يعني: تبنى وتعظم، وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يعني: توحيده.

ويقال: بالأذان والإقامة.

يُسَبِّحُ لَهُ فيها، يعني: يصلي لله في المساجد بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، يعني: عند الغداة والعشي.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يُسَبِّحُ بنصب الباء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

ثم قال عز وجل: رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ يعني: هم رجال، وقرأ الباقون يُسَبّحُ بكسر الباء، ويكون الفعل للرجال، يعني: يسبح فيها رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ، يعني: لا يشغلهم البيع والشراء عَن ذِكْرِ الله، يعني: عن طاعة الله، وَعَنِ مواقيت الصلاة.

وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ، يعني: عن إتمام الصلاة.

قال بعضهم: نزلت الآية في أصحاب الصفة وأمثالهم الذين تركوا التجارة ولزموا المسجد، وقال بعضهم: هم الذين يتجرون ولا تشغلهم تجارة عن الصلوات في مواقيتها، وهذا أشبه، لأنه قال: وَإِيتاءِ الزَّكاةِ، وأصحاب الصفة وأمثالهم لم يكن عليهم الزكاة، وقال الحسن: رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ.

أما أنهم كانوا يتجرون، ولم تكن تشغلهم تجارة عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.

وروي عن ابن مسعود: «أنه رأى قوماً من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا بياعاتهم، وقاموا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء من الذين» لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

ثم قال: يَخافُونَ يَوْماً يعني: من اليوم الذي تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ يعني: يتردد فيه القلوب والأبصار في الصدر، إن كان كافراً فإنه يبلغ الحناجر من الخوف، وإن كان تقيّاً مؤمناً تقول الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 103] فيتبيّن ما في قلبه في البصر، وإن كان حزناً فحزن، وإن كان سروراً فسرور، ويقال: تَتَقَلَّبُ يعني: تتحول حالاً بعد حال، مرة يعرفون ومرة لا يعرفون، ويقال: تنقلب يعني: تتحول عما كانت عليه في الدنيا من الشك حين رأى بالمعاينة، فيتحول قلبه وبصره من الشك إلى اليقين.

ثم قال عز وجل: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا يعني: يجزيهم بإحسانهم، ويقال: يجزيهم أحسن وأفضل من أعمالهم وهو الجنة، ويقال: ويجزيهم أكثر من أعمالهم بكل حسنة عشرةً وأضعافاً مضاعفة، ويقال: يجزيه ويغفر له بأحسن أعماله ويبقى سائر أعماله فضلاً.

ثم قال: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي يرزقهم من عطائه وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي يرزقه ولا يحاسبه، ويقال: يرزقه رزقاً لا يدرك حسابه، ويقال: ليس أحد يحاسبه فيما يُعطي، ويقال: بِغَيْرِ حِسابٍ أي من غير حساب، أي من حيث لا يحتسب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً راجع إلى الفتيات وذلك أَنَّ الفتاةَ إذا أَرادت التَّحَصُّنَ فحينئذ يمكن ويُتَصَوَّرُ أَنْ يكونَ السيد مُكْرِهاً، ويمكن أن ينهى عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصنَ فلا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ للسيد: لا تُكْرِهها: لأَنَّ الإكراه لا يُتَصوَّرُ فيها وهي مريدة للفساد، فهذا أمر في سادة وفتياتٍ حالُهم هذه، وذهب هذا النظرُ عن كثير من المفسرين/: فقال بعضُهم: قولُه: إِنْ أَرَدْنَ راجِعٌ إلى الأيامى في قوله: وَأَنْكِحُوا ٣٨ ب الْأَيامى مِنْكُمْ، وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: إِنْ أَرَدْنَ مَلْغِيٌّ ونحو هذا مِمَّا هو ضعيف، والله الموفق للصواب برحمته.

قلت: وما اختاره ع «١» هو الذي عَوَّلَ عليه ابن العرَبيِّ «٢» وَنَصَّهُ، وإنما ذكر الله تعالى إِرادة التَّحَصّنِ من المرأة لأَنَّ ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأَمَّا إذا كانت هي راغبةً في الزنا، لم يتحصل الإكراه فحصلوه إنْ شاء الله، انتهى من «الأحكام» وقرأ ابن مسعود «٣» وغيره: «فَإنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ [لهُنَّ] «٤» غَفُورٌ رَحِيمٌ» ثم عَدَّد سبحانه نِعَمَهُ على المؤمنين في قوله: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ليقع التحفظ ممّا وقع أولئك فيه.

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)

وقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية: النور في كلام العرب الأضواء المُدْرَكَةُ بالبصر، ويُسْتَعْمَلُ مجازاً فيما صَحَّ من المعاني ولاح فيقال: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير، والله تعالى ليس كمثله شيء فواضح أَنَّهُ ليس من الأضواء المُدْرَكَةِ، ولم يبقَ إلاَّ أَنَّ المعنى مُنَوِّرُ السموات والأرض، أي: به وبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، كما تقول: الملك نور الأمة، أي: به قِوام أمورها وصلاحُ جملتها، والأمر في الملك مجاز، وهو في صفة الله تعالى حقيقة مَحْضَةٌ، وقرأ «١» أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: «الله نَوَّرَ» - بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء- والضمير في نُورِهِ يعود على الله تعالى قاله جماعة، وهو إضافة خلق إلى خالق، كما تقول: ناقة الله، وبيت الله، ثم اختلفوا في المراد بهذا النور، فقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلّم، وقيل: هو المؤمن، وقيل: هو الإيمان والقرآن، وفي قراءة أبيّ بن كعب: «مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِينَ» والمشكاة: هي الكُوَّةُ غير النافذة فيها القنديل ونحوه، وهذه الأقوال الثلاثة يطّرد فيها مقابلة جزء من المثال بجزء من المُمَثَّلِ، فعلى قول من قال: الممثّل محمد صلى الله عليه وسلّم- وهو قول كعب الأحبار- فرسول الله صلى الله عليه وسلّم هو المشكاة أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يَتَّصِلُ بها من علمه وهداه، والزجاجة: قلبه، والشجرة المباركة: هي الوحي، والزيت: هو الحجج والبراهين.

وعلى قول مَنْ قال: إنَّ المُمَثَّلَ به هو المؤمن- وهو قول أُبَيِّ بن كعب «٢» -، فالمشكاة صدره، والمصباح: الإيمان والعلم، والزجاجة: قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها: هو الحجج، والحكمة التي تضمنها قولُ أُبَيٍّ فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي في قبور الأموات، وتحتمل الآية معنى آخر، وهو أَنْ يريدَ: مَثَلُ نورِ الله الذي هو هداه في الوضوح كهذه الجملة من النور، الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور، الذي هو بين أيديكم أَيُّها البشر وقال أبو موسى:

المشكاة: الحديدة أو الرَّصَاصَةُ التي يكون فيها القنديل في جوف الزجاجة، والأوّل أصحّ.

وقوله: فِي زُجاجَةٍ لأَنَّه جسم شَفَّافٌ، المصباحُ فيه أنور منه في غير الزجاجة، والمصباح: الفتيل بناره.

وقوله: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي/ في الإنارة والضوء، وذلك يحتمل معنيين: إمَّا أن ٣٩ أيريد أَنَّها بالمصباح كذلك، وإمَّا أَنْ يريد أَنَّها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها، وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور قال الضَّحَّاكُ: الكوكب الدُّرِّيُّ: الزهرة «١» .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «٢» : «تَوَقَّدَ» - بفتح التاء والدال-، والمراد: المصباح، وقرأ نافع وغيره: «يُوقَدُ» أي: المصباح.

وقوله: مِنْ شَجَرَةٍ أي من زيت شجرة، والمباركة: المُنَمَّاةُ.

وقوله تعالى: لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ قال الحسن «٣» : أي: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنَّما هو مَثَلٌ ضربه الله تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إمَّا شرقِيَّةً وإمَّا غربِيَّةً، وقيل غيرُ هذا.

وقوله سبحانه: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ...

الآية مبالغة في صفة صفاته وحُسْنِهِ.

وقوله: نُورٌ عَلى نُورٍ أي: هذه كلها ومعان تكامل بها هذا النورُ المُمَثَّلُ به، وفي هذا الموضع تمّ المثالُ، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ قال ابن عباس وغيره»

: هي المساجد المخصوصةُ بعبادة الله التي من عادتها أنْ تُنَوَّرَ بهذا النوع من المصابيح.

وقوله:

أَذِنَ اللَّهُ: بمعنى: أمر وقضى، وتُرْفَعَ قيل: معناه تُبْنَى وتُعَلَّى قاله مجاهد «٥» وغيره كقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ...

[البقرة: ١٢٧] .

وقال الحسن «١» : معناه تُعظَّم ويُرْفَعُ شأنها، وذكر اسمه تعالى هو بالصلاة والعبادة قولاً وفعلاً، ويُسَبِّحُ لَهُ فِيها أي: في المساجد، بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ قال ابن عباس «٢» :

أراد ركعتي الضُّحَى.

[والعصر، وإنَّ ركعتي الضحى] «٣» لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلاَّ غَوَّاصٌ ثم وصف تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمرَ الله تعالى وطلبهم رضاه، لا يشغلهم عن الصلاة وذكرِ الله شيءٌ من أمور الدنيا.

قلت: وعن عمر- رضي الله عنه- أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحَدٍ، يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، ويُسْمعُهُمُ الدَّاعِي، فَيْنَادِي مُنَادٍ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ لَمِنَ الْكَرَمُ اليَوْمَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السجدة: ١٦] ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُواْ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إلى آخر الآية، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الجَمْعِ لَمِنِ الكَرَمُ اليَوْمَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ رَبَّهمْ؟» مختصراً «٤» رواه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» وله طرق عن أَبي إسحاقَ، انتهى من «السلاح» ، ورواه أيضاً ابن المبارك من طريق ابن عباس قال: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نادى مُنَادٍ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ منْ أَصْحَابُ الكَرَم، لِيَقُمْ الحَامِدُونَ لِلَّهِ تعالى على كُلِّ حَالٍ، فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلَى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي ثَانِيَةً: سَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ جُنُوبُهُمْ تتجافى عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ قَالَ: فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلى الجنَّة، ثُمَّ يُنَادِي ثَالِثَةً: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ لِيَقُمَ الَّذِينَ كَانَتْ: لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ

فيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلى الجَنَّة» .

انتهى من «التذكرة» .

والزكاة هنا عند ابن عباس: الطاعة للَّه «٥» .

وقال الحسن «٦» : هي الزكاةُ المفروضة في المال، واليوم المخوف: هو يوم القيامة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " في " مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ كَمِشْكاةٍ ﴾ ، فالمَعْنى: كَمِشْكاةٍ في بُيُوتٍ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها ﴾ فَتَكُونَ فِيها تَكْرِيرًا عَلى التَّوْكِيدِ؛ والمَعْنى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ رِجالٌ في بُيُوتٍ.

فَإنْ قِيلَ: المِشْكاةُ إنَّما تَكُونُ في بَيْتٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الخِطابِ المُتَلَوِّنِ الَّذِي يُفْتَحُ بِالتَّوْحِيدِ ويُخْتَمُ بِالجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ البُيُوتِ، فالمَعْنى: في كُلِّ بَيْتٍ مِشْكاةٌ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالبُيُوتِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: بُيُوتُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ الحَسَنُ.

فَأمّا ﴿ أذِنَ ﴾ فَمَعَناهُ: أمَرَ.

وفي مَعْنى ﴿ أنْ تُرْفَعَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُعَظَّمَ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنْ تُبْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: تَوْحِيدُهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُتْلى فِيها كِتابُهُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يُسَبِّحُ " بِكَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِها.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وأبُو حَيَوَةَ: " تُسَبِّحُ " بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الباءِ ورَفْعِ الحاءِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ.

ثُمَّ في صَلاةِ الغُدُوِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ الفَجْرِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: صَلاةُ الضُّحى، رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي كِتابِ اللَّهِ، وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ .

وفي صَلاةِ الآصالِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ ﴾ أيْ لا تُشْغِلُهم ﴿ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: التُّجّارُ: الجَلّابُونَ، والباعَةُ: المُقِيمُونَ.

وقالَ الواقِدَيُّ: التِّجارَةُ ها هُنا بِمَعْنى الشِّراءِ.

وَفِي المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.

ورَوى سالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ في السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم ودَخَلُوا المَسْجِدَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ .

والثّانِي: عَنِ القِيامِ بِحَقِّ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإقامِ الصَّلاةِ ﴾ أيْ: أدائِها لِوَقْتِها وإتْمامِها.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ الصَّلاةَ، فَما مَعْنى إعادَتِها؟

فالجَوابُ: أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم يُقِيمُونَها بِأدائِها في وقْتِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ في مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَن كانَ قَلْبُهُ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، ازْدادَ بَصِيرَةً بِرُؤْيَةِ ما وُعِدَ بِهِ؛ ومَن كانَ قَلْبُهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، رَأى ما يُوقِنُ مَعَهُ بِأمْرِ القِيامَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ القُلُوبَ تَتَقَلَّبُ بَيْنَ الطَّمَعِ في النَّجاةِ والخَوْفِ مِنَ الهَلاكِ، والأبْصارَ تَتَقَلَّبُ، تَنْظُرُ مِن أيْنَ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم، أمِن قِبَلِ اليَمِينِ، أمْ مِن قَبْلِ الشِّمالِ؟

وأيُّ ناحِيَةٍ يُؤْخَذُ بِهِمْ، أذاتَ اليَمِينِ أمْ ذاتَ الشِّمالِ؟

قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: تَتَقَلَّبُ القُلُوبُ فَتَبْلُغُ إلى الحَناجِرِ، وتَتَقَلَّبُ الأبْصارُ إلى الزَّرَقِ بَعْدَ الكَحَلِ والعَمى بَعْدَ النَّظَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ﴾ المَعْنى: يُسَبِّحُونَ اللَّهَ لِيَجْزِيَهم ﴿ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ أيْ: لِيَجْزِيَهم بِحَسَناتِهِمْ.

فَأمّا مَساوِئُهم فَلا يَجْزِيهِمْ بِها ﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ ما لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِأعْمالِهِمْ ﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ: ٢٧) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عن ذِكْرِ اللهِ وإقامِ الصَلاةِ وإيتاءِ الزَكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ الباءُ في "بُيُوتٍ" تَضُمْ وتُكْسَرُ، واخْتُلِفَ في الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فِي" فَقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "مِصْباحٌ"، قالَ أبُو حاتِمْ: وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُسَبِّحُ" المُتَأخِّرُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُوقِفُ عَلى "عَلِيمٌ"، قالَ الرُمّانِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "يُوقَدُ".

واخْتَلَفَ الناسُ في البُيُوتِ الَّتِي أرادَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والحُسْنُ، ومُجاهِدٌ: هي المَساجِدُ المَخْصُوصَةُ لِلَّهِ تَعالى الَّتِي مِن عادَتِها أنَّ تُنَوَّرَ بِذَلِكَ النَوْعِ مِنَ المَصابِيحِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أرادَ / بَيْتَ المَقْدِسِ، وسَمّاهُ بُيُوتًا مِن حَيْثُ فِيهِ مَواضِعُ يَتَحَيَّزُ بَعْضُها عن بَعْضٍ، ويُؤْثَرُ أنَّ عادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ في وقِيدِ بَيْتِ المَقْدِسِ كانَتْ غايَةً في التَهَمُّمْ بِهِ، وكانَ الزَيْتُ مُنْتَخَبًا مَخْتُومًا عَلى ظُرُوفِهِ، قَدْ صُنِعَ صَنْعَةً وقَدِّسَ حَتّى لا يَجْزِيَ الوَقِيدُ بِغَيْرِهِ، فَكانَ أضْوَأ بُيُوتِ الأرْضِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: أرادَ بُيُوتَ الإيمانِ عَلى الإطْلاقِ، مَساجِدَ ومَساكِنَ، فَهي الَّتِي يَسْتَصْبِحُ فِيها بِاللَيْلِ لِلصَّلاةِ وقِراءَةُ العِلْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بُيُوتَ النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ يُقَوِّي أنَّها المَساجِدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أذِنَ" بِمَعْنى أمَرَ وقَضى، وحَقِيقَةُ الإذْنِ العِلْمُ والتَمْكِينُ دُونَ حَظْرٍ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أمْرٌ وإنْفاذٌ كانَ أقْوى، و"تُرْفَعَ" قِيلَ: مَعْناهُ تُبْنى وتُعْلى، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، فَذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ  ﴾ ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : «مَن بَنى مَسْجِدًا مِن مالِهِ بَنى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ»، وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ تَعْظُمْ ويُرْفَعُ شَأْنُها.

و"ذِكْرُ اسْمِهِ تَعالى" هو بِالصَلاةِ والعِبادَةِ قَوْلًا وفِعْلًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ: "يُسَبَّحُ" بِفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "يُسَبِّحُ" بِكَسْرِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، فِـ "رِجالٌ" -عَلى القِراءَةِ الأولى- مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يُسَبِّحُ"، تَقْدِيرُهُ: يُسَبِّحُهُ رِجالٌ، فَهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ نَظِيرُ قَوْلِ الشاعِرِ: لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ......................

أيْ: يَبْكِيهِ ضارَعٌ، و"رِجالٌ" -عَلى القِراءَةِ الثانِيَةِ- مُرْتَفِعٌ بِـ "يُسَبِّحُ" الظاهِرُ، ورُوِيَ عن يَحْيى بْنِ وثّابٍ أنَّهُ قَرَأ: "تُسَبِّحُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.

و"الغُدُوُّ والآصالُ" قالَ الضِحاكُ: أرادَ الصُبْحَ والظَهْرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ رَكْعَتِي الضُحى والعَصْرَ، وإنَّ رَكْعَتِي الضُحى لَفي كِتابِ اللهِ تَعالى، وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ.

وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: "والإيصالِ".

ثُمْ وصَفَ اللهُ تَعالى المُسَبِّحِينَ بِأنَّهم لِمُراقَبَتِهِمْ أمْرَ اللهِ تَعالى وطَلَبِهِمْ لِرِضاهُ لا يَشْغَلُهم عَنِ الصَلاةِ وذِكْرِ اللهِ شَيْءٌ مِن أُمُورِ الدُنْيا.

وقالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ الأسْواقِ الَّذِينَ إذا سَمِعُوا النِداءَ بِالصَلاةِ تَرَكُوا كُلَّ شُغْلٍ وبادَرُوا إلَيْها، ورَأى سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أهْلَ الأسْواقِ وهم مُقْبِلُونَ إلى الصَلاةِ فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرادَ اللهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عن ذِكْرِ اللهِ ﴾ ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَ "إقامِ" مُصْدَرٌ مَن أقامَ يُقِيمُ، أصْلُهُ إقْوامٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فَبَقِيَتْ ساكِنَةً والألْفُ ساكِنَةٌ، فَحُذِفَتِ الواوَ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، فَجاءَ "إقامِ"، فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو مَصْدَرٌ بِنَفْسِهِ قَدْ لا يُضافُ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أقَمْتُهُ إقامًا، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ مُضافًا، ذَكَرَهُ الرُمّانِيُّ، وقالَ بَعْضُهم مِن حَيْثُ رَأوهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافًا: أُلْحِقَتْ بِهِ هاءٌ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ فَجاءَ "إقامَةً"، فَهم إذا أضافُوهُ حَذَفُوا العِوَضَ لِاسْتِغْنائِهِمْ عنهُ، فَإنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ كاسْمٍ واحِدٍ.

و"الزَكاةِ" هُنا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الطاعَةُ لِلَّهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ في المالِ.

و"اليَوْمُ المُخَوِّفُ" الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى هو يَوْمُ القِيامَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَقَلُّبِ القُلُوبِ والأبْصارِ، كَيْفَ هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَرى الناسُ الحَقائِقَ عِيانًا فَتَتَقَلَّبُ قُلُوبُ الشاكِينَ ومُعْتَقِدِي الضَلالِ عن مُعْتَقَداتِها إلى اعْتِقادِ الحَقِّ عَلى وجْهِهِ، وكَذَلِكَ الأبْصارُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَقَلُّبٌ عَلى جَمْرِ جَهَنَّمَ، ومَقْصِدُ الآيَةِ هو وصْفُ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ.

فَأمّا القَوْلُ الأوَّلُ فَلَيْسَ يَقْتَضِي هَوْلًا، وأمّا الثانِي فَلَيْسَ التَقَلُّبُ في جَمْرِ جَهَنَّمَ في يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّما هو بَعْدَهُ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ عِنْدِي أنَّ ذَلِكَ -لِشِدَّةِ هَوْلِهِ ومَطْلَعِهِ- القُلُوبُ والأبْصارُ فِيهِ مُضْطَرِبَةٌ قَلِقَةٌ مُتَقَلِّبَةٌ مِن طَمَعٍ في النَجاةِ إلى طَمَعٍ، ومِن حَذَرِ هَلاكٍ إلى حَذَرٍ، ومِن نَظَرٍ في هَوْلٍ إلى النَظَرِ في الآخَرِ.

والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ هَذا المَعْنى في الحُرُوبِ ونَحْوِها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بَلْ كانَ قَلْبُكَ في جَناحَيْ طائِرِ ومِنهُ قَوْلٌ بِشارٍ: كَأنَّ فُؤادَهُ كُرَةٌ تَنَزّى ∗∗∗........................

وهَذا كَثِيرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تردد المفسرون في تعلق الجار والمجرور من قوله: ﴿ في بيوت ﴾ الخ.

فقيل قوله: ﴿ في بيوت ﴾ من تمام التمثيل، أي فيكون ﴿ في بيوت ﴾ متعلقاً بشيء مما قبله.

فقيل يتعلق بقوله: ﴿ يوقد ﴾ [النور: 35] أي يوقد المصباح في بيوت.

وقيل هو صفة لمشكاة، أي مشكاة في بيوت وما بينهما اعتراض؛ وإنما جاء بيوت بصيغة الجمع مع أن ﴿ مشكاة ﴾ و ﴿ مصباح ﴾ [النور: 35] مفردان لأن المراد بهما الجنس فتساوى الإفراد والجمع.

ثم قيل: أريد بالبيوت المساجد.

ولا يستقيم ذلك إذ لم يكن في مساجد المسلمين يومئذٍ مصابيح وإنما أحدثت المصابيح في المساجد الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب فقال له علي: نوّر الله مضجعك يا بن الخطاب كما نورت مسجدنا.

وروي أن تميماً الداري أسرج المسجد النبوي بمصابيح جاء بها من الشام ولكن إنما أسلم تميم سنة تسع، أي بعد نزول هذه الآية.

وقيل البيوت مساجد بيت المقدس وكانت يومئذٍ بِيَعاً للنصارى.

ويجوز عندي على هذا الوجه أن يكون المراد بالبيوت صوامع الرهبان وأديرتهم وكانت معروفة في بلاد العرب في طريق الشام يمرون عليها وينزلون عندها في ضيافة رهبانها.

وقد ذكر صاحب «القاموس» عدداً من الأديرة.

ويرجح هذا قوله: ﴿ أن ترفع ﴾ فإن الصوامع كانت مرفوعة والأديرة كانت تبنى على رؤوس الجبال.

أنشد الفراء: لو أبصرت رهبان دَير بالجبل *** لانحدر الرهبان يسعى ويصل والمراد بإذن الله برفعها أنه ألهم متّخذيها أن يجعلوها عالية وكانوا صالحين يقرأون الإنجيل فهو كقوله تعالى: ﴿ لهدمت صوامع وبيع ﴾ إلى قوله: ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ [الحج: 40].

وعبر بالإذن دون الأمر لأن الله لم يأمرهم باتخاذ الأديرة في أصل النصرانية ولكنهم أحدثوها للعون على الانقطاع للعبادة باجتهاد منهم، فلم ينههم الله عن ذلك إذ لا يوجد في أصل الدين ما يقتضي النهي عنها فكانت في قسم المباح، فلما انضم إلى إباحة اتخاذها نية العون على العبادة صارت مرضية لله تعالى.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ [الحديد: 27].

وقد كان اجتهاد أحبار الدين في النصرانية وإلهامُهم دلائل تشريع لهم كما تقتضيه نصوص من الإنجيل.

والمقصد من ذكر هذا على هذه الوجوه زيادة إيضاح المشبه به كقول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: " فإذا لها كلاليبُ مثلُ حَسَك السَّعدان هل رأيتم حسك السَّعْدان؟

".

وفيه مع ذلك تحسين المشبه به ليسري ذلك إلى تحسين المشبه كما في قول كعب بن زهير: شجت بذي شبَم من ماء محنيَةِ *** صاففٍ بأبطح أضحى وهو مشمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه *** من صوب سارية بيضٌ يعاليل لأن ما ذكر من وصف البيوت وما يجري فيها مما يكسبها حسناً في نفوس المؤمنين.

وتخصيص التسبيح بالرجال لأن الرهبان كانوا رجالاً.

وأريد بالرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله: الرهبان الذين انقطعوا للعبادة وتركوا الشغل بأمور الدنيا، فيكون معنى: ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع ﴾ : أنهم لا تجارة لهم ولا بيع من شأنهما أن يلهياهم عن ذكر الله، فهو من باب: على لاحب لا يهتدى بمناره.

والثناء عليهم يومئذٍ لأنهم كانوا على إيمان صحيح إذ لم تبلغهم يومئذٍ دعوة الإسلام ولم تبلغهم إلا بفتوح مشارف الشام بعد غزوة تبوك، وأما كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل فإنه لم يُذع في العامة.

وكان الرهبان يتركون الكوى مفتوحة ليظهر ضوء صوامعهم وقد كان العرب يعرفون صوامع الرهبان وأضواءها في الليل.

قال امرؤ القيس: تُضيء الظلام بالعشيّ كأنها *** منارة مُمْسَى راهب متبتل وقال أيضاً: يضيء سناه أو مصابيح راهب *** أمال السليط بالذبال المفتل السليط: الزيت.

أي صب الزيت على الذبال فهو في تلك الحالة أكثر إضاءة.

وكانوا يهتدون بها في أسفارهم ليلاً.

قال امرؤ القيس: سموت إليها والنجوم كأنها *** مصابيح رهبان تُشب لقُفَّال القفال: جمع قافل وهم الراجعون من أسفارهم.

وقيل: أريد بالرفع الرفع المعنوي وهو التعظيم والتنزيه عن النقائص.

فالإذن حينئذٍ بمعنى الأمر.

وبعد فهذا يبعد عن أغراض القرآن وخاصة المدني منه لأن الثناء على هؤلاء الرجال ثناء جم ومعقب بقوله: ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ﴾ .

والأظهر عندي: أن قوله: ﴿ في بيوت ﴾ ظرف مستقر هو حال من ﴿ نوره ﴾ في قوله ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ [النور: 35] الخ مشير إلى أن «نور» في قوله: ﴿ مثل نوره ﴾ مراد منه القرآن، فيكون هذا الحال تجريداً للاستعارة التمثيلية بذكر ما يناسب الهيئة المشبهة أعني هيئة تلقي القرآن وقراءته وتدبره بين المسلمين مما أشار إليه قول النبي صلى الله عليه وسلم " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده " فكان هذا التجريد رجوعاً إلى حقيقة التركيب الدال على الهيئة المشبهة كقول طرفة: وفي الحي أحوى ينفض المَرْد شادف *** مظاهر سِمطي لؤلؤ وزبرجد مع ما في الآية من بيان ما أجمل في لفظ: ﴿ مثل نوره ﴾ وبذلك كانت الآية أبلغ من بيت طرفة لأن الآية جمعت بين تجريد وبيان وبيت طرفة تجريد فقط.

ويجوز أن يكون ﴿ في بيوت ﴾ غير مرتبط بما قبله وأنه مبدأ استئناف ابتدائي وأن المجرور متعلق بقوله: ﴿ يسبح له فيها ﴾ .

وتقديم المجرور للاهتمام بتلك البيوت وللتشويق إلى متعلق المجرور وهو التسبيح وأصحابه.

والتقدير: يسبح لله رجال في بيوت، ويكون قوله: ﴿ فيها ﴾ تأكيداً لقوله: ﴿ في بيوت ﴾ لزيادة الاهتمام بها.

وفي ذلك تنويه بالمساجد وإيقاع الصلاة والذكر فيها كما في الحديث: " صلاة أحدكم في المسجد (أي الجماعة) تفضل صلاته في بيته بسبع وعشرين درجة ".

والمراد بالغدوّ: وقت الغدوّ وهو الصباح لأنه وقت خروج الناس في قضاء شؤونهم.

والآصال: جمع أصيل وهو آخر النهار، وتقدم في آخر الأعراف (205) وفي سورة الرعد (15).

والمراد بالرجال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان مثلهم في التعلق بالمساجد.

وتخصيص التسبيح بالرجال على هذا لأنهم الغالب على المساجد كما في الحديث: «...

ورجلٌ قلبه معلق بالمساجد».

ويجوز عندي أن يكون ﴿ في بيوت ﴾ خبراً مقدماً و ﴿ رجال ﴾ مبتدأ، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله: ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ [النور: 35] فيسأل السائل في نفسه عن تعيين بعض ممن هداه الله لنوره فقيل: رجال في بيوت.

والرجال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والبيوت مساجد المسلمين وغيرها من بيوت الصلاة في أرض الإسلام والمسجد النبوي ومسجد قباء بالمدينة ومسجد جؤاثى بالبحرين.

ومعنى ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ أنهم لا تشغلهم تجارة ولا بيع عن الصلوات وأوقاتها في المساجد.

فليس في الكلام أنهم لا يتجرون ولا يبيعون بالمرة.

والتجارة: جلب السلع للربح في بيعها، والبيع أعم وهو أن يبيع أحد ما يحتاج إلى ثمنه.

وقرأ الجمهور: ﴿ يسبح ﴾ بكسر الموحدة بالبناء للفاعل و ﴿ رجال ﴾ فاعله.

وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح الموحدة على البناء للمجهول فيكون نائب الفاعل أحد المجرورات الثلاثة وهي ﴿ له فيها بالغدو ﴾ ويكون ﴿ رجال ﴾ فاعلاً بفعل محذوف من جملة هي استئناف.

ودل على المحذوف قوله: ﴿ يسبّح ﴾ كأنه قيل: من يسبحه؟

فقيل: يُسبح له رجال.

على نحو قول نهشل بن حَريّ يرثي أخاه يزيد: لِيُبْكِ يزيدُ ضارعٌ لخصومة *** ومختبطٌ مما تُطيح الطوائح وجملة: ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ وجملة: ﴿ يخافون ﴾ صفتان ل ﴿ رجال ﴾ ، أي لا يشغلهم ذلك عن أداء ما وجب عليهم من خوف الله ﴿ وإقام الصلاة ﴾ الخ وهذا تعريض بالمنافقين.

و ﴿ إقام ﴾ مصدر على وزن الإفعال.

وهو معتل العين فاستحق نقل حركة عينه إلى الساكن الصحيح قبله وانقلاب حرف العلة ألفاً إلا أن الغالب في نظائره أن يقترن آخره بهاء تأنيث نحو إدامة واستقامة.

وجاء مصدر ﴿ إقام ﴾ غير مقترن بالهاء في بعض المواضع كما هنا.

وتقدم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة (3).

وانتصب ﴿ يوماً ﴾ من قوله: ﴿ يخافون يوماً ﴾ على المفعول به لا على الظرف بتقدير مضاف، أي يخافون أهواله.

وتقلّب القلوب والأبصار: اضطرابها عن مواضعها من الخوف والوجل كما يتقلب المرء في مكانه.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ في سورة الأنعام (110).

والمقصود من خوفه: العمل لما فيه الفلاح يومئذٍ كما يدل عليه قوله: ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ﴾ .

ويتعلق قوله: ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ﴾ ب ﴿ يخافون ﴾ ، أي كان خوفهم سبباً للجزاء على أعمالهم الناشئة عن ذلك الخوف.

والزيادة: من فضله هي زيادة أجر الرهبان إن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم حينما تبلغهم دعوته لما في الحديث الصحيح: «أن لهم أجرين» أو هي زيادة فضل الصلاة في المساجد إن كان المراد بالبيوت مساجد الإسلام.

وجملة: ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ تذييل لجملة: ﴿ ليجزيهم الله ﴾ .

وقد حصل التذييل لما في قوله: ﴿ من يشاء ﴾ من العموم، أي وهم ممن يشاء الله لهم الزيادة.

والحساب هنا بمعنى التحديد كما في قوله: ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ في سورة آل عمران (37).

وأما قوله: ﴿ جزاء من ربك عطاء حساباً ﴾ [النبأ: 36] فهو بمعنى التعيين والإعداد للاهتمام بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ في هَذِهِ البُيُوتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَساجِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها سائِرُ البُيُوتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ تُبْنى، قالَهُ مُجاهِدٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ ﴾ أيْ يَبْنِي.

الثّانِي: أنَّها تُطَهَّرُ مِنَ الأنْجاسِ والمَعاصِي، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنْ تُعَظَّمَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنْ تُرْفَعَ فِيها الحَوائِجُ إلى اللَّهِ.

﴿ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُتْلى فِيها كِتابُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: تُذْكَرُ فِيها أسْماؤُهُ الحُسْنى، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّالِثُ: تَوْحِيدُهُ بِأنْ لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَفِيما يَعُودُ إلَيْهِ ذِكْرُ البُيُوتِ الَّتِي أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ.

الثّانِي: إلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها ﴾ وفي هَذا التَّسْبِيحِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَنْزِيهُ اللَّهِ.

الثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ الغُدُوُّ جَمْعُ غَدْوَةٍ والآصالُ جَمْعُ أصِيلٍ وهي العِشاءُ.

﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: التُّجّارُ هُمُ الجُلّابُ المُسافِرُونَ، والباعَةُ هُمُ المُقِيمُونَ.

﴿ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ ذِكْرِهِ بِأسْمائِهِ الحُسْنى.

الثّانِي: عَنِ الأذانِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي تَقَلُّبَها عَلى حِجْرِ جَهَنَّمَ.

الثّانِي: تَقَلُّبُ أحْوالِها بِأنْ تَلْفَحَها النّارُ ثُمَّ تُنْضِجُها وتَحْرُقُها.

الثّالِثُ: أنَّ تَقَلُّبَ القُلُوبِ وجِيبُها، وتَقَلُّبَ الأبْصارِ النَّظَرُ بِها إلى نَواحِي الأهْوالِ.

الرّابِعُ: أنَّ تَقَلُّبَ القُلُوبِ بُلُوغُها الحَناجِرَ، وتَقَلُّبَ الأبْصارِ الزَّرَقُ بَعْدَ الكُحْلِ، والعَمى بَعْدَ البَصَرِ.

الخامِسُ: أنَّ الكافِرَ بَعْدَ البَعْثِ يَنْقَلِبُ قَلْبُهُ عَلى الكُفْرِ إلى الإيمانِ ويَنْقَلِبُ بَصَرُهُ عَمّا كانَ يَراهُ غَيًّا فَيَراهُ رُشْدًا.

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ﴾ فَذَكَرَ الجَزاءَ عَلى الحَسَناتِ ولَمْ يَذْكُرِ الجَزاءَ عَلى السَّيِّئاتِ وإنْ كانَ يُجازى عَلَيْها لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَرْغِيبٌ فاقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الرَّغْبَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ في صِفَةِ قَوْمٍ لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبائِرُ فَكانَتْ صَغائِرُهم مَغْفُورَةً.

﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما يُضاعِفُهُ مِنَ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها.

الثّانِي: ما يَتَفَضَّلُ بِهِ مِن غَيْرِ جَزاءٍ.

﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِغَيْرِ جَزاءٍ بَلْ يُسْدِيهِ تَفَضُّلًا.

الثّانِي: غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالكِفايَةِ حَتّى يَزِيدَ عَلَيْها.

الثّالِثُ: غَيْرُ قَلِيلٍ ولا مُضَيَّقٍ.

الرّابِعُ: غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ.

وَقِيلَ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِبِناءِ مَسْجِدِ قُباءٍ فَحَضَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أفْلَحَ مَن بَنى المَساجِدا؟

قالَ: (نَعَمْ يا ابْنَ رَواحَةَ قالَ، وصَلّى فِيها قائِمًا وقاعِدًا قالَ: (نَعَمْ يا ابْنَ رَواحَةَ قالَ: ولِمَ يَبِتْ لِلَّهِ إلّا ساجِدًا؟

قالَ: (نَعَمْ يا ابْنَ رَواحَةَ.

كُفَّ عَنِ السَّجْعِ فَما أُعْطِيَ عَبْدٌ شَيْئًا شَرًّا مِن طَلاقَةِ لِسانِهِ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ قال: هي المساجد تكرم، ونهى عن اللغو فيها، ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ، يتلى فيها كتابه، يسبح: يصلي له فيها، بالغدوة: صلاة الغداة، والآصال: صلاة العصر، وهما أول ما فرض الله من الصلاة، وأحب أن يذكرهما ويذكرهما عباده.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يجمع الناس في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، فينادي مناد: سيعلم أهل الجمع لمن الكرم اليوم ثلاث مرات ثم يقول: أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع: ثم يقول: أين الذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟

ثم يقول: أين الحمادون الذين كانوا يحمدون ربهم؟» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ قال: هي المساجد.

أذن الله في بنيانها ورفعها، وأمر بعمارتها وبطهورها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ قال: في مساجد أن تبنى.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ أذن الله أن ترفع ﴾ يقول: أن تعظم بذكره ﴿ يسبح ﴾ يصلي له فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ قال: إنما هي أربع مساجد لم يُبْنِهُنَّ إلا نبي.

الكعبة بناها إبراهيم واسمعيل، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟

قال: بيوت الأنبياء.

فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟

البيت علي وفاطمة قال: نعم.

من أفاضلها» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن ابن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: من دعا إلى الجمل الأحمر في المسجد فقال: «لا وجدته ثلاثاً إنما بنيت هذه المساجد للذي بنيت له» وقال أبو سنان الشيباني في قوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ قال: تعظم.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب.

وأخرج أحمد عن عروة بن الزبير عمن حدثه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصنع المساجد في دورنا، وأن نصلح صنعتها، ونطهرها.

وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى عن ابن عمر.

أن عمر كان يجمر المسجد في كل جمعة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التفل في المسجد خطيئة وكفارته أن يواريه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البزاق في المسجد خطيئة ودفنه حسنة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه» .

وأخرج البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارته دفنه» .

وأخرج البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبعث النخامة يوم القيامة في القبلة وهي في وجه صاحبها» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بزق في قبلة ولم يوارها جاءت يوم القيامة أحمى ما تكون حتى تقع بين عينيه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: «من صلى فبزق تجاه القبلة جاءت البزقة يوم القيامة في وجهه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: «إذا بزق في القبلة جاءت أحمى ما تكون يوم القيامة حتى تقع بين عينيه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: إن المسجد لينزوي من المخاط أو النخامة كما تنزوي الجلدة من النار.

وأخرج ابن أبي شيبة عن العباس بن عبد الرحمن الهاشمي قال: «أول ما خلقت المساجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المسجد نخامة، فحكها ثم أمر بخلوق فلطخ مكانها قال فخلق الناس المساجد» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في قبلة المسجد نخامة، فقام إليها فحكها بيده، ثم دعا بخلوق فقال الشعبي: هو سنة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن يعقوب بن زيد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتبع غبار المسجد بجريدة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: كان المسجد يرش ويقم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرها في ثوبه حتى يخرجها» .

وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خصال لا ينبغين في المسجد: لا يتخذ طريقاً، ولا يشهر فيه سلاح، ولا يقبض فيه بقوس، ولا يتخذ سوقاً» .

وأخرج ابن ماجة عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراركم، وبيعكم، وخصوماتكم، واقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وبخروها في الجمع» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مر أحدكم بالنبل في المسجد فليمسك على نصولها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المسجد، وعن تناشد الأشعار، ولفظ ابن أبي شيبة عن انشاد الضوال.

وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد فقولوا له فض الله فاك ثلاث مرات، ومن رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا وجدتها ثلاث مرات، ومن رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك» .

وأخرج الطبراني عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسل السيوف، ولا تنثر النبل في المساجد، ولا يحلف بالله في المساجد، ولا تمنع القائلة في المساجد مقيماً ولا مضيفاً، ولا تبنى التصاوير، ولا تزين بالقوارير، فإنما بنيت بالأمانة، وشرفت بالكرامة» .

وأخرج الطبراني عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقام الحدود في المساجد» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال لرجل أخرج حصاة من المسجد: ردها وإلا خاصمتك يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: إن الحصاة إذا أخرجت من المسجد تناشد صاحبها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: إذا خرجت الحصاة من المسجد صاحت أو سبحت.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: الحصاة تسب وتلعن من يخرجها من المسجد.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سليمان بن يسار قال: الحصاة إذا خرجت من المسجد تصيح حتى ترد إلى موضعها.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يقول: «بسم الله والسلام على رسول الله.

اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك» .

وإذا خرج قال: «بسم الله والسلام على رسول الله.

اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعطوا المساجد حقها قيل: وما حقها؟

قال: ركعتان قبل أن تجلس» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: من أشراط الساعة أن تتخذ المساجد طرقاً.

والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ يسبح له فيها بالغدوّ والآصال ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ يسبح ﴾ بنصب الباء.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوص عليها الأغواص.

في قوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوّ والآصال ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ اختلفوا في المتصل به من قوله ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ فذكر الزجاج (١) (٢) أحدهما: أنَّه من صلة المشكاة على تقدير: كمشكاة فيها مصباح في بيوت [فيكون قوله ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ ] (٣) ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وصفًا لها.

وهذا القول اختيار أبي علي، قال: وفي قوله ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ ضمير مرفوع يعود إلى الموصوف، لأن الظرف في الصفة مثله في الصلة (٤) القول الثاني: أنَّ (فِي) متصلة بقوله (يُسَبِّحُ لَهُ) ويكون (٥) وهذا القول إنّما هو على قراءة العامة (٦) (٧) (٨) (٩) والاختيار أن لا تجعل هذه الآية متصلة بما قبلها؛ لأنَّ الآية الأولى في (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ ابتداء كلام في وصف مساجد المؤمنين (١٤) وأما معنى البيوت: فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد المساجد (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وعلى هذا الآية عامة في جميع المساجد.

قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تُضيء لأهل السَّماء (٢٢) (٢٣) (٢٤) ومنهم من خصَّص البيوت هاهنا، فقال: هي أربعة مساجد لم يبنهنَّ إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، وبيت (٢٥)  -.

وهذا قول ابن بريدة.

وقال السدي: هي بيوت المدينة (٢٦) وإنَّما خصَّ بيوت المدينة لأنها كانت يُصلّى فيها، ويذكر الله فيها حين نزلت هذه الآية.

وروى ليث عن مجاهد قال: هي بيوت النبي -  - (٢٧) وقد روي مرفوعًا أنَّ النبي -  - قرأ هذه الآية، فسئل أي بيوت هذه؟

فقال: "بيوت الأنبياء" (٢٨) والقول هو الأول.

وقوله ﴿ أَذِنَ اللَّهُ ﴾ قال مقاتل: أمر الله (٢٩) ﴿ أَنْ تُرْفَعَ ﴾ قال ابن عباس (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ  ﴾ .

وقال الحسن: (ترْفَعَ) أي: تُعظَّم (٣٤) والمعنى: لا يتكلم فيها بالخنا (٣٥) قال أبو علي: قوله ([أذن الله] (٣٦) ﴿ تُرْفَعَ ﴾ ) صفة للبيوت، والعائد منها إلى البيوت الذكر الذي في قوله ﴿ تُرْفَعَ ﴾ (٣٧) قوله ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ قال مقاتل: يوحّد الله فيها (٣٨) ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ يُصلى لله في تلك البيوت.

﴿ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ يعني الصَّلوات المفروضة في قول المفسرين (٣٩) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 45.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 253 - 254.

(٣) ساقط من (ع).

(٤) "الحجة" لأبي علي 5/ 322.

(٥) (ويكون): ساقطة من (أ).

(٦) قرأ جمهور القراء: "يسبّح" بكسر الباء.

وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: "يُسبَّح" بفتح الباء.

"السبعة" ص 456،" التبصرة" ص 273، "التيسير" ص 162.

(٧) ساقط من (ع).

(٨) ذكر ذلك الطبري 14/ 144، والثعلبي 3/ 85 ب.

وحكاه ابن عطية 10/ 513، وأبو حيان 6/ 457 عن الرُّماني.

(٩) (أنَّ): ساقطة من (ع).

(١٠) في (ع): (من).

(١١) في (ع): (بنور زيت).

(١٢) في (ع): (تذكر).

(١٣) حكى الرازي 24/ 2 هذا الاعتراض عن أبي مسلم بن بحر الأصفهاني.

(١٤) في (أ)، (ع): (والمؤمنين).

(١٥) لم أجد من ذكره عنه من رواية عطاء.

وقد روى الطبري 18/ 144، وابن أبي حاتم 7/ 49 ب هذا القول عنه من رواية علي بن أبي طلحة.

ورواه الطبري 18/ 144 أيضًا من رواية العوفي.

(١٦) ذكره عنه ابن أبي حاتم 7/ 49 ب، وابن كثير 3/ 292.

(١٧) رواه عنه الطبري 18/ 144 من رواية ابن أبي نجيح.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 202 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.

(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.

(١٩) ذكره عنه ابن أبي حاتم 7/ 49 ب، وابن كثير 3/ 292.

وله قول آخر: أنَّها البيوت كلها.

رواه عنه الطبري 18/ 144، وابن أبي حاتم 7/ 50 أ.

(٢٠) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60، والطبري 18/ 144.

(٢١) انظر: "الطبري" 18/ 144، ابن الجوزي 6/ 46، ابن كثير 3/ 292.

(٢٢) في (أ): (الشهادة).

(٢٣) (كما): ساقطة من (أ).

(٢٤) رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 85 ب من طريق بُكير بن شهاب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.

وبكير بن شهاب قال فيه ابن حجر في "التقريب" 1/ 107: مقبول.

ومعنى مقبول عن ابن حجر: حيث يتايع، وإلا فليَّن الحديث.

انظر: "مقدمة == التقريب" ص 5، ولم يتابع بكيرًا أحدٌ، فإسناده ضعيف.

وذكره البغوي 6/ 49 من رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

(٢٥) (بيت): ساقط من (ع).

وفيها: وأريحا.

والمراد بأريحا -وهي بالفتح ثم كسر الراء-: بلدة في الأردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس مسافة يوم للفارس.

"معجم البلدان" 1/ 210.

(٢٦) ذكره عنه الثعلبي 3/ 85 ب.

(٢٧) رواه ابن أبي حاتم 7/ 50 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 203 وعزاه لابن أبي حاتم.

وسنده ضعيف، لأن فيه ليث بن أبي سليم وهو مجمع على ضعفه.

وما تقدم عن مجاهد هو الصحيح.

وذكر هذا القول عن مجاهد أيضًا ابن الجوزي 6/ 6، والقرطبي 12/ 265.

(٢٨) رواه ابن مردويه كما في "الدر المنثور" 6/ 203، والثعلبي في "تفسيره الكشف والبيان" 3/ 85 ب عن أنس بن مالك، وعن بريدة.

وهذا الحديث لا يصح؛ لأنه من رواية نفيع بن الحارث عن أنس وبريدة.

ونفيع == هذا قال عنه الحاكم: روى عن بريدة وأنس أحاديث موضوعة.

وقال ابن عبد البر: اتفق أهل العلم على نكارة حديثه وضعفه، وكذّبه بعضهم، وأجمعوا على ترك الرواية عنه، وليس عندهم شيء.

وقال الذهبي: هالك، تركوه.

وقال ابن حجر: متروك، وقد كذّبه ابن معين.

انظر: "الاستغناء" لابن عبد البر 1/ 604، " المغني في الضعفاء" للذهبي 2/ 701، "تهذيب التهذيب" لابن حجر 10/ 470 - 472، "تقريب التهذيب" لابن حجر 2/ 306.

(٢٩) "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.

(٣٠) ذكره عنه الرازي 24/ 3، وأبو حيان 6/ 458.

وروى الطبري 18/ 144، وابن أبي حاتم 7/ 49 ب عنه قال: تكرَّم، ونهى عن اللغو فيها.

(٣١) رواه الطبري 18/ 145، وابن أبي حاتم 7/ 50 أ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 202 وعزاه لعبد بن حميد أيضًا.

(٣٢) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.

(٣٣) هو الطبري: قال في "تفسيره" 18/ 144: معناه: أذن الله أن ترفع بناءً، كما قال جل ثناؤه-: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) وذلك أنَّ ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية.

(٣٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60 - 61، والطبري 18/ 145، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 202 - 203 وعزاه لمن تقدم.

وحكى الرَّازي في "تفسيره" 24/ 3 في قوله "ترفع" قولاً ثالثُا هو مجموع الأمرين: أي تبنى وتعظم.

ولعل هذا الأقرب؛ لأنَّه يعم القولين.

== قال العلامة الشنقيطي في "تفسير سورة النور" ص 141: والرفع قسمان: الأول: الرفع الحسي، وهو رفع القواعد والبناء، ومنه قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل).

الثاني: الرفع المعنوي، وذلك يكون بأداء عبادة الله فيهان وصونها عما ينجسها حسيًّا كان أو معنويًا كارتكاب المنكرات.

وعمارة المسجد الحقيقية هي العمارة المعنوية، فلو زخرف المسجد وارتكبت فيه المنكرات، أو لم تقم فيه عبادة الله، فليس بمعمور حقيقة.

ولو بني بالنَّخل والجريد والطين وأقيمت فيه العبادة، وطهِّر من الأقذار الحسيِّة والمعنوية فهو معمور حقيقة.

ولهذا كان مسجد رسول الله -  - مبنيًّا بالجريد والنخل ومع ذلك كانت عمارته أعظم من اليوم، وإن كانت عمارته الحسيّة اليوم أعظم من ذلك اليوم.

(٣٥) الخنا من الكلام: أفحشه.

"لسان العرب" 14/ 244 (خنا).

(٣٦) ساقط من (أ).

(٣٧) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 322.

(٣٨) "تفسير مقاتل" 2/ 39 أ.

وفي الآية قولان آخران حكاهما الماوردي 4/ 107.

أحدهما: يتلى فيها كتابه.

قاله ابن عباس.

الثاني: تُذكر فيها أسماؤه الحسنى.

قاله ابن جرير.

وما حكاه الماوردي عن ابن عباس رواه الطبري 18/ 145، وابن أبي حاتم 7/ 50 ب، عنه من رواية علي بن أبي طلحة.

وقول الطبري في "تفسيره" 18/ 145.

قال أبو حيان 6/ 458: (ويذكر في اسمه) ظاهره مطلق الذكر فيعم كل ذكر.

(٣٩) حكى الثعلبي 3/ 86 أهذا القول عن المفسرين.

وحكاه البغوي 6/ 47 عن أهل التفسير.

ولم يذكرا غيره.

وعليه اقتصر الطبري 18/ 146، وابن كثير 3/ 294.

وحكى الماوردي 4/ 107، وابن الجوزي 6/ 47، والرازي 24/ 4 قولين في التسبيح: أحدهما: ما ذكر هنا.

وعزاه الرازي للأكثرين.

الثاني: أنه التسبيح المعروف.

وعزاه ابن الجوزي لبعض المفسرين.

واستظهر الرازي هذا الوجه: لأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال "ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة".

والأولى عموم ذلك للصلاة والتسبيح المعروف: ولأنَّ الصلاة مشتملة على التسبيح.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فِي بُيُوتٍ ﴾ يعني المساجد، وقيل: بيوت أهل الإيمان من مساجد أو مساكن، والأول أصح، والجار يتعلق بما قبله: أي كمشكاة في بيوت، أو توقد في بيوت، وقيل: بما بعده وهو يسبح، وكرر الجارّ بعد ذلك تأكيداً، وقيل: بمحذوف: أي سبحوا ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ ﴾ ، والمراد بالإذن الأمر، ورفعها بناؤها، وقيل: تعظيمها ﴿ بالغدو والآصال ﴾ أي غدوة وعيشة وقيل: أراد الصبح والعصر وقيل: صلاة الضحى والعصر ﴿ رِجَالٌ ﴾ فاعل ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ على القراءة بكسر الباء، وأما على القراءة بالفتح فهو مرفوع بفعل مضمر يدل عليه الأول ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله ﴾ أي لا تشغلهم، ونزلت الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا إليها، والبيع من التجارة، ولكنه خصه بالذكر تجريداً كقوله: ﴿ فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68]، أو أراد بالتجارة الشراء ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار ﴾ أي تضطرب من شدة الهول والخوف، وقيل: تفقه القلوب وتبصر الأبصار بعد العمى، لأن الحقائق تنكشف حنيئذ، والأول أصبح كقوله: ﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر ﴾ [الأحزاب: 10]، وفي قوله: ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب ﴾ تجنيس ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ الله ﴾ متعلق بما قبله، أو بفعل من معنى ما قبله ﴿ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ تقديره جزاء أحسن ما عملوا ﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ يعني زيادة على ثواب أعمالهم ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ذكر في البقرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قال بعضهم: الله هادي السماوات والأرض، ثم انقطع الكلام فأخذ في نعت محمد  وما ضرب له من الأمثال، فقال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ ، يقول: نور محمد إذ كان في صلب أبيه ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ أي: كوة - بلغة الحبش - غير نافذة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ أي: سراج المصباح.

يقول - والله أعلم -: ذلك السراج المضيء ضوؤه ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ ، الزجاجة نعتها الصافية التامة الصفاء، والمشكاة: صلب أبيه عبد الله، والزجاجة وصفاؤها: محمد رسول الله، وطهره من الأدناس والمعاصي، والمصباح: نوره، وصفاؤه: قلب رسول الله  ، وما فيه من الإيمان، والحكمة، والنبوة، ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي: محمد  ذكره مع أسماء الأنبياء، والرسل في اللوح المحفوظ عند الله في الفضيلة على تلك الأنبياء والرسل عليهم السلام كفضل الكوكب الدري - أي: المضيء، وهي الزهرة - على سائر الكواكب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: استنار نور محمد من نور إبراهيم؛ لأن محمدا على دين إبراهيم وعلى سنته ومنهاجه، فمثل إبراهيم مثل الشجرة المباركة، وأصل محمد من نسل إبراهيم، صلوات الله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ والزيتونة: المحاسن وطاعة إبراهيم لربه؛ فنفعه الله بحسن طاعته يوم القيامة، وفي غيره من المواطن، كما تنفع الزيتونة أهلها في الدنيا، فهي فاكهة وطعام، وهي إدام وهو الصباغ والدهن والدباغة يعني: زيتونة ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ يقول: إن إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن نصرانيّاً لقول النصارى: هو نصراني يصلي قبلة النصارى من قبل المشرق، ولا يهوديّاً لقول اليهود: إنه كان على ديننا يصلي قبل المغرب ببيت المقدس، يقول الله  : لم يكن كما قال هؤلاء، ولكن كان حنيفاً مسلماً مصليّاً إلى الكعبة، وهي قبلته وإليها حج.

وقوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ يقول - والله أعلم -: لو أن إبراهيم لم يكن نبيّاً لأصاب بحسن طاعة الله في الدنيا الفضل مع الأنبياء والرسل في الدنيا والدرجات العلا في الآخرة.

وقوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ ؛ لأن محمدا وما جاء به من الدين والكتاب أصل نوره من قبل إبراهيم؛ لأنه على دينه وسنته وكتابه ومنهاجه.

ثم قال: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ الذي جاء [به] محمد  ، وهو النور، وهو القرآن [يهدي إليه] من يشاء ممن سبق [له] في علمه السعادة، ويضل عنه من يشاء ممن سبق له في علمه الشقاء.

ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ يعني: ويصف الله الأمثال للناس؛ ليؤمنوا بالله ويوحدوه ويعرفوا نور نبيه من صنيعه، ويصدقوا بإبراهيم ومحمد - عليهما أفضل الصلوات - أنهما رسولا الرب، وهو تأويل مقاتل.

وقال أهل الكلام: قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: أنار الله لأهل السماوات والأرض، مثل نوره الذي به أنار ما ذكر مثل المشكاة التي ذكر إلى آخره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: بالله نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ كذا، ولم يقل: مثله، ولو كان النور هو الله على ما قاله قوم وفهموه، لقال: "الله نور السماوات والأرض مثله كذا"، ولم يقل: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ فدل قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ كذا أنه لم يرد بالنور نفسه، ولكن ما ذكرنا أنه به نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أنه لم يرد بالنور ما فهموا، ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ دل أنه ليس على ما فهموه به: أنه نور كسائر الأنوار التي عاينوها ويشاهدوها وهم المشبهة، على هذا يخرج تأويل ابن عباس حيث قال: الله هادي أهل السماوات والأرض.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي: مثل نور المؤمن الذي في قلبه مثل مشكاة فيها مصباح؛ لأن المشكاة هي الكوة التي لا منفذ لها يدخل فيها الأنوار، فتكون مظلمة، فإذا جعل فيها المصباح أضاء ذلك كله وأناره حتى لا يبقى فيها ناحية إلا وقد أصابها الضياء والنور، فعلى ذلك القلب، وهو مظلم إذ ليس له منفذ يدخل فيه النور من الخارج، فإذا أنار الله قلبه بإيمانه ظهر ذلك النور وأثره في جميع نواحيه وجوارحه، وهو ما قال: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه"، أخبر أن من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فهذا يدل أن قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ إنما هو مثل نور المؤمن، وعلى ذلك روي في حرف أبي بن كعب أنه قرأ: (مثل نور المؤمن كمشكاة)، وفي حرف ابن مسعود: (مثل نوره في قلب المؤمن).

وقال الحسن: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال: مثل القرآن في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ كوة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ ، أو أن يكون قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: به تنجلي الظلمات، وتنكشف الحجب والسواتر؛ إذ النور إنما سمي: نورا؛ لما به تنجلي الظلمات، وتنكشف السواتر، والحجب، لا أنه نور، ألا ترى أنه سمى القرآن: نوراً، والرسول: نورا؛ لما به تنجلي الشبهة والظلمات، وبه ترتفع السواتر والحجب وإن كانا في أنفسهما ليسا بنور سميا: نورا؛ لما ذكرنا من تجلي الأشياء بهما وارتفاع السواتر، فعلى ذلك جائز أن يسمى الله: نورا؛ لما به يكون تجلي الظلمات والشبه، وانكشاف السواتر، وارتفاع الحجب، لا أنه نور.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال بعضهم: مثل نور المؤمن على ما ذكرنا فيما تقدم.

وقال بعضهم: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في صدر المؤمن.

وقال بعضهم: مثل نور محمد على ما ذكر مقاتل وغيره.

وقال بعضهم: مثل نور القرآن.

وقوله: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: الكوة التي لا منفذ لها للنور على ما ذكرنا.

وقال بعضهم: موضع الفتيلة من القنديل.

وقال بعضهم: الحدايد التي تعلق بها القنديل.

وقوله: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال: بعضهم: هي شجرة مصحرة تطلع عليها الشمس إذا طلعت وتغرب عليها إذا غربت، وهو أجود الزيت.

وقال بعضهم: هي شجرة في كنّ لا تطلع عليها الشمس إذا طلعت، ولا تغرب عليها إذا غربت.

وقال بعضهم: ليست شرقية: لا غرب لها، ولا غربية: لا شرق لها، ولكنها شرقية غربية.

فكيفما كان فإنما ذكر الزيت لصفائه وخلوصه؛ فيجب أن يسأل أهله فيقال: أي الزيت أجود وأصفى الذي تصيبه الشمس أو الذي لا تصيبه، أو الذي تصيبه في وقت ولا تصيبه في وقت؟

وقال بعضهم: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هو الله  هادي أهل السماوات وأهل الأرض، كما هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء؛ قالوا: هو زيت كلما مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل الهدى قبل أن يأتيه العلم [فإذا أتاه العلم] ازداد هدى على هدى ونوراً على نور، وعن أبيّ بن كعب قال في قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ : يقول: مثل نور المؤمن، وكذلك يقرؤها: (مثل نور المؤمن) على ما ذكرنا من قبل.

قال: فهو عبد قد جعل القرآن والإيمان في صدره.

قال: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: المشكاة: صدره ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ : قال: المصباح: القرآن والإيمان الذي جعل في صدره.

قال: ﴿ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ فالزجاجة: قلبه.

قال: ﴿ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ يقول: كوكب مضيء.

﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ قال: الشجرة المباركة أصله، فالمبارك: الإخلاص لله وحده لا يشرك به.

قال: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال: فمثله كمثل شجرة، جعله كالشجرة فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت: لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير عن أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات.

قال: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال: فهو يتقلب في خمسة من النور: كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره النور إلى يوم القيامة إلى الجنة.

قال: ثم ضرب مثل الكافر فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ وهو يحسبه عند الله خيراً فلا يجده، فيدخله الله النار، وقال في آية أخرى له مثلا فقال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ  ﴾ فهو يتقلب في ظلمات.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: بنوره يهتدي من في السماوات ومن في الأرض على ما ذكرناه ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ وهي الكوة غير النافذة على ما ذكرنا ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ أي: سراج ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ : مضيء، أي: منسوب إلى الدرّ؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ : الكوة التي تكون في الحائظ؛ ومثال جماعته: الكوة، و ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ : مثل لسانه وصدره وقلبه ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ ﴾ قال: يكاد محمد يبين للناس وإن لم ينطق.

وعن الضحاك بن مزاحم ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ قال: خلقت الكواكب من نار يقال لها: دري؛ فمن ثمة قال: ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ .

وقد ذكرنا قولهم في المشكاة: قال بعضهم: الكوة: التي لا منفذ لها.

وقال بعضهم: الفتيلة.

وقال بعضهم: الفتيلة التي في جوف القنديل نفسه.

وقال بعضهم: القائم في وسط القنديل، وهو موضع الفتيلة.

وقال بعضهم: هي الحدايد التي يعلق بها القنديل.

وأما الزجاجة فهي القنديل.

ثم إن كان قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي: نور المؤمن، فليس ذلك وصف كل مؤمن ونعته، ولكن وصف المؤمن الذي يجتمع فيه جميع شرائط الإيمان وجميع الأخلاق الحسنة والآداب؛ لأنه وصفه بطهارة نفسه وجسده وقلبه وجميع أعماله وأفعاله؛ لأنه قال: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ ، وهي قلبه ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وهو صدره الذي في قلبه المصباح والزجاجة وهو الإيمان الذي في صدره، ثم نعت الزجاجة فقال: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي: مضيء.

وقال بعضهم: من الدر، فوصف الكل بالضياء والنور وطهارة الداخل منه والخارج ونقاوته، فهو المؤمن الذي يجتمع فيه جميع الشرائط والخصال المحمودة، وأما كل مؤمن فلا يحتمل، وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه ذكر نعت الكافر من بعد وخبثه حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ .

وإن كان وصف محمد، ففيه جميع ما ذكر ونعته، وإن كان القرآن فهو كذلك أيضاً.

وقوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ الذي ذكرنا يحتمل المؤمن ويحتمل محمدا ويحتمل إبراهيم في كلهم ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ يحتمل: يهدي الله لنور محمد، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: الإيمان والهدى.

وقال بعضهم: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال: فالزيت نور، والمصباح نور، والقنديل نور، وقال: المؤمن نور، وعمله نور، وكلامه نور.

ويحتمل: قوله: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: بنوره.

وقال بعضهم: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقول: بنوره أضاء السماوات والأرض على ما ذكرنا: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ يقول: في قلب المؤمن، وهو في حرف ابن مسعود -  -: (في قلب المؤمن)، وهذا مثل ضربه للإيمان والقرآن، والقلب حين يدخله الإيمان والقرآن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ يعني: الكوة، ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ يعني: الإيمان، والقرآن ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ يعني: القلب، والمشكاة: الصدر، فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء؛ فكذلك أضاء القلب، ثم خرج من الزجاجة، فأضاءت المشكاة، فكذلك أضاء الصدر، ثم نزل الضوء من الكوة، فأضاء البيت، فكذلك نزل النور من الصدر فأضاء الجوف كله؛ فلم يدخله حرام، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ يحتمل ضرب الأمثال لهم وجهين: أحدهما: ضرب لأفعالهم وأقوالهم مثلا؛ ليعرفوا مقاديرها في الحسن والجمال؛ ليعلموا قدرها من الجزاء والثواب، أو ضرب الأمثال لهم للأنفس المكرمين المعظمين المستوجبين كل خير؛ ليرغبوا في مثل ذلك فيستوجبوا ما استوجب أولئك، وكان ضرب مثل الإيمان أو القرآن أو محمداً وما كان على اختلاف ما قالوا بالأنوار التي ضربها - والله أعلم - لما أنه قد أقام الحجج والبراهين على الإيمان والقرآن ومحمد حتى صاروا كالأنوار التي شبههم بها من الحسن والجمال والضياء إليها حتى يعرف حسن هذه الأنوار وبهاءها كل أحد؛ فعلى ذلك المضروب به المثل صار في الحسن والبهاء والضياء بالحجج والبراهين كالأنوار التي لا يخفى حسنها وبهاؤها على أحد، ولا ينكرها إلا معاند ومكابر، وكان مثل الكفر والعناد من القبح والفساد والبطلان كالظلمات التي ذكر بعضها فوق بعض وكالسراب والزبد الذي ذكر حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ ، وكالظلمات التي ذكر حيث قال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ...

﴾ الآية [النور: 40] ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ .

وقال ابن عباس -  ما -: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ قال: الأنجم الخمسة دري: زهرة، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزحل.

قال قتادة: الدري: الضخم المنير.

قال الكسائي: من همز "دريء" فهو حسنه وظهوره وارتفاعه، تقول: درأ النجم، وهو فاش ظاهر في كلام العرب، ومن رفع الدال ومن لم يهمز فهو ينسبه إلى الدر، ومنهم من يرفع الدال ويهمز وأظنها لغة.

وقال أبو عمرو بن العلاء: الدري: النجم الذي تراه يتلألأ كأنه يجيء ويذهب.

وقد روي في الخبر عن رسول الله  قال: "إن الرجل من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة؛ فتضيء الجنة بوجهه كأنه كوكب دري" ، [و] روي أن أبا بكر وعمر -  ما - لمنهم، وأنعم.

وأيضاً روي دري بالرفع.

وفي خبر آخر عنه: "إن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان آدميتان يري مخ سوقهما من وراء اللحم، والذي نفس محمد بيده ما فيها غرب" وقوله: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ اختلف في قراءته: قرأه بعضهم: ﴿ يُوقَدُ ﴾ بالياء ورفعها ونصب القاف، يقول: المصباح يوقد.

ومن قرأها بالتاء ورفع الدال ونصب التاء رده على الزجاجة أراد تتوقد، ثم طرح إحدى التاءين.

ومن قرأ بالتاء ورفعها يعني: الزجاجة التي توقد.

و [قرأ] أهل مكة: (تَوقّد) بنصب التاء وتشديد القاف، يعني: المصباح توقد؛ فلذلك انتصب.

ومن قرأ: ﴿ يُوقَدُ ﴾ يعني: الكوكب أو المصباح.

وقوله: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قد ذكرنا بعض أقاويلهم فيما تقدم، لكنا نزيد فيها شيئاً.

قال قائل: هي شجرة ضاحية من حين تطلع الشمس إلى أن تغرب، ليس لها ظل شرقي ولا غربي، وزيتها أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه.

وقال قائل: ليست بشرقية يحوزها المشرق دون المغرب، وليست بغربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها بارزة في صحراء أو في رأس جبل تصيبها الشمس النهار كله، وهو مثل الأول.

وقال الكسائي: ليست بشرقية وحدها، ولا بغربية وحدها ولكنها شرقية وغربية؛ كما تقول: لا آتيك ولا آتي فلاناً، له معنيان: إن شئت كان معناه: لا تأتي واحدا منهما، وإن شئت كان معناه: أنك [لا] تأتيهما معا، ومثله: والله لا آكل ولا يأكل زيد معنيان، وكان يقال: رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ويحب الفتنة: إنه رجل صالح: أما الفتنة فالمال والولد، قال الله  : ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  ﴾ وهو يرجو الجنة ويخاف النار على ما فسرنا.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ ﴾ يقول: لا تضحى للشمس من أول النهار إلى آخره، ولا غربية عليها ظل من أوّل النهار إلى آخره، ولكنها شرقية وغربية يصيبها الشمس والظل، والعرب تقول: لا خير في شجرة في مضآة، ولا خير في شجرة في مضحاة.

وقائل يقول: لا تطلع الشمس ولا تغرب.

وقائل يقول: هي شجرة بالشام ليست بالمشرق وليست بالمغرب.

والحسن يقول: والله لو كانت هذه الزيتونة في الأرض، لكانت شرقية أو غربية، والله ما هي في الأرض، ولكن هذا مثلٌ ضربه الله  لنوره وهو هذا القرآن.

وأما قوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال بعضهم: إيمان المؤمن نور، وعلمه نور، فهو نور على نور.

قال بعضهم: نور النار على نور الزيت، فذلك نور على نور، وهو بجودته يعني: الزيت.

وقال بعضهم: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان إذا اجتمعا لا يكون أحدهما مضيئاً إلا بصاحبه.

وقال بعضهم: ما ذكرنا من نور الإيمان والعلم.

ثم معنى تشبيه ما ذكر بالزيت؛ لأن الزيت أصفى شيء وأطهر وأطيب شيء وأضوأ للسراج، وكل المنافع من الإدام والدواء وغيره [منه]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تعظم، ويرفع قدرها - وهي المساجد - على غيرها من البيوت المسكونة بذكر اسم الله فيها، والتسبيح والتنزيه من الأقذار، والأنجاس، ومن الأمور الدنيوية.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تبنى وتتخذ.

فإن كان التأويل هذا، ففيه الأمر ببناء المساجد واتخاذها.

وإن كان الأول، ففيه الأمر بتعظيم المساجد ورفع قدرها بما ذكر من ذكر الله والتسبيح فيها.

ثم الإذن في هذا الأمر لوجهين: أحدهما: بحق إقامة الجماعات فيها في هذه الصلوات المعروفة؛ إذ الأرض كلها في الأصل جعلت مسجداً؛ حيث قال رسول الله  : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" .

فهي من حق جواز الصلاة مسجد، فيخرج الأمر به مخرج الأمر ببنائها لإقامة الجماعات.

والثاني: أمر بها خصوصاً للمساجد؛ إذ غيرها من البيوت المسكونة إنما اتخذت وبنيت بالإذن والإباحة، فخص المساجد بالإذن ببنائها خصوصاً لها؛ إذ لو كان إذناً على ظاهر ما ذكر، لكان المساجد وغيرها من البيوت سواء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ فإن كان تأويل قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تعظم ويرفع قدرها؛ فيكون قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ تفسيرا لذلك التعظيم والقدر الذي أمر، أي: أمر أن تعظم، ويرفع قدرها بذكر اسم الله فيها، وما ذكر من التسبيح.

وإن كان التأويل هو الأمر بالبناء يكون قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ كذا على الابتداء، أي: أمر أن نبني سويا مساجد، وأمر أن يذكر فيها اسمه، ويسبح له فيها بالغدو والآصال.

ثم اختلف في تلاوة قوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ : قرأ بعضهم ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ بنصب الباء.

وقرأ بعضهم ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ بخفض الباء.

فمن قرأها بالنصب صيره على الأول ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ﴾ .

ومن قرأها بالخفض - أعني: خفض الباء - صيره مقطوعاً من الأول مبتدأ به، أي: يسبح له فيها رجال بالغدو والآصال، ثم ابتدأ من قوله: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ﴾ ثم قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ جائز أن يراد بذكر اسمه: الصلاة، وكذلك التسبيح.

ويحتمل أن يريد بذكر اسمه: جميع أنواع الأذكار من الخير.

ويراد بالتسبيح بالغدو والآصال: الصلاة المفروضة.

ثم قال بعضهم: الغدو: صلاة الغداة، والآصال: صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فيجعل الأصيل عبارة عن هذه الصلوات في أوقاتها.

وقال بعضهم: الآصال: صلاة العصر خاصة، وأما غيرها من الصلوات فإنما عرف لا بهذا ولكن بشيء آخر، والغدو هو صلاة الفجر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ ﴾ ، أي: لا تشغلهم تجارة ولا بيع، ذكر التجارة والبيع، والبيع تجارة، ولكن كان اسم التجارة يجمع كل أنواع التقلب، واسم البيع يقع على خاص، وكذك يقال للذي يجمع أنواع التقلب: تاجر، وللذي يبيع شيئاً خاصّاً: بائع.

أخر أنه لا يشغلهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

ثم جاز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا يشتغلون بالتجارة والبيع، ولكن فرغوا أنفسهم لذكر الله، وإقامة الصلاة، وما ذكر.

وجائز أن يكون يتجرون ويبيعون لكن تجارتهم وبيعهم لا تشغلهم، ولا تمنعهم عن ذكر الله، يكونون أبداً في ذكر الله.

ثم قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل الصلاة.

وقوله: ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ أي: تمام الصلاة بركوعها، وسجودها، وقراءتها، وجميع أسبابها، وشرائطها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ جميع أنواع الأذكار ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وإقامة الصلاة بنفسها وإيتاء الزكاة.

وقال بعضهم: جائز أن يكون قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ الخطبة ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ صلاة الجمعة؛ لأنه قال: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً...

﴾ الآية [الجمعة: 11]، وقال: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ  ﴾ وهي الخطبة.

[وهذا القول] غير مسموع من أهل التأويل، ولكنه يحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ وهو يوم القيامة يخبر عن شدة هول ذلك اليوم وخوفه إذ لا تثبت القلوب والأبصار فزعاً منه وخوفاً، كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 43]، وكقوله: ﴿ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ يعرفون مرة، ويجهلون تارة، ويعتبرون يومئذ بما لم يعتبروا في الدنيا، ويقرون بما لم يقروا.

وقال بعضهم: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ ﴾ ، حين زالت عن أماكنها من الصدور، فنشبت في حلوقهم عند الحناجر، ثم قال: ﴿ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ أي: تتقلب أبصارهم فيكونون رزقا، وهو قول مقاتل.

وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي: يجزيهم الله جزاء إحسانهم، ويكفر عنهم مساويهم، ولا يجزيهم بها كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 16]، وكقوله: ﴿ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ على قدر حسناتهم، ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ قال بعضهم: ليس فوقه ملك يحاسبه فهو لذلك يرزق من يشاء بغير حساب لا يخاف من أحد يحاسبه كقوله ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: يعطيهم بلا حساب يحاسبهم، ويدخلهم الجنة بلا محاسبة.

وجائز أن يكون ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: يعطيهم بلا حساب أضعافاً مضاعفة ما لا يحصى لا على قدر أعمالهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يوقد هذا المصباح في مساجد أمر الله أن يعلو قدرها وبناؤها، ويذكر فيها اسمه بالأذان والذكر والصلاة، يُصَلِّي فيها ابتغاء مرضاة الله أول النهار وآخره.

من فوائد الآيات الله عز وجل ضيق أسباب الرق (بالحرب) ووسع أسباب العتق وحض عليه ..

التخلص من الرِّق عن طريق المكاتبة وإعانة الرقيق بالمال ليعتق حتَّى لا يشكل الرقيق طبقة مُسْتَرْذَلة تمتهن الفاحشة.

قلب المؤمن نيِّر بنور الفطرة، ونور الهداية الربانية.

المساجد بيوت الله في الأرض أنشأها ليعبد فيها، فيجب إبعادها عن الأقذار الحسية والمعنوية.

من أسماء الله الحسنى (النور) وهو يتضمن صفة النور له سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.AMNeR"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد