الآية ٤٤ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٤٤ من سورة النور

يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ٤٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٤ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٤ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( يقلب الله الليل والنهار ) أي : يتصرف فيهما ، فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتى يعتدلا ثم يأخذ من هذا في هذا ، فيطول الذي كان قصيرا ، ويقصر الذي كان طويلا .

والله هو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه .

( إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) أي : لدليلا على عظمته تعالى ، كما قال الله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) [ آل عمران : 190 ] .

وما بعدها من الآيات الكريمات .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) يقول: يعقب اللهُ بين الليل والنهار ويصرفهما، إذا أذهب هذا جاء هذا، وإذا أذهب هذا جاء هذا( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ ) يقول: إنّ في إنشاء الله السحاب، وإنـزاله منه الودق، ومن السماء البردَ، وفي تقليبه الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر به، وعظةً لمن اتعظ به.

ممن له فهم وعقل; لأن ذلك ينبئ ويدلّ على أنه له مدبِّرا ومصرِّفًا ومقلبا لا يشبهه شيء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يقلب الله الليل والنهار قيل : تقليبهما أن يأتي بأحدهما بعد الآخر .

وقيل : تقليبهما نقصهما وزيادتهما .

وقيل : هو تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى ؛ وكذا الليل مرة بظلمة السحاب ومرة بضوء القمر ؛ قاله النقاش .

وقيل : تقليبهما باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر .

إن في ذلك أي في الذي ذكرناه من تقلب الليل والنهار ، وأحوال المطر والصيف والشتاء لعبرة أي اعتبارا لأولي الأبصار أي لأهل البصائر من خلقي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } من حر إلى برد، ومن برد إلى حر، من ليل إلى نهار، ومن نهار إلى ليل، ويديل الأيام بين عباده، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ } أي: لذوي البصائر، والعقول النافذة للأمور المطلوبة منها، كما تنفذ الأبصار إلى الأمور المشاهدة الحسية.

فالبصير ينظر إلى هذه المخلوقات نظر اعتبار وتفكر وتدبر لما أريد بها ومنها، والمعرض الجاهل نظره إليها نظر غفلة، بمنزلة نظر البهائم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يقلب الله الليل والنهار ) يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما يأتي بالليل ويذهب بالنهار ، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا الحميدي ، أخبرنا سفيان ، أخبرنا الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال الله تعالى : " يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر ، أقلب الليل والنهار " قوله تعالى : ( إن في ذلك ) يعني في ذلك الذي ذكرت من هذه الأشياء ، ( لعبرة لأولي الأبصار ) يعني : دلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يقلب الله الليل والنهار» أي يأتي بكل منهما بدل الآخر «إن في ذلك» التقليب «لعبرة» دلالة «لأولي الأبصار» لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن دلائل قدرة الله سبحانه وتعالى أنه يقلب الليل والنهار بمجيء أحدهما بعد الآخر، واختلافهما طولا وقِصَرًا، إن في ذلك لَدلالة يعتبر بها كل مَن له بصيرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن ساق - سبحانه - هذا الدليل العلوى على وحدانيته وقدرته .

أتبعه بدليل زمنى يحسه الناس ويشاهدونه فى حياتهم فقال : ( يُقَلِّبُ الله الليل والنهار ) أى : يعاقب بينهما فيأتى بهذا ، ويذهب بذاك ، وينقص أحدهما ويزيد فى الآخر ، ويجعل أولهما وقتا لحلول نعمه والثانى لنزول نقمه ، أو العكس ، فهو - سبحانه - صاحبهما والمتصرف فيها " إن فى ذلك " التقليب والإزجاء والتأليف ، وغير ذلك من مظاهر قدرته المبثوثة فى الآفاق " لآيات " عظيمة " لأولى الأبصار " التى تبصر قدرة الله - تعالى - وتعتبر بها ، فتخلص له العبادة والطاعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدلائل وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ بعين عقلك والمراد التنبيه والإزجاء السوق قليلاً قليلاً، ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد وإزجاء السير في الإبل الرفق بها حتى تسير شيئاً فشيئاً ثم يؤلف بينه، قال الفراء (بين) لا يصلح إلا مضافاً إلى اسمين فما زاد، وإنما قال: ﴿ بَيْنَهُ ﴾ لأن السحاب واحد في اللفظ، ومعناه الجمع والواحد سحابة، قال الله تعالى: ﴿ وَيُنْشِئ السحاب الثقال  ﴾ والتأليف ضم شيء إلى شيء أي يجمع بين قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ أي مجتمعاً، والركم جمعك شيئاً فوق شيء حتى تجعله مركوماً، والودق: المطر، قاله ابن عباس وعن مجاهد: القطر، وعن أبي مسلم الأصفهاني: الماء.

﴿ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ من (شقوقه ومخارقه) جمع خلل كجبال في جمع جبل، وقرئ ﴿ مِنْ خلله ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أن قوله: ﴿ يُزْجِي سَحَاباً ﴾ يحتمل أنه سبحانه ينشئه شيئاً بعد شيء، ويحتمل أن يغيره من سائر الأجسام لا في حالة واحدة، فعلى الوجه الأول يكون نفس السحاب محدثاً، ثم إنه سبحانه يؤلف بين أجزائه، وعلى الثاني يكون المحدث من قبل الله تعالى تلك الصفات التي باعتبارها صارت تلك الأجسام سحاباً، وفي قوله: ﴿ ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ ﴾ دلالة على وجودها متقدماً متفرقاً إذ التأليف لا يصح إلا بين موجودين، ثم إنه سبحانه يجعله ركاماً، وذلك بتركب بعضها على البعض، وهذا مما لابد منه لأن السحاب إنما يحمل الكثير من الماء إذا كان بهذه الصفة وكل ذلك من عجائب خلقه ودلالة ملكه واقتداره، قال أهل الطبائع إن تكون السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار وفي الأقل من تكاثف الهواء، أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلاً وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء.

وأما إن كان البخار كثيراً ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ فإن بلغت فإما أن يكون البرد هناك قوياً أو لا يكون، فإن لم يكن البرد هناك قوياً تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد، واجتمع وتقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم، وأما إن كان البرد شديداً فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كباراً أو بعد صيرورتها كذلك، فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجاً، وإن كان على الوجه الثاني نزل برداً، وأما إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهي إما أن تكون كثيرة أو تكون قليلة، فإن كانت كثيرة فهي قد تنعقد سحاباً ماطراً وقد لا تنعقد، أما الأول فذاك لأحد أسباب خمسة: أحدها: إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة.

وثانيها: أن تكون الرياح ضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح.

وثالثها: أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتمنع صعود الأبخرة حينئذ.

ورابعها: أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته، ثم يلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة المدد.

وخامسها: لشدة برد الهواء القريب من الأرض.

وقد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعوداً يسيراً حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة، ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس، وأما إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فإذا ضربها برد الليل كثفها وعقدها ماء محسوساً فنزل نزولاً متفرقاً لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به، فإن لم يجمد كان طلاً، وإن جمد كان صقيعاً، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر، وأما تكون السحاب من انقباض الهواء فذلك عندما يبرد الهواء وينقبض، وحينئذ يحصل منه الأقسام المذكورة والجواب: أنا لما دللنا على حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادراً مختاراً يمكنه إيجاد الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه، وأيضاً فهب أن الأمر كما ذكرتم، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلابد لها من مؤثر.

ثم إنها متماثلة، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لابد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقاً لتلك الطبائع وتلك الطبائع مؤثرة في هذه الأحوال وخالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يزجي سحاباً، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء، ثم إن تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذي جعلها ركاماً، فثبت على جميع التقديرات أن وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بين.

أما قوله سبحانه: ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: أحدهما: أن في السماء جبالاً من برد خلقها الله تعالى كذلك، ثم ينزل منها ما شاء وهذا القول عليه أكثر المفسرين، قال مجاهد والكلبي: جبال من برد في السماء والقول الثاني: أن السماء هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس سمي بذلك لسموه وارتفاعه، وأنه تعالى أنزل من هذا الغيم الذي هو سماء البرد وأراد بقوله: ﴿ مِن جِبَالٍ ﴾ السحاب العظام لأنها إذا عظمت أشبهت الجبال، كما يقال فلان يملك جبالاً من مال ووصفت بذلك توسعاً وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله تعالى في السحاب، ثم أنزله إلى الأرض، وقال بعضهم إنما سمى الله ذلك الغيم جبالاً، لأنه سبحانه خلقها من البرد، وكل جسم شديد متحجر فهو من الجبال، ومنه قوله تعالى: ﴿ واتقوا الذي خَلَقَكُمْ والجبلة الأولين  ﴾ ومنه فلان مجبول على كذا، قال المفسرون والأول أولى لأن السماء اسم لهذا الجسم المخصوص، فجعله اسماً للسحاب بطريقة الاشتقاق مجاز، وكما يصح أن يجعل الله الماء فى السحاب ثم ينزله برداً، فقد يصح أن يكون في السماء جبال من برد، وإذا صح في القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر.

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي قوله تعالى: ﴿ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء، والثالثة للتبيين لأن جنس تلك الجبال جنس البرد، ثم قال ومفعول الإنزال محذوف والتقدير وينزل من السماء من جبال فيها من برد، إلا أنه حذف للدلالة عليه.

أما قوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء ﴾ فالظاهر أنه راجع إلى البرد، ومعلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان ونبات، فبين سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة ويصرفه، أي يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقط عليه، ومن الناس من حمل البرد على الحجر وجعل نزوله جارياً مجرى عذاب الاستئصال وذلك بعيد.

أما قوله تعالى: ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ على الإدغام وقرئ (بُرَقه) جمع بُرْقة وهي المقدار من البرق وبُرُقه بضمتين للاتباع كما قيل في جمع فعلة فعلات كظلمات، و(سناء برقه) على المد والمقصور بمعنى الضوء والممدود بمعنى العلو والارتفاع من قولك سنى للمرتفع و ﴿ يَذْهَبُ بالأبصار ﴾ على زيادة الباء كقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة  ﴾ عن أبي جعفر المدني.

المسألة الثانية: وجه الاستدلال بقوله: ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار ﴾ أن البرق الذي يكون صفته ذلك لابد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة، والنار ضد الماء والبرد فظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد من الضد، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم.

المسألة الثالثة: اختلف النحويون في أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار فهل يجب أن تكون ذاهباً معه إلى الدار، فالمنكرون احتجوا بهذه الآية.

أما قوله: ﴿ يُقَلِّبُ الله اليل والنهار ﴾ فقيل فيه وجوه: منها تعاقبهما ومجيء أحدهما بعد الآخر وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً  ﴾ ومنها ولوج أحدهما في الآخر وأخذ أحدهما من الآخر.

ومنها تغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل لأنه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار ﴾ فالمعنى أن فيما تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على المرء أن يتدبر ويتفكر في هذه الأمور، ويدل أيضاً على فساد التقليد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُزْجِى ﴾ يسوق.

ومنه: البضاعة المزجاة: التي يزجيها كل أحد لا يرضاها.

والسحاب يكون واحداً كالعماء، وجمعاً كالرباب.

ومعنى تأليف الواحد: أنه يكون قزعاً فيضم بعضه إلى بعض.

وجاز بينه وهو واحد؛ لأن المعنى بين أجزائه، كما قيل في قوله: ...

بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ والركام: المتراكم بعضه فوق بعض.

والودق: المطر ﴿ مِنْ خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه: جمع خلل، كجبال في جبل.

وقرئ: ﴿ من خلله ﴾ ﴿ وَيُنَزّلُ ﴾ بالتشديد، ويكاد سنا: على الإدغام.

وبرقه: جمع برقة، وهي المقدار من البرق، كالغرفة واللقمة.

وبرقه: بضمتين للإتباع، كما قيل: في جمع فعلة: فعلات كظلمات.

و ﴿ سناء برقة ﴾ على المدّ المقصور، بمعنى الضوء، والممدود: بمعنى العلو والارتفاع، من قولك: سنيّ، مرتفع.

و ﴿ يَذْهَبُ بالأبصار ﴾ على زيادة الباء، كقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ [البقرة: 195] عن أبي جعفر المدني: وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته وظهور أمره، حيث ذكر تسبيح من في السموات والأرض وكل ما يطير بين السماء والأرض ودعاءهم له وابتهالهم إليه، وأنه سخر السحاب التسخير الذي وصفه وما يحدث فيه من أفعاله حتى ينزل المطر منه، وأنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها على ما تقتضيه حكمته، ويريهم البرق في السحاب الذي يكاد يخطف أبصارهم، ليعتبروا ويحذروا.

ويعاقب بين الليل والنهار، ويخالف بينهما بالطول والقصر.

وما هذه إلاّ براهين في غاية الوضوح على وجوده وثباته.

ودلائل منادية على صفاته، لمن نظر وفكر وتبصر وتدبر.

فإن قلت: متى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيح من في السموات ودعاءهم، وتسبيح الطير ودعاءه، وتنزيل المطر من جبال برد في السماء، حتى قيل له: ألم تر؟

قلت: علمه من جهة إخبار الله إياه بذلك على طريق الوحي.

فإن قلت: ما الفرق بين من الأولى والثانية والثالثة في قوله: ﴿ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ ﴾ ، ﴿ مِن بَرَدٍ ﴾ ؟

قلت: الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض.

والثالثة للبيان.

أو الأوليان للابتداء: والآخرة للتبعيض.

ومعناه: أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها، وعلى الأوّل مفعول ﴿ ينزل ﴾ : ﴿ من جبال ﴾ .

فإن قلت: ما معنى ﴿ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ ؟

قلت: فيه معنيان.

أحدهما: أن يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأَرض جبال حجر.

والثاني: أن يريد الكثرة بذكر الجبال، كما يقال: فلان يملك جبالاً من ذهب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ بِالمُعاقَبَةِ بَيْنَهُما أوْ بِنَقْصِ أحَدِهِما وزِيادَةِ الآخَرِ، أوْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِما بِالحَرِّ والبَرْدِ والظُّلْمَةِ والنُّورِ أوْ بِما يَعُمُّ ذَلِكَ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

﴿ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ لِدَلالَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الحاجَةِ وما يُفْضِي إلَيْها لِمَن يَرْجِعُ إلى بَصِيرَةٍ.

﴿ واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ ﴾ حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خالِقٌ كَلَّ دابَّةٍ» بِالإضافَةِ.

﴿ مِن ماءٍ ﴾ هو جُزْءُ مادَّتِهِ، أوْ ماءٌ مَخْصُوصٌ هو النُّطْفَةُ فَيَكُونُ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ إذْ مِنَ الحَيَواناتِ ما يَتَوَلَّدُ عَنِ النُّطْفَةِ، وقِيلَ ﴿ مِن ماءٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( دابَّةٍ ) ولَيْسَ بِصِلَةٍ لِـ ( خَلَقَ ) .

﴿ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ﴾ كالحَيَّةِ وإنَّما سُمِّيَ الزَّحْفُ مَشْيًا عَلى الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ.

﴿ وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ﴾ كالإنْسِ والطَّيْرِ.

﴿ وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ ﴾ كالنَّعَمِ والوَحْشِ ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما لَهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعٍ كالعَناكِبِ فَإنَّ اعْتِمادَها إذا مَشَتْ عَلى أرْبَعٍ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ والتَّعْبِيرِ بِمَن عَنِ الأصْنافِ لِيُوافِقَ التَّفْصِيلُ الجُمْلَةَ والتَّرْتِيبَ لِتَقْدِيمِ ما هو أعْرَفُ في القُدْرَةِ.

﴿ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ بَسِيطًا ومُرَكَّبًا عَلى اخْتِلافِ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والهَيْئاتِ والحَرَكاتِ والطَّبائِعِ والقُوى والأفْعالِ مَعَ اتِّحادِ العُنْصُرِ بِمُقْتَضى مَشِيئَتِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)

{يقلب الله الليل والنهار} يصرفها في الاختلاف طولاً وقصراً والتعاقب {إِنَّ فِى ذلك} فى إزجاء السحاب إلى وإنزال الودق والبرد وتقليب الليل والنهار {لَعِبْرَةً لأَِوْلِى الأبصار} لذوي العقول وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته حيث ذكر تسبيح من فى السموات والارض وما يطير بينهما ودعاء هم له وتسخير السحاب إلى آخر ما ذكر فهى براهين لائحة على وجوده دلائل واضحة على صفاته لم نظر وتدبير ثم بين دليلاً آخر فقال تعالى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ بِإتْيانِ أحَدِهِما بَعْدَ الآخَرِ أوْ بِنَقْصِ أحَدِهِما وزِيادَةِ الآخَرِ أوْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِما بِالحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِهِما مِمّا يَقَعُ فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ مِن إزْجاءِ السَّحابِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، وكَأنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الحِكْمَةِ فِيما مَرَّ، وعَلى الأوَّلَيْنِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَتَعاصاهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإزْجاءِ وما بَعْدَهُ، وقِيلَ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الرُّؤْيَةِ وأسْقَطَ حَرْفَ العَطْفِ لِقَصْدِ التَّعْدادِ وهو كَما تَرى ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ آنِفًا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ ﴿ لَعِبْرَةً ﴾ لِدَلالَةٍ واضِحَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ وتَنَزُّهِهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ العَلِيِّ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى الوَحْدَةِ بِواسِطَةِ بُرْهانِ التَّمانُعِ وإلّا فَفِيهِ خَفاءٌ بِخِلافِ دَلالَتِهِ عَلى ما عَدا ذَلِكَ فَإنَّها واضِحَةٌ ﴿ لأُولِي الأبْصارِ ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن لَهُ بَصِيرَةٌ يُراجِعُها ويَعْلَمُها فالأبْصارُ هُنا جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى البَصِيرَةِ بِخِلافِها فِيما سَبَقَ.

وقِيلَ: هو بِمَعْنى البَصَرِ الظّاهِرِ كَما هو المُتَبادِرُ مِنهُ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ دُونَ البَصائِرِ لِلْإيذانِ بِوُضُوحِ الدَّلالَةِ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ذَهابَ حَسَنِ التَّجْنِيسِ وارْتِكابِ ما هو كالإيطاءِ، واشْتُهِرَ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ جِناسٌ تامٌّ غَيْرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ  ﴾ وفِيهِ كَلامٌ نَقَلَهُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ ناشِئٌ عِنْدَ مَن دَقَّقَ النَّظَرَ مِن عَدَمِ الإتْقانِ، واسْتَنْبَطَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ حَجْرِ العَسْقَلانِيِّ مَوْضِعًا آخَرَ وهو هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وهو لا يَتِمُّ إلّا عَلى ما قُلْنا، وأشارَ إلَيْهِ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ ولَعَلَّ مَنِ اخْتارَ المُتَبادِرَ راعى أنَّ حَسَنَ تِلْكَ الإشارَةِ فَوْقَ حَسَنِ التَّجْنِيسِ فَتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ يعني: يصلي له ويذكر له.

ويقال: يخضع له.

مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي من في السموات من الملائكة، ومن فى الارض من الخلق.

وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ يعني: مفتوحة الأجنحة.

وأصل الصّفّ: هو البسط، ولهذا يُسمى اللحم القديد صفيفاً لأنه يبسط كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ يعني: كل واحد من المسبحين يعلم كيف يصلي، وكيف يسبح، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ يعني: والله يعلم عمل كل عامل، فيجازيهم بأعمالهم، إلا أنه لا يعجل بعقوبة المذنبين والكافرين، لأنه قادر عليهم.

قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذا معنى قوله وَلِلَّهُ ملك السّموات قال مجاهد في قوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه، ثم قال: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ يعني: إليه المرجع في الآخرة.

قوله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً يعني: يسوق سحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يعني: يجمع بينه ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً يعني: قطعاً قطعاً، ويقال: يجعل بعضها فوق بعض.

فَتَرَى الْوَدْقَ يعني: المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ يعني: من وسط السحاب.

قرأ ابن عباس: يخرج خلاله وقراءة العامة مِنْ خِلالِهِ، وهي جمع خلل.

وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ يعني: من جبال في السماء.

قال مقاتل: روي عن عمر  أنه قال: «جبال السماء أكثر من جبال الأرض، فِيهَا مِن بَرَدٍ» يعني: في الجبال من برد، ويقال: وهو الجبال من البرد، أي: ينزل من السماء من جبال البرد.

وروي عن ابن عباس أنه قال: «البرد هو الثلج، وما رأيته» .

ويقال: الجبال عبارة عن الكثرة، يعني: ينزل الثلج مقدار الجبال، كما تقول: عند فلان جبال من مال، أي: مقدار جبال من كثرته.

ويقال البرد هو الذي له صلابة كهيئة الجمد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ يعني: البرد، يصيب الزرع والإنسان إذا كان في مفازة.

وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فلا يصيبه، ويقال: فَيُصِيبُ بِهِ، يعني: يعذب به من يشاء، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ فلا يعذبه.

يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يعني: ضوء برقه.

يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ يعني: من شدة نوره.

قرأ أبو جعفر المدني: يذهب بضمِّ الياء وكسر الهاء، وقراءة العامة يَذْهَبُ بنصب الياء والهاء.

ثم قال: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعني: يذهب الله بالليل ويجيء بالنهار، ويقال ينقص من النهار، ويزيد من الليل.

إِنَّ فِي ذلِكَ يعني: في تقلبهما، واختلاف ألوانهما لَعِبْرَةً يعني: لآية لِأُولِي الْأَبْصارِ يعني: لذوي العقول والفهم في الدين.

وسئل سعيد بن المسيب: أي العبادة أفضل؟

فقال: «التفكير في خلقه والتَّفَقُّه في دينه» .

ويقال العِبَرُ بِالوِقَارِ، وَالْمُعْتَبِرُ بمثقال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ عطف على قوله: كَسَرابٍ وهذا المثال الأخير تضمن صفة أعمالهم في الدنيا، أي أَنَّهم من الضلال في مثل هذه الظلمات المجتمعة من هذه الأشياء، وذهب بَعْضُ الناس إلى أَنَّ في هذا المثالَ أجزاءً تقابل أجزاءً من المُمَثَّلِ به فقال:

الظلمات: الأعمال الفاسدة والمُعْتَقَدَاتُ الباطلة، والبحر اللُّجِّيُّ: صَدْرُ الكافر وقلبه، واللجي معناه: ذو اللجة وهي مُعْظَمُ الماء وغَمْرُه، واجتماع ما به أَشَدُّ لظلمته، والموج: هو الضلال والجهالة التي قد غمرت قلبَه، والسحاب هو شهوتُه في الكفر وإعراضه عن الإيمان.

قال ع «١» : وهذا التأويل سائغ وألّا يُقَدَّرُ هذا التقابل سائغ.

وقوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها لفظ يقتضي مبالغةَ الظلمة، واخْتُلِفَ في هذه اللفظة، هل معناها أَنَّهُ لم يريده البتَّة؟

أو المعنى أَنَّه رآها بعد عُسْرٍ وشِدَّةٍ وكاد أَلاَّ يراها، ووجه ذلك أَنَّ «كاد» إذا صَحِبَهَا حرف النفي، وَجبَ الفعل الذي بعدها، وإذا لم يصحبها انتفى الفعل، وكاد معناها: قارب.

وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ قالت فرقة: يريد في الدنيا، أي: مَنْ لم يهده الله لم يَهْتَدِ، وقالت فرقة: أراد في الآخرة، أي: مَنْ لم يرحمه الله ويُنَوِّرُ حاله بالمغفرة والرحمة فلا رحمة له.

٤٠ أقال ع «٢» : والأَوَّلُ أبينُ/ وأليق بلفظ الآية، وأيضاً فذلك متلازم، ونور الآخرة إنَّمَا هو لمن نوّر قلبه في الدنيا.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية: الرؤية هنا قلبية، والتسبيح: التنزيه والتعظيم، والآية عامَّةٌ عند المفسرين لكُلِّ شيء من العقلاء والجمادات.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ﴾ أيْ: يَسُوقُهُ ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أيْ: يَضُمُّ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، فَيَجْعَلُ القِطَعَ المُتَفَرِّقَةَ قِطْعَةً واحِدَةً.

والسَّحابُ لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمْعُ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا ﴾ أيْ: يَجْعَلُ بَعْضَ السَّحابِ فَوْقَ بَعْضٍ ﴿ فَتَرى الوَدْقَ ﴾ وهو المَطَرُ.

قالَ اللَّيْثُ: الوَدْقُ: المَطَرُ كُلُّهُ شَدِيدُهُ وهَيِّنُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن خِلالِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ: " مِن خَلَلِهِ "، والخِلالُ: جَمْعُ خَلَلٍ، مِثْلُ: جِبالٍ وجَبَلٍ.

﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ﴾ مَفْعُولُ الإنْزالِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ بَرَدًا، فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ.

و " مِن " الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ الإنْزالِ مِنَ السَّماءِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ بَعْضَ تِلْكَ الجِبالِ، والثّالِثَةُ لِتَبْيِينِ الجِنْسِ، لِأنَّ جِنْسَ تِلْكَ [الجِبالِ] جِنْسُ البَرَدِ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي جِبالٌ في السَّماءِ مَخْلُوقَةٌ مَن بَرَدٍ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ بَرَدٍ فِيها، كَما تَقُولُ: هَذا خاتَمٌ في يَدِي مِن حَدِيدٍ، المَعْنى: هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ في يَدِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ ﴾ أيْ: بِالبَرَدِ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ فَيَضُرُّهُ في زَرْعِهِ وثَمَرِهِ.

والسَّنا: الضَّوْءُ، ﴿ يَذْهَبُ ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: " يُذْهِبُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ.

﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ أيْ: يَأْتِي بِهَذا، ويَذْهَبُ بِهَذا ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ التَّقَلُّبِ ﴿ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ أيْ: دَلالَةً لِأهْلِ البَصائِرِ والعُقُولِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِن السَماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مِن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عن مِن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ﴾ ﴿ يُقَلِّبُ اللهُ اللَيْلَ والنَهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ "الرُؤْيَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ، والتَقْدِيرُ: أنَّ أمْرَ اللهِ وقُدْرَتَهُ.

و"يُزْجِي" مَعْناهُ: يَسُوقُ، والإزْجاءُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ كُلِّ ثَقِيلٍ ومُدافَعَتِهِ كالسَحابِ والإبِلِ المَزاحِفِ، كَما قالَ الفَرَزْدَقُ: .............................

عَلى مَزاحِفَ تُزْجِيها مَحاسِيرُ والبِضاعَةُ المُزْجاةُ: الَّتِي تَحْتاجُ مِنَ الشَفاعَةِ والتَحْسِينِ إلى ما هو كَسَوْقِ الثَقِيلِ، ومِنهُ قَوْلُ حَبِيبٍ في الشَيْبِ: "وَنَحْنُ نُزْجِيهِ" وسِيبَوَيْهِ أبَدًا يَقُولُ في كَلامِهِ: "فَأنْتَ تُزْجِيهِ إلى كَذا"، أيْ تَسُوقُهُ ثَقِيلًا مُتَباطِئًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أيْ بَيْنَ مُفْتَرَقِ السَحابِ نَفْسِهِ؛ لَأنَّ مَفْهُومَ السَحابِ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَهُ فُرُوجًا، وهَذا كَما تَقُولُ: جَلَسْتُ بَيْنَ الدُورِ، ولَوْ أُضِيفَتْ "بَيْنَ" إلى مُفْرَدٍ لَمْ يَصِحَّ إلّا أنْ تُرِيدَ آخَرَ، لا تَقُولُ: "جَلَسْتُ بَيْنَ الدارِ" إلّا أنْ تُرِيدَ: "وَبَيْنَ كَذا".

ووِرَشٌ عن نافِعٍ لا يَهْمِزُ "يُؤَلِّفُ"، وقالُونَ عن نافِعٍ، والباقُونَ يَهْمِزُونَ "يُؤَلِّفُ"، وهو الأصْلُ.

و"الرُكامُ": الَّذِي يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويَتَكاثَفُ، والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّ اللهَ تَعالى إذا جَعَلَ السَحابَ رُكامًا بِالرِيحِ عَصْرَ بَعْضَهُ بَعْضًا فَخَرَجَ الوَدْقُ مِنهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا  ﴾ ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: كِلْتاهُما حَلَبُ العَصِيرِ فَعاطِنِي ∗∗∗ بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمَفْصِلِ وَيُرْوى "لِلْمِفْصَلِ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِفَتْحِ الصادِ، فالمِفْصَلُ: واحِدُ المَفاصِلِ، والمَفْصِلُ: اللِسانُ، ويُرْوى بِالقافِ، أرادَ حَسّانُ الخَمْرَ والماءَ الَّذِي مُزِجَتْ بِهِ، أيْ: هَذِهِ مِن عَصْرِ العِنَبِ وهَذِهِ مِن عَصْرِ السَحابِ، فَسَّرَ هَذا التَفْسِيرَ قاضِي البَصْرَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ حَلَفَ صاحِبُهم بِالطَلاقِ أنْ يَسْألَ القاضِي عن تَفْسِيرِ بَيْتِ حَسّانَ.

و"الوَدْقَ": المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودَقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبَقَلَ إبْقالَها وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِن خِلالِهِ" وهو جَمْعُ خَلَلٍ، كَجَبَلٍ وجِبالٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضِحاكُ: "مِن خَلَلِهِ".

وقَرَأ عاصِمْ، والأعْرَجُ: "وَيُنَزِّلُ" عَلى المُبالَغَةِ، والجُمْهُورُ عَلى التَخْفِيفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ ﴾ قِيلَ: تِلْكَ حَقِيقَةٌ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى في السَماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، وإنَّما أرادَ وصْفَ كَثْرَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: عِنْدَ فُلانٍ جِبالٌ مِنَ المالِ، وجِبالٌ مِنَ العِلْمِ، أيْ في الكَثْرَةِ مِثْلَ الجِبالِ، وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ تَقْدِيرُهُ زِيادَةَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن بَرَدٍ"، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنَ السَماءِ" هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن جِبالٍ" هي لِلتَّبْعِيضِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن بَرَدٍ" هي لِبَيانِ الجِنْسِ.

وَ "السَنّا" (مَقْصُورٌ): الضَوْءُ، و"السَناءُ" (مَمْدُودًا): المَجْدُ والِارْتِفاعُ في المَنزِلَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَنا" بِالقَصْرِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "سَناءَ" بِالمَدِّ والهَمْزِ، وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا: "بُرَقِهِ" بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الراءِ، وهي جَمْعُ بُرْقَةٍ -بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الراءِ- فُعْلَةٍ، وهي القَدْرُ مِنَ البَرْقِ، كَلُقْمَةٍ ولُقَمٍ وغُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَذْهَبُ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "يَذْهَبُ" بِضَمِّها، مَن أذْهَبَ، كَأنَّ التَقْدِيرَ: يُذْهِبُ النُفُوسَ بِالأبْصارِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُهْنِ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ  ﴾ [الحَجُّ: ٢٥] فالباءُ زائِدَةٌ دالَّةٌ عَلى فِعْلٍ يُناسِبُها.

ثُمُ اقْتَضَتْ ألْفاظُ الآيَةِ الإخْبارَ عن تَقْلِيبِ اللَيْلِ والنَهارِ، والإتْيانِ بِهَذا بَعْدَ هَذا دُونَ تَوْطِئَةٍ، وهَذا هو الَّذِي تَعْجِزُ عنهُ الفُصَحاءُ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَخْلِيقُ في الألْفاظِ والتَوْطِئَةُ بِالكَلامِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

التقليب تغيير هيئة إلى ضدها ومنه ﴿ فأصبح يُقلب كفيه على ما أنفق فيها ﴾ [الكهف: 42] أي يدير كفيه من ظاهر إلى باطن، فتقليب الليل والنهار تغيير الأفق من حالة الليل إلى حالة الضياء ومن حالة النهار إلى حالة الظلام، فالمقلَّب هو الجو بما يختلف عليه من الأعراض ولكن لما كانت حالة ظلمة الجو تُسمى ليلاً وحالة نوره تسمى نهاراً عُبر عن الجو في حالتيه بهما، وعدي التقليب إليهما بهذا الاعتبار.

ومما يدخل في معنى التقليب تغيير هيئة الليل والنهار بالطول والقصر.

ولرعي تكرر التقلب بمعنييه عبر بالمضارع المقتضي للتكرر والتجدد.

والكلام استئناف.

وجيء به مستأنفاً غير معطوف على آيات الاعتبار المذكورة قبله لأنه أريد الانتقال من الاستدلال بما قد يخفى على بعض الأبصار إلى الاستدلال بما يشاهده كل ذي بصر كل يوم وكل شهر فهو لا يكاد يخفى على ذي بصر.

وهذا تدرج في موقع هذه الجملة عقب جملة ﴿ يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ﴾ [النور: 43] كما أشرنا إليه آنفاً.

ولذلك فالمقصود من الكلام هو جملة ﴿ إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ﴾ ، ولكن بني نظم الكلام على تقديم الجملة الفعلية لما تقتضيه من إفادة التجدد بخلاف أن يقال: إن في تقليب الليل والنهار لعبرة.

والإشارة الواقعة في قوله: ﴿ إن في ذلك ﴾ إلى ما تضمنه فعل ﴿ يقلب ﴾ من المصدر.

أي إن في التقليب.

ويرجح هذا القصد ذكر العبرة بلفظ المفرد المنكر.

والتأكيد ب ﴿ إن ﴾ إما لمجرد الاهتمام بالخبر وإما لتنزيل المشركين في تركهم الاعتبار بذلك منزلة من ينكر أن في ذلك عبرة.

وقيل: الإشارة بقوله: ﴿ إن في ذلك ﴾ إلى جميع ما ذكر آنفاً ابتداء من قوله: ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ [النور: 43] فيكون الإفراد في قوله: ﴿ لعبرة ﴾ ناظراً إلى أن مجموع ذلك يفيد جنس العبرة الجامعة لليقين بأن الله هو المتصرف في الكون.

ولم تَرد العبرة في القرآن معرّفة بلام الجنس ولا مذكورة بلفظ الجمع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُزْجِي سَحابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَنْزِلُهُ قَلِيلًا بَعْدَ قَلِيلٍ، ومِنهُ البِضاعَةُ المُزْجاةُ لِقِلَّتِها.

الثّانِي: أنَّهُ يَسُوقُهُ إلى حَيْثُ شاءَ ومِنهُ زَجا الخَراجُ إذا انْساقَ إلى أهْلِهِ قالَ النّابِغَةُ: إنِّي أتَيْتُكَ مِن أهْلِي ومِن وطَنِي أُزْجِي حُشاشَةَ نَفْسٍ ما بِها رَمَقُ ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أيْ يَجْمَعُهُ ثُمَّ يُفَرِّقُهُ عِنْدَ انْتِشائِهِ لِيَقْوى ويَتَّصِلَ.

﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا ﴾ أيْ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

﴿ فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الوَدْقَ البَرْقُ يَخْرُجُ مِن خِلالِ السَّحابِ قالَ الشّاعِرُ: أثَرْنَ عَجاجَةً وخَرَجْنَ مِنها ∗∗∗ خُرُوجَ الوَدْقِ مِن خَلَلِ السَّحابِ وَهَذا قَوْلُ أبِي الأشْهَبِ: الثّانِي: أنَّهُ المَطَرُ يَخْرُجُ مِن خِلالِ السَّحابِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبَقَلَ أبْقالَها ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ في السَّماءِ جِبالُ بَرَدٍ فَيَنْزِلُ مِن تِلْكَ الجِبالِ ما يَشاءُ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ.

الثّانِي: أنَّهُ يُنْزِلُ مِنَ السَّماءِ بَرَدًا يَكُونُ كالجِبالِ.

الثّالِثُ: أنَّ السَّماءَ السَّحابُ، سَمّاهُ لِعُلُوِّهِ، والجِبالَ صِفَةُ السَّحابِ أيْضًا سُمِّيَ جَبالًا لِعِظَمِهِ فَيَنْزِلُ مِنهُ بَرَدًا يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ فَتَكُونُ إصابَتُهُ نِقْمَةً وصَرْفُهُ نِعْمَةً.

﴿ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: صَوْتُ بَرْقِهِ.

الثّانِي: ضَوْءُ بَرْقِهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ: وما كادَتْ إذا رَفَعَتْ سَناها ∗∗∗ لَيُبْصِرُ ضَوْءَها إلّا البَصِيرُ الثّالِثُ: لَمَعانُ بَرْقِهِ، قالَهُ قَتادَةُ والصَّوْتُ حادِثٌ عَنِ اللَّمَعانِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: يُضِي سَناهُ أوْ مَصابِيحُ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ السَّلِيطَ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ فَيَكُونُ البَرْقُ دَلِيلًا عَلى تَكاثُفِ السَّحابِ، ونَذِيرًا بِقُوَّةِ المَطَرِ، ومُحَذِّرًا مِن نُزُولِ الصَّواعِقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو أنْ يَأْتِيَ بِاللَّيْلِ بَعْدَ النَّهارِ ويَأْتِيَ بِالنَّهارِ بَعْدَ اللَّيْلِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنْ يَنْقُصَ مِنَ اللَّيْلِ ما يَزِيدُ مِنَ النَّهارِ ويَنْقُصُ مِنَ النَّهارِ ما يَزِيدُ في اللَّيْلِ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُغَيِّرُ النَّهارَ بِظُلْمَةِ السَّحابِ تارَةً وبِضَوْءِ الشَّمْسِ أُخْرى، ويُغَيِّرُ اللَّيْلُ بِظُلْمَةِ السَّحابِ مَرَّةً وبِضَوْءِ القَمَرِ مَرَّةً، حَكاهُ النَّقّاشُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يُقَلِّبَها بِاخْتِلافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِما مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ونَفْعٍ وضُرٍّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ فترى الودق ﴾ قال: المطر.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فترى الودق ﴾ قال: القطر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بجيلة عن أبيه قال: ﴿ الودق ﴾ البرق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ من خلاله ﴾ قال: السحاب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قرأها ﴿ من خلله ﴾ بفتح الخاء من غير ألف.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال: لو أن الجليد ينزل من السماء الرابعة، لم يمر بشيء إلا أهلكه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يكاد سنا برقه ﴾ يقول: ضوء برقه.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يكاد سنا برقه ﴾ قال: السنا الضوء.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت أبا سفيان بن الحارث وهو يقول: يدعو إلى الحق لا يبغي به بدلاً ** يجلو بضوء سناه داجي الظلم وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يكاد سنا برقه ﴾ قال: لمعان البرق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب أن كعباً سأل عبد الله بن عمرو عن البرق قال: هو ما يسبق من البرد.

وقرأ ﴿ جبال فيها من برد يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يقلب الله الليل والنهار ﴾ قال: يأتي الليل، ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار، ويذهب بالليل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ قال السدي (١) (٢) (٣) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ التقلب (٤) ﴿ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ لدلالة لأهل (٥) (٦) ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ﴾ يعني كل [حيوان من] (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد الحيّات (١١) وقال مقاتل: يعني الهوام (١٢) ويدخل في هذا الجنس الحيتان والديدان.

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ ﴾ كالإنسان والطير (١٣) ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ﴾ كالبهائم والأنعام (١٤) قال أبو إسحاق: لما كان قوله: ﴿ كُلَّ دَابَّةٍ ﴾ لما يعقل ولما لا يعقل قيل: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي ﴾ .

ولما خلط الجماعة وقيل (١٥) (١٦) ﴿ مَنْ يَمْشِي ﴾ (١٧) وهذا معنى ما ذكره الفراء (١٨) وقال المبرّد: قوله: ﴿ كُلَّ دَابَّةٍ ﴾ للناس وغيرهم، وإذا اختلط النوعان حُمل الكلام على الأغلب كما تقول: جاءني أخواك، وأنت تريد: أخاه وأخته وهذا الوجه المستقيم، وقد يخلط بينهما وهما في الحكم (١٩) يا ليت زوجك قد غدا ...

متقلدًا سيفًا ورمحًا (٢٠) والرمح لا يتقلد، ولكنه لما كان محمولًا كالسيف سوى (٢١) شرَّاب ألبان وتمر (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال أبو عبيدة في قوله ﴿ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ﴾ : لا يكون المشي إلاَّ لما له قوائم، فإذا خُلط ما لا قوائم له مع ماله قوائم جاز أن تقول: يمشي، كما تقول: أكلت خبزًا ولبنًا (٢٥) وهذا ضد ما قال الزجاج في هذه الآية: كل سائر كان (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) والصحيح هذا لا ما قاله أبو عبيدة.

وباقي الآية والذي بعدها ظاهر.

قال ابن عباس (٣٠) (١) رواه ابن أبي حاتم 7/ 56 ب - 57 أعنه به.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 212 وعزاه لابن أبي حاتم.

(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 39 ب، 40 أ.

(٣) هذا أحد الوجوه في معنى تقليب الليل والنهار، وفيه وجوه أخرى ذكرها الماوردي وغيره منها: أولاً: أن معنى ذلك ولوج أحدهما في الآخر، وأخذ أحدهما من الآخر.

ثانيًا: أنه يغيِّر النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس أخرى، ويغيّر الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة.

وتغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما.

ثالثًا: أن تقلّبهما باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر.

قال الرازي: ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل، لأنَّه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى.

انظر الماوردي 4/ 114، الرازي 24/ 15، القرطبي 12/ 290 "البحر" لأبي حيان 6/ 465، ابن كثير 3/ 297.

(٤) هذا قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 40 أ.

وقيل: إن في ذلك المذكور من تسبيح من في السموات والأرض والطير له سبحانه، وإنشاء السحاب، وإنزال الودق منه، والبرد من السماء، وتقليبه الليل والنهار ..

انظر: "الطبري" 187/ 155، الثعلبي 3/ 87 ب، "تفسير سورة النور" للشنقيطي ص 166.

(٥) في (أ): (أهل).

(٦) (توحيده): ساقطة من (ظ)، (ع).

(٧) ساقط من (أ).

(٨) هذا قول الزجاج في "معانيه" 4/ 50 مع اختلاف يسير.

(٩) ذكر البغوي 6/ 55، والقرطبي 12/ 291 هذا القول من غير نسبة لأحد.

وقد روى مسلم في "صحيحه" كتاب: الزهد 4/ 2294 عن عائشة  ا قالت: قال رسول الله -  -: "خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجانُّ من مَّارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم".

(١٠) روى ابن أبي حاتم 7/ 57 أهذا القول عن ابن زيد، وحكاه الماوردي 4/ 114 عن السدي.

وعلى هذا القول اقتصر الطبري 18/ 155.

وحكى الماوردي 4/ 114، وابن الجوزي 6/ 53 في قوله: "من ماء" قولًا آخر: وهو أنه الماء المعروف، وهو أصل كل دابة.

(١١) ذكر الطبري 18/ 155 هذا القول ولم ينسبه لأحد.

(١٢) "تفسير مقاتل" 2/ 40 أ.

(١٣) الطبري 18/ 155، الثعلبي 3/ 88 أ.

(١٤) الطبري 18/ 155، الثعلبي 3/ 88 أ.

(١٥) في (ع): (قبل).

(١٦) الباء زيادة من المعاني يستقيم بها المعنى.

(١٧) "معاني القرآن" للزجَّاج 4/ 50 مع تقديم وتأخير واختلاف يسير.

(١٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 257.

(١٩) في (أ): (الحلم)، وهو خطأ.

(٢٠) البيت في "الكامل" 1/ 196 منسوبًا لعبد الله بن الزِّبعرى.

وهو من غير نسبة في: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 68، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 466، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 84 وفيه: "بعلك"، "أمالي المرتضى" 1/ 54، "أمالي ابن الشجري" 3/ 721، "الخصائص" لابن جني 2/ 431، "اللسان" 3/ 367 (لد).

(٢١) في (ع): (وسمَّى)، وهو خطأ.

(٢٢) في (أ): (وثمر)، وهو خطأ.

(٢٣) أنشد المبرّد هذا البيت من الرَّجز في "الكامل" 1/ 334، 371، 2/ 275، و"المقتضب" 2/ 50 من غير نسبة لأحد.

وهو في "الإنصاف في مسائل الخلاف" لأبي البركات ابن الأنباري 2/ 613، و"لسان العرب" 2/ 287 (زجج).

(٢٤) انظر نحو هذا الكلام للمبرد في "المقتضب" 2/ 49 - 50، "الكامل" 1/ 334، 371، 2/ 275.

(٢٥) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 68 مع اختلاف يسير.

(٢٦) (كان): ساقطة من (ع).

(٢٧) (له): ساقطة من (ظ)، (ع).

(٢٨) في (ظ): (مشمر) ومهملة في (ع).

(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 50.

(٣٠) لم أجد من ذكره عن ابن عباس.

وقد روى ابن أبي حاتم 7/ 57 ب، 58 أعنه أبي العالية وقتادة أنها في المنافقين.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ هذا هو المثال الثاني، وهو عطف على قوله: ﴿ كَسَرَابٍ ﴾ ، والمشبه بالظلمات أعمال الكافر: أي هم من الضلالة والحيرة في مثل الظلمات المجتمعة من ظلمة البحر تحت الموج تحت السحاب ﴿ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ﴾ منسوب إلى اللج، وهو معظم الماء، وذهب بعضهم إلى أن أجزاء هذا المثال قوبلت به أجزاء الممثل به: فالظلمات أعمال الكافر، والبحر اللجي صدره، والموج جهله، والسحاب الغطاء الذي على قلبه، وذهب بعضهم إلى أنه تمثيل بالجملة من غير مقابلة وفي وصف هذه الظلمات بهذه الأوصاف مبالغة كما أن وصف النور المذكور قبلها مبالغة ﴿ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ المعنى مبالغة في وصف الظلمة، والضمير في أخرج وما بعده للرجل الذي وقع في الظلمات الموصوفة، واختلف في تأويل الكلام: فقيل: المعنى إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، فنفى الرؤية ومقاربتها، وقيل: بل رآها بعد عسر وشدة، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإيجاب، وإذا أوجبت تقتضي النفي، وقال ابن عطية: إنما ذلك إذا دخل حرف النفي على الفعل الذي بعدها، فأما إذا دخل حرف النفي على كاد كقوله: لم يكد، فإنه يحتمل النفي والإيجاب.

﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً ﴾ أي من لم يهده الله لم يهتد، فالنور كناية عن الهدى، والإيمان، في الدنيا، وقيل: أراد في الآخرة أي من لم يرحمه الله فلا رحمة له، والأول أليق بما قبله، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ ﴾ الرؤية هنا بمعنى العلم والتسبيح التنزيه والتعظيم، وهو من العقلاء بالنطق، وأما تسبيح الطير وغيرها مما لايعقل، فقال الجمهور: إنه حقيقي، ولا يبعد أن يلهمها الله التسبيح، كما يلهمها الأمور الدقيقة التي لا يهتدي إليها العقلاء، وقيل: تسبيحه ظهور الحكمة فيه ﴿ صَآفَّاتٍ ﴾ يصففن أجنحتهن في الهواء ﴿ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ الضمير في ﴿ عَلِمَ ﴾ لله، أو لكل، والضمير في ﴿ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ لكل ﴿ يُزْجِي ﴾ معناه يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سوق كل ثقيل كالسحاب ﴿ رُكَاماً ﴾ متكاثف بعضه فوق بعض ﴿ الودق ﴾ المطر ﴿ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ أي من بينه، وهو جمع خلل كجبل وجبال ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ قيل: إن الجبال هنا حقيقة وأن الله جعل في السماء جبالاً من برد، وقيل: إنه مجاز كقولك عند فلان جبال من مال أو علم: أي هي في الكثرة كالجبال، و ﴿ مَن ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ السمآء ﴾ لابتداء الغاية، وفي قوله: ﴿ مِن جِبَالٍ ﴾ كذلك، وهي بدل من الأولى، وتكون للتبعيض، فتكون مفعول ينزل، و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِن بَرَدٍ ﴾ : لبيان الجنس أو للتبعيض فتكون مفعول ينزل، وقال الأخفش: هي زائدة، وذلك ضعيف، وقوله: ﴿ فِيهَا ﴾ صفة للجبال، والضمير يعود على السماء ﴿ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ السنا بالقصر الضوء، وبالمدّ المجد والشرف ﴿ يُقَلِّبُ الله الليل والنهار ﴾ أي يأتي بهذا بعد هذا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، و ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ ، ونحوه في الظاهر حرف تعجيب واستفهام، يقول الرجل لآخر: ألم تر كذا، وألم تعلم كذا؛ على التعجيب أو على الاستفهام، لكنه يخرج من الله على وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت وعلمت؛ إذ الاستفهام لا يجوز عنه.

والثاني: على الأمر؛ أي: اعلم ورِه؛ على ما ذكرنا في غير موضع.

وقوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل تسبيح من ذكر وجهين: أحدهما: تسبيح خلقة وصنعة؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانيته وتعاليه عن الأشباه وتنزيهه، والشهادة له بالربوبية، والتفرد بالألوهية له.

والثاني: يجعل الله -  - في هذه الخلائق من الطيور والدوابّ وغيرها معنى يسبحون له بذلك، يفهمون هم ذلك من أنفسهم، ويعرفون أنه تسبيح؛ وإن لم يفهم غيرهم من الخلائق، نحو ما ذكر من تسبيح الجبال والطير في قصة سليمان في قوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ  وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ  ﴾ .

ولو كان التسبيح ممن ذكر تسبيح خلقة لكان سليمان وغيره من الناس في ذلك شرعاً سواء؛ والعشي وغيره من الأوقات سواء، فدل تخصيص سليمان في ذلك، وتخصيص الأوقات من بين غيرهم على أن تسبيح هذه الأشياء ليس بتسبيح خلقة؛ ولكنه تسبيح عبادة بالمعنى الذي جعل له فيه، وإن لم يفهم غيره من الخلائق تسبيحهم؛ ألا ترى أن الله  أخبر عن قول النملة؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]، ثم معلوم أنه لم يكن حقيقة قوله كقول المميز والممتحن، ولكنه معنى، فهموا منها ذلك، فعلى ذلك الأول؛ ألا ترى أنه أخبر عن نظر الجوارح وشهادتها عليه يومئذ؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [النور: 24] وقال: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20] فيفهم هؤلاء من شهادة الجوارح عليهم ما لم يفهمه غيرهم حتى أنكروا عليها؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا.

وذلك جائز أن يكون لمعنى فيهم فهموه هم ولا يفهمه غيرهم؛ ألا ترى أنه الله جعل في سرّية الماء معنى يحيا به كل شيء إذا أصابه ووصل إليه، وذلك المعنى لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه وارتضاه لنفسه رسولا، فعلى ذلك تسبيح من في السماوات والأرض والطير وغيره، جعل في سرّيتهم معنى يعرفون هم من أنفسهم ذلك تسبيحاً له وتنزيهاً؛ وإن لم يفهمه غيرهم، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ .

حرف "من" إنما يعبر به عن التمييز وحرف "ما" يعبر به [عن] المميز.

وقوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ .

قال بعضهم: كل من فيها قد علم صلاته وتسبيحه؛ من الملائكة وغيرهم؛ بلغته ولسانه غير كفار الإنس والجن.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ ما ذكرنا أن كلا منهم يعرف ويفهم أنه يسبح له، وإن لم يفهم غيره، كأنه يذكر سلطانه وملكه وغناه عن عبادة هؤلاء والتسبيح؛ لأن من سبح له كل شيء في السماوات والأرض، فترك عبادة هؤلاء له وعبادته بمحل واحد لا ينفع ولا يضر.

أو أن يقول: من له ملك السماوات والأرض لا يقع له الحاجة إلى عبادة أحد ولا طاعته، وإنما الحاجة والمنفعة في الطاعة والعبادة لهم دون الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ على أثر ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا على الأول؛ أي: عليم بما يفعل من ذكر من التسبيح وغيره، أو أن يكون على ابتداء وعيد للخلق؛ أي: عليم بجميع ما يفعلون.

وقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ قد ذكر في غير موضع.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ ﴾ أي: قد صفت أجنحتها في الطيران، وكذلك قال أبو عوسجة، أي: صفت أجنحتها في الهواء فلا تحركها.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ﴾ قيل: يسوق سحاباً ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: بعضه إلى بعض ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ قال: فيها تقديم وتأخير ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ أي: قطعاً يحمل بعضه على أثر بعض ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: يضم السحاب بعضه إلى بعض بعد الركام.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُزْجِي ﴾ أي: يخرجه من الأرض فيسخره بين السماء والأرض ثم يجعله ركاماً.

وقوله: ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ وقيل: "خلله"؛ أي: من خلال السحاب ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ قال بعضهم: جبال من ثلج ينزل الله على السحاب منها الثلج والبرد.

وقال بعضهم: جبال خلقها الله من برد في السماء ثم ينزل.

وليس في الآية بيان أن الجبال التي ذكر أنها من السماء أنها من ثلج أو برد، سوى أنه أخبر أن فيها برداً؛ فالأشياء تشبه بالجبال وتنسب إليها؛ إما للكثرة، وإما للشدة والغلظ والعظم ثانياً؛ كقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...

﴾ الآية [النمل: 88]؛ فجائز أن تكون الجبال المذكورة في هذه الآية هي الجبال التي أخبر أنه ينزلها، أو لا يدري أين هي: في السماء أو فيما بين السماء والأرض؟

وقوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ في نفسه أو زرعه أو ثمره فيضره، ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ﴾ فلا يصيبه، وإن كان على هذا فهو يخرج على التعذيب، وكذلك عمل البرد يفسد في مكان، ويترك مكاناً لا يعمه، ولكن يصيب مكاناً ويخطئ مكاناً.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ من بركته ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ﴾ من بركته، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ قيل: ضوء برقه، كاد أن يقارب أن يذهب ضوء البرق بالأبصار من شدة نوره، ﴿ يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ﴾ تقليبه الليل والنهار واختلافهما: يأتي بهذا ويذهب بالآخر.

يذكر هذا - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ يخبر عن سلطانه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته، وقدرته، ما ذكر من سوق السحاب بين السماء والأرض، وتسخيره، وضم بعضه إلى بعض - دل ذلك أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، ودل نزول المطر وإصابته في مكان دون مكان، وتخطيه موضعاً دون موضع مع اتصال السحاب وانضمام بعض على بعض على السواء أنه على التدبير والعلم كان ذلك، لا بطباع السحاب، أو على جزاف.

ودل جريان الأمر واتساق التدبير فيما ذكرنا، وفي اختلاف الليل والنهار، وتقليبهما من حال إلى حال، من النقصان إلى الزيادة، ومن الزيادة إلى النقصان، واتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما - أنّه تدبير واحد، لا عدد؛ إذ لو كان تدبير عدد، لمنع بعض بعضاً عما يريد من التدبير والنفع، دل ذلك كله على أنه واحد، عليم، قادر، مدبّر، لا يعجزه شيء؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ ﴾ ؛ لما ذكرنا فيه من وجوه الاستدلال والاعتبار.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ يُزْجِي ﴾ أي: يسوق ﴿ رُكَاماً ﴾ بعضه فوق بعض ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ ﴾ أي: المطر ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ و ﴿ خِلاَلِهِ ﴾ ، ﴿ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ ضوءه.

قال أبو عوسجة: والركام: الكثير المتراكم الذي بعضه فوق بعض؛ يقال: ارتكم الشيء، أي: صار بعضه على بعض، ويقال: ركمت المتاع أركمه ركماً: إذا جعلت بعضه فوق بعض، والودق: المطر؛ يقال: ودقت السماء تدق ودقاً: أي: مطرت ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ أي: من بينه، وواحد الخلال: خلل، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ السنا مقصور، وهو الضوء؛ يقال: السنا: النار، وهو واحد.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ ﴾ هو - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ ذكر السحاب وما فيه من التدبير والعلم والحكمة، وذكر - أيضاً - تقليبه الليل والنهار وما فيهما من التدبير والعلم والحكمة والقدرة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ ﴾ يذكر قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ أخبر أنه خلق الخلائق كلهم من هذا الماء، على اختلاف أجناسهم وجواهرهم من شيء واحد وأنهم لم يكونوا بالطباع كذلك، ولكن بتدبير واحد عالم بذاته، لا بعلم وتدبير مستفاد، ولكن علم ذاتي؛ إذ لو كانوا بالطباع لخرجوا على تقدير واحد وصفة واحدة.

والثاني: أنه لا أحد من حكماء البشر يدرك كيفية إنشاء هذا العالم، وخلق هذه الخلائق من هذه المياه فإنه خلق ذلك، وليس في تلك المياه معنى ولا شيء من جوهر الخلائق دل إنشاؤه إياهم أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء يخلق بسبب وبغير سبب، وأنه خلق الخلائق بحكمة ذاتية؛ إذ لم يدرك ذلك حكماء البشر.

ودل خلق هذه الخلائق على هذه المعاني والأسباب أنه لم يخلقهم عبثاً ليتركهم سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم؛ فإذا ثبت الأمر والنهي ثبت الإحياء من بعد الممات للجزاء.

ودلت قدرته على خلق هذه الخلائق من الماء أنه قادر على الإحياء، وأنه لا يعجزه شيء؛ لأن من قدر على هذا لقادر على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ ﴾ يذكر هذا - والله أعلم - لأحد وجهين: إما تذكيراً إياه نعمه ومننه وفضله الذي أعطاهم وإحسانه الذي أحسن إليهم؛ لأنه أخبر أنه خلق هذا العالم معتدلا سويّاً من غير أن كان منهم اختيار لذلك.

أو يستوجبون ذلك قبله، وخلق غيرهم من الدواب منكبين على وجوههم وماشين على بطونهم، وذلك فضل منه ونعمة.

أو ذكر مثالا بحال الكفرة في الآخرة؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ...

﴾ الآية [الملك: 22]؛ أخبر أن الكفرة يكونون منكبين على وجوههم، وأهل الإسلام يمشون منتصبين مستوين ﴿ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ بسبب وبغير سبب ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة بالطباع.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يُعَاقِب الله بين الليل والنهار طولًا وقصرًا، ومجيئًا وذهابًا، إن في ذلك المذكور من الآيات من دلائل الربوبية عظة لأصحاب البصائر على قدرة الله ووحدانيته.

<div class="verse-tafsir" id="91.vqp3G"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل