الآية ٤١ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٤١ من سورة النور

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَـٰٓفَّـٰتٍۢ ۖ كُلٌّۭ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه يسبحه من في السماوات والأرض ، أي : من الملائكة والأناسي ، والجان والحيوان ، حتى الجماد ، كما قال تعالى : ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) [ الإسراء : 44 ] .

وقوله : ( والطير صافات ) أي : في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه ، وهو يعلم ما هي فاعلة; ولهذا قال : ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) أي : كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله ، عز وجل .

ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك ، لا يخفى عليه من ذلك شيء; ولهذا قال : ( والله عليم بما يفعلون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فتعلم أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من ملك وإنس وجنّ( وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ) في الهواء أيضا تسبح له ( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) (6) والتسبيح عندك صلاة، فيقال: قيل: إن الصلاة لبني آدم، والتسبيح لغيرهم من الخلق، ولذلك فصّل فيما بين ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) قال: والصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد قوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) قال: صلاته للناس، وتسبيحه عامة لكلّ شيء.

ويتوجه قوله: ( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) لوجوه: أحدها أن تكون الهاء التي في قوله: ( صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) من ذكر كلّ، فيكون تأويل الكلام: كل مصلّ ومسبِح منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه، ويكون الكلّ حينئذ مرتفعا بالعائد من ذكره في قوله: ( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) وهو الهاء التي في الصلاة.

والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح أيضا للكل، ويكون الكل مرتفعا بالعائد من ذكره عليه في ( عَلِمَ ) ويكون ( عَلِمَ ) فعلا للكلّ، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قد علم كلّ مصلّ ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه، الذي كُلِّفه وأُلْزمه.

والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح من ذكر الله، والعلم للكل، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قد علم كلّ مسبح ومصلّ صلاة الله التي كلفه إياها، وتسبيحه، وأظهر هذه المعاني الثلاثة على هذا الكلام، المعنى الأوّل، وهو أن يكون المعنى: كلّ مصلّ منهم ومسبح قد علم الله صلاته وتسبيحه.

وقوله: ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ) يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يفعل كلّ مصلّ ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، طاعتها ومعصيتها، محيط بذلك كله، وهو مجازيهم على ذلك كله.

------------------------ الهوامش: (6) يظهر أن في الكلام سقطًا .

تقديره : فإن قيل : ما فائدة عطف " وتسبيحه " على صلاته ..

.

إلخ .

بدليل قوله : قيل ..

.

إلخ وهو جواب عن سؤال.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون[ ص: 266 ] قوله تعالى : ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات لما ذكر وضوح الآيات زاد في الحجة والبينات ، وبين أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعا قادرا على الكمال ؛ فله بعثة الرسل ، وقد بعثهم وأيدهم بالمعجزات ، وأخبروا بالجنة والنار .

والخطاب في ( ألم تر ) للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومعناه : ألم تعلم ؛ والمراد الكل .

أن الله يسبح له من في السماوات من الملائكة .

والأرض من الجن والإنس .

والطير صافات قال مجاهد ، وغيره : الصلاة للإنسان ، والتسبيح لما سواه من الخلق .

وقال سفيان : للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود .

وقيل : إن ضربها بأجنحتها صلاة ، وإن أصواتها تسبيح ؛ حكاه النقاش .

وقيل : التسبيح هاهنا ما يرى في المخلوق من أثر الصنعة .

ومعنى صافات مصطفات الأجنحة في الهواء .

وقرأ الجماعة ( والطير ) بالرفع عطفا على من .

وقال الزجاج : ويجوز ( والطير ) بمعنى مع الطير .

قال النحاس : وسمعته يخبر - قمت وزيدا - بمعنى مع زيد .

قال : وهو أجود من الرفع .

قال : فإن قلت قمت أنا وزيد ، كان الأجود الرفع ، ويجوز النصب .

كل قد علم صلاته وتسبيحه يجوز أن يكون المعنى : كل قد علم الله صلاته وتسبيحه ؛ أي علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح .

ومن هذه الجهة يجوز نصب ( كل ) عند البصريين والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده .

وقد قيل : المعنى قد علم كل مصل ومسبح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه .

وقرأ بعض الناس ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) غير مسمى الفاعل .

وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) ؛ فيجوز أن يكون تقديره : كل قد علمه الله صلاته وتسبيحه .

ويجوز أن يكون المعنى : كل قد علم غيره صلاته وتسبيحه أي صلاة نفسه ؛ فيكون التعليم الذي هو الإفهام والمراد الخصوص ؛ لأن من الناس من لم يعلم .

ويجوز أن يكون المعنى كل قد استدل منه المستدل ، فعبر عن الاستدلال بالتعليم قاله المهدوي .

والصلاة هنا بمعنى التسبيح ، وكرر تأكيدا ؛ كقوله : ( يعلم السر والنجوى ) .

والصلاة قد تسمى تسبيحا ؛ قاله القشيري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

نبه تعالى عباده على عظمته، وكمال سلطانه، وافتقار جميع المخلوقات له في ربوبيتها، وعبادتها فقال: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } من حيوان وجماد { وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ } أي: صافات أجنحتها، في جو السماء، تسبح ربها.

{ كُلٌّ } من هذه المخلوقات { قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } أي: كل له صلاة وعبادة بحسب حاله اللائقة به، وقد ألهمه الله تلك الصلاة والتسبيح، إما بواسطة الرسل، كالجن والإنس والملائكة، وإما بإلهام منه تعالى، كسائر المخلوقات غير ذلك، وهذا الاحتمال أرجح، بدليل قوله: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } أي: علم جميع أفعالها، فلم يخف عليه منها شيء، وسيجازيهم بذلك، فيكون على هذا، قد جمع بين علمه بأعمالها، وذلك بتعليمه، وبين علمه بأعمالهم المتضمن للجزاء.ويحتمل أن الضمير في قوله: { قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } يعود إلى الله، وأن الله تعالى قد علم عباداتهم، وإن لم تعلموا -أيها العباد- منها، إلا ما أطلعكم الله عليه.

وهذه الآية كقوله تعالى: { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وله - عز وجل - : ( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ) باسطات أجنحتهن بالهواء .

قيل خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم من في السماء والأرض ، ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) قال مجاهد : الصلاة لبني آدم ، والتسبيح لسائر الخلق .

وقيل : إن ضرب الأجنحة صلاة الطير وصوته تسبيحه .

قوله : ( كل قد علم ) أي : كل مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه .

وقيل : معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه ، ( والله عليم بما يفعلون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض» ومن التسبيح صلاة «والطير» جمع طائر بين السماء والأرض «صافّات» حال باسطات أجنحتهنَّ «كل قد علم» الله «صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون» فيه تغليب العاقل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تعلم - أيها النبي - أن الله يُسَبِّح له مَن في السموات والأرض من المخلوقات، والطير صافات أجنحتها في السماء تسبح ربها؟

كل مخلوق قد أرشده الله كيف يصلي له ويسبحه.

وهو سبحانه عليم، مُطَّلِع على ما يفعله كل عابد ومسبِّح، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم بذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أورد - سبحانه - هذين المثلين للذين كفروا وأعمالهم ، أتبع ذلك ببيان أن الكون كله يسبح بحمد الله - تعالى - وأن الكون كله فى ملكه وقبضته ، فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله .

.

.

) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ .

.

.

) للتقرير : والرؤية : بمعنى العلم .والتسبيح : مشتق من السبح ، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء .

فالمسبح : مسرع فى تنزيه الله - تعالى - وتقديسه وإثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال .والمعنى : لقد علمت أيها الرسول الكريم علما يشبه المشاهدة فى اليقين ، أن الله - تعالى - يسبحه ويقدسه وينزهه عن كل ما لا يليق به - عز وجل - جميع من فى السموات ، وجميع من فى الأرض .وقوله - تعالى - : ( والطير صَآفَّاتٍ ) برفع ، " والطير " على أنه معطوف على " من " وبنصب " صافات " على أنه حال .أى : والطير - أيضا - تسبح لله - تعالى - حال كونها صافات أجنحتها فى الجو ، دون أن يمسكها أحد إلا هو - سبحانه - .وخص الطيور بالذكر مع أنها مندرجة تحت من فى السموات والأرض لعدم استقرارها بصفة دائمة على الأرض ، فهى - فى مجموعها - تارة على الأرض ، وتارة فى الجو .وذكرها فى حال بسطها لأجنحتها لأن هذه الحالة من أعجب أحوالها ، حيث تكون فى الجو باسطة لأجنحتها بدون تحريك ، مما يدل على بديع صنع الله فى خلقه .وصدق الله إذ يقول : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ .

.

.

) وقوله - تعالى - : ( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) استئناف لبيان مظهر من مظاهر قدرة الله - تعالى - وحكمته ، حيث ألهم - سبحانه - كل مخلوق من مخلوقاته كيفية التسبيح لخالقه - عز وجل .والتنوني فى " كل " عوض عن المضاف إليه ، والضمير المحذوف الذى هو فاعل " علم " يعود على المصلى والمسبح .أى : كل واحد ممن يصلى لله - تعالى - ويسبح بحمده - سبحانه - ، قد علم معنى صلاته ومعنى تسبيحه ، فهو لم يعبد الله اتفاقا أو بلا روية ، وإنما عبده - تعالى - عن قصد ونية ، ولكن يكفية نفوض معرفتها إل الخالق - عز وجل - وحده .ومنهم من يرى أن الضمير فى " علم " يعود إلى الله - تعالى - فيكون المعنى : كل واحد من هؤلاء المصلين والمسبحين ، قد علم - سبحانه - صلاتهم وتسبيحهم له علما تاما شاملا .قال بعض العلماء ما ملخصه : واعلم أن الأظهر أن يكون ضمير الفاعل المحذوف فى قوله ( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) راجعا إلى المصلين والمسبحين أى : كل من المصلين قد علم صلاة نفسه ، وكل من المسبحين قد علم تسبيح نفسه ، لأنه على هذا القول يكون قوله - تعالى - ( والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ) من باب التأسيس .أما على القول بأن الضمير يعود إلى الله - تعالى - .

أى : كل واحد منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه .

فيكون قوله - تعالى - : ( والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ) من باب التأكيد اللفظى ، والتأسيس للأحكام أولى من التأكيد لها .والظاهر أن الطير تسبح وتصلى صلاة وتسبيحا يعلمهما الله ، ونحن لا نعلمهما كما قال - تعالى - ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ .

.

.

).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد: فالنوع الأول: ما ذكره في هذه الآية ولا شبهة في أن المراد ألم تعلم لأن التسبيح لا تتناوله الرؤية بالبصر ويتناوله العلم بالقلب، وهذا الكلام وإن كان ظاهره استفهاماً فالمراد التقرير والبيان، فنبه تعالى على ما يلزم من تعظيمه بأن من في السموات يسبح له وكذلك من في الأرض.

واعلم أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالة هذه الأشياء على كونه تعالى منزهاً عن النقائص موصوفاً بنعوت الجلال، وإما أن يكون المراد منه أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه وفي حق الباقين النطق باللسان، والقسم الأول أقرب لأن القسم الثاني متعذر، لأن في الأرض من لا يكون مكلفاً لا يسبح بهذا المعنى، والمكلفون منهم من لا يسبح أيضاً بهذا المعنى كالكفار، أما القسم الثالث وهو أن يقال إن من في السموات وهم الملائكة يسبحون باللسان، وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح باللسان ومنهم من يسبح على سبيل الدلالة فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً وهو غير جائز فلم يبق إلا القسم الأول وذلك لأن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى قدرته وإلهيته وتوحيده وعدله فسمى ذلك تنزيهاً على وجه التوسع.

فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه هاهنا بالعقلاء؟

قلنا لأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر وهي العقل والنطق والفهم.

أما قوله تعالى: ﴿ والطير صافات ﴾ فلقائل أن يقول ما وجه اتصال هذا بما قبله؟

والجواب: أنه سبحانه لما ذكر أن أهل السموات وأهل الأرض يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء الذي هو بين السماء والأرض وهو الطير يسبحون، وذلك لأن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه وجعل طيرانها سجوداً منها له سبحانه، وذلك يؤكد ما ذكرناه من أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأحوال على التنزيه لا النطق اللساني.

أما قوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ ففيه ثلاثة أوجه: الأول: المراد كل قد علم الله صلاته وتسبيحه قالوا ويدل عليه قوله سبحانه: ﴿ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ وهو اختيار جمهور المتكلمين والثاني: أن يعود الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ ﴿ كُلٌّ ﴾ أي إنهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح والثالث: أن تكون الهاء راجعة على ذكر الله يعني قد علم كل مسبح وكل مصل صلاة الله التي كلفه إياها وعلى هذين التقديرين فقوله: ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ استئناف وروي عن أبي ثابت قال كنت جالساً عند محمد بن جعفر الباقر رضي الله عنه فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟

قال لا، قال فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن.

واستبعد المتكلمون ذلك فقالوا الطير لو كانت عارفة بالله تعالى لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا لكنها ليست كذلك، فإنا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصاناً من الصبي الذي لا يعرف هذه الأمور فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله تعالى استحال كونها مسبحة له بالنطق، فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال على ما تقدم تقريره.

قال بعض العلماء إنا نشاهد أن الله تعالى ألهم الطيور وسائر الحشرات أعمالاً لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه، وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من وجوه: أحدها: احتيالها في كيفية الاصطياد فتأمل في العنكبوت كيف يأتي بالحيل اللطيفة في اصطياد الذباب، ويقال إن الدب يستلقي في ممر الثور فإذا أرام نطحه شبث ذراعيه بقرينه ولا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه، وأنه يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويضرب الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاود يتشممه ويتجسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضاً بالواحدة وصدمة بالأخرى ثم ينفخ فيه فيذر قشره ويستف لبه، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة.

وثانيها: أمر النحل ومالها من الرياسة وبناء البيوت المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين.

وثالثها: انتقال الكراكي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طلباً لما يوافقها من الأهوية، ويقال إن من خواص الخيل أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذي قابله وقتاً ما والكلاب تتصايح بالعية المعروفة لها، والفهد إذا سقي أو شرب من الدواء المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان فأكله، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها كالعقعق وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطير كالشوك فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك فيفتح فاه فيخرج الطائر، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعتراً جبلياً ثم تعود وقد عوفيت من ذلك، وحكى بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ولا يزال ذلك دأبه فكان ذلك الشيخ قاعداً في كن غائر فعل القنصة وكانت البقلة قريبة من مكمنه فلما اشتغل الحبارى بالأفعى قلع البقلة فعادت الحبارى إلى منبتها ففقدته وأخذت تدور حول منبتها دوراناً متتابعاً حتى خر ميتاً فعلم الشيخ أنه كان يتعالج بأكلها من اللسعة، وتلك البقلة كانت هي الجرجير البري، وأما ابن عرس فيستظهر في قتال الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية مما تنفر منها الأفعى والكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح، وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضاً داوت جراحها بالصعتر الجبلى.

ورابعها: القنافذ قد تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها وكان بالقسطنطينية رجل قد أثرى بسبب أنه كان ينذر بالرياح قبل هبوبها وينتفع الناس بإنذاره وكان السبب فيه قنفذاً في داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به، والخطاف صانع جيد في اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدراً من الطين، وإذا أفرخ بالغ في تعهد الفراخ ويأخذ ذرقها بمنقاره ويرميها عن العش، ثم يعلمها إلقاء الذرق نحو طرف العش، وإذا دنا الصائد من مكان فراخ القبجة ظهرت له القبجة وقربت منه مطمعة له ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب فراخها، وناقر الخشب قلما يقع على الأرض بل على الشجر ينقر الموضع الذي يعلم أن فيه دوداً، والغرانيق تصعد في الجو جداً عند الطيران فإن حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعاً يلزم به بعضها بعضاً، فإذا نامت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه، وإذا سمع حرساً صاح، وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضاً أمر عجيب، واعلم أن الاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان، والمقصود أن الأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال إنها ملهمة من عند الله تعالى بمعرفته والثناء عليه وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس؟

ولله در شهاب الإسلام السمعاني حيث قال: جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال.

أما قوله سبحانه: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض وإلى الله المصير ﴾ فهو مع وجازته فيه دلالة على تمام علم المبدأ والمعاد، فقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ تنبيه على أن الكل منه لأن كل ما سواه ممكن ومحدث والممكن والمحدث لا يوجدان إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب فدخل في هذه القضية جميع الأجرام والأعراض وأفعال العباد وأقوالهم وخواطرهم.

وأما قوله: ﴿ وإلى الله المصير ﴾ فهو عبارة تامة في معرفة المعاد وهو أنه لابد من مصير الكل إليه سبحانه، وله وجه آخر وهو أن الوجود يبدأ من الأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأخس فالأخس ثم يأخذ من الأخس فالأخس مترقياً إلى الأشرف فالأشرف، فإنه يكون جسماً ثم يصيره موصوفاً بالنباتية ثم الحيوانية ثم الإنسانية ثم الملكية ثم ينتهي إلى واجب الوجود لذاته، فالاعتبار الأول هو قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ والثاني هو قوله: ﴿ وإلى الله المصير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ صافات ﴾ يصففن أجنحتهن في الهواء.

والضمير في ﴿ عِلْمٍ ﴾ لكل أو لله.

وكذلك في ﴿ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ والصلاة: الدعاء.

ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ ألَمْ تَعْلَمْ عِلْمًا يُشْبِهُ المُشاهَدَةَ في اليَقِينِ والوَثاقَةَ بِالوَحْيِ أوِ الِاسْتِدْلالِ.

﴿ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يُنَزِّهُ ذاتَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وآفَةٍ أهْلُ السَّمَواتِ والأرْضِ، و ( مَن ) لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ أوِ المَلائِكَةِ والثَّقَلانِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن مَقالٍ أوْ دَلالَةِ حالٍ.

﴿ والطَّيْرُ ﴾ عَلى الأوَّلِ تَخْصِيصٌ لِما فِيها مِنَ الصُّنْعِ الظّاهِرِ والدَّلِيلِ الباهِرِ ولِذَلِكَ قَيَّدَها بِقَوْلِهِ: ﴿ صافّاتٍ ﴾ فَإنَّ إعْطاءَ الأجْرامِ الثَّقِيلَةِ ما بِهِ تَقْوى عَلى الوُقُوفِ في الجَوِّ باسِطَةً أجْنِحَتَها بِما فِيها مِنَ القَبْضِ والبَسْطِ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ تَعالى ولُطْفِ تَدْبِيرِهِ.

﴿ كُلٌّ ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِمّا ذَكَرَ أوْ مِنَ الطَّيْرِ.

﴿ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ أيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ دُعاءَهُ وتَنْزِيهَهُ اخْتِيارًا أوْ طَبْعًا لِقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ أوْ عَلِمَ كُلٌّ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِ في الدَّلالَةِ عَلى الحَقِّ والمَيْلِ إلى النَّفْعِ عَلى وجْهٍ يَخُصُّهُ بِحالِ مَن عَلِمَ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَ اللَّهُ تَعالى الطَّيْرَ دُعاءً وتَسْبِيحًا كَما ألْهَمَها عُلُومًا دَقِيقَةً في أسْبابٍ تُعَيِّشُها لا تَكادُ تَهْتَدِي إلَيْها العُقَلاءُ.

﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَإنَّهُ الخالِقُ لَهُما وما فِيهِما مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ مِن حَيْثُ إنَّها مُمْكِنَةٌ واجِبَةُ الِانْتِهاءِ إلى الواجِبِ.

﴿ وَإلى اللَّهِ المَصِيرُ ﴾ مَرْجِعُ الجَمِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ألم تر} ألم تعلم يا محمد علما يقوم مقام العيان في الإيقان {أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ مَن فِى السماوات والأرض والطير} عطف على من {صافات} حال من الطير أي يصففن أجنحتهن في الهواء {كُلٌّ قَدْ علم صلاته وتسبيحه} الضمير فى علم لكل أو الله وكذا في صلاته وتسبيحه والصلاة الدعاء ولم يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التى لا يكاد العقلاء يهتدون إليها {والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} لا يعزب عن علمه شئ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ  لِلْإيذانِ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أفاضَ عَلَيْهِ أعْلى مَراتِبِ النُّورِ وأجْلاها وبَيَّنَ لَهُ مِن أسْرارِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ أدَقَّها وأخْفاها.

وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: هو بَيانٌ لِلْآياتِ الَّتِي جَعَلَها نُورًا والخِطابُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ والرُّؤْيَةُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ والظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَها عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ.

وقِيلَ هي حَقِيقَةٌ في الأبْصارِ وإطْلاقُها عَلى العِلْمِ اسْتِعارَةٌ أوْ مُجازٌ لِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ألَمْ تَعْلَمْ بِالوَحْيِ أوْ بِالمُكاشَفَةِ أوْ بِالِاسْتِدْلالِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُنَزِّهُهُ آنًا فَآنًا في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ مِن نَقْصٍ أوْ خَلَلٍ تَنْزِيهًا مَعْنَوِيًّا تَفْهَمُهُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ جَمِيعُ مَن في السَّمَواتِ والأرْضِ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ كائِنًا ما كانَ فَإنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ مُرَكَّبًا كانَ أوْ بَسِيطًا فَهو مِن حَيْثُ ذاتِهِ ووُجُودِهِ وأحْوالِهِ المُتَجَدِّدَةِ لَهُ يَدُلُّ عَلى صانِعِ واجِبِ الوُجُودِ مُتَّصِفٍ بِصِفاتِ الكَمالِ مُنَزَّهٍ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنٍ مِن شُؤُونِهِ الجَلِيلَةِ وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى كَمالِ قُوَّةِ تِلْكَ الدَّلالَةِ وغايَةِ وُضُوحِها حَيْثُ عَبَّرَ عَنْها بِما يَخُصُّ العُقَلاءَ مِنَ التَّسْبِيحِ الَّذِي هو أقْوى مَراتِبِ التَّنْزِيهِ وأظْهَرِها تَنْزِيلًا لِلِسانِ الحالِ مَنزِلَةَ لِسانِ المَقالِ وتَخْصِيصُ التَّنْزِيهِ بِالذِّكْرِ مَعَ دَلالَةِ ما فِيهِما عَلى اتِّصافِهِ تَعالى بِنُعُوتِ الكَمالِ أيْضًا لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِتَقْبِيحِ حالِ الكَفَرَةِ في إخْلالِهِمْ بِالتَّنْزِيهِ بِجَعْلِهِمُ الجَماداتِ شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ونِسْبَتُهم إيّاهُ عَزَّ وجَلَّ إلى اتِّخاذِ الوَلَدِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، وإطْلاقُ مَن عَلى العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، ولا يُغْنِي عَنِ اعْتِبارِهِ أوِ اعْتِبارِ مَجازٍ مِثْلِهِ إسْنادُ التَّسْبِيحِ المُخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ التَّسْبِيحَ عَلى مَعْنًى مَجازِيٍّ شامِلٍ لِتَسْبِيحِ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ ويُسَمّى عُمُومَ المَجازَ.

ورَدَ بِأنَّ بَعْضًا مِنَ العُقَلاءِ وهُمُ الكَفَرَةُ مِنَ الثِّقْلَيْنِ لا يُسَبِّحُونَهُ بِذَلِكَ المَعْنى قَطْعًا وإنَّما تَسْبِيحُهم ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ الَّتِي يُشارِكُهم فِيها غَيْرُ العُقَلاءِ أيْضًا.

وفي ذَلِكَ مِن تَخْطِئَتِهِمْ وتَعْبِيرِهِمْ ما فِيهِ، والقَوْلُ بِأنَّ الكَفَرَةَ يُسَبِّحُونَ كالمُؤْمِنِينَ لَكِنْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ كَما قالَ الحَلّاجُ: جُحُودِي لَكَ تَقْدِيسٌ مِمّا لا يَقْبَلُهُ ذَوُو العُقُولِ وحَرِيٌّ بِأنْ لا يَكُونَ مِنَ المَقْبُولِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَتْ مَن لِلتَّغْلِيبِ يَنْدَرِجُ في عُمُومِها العُقَلاءُ المُطِيعُونَ والعُقَلاءُ العاصُونَ وغَيْرُ العُقَلاءِ مُطْلَقًا فَيَحْمِلُ التَّسْبِيحَ عَلى مَعْنًى مَجازِيٍّ يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى كُلِّ ما ذُكِرَ وأيُّ مانِعٍ مِن ذَلِكَ وهو كَما تَرى.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ إبْقاءَ التَّسْبِيحِ عَلى ظاهِرِهِ وتَخْصِيصَ مَن بِالعُقَلاءِ المُطِيعِينَ وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى.

﴿ والطَّيْرُ ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ( مَن ) وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ عَلَيْهِ مَعَ انْدِراجِها في جُمْلَةِ ما في الأرْضِ لِعَدَمِ اسْتِمْرارِ قَرارِها فِيها واسْتِقْلالِها بِصُنْعٍ بارِعٍ وإنْشاءٍ رائِعٍ قُصِدَ بَيانُ تَسْبِيحِها مِن تِلْكَ الجِهَةِ لِوُضُوحِ أنْبائِها عَنْ كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها ولُطْفِ تَدْبِيرِ مُبْدِعِها حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صافّاتٍ ﴾ أيْ تَسْبِيحِهِ الطَّيْرِ أيْ حالِ كَوْنِها صافّاتٍ أجْنِحَتِها فَإنَّ إعْطاءَهُ تَعالى لِلْأجْرامِ الثَّقِيلَةِ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الوُقُوفِ في الجَوِّ والحَرَكَةِ كَيْفَ شاءَ مِنَ الأجْنِحَةِ والأذْنابِ الخَفِيفَةِ وإرْشادُها إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِها بِالقَبْضِ والبَسْطِ والتَّحْرِيكِ يَمِينًا وشِمالًا ونَحْوِ ذَلِكَ حُجَّةً واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ المُجِيدِ، وغايَةُ حِكْمَةِ المُبْدِئِ المُعِيدِ، والعَطْفُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ عَلى ( مَن ) أيْضًا وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ، ونُقِلَ عَنِ الجُمْهُورِ أنَّ تَسْبِيحَها حَقِيقِيٌّ وظاهِرَهُ أنَّهُ عَلى نَحْوِ تَسْبِيحِ العُقَلاءِ مِنَ الثِّقْلَيْنِ، ولَعَلَّ مُلْتَزِمَ ذَلِكَ لا يَلْتَزِمُ وُجُوبَ كَوْنِ التَّسْبِيحِ الحَقِيقِيِّ بِالألْفاظِ المَأْلُوفَةِ لَنا وإلّا لا يَتَسَنّى القَوْلُ بِأنَّ تَسْبِيحَها حَقِيقِيٌّ مَعَ هَذا الوُجُوبِ لِفَقْدِ الألْفاظِ المَأْلُوفَةِ لَنا مِنها، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى ألْهَمَ الطَّيْرُ تَسْبِيحًا مَخْصُوصًا يَلِيقُ بِها هو غَيْرُ التَّسْبِيحِ الحالِيِّ الَّذِي هو الدَّلالَةُ السّابِقَةُ ويُقَدِّرُ فِعْلَ رافِعٍ لَها يُرادُ مِنهُ ذَلِكَ المَعْنى المُلْهَمُ أيْ ويُسَبِّحُ الطَّيْرُ، وتَخْصِيصُ تَسْبِيحِها بِذَلِكَ المَعْنى بِالذِّكْرِ لِما أنَّ أصْواتَها أظْهَرُ وُجُودًا وأقْرَبُ حَمْلًا عَلى التَّسْبِيحِ لَكِنَّ التَّقْيِيدَ بِالحالِ عَلى هَذا حالُهُ في الحَسَنِ دُونَ حالِهِ عَلى ما سَبَقَ.

وقَرَأ الأعْرَجُ «والطَّيْرُ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وقَرَأ الحَسَنُ وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ «والطَّيْرُ صافّاتٍ» بِرَفْعِهِما عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِيَّةِ، والظّاهِرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِبَيانِ كَمالِ عَراقَةِ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذَكَرَ مِنَ الطَّيْرِ وما انْدَرَجَ في عُمُومِ ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ في التَّنْزِيهِ ورُسُوخِ قَدَمِهِ فِيهِ بِتَمْثِيلِ حالِهِ بِحالِ مَن يَعْلَمُ ما يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الأفاعِيلِ فَيَفْعَلُها عَنْ قَصْدٍ ونِيَّةٍ لا عَنِ اتِّفاقٍ بِلا رَوِيَّةٍ، وقَدْ أدْمَجَ سُبْحانَهُ في تَضاعِيفِهِ الإشارَةَ إلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ مَعَ ما ذَكَرَ مِنَ التَّنْزِيهِ حاجَةً ذاتِيَّةً إلَيْهِ تَعالى واسْتِفاضَةً مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِما يُهِمُّهُ بِلِسانِ اسْتِعْدادِهِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ في حَدِّ ذاتِهِ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ لَكِنَّهُ مُسْتَعِدٌّ لِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِ مِنهُ تَعالى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِنَ الوُجُودِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الكِمالاتِ ابْتِداءً وبَقاءً فَهو مُسْتَفِيضٌ مِنهُ تَعالى عَلى الِاسْتِمْرارِ فَيَفِيضُ عَلَيْهِ في كُلِّ آنٍ مِن فُنُونِ الفَيُوضِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيَّنَهُ وبَيْنَ العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لانْعَدَمَ بِالمَرَّةِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الِاسْتِفاضَةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي الدُّعاءُ والِابْتِهالُ لِتَكْمِيلِ التَّمْثِيلِ، وتَقْدِيمُها عَلى التَّسْبِيحِ في الذِّكْرِ لِتَقَدُّمِها عَلَيْهِ في الرُّتْبَةِ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، والكَلامُ عَلَيْهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ والمُضافُ إلَيْهِ الَّذِي نابَ عَنْهُ تَنْوِينُ ﴿ كُلٌّ ﴾ ما يَشْمَلُ المَذْكُورَ المُصَرِّحَ بِهِ والمُنْدَرِجَ تَحْتَ العُمُومِ حَتّى الجَمادِ وضَمِيرُ ﴿ عَلِمَ ﴾ وكَذا ضَمِيرًا ﴿ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ لِكُلٍّ واحِدٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَكُونُ في ﴿ عَلِمَ ﴾ عَلى ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً وقالَ في بَيانِ ذَلِكَ: إنَّهُ يُشَبِّهُ دَلالَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ عَلى الحَقِّ بِلِسانِ الحَقِّ والمَقالِ ومَيْلِ كُلٍّ مِنهم إلى النَّفْعِ اخْتِيارًا أوْ طَبْعًا بِعِلْمِ التَّسْبِيحِ والصَّلاةِ فَيُطْلِقُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الدَّلالَةِ والمَيْلِ اسْمَ العَلَمِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ويُشْتَقُّ مِنهُ لَفْظَ عِلْمٍ، ومِن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ لا يَرْتَضِيهِ، وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الصَّلاةُ مَجازًا عَنِ المَيْلِ والتَّسْبِيحِ مَجازًا عَنِ الدَّلالَةِ ومَعَ هَذا قِيلَ إنَّهُ وإنْ صَحَّ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلتَّمْثِيلِ، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ الأوْلى أنْ يَجْعَلَ المُضافَ إلَيْهِ غَيْرُ شامِلٍ لِلْجَمادِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا ﴿ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ لِلَّهِ تَعالى عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلْمَفْعُولِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِمّا في السَّمَواتِ والأرْضِ ويَكُونُ ضَمِيرُ ﴿ عَلِمَ ﴾ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: يَجُوزُ أنْ لا يَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ والعِلْمُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الإدْراكِ ويُرادُ بِما نابَ عَنْهُ التَّنْوِينُ أنْواعَ الطَّيْرِ أوْ أفْرادَها وبِالصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ ما ألْهَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ المَخْصُوصِينَ بِهِ، ولا بُعْدَ في هَذا الإلْهامِ فَقَدْ ألْهَمَ سُبْحانَهُ كُلَّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ عُلُومًا دَقِيقَةً لا يَكادُ يَهْتَدِي إلَيْها جَهابِذَةُ العُقَلاءِ وهَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ أصْلًا كَيْفَ لا وأنَّ القُنْفُذَ مَعَ كَوْنِهِ أبْعَدَ الحَيَواناتِ مِنَ الإدْراكِ قالُوا: إنَّهُ يُحِسُّ بِالشَّمالِ والجَنُوبِ قَبْلَ هُبُوبِهِما فَيُغَيِّرُ المُدْخَلَ إلى جُحْرِهِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا لِبَيانِ كَمالِ الرُّسُوخِ في الأمْرَيْنِ وأنَّ صُدُورَهُما عَنِ الطَّيْرِ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ بِلا رَوِيَّةٍ بَلْ عَنْ عِلْمِ وإتْقانِ نَظِيرِ ما مَرَّ لَكِنْ لا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وقُدِّرَ فِعْلٌ رافِعٌ لِلطَّيْرِ عَلَيْهِ أيْ ويُسَبِّحُ الطَّيْرُ كَما تَقَدَّمَ ولَمْ تُجْعَلْ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ مَن ﴾ مَرْفُوعَةً بِرافِعِها قِيلَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ مَعْنًى مَجازِيٍّ شامِلٍ لِلتَّسْبِيحِ المَقالِيِّ والحالِيِّ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ، وجَوَّزَ جَعْلَ ما نابَ عَنْهُ التَّنْوِينُ ما يَشْمَلُ الطَّيْرَ وغَيْرَهُ مِنَ المُنْدَرِجِ في العُمُومِ السّابِقِ، وفِيهِ أنَّ مِمّا انْدَرَجَ في العُمُومِ الجَمادُ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ العِلْمُ وإنْ كانَ بِمَعْنًى مُطْلَقِ الإدْراكِ والتَزَمَ أنَّ لَهُ عِلْمًا وأنَّهُ سُبْحانَهُ ألْهَمَهُ صَلاةً وتَسْبِيحًا لائِقِينَ بِهِ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ في سُورَةِ الإسْراءِ فَتَذَكَّرْ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ العِلْمِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أنْ يَكُونَ عَطْفُ التَّسْبِيحِ عَلى الصَّلاةِ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَما المانِعُ مِن قَبُولِهِ عَلى التَّقْدِيرِ السّابِقِ مِن جَعْلِ الِاسْتِعارَةِ تَمْثِيلِيَّةً، نَعَمْ يَفُوتُ حِينَئِذٍ الإدْماجُ الَّذِي أُشِيرُ إلَيْهِ فِيما مَرَّ وهو لَيْسَ بِمانِعٍ، والحَقُّ أنَّ احْتِمالَ التَّفْسِيرِ بَعِيدٌ ولا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ بَلْ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ ما يَفُوتُ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ أيْ بِالَّذِي يَفْعَلُونَهُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، و (ما إمّا عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالفِعْلِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلَ الكَلامِ، وأمّا عِبارَةٌ عَنْها وعَنِ التَّسْبِيحِ الخاصِّ بِالطَّيْرِ مَعًا أوْ عَنْ تَسْبِيحِ الطَّيْرِ فَقَطْ فالفِعْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ وإسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لِما مَرَّ، والِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرٌ لِتَسْبِيحِ الطَّيْرِ فَقَطْ وعَلى الأوَّلِينَ لِتَسْبِيحِ الكُلِّ، وإمّا عِبارَةٌ عَنِ الأعَمِّ مِنَ الصَّلاةِ والتَّسْبِيحِ وغَيْرِهِما مِنَ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَمَّنْ في السَّمَواتِ والأرْضِ والأحْوالِ العارِضَةِ لَهُ والِاعْتِراضُ حِينَئِذٍ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ ﴾ أيِ اللَّهِ تَعالى صَلاتُهُ وتَسْبِيحُهُ، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ والإسْنادُ إلى ضَمِيرِ العُقَلاءِ لا يَخْفى، ولِتَعَدُّدِ الأوْجُهِ فِيما مَرَّ تَعَدَّدَتِ الِاحْتِمالاتُ هُنا فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى وسَلامٌ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «تَفْعَلُونَ» بِتاءِ الخِطابِ، وفِيهِ كَما قِيلَ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ ولَعَلَّ الظّاهِرَ أنَّ الخِطابَ فِيهِ لِلْكَفَرَةِ، ورُبَّما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ لَهم أيْضًا عَلى أنَّ المُرادَ بِالجُمْلَةِ تَخْوِيفُهم لِإعْراضِهِمْ عَنْ تَسْبِيحِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَمَّنْ أخْبَرَ بِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، وهَذا وإنْ كانَ بَعِيدًا إلّا أنَّ في القِراءَةِ المَذْكُورَةِ نَوْعَ تَأْيِيدٍ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ يعني: يصلي له ويذكر له.

ويقال: يخضع له.

مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي من في السموات من الملائكة، ومن فى الارض من الخلق.

وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ يعني: مفتوحة الأجنحة.

وأصل الصّفّ: هو البسط، ولهذا يُسمى اللحم القديد صفيفاً لأنه يبسط كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ يعني: كل واحد من المسبحين يعلم كيف يصلي، وكيف يسبح، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ يعني: والله يعلم عمل كل عامل، فيجازيهم بأعمالهم، إلا أنه لا يعجل بعقوبة المذنبين والكافرين، لأنه قادر عليهم.

قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذا معنى قوله وَلِلَّهُ ملك السّموات قال مجاهد في قوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه، ثم قال: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ يعني: إليه المرجع في الآخرة.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً يعني: يسوق سحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يعني: يجمع بينه ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً يعني: قطعاً قطعاً، ويقال: يجعل بعضها فوق بعض.

فَتَرَى الْوَدْقَ يعني: المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ يعني: من وسط السحاب.

قرأ ابن عباس: يخرج خلاله وقراءة العامة مِنْ خِلالِهِ، وهي جمع خلل.

وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ يعني: من جبال في السماء.

قال مقاتل: روي عن عمر  أنه قال: «جبال السماء أكثر من جبال الأرض، فِيهَا مِن بَرَدٍ» يعني: في الجبال من برد، ويقال: وهو الجبال من البرد، أي: ينزل من السماء من جبال البرد.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «البرد هو الثلج، وما رأيته» .

ويقال: الجبال عبارة عن الكثرة، يعني: ينزل الثلج مقدار الجبال، كما تقول: عند فلان جبال من مال، أي: مقدار جبال من كثرته.

ويقال البرد هو الذي له صلابة كهيئة الجمد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ يعني: البرد، يصيب الزرع والإنسان إذا كان في مفازة.

وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فلا يصيبه، ويقال: فَيُصِيبُ بِهِ، يعني: يعذب به من يشاء، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فلا يعذبه.

يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يعني: ضوء برقه.

يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ يعني: من شدة نوره.

قرأ أبو جعفر المدني: يذهب بضمِّ الياء وكسر الهاء، وقراءة العامة يَذْهَبُ بنصب الياء والهاء.

ثم قال: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعني: يذهب الله بالليل ويجيء بالنهار، ويقال ينقص من النهار، ويزيد من الليل.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في تقلبهما، واختلاف ألوانهما لَعِبْرَةً يعني: لآية لِأُولِي الْأَبْصارِ يعني: لذوي العقول والفهم في الدين.

وسئل سعيد بن المسيب: أي العبادة أفضل؟

فقال: «التفكير في خلقه والتَّفَقُّه في دينه» .

ويقال العِبَرُ بِالوِقَارِ، وَالْمُعْتَبِرُ بمثقال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ عطف على قوله: كَسَرابٍ وهذا المثال الأخير تضمن صفة أعمالهم في الدنيا، أي أَنَّهم من الضلال في مثل هذه الظلمات المجتمعة من هذه الأشياء، وذهب بَعْضُ الناس إلى أَنَّ في هذا المثالَ أجزاءً تقابل أجزاءً من المُمَثَّلِ به فقال:

الظلمات: الأعمال الفاسدة والمُعْتَقَدَاتُ الباطلة، والبحر اللُّجِّيُّ: صَدْرُ الكافر وقلبه، واللجي معناه: ذو اللجة وهي مُعْظَمُ الماء وغَمْرُه، واجتماع ما به أَشَدُّ لظلمته، والموج: هو الضلال والجهالة التي قد غمرت قلبَه، والسحاب هو شهوتُه في الكفر وإعراضه عن الإيمان.

قال ع «١» : وهذا التأويل سائغ وألّا يُقَدَّرُ هذا التقابل سائغ.

وقوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها لفظ يقتضي مبالغةَ الظلمة، واخْتُلِفَ في هذه اللفظة، هل معناها أَنَّهُ لم يريده البتَّة؟

أو المعنى أَنَّه رآها بعد عُسْرٍ وشِدَّةٍ وكاد أَلاَّ يراها، ووجه ذلك أَنَّ «كاد» إذا صَحِبَهَا حرف النفي، وَجبَ الفعل الذي بعدها، وإذا لم يصحبها انتفى الفعل، وكاد معناها: قارب.

وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ قالت فرقة: يريد في الدنيا، أي: مَنْ لم يهده الله لم يَهْتَدِ، وقالت فرقة: أراد في الآخرة، أي: مَنْ لم يرحمه الله ويُنَوِّرُ حاله بالمغفرة والرحمة فلا رحمة له.

٤٠ أقال ع «٢» : والأَوَّلُ أبينُ/ وأليق بلفظ الآية، وأيضاً فذلك متلازم، ونور الآخرة إنَّمَا هو لمن نوّر قلبه في الدنيا.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية: الرؤية هنا قلبية، والتسبيح: التنزيه والتعظيم، والآية عامَّةٌ عند المفسرين لكُلِّ شيء من العقلاء والجمادات.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ [ البَقَرَةِ: ٣٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والطَّيْرُ ﴾ أيْ: وتُسَبِّحُ لَهُ الطَّيْرُ ﴿ صافّاتٍ ﴾ أيْ: باسِطاتٍ أجْنِحَتَها في الهَواءِ.

وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّها تَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إذا طارَتْ، فَهي خارِجَةٌ عَنْ جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ ﴾ أيْ: مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي ذَكَرَها ﴿ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الصَّلاةُ، لِبَنِي آدَمَ، والتَّسْبِيحُ، لِغَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قَدْ عَلِمَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاةَ المُصَلِّي وتَسْبِيحَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ المُصَلِّي والمُسَبِّحُ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَدْ عَلِمَ المُصَلِّي والمُسَبِّحُ صَلاةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَهُ، أيْ: قَدْ عَرَفَ ما كُلِّفَ مِن ذَلِكَ.

والثّانِي: قَدْ عَلِمَ المُصَلِّي صَلاةَ اللَّهِ وتَسْبِيحَهُ، أيْ: عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ.

وَقَرَأ قَتادَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: " كُلٌّ قَدْ عُلِمَ " بِرَفْعِ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ " صَلاتُهُ وتَسْبِيحُهُ " بِالرَّفْعِ فِيهِما.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ والطَيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ "ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ الفِكْرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: كَأنَّهُ قالَ: انْتَبِهْ، اللهُ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَماواتِ، و"التَسْبِيحُ" هُنا التَعْظِيمُ والتَنْزِيهُ، فَهو مِنَ العُقَلاءِ بِالنُطْقِ وبِالصَلاةِ مِن كُلِّ ذِي دِينٍ، واخْتُلِفَ في تَسْبِيحِ الطَيْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَدْ ورَدَ الكِتابُ بِتَسْبِيحِهِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو لَفْظُ تَجَوُّزٍ، وإنَّما تَسْبِيحُهُ بِظُهُورِ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو -لِذَلِكَ- يَدْعُو إلى التَسْبِيحِ.

وقالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ عامَّةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، مَن لَهُ عَقْلٌ وسائِرُ الجَماداتِ، لَكِنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ ذَلِكَ عَبَّرَ عنهُ بِـ "مَن" تَغْلِيبًا لِحُكْمِ مَن يَعْقِلُ.

و"صافّاتٍ" مَعْناهُ: مُصْطَفَّةٌ في الهَواءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "والطَيْرُ" بِنَصْبِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "والطَيْرُ صافّاتٌ" مَرْفُوعَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمْ صَلاةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَ نَفْسِهِ، فَهو يُثابِرُ عَلَيْهِما ويُؤَدِّيهِما، قالَ مُجاهِدٌ: الصَلاةُ لِلْبِشْرِ والتَسْبِيحُ لِما عَداهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمْ صَلاةَ اللهِ وتَسْبِيحَ اللهِ اللَذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، وقالَ الزُجاجُ وغَيْرُهُ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمُ اللهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، فالضَمِيرانِ لِلْكُلِّ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عُلِمْ صَلاتُهِ وتَسْبِيحُهِ" بِالرَفْعِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ذَكَرَها أبُو حاتِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ في وصْفِ قُدْرَةِ اللهِ وعِلْمِهِ بِخَلْقِهِ، وقَرَأ عِيسى، والحُسْنُ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، فَفِيهِ المَعْنى المَذْكُورُ وزِيادَةُ الوَعِيدِ والتَخْوِيفِ مِنَ اللهِ تَعالى، وإعْلامٌ بَعْدُ بِكَوْنِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ لَهُ، وتَذْكِيرُهُ بِأمْرِ المَصِيرِ إلَيْهِ والحَشْرُ يُقَوِّي أمْرَ التَخْوِيفِ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "واللهُ بَصِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أُعقِب تمثيل ضلال أهل الضلالة وكيف حرمهم الله الهدى في قوله: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ [النور: 39، 40] بطلب النظر والاعتبار كيف هدى الله تعالى كثيراً من أهل السماوات والأرض إلى تنزيه الله المقتضي الإيمان به وحده، وبما ألهم الطير إلى أصواتها المعربة عن بهجتها بنعمة وجودها ورزقها الناشئَين عن إمداد الله إياها بهما فكانت أصواتها دلائل حال على تسبيح الله وتنزيهه عن الشريك، فأصواتها تسبيح بلسان الحال.

والجملة استئناف ابتدائي ومناسبته ما علمت.

وجملة: ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه ﴾ استئناف ثاننٍ وهو من تمام العبرة إذ أودع الله في جميع أولئك ما به ملازمتهم لما فُطروا عليه من تعظيم الله وتنزيهه.

فتسبيح العقلاء حقيقة، وتسبيح الطير مجاز مرسل في الدلالة على التنزيه.

وفيه استعمال لفظ التسبيح في حقيقته ومجازه، ولذلك خولف بينهما في الجملة الثانية فعبر بالصلاة والتسبيح مراعاة لاختلاف حال الفريقين: فريق العقلاء.

وفريق الطير وإن جمعتهما كلمة ﴿ كل ﴾ فأطلق على تسبيح العقلاء اسم الصلاة لأنه تسبيح حقيقي.

فالمراد بالصلاة الدعاء وهو من خصائص العقلاء، وليس في أحوال الطير ما يستقيم إطلاق الدعاء عليه على وجه المجاز وأبقي لدلالة أصوات الطير اسم التسبيح لأنه يطلق مجازاً على الدلالة بالصوت بعلاقة الإطلاق وذلك على التوزيع؛ ولولا إرادة ذلك لقيل: كل قد علم تسبيحه، أو كل قد علم صلاته.

والخطاب في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد من يَبلُغ إليه، أو الخطاب لغير معيّن فيعم كل مخاطب كما هو الشأن في أمثاله.

والاستفهام مستعمل كناية عن التعجيب من حال فريق المشركين الذين هم من أصحاب العقول ومع ذلك قد حرموا الهدى لما لم يجعله الله فيهم.

وقد جعل الهدى في العجماوات إذ جبلها على إدراك أثر نعمة الوجود والرزق.

وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً ﴾ [الفرقان: 44].

والصافّات من صفات الطير يراد به صفهن أجنحتهن في الهواء حين الطيران.

وتخصيص الطير بالذكر من بين المخلوقات للمقابلة بين مخلوقات الأرض والسماء بذكر مخلوقات في الجو بين السماء والأرض ولذلك قيّدت ب ﴿ صافات ﴾ .

وفعل ﴿ علم ﴾ مراد به المعرفة لظهور الفرق بين علم العقلاء بصلاتهم وعلم الطير بتسبيحها فإن الثاني مجرد شعور وقصد للعمل.

وضمائر ﴿ علم صلاته وتسبيحه ﴾ راجعة إلى ﴿ كل ﴾ لا محالة.

ولو كان المراد بها التوزيع على من في السماوات والأرض والطير من جهة وعلى اسم الجلالة من جهة لوقع ضمير فصل بعد ﴿ علم ﴾ فلكان راجعاً إلى الله تعالى.

والرؤية هنا بصرية لأن تسبيح العقلاء مشاهد لكل ذي بصر، وتسبيح الطير مشاهد باعتبار مسماه فما على الناظر إلا أن يعلم أن ذلك المسمى جدير باسم التسبيح.

وعلى هذا الاعتبار كان الاستفهام الإنكاري مكين الوقع.

وإن شئت قلت: إن جملة ﴿ ألم تر ﴾ جارية مجرى الأمثال في كلام البلغاء فلا التفات فيها إلى معنى الرؤية.

وقيل: الرؤية هنا قلبية.

وأغنى المصدر عن المفعولين.

وجملة: ﴿ والله عليم بما يفعلون ﴾ تذييل وهو إعلام بسعة علم الله تعالى الشامل للتسبيح وغيره من الأحوال.

والإتيان بضمير جمع العقلاء تغليب.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ في سورة البقرة (243) وقوله: ﴿ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ﴾ في سورة الأنعام (6).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والطَّيْرُ صافّاتٍ ﴾ أيْ مُصْطَفَّةُ الأجْنِحَةِ في الهَواءِ.

﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّلاةَ لِلْإنْسانِ والتَّسْبِيحَ لِما سِواهُ مِن سائِرِ الخَلْقِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّ هَذا في الطَّيْرِ وإنَّ ضَرْبَ أجْنِحَتِها صَلاةٌ وأنَّ أصْواتَها تَسْبِيحٌ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: أنَّ لِلطَّيْرِ صَلاةً لَيْسَ فِيها رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ، قالَهُ سُفْيانُ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ.

الثّانِي: أنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ إلى قوله: ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه ﴾ قال: الصلاة للإِنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ والطير صافات ﴾ قال: بسط أجنحتهن.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والطير صافات ﴾ قال: صافات بأجنحتها.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مسعر في قوله: ﴿ والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه ﴾ قال: قد سمي لها صلاة، ولم يذكر ركوعاً ولا سجوداً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ مضى تفسير هذا في سورة الحج (١) ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَالطَّيْرُ ﴾ عطف على (من) (٢) ﴿ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (٣) وقوله ﴿ صَافَّاتٍ ﴾ يعني باسطات أجنحتها في الهواء (٤) وقوله ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه (٥) وذكر الفراء (٦) (٧) (٨) أحدها: أن يعود الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ (كلّ) أي أنَّهم يعلمون بما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح.

والثاني: أن تكون الهاء راجعة على (٩) والثالث: أن يكون الذي يعلم (١٠) واختار (١١) ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ (١٢) وعلى هذا قال النَّحاس: كان من حكم النظم أن يكون (وهو عليم بما يفعلون) ولكن إظهار المضمر أفخم، وأنشد سيبويه (١٣) (١٤) (١٥) وعلى التقديرين الأولين قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ [بِمَا يَفْعَلُونَ]﴾ (١٦) (١) في (ظ): في سورة سبحان عند قوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده).

(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 141، "الإملاء" للعكبري 2/ 158، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 418.

(٣) ذكر البغوي 6/ 53 هذا القول صدَّره بقوله: قيل.

وذكره ابن الجوزي 6/ 51، وأبو حيان 6/ 463، ولم ينسباه لأحد.

(٤) الثعلبي 3/ 87 ب، والطبري 18/ 152.

(٥) رواه الطبري 18/ 152، وابن أبي حاتم 7/ 55 ب، وأبو الشيخ في "العظمة" 5/ 738، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 211، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

ورواه أيضًا النحاس في "معاني القرآن" 4/ 543 من طريق ابن أبي شيبة.

(٦) انظر: "معاني القرآن" 2/ 255.

(٧) انظر: "معاني القرآن" 4/ 48 - 49.

(٨) في (ظ)، (ع): (ثلاث).

(٩) في (ظ): (إلي).

(١٠) في (ظ): (يعلمه).

(١١) في (أ): (واختيار).

(١٢) "معاني القرآن" للزجَّاج 4/ 49.

وعلى قول الزجاج هذا يكون قوله (والله عليم بما يفعلون) تأكيد لفظيًا.

واستظهر أبو حيان 6/ 463 القول الأول الذي ذكره الواحدي.

واستظهره أيضًا الشنقيطي رحمه الله، واستدل بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ  ﴾ فقد ذكر فيها علمه، وحمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التأكيد.

انظر: "أضواء البيان" 6/ 244 - 245.

(١٣) البيت أنشده سيبويه في الكتاب 1/ 62 ونسبه لسوادة بن عدي، وكذلك نسبه له السيوطي في "شرح شواهد المغني" 2/ 176.

== وهو في "ديوان عدي بن زيد العبادي" ص 65، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 417 منسوبًا لعدي.

وقال الشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 30 وقيل لأمية بن أبي الصلت.

وهو من غير نسبة في "الخصائص" 3/ 53.

وصحح البغدادي في "الخزانة" 1/ 381 أن البيت لعدي بن زيد.

قال البغدادي في "الخزانة" 1/ 376 - 381: أي لا أرى الموت يسبقه شيء، أي لا يفوته، ...

وقوله نغص الموت ...

إلخ يريد: نغَّص عيش ذي الغنى والفقير.

يعني أن خوف الغني من الموت ينغص عليه الالتذاذ بالغنى والسرور به، وخوف الفقير من الموت ينغص عليه السعي في التماس الغنى، لأنه لا يعلم أنه إذا وصل إليه الغنى هل يبقى حتى ينتفع به أو يقتطعه الموت عن الانتفاع؟.

(١٤) في (أ): (والفقير).

(١٥) قول النحاس وما أنشده لسيبويه في كتابه "القطع والائتناف" ص 513.

(١٦) زيادة من (ع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ هذا هو المثال الثاني، وهو عطف على قوله: ﴿ كَسَرَابٍ ﴾ ، والمشبه بالظلمات أعمال الكافر: أي هم من الضلالة والحيرة في مثل الظلمات المجتمعة من ظلمة البحر تحت الموج تحت السحاب ﴿ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ﴾ منسوب إلى اللج، وهو معظم الماء، وذهب بعضهم إلى أن أجزاء هذا المثال قوبلت به أجزاء الممثل به: فالظلمات أعمال الكافر، والبحر اللجي صدره، والموج جهله، والسحاب الغطاء الذي على قلبه، وذهب بعضهم إلى أنه تمثيل بالجملة من غير مقابلة وفي وصف هذه الظلمات بهذه الأوصاف مبالغة كما أن وصف النور المذكور قبلها مبالغة ﴿ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ المعنى مبالغة في وصف الظلمة، والضمير في أخرج وما بعده للرجل الذي وقع في الظلمات الموصوفة، واختلف في تأويل الكلام: فقيل: المعنى إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، فنفى الرؤية ومقاربتها، وقيل: بل رآها بعد عسر وشدة، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإيجاب، وإذا أوجبت تقتضي النفي، وقال ابن عطية: إنما ذلك إذا دخل حرف النفي على الفعل الذي بعدها، فأما إذا دخل حرف النفي على كاد كقوله: لم يكد، فإنه يحتمل النفي والإيجاب.

﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً ﴾ أي من لم يهده الله لم يهتد، فالنور كناية عن الهدى، والإيمان، في الدنيا، وقيل: أراد في الآخرة أي من لم يرحمه الله فلا رحمة له، والأول أليق بما قبله، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ ﴾ الرؤية هنا بمعنى العلم والتسبيح التنزيه والتعظيم، وهو من العقلاء بالنطق، وأما تسبيح الطير وغيرها مما لايعقل، فقال الجمهور: إنه حقيقي، ولا يبعد أن يلهمها الله التسبيح، كما يلهمها الأمور الدقيقة التي لا يهتدي إليها العقلاء، وقيل: تسبيحه ظهور الحكمة فيه ﴿ صَآفَّاتٍ ﴾ يصففن أجنحتهن في الهواء ﴿ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ الضمير في ﴿ عَلِمَ ﴾ لله، أو لكل، والضمير في ﴿ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ لكل ﴿ يُزْجِي ﴾ معناه يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سوق كل ثقيل كالسحاب ﴿ رُكَاماً ﴾ متكاثف بعضه فوق بعض ﴿ الودق ﴾ المطر ﴿ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ أي من بينه، وهو جمع خلل كجبل وجبال ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ قيل: إن الجبال هنا حقيقة وأن الله جعل في السماء جبالاً من برد، وقيل: إنه مجاز كقولك عند فلان جبال من مال أو علم: أي هي في الكثرة كالجبال، و ﴿ مَن ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ السمآء ﴾ لابتداء الغاية، وفي قوله: ﴿ مِن جِبَالٍ ﴾ كذلك، وهي بدل من الأولى، وتكون للتبعيض، فتكون مفعول ينزل، و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِن بَرَدٍ ﴾ : لبيان الجنس أو للتبعيض فتكون مفعول ينزل، وقال الأخفش: هي زائدة، وذلك ضعيف، وقوله: ﴿ فِيهَا ﴾ صفة للجبال، والضمير يعود على السماء ﴿ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ السنا بالقصر الضوء، وبالمدّ المجد والشرف ﴿ يُقَلِّبُ الله الليل والنهار ﴾ أي يأتي بهذا بعد هذا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، و ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ ، ونحوه في الظاهر حرف تعجيب واستفهام، يقول الرجل لآخر: ألم تر كذا، وألم تعلم كذا؛ على التعجيب أو على الاستفهام، لكنه يخرج من الله على وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت وعلمت؛ إذ الاستفهام لا يجوز عنه.

والثاني: على الأمر؛ أي: اعلم ورِه؛ على ما ذكرنا في غير موضع.

وقوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل تسبيح من ذكر وجهين: أحدهما: تسبيح خلقة وصنعة؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانيته وتعاليه عن الأشباه وتنزيهه، والشهادة له بالربوبية، والتفرد بالألوهية له.

والثاني: يجعل الله -  - في هذه الخلائق من الطيور والدوابّ وغيرها معنى يسبحون له بذلك، يفهمون هم ذلك من أنفسهم، ويعرفون أنه تسبيح؛ وإن لم يفهم غيرهم من الخلائق، نحو ما ذكر من تسبيح الجبال والطير في قصة سليمان في قوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ  وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ  ﴾ .

ولو كان التسبيح ممن ذكر تسبيح خلقة لكان سليمان وغيره من الناس في ذلك شرعاً سواء؛ والعشي وغيره من الأوقات سواء، فدل تخصيص سليمان في ذلك، وتخصيص الأوقات من بين غيرهم على أن تسبيح هذه الأشياء ليس بتسبيح خلقة؛ ولكنه تسبيح عبادة بالمعنى الذي جعل له فيه، وإن لم يفهم غيره من الخلائق تسبيحهم؛ ألا ترى أن الله  أخبر عن قول النملة؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]، ثم معلوم أنه لم يكن حقيقة قوله كقول المميز والممتحن، ولكنه معنى، فهموا منها ذلك، فعلى ذلك الأول؛ ألا ترى أنه أخبر عن نظر الجوارح وشهادتها عليه يومئذ؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [النور: 24] وقال: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20] فيفهم هؤلاء من شهادة الجوارح عليهم ما لم يفهمه غيرهم حتى أنكروا عليها؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا.

وذلك جائز أن يكون لمعنى فيهم فهموه هم ولا يفهمه غيرهم؛ ألا ترى أنه الله جعل في سرّية الماء معنى يحيا به كل شيء إذا أصابه ووصل إليه، وذلك المعنى لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه وارتضاه لنفسه رسولا، فعلى ذلك تسبيح من في السماوات والأرض والطير وغيره، جعل في سرّيتهم معنى يعرفون هم من أنفسهم ذلك تسبيحاً له وتنزيهاً؛ وإن لم يفهمه غيرهم، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ .

حرف "من" إنما يعبر به عن التمييز وحرف "ما" يعبر به [عن] المميز.

وقوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ .

قال بعضهم: كل من فيها قد علم صلاته وتسبيحه؛ من الملائكة وغيرهم؛ بلغته ولسانه غير كفار الإنس والجن.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ ما ذكرنا أن كلا منهم يعرف ويفهم أنه يسبح له، وإن لم يفهم غيره، كأنه يذكر سلطانه وملكه وغناه عن عبادة هؤلاء والتسبيح؛ لأن من سبح له كل شيء في السماوات والأرض، فترك عبادة هؤلاء له وعبادته بمحل واحد لا ينفع ولا يضر.

أو أن يقول: من له ملك السماوات والأرض لا يقع له الحاجة إلى عبادة أحد ولا طاعته، وإنما الحاجة والمنفعة في الطاعة والعبادة لهم دون الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ على أثر ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا على الأول؛ أي: عليم بما يفعل من ذكر من التسبيح وغيره، أو أن يكون على ابتداء وعيد للخلق؛ أي: عليم بجميع ما يفعلون.

وقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ قد ذكر في غير موضع.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ ﴾ أي: قد صفت أجنحتها في الطيران، وكذلك قال أبو عوسجة، أي: صفت أجنحتها في الهواء فلا تحركها.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ﴾ قيل: يسوق سحاباً ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: بعضه إلى بعض ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ قال: فيها تقديم وتأخير ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ أي: قطعاً يحمل بعضه على أثر بعض ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: يضم السحاب بعضه إلى بعض بعد الركام.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُزْجِي ﴾ أي: يخرجه من الأرض فيسخره بين السماء والأرض ثم يجعله ركاماً.

وقوله: ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ وقيل: "خلله"؛ أي: من خلال السحاب ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ قال بعضهم: جبال من ثلج ينزل الله على السحاب منها الثلج والبرد.

وقال بعضهم: جبال خلقها الله من برد في السماء ثم ينزل.

وليس في الآية بيان أن الجبال التي ذكر أنها من السماء أنها من ثلج أو برد، سوى أنه أخبر أن فيها برداً؛ فالأشياء تشبه بالجبال وتنسب إليها؛ إما للكثرة، وإما للشدة والغلظ والعظم ثانياً؛ كقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...

﴾ الآية [النمل: 88]؛ فجائز أن تكون الجبال المذكورة في هذه الآية هي الجبال التي أخبر أنه ينزلها، أو لا يدري أين هي: في السماء أو فيما بين السماء والأرض؟

وقوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ في نفسه أو زرعه أو ثمره فيضره، ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ﴾ فلا يصيبه، وإن كان على هذا فهو يخرج على التعذيب، وكذلك عمل البرد يفسد في مكان، ويترك مكاناً لا يعمه، ولكن يصيب مكاناً ويخطئ مكاناً.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ من بركته ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ﴾ من بركته، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ قيل: ضوء برقه، كاد أن يقارب أن يذهب ضوء البرق بالأبصار من شدة نوره، ﴿ يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ﴾ تقليبه الليل والنهار واختلافهما: يأتي بهذا ويذهب بالآخر.

يذكر هذا - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ يخبر عن سلطانه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته، وقدرته، ما ذكر من سوق السحاب بين السماء والأرض، وتسخيره، وضم بعضه إلى بعض - دل ذلك أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، ودل نزول المطر وإصابته في مكان دون مكان، وتخطيه موضعاً دون موضع مع اتصال السحاب وانضمام بعض على بعض على السواء أنه على التدبير والعلم كان ذلك، لا بطباع السحاب، أو على جزاف.

ودل جريان الأمر واتساق التدبير فيما ذكرنا، وفي اختلاف الليل والنهار، وتقليبهما من حال إلى حال، من النقصان إلى الزيادة، ومن الزيادة إلى النقصان، واتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما - أنّه تدبير واحد، لا عدد؛ إذ لو كان تدبير عدد، لمنع بعض بعضاً عما يريد من التدبير والنفع، دل ذلك كله على أنه واحد، عليم، قادر، مدبّر، لا يعجزه شيء؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ ﴾ ؛ لما ذكرنا فيه من وجوه الاستدلال والاعتبار.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ يُزْجِي ﴾ أي: يسوق ﴿ رُكَاماً ﴾ بعضه فوق بعض ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ ﴾ أي: المطر ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ و ﴿ خِلاَلِهِ ﴾ ، ﴿ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ ضوءه.

قال أبو عوسجة: والركام: الكثير المتراكم الذي بعضه فوق بعض؛ يقال: ارتكم الشيء، أي: صار بعضه على بعض، ويقال: ركمت المتاع أركمه ركماً: إذا جعلت بعضه فوق بعض، والودق: المطر؛ يقال: ودقت السماء تدق ودقاً: أي: مطرت ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ أي: من بينه، وواحد الخلال: خلل، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ السنا مقصور، وهو الضوء؛ يقال: السنا: النار، وهو واحد.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ ﴾ هو - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ ذكر السحاب وما فيه من التدبير والعلم والحكمة، وذكر - أيضاً - تقليبه الليل والنهار وما فيهما من التدبير والعلم والحكمة والقدرة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ ﴾ يذكر قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ أخبر أنه خلق الخلائق كلهم من هذا الماء، على اختلاف أجناسهم وجواهرهم من شيء واحد وأنهم لم يكونوا بالطباع كذلك، ولكن بتدبير واحد عالم بذاته، لا بعلم وتدبير مستفاد، ولكن علم ذاتي؛ إذ لو كانوا بالطباع لخرجوا على تقدير واحد وصفة واحدة.

والثاني: أنه لا أحد من حكماء البشر يدرك كيفية إنشاء هذا العالم، وخلق هذه الخلائق من هذه المياه فإنه خلق ذلك، وليس في تلك المياه معنى ولا شيء من جوهر الخلائق دل إنشاؤه إياهم أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء يخلق بسبب وبغير سبب، وأنه خلق الخلائق بحكمة ذاتية؛ إذ لم يدرك ذلك حكماء البشر.

ودل خلق هذه الخلائق على هذه المعاني والأسباب أنه لم يخلقهم عبثاً ليتركهم سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم؛ فإذا ثبت الأمر والنهي ثبت الإحياء من بعد الممات للجزاء.

ودلت قدرته على خلق هذه الخلائق من الماء أنه قادر على الإحياء، وأنه لا يعجزه شيء؛ لأن من قدر على هذا لقادر على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ ﴾ يذكر هذا - والله أعلم - لأحد وجهين: إما تذكيراً إياه نعمه ومننه وفضله الذي أعطاهم وإحسانه الذي أحسن إليهم؛ لأنه أخبر أنه خلق هذا العالم معتدلا سويّاً من غير أن كان منهم اختيار لذلك.

أو يستوجبون ذلك قبله، وخلق غيرهم من الدواب منكبين على وجوههم وماشين على بطونهم، وذلك فضل منه ونعمة.

أو ذكر مثالا بحال الكفرة في الآخرة؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ...

﴾ الآية [الملك: 22]؛ أخبر أن الكفرة يكونون منكبين على وجوههم، وأهل الإسلام يمشون منتصبين مستوين ﴿ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ بسبب وبغير سبب ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة بالطباع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله يسبّح له من في السماوات، ويسبّح له من في الأرض من مخلوقاته، وتسبّح له الطيور قد صفّت أجنحتها في الهواء، كل من تلك المخلوقات علم الله صلاة من يصلّي منها كالإنسان، وتسبيح من يسئح منها كالطير، والله عليم بما يفعلون، لا يخفى عليه من أفعالهم شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.0EY1d"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله